المصحف لوجدت الكلمة فيها هكذا ﴿ملك﴾ بالميم واللام والكاف، ولكنَّ حفصًا يقرأ عن عاصم - وهي قراءتنا نحن المصريين - في فاتحة الكتاب ﴿مالك﴾ بالألف بعد الميم، وكذلك يقرأ آية آل عمران، أما في سورة الناس فيقرأ ﴿ملك﴾ بدون الألف، فلو كان حفص يقرأ وفق الرسم والشكل لقرأ الثلاثة ﴿ملك﴾ ولكنه يقرأ بالرواية المتواترة. وانظر تفصيلاً أكثر في كتاب الدكتور عبد الفتاح شلبي: رسم المصحف العثماني ص ٣٣.
والمثال الثاني: قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله تباركت أسماؤه: ﴿لا بيع ولا خلة﴾ [البقرة: ٢٥٤]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو الآية الأولى ﴿فَلا رَفَث وَلا فُسُوقٌ﴾ بالضم والتنوين، وقرءا الآية الثانية ﴿لا بَيْعَ فِيهِ وَلا خُلَّةَ﴾ بفتحة واحدة خفيفة.
ووجه قراءة الضم أن "لا" هنا تعمل عمل "ليس" فيرتفع الاسم بعدها على أنه اسمها، ووجه قراءة الفتح أن "لا" هنا هي النافية للجنس، فالاسم بعدها يبنى على الفتح في محل النصب، ويقال: إنه اسم "لا" النافية للجنس، التي تعمل عمل "إنَّ".
فلو كان ابن كثير وأبو عمرو يقرءان وفق الشكل أو الوجه النحوي لقرءا الآيتين قراءة واحدة، إما بالضم في الاثنتين، أو بالفتح فيهما، ولكنها الرواية والتلقي.
ولا أحب أن أغادر هذا المكان دون أن أناقش هذه القراءة التي أشار إليها الأستاذ الفاضل (جعل السفينة في رجل أخيه) - وهي تصحيف لقوله تعالى من الآية ٧٠ من سورة يوسف ﴿جعل السقاية فى رحل أخيه﴾.
فهذه القرءة مما يتكفه به أهل زماننا، وواضح أنها قراءة مصنوعة، كما صنعت أمثلة أخرى من التصحيف أريد بها التسلي أو الإِضحاك ممن نسبت إليه.
وهذه القراءة المصحَّفة تنسب إلى "عثمان بن أبي شيبة" المتوفى سنة ٢٩٣ هـ ويقولون إنه نبه على هذا التصحيف، وأن صواب التلاوة ﴿جعل السقاية فى رحل أخيه﴾ فقال: "أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم" ويعلق الحافظ الذهبي على ذلك فيقول:
стр. 492
"فكأنه كان صاحب دعابة، ولعله تاب وأناب" ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٣/ ٣٨، ويقول الحافظ ابن كثير: "وما ينقله كثير من الناس، عن عثمان بن أبي شيبة، أنه كان يصحف قراءة القرآن، فغريب جدًا؛ لأن له كتابًا في التفسير، وقد نقل عنه أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب". الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص ١٧١.
ومما يؤكد كلام ابن كثير هذا أن الأئمة اثنوا على "عثمان بن أبي شيبة" الذي تنسب إليه هذه القراءة المنكرة، فقال عنه يحيى بن معين "ثقة مأمون"، وذكر الذهبي أن الإِمام البخاري أكثر من الرواية عنه في "صحيحه" ... انظر: سير أعلام النبلاء ١٥٣، ١١/ ١٥٢، ١٥٣. فقصة التصحيف في الآية مصنوعة مكذوبة إن شاء الله.
فهذه أخطر قضية يناقش فيها الأستاذ الكبير، وهو مرجو إن شاء الله أن يبادر إلى طبعة جديدة من الكتاب، يصلح فيها هذا الخطأ الضخم.
ومما يناقش فيه المؤلف الفاضل أيضاً ما ذكره في ص ٢٣٠، وهو يتحدث عن خصائص أبي العباس المبرد الأسلوبية في كتابه "الكامل" قال: "ومن لوازم المبرد، في الشرح أن يتبع قوله بكلمة" يا فتى" مما يوحي بأن الكتاب في الأصل أمالي ألقاها على طلابه".
وأقول: هذه العبارة "يا فتى" لا صلة لها بالأمالي، وإنما هي كلمة كان المبرد يستعين بها رمزاً للوصل ولبيان وتحقيق حركة الإِعراب لا حركة البناء في الكلمة التي تسبقها، وقد نبه على هذا العلامة الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة، في تقدمته لكتاب المبرد "المقتضب" ص ١٠٠، وأشار إلى أن سيبويه قد استعمل ذلك مرتين في كتابه، وكذلك ثعلب في مجالس.
قلت: وقد استعمل سيبويه "يا فتى" مرة أخرى في الكتاب ٣/ ٣٢٠.
وهذا نمط من التركيب، يلجأ إليه المصنفون قديمًا، يأتون بكلمة، قد تكون
стр. 493
اسماً وقد تكون فعلاً، بعد كلمة، يريدون بيان آخر حرف منها، إعراباً أو بناء، وقد استعمل ذلك سيبويه وثعلب، كما ذكر الشيخ عضيمة.
وتختلف صيغة هذا التركيب من مؤلف لآخر، فقد استعمل سيبويه "قبل" فقال - في غير ما ذكره الشيخ عضيمة - "ومررتم بجواري قبل" واستعمل أبو عمرو الشيباني "يا فتى" كما استعملها المبرد. فقال: "وما جئته قط يا فتى" كتاب الجيم ٣/ ٧٤، وكذلك أبو سعيد السيرافي، فقال: "هذه جوار يا فتى" ضرورة الشعر ص ٦٥، واستعمل يعقوب ابن السكيت "يا هذا" فقال: "لعب الصبيان خراج يا هذا" إصلاح المنطق ص ٢٨٧ وفي كتابه حروف الممدود والمقصور ص ٧١، استعمل "فافهم" وذلك قوله: "وتميم وقيس يقولون: القصيا فافهم".
واستعمل أبو عمر الزاهد "يا هذا" فقال: "هم النشأ يا هذا" تهذيب اللغة ١١/ ٤١٨، وكذلك ابن دريد، قال "فهو من اللبأ يا هذا" الاشتقاق ص ٣٢٥، وأبو حيان التوحيدي، فقال في جمع حصان "والجمع حصن يا هذا" البصائر والذخائر ١/ ٢٢.
واستعمل سيبويه "كما ترى" قال: "وذلك قولك: جاءٍ كما ترى" الكتاب ٤/ ٣٧٦.
وكذلك استعملها أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي الملقب بكراع النمل، قال: "ويقال: هو شناج كما ترى" المنتخب من غريب كلام العرب ١/ ١٦٠.
وقد خفي المراد من هذه الكلمة على مشيخة دار الكتب المصرية الذين قاموا على تصحيح ديوان كعب بن زهير ﵁، فقد قال شارح الديوان أبو سعيد السكري، يشرح عبارة "الأسود الضواري: الضواري اللواتي قد ضرين بأكل لحوم الناس، الواحد: ضار كما ترى" ديوان كعب بن زهير ص ٢٨.
قال مصححو دار الكتب المصرية في الحاشية: "هذه الجملة "كما ترى" لا لزوم لها في الكلام".
стр. 494
مناقشات مهمة:
وتبقى جملة مناقشات أسوقها بحسب ورودها في الكتاب:
ص ١٨: ضبط الفعل "ينميه" بضم الياء وفتح النون وتشديد الميم، وهو ضبط غير صحيح، فضلاً عن أنه يكسر وزن البيت، والصواب "يَنْمِيهِ" بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم خفيفة. ويقال: نماه إلى أبيه ينميه نميًا: أي نسبه.
ص ٢١: إن بالشعب إلى جنب سلع. والصواب: إن بالشعب الذي دون سلع.
ص ٤٢: أبو عمر إسحاق. والصواب: أبو عمرو. وتكرر في ص ٢٥.
وفي الصفحة نفسها ذكر من تلاميذ المفضل الضبي: ابن العربي. وهذا من التطبيع، والصحيح: ابن الأعرابي، وسيأتي حديثه مرة أخرى.
ص ٤٣: ذكر أن كتاب التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة الأصفهاني مخطوط بإيران. وقد طبع الكتاب بمجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م بتحقيق محمد أسعد طلس، ومراجعة أسماء الحمصي وعبد المعين الملوحي.
هذا ومما يحسن التنبيه عليه هنا أن عبارة المؤلف عن كتاب حمزة في التصحيف توحي بأنه عقد كتابه كله للكلمات المصحفة في القرآن الكريم، فهو يقول بعد ذكر ثلاثة أمثلة من القرآن الكريم، ويرى أنها اختلفت قراءتها للتصحيف بخلوها من النقط - وقد دفعت ذلك بحمد الله - يقول: وأمثلة أخرى كثيرة وقف عليها حمزة الأصفهاني مؤلفًا كاملاً، هو التنبيه على حدوث التصحيف.
والحقيقة أن الكتاب يعالج قضية التصحيف بعامة، في الكلام المنثور والمنظوم. ثم إن ما ذكره حمزة من ذلك في القرآن الكريم إنما شغل من الكتاب ست صفحات ليس غير، من ص ١٥٤ إلى ص ١٥٩، وهو الباب الرابع من الكتاب.
стр. 495
ص ٥٨: ذكر أن آخر من أملى من اللغويين أبو القاسم الزجاجي المتوفى (٣٣٩ هـ) لكنا رأينا بعد ذلك ابن الشجري المتوفى (٥٤٢ هـ) يملي "أماليه" الشهيرة، وابن الحاجب المتوفى (٦٦٤ هـ) يملي "أماليه" المعروفة.
ص ٩٥: ذكر تاريخ وفاة الخطيب البغدادي (١٠٧١ م)، والأولى ذكر التاريخ الهجري (٤٦٣ هـ) وبعده يذكر التاريخ الميلادي، وتكرر ذلك في غير موضع من الكتاب.
ص ٦٧: أشار إلى كتاب أبي العلاء المعري في نقد القرآن، والصواب "نقض" بالضاد، وليس "نقد" بالدال، وقد ذكرت ذلك في المقالة السابقة.
ص ٧١: ذكر المؤلف هنا كلاماً جيدًا عن "طرق التدوين وضوابط النسخ والمقابلة" مما يؤكد الثقة الكاملة بهذا التراث الذي وصل إلينا. وقد أورد المؤلف طائفة جيدة من مراجع هذا الموضوع.
وأحب أن أضيف إلى ما ذكر هذه المراجع:
المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي، للحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى (٣٦٠ هـ)؛ والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي المتوفى (٤٦٣ هـ)؛ والإِلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، لعياض بن موسى اليحصبي السبتي المتوفى (٥٤٤ هـ)، وأدب الإِملاء والاستملاء، لعبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني المتوفى (٥٦٢ هـ)، وكنت قد علقت من هذا الكتاب الأخير كلمة عالية عن الأصمعي، تكتب بماء الذهب، وهي قوله في ص ١٤٥: "من لم يحتمل ذُلَّ التعلم ساعة بقي في ذُلِّ الجهل أبدًا".
ص ٧٧: نقل عن كتاب "المقايسات" لأبي حيان التوحيدي، قول إبراهيم الصابي: "رفع ما وهى يحتاج إلى تدبير" والصواب "رقع" بالقاف، وليس "رفع" بالفاء، ونقل أيضاً قوله: "من جهة صاحبه الأول ومن كان أولى به، وكان كالأبله"، والصواب: "وكان كالأب له" فهما كلمتان لا كلمة. وهذا النقل في ص ١٥٤ من
стр. 496
"المقايسات" تحقيق حسن السندوبي ١٣٤٧ هـ- ١٩٢٩ م، ولم يذكر المؤلف الفاضل رقم الصفحة من المقايسات، وكذلك فعل في كثير من النقول، يذكر النقل، ولا يدل على موضعه من الكتاب المنقول منه، فليته يستدرك ذلك فيما يستقبل من طبعات الكتاب.
وأشد من هذا أن ينفل كلاماً لمؤلف كثير التأليف، دون أن يذكر اسم كتابه الذي ينقل عنه، فضلاً عن أن يذكر رقم الصفحة، ومن ذلك ما ذكره في الصفحة ٧٧ نفسها، قال: "وكان الجاحظ يرى أنه أسهل للمؤلف أن يسود عشر صفحات بالنثر الرفيع، المليء بالأفكار القيمة، من أن يكتشف لمصنفه (في المطبوع: مصنفه) أخطاء ارتكبها، أو أموراً سها عنها" هكذا نقل عن الجاحظ، ولم يذكر لنقله كتاباً، والكلام في كتاب الحيوان ١/ ٧٩، والمؤلف الفاضل تصرف في كلام الجاحظ بعض تصرف، وليته نقله كما هو!
ص ٧٨: ذكر أن ابن الأعرابي حفيد المفضل، والصواب "ربيب المفضل" كانت أمه زوجة له، كما ذكر الوزير القفطي في إنباه الرواة ٣/ ١٣١.
ص ٨٧: ذكر أن المستشرق رودلف جاير حقق ديوان الأعشى، والأدق: حقق ديوان الأعشى والأعشين، وهذا العمل هو المنشور باسم: الصبح المنير في شعر أبي بصير ميمون ابن قيس بن جندل الأعشى والأعشين الآخرين. طبع بفينا سنة ١٩٢٧ م.
(فائدة: الأعشين، هكذا بفتح الشين، وليس: الأعشين بكسرها، وهو جمع مذكر للأعشى في حالة الجر. ولو كان في حالة الرفع لفلت: الأعشون بفتح الشين أيضًا، وهي ما تقتضيه قاعدة الاسم المقصور، نحو مصطفى والأعلى، تقول في جمعهما، في حالة الرفع: مصطفون والأعلون، وفي حالتي النصب والجر: مصطفين والأعلين، قال تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال سبحانه: ﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ [ص: ٤٧]. وقد نبهت على ذلك لأني سمعت كثيراً من الناس يقولون: ديوان الأعشين بكسر الشين).
стр. 497
ص ٩٤: ذكر أن مصادر نسخة السكري من أشعار الهذليين تتمثل في عالم مجهول، اسمه "عبد الملك بن إبراهيم الجمحي"، والحق أن جهالة هذا الرجل ليست مطلقة، فهو - وإن لم تعرف له ترجمة - كان معروفًا للجاحظ وقد روى عنه خبرًا في الحيوان ٥/ ٥٨٧، وهو ذلك الخبر المشهور "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا رأى رجلاً يضرب في كلامه - أي يخلط - قال: أشهد أن الذي خلقك وخلق عمرو بن العاص واحد" فهو معاصر الجاحظ. وانظر مصادر الشعر الجاهلي للدكتور ناصر الدين الأسد ص ٥٦٥، وذكر الأستاذ عبد الستار فراج ﵀، في مقدمة تحقيقه لشرح أشعار الهذليين ص ١١ أن "عبد الله بن إبراهيم الجمحي" هذا كان في طبقة ابن الأعرابي والأصمعي، وذكر عن "الأغاني" رواية الزبير بن بكار عنه.
ثم أرجو من مؤلفنا الفاضل أن يغير عبارة (وأعاد سبكه - أي ديوان الهذليين - النحوي الرماني "إلى" ورواه الرماني النحوي" فإن العبارة هكذا توشك أن تكون من تعبيرات المستشرقين، وأحسب أن هناك فرقًا بين "سبك" و "روى" فإن الرماني روى شعر الهذليين عن أبي بكر أحمد بن محمد بن عاصم الحلواني، عن أبي سعيد السكري، ثم تصلح وفاة الرماني لتصبح (٣٨٤).
ص ١٣٩: ذكر من كتب الأمالي "بهجة المجالس وأنس المجالس" لابن عبد البر. والكتاب صنفه مؤلفه تصنيفًا، ولم يمله إملاءً، فلا يعد من هذه البابة.
ص ١٤٠: ذكر أن "حواشي الصحاح" لابن دريد، والصواب: لابن بري، وهي المسماة: التنبيه والإِيضاح عما وقع في الصحاح، وما عرف منها إلَّا قطعة نشرها في جزئين مجمع اللغة العربية في القاهرة، بتحقيق الأستاذين مصطفى حجازي وعبد العليم الطحاوي.
وفي نفس الموضع ذكر "أمالي ابن بري" من مراجع لسان العرب، وأمالي ابن بري هي حواشيه على الصحاح، فلا تذكر في العدد.
стр. 498
ص ١٤١: ذكر أن تاج العروس قريب في قدره من لسان العرب، والمعروف أن التاج أوسع مادة من اللسان، فمجموع جذور اللسان (٩٢٧٣) جذرًا. ومجموع جذور التاج (١١٩٧٨) جذرًا، راجع مقالتي عن المعاجم اللغوية (الهلال مايو ١٩٥٥).
ص ١٤٤: ذكر أن كتاب أبيات الاستشهاد لابن فارس لا يزال مخطوطًا والكتاب نشره شيخنا عبد السلام هارون -بردِّ الله مضجعه - في المجموعة الثانية من نوادر المخطوطات ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م.
ص ١٥٠: ذكر أيضًا أن كتاب من اسمه عمرو من الشعراء لابن الجراح لما يزل مخطوطًا. والكتاب طبع بتحقيق الدكتور عبد العزيز بن ناصر المانع، بمطبعة المدني بالقاهرة ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.
بالقاهرة ص ١٧٨: عرض للخلاف المعروف في اسم كتاب الجاحظ، وهل هو "البيان والتبين" بياء واحدة مشددة بعد الباء، أو "التبيين" بياءين اثنتين؟ وهو الخلاف الذي لم يحسم بعد، لكني أحب أن أضيف جديدًا في هذا الموضوع، من واقع التجربة الخاصة.
أولاً: زرت مكتبة القرويين بمدينة فاس بالمغرب الأقصى - حرسه الله - عام ١٩٧٥ م عضوًا في بعثة معهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وهناك رأيت جزءًا مخطوطًا من كتاب الجاحظ، هو الجزء الثالث، وكتب على صدره في العنوان "البيان والتبين" بياء واحدة مشددة مضمومة واضحة جداً. وهذه المخطوطة مكتوبة على رق غزال - وذلك من سمات المخطوطات القديمة - بقلم أندلسي نفيس نفيس موغل في القدم، وجاء بآخر المخطوطة أنها معارضة بثلاثة أصول صحيحة، ذات حواش قيمة: أصل أبي الوليد الوقشي المتوفى (٤٨٩ هـ) وسيأتيك حديث آخر عنه. وأصل عبد الملك بن سراج المتوفى (٤٨٩ هـ) وسيأتيك حديث آخر عنه أيضًا. وأصل عطاء بن الباذش - لم أعرف تاريخ وفاته - ولم ير شيخنا عبد السلام هارون هذا الجزء النفيس من الكتاب.
стр. 499
ثانيًا: هذا التوثيق لكلمة "التبين" التي جاءت في صدر هذه المخطوطة العتيقة قد يعكر عليه ما قرأته في كتاب العواصم من القواصم، لأبي بكر بن العربي، ص ٤٧٧ من الجزء الثاني - تحقيق الدكتور عمار طالبي - وطبعته هي الطبعة الكاملة للكتاب، ولا تغتر بتلك الطبعة التي تحمل اسم الشيخ الجليل محب الدين الخطيب، فإنما هي جزء صغير من الكتاب، خاص بتاريخ الصحابة، وقد نبه الشيخ محب الدين على ذلك. قرأت في ذلك الموضع من الكتاب كلام ابن العربي عن الجاحظ، فقد أشار في سياق ذمه له أنه صاحب كتاب "الضلال والتضليل" ألا ترشح كلمة "التضليل" كلمة "التبيين" من حيث جاءت على وزنها؟
ثم تحدث المؤلف الفاضل عن مخطوطات كتاب البيان والتبيين، ووصفها ودل على أماكنها، ثم ذكر أن الأستاذ عبد السلام هارون نشر الكتاب، مستخدمًا مخطوطات الكتاب، باستثناء مخطوطة مكتبة فيض الله أفندي باستانبول.
والحق أن ذلك كان من شيخنا في الطبعة الأولى للكتاب، أما في الطبعة الثانية الصادرة عام ١٣٨٠ هـ- ١٩٦٠ م فقد رجع إلى تلك المخطوطة، ونص على ذلك في صدر عنوان الكتاب، فكتب هذه العبارة "الطبعة الثانية تمتاز بمقابلتها على نسخة مكتبة فيض الله".
ص ٢٢٠: ذكر من كتب المبرد التي لا تزال مخطوطة: المذكر والمؤنث، والتعازي والمراثي، وقد طبع الكتابان: الأول عن دار الكتب المصرية عام ١٩٧٠ م، بتحقيق الدكتور رمضان عبد التواب، والدكتور صلاح الدين الهادي، والثاني عن مجمع اللغة العربية بدمشق عام ١٩٧٦ م بتحقيق الأستاذ محمد الديباجي.
ص ٢٣١: ذكر أن كتاب التنبيهات على أغاليط الرواة، لعلي بن حمزة مخطوط بدار الكتب المصرية، والكتاب طبع بدار المعارف مصر ١٣٨٧ هـ- ١٩٦٧ م، مع كتاب المنقوص والممدود للفراء، بتحقيق العلامة عبد العزيز الميمني الراجكوتي.
стр. 500
ص ٢٣٢: ذكر المؤلف الفاضل من شروح الأندلسيين على الكامل للمبرد: شرح أبي الوليد الوقشي المتوفى (٤٨٩ هـ)، ويسمَّى "نكت الكامل" وشرح ابن السيد البطليوسي المتوفى ٥٢١ هـ، وذكر أن هذين الشرحين مفقودان إلى الآن، وإن كان السيوطي ٩١١ هـ والبغدادي ١٠٩٣ هـ قد أشارا إليهما ونقلا عنهما.
قلت: وهذان الكتابان وإن كانا قد فقدا إلى الآن، فقد حفظهما عالم أندلسي قريب من عصرهما هو: أبو الحسن علي بن إبراهيم المعروف بابن سعد الخير الأنصاري البلنسي المتوفى (٥٧١ هـ) فقد جمع بين شرحي الوقشي والبطليوسي، وسمَّى ذلك كتاب "القرط على كامل المبرد" وقد سَلِمَ من هذا "القرط" نسختان مخطوطتان، إحداهما بمكتبة إسماعيل صائب أفندي بأنقرة بتركيا، وتاريخ نسخها (٦٥٨ هـ) والنسخة الثانية وجدت في الزاوية الحمزاوية بصحراء تمجروت من المغرب الأقصى - حفظه الله - ثم نفلت إلى الخزانة العامة بمدينة الرباط، وتاريخ نسخها مجهول لوجود بتر في آخرها، لكنها جيدة الخط.
وعن نسخة تركيا فقط قام باحث باكستاني، هو "ظهور أحمد أظهر" بتحقيق الكتاب، وحصل به على درجة الدكتوراه من كلية اللغة العربية بجامعة "البنجاب" ثم نشره بالمطبعة العربية بلاهور سنة ١٤٠١ هـ- ١٩٨٠ م.
وجاء بعده باحث من أهل الطائف بالمملكة العربية السعودية هو "حمد عبد الله أحمد الزائدي" وقدم دراسة الكتاب وتحقيقه إلى كلية اللغة بجامعة أم القرى وحصل بذلك على درجة الدكتوراه سنة ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م. وقد استفاد هذا الباحث من مخطوطة المغرب التي لم يرها الباحث الباكستاني.
ويلاحظ أن البلنسي يسمِّي شرحي الوقشي والبطليوسي: الطرر والحواشي على كتاب الكامل.
وتأمل أيها القارئ العزيز: كيف ضاعت كتب وحفظتها كتب: فهذا عمل الوقشي والبطليوسي يضيع، لكن البلنسي يحفظه في عمل يجمعهما، وقد عرفت هذه الظاهرة في غير كتاب من تراثنا، وهذا من حفظ الله وكلاءته لعلوم الأمة ومعارفها.
стр. 501
ص ٢٣٤: تحدث عن طبعات الكامل للمبرد، وأحب أن أضيف أن أصح طبعاته إلى الآن هي طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م، بتحقيق الدكتور محمد أحمد الدالي.
ص ٢٤١: ذكر من مؤلفات المبرد كتابه "الفاضل والمفضول" والكتاب مطبوع بدار الكتب المصرية ١٣٧٥ هـ- ١٩٥٦ م، بتحقيق العلاَّمة عبد العزيز الميمني الراجكوتي بعنوان "الفاضل" فقط، وقد رجح الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، في تقديمه للكتاب والأستاذ الميمني في خاتمته أن صواب العنوان "الفاضل" ليس غير.
ص ٢٦١: ذكر أن كتاب "مقاتل الطالبيين" لأبي الفرج الأصبهاني طبع بالقاهرة منذ أعوام غير بعيدة وهو يريد تلك الطبعة التي أذاعها شيخنا السيد أحمد صقر ﵀، بمطبعة عيسى البابي الحلبي ١٣٦٨ هـ- ١٩٤٩ م، والحق أن الكتاب طبع قبل ذلك طبعتين: الأولى في طهران سنة ١٣٠٧ هـ، والثانية في النجف الأشرف بالعراق سنة ١٣٥٣ هـ.
ص ٢٦٦: في تحليله لمنهج أبي الفرج في الأغاني أنه كان يعمد لشرح الألفاظ الغامضة فيما يورده من شواهد. وأحب أن أشير هنا إلى عمل نافع جدًا، قام به الدكتور حسن محسن: فقد استخرج شروح أبي الفرج هذا من أجزاء كتاب الأغاني - على ضخامتها - وجمعها مرتبة في كتاب سماه "معجم الألفاظ المفسرة في كتاب الأغاني" ونشرته وزارة الأعلام بالكويت ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م فأسدى الجامع وأسدت الوزارة بذاك يدًا جليلة إلى تراثنا اللغوي والأدبي، وبمثل هذه الأعمال يستفيد "المعجم الكبير" الذي يضطلع به مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فليست اللغة في المعاجم فقط.
ص ٢٦٩: ذكر أن الطبعة الثانية من كتاب الأغاني قام بها الحاج محمد الساسي والصواب: المغربي، وقد كتبت عنه في كتاب الهلال (الكتاب المطبوع في مصر في القرن التاسع عشر. أغسطس ١٩٩٦ م) في الصفحات ١٠٠، ١٠٢، ١٥٤.
стр. 502
ص ٣٦٠: ذكر أن كتاب رايات المبرزين لابن سعيد الأندلسي نشره المستشرق الأسباني غرسية غومث بمدريد عام ١٩٤٢ م. وأضيف: أن الكتاب أعيد نشره نشرة علمية محررة، بتحقيق الدكتور النعمان القاضي، وصدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإِسلامية بالقاهرة ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م، ورحم الله ذلك المحقق "النعمان القاضي" فقد كان من أفاضل الناس.
ص ٣٧٦: أشار إلى الأجزاء الثلاثة التي طبعت بالقاهرة من كتاب إزهار الرياض في أخبار عياض، في الأعوام ١٩٣٩ م، ١٩٤٠ م، ١٩٤٢ م، بتحقيق الأساتذة مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي، ثم ذكر أن بقية الكتاب لا تزال مخطوطة. وأبشر الأستاذ الكريم بأن هذه البقية قد طبعت في جزءين بالمغرب العزيز بدعم من صندوق إحياء التراث الإِسلامي المشترك بين المملكة المغربية ودولة الإِمارات العربية المتحدة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، بتحقيق الأساتذة سعيد أعراب، ومحمد بن تاويت، وعبد السلام الهراس، مع إعادة الأجزاء الثلاثة المطبوعة بالقاهرة بالتصوير، مع استدراكات وتصويبات عليها.
وبعد: فلم يبق إلاَّ تقديم أصدق التحية والشكر للأستاذ الكبير الدكتور الطاهر أحمد مكي، على هذا العمل الجليل الذي هو خير ما يقدم لأبنائنا في هذه المرحلة من العمر، وإن كانت مادة الكتاب مما يفيد منها كل قارئ للعربية، ثم أعود إلى ما اقترحته في صدر كلمتي من أن يكون هذا الكتاب - وبخاصة المائة صفحة الأولى - فرض عين على كل طالب علم في كلياتنا ومعاهدنا المعنية بالدراسات العربية والإِسلامية، لا استثني معهدًا أو كلية، والله الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
стр. 503
الشيخ محمود شاكر .. وتاريخ ضخم (١)
إن أقصى ما يعرفه كثير من الناس الآن - وبخاصة الشباب - عن أبي فهر أنه صاحب الخصومة مع الدكتور طه حسين حول قضية الشعر الجاهلي وحول المتنبي، وصاحب الخصومة مع الدكتور لويس عوض حول أبي العلاء المعري والفتن الأخرى المنشورة في "أباطيل وأسمار"، ثم يعرفه المشتغلون بالدراسات الأدبية بقراءته الفذة وشرحه النفيس لطبقات فحول الشعراء لابن سلاَّم، ودلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، ثم تحقيقه المعجب لتفسير الطبري وتهذيب الآثار، ويجمل بعضهم معرفته به في هذه العبارة الفضفاضة التي لا تدل على شيء "شيخ المحققين".
والحقيقة أن الرجل وراء ذلك كله، وفوق ذلك كله، إنه تاريخ ضخم لرجل تنبه منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب إلى هموم أمته وما يراد بها ويكاد لها، وقد فطن منذ عقل إلى أن الطريق الوحيد للتغيير هو العلم والمعرفة، فانصرف إليهما، ولم يشغل بغيرهما، ثم أخذ نفسه بأسلوب صارم حازم، فقرأ القرآن صبيّا، وأقبل على الشعر مبكرا، يحفظه لا كما يحفظه الناس، مقطوعات للإِنشاد والتسلي والمطارحة في المجالس، وإنما الشعر عنده باب العربية كلها، وقد قاده الشعر إلى كتب العربية كلها، فالمكتبة العربية كلها عند أبي فهر كتاب واحد، والعلوم العربية عنده علم واحد، فهو يقرأ صحيح البخاري كما يقرأ الأغاني، ويقرأ كتاب سيبويه قراءته لمواقف عضد الدين الإِيجي، فهو بتعبيرنا المصري "خد البيعة على بعضها"، وهكذا
стр. 504
خالط أبو فهر العربية منذ أيامه الأولى، وعرف مناهج الكتب والكتاب في مختلف فنون العربية، وخبر مصطلحات الأقدمين وأعرافهم اللغوية، وهذا فرق ما بينه وبين سواه من الكتاب والنقاد.
فأنت قد تجد ناقداً ذا ذوق وبصيرة، ولكن محصوله اللغوي على قدر الحاجة، وقد تصادفه جمع بين الذوق والبصيرة واللغة ولكن معارفه التاريخية لا تتجاوز الشائع العام الدائر على الألسنة، وقد تراه فاز من الثلاثة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنك لن تجد عنده ما تجد عند أبي فهر من الأنس بالمكتبة العربية كلها في فنونها جميعاً، ودوران هذه الفنون في فكره وقلبه دوران الدم في العروق.
ولقد سارت حياة أبي فهر في طريقين استويا عنده استواء واضحاً عدلاً:
الطريق الأول طريق العلم والمعرفة، يعب منهما ولا يروى.
والطريق الثاني: التنبه الشديد لما يحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر، وما يراد لثقافتها وعلومها من غياب واضمحلال، وظل حياته كلها قائماً على حراسة العربية والذود عنها، يحب من أجلها ويخاصم من أجلها.
وقد احتمل في حالتيه من العناء والمكابدة ما تنوء بحمله العصبة أولو القوة.
وقد حارب أبو فهر في جهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة، حارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بحروف اللاتينية، وحارب الدعوة إلى هلهلة اللغة العربية والعبث بها بحجة التطور اللغوي، وحارب الخرافات والبدع والشعوذة، وقد حارب في كل ذلك وحده غير متحيز إلى فئة، أو منتصر بجماعة، وهو صلب عنيد فاتك، القى الدنيا خلف ظهره ودبر أذنيه، فلم يعبأ بإقبالها أو إدبارها، واستوى عنده سوادها وبياضها.
ولقد أقصي كثيراً عن محافل الأدب ومجالي الشهرة فلم يزده ذلك إلا إصراراً وثباتاً، ووقف وحده في ساحة الصدق شامخ الرأس مرفوع الهامة يرقب الزيف ويرصده ويدل عليه، ولم يجد خصومه في آخر الشوط إلا أن ينفروا الشباب عنه،
стр. 505
ويبغضوه إليهم بما أشاعوه عن حدته وبأسه وتعاليه، ونكص من نكص مسيئاً في نكوصه، وثبت من ثبت محسناً في ثباته.
ومع كل هذا الحصار الذي ضرب حول الأستاذ الإِمام فقد خلص إليه أهل العلم ومحبو المعرفة، ينهلون من هذا المنهل العذب، فكان بيته جامعة عربية ضخمة: طوائف من الناس من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، وسعهم هذا البيت المفتوح دائماً، ولم يفتح لهم يوماً دون يوم أو ساعة دون ساعة.
ولأبي فهر في البيان طريق معجب، وأسلوبه في الكتابة أسلوب عال، تحدر من سلالة كريمة، ومداره عى التذوق الذي واتاه بعد دربة طويلة متوارثة، انطلقت من الشعر الجاهلي الذي هو أنبل كلام العرب وأشرفه، ثم استقرت عند القرآن العظيم الذي هو البيان الإِلهي الملفوظ، وقد أفضى به ذلك إلى الإِحساس العميق باللفظ العربي في ترجيعه ونغمته: في الدلالة والألفاظ والتراكيب والصور. وأسلوب أبي فهر بعد ذلك أسلوب كاتب يحترم قارئه ويحبه ويؤنسه ويمتعه، ولا يتعالى عليه بالإِغماض، ولا يعنته بالرمز والإِشارة إلى ما لا تطوله يداه، ولا يستخف به بالثرثرة وفضول الكلام، ولو كان هذا الرجل قد خرج من الملالة والثورة المتفجرة في نفسه التي لا تهدأ، لأتى بكل عجيبة وغريبة، ولكن الله يثبط أقواماً ليرزق آخرين، على أن هذه الملالة التي حجزته عن كثرة التأليف والكتابة جاءت بخير كثير، فقد أخلت وجهه لطلاب المعرفة من الشرق والغرب.
وبعد، فيا أبا فهر:
لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك إلا أن ما طاح طائح
يودون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا تدفع الموت النفوس الشحائح
رحمك الله رحمة واسعة سابغة، وجعل كل ما قدمته لأمتك ولعروبتك في موازينك يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً.
* * *
стр. 506
محمود شاكر .. والديار التي خلت (١)
وقالوا الإِمام قضى نحبه ... وصيحة من قد نعاه علَت
فقلت فما واحد قد مضى ... ولكنه أمة قد خلت
وليس في وصف محمود شاكر بأنه أمة وحده شيء من استرسال القلم بدواعي الشجن لحادثة الموت وفوت الأماني بطلب البقاء، فإن سيرة هذا الرجل تنطق بأنه واحد في هذا العصر، فلا يشبهه أحد من أدباء زماننا، وما ظنك بأديب قرأ كتب العربية في فنونها كلها، لا أستثني فناً ولا علماً. أقول قولي هذا غير شاك ولا متردد، فقد خالطت محمود شاكر ثلاثين عاماً، وخبرت سواده وبياضه، وعرفت علنه، وأطلعني على كثير من سره، ونظرت في مكتبته الضخمة فإذا على كل كتاب منها اثر قراءة ونظر وتعليق.
لقد ولد محمود شاكر في أول فبراير ١٩٠٩ م، وتوفي في ٧ أغسطس ١٩٩٧ م، فهذه ثمانية وثمانون عاماً، قضى منها سبعين عاماً في القراءة والنظر والكتابة، وهذا تاريخ موثوق به، فقد ظهر اسمه في أول عمل علمي سنة ١٩٣٧، حين صحح صفحات من كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة، الذي أخرجه الشيخ محب الدين الخطيب في ذلك العام، وأشار إلى صنيع محمود شاكر في مقدمته، ومعلوم أنه التحق بكلية الآداب عام ١٩٢٦ م، وقد اتصل بالعلم من قبل، فقد أخبرني ﵀ أنه قرأ "لسان العرب" كله، و "الأغاني" كله، وهو طالب بالثانوي، فهل تظن أن أديباً من أدباء عصرنا قرأ هذين الأثرين، وهو في سن الثالثة عشرة أو الخامسة عشرة؟
стр. 507
وتروح أيام وتجيء أيام، ويظل محمود شاكر لصيقاً بالكتاب، لا يكاد يدير وجهه عنه. لقد ألقى محمود شاكر الدنيا خلف ظهره ودَبْر أذنيه، ولم يبال بإقبالها أو إدبارها، وفرغ للعلم والمعرفة، وقد أعانه على أمره عقل فذ، ونفس متوثبة، وأشياء كثيرة مركوزة في الطبع، مذخورة في أصل الخلقة، مما يصطفي الله بها خلقه من الأنبياء وأصحاب الرسالات وصناع الحضارات.
وقد كتبت عن محمود شاكر كثيراً، وحاولت أن ألتمس وجوهاً من الوصف تنبئ عن حقيقة حاله ومكنون أمره، وغاية ما انتهيت إليه أن الرجل رزق عقل الشافعي وعبقرية الخليل ولسان ابن حزم وجلَّد ابن تيمية، بل إني رأيت أن ليس بينه وبين الجاحظ أحد في الكتابة والبيان، وكنت أرى أن كل هذا الذي قلته غير كاف في حقه، حتى وقفت على ما أريد من وصفه في كلام لأبي حيان التوحيدي، يقارن بين الجاحظ وابن العميد، يقول أبو حيان:
"إن مذهب الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان، ولا تجتمع في صدر كل أحد، بالطبع والمنشأ والعلم والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ. وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلَّما ينفك منها أحد".
فهذا كلام مفصل على محمود شاكر تفصيلاً، ومصروف إليه صرفاً، ويزد عليه غيرته الشديدة على العربية ودفاعه الحار عنها، وخوضه تلك المعارك الرهيبة التي خاضها بقلب رجل صلب عنيد فاتك، وقد خاض معاركه كلها وحده، غير متحيز إلى فئة ولا منتصر بجماعة.
وبعد: فيا أبا فهر، أي علم باذخ طوي بموتك، وأي دليل هاد غاب برحيلك، وأي ضوء ساطع طفئ بغيابك، وأي حزن أسود نشب بالقلب بفقدك:
ما في الصحاب أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا صب نجاريه
وليرحمك ويرحمنا الله.
* * *
стр. 508
أجمل كتاب في حياتي:
"البيان والتبيين"، للجاحظ (١)
الكتب كالبشر، منها ما تعرفه ثم لا تُطيقه فتلفظه، ومنها ما تأنس به ساعة من نهار، وقد تؤمل فيه خيراً فتستبقيه في ركن من نفسك، علَّك أن تعود إليه يوماً، لكنك تكتشف من قريب أنه ليس بذاك فتعرض عنه، ومنها ما يخطف بصرك ويعلق بقلبك فإذا أنت منجذب إليه ومعقود به، لا تكاد تدير وجهك عنه، وكأنه "سالم" ذلك الذي يقول فيه أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵃:
يُديرونني عن سالم وأُديرهُمْ ... وجلدةُ بين العين والأَنف سالم
وكُتب أبي عثمان الجاحظ من هذه الطائفة الثالثة. وقد عرفت الجاحظ أيام الطلب، وكان أساتذتنا رضوان الله عليهم يعرّفوننا بأعلام تراثنا ويقدمونهم إلينا في صورة محفوفة بالجلال ملففة بالمهابة، وكان تعريفهم لنا بهؤلاء الأعلام مقروناً بنصوص من كلامهم، يقرأونها علينا، ويخوضون بنا لججها، ويكشفون لنا عن أسرارها، فعرفنا العربية صافية قبل أن تكدرها الدلاء، فلم يكن الدرس الأدبي واللغوي في أيامنا غارقاً في ضباب المصطلح والنظرية، وتقويم الفكر العربي، وسائر تلك التهاويل الفارغة والدعاوى العريضة التي فتحت الباب للصغار يعبثون بتاريخهم وعلومهم!
ما علينا، عرفت في ذلك الزمان الجاحظ، مع من عرفت من أعلام النقد
стр. 509
العربي: أبو الهلال العسكري، وأبو الحسن الآمدي، والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، والشيخ عبد القاهر الجرجاني، ثم كان من صُنع الله لي وتوفيقه إياي أن تخلُص أيامي للتراث العربي في فنونه المختلفة: ناسخاً للمخطوطات ومفهرساً لها ومحققاً لنصوصها، ثم كان من فضل الله وإنعامه علي أيضاً أن أتصل بأعلام التراث وناشريه: محمود محمد شاكر وعبد السلام هارون والسيد أحمد صفر ومحمد أبو الفضل إبراهيم وحسن كامل الصيرفي، وهؤلاء جميعا فتحوا لي أبواباً من النظر، ودلوني على فوائد من الكتب، ما كنت لأقف عليها وحدي. وهذه ثمار مجالسة أهل العلم والرواية عنهم، وهذا مما حُرم منه شباب هذه الأيام.
ولقد كان من وصاة شيخنا محمود محمد شاكر -عليه رحمة الله - أن نقرأ الكتب كاملة، وإلاَّ نتعامل معها تعامل المراجع والمصادر، نأخذ حاجتنا ونمضي، كالطائر العجل يَحْسُو من الماء حُسوة ثم ينطلق في فضاء الله.
وكان من وصاته لنا أيضاً أن نقرا كتب الأدب التي تعنى باللغة والنحو مثل: كتاب الكامل للمبرِّد، وأمالي أبي علي القالي، وشرح الحماسة للمرزوقي، ولكنه ﵀ لم يكن يتحمس للجاحظ كثيراً، مع إجلاله له وحفاوته به، لأنه يرى أن الجاحظ يستطيل على الناس بذكائه، ويخدعهم بتصرفه في القول والبيان، ولعل الذي زهّد شيخنا في الجاحظ هو ميوله الاعتزالية، والشيخ كما هو معروف من أهل السنة والأثر، ولكني خالفت الشيخ رأيه في الجاحظ، ولعل هذه هي المرة الأولى التي أخالف فيها عن أمره، ألم أنشدك من قبل:
يُديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
أسس حضارة فتية:
وُلد الجاحظ عام ١٦٠ هـ بالبصرة، وتوفي بها عام ٢٥٥ هـ، فهذه خمسة وتسعون عاماً ملأها الجاحظ بالقراءة والنظر والتأليف، ولم يُشغل عن ذلك كله بزوجة ولا ولد، وقد ساعدته على ذلك نفس طلعة، راغبة في المزيد، لا تقنع بما
стр. 510
حصلت، ولا تقف عند ما قاله الأوائل، روي عنه أنه قال: "إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للآخر شيئاً فاعلم أنه ما يريد أن يفلح".
وتروى عنه حكايات كثيرة في شغفه بالعلم والتحصيل. يقول أبو هفان: "لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائناً ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين (باعة الكتب) ويبيت فيها للنظر". وقد استغرقته القراءة حتى أنسته ما لا ينسى. روي عنه أنه قال: "نسيت كنيتي ثلاثة أيام حتى أتيت أهلي فقلت لهم: بم أكنى؟ قالوا: بأبي عثمان". (وهذا شبيه بما نقوله في أيامنا، في مقام التوعد والتهديد: والله أنسيك اسمك).
عاش الجاحظ النصف الثاني من القرن الثاني، والنصف الأول من القرن الثالث، وفي ذلك العصر بالتحديد والقطع - عصر هارون الرشيد وابنه المأمون - وُضعت أصول العلوم العربية، فالبصرة والكوفة وبغداد ومصر ودمشق وقرطبة وسائر عواصم الإِسلام تغلي وتموج بالرواية الشفوية والسماع والتلقي والتدوين، وقد تم نقط المصحف الشريف، وثبتت قراءاته المتواترة عن رسول الله ﷺ المنزل عليه، وعلماء الحديث يجمعونه، ويؤسسون فيه هذا العلم الشامخ "الجرح والتعديل"، وهو أساس القَبول والرد، ويأتي البخاري ومسلم وبقية الستة من أصحاب الجوامع والمسانيد.
وفي ذلك الوقت أيضاً يظهر الأئمة الأربعة، ويدوّنون الفقه الإِسلامي: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، وينفرد الشافعي من بينهم بتأسيس علم أصول الفقه، ويضع فيه مؤلفه الشهير "الرسالة"، ثم يقيم الخليل بن أحمد أساس أول معجم عربي "العين"، ثم يهتدي إلى ضبط أنغام الشعر وبحوره، ويؤسس فيه علماً لم يسبق إليه، وهو "علم العروض" الذي يسميه بعض أهل زماننا "موسيقى الشعر"، وما هي إلا "العروض"، فلا تُسمَّه بغير هذا!
وينهض تلميذ الخليل: سيبويه، فيضع "الكتاب" في علم النحو.
стр. 511
وينشط الإِخباريون بتدوين ما وصل إليهم من أخبار الأمم الماضية، والسيرة النبوية وأخبار الصحابة والتابعين، مثل وهب بن منبه وعبيد بن شرية - وهذان كانا في عصر بني أمية - والواقدي وكاتبه محمد بن سعد، ومحمد بن إسحاق، وعبد الملك بن هشام، ومحمد بن حبيب، وأبي الحسن المدائني، والزبير بن بكار.
ويأتي جامعو اللغة والشعر وشُرَّاحه ونُقَّاده: يونس بن حبيب، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو عمرو الشيباني، ومحمد بن سلّام الجمحي، وأبو عبيدة، والأصمعي، وأبو زيد الأنصاري، بحار علم جاشت أمواجها وأزبدت وتدفقت.
ويتألق فرسان الترجمة من اليونانية: جبريل بن بختيشوع، ويوحنا بن ماسويه، ويوحنا البطريق، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرّة. ومعظم هؤلاء قد ولي الترجمة في أيام الرشيد والمأمون، وقد كانت صلتهم بالعربية قوية، فيُروى أن "حنين بن إسحاق" - وكان فصيحاً جداً في اليونانية - لزم الخليل بن أحمد حتى برع في لسان العرب، وهو الذي أدخل كتاب "العين" بغداد، كما يقول ابن جلجل في طبقات الأطباء والحكماء.
فهذه أسسى حضارة كاملة، قامت ماتعة فتية في نحو مائة وخمسين عاماً، فأيُّ زمن هذا؟ وأية أمة هذه؟
عاش الجاحظ ذلك العصر كله، وقرأ آثاره كلها، وروى عن رجاله وأعلامه، واستوعب حصاده كله، وأتاه حقه فأودعه جميعه في مؤلفاته الكثيرة، التي يقول عنها المسعودي: "لا يُعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه". وقد أحصى ياقوت الحموي من مؤلفات الجاحظ مائة وثمانية وعشرين مصنفاً، طبع منها: الحيوان والبيان والتبيين والبخلاء والعثمانية والبرصان والعرجان والعميان والحولان، والرسائل، والتاج في أخلاق الملوك (المنسوب إليه).
стр. 512
التصاق الفن بالنفس:
وأنت حين تقرأ كتب الجاحظ هذه إنما تقرأ ثقافة القرون الثلاثة كلها - رواية وتدويناً - وهذا شأن الكاتب الكبير، يفتح منفذاً يُفضي إلى منافذ، ويشق باباً يدل على أبواب.
وأحسب أني لو تركت القلم يسترسل في وصف علم الجاحظ وأدبه لما انتهيت إلى غاية، فحسبي هنا أن أنقل كلام ذلك العالم الجليل المجهول القدر الدكتور طه الحاجري، ﵀، يقول في مقدمة تحقيقه لكتاب البخلاء: "كان الجاحظ إماماً من أئمة الكلام، وزعيماً من زعماء المعتزلة، وصاحب نحلة من نحلهم، وكان عالماً محيطاً بمعارف عصره، لا يكاد يفوته شيء منها، سواء في ذلك أصيلها ودخيلها، وسواء منها ما كان إلى العلم والتحقيق، وما كان إلى الأخبار والأساطير، وكان راوية من رواة اللغة وآدابها وأخبارها، غابرها ومعاصرها، واسع الرواية، دقيق المعرفة، قوي الملكة في نقد الآثار وتمييزها، ولكنه كان فوق هذا كله كاتباً أديباً بكل ما تتضمنه هذه الصفة من رهافة في الحس، وخصوبة في الخيال، وقوة في الملاحظة، ودقة في الإِدراك، وقدرة على التغلغل في دقائق الموجودات، واستشفاف الحركات النفسية المختلفة، وتمكن من العبارة الحية النابضة، والتصوير الكاشف البارع الذي يبرز الصورة بشتى ملامحها وظلالها، في بساطة ودقة وجمال".
وهذه النزعة الفنية التي غلبت على الجاحظ، ووسمت أعماله كلها، ترجع كما يقول الدكتور الحاجري إلى "طبيعة الفن الجميل، من شدة لصوقه بالنفس وتأثيره في الوجدان، وقدرته على مغالبة تقلبات الرأي ومذاهب الحياة، وترجع إلى قوة المزاج الفني وغلبة النزعة الفنية عند الجاحظ"، انتهى كلام الدكتور الحاجري.
وهذه النزعة الفنية هي التي خففت من جفاف تلك المباحث الكلامية التي شحن بها الجاحظ مؤلفاته، وكذلك ما حشده من المعارف والنظريات العلمية السائدة في عصره.
стр. 513
يقول أبو الحسن المسعودي: "وكتب الجاحظ - مع انحرافه المشهور - (يريد ما كان عليه من الاعتزال وعداوة الشيعة، وكان المسعودي شيعياً) تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه اجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة"، مروج الذهب ٤/ ١٩٥.
ويبرز من بين مؤلفات الجاحظ كتابه "البيان والتبيين" معلماً ضخماً من معالم كتب العربية، وباباً واسعاً من أبواب الفكر العربي. ولهذا الكتاب في حياتي أثر ضخم، فهو الذي قادني إلى كتب الجاحظ الأخرى، فقرأتها كلمة كلمة، ولم أتعامل معها تعامل المراجع الخاطفة، ثم هو الذي جذبني إلى كتب العربية الأخرى، ومن قبل ذلك ومن بعده فهو الذي أذاقني حلاوة البيان العربي، وهو الذي هداني إلى هذه الأنغام الجليلة الفخمة المترقرقة من مختار الكلام: شعراً موزوناً معقوداً بقواف محكمة، ونثراً مصقولاً مسنوناً يتهادى بالحرف العربي مشرقاً وضيئاً متسقاً لينصبَّ في السمع، ويتولَّج في القلب، فيحدث تلك النشوة الغامرة، ويمتع بذلك الطرب المؤنس الودود.
ترك الأستاذ على جهله:
والكتاب في وصف بعض الأقدمين يُصِّف ضمن علوم البلاغة بمعناها الواسع، لا بمعناها الذي حُصر فيما بعد بالمعاني والبيان والبديع. يقول أبو هلال العسكري: " وكان أكبرها وأشهرها - يعني كتب البلاغة - كتاب البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو لعمري كثير الفوائد، جمّ المنافع، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة والفِقر اللطيفة، والخطب الرائعة والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبّه عليه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة، وغير ذلك من فنونه المختارة ونعوته المستحسنة" الصناعتين ص ٥.
ويقول ابن رشيق القيرواني - وهو يُعرِّف علم البيان -: "وقد استفرغ أبو عثمان الجاحظ - وهو علامة وقته - الجهد، وصنع كتاباً لا يبلغ جودة وفضلاً،
стр. 514
ثم ما ادعى الإِحاطة بهذا الفن لكثرته، وأنه كلام الناس وأنفاسهم، لا يحيط به إلا الله "، العمدة ١/ ٤٤١.
ويقول المسعودي - وهو يعدد كتب الجاحظ -: "منها كتاب البيان والتبيين، وهو أشرفها، لأنه جمع فيه بين المنثور والمنظوم وغرر الأشعار ومستحسن الأخبار وبليغ الخطب، ما لو اقتصر عليه مقتصر لاكتفى به"، مروج الذهب ٤/ ١٩٦.
وقد وضعه ابن خلدون ضمن علوم الأدب بمعناه الواسع أيضاً، فقال قولته السائرة: "وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين، وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر - يعني الأمالي - لأبي علي القالي البغدادي. وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها"، مقدمة ابن خلدون ص ٥٥٣.
والكتاب بذلك الوصف دائر على مباحث في البيان والبلاغة والخطابة والشعر والأسجاع، مع ما يصحب ذلك كله من عرضه لنماذج من الوصايا والرسائل وطائفة من كلام النساك والقصاص وكلام الحمقى ونوادرهم، ثم بعض الاختيارات البلاغية من الكلام الموثق المنسوب.
وأخشى أن يسرع بك الظن أيها القارئ المبتدئ فتظن إن ذلك الكتاب من كتب الأسمار والتسلية والنوادر وإزجاء الفراغ، وأنه صورة من صور اهتمام أدباء العرب بالجزئي دون الكلي، كما يزعم الزاعمون! وليس الطريق هنالك، إن الجاحظ مفكر قبل أن يكون أديباً، حكى شمس الدين بن خلكان، عن أبي القاسم السيرافي، قال: "حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل بن العميد الوزير، فجرى ذكر الجاحظ، فغض منه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه، فلما خرج الرجل قلت له: سكت أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله! فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته (جاء في وفيات الأعيان: وافقته، بتقديم الفاء على القاف، وهو خطأ، وصوابه بتقديم القاف على الفاء) وبينت
стр. 515
له لنظر في كتبه وصار بذلك إنساناً يا أبا القاسم، فكتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانيا، فلم أستصلحه لذلك "، وفيات الأعيان ٤٧٣/ ٣.
وهذا كلام عال نفيس، فكتب الجاحظ تعلم العقل قبل الأدب، وقد أخذ من ذلك الأستاذ شفيق جبري عنوان كتابه: "الجاحظ معلم العقل والأدب"، وكذلك تعلم العقل كتب أصحاب البيان الآخرين، مثل أبي حيان التوحيدي، الذي يقول عنه الدكتور زكي نجيب محمود: "إنه يعمق بالفكرة ويزخرف باللفظ "، ولكن كثيراً من نقادنا المحدثين قد اصطنعوا فجوة بين الفكر والبيان، وأقاموا حاجزاً عالياً بين قضايا العقل والإِحسان في تأدية المعاني والإِبانة عنها، وقد تسلل هذا الفصل إلى عقول الناشئة فيما يقدم إليهم من الفرق بين الأسلوب العلمي والأسلوب الأدبي.
ومن ثم فقد حكم هؤلاء النقاد على مصطفى صادق الرافعي ومحمود محمد شاكر، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومن إليهم من المحسنين في الأداء، المجيدين في طرائق الكلام، بأنهم بمعزل عن الفكر، وأن بضاعتهم لا تخرج عن الزخرف من القول، والموشى من الكلام. ولعل هذا أحد أسباب الغموض والظلام الذي يشيع في كتابات بعض الأدباء الآن. وقد امتد هذا البلاء إلى مجال الغناء والطرب، فأصبحنا نسمع عن الفرق بين "المؤدي" و "المطرب" وإعلاء شأن المؤدي، والإِزراء بالمطرب، لأن المؤدي هو الذي يلتزم باللحن، ولو كان صوته خشنا غليظاً منكراً، وان المطرب مردد، ولو ظفر من حلاوة الصوت بأوفر الحظ والنصيب! وبالله نستدفع البلايا! (إنتوا عاوزين تعملوا فينا إيه يا جماعة؟ حرمتونا من حلاوة الكلام، والآن تحرمونا من حلاوة الصوت).
وقد عرض الجاحظ في كتابه لقضايا من اللغة، فتحدث عن مخارج الحروف، وأثر اكتمال الأسنان أو نقصها في البيان، وأثر لحم اللثة في النطق، وذكر الحروف التي تدخلها اللثغة، وأي اللثغة أشنع وأيها أظرف. وذكر لكل ذلك المثل والمثلين. وقد أشار إلى طريف من لغة الأطفال، فقال: "والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم: ماما وبابا"، البيان والتبيين ١/ ٦٢.
стр. 516
وقد صار ما أورده الجاحظ من كلام الفصحاء والخطباء، وما انشده للشعراء المقلّين والمكثرين، مدداً لجامعي اللغة وأصحاب المعاجم، فهو قريب عصر بالرواية، مع حافظة واعية تجمع كل شاذة وفاذة.
كتاب شامل للحضارة العربية:
وفد اتسع كتاب البيان والتبيين أيضاً لكثير من أوجه الحضارة العربية، مثل نظم العرب الاجتماعية والسياسية والمالية والخلقية والتعليمية.
وكنت على أن اذكر لك أيها القارئ الكريم شيئاً من حلاوة الكلام في كتابنا هذا: البيان والتبيين، لكني رأيت المقام لا يتسع له، فحسبي أن أنقل لك هنا فاتحته وخاتمته، وحسبك بهما دليلاً على حسن البيان، وجمال الأداء، يقول الجاحظ: "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلُّف لما لا نحسن، كما نعوذ بك من العُجب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العي والحصر، وقديماً ما تعوَّذوا بالله من شرهما، وتضرعوا إلى الله في السلامة منهما".
ثم يقول في خاتمته: "وهذا أبقاك الله آخر ما ألفناه من كتاب "البيان والتبيُّن" (هكذا بياء واحدة مشددة، وراجع ما كتبته في عدد الهلال الماضي) ونرجو أن نكون غير مقصرين فيما اخترناه من صنعته، وأوردناه من تأليفه. فإن وقع على الحال التي أردناها، وبالمنزلة التي أمَّلنا، فذلك بتوفيق الله وحسن تأييده، وإن وقع بخلافها، فما قصرنا في الاجتهاد ولكن حرمنا التوفيق، والله أعلم".
هذا، ولقد كان من فضل الله وإنعامه أن يسّر لكتاب الجاحظ عَلَمين من أعلام العصر، وقفا على تراث الجاحظ، وأعطياه حظه من النظر والفقه والصبر، وبذلا غاية الوسع والطاقة في تحريره وتحقيقه والتعليق عليه، ثم ألبساه حلة العصر بذلك الإِخراج المعجب الأنيق، والفهارس الفنية الكاشفة: عنيت أستاذي العلامة عبد السلام محمد هارون، والأستاذ الجليل الدكتور طه الحاجري، برَّد الله مضاجعهما، وأنزلهما منازل الأبرار، وقد نشر الأول من تراث الجاحظ: الحيوان
стр. 517
ثمانية مجلدات)، والبيان والتبيين (أربعة مجلدات)، والرسائل (أربعة مجلدات، تشتمل على ٤٥ كتاباً ورسالة) والعثمانية، والبرصان والعرجان. ونشر الثاني: البخلاء بمقدمة نفيسة جداً عن النزعة الفنية عند الجاحظ، ثم أبرز الخصائص الفنية في كتاب البخلاء.
وبعد: فلم يبق إلا هذا الرجاء الصادق، أسوقه لزملائنا مدرِّسي العربية في كليات الجامعات ومعاهدها: أن يلتفتوا التفاتة جادة إلى أدب الجاحظ، وبخاصة ذلك الكتاب: البيان والتبيين، وأن يجعلوا من نصوصه نصيباً مفروضاً على تلاميذهم، فقد استقامت بهذا الكتاب ألسنة، وارتقت عليه أذواق، واستوت به ملكات، وكفانا إعراضاً وتجافياً عن موروثنا العظيم، وإنما يغفل الناس عن تراثهم بتلك الغشية التي تصيب الأمم في فترات ضعفها، فتذهل عن ماضيها، ثم لا تقنع بذلك الذهول حتى تضم إليه السخرية منه والتحقير له، وإنما يأتي ذلك كله من الاستخذاء والشعور بالدونية والقهر والغلبة والمسخ والتشويه. وربنا كاشف كل كرب وبلية.
* * *
стр. 518
أيُّ شلاَّل هادر توقَّف ! (١)
في الساعة الخامسة من عصر يوم الخميس ٣ من ربيع الآخر ١٤١٨ هـ - ٧ من أغسطس ١٩٩٧ م دُعي محمود شاكر فأجاب، وبعد نصف ساعة من انتقاله للرفيق الأعلى كنت على رأسه ألقنه الشهادتين، ثم دارت بي الأرض وأنا أنظر إلى هذا الجسد الساكن وقد صرعه الموت، وهو الذي غالب المحن وصارع الشدائد، فلم تلن له قناة، ولم يخفت له صوت، ولم يرتعش في يده قلم، حتى جاءه القاهر الذي لا يُغلب. ثم نظرت إليه أخرى وقلت: أي صوت مجلجل سكت، وأيُّ شلال هادر توقف، وأي نبع عذب غاض، وأي نبت مزهر صوَّح، وأي ركن جليل ساخ، وأي فارس فاتك ترجَّل؟
ثم تذكرت أبيات مطيع بن إياس، يرثي يحيى بن زياد الحارثي:
وينادونه وقد صمَّ عنهم ... ثم قالوا وللنساء نحيبُ
ما الذي غال أن تحير جوابا ... أيها المصقع الخطيب الأديبُ
فلعن كنت لا تحير جواباً ... فبما قد ترى وأنت خطيبُ
في مقال وما وعظت بشيء ... مثل وعظ بالصمت إذ لا تجيبُ
وحين جاء الرجال لينقلوه إلى حيث يشيَّع، وتناولوه من جانبيه لان لهم وانقاد، وهو الذي كان عصيّاً أبياً، ثم تذكرت كلمة معاوية وهو في النزع يُحتضر، يقول لابنيه وهما يقلبانه: "إنكما لتقلبان قُلَّبا حُوّلاً". والقُلَّب: الرجل العارف
стр. 519
بالأمور، الذي ركب الصعب والذلول، وقلب الدنيا ظهراً لبطن، والحُوَّل: ذو التصرف في الأمور، وكذلك كان محمود شاكر.
ثم اعتراني ما يعتري الناس من غم، وركبني ما يركبهم من هم، لفقد الأحباب وغياب العلماء، وبذهابهم يذهب العلم، على ما جاء في الأثر: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء". ولكن ماذا نصنع وكل حي إلى فناء، وكل جديد إلى بلى، والملجأ الله، منه يأخذ المحتسب، وإليه يرجع الجازع.
ولقد كتبت عن محمود شاكر غداة وفاته، وكتبت عنه من قبل، وأبنت عن تاريخه الحافل مع العربية: تحصيلاً لها وإحاطة بها، وذوداً عنها، ومنافحة دونها، وكشفاً لأسرارها، مما تفرد به ولم يدانه فيه احد من أدباء جيله، لكني استسمح القارئ الكريم أن أعيد كلمة كنت قد كتبتها بالأمس القريب، تلك كلمة أبي حيان التوحيدي، يقارن بين الجاحظ وابن العميد: "إن مذهب الجاحظ مدبر بأشياء لا تلتقي عند كل إنسان، ولا تجتمع في صدر كل أحد، بالطبع والمنشأ والعمل والأصول والعادة والعمر والفراغ والعشق والمنافسة والبلوغ. وهذه مفاتح قلما يملكها واحد، وسواها مغالق قلما ينفك منها أحد".
فاقرأ هذا الكلام العالي، وأعطه حظه من النظر والتأمل، ثم نزَّله على محمود شاكر - إن كنت تعرفه معرفتي - وستراه مفصلاً عليه تفصيلاً، ومصروفاً إليه صرفاً. وللناس أن يتكلموا عن علم محمود شاكر وجهاده، ما شاء الله لهم أن يتكلموا، فالحوض ملآن والنفس جياشة، ولكن الحديث عن مجلسه مما ينبغي الوقوف عنده وتأمله! فأيُّ رجل كان محمود شاكر؟ وأيُّ مجلس كان مجلسه؟ وأيُّ أنس كان يشيع في هذا المجلس؟ وأيُّ علم كان يتفجر في رحابه؟
لقد قلت في بعض ما كتبت: إنه لم يحظ أحد من أدباء هذا الجيل بمعشار ما حظي به محمود شاكر، من الالتفاف حوله والأخذ عنه والتأثر به: طوائف من الناس من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، ضمهم بيته المفتوح دائماً، وقد خلا من
стр. 520
الرسميات والمواعيد المضروبة من قبل. يقول الأستاذ فتحي رضوان، في وصف ذلك البيت الشاكري:
"كان بيته ندوة متصلة لا تنفَفضّ، من أعضائها الثابتين: يحيى حقي، إذا حضر من أوروبا، وعبد الرحمن بدوي، وحسين ذو الفقار صبري، وغيرهم وغيرهم، ولم يكن من حظّي أن أكون عضواً دائماً فيها، فقد كنت ألمّ بهم أحياناً، فأراهم وأرى من العالم العربي كله، ومن العالم الإِسلامي على تراميه، شخصيات لا حصر لها، تتباين بعضها عن بعض، في الرأي والمظهر والثقافة واللهجة والشواغل والمطامح، ولكنها تلتقي كلها عند محمود شاكر، تسمع له وتأخذ عنه وتقرأ عليه وتتأثر به. وكلما كان من حظي أن أشهد جانباً من هذه الندوة أحسست بسعادة غامرة، أن يبقى ركن في بلدي كهذا الركن، ينقطع أصحابه للفكر والدرس والتحدث في أمور لا تجد من يسمع بها أو يعرف عنها شيئاً في مكان آخر".
وإذا كان الأستاذ فتحي رضوان قد ذكر من عرفهم من أعلام المفكرين والأدباء، الذين كانوا يختلفون إلى بيت محمود شاكر، في الخمسينيات وما قبلها، فإني ذاكر أيضاً من عرفتهم في هذا المجلس العامر، على امتداد الستينيات والسبعينيات: عبد الرحمن صدقي وعلي أدهم وحسن كامل الصيرفي ومحمود حسن إسماعيل ووديع فلسطين وعلي أحمد باكثير ويوسف شوقي وعبده بدوي.
ومن أعلام العرب وأدبائه: أحمد المانع، وناصر الدين الأسد، وأحمد راتب النفاخ، وإحسان عباس، وشاكر الفحام، وإحسان النص، ومحمد يوسف نجم، ووليد عرفات، وعبد القدوس أبو صالح، عبد الله الطيب المجذوب، وحمد الكبيسي، ونوري الفيسي، وعبد الله الجبوري، وهاشم الطعان، وبشار عواد معروف، وإبراهيم السامرائي، ويعقوب الغنيم وأخواه عبد الله ومرزوق، وجمعة الياسين، وصالح العثمان، وعبد الله العيسى، وعبد الله عسيلان، وإبراهيم شبوح، ومحمد بن شريفة، وعبد السلام الهراس، والحبيب اللمسي .. فهل وجدت هؤلاء قد اجتمعوا يوماً عند أديب من أدباء مصر! ثم يتسع المجلس أيضاً للطلاب
стр. 521
المبتدئين، والشباب المعيدين.
ولقد يجتمع الناس في ندوة أديب من الأدباء، ثم تنفض الندوة وينفرط عقدها، ويذهب كل في طريق، وكأنهم كانوا رفقاء رحلة عابرة. ولكن مجلس محمود شاكر يختلف عن غيره من المجالس، بما يشيع فيه من أنس وود وبهجة، وما تنعقد فيه من صداقات عذبة حميمة، يغذيها وينميها صاحب المجلس.
أما المناقشات العلمية والمحاورات الأدبية فلكل امرئ منها حظ مقسوم، لا ينفرد بها صاحب الدار، ولا يستبد بها الكبار، فالكل في هذا المجلس سواء، والكل يتكلم ويشارك، ولم يكن صاحب المجلس يستريح للأحاديث الجانبية أو ثنائية الحوار، فما يكاد يرى اثنين يتحدثان منفردين حتى يتدخل بينهما قائلاً: "أنتوا بتقولوا إيه"، وكأنما يريد أن يقطع عليهما طريق الانفراد، ولا شك أنه كان يصدر في هذا عن روح الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر - حتى تختلطوا بالناس - من أجل أن ذلك يحزنه". بل إن مائدة الجمعة والموائد الأخرى الحافلة كيوم عاشوراء، الذي كان يوافق مولد صاحب الدار بالتاريخ الهجري، هذه الموائد كانت تجمع إلى أهل الأدب والفكر بعض أهل الحرف والصناعات الذين كان لهم بالبيت وصاحبه صلة وتاريخ، كالمجلد والنجار والحلاق.
ومن طريف ما يُذكر هنا ما رواه لي أبو فهر ﵀، قال: " في يوم جمعة، في أوائل ثورة يوليو كان يجلس على مائدة الغداء: محمد رشاد مهنا، والشيخ أحمد حسن الباقوري، ومحمد فؤاد جلال، وكان يجلس على المائدة نفسها الأسطى أنور الحلاق. وفي صباح اليوم التالي اتصل بي الشيخ الباقوري وقال لي إن محمد فؤاد جلال - وكان وزيراً للشؤون الاجتماعية - عاتب عليك لوجود الأسطى أنور بيننا. يقول أبو فهر: وفي الجمعة التالية قلت لمحمد فؤاد جلال: اسمع يا فؤاد أنت وزير هناك في مجلس الوزراء، ولكنك هنا في بيتي واحد من عامة الناس، مثلك مثل الأسطى أنور وغيره".
стр. 522
"لقد صحبت محمود شاكر ثلاثين عاماً، وما زلت أذكر أول يوم زرته فيه، وكنت في صحبة الأخ العلامة الكبير أحمد المانع احتمي به من مشاعر الهيبة والخشية والحذر، من تلك الحدة المزعومة في شخصية محمود شاكر، وهو شعور عرفناه جميعاً قبل أن ندخل البيت، وحين توثقت صلتنا بالشيخ اكتشفنا زيف هذا الشعور، وكذب تلك المزاعم التي أشاعها بعض الناس ليصدوا أهل العلم عنه، وإذا نحن أمام قلب طاهر نقي، يغضب ويثور حين يرى حداً من حدود العلم قد انتهك، أو حين يسمع تطاولاً على تاريخ الأمة العربية وعلومها.
وبعد: فالكلام عن محمود شاكر لن ينتهي بنهاية هذه الكلمة، وسيظل هذا الرجل أثراً ضخماً في ضمير هذه الأمة: حراسة للعربية وذوداً عنها، وبصراً بها، وإضاءة لها. وإن أحق ما يقال عن محمود شاكر هنا وفي كل وقت وحين ما قاله هو عن أستاذه مصطفى صادق الرافعي: "بأن الرافعي قد صار ميراثاً نتوارثه، وأدباً نتدارسه، وحناناً نأوي إليه"، وكذلك يكون محمود شاكر "ميراثاً نتوارثه"، إلى آخر ما قال في حق شيخه الرافعي.
* * *
стр. 523
" تاج العروس" .. والزمن البعيد (١)
كتب الأستاذ سامح كريم في "الأهرام الأدبي" من الأسبوع الماضي كلمة سمَّاها: "تاج العروس والاهتمام بتراث الأجداد"، وقد نشر بهذه الكلمة أمجاداً وآثاراً وأشجاناً.
أما الأمجاد ففد تجلَّت في شخصية أبي الفيض المرتضى محمد بن محمد الهندي مولداً، الزَّبيدي - بفتح الزاي - اليمني نشأة، المصري حياة ووفاة. وهو علم من أعلام النهضة العربية في القرن الثاني عشر الهجري - الثامن عشر الميلادي (توفي سنة ١٢٠٥ هـ يوافق ١٧٩٠ م) أي قبل دخول نابليون بحملته مصر بثماني سنوات.
وهذه الحقبة من الزمان يصنِّفها بعض أهل زماننا بعصور الظلام والاحتلال العثماني لمصر، وواقع تاريخنا الفكري يقول غير هذا.
ففي ذلك الزمان وما قبله ببعض العقود، شهدت الساحة العربية أعلاماً كباراً، جمعوا تراث العرب وأضاءوه وأحيوه ونفخوا فيه. يذكر التاريخ منهم: عبد القادر البغدادي صاحب "خزانة الأدب"، والشوكاني صاحب "فتح القدير"، و "نيل الأوطار"، وصاحبنا الزَّبيدي فى كتابه " تاج العروس "، و "إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين".
ويُعد " تاج العروس " أكبر معجم عربي فاق "لسان العرب" لابن منظور، فقد بلغ مجموع جذور اللسان (٩٢٧٣) جذراً، على حين بلغ مجموع جذور التاج
стр. 524
(١١٩٧٨) جذراً، ومن وراء ذلك فإن لتاج العروس أهمية أخرى، وهو أنه عني إلى جانب اللغة بضبط المشتبه من الأعلام والأنساب والألقاب، كما عني بكتب الطب والنبات وسائر المعارف العامة. ثم كانت له عناية فائقة بالبلدانيات والجغرافية العربية، وبخاصة جغرافية اليمن ومصر، وما أكثر المواضع في هذين البلدين التي يقول فيها: رأيتها أو شاهدتها - انظر على سبيل المثال مادتي: شبر - حلل، وتأمل أسماء البلاد " شبرا - والمحلة "، فقد أحصاها عدداً، وذكر أنه رأى بعضها ودخلها.
لكل هذه الأسباب اتجهت أنظار الناشرين مبكراً إلى طبع هذا الكتاب الجليل، فكانت أول طبعة له طبعة جمعية المعارف بمصر من سنة ١٨٦٨ م - ١٨٧٠ م. لكنها طبعت خمسة أجزاء فقط. ثم توقفت. وبعد ذلك خرجت منه طبعة كاملة في عشرة مجلدات كبار سنة ١٨٨٨ م بالمطبعة الخيرية لصاحبها عمر حسين الخشاب [وهو جد الدكتور يحيى الخشاب ﵀].
ويذهب زمان ويجيء زمان، وفي أوائل الستينات الميلادية تقوم وزارة الإِرشاد والأنباء بدولة الكويت بمشروع عظيم لنشر كتب التراث، وقد أعدت لهذا المشروع عدته، فاختارت نصوصاً عالية، ومحققين كباراً.
ثم كانت الوثبة الكبرى في نشر تاج العروس للزَّبيدي، فوزعت أجزاؤه على طائفة من المحققين الأثبات، وصدر الجزء الأول منه سنة ١٣٨٥ هـ = ١٩٦٥ م.
وهذا هو موضع الأشجان من كلمة الأستاذ سامح كريم، لقد قدر لهذا الكتاب أن يكون في أربعين مجلداً، وقد تم تحقيق هذه المجلدات كلها، لكن الذي تم طبعه منها إلى الآن تسعة وعشرون جزءاً فقط، وبقي أحد عشر جزءاً.
ولمَّا كنا الآن في سنة ١٩٩٨ م، فيكون قد مضى على صدور الجزء الأول ثلاثة وثلاثون عاماً، وهو زمن بعيد جدّا، فقد صار "العروس" شيخاً، وأوشك "التاج" أن يسقط من فوق رأسه، وهذا التراخي في إخراج كتاب هو من عمد تراثنا اللغوي لا يقبل من دولة تملك المال، وتعرف للثقافة حقها وتقدر العلم قدره، ولها في نشر العلم والتنمية الثقافية مكان ومكانة.
стр. 525
إن مطبعة بولاق بمصر قد أخرجت طبعة محررة من "لسان العرب" لابن منظور في عشرين مجلداً، في خلال ثماني سنوات من سنة ١٣٠٠ هـ إلى سنة ١٣٠٧ هـ، وكذلك أخرجت مطبعة بولاق كتاب "المخصص" لابن سيده، في سبعة عشر مجلداً، في ست سنوات، من سنة ١٣١٦ هـ إلى سنة ١٣٢١ هـ، ولم يكن هناك كمبيوتر ولا جمع تصويري، ولكنها عزائم الرجال وصلاح الأزمان!
إن مهمة طبع "تاج العروس" قد انتقلت من وزارة الإِعلام إلى المجلس الوطني للثقافة، فهل يطلب الأستاذ سامح كريم من صديقه الأمين العام للمجلس الدكتور سليمان العسكري أن يفزع ويفرغ لهذا الكتاب العظيم، إن الأجزاء الباقية منه لن تأخذ أكثر من حولين كاملين لمن أراد أن يتم هذا العمل الجليل، والله الهادي والمعين.
* * *
стр. 526
مطبعة للمنشورات .. وليست للثقافة (١)
تشتجر الأقلام الآن حول الحملة الفرنسية وأثرها على مصر؛ فمن قائل إنها جاءتنا بالمنِّ والسلوى، وأنها أزالت عنا غواشي الظلم، واستنقذتنا من قرابة التخلف وردغة الخبال، ومن قائل إنها مرَّغتنا في التراب وسامتنا سوء العذاب، وتوسَّط فريق ثالث فقال عن الحملة ونابليون إنهما جاءانا بشيء من النفع، وإثمهما أكبر من نفعهما.
لكن الذي يعنيني هنا قصة تلك "المطبعة" التي أتى بها نابليون. لقد ضخم الناس من أمر هذه المطبعة تضخيماً، ورأوا أنها فتحت لنا طريق العلم والمعرفة. وحقيقة الأمر أن هذه المطبعة لا تعدو أو توشك أن تكون "آلة كاتبة" كبيرة، أحضرها نابليون معه لطبع منشوراته وأوامره باللغة العربية.
وكانت هذه المطبعة الصغيرة تعمل وهي على السفينة في عُرض البحر، وحين اقتحم نابليون ثغر الإِسكندرية قام رجال حملته بتوزيع المنشورات والأوامر التي أعدوها في البحر، وأطلق على هذه المطبعة الصغيرة آنذاك اسم "المطبعة الأهلية"، ثم نقلت إلى القاهرة ووضعت في "بيت السناري" بحي السيدة زينب، وقد طبع نابليون على تلك المطبعة الصغيرة إلى جانب المنشورات والأوامر: أمثال لفمان الحكيم، ثم بعض رسائل في النصائح الطبية؟ استمالة لقلوب المصريين واجتلاباً لرضاهم.
стр. 527
وقد طبعت على تلك المطبعة أيضاً محاكمة سليمان الحلبي قاتل كليبر، ووضع اسم المطبعة على الغلاف هكذا "مطبعة الجمهور الفرنساوي ١٧٩٩ م - ١٨٠٠ م"، ولم تطبع هذه المطبعة الصغيرة بعد ذلك شيئاً ذا بال، ولا غير ذي بال.
ومهما يكن من أمر، فقد طويت صفحة هذه المطبعة وخرجت من مصر، وعادت إلى فرنسا، كما ذكر الدكتور خليل صابات، والدكتور أبو الفتوح رضوان.
لكن الجديد في هذه القضية أن الدكتور قاسم السامرائي، العالم العراقي والأستاذ بجامعة ليدن بهولندا ذهب إلى أن هذه المطبعة التي جاء بها نابليون إلى مصر، إنما هي مطبعة "آل ميدتشي" بروما، أخذها نابليون من إيطاليا أيام غزوه لها، وحين دخل الإِنجليز مصر، وأخرجوا من بقي بها من الفرنسيين، أخذ هؤلاء تلك المطبعة، وأعادوها إلى مكانها الأول في إيطاليا، وما زالت بقايا هذه المطبعة محفوظة بمدينة "فرنزة" في مقاطعة "بروفاونس" بإيطاليا. وهذا الدكتور قاسم السامرائي ثقة مصدق؛ لأنه خبير في الوثائق وتاريخ الكتاب (مخطوطاً ومطبوعاً (، وله دراية عظيمة بالاستشراق والمستشرقين.
فإذا ثبت هذا - وهو ثابت إن شاء الله - فيكون قول أحد كتابنا عن محاسن الحملة الفرنسية: "إن المدفع ذهب وبقيت المطبعة" قولاً غير صحيح، وفيه من خداع الكلام واللعب بالألفاظ ما لا يغني شيئاً.
على أنه مما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن المطبعة قد عرفت في الشرق قبل مولد نابليون، وكانت "مطبعة حلب" أول مطبعة عربية في الشرق كله، وقد ظهر أول إنتاج لها عام ١٧٠٦ م (ولد نابليون سنة ١٧٦٩ م).
وقد أطلعني الدكتور محمد هيثم الخياط العالم السوري الحجة، على صورة غلاف لبعض مطبوعات هذه المطبعة الرائدة في هذه الفترة المتقدمة. وانظر معلومات
стр. 528
أكثر في مقالة للدكتور وحيد قدورة التونسي بعنوان: "أوائل المطبوعات العربية في تركيا وبلاد الشام"، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي ١٩٩٦ م.
ولا يبقى إلا القول إن المطبعة التي أضاءت الدنيا كلها إنما هي "مطبعة بولاق" التي أنشأها محمد علي باشا، سنة ١٨١٩ م، أو ١٨٢١ م، بأيدي المصريين وبهيمنة مشايخ الأزهر، مثل الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد قطة العدوي، وتفصيل ذلك كله في كتابي: "الكتاب المطبوع في مصر في القرن التاسع عشر".
* * *
стр. 529
كمال النجمي .. والثغور التي تتساقط (١)
عرفته في أوائل الستينيات، وكنت يومئذ غارقاً في هوى الشيخ مصطفى إسماعيل وأم كلثوم، ولا أدير أذني عنهما، ولا أقبل فيهما شريكاً ولا مزاحماً، وكان يسوؤني أن يضعهما احد في مقارنة.
وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات لم يكن يزاحم الشيخ مصطفى إسماعيل إلا الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ذلك الفتى الأسمر الوسيم القادم من أقصى صعيد مصر (وقد أطلقت عليه مجلة الجيل الجديد آنذاك: الشيخ مارلون براندو)، وقد أحدث ظهوره في أوائل الخمسينيات دويّاً هائلاً بصوته الأبيض الجلي الرنان ونفسه الطويل المعجب، ولكني كنت أرى يومذاك أن الفرق بين الشيخين بعيد جداً، وكنت أسمع ذلك الرأي أيضاً من هؤلاء السميعة الكبار الذين كنت أحضر مجالسهم في الموالد التي كان يقرأ فيها الشيخ مصطفى، وكان من أشهر تلك الموالد التي يبدع فيها الشيخ: مولد السلطان أبو العلا، والشيخ سلامة الراضي ببولاق.
ثم كان يحزنني أيضاً ما يقوله بعض الناس: أن أسمهان لو عاشت لكانت قد حجبت أم كلثوم، أو أن سعاد محمد صوتها أعذب من صوت أم كلثوم، أو قول بعضهم: اصبروا قليلاً على هذه الفتاة السورية - يعنون فايزة أحمد - فسوف يكون لها شأن مع أم كلثوم!
стр. 530
ومهما يكن من أمر: فقد خلا لي وجه الشيخ مصطفى والست أم كلثوم، أعب من صوتهما عباً، لكن إحساسي بعبقرية صوتهما كان إحساساً غامضاً، أو قل إنه كان إحساساً ساذجاً، يقف عند حدود الإِعجاب والطرب الذي يقنع بالاهات والتنهدات و (إيه الحلاوة دي) و (مفيش كده)، وإن كان قلبي يغلي بمشاعر الإِكبار لهذين الصوتين العجيبين، لكن يضيق صدري ولا ينطلق لساني، فلم أكن في ذلك الزمان قد عرفت صنعة الكتابة والإِبانة عما في النفس، وأيضاً فإني كنت أستشرف إلى من يأخذ بيدي لتحليل هذين الصوتين تحليلاً فنَيّاً يقوم على أسس ومعايير تتعدى هذا الإِعجاب الساذج الذي يستوي فيه العامة.
صحيح أنَ أذني في تلك الأيام كانت قد التقطت من مجتمعات السمِّيعة أسماء المقامات: السيكاه والصبا والنهاوند والراست والبياتي والحجاز، ولكن كيف تنزل هذه المقامات على منازلها، وكيف يتصرف أهل الطرب فيها، وتلفت حولي في ذلك الزمان فلم أجد من عُني بالشيخ مصطفى وإخوانه من قراء القرآن سوى الأستاذ محمود السعدني في كتابه الذي أصدره في سنة ١٩٥٩ م باسم (ألحان من السماء)، والأستاذ السعدني سميع كبير وصاحب قلم سيّال، ولكنه صاحب دعابة، وإغراقه في الدعابة يميل به أحياناً عما ينتظره أهل الجد من التحليل والغوص في الكشف والإِبانة، ولذلك لم أجد عنده شيئاً ذا بال عن الشيخ مصطفى، وكذلك نظرت فيما كتب عن أم كلثوم، فلم أجد وقتها إلا كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، وقد شغلتني حلاوة بيانها عن كل شيء، والدكتورة نعمات صاحبة بيان آسر، وقلمها نديّ رقراق، ولكن الذي أريده عن أم كلثوم شيء آخر، فالذي قالته عن أم كلثوم لا يخرج عما قاله ابن الرومي في "وحيد" المغنية:
يسهل القول إنها أحسن الأشـ ... ـياء طراً ويعسر التحديد
(ديوانه ٧٦٣)
وظللت أتقلب في حيرتي وعجزي حتى أذن ربك بالفرج وجاءني اسم "كمال النجمي" من فم سميع كبير كنت أراه في جلسة الطرب القديم التي كان يقيمها معهد