← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مطبعة للمنشورات .. وليست للثقافة (١) تشتجر الأقلام الآن حول الحملة الفرنسية وأثرها على مصر؛ فمن قائل إنها جاءتنا بالمنِّ والسلوى، وأنها أزالت عنا غواشي الظلم، واستنقذتنا من قرابة التخلف وردغة الخبال، ومن قائل إنها مرَّغتنا في التراب وسامتنا سوء العذاب، وتوسَّط فريق ثالث فقال عن الحملة ونابليون إنهما جاءانا بشيء من النفع، وإثمهما أكبر من نفعهما. لكن الذي يعنيني هنا قصة تلك "المطبعة" التي أتى بها نابليون. لقد ضخم الناس من أمر هذه المطبعة تضخيماً، ورأوا أنها فتحت لنا طريق العلم والمعرفة. وحقيقة الأمر أن هذه المطبعة لا تعدو أو توشك أن تكون "آلة كاتبة" كبيرة، أحضرها نابليون معه لطبع منشوراته وأوامره باللغة العربية. وكانت هذه المطبعة الصغيرة تعمل وهي على السفينة في عُرض البحر، وحين اقتحم نابليون ثغر الإِسكندرية قام رجال حملته بتوزيع المنشورات والأوامر التي أعدوها في البحر، وأطلق على هذه المطبعة الصغيرة آنذاك اسم "المطبعة الأهلية"، ثم نقلت إلى القاهرة ووضعت في "بيت السناري" بحي السيدة زينب، وقد طبع نابليون على تلك المطبعة الصغيرة إلى جانب المنشورات والأوامر: أمثال لفمان الحكيم، ثم بعض رسائل في النصائح الطبية؟ استمالة لقلوب المصريين واجتلاباً لرضاهم.

стр. 527

وقد طبعت على تلك المطبعة أيضاً محاكمة سليمان الحلبي قاتل كليبر، ووضع اسم المطبعة على الغلاف هكذا "مطبعة الجمهور الفرنساوي ١٧٩٩ م - ١٨٠٠ م"، ولم تطبع هذه المطبعة الصغيرة بعد ذلك شيئاً ذا بال، ولا غير ذي بال. ومهما يكن من أمر، فقد طويت صفحة هذه المطبعة وخرجت من مصر، وعادت إلى فرنسا، كما ذكر الدكتور خليل صابات، والدكتور أبو الفتوح رضوان. لكن الجديد في هذه القضية أن الدكتور قاسم السامرائي، العالم العراقي والأستاذ بجامعة ليدن بهولندا ذهب إلى أن هذه المطبعة التي جاء بها نابليون إلى مصر، إنما هي مطبعة "آل ميدتشي" بروما، أخذها نابليون من إيطاليا أيام غزوه لها، وحين دخل الإِنجليز مصر، وأخرجوا من بقي بها من الفرنسيين، أخذ هؤلاء تلك المطبعة، وأعادوها إلى مكانها الأول في إيطاليا، وما زالت بقايا هذه المطبعة محفوظة بمدينة "فرنزة" في مقاطعة "بروفاونس" بإيطاليا. وهذا الدكتور قاسم السامرائي ثقة مصدق؛ لأنه خبير في الوثائق وتاريخ الكتاب (مخطوطاً ومطبوعاً (، وله دراية عظيمة بالاستشراق والمستشرقين. فإذا ثبت هذا - وهو ثابت إن شاء الله - فيكون قول أحد كتابنا عن محاسن الحملة الفرنسية: "إن المدفع ذهب وبقيت المطبعة" قولاً غير صحيح، وفيه من خداع الكلام واللعب بالألفاظ ما لا يغني شيئاً. على أنه مما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن المطبعة قد عرفت في الشرق قبل مولد نابليون، وكانت "مطبعة حلب" أول مطبعة عربية في الشرق كله، وقد ظهر أول إنتاج لها عام ١٧٠٦ م (ولد نابليون سنة ١٧٦٩ م). وقد أطلعني الدكتور محمد هيثم الخياط العالم السوري الحجة، على صورة غلاف لبعض مطبوعات هذه المطبعة الرائدة في هذه الفترة المتقدمة. وانظر معلومات

стр. 528

أكثر في مقالة للدكتور وحيد قدورة التونسي بعنوان: "أوائل المطبوعات العربية في تركيا وبلاد الشام"، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي ١٩٩٦ م. ولا يبقى إلا القول إن المطبعة التي أضاءت الدنيا كلها إنما هي "مطبعة بولاق" التي أنشأها محمد علي باشا، سنة ١٨١٩ م، أو ١٨٢١ م، بأيدي المصريين وبهيمنة مشايخ الأزهر، مثل الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد قطة العدوي، وتفصيل ذلك كله في كتابي: "الكتاب المطبوع في مصر في القرن التاسع عشر". * * *

стр. 529

كمال النجمي .. والثغور التي تتساقط (١) عرفته في أوائل الستينيات، وكنت يومئذ غارقاً في هوى الشيخ مصطفى إسماعيل وأم كلثوم، ولا أدير أذني عنهما، ولا أقبل فيهما شريكاً ولا مزاحماً، وكان يسوؤني أن يضعهما احد في مقارنة. وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات لم يكن يزاحم الشيخ مصطفى إسماعيل إلا الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، ذلك الفتى الأسمر الوسيم القادم من أقصى صعيد مصر (وقد أطلقت عليه مجلة الجيل الجديد آنذاك: الشيخ مارلون براندو)، وقد أحدث ظهوره في أوائل الخمسينيات دويّاً هائلاً بصوته الأبيض الجلي الرنان ونفسه الطويل المعجب، ولكني كنت أرى يومذاك أن الفرق بين الشيخين بعيد جداً، وكنت أسمع ذلك الرأي أيضاً من هؤلاء السميعة الكبار الذين كنت أحضر مجالسهم في الموالد التي كان يقرأ فيها الشيخ مصطفى، وكان من أشهر تلك الموالد التي يبدع فيها الشيخ: مولد السلطان أبو العلا، والشيخ سلامة الراضي ببولاق. ثم كان يحزنني أيضاً ما يقوله بعض الناس: أن أسمهان لو عاشت لكانت قد حجبت أم كلثوم، أو أن سعاد محمد صوتها أعذب من صوت أم كلثوم، أو قول بعضهم: اصبروا قليلاً على هذه الفتاة السورية - يعنون فايزة أحمد - فسوف يكون لها شأن مع أم كلثوم!

стр. 530

ومهما يكن من أمر: فقد خلا لي وجه الشيخ مصطفى والست أم كلثوم، أعب من صوتهما عباً، لكن إحساسي بعبقرية صوتهما كان إحساساً غامضاً، أو قل إنه كان إحساساً ساذجاً، يقف عند حدود الإِعجاب والطرب الذي يقنع بالاهات والتنهدات و (إيه الحلاوة دي) و (مفيش كده)، وإن كان قلبي يغلي بمشاعر الإِكبار لهذين الصوتين العجيبين، لكن يضيق صدري ولا ينطلق لساني، فلم أكن في ذلك الزمان قد عرفت صنعة الكتابة والإِبانة عما في النفس، وأيضاً فإني كنت أستشرف إلى من يأخذ بيدي لتحليل هذين الصوتين تحليلاً فنَيّاً يقوم على أسس ومعايير تتعدى هذا الإِعجاب الساذج الذي يستوي فيه العامة. صحيح أنَ أذني في تلك الأيام كانت قد التقطت من مجتمعات السمِّيعة أسماء المقامات: السيكاه والصبا والنهاوند والراست والبياتي والحجاز، ولكن كيف تنزل هذه المقامات على منازلها، وكيف يتصرف أهل الطرب فيها، وتلفت حولي في ذلك الزمان فلم أجد من عُني بالشيخ مصطفى وإخوانه من قراء القرآن سوى الأستاذ محمود السعدني في كتابه الذي أصدره في سنة ١٩٥٩ م باسم (ألحان من السماء)، والأستاذ السعدني سميع كبير وصاحب قلم سيّال، ولكنه صاحب دعابة، وإغراقه في الدعابة يميل به أحياناً عما ينتظره أهل الجد من التحليل والغوص في الكشف والإِبانة، ولذلك لم أجد عنده شيئاً ذا بال عن الشيخ مصطفى، وكذلك نظرت فيما كتب عن أم كلثوم، فلم أجد وقتها إلا كتاب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، وقد شغلتني حلاوة بيانها عن كل شيء، والدكتورة نعمات صاحبة بيان آسر، وقلمها نديّ رقراق، ولكن الذي أريده عن أم كلثوم شيء آخر، فالذي قالته عن أم كلثوم لا يخرج عما قاله ابن الرومي في "وحيد" المغنية: يسهل القول إنها أحسن الأشـ ... ـياء طراً ويعسر التحديد (ديوانه ٧٦٣) وظللت أتقلب في حيرتي وعجزي حتى أذن ربك بالفرج وجاءني اسم "كمال النجمي" من فم سميع كبير كنت أراه في جلسة الطرب القديم التي كان يقيمها معهد

стр. 531

الموسيقى العربية يوم الثلاثاء كل أسبوعين في أوائل الستينيات، وهذه الجلسة كان يشهدها حراس الطرب القديم، مثل عباس البليدي وعبده السروجي وطبقتهما، وأنماط غريبة من عجائز الرجال والنساء، شهود عصر النغم الذهبي في مصر المحروسة. ولعل جلسة الطرب هذه هي التي أوحت إلى الراحل الكبير عبد الحليم نويرة بفكرة "فرقة الموسيقى العربية" التي يرى بعض أهل زماننا من المتفلسفة أنها قامت لتغطية هزيمة ٦٧، بالبحث عن أمجاد قديمة، وهو إغراق في التفلسف والهرطقة. كاشفت ذلك السَّمَيع الكبير عن حيرتي في البحث عن محلل لصوت الشيخ مصطفى وأم كلثوم، فقال لي: عليك بكاتب عظيم اسمه "كمال النجمي" فستجد عنده ضالتك ومأمولك، وقمت من فوري ألتمس كتابات هذا الرجل، وجمعت ما تيسر لي منها وعكفت عليها، فانفتح أمامي باب ضخم من أبواب المعرفة النغمية والصوتية بكلام عال نفيس مباين لكل ما يكتبه الكاتبون في هذه الأبواب، وكان أول ما قرأته له كلام عن الأصوات العربية من الرجال، وكان مما قاله: إن أكمل الأصوات العربية من الرجال هو المطرب اللبناني وديع الصافي، ثم يليه مباشرة صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، ثم قدم لذلك بشواهده ودلائله، وقد مكن هذا الكلام للشيخ مصطفى في نفسي، ثم دلني أيضاً على وديع الصافي، وكنت في غفلة عنه. وهكذا ظللت أتتبع كلام النجمي عن المقامات الغنائية والمسارات اللحنية والفروق بين القراء بعضهم مع بعض، وكذلك أهل المغنى في التصرف بهذه المقامات والانتقال من بعضها إلى بعض، والقَفْلات والعَفْق والعُرَب، وطبقات الصوت، من الفرار والجواب وجواب الجواب. ولقد يكتب بعض الناس عن هذه المصطلحات، ولكن يظل الفرق واضحاً بين ما يكتبونه وما يكتبه النجمي، إن النجمي صاحب خلفية فنية ضخمة، ثم هو يأوي إلى ركن شديد من المعرفة النغمية الممتدة الضاربة بعروقها في التاريخ. والشواهد على ذلك من كتاباته كثيرة، من أبرزها ما كتبه عن غناء زرياب والموصلي، ثم هذه السياحة الطويلة في كتاب أبي الفرج الأصبهاني "الأغاني"، ومن الدلائل أيضاً على

стр. 532

محصوله واطلاعه الواسع ما ذكره في شرح زجل "الشيخة زعزوعة" تلك الزجالة المصرية القديمة: دواخل مصر في قاعه ... حداهم بنت جنكِيَّة وزعزوعة ترقصْهم ... على شامي وشامية يقول النجمي: "ولقولهم "دواخل" أصل قديم، ففي كتابه "شفاء الغليل" يقول مؤلفه: "المحدثون يسمون حسن الصوت دخولاً، ويسمون ضده خروجاًَ"، انظر كتابه: محمد عبد الوهاب ص ٧٠. وأقول: شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل، من كتب المعرَّب في اللغة، ومؤلفه هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري. توفي سنة ١٠٦٩ هـ= ١٦٥٩ م، ومن كتبه الكبار: عناية القاضي وكفاية الراضي، وهي حاشية على تفسير البيضاوي، وشرح درة الغواص للحريري، وريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا، وهو من رجال البعث والإِحياء والنهضة العربية في تلك الحقبة التي يسميها بعض أهل زماننا عصور الظلام! ومن وراء ذلك كله فالنجمي شاعر، يعرف جمال الكلمة ويحسها ويتذوقها، والكاتب إذا اجتمعت له الأصول المعرفية والشاعرية، مع الصدق واستقامة القصد والترفع عن الدنايا وسفاسف الأمور، بلغت كتابته مبلغها، وانتهت إلى غايتها. وهكذا كان كمال النجمي وكانت كتاباته عن الأنغام والأصوات العربية: قديمها الذي جاء موصوفاً في الكتب، وحديثها الذي حفظته الأسطوانات والأشرطة. لقد كتب النجمي كثيراً، وحلل كثيراً، وسجل تاريخاً عزيزاً، ومن أبرز ما شهده وسجله بقلمه البديع: ذلك اليوم المشؤوم الحزين الذي احتبس فيه صوت الشيخ محمد رفعت وسط مستمعيه يوم الجمعة بمسجد مصطفى فاضل باشا بدرب الجماميز (بور سعيد الآن)، وما احسب أن أحداً سجل هذا اليوم الأسود غير كمال النجمي.

стр. 533

ومن أشهر ما كتب النجمي: أصوات والحان عربية، وسحر الغناء العربي، والغناء العربي من عصر زرياب إلى عصر أم كلثوم وعبد الوهاب، والغناء المصري: مطربون ومستمعون. والموجة الجديدة وما بعد الثمانينات، والشيخ مصطفى إسماعيل: حياته في ظل القرآن، ومحمد عبد الوهاب مطرب المائة عام. وهذا الكتاب لم يقف عند حدود محمد عبد الوهاب، فهو كشف عام عن الغناء والمغنين في مصر، فضلاً عما استطرد إليه من حديث كاشف عن أم كلثوم ... إلى غير ذلك مما نثره في مقالات ذوات عدد بمجلة الهلال وغيرها من المجلات العربية. ومن وراء ذلك الجهد الضخم في رصد وتحليل الغناء العربي كان للنجمي جهد آخر، تجلى في كتاباته بمجلة الهلال عن ظاهرة شعارير الحداثة وما بعد الحداثة، وقد سلقهم النجمي بألسنة حداد، وكشف ضعفهم وتهافتهم، وكان ﵀ يربط ربطاً محكماً بين ظهور شعراء الحداثة، ومطربي الأغاني الهابطة. وأقول: لقد صدق النجمي في هذا الربط. فما هو الفرق بين قول الشاعر الحداثي: "أتمضمض بالشمس وأحلب ثدي النملة. إني أعطس في شهر أغسطس. وبين قول ذلك المغني الهابط: "قزقز لبك على القهوة وخُشّ فْ عبي لا تستهوى"، إنها فجاجة وفساد يأخذ بعضه برقاب بعض! وهناك جهد ثالث نهض به النجمي: وهو ذلك الباب الذي كان يصدر بمجلة الهلال باسم "لغويات"، فقد كان هو صاحبه ومحرره، ولقد ناقشته يوماً في بعض ما كتب فيه بمقالة في مجلة الهلال (أغسطس ١٩٩٢) ثم ناقشته أيضاً في كتابه عن الشيخ مصطفى إسماعيل (يوليو ١٩٩٢) فما ضاق بنقدي وما عاب عليَّ منه شيئاً، وهذا هو شأن العلماء الكبار. وبعد: لقد مات كمال النجمي كما مات من قبله وكما يموت من بعده، فالموت حق لكن القرآن الكريم سمَاه: مصيبة، فقال تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم

стр. 534

مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦]، وقوله تعالى: ﴿إن أنتم ضربتم فى الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ [المائدة: ١٠٦]- وإن كانت المصيبة في اللغة كل ما أصاب الإِنسان - وتعظم هذه المصيبة إذا كان الراحل يقف على ثغر من ثغور العلم ولا يقوم أحد مقامه، وما أكثر الثغور التي تسقط برحيل حراسها، ولقد عاش كمال النجمي حياته كلها حارساً أميناً من حراس الفن الراقي -كلمة مقروءة ونغمة مسموعة - يجلوه ويذود عنه. إننا إذا رحل عنا عزيز نقول كما قال التابعي الجليل يوسف بن أسباط: "ذهب من يؤنس به ويستراح إليه" (صفة الصفوة لابن الجوزي ٤/ ٢٦٣). وما أحرانا إذا رحل عنا عالم أن نقول: اللَّهُمَّ عوضنا به خيراً، وهيئ لهذه الأمة رشدها، ثم نأمل الخير في الاستخلاف، ونتشبث بمثل قول العز بن عبد السلام: "ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة" (البرهان في علوم القرآن للزركشي ١/ ٣٧٩)، وبمثل قول الحافظ الذهبي: "ففي الناس بقايا خير"، (سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٥٠). ولا يبقى إلا رجاء: إلى دار الهلال، ثم إلى أولاد الراحل الكريم: فأما الذي إلى دار الهلال: فهو أن تصدر الأعمال الكاملة لكمال النجمي، على أن يشمل ذلك كتبه المطبوعة بين دفتين، ثم مقالاته المتناثرة في الهلال والمصور والكواكب وغيرها. وأما الذي إلى أولاده: فألا يفرطوا في أي قصاصة ورق تكون في مسودة من مسودات والدهم ويدفعوها إلى دار الهلال لنشرها، ثم رجاء آخر إلى هؤلاء الأولاد البررة، أن يحافظوا على مكتبة والدهم، وليعلموا أن أباهم كان يحب كتبه كما يحب أولاده، ولعله قد أخذ عليهم موثقاً في ذلك، وليس لي أن أقترح وجهاً من وجوه المحافظة على مكتبة الراحل العزيز، لكني أخشى أن تدفع إلى من لا يعرف قيمتها، أو أن تبقى حبيسة الأرفف والجدران تغتالها الأيام اغتيالاً. وأنتم أيها الكتاب والمفكرون - أطال الله في النعمة بقاءكم - لا تغفلوا عن

стр. 535

حادثة الموت، وأخرجوا ما عندكم من علم ولا تضنوا ببذله لقرائكم أو تلاميذكم، ولا تنتظروا به الفرصة المناسبة والزمن المواتي فاني أعلم أن بعضكم يدخر الموضوع الفلاني للندوة الفلانية، والفكرة الفلانية للمؤتمر الفلاني، وتأملوا قول الله تعالى: ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون﴾ [نوح: ٤]. لقد قلت غداة وفاة شيخنا محمود شاكر - برَّد الله مضجعه - إن الذي دفن في صدر محمود شاكر معه في قبره من العلم أضعاف ما أخرجه للناس. رحم الله كمال النجمي رحمةَ واسعة سابغة، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوَة إلا بالله. * * *

стр. 536

الناشرون الأوائل .. وسماحة مصر (١) في اليوم الثالث من مايو أقام اتحاد الناشرين المصريين حفلاً بهيّاً شرفته السيدة الفاضلة سوزان مبارك لتكريم الناشرين الذين مضى على نشاطهم مائة عام، وهم ستة فيمن يمثلون مرحلة مهمة في تاريخ نشر الكتاب بمصر، وهي المرحلة التي تبعت مرحلة مطبعة بولاق، وسادت على وقع خطواتها، متأثرة بمنهجها في الاختيار والإتقان، وقد احتمل هؤلاء الناشرون العظام عناء باهظاً وسلكوا دروباً مضنية في سبيل إذاعة الكتاب ونشره، فأخرجوا الموسوعات الضخمة في أزمان يسيرة، وفي وقت لم يكن التقدم الطباعي قد عرف. وإذا كان التكريم قد وقف عند هؤلاء الستة، فإنهم لم يكونوا وحدهم في الميدان، فقد انتشرت عشرات المطابع في وسط القاهرة: الأزهر وباب الخلق ودرب الجماميز وعابدين والأزبكية والظاهر والفجالة، تخرج آلاف الكتب، بحيث أنك تستطيع أن تقول: إن ثقافة العالم العربي والإِسلامي في القرن الماضي قد خرجت من عشرة كيلومترات في وسط القاهرة، مضافاً إليها تلك الرقعة المحدودة في رملة بولاق التي سميت مطبعة بولاق. ومما ينبغي التنبه له أن ثلاثة من هؤلاء الناشرين المكرمين كانوا من أهل الشام، استقبلتهم مصر فأحسنت استقبالهم واعدت لهم متكأ، فأنتجوا وملأوا الدنيا علماً. وهناك ناشران سوريان لم يدخلا في التكريم، لأنهما خارجان عن شرط

стр. 537

التكريم، هما محمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي، فقد كان لهذين الناشرين العظيمين اثر ضخم في نشر الكتب الموسوعية. وإن نشاط هؤلاء الشوام في مصر، وهناك غيرهم من المغاربة مثل الحاج محمد الساس دليل على سماحة مصر ورحابة صدرها. ولا يبقى إلا سؤال واحد هو: أين مكان الأحفاد من نشاط الأجداد؟ لا أكاد أرى أثراً لنشاط مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ودار المعارف أوقفت نشر "ذخائر التراث" واكتفت بإعادة ما طبعته، وبقية الدور خافتة الصوت، ولست أرى من واصل مسيرة جده إلا محمد أمين الخانجي، فلا يزال حريصاً على طبع الكتاب التراثي بعناية وجمال إخراج. بل إن مما يؤلم النفس ويورث الحسرة أن بعض هؤلاء الأحفاد قد أعطوا إذناً مكتوباً لمزوِّري الكتب في بيروت أن يطبعوا تراث أجدادهم، وتنازلوا عن حقوقهم، وحين طبعت الكتب مصورة في بيروت نزع منها اسم المطبعة الأولى وتاريخ النشر، وبذلك شارك هؤلاء الأحفاد في اغتيال تاريخ أجدادهم، بل اغتيال تاريخ مصر العظيم، والله المستعان على كل بلية. * * *

стр. 538

الآي تترى (١) تدور بنا الأيام وتطوينا الليالي، ونحن غارقون في لجة الحياة، نضرب في الأرض ونمشي في مناكبها، نغدو ونروح بآمالنا وحاجاتنا التي لا تنقضي، وأيامنا متشابهة وليالينا مكرورة، ولا ينسخ هذا التشابه، ويكسر ذلك التكرار إلا بعض أيام من الدهر، تبعث فينا النشوة والبهجة، حين تردنا إلى ذكرى عزيزة. وليس كالمولد النبوي الشريف داعياً إلى البهجة، وجالباً للنشوة، وناشراً لما طوي من الذكريات العزيزة. ففي اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأنور ولد ذلك الصبي "اليتيم" الذي جاء على فترة من الرسل، وقد غير وجه الدنيا بما أنزل الله عليه من القرآن العظيِم، والسنة المطهرة التي هي الحكمة، في قوله تعالى ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١]، اللهُمَّ صلّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى أبويه الكريمين إبراهيم وإسماعيل ثم على سائر إخوانه المصطفين الأخيار، وآله الأطهار وأصحابه الأبرار. وهذا النبيّ الكريم ﷺ الذي تحدَّر من أصلاب كريمة، صنعه الله على عينه، ورزقه الخلق العظيم، فكان مثلاً أعلى للكمال الإِنساني، وقد ملأ العيون نوراً، وغمر القلوب حباً، واستوى في حبه من رآه وصحبه، ومن قرأ سيرته واتبع سنته. وقد فتحت سيرته العطرة للأدباء وقالة الشعر، باباً واسعاً لمديحه وذكر شمائله ﷺ

стр. 539

بما عرف في الأجناس الأدبية بالمدائح النبوية، وهو ديوان ضخم من دواوين الشعر العربي، وقد كتب فيه العلامة الدكتور محمود علي مكي كتاباً جيداً، فاطلبه واقرأه واحرص عليه. وقد أخذ الشعراء في مديحه ﷺ في حياته الشريفة، وبعد انتقاله للرفيق الأعلى، وكان أول من مدحه عمه أبو طالب، بقصيدته التي أولها: وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وتبعه عمه العباس، بقصيدته التي مطلعها: من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق وقد كتبت عن هذه القصيدة كلمة بمجلة الهلال (سبتمبر ١٩٩٣). (انظر ص ٢٤٧). ثم الأعشى بتلك القصيدة العالية التي أولها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم المسهدا ثم كان حسان بن ثابت وقصائده الجياد، وتتابع الشعراء على ذلك في مشرق العالم الإِسلامي ومغربه، حتى عصرنا الحديث، بل إن مما يستطرف ذكره هنا أن يدخل إلى الحلبة بعض إخواننا المسيحيين من شعراء المهجر. فهذا الشاعر إلياس فرحات ينظم قصيدة عذبة في المولد النبوي، يجعل عنوانها: "يا رسول الله"، وفيها يقول: غمر الأرض بأنوار النُّبوهْ ... كوكب لم تُدرك الشمس عُلُوَّهْ لم يكد يلمع حتى أصبحتْ ... ترقب الدنيا ومن فيها دُنُوَّهْ بينما الكون ظلامٌ دامس ... فُتحت في مكة للنور كُوَّهْ والشاعر القروي رشيد سليم الخوري ينظم أيضاً في المناسبة قصيدة، أولها: عيد البرية عيد المولد النبوي ... في المشرقين له والمغربين دوي ويعد أمير الشعراء أحمد شوفي من أكثر شعراء العصر الحديث حفاوة بالمديح

стр. 540

النبوي، ونظماً فيه، وقد اخلص بعض قصائده للمديح والمولد، ثم جاءت الإِشارة إلى مدحه ﷺ في أثناء قصائده الأخرى. فمن قصائد الطائفة الأولى: "الهمزية الشهيرة"، وجاءت على البحر الكامل: ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزمان تبسُّم وثناء و"نهج البردة" وقد عارض بها قصيدة البوصيري، وهي من البحر البسيط، وأولها: ريم على القاع بين البان والعلم ... أحل سفك دمي في الأشهر الحُرُم وقصيدة "إلى عرفات الله"، وهي من البحر الطويل، ويقول فيها: إلى عرفات الله يا خير زائر ... عليك سلام الله في عرفات ثم أرجوزته في السيرة النبوية، التي جاءت في ديوانه: دول العرب وعظماء الإِسلام، وأولها: محمد سلالة النبوهْ ... ابن الذبيج الطاهر الأبوهْ ومن قصائد الطائفة الثانية قصيدة: "سلوا قلبي غداة سلا وتابا"، وهي من البحر الوافر، وفيها يقول: أبا الزهراء قد جاوزت قدري ... بمدحك بيد أن لي انتسابا وتقف من بين هذه القصائد، القصيدة الهمزية، عالية باذخة، وتقع في مائة وواحد وثلاثين بيتاً، وفي البيت الحادي والعشرين منها يقول: والآي تترى والخوارق جمة ... جبريل رواح بها غداء وفي كلمة "تترى" مبحث لغوي طريف، وذلك أن كثيراً من الناس - ولا أقول بعض الناس - يظنون هذه الكلمة "تترى" فعلاً مضارعاً، ويستعملونها في موضعه، ومنذ زمن بعيد كنت اسمع وأقرا هذا التخليط في تلك الكلمة، فلم أكن أعبأ به أو أقف عنده، للذي كان يغلب على ظني أن هذا مما يقع فيه الطلبة المبتدئون،

стр. 541

فكنت أصحِّحه لهم وأبين وجه الصواب فيه، وأكثر ما كنت أرى ذلك في مناقشة الرسائل الجامعية، حتى استشرى الأمر، ورأيت بعض كبار كتابنا يقع فيه، ومن ذلك ما قرأته لكاتب عالم كبير، قال: "تترى الثورات العلمية وتتواتر"، وقد كنت أخشى من تنبيهه على هذا الخلط، ولكنه سعد كثيراً لذلك التصحيح، وهذا شأن العلماء، فقلت له: "ولست أول سار غرََّه القمر"، فقد وقع كثير من الناس في هذا الخلط، وقد اخبرني عالم اللغة العراقي الدكتور إبراهيم السامرائي أن الدكتور طه حسين وقع في هذا الخطأ واستعمله، ونبَهه أحد قرَّاء مجلة "الرسالة" وأنا أشك في ذلك، ولكن العهدة على الدكتور السامرائي. ومهما يكن من أمر فقد رأيته واجباً متعيناً عليّ أن أبينه للناس ولا أكتمه، ولكني كنت أسوِّف حتى سألني ذات صباح قريبٍ صديقي عبد الرحمن شاكر، عن تلك الكلمة، من أي أنواع الأبنية هي؟ وما سأل عنها الصديق إلا لأنها حاكت في صدره حين لم يجد لها تصريفاً في الفعل الماضي أو الأمر، فقلت له: إنها اسم .. فقال: كيف وشارح ديوان شوقي يقول في الحاشية: "تترى: تتوالى" ففسرها بالفعل. فقلت له: هذه هي المشكلة، فإن بعض الأقدمين قد فسرها بالفعل أيضاً، على ما يأتي تفصيله. وهنا قلت: لا بد من بيان يكشف وجه الصواب في هذه الكلمة. وستدور مقالتي - إن شاء الله - حول ثلاث نقاط: تأصيل الكلمة وبيان اشتقاقها، وتحرير معناها، وذكر شواهدها من النثر والشعر، وإعرابها في سياقها، ثم دفع شبهة. يقول علماء الصرف: تترى، اسم، وأصلها: وترى، فالتاء الأولى مبدلة من واو؟ لأنها من المواترة، وإبدال التاء من الواو كثير شائع في العربية، مثل تراث، وأصلها: وراث؟ لأن الفعل ورث، وتقاة، أصلها: وقاة؛ لأن الفعل وقى، وتخمة؛ أصلها: وخمة؛ لأنها من الوخامة، وتجاه، أصلها: وجاه؛ لأنها من الوجه، ونظائر أخرى كثيرة.

стр. 542

ولك في نطقها وجهان: تترى، بغير تنوين وتترأ، بالتنوين، فمن لم ينون يعتبر الألف ألف تأنيث، مثل سكرى وغضبى، ومن ينون يعتبر الألف ألف إلحاق، أي أن الكلمة ملحقة باسم آخر منون - وهو جعفر - لاتفاقهما في نظم الحركات والسكنات، وتفصيل ذلك في كتب الصرف، وعلى ذلك تقول: جاء القوم تترى، بغير تنوين، وتتراً بالتنوين، والمعنى: جاءوا متتابعين، وتنوين الكلمة دليل على أسميتها؛ لأن التنوين من خصائص الأسماء، والأفعال لا تنوَّن. وبعبارة أخرى: من نوَّنه جعله مصدراً، وزنه "فَعْلا" مثل ضرباً ونصراً، ومن لم ينونه جعله مصدراً أيضاً، لحقته ألف التأنيث المقصورة، فهو مصدر على وزن فعلى، مثل دعوى، من دعا، وذكرى، من ذكر. انظر هذا المبحث في: الكتاب لسيبويه ٣/ ٢١١، والمقتضب للمبرد ٣/ ٣٣٨، ٣٨٥، وسر صناعة الإِعراب لابن جني ص ١٤٦، وشرح شافية ابن الحاجب للرضي الإِستراباذي ١/ ١٩٥، ٣/ ٨١، ٢٢٠، ولسان العرب، مادة (وتر). والصرفيون واللغويون يستشهدون على ذلك بقوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ [المؤمنون: ٤٤]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو (تتراً) بالتنوين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (تترى) بغير تنوين. انظر: كتاب السبعة لابن مجاهد ص ٤٤٦. وإعرابه على النصب من وجهين: الأول: أنه حال من (رسلنا) أي أرسلنا رسلنا متواترين، أي واحداً بعد واحد، أو متتابعين، والثاني: أنه نعت لمصدر محذوف، أي أرسلنا رسلاً إرسالاً متتابعاً، أو إرسالاً بعد إرسال. انظر: التبيان في إعراب القرآن للعكبري ص ٩٥٥، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي ٨/ ٣٤٤. وإذا ثبت أن "تترى" من التواتر والمواترة، وهو التتابع، فهل المواترة والتتابع واحد، أم أن بينهما فرقاً؟ يرى كثير من اللغويين أن التواتر غير التتابع، وإن تقاربا في المعنى، وممن ذهب إلى هذا الحريري، يقول: "العرب تقول: جاءت الخيل

стр. 543

متتابعة، إذا جاء بعضها في إثر بعض فلا فصل، وجاءت متواترة، إذا تلاحقت وبينها ... قال: ومما يؤيد ما ذكرنا من معنى التواتر قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾، ومعلوم ما بين كل رسولين من الفترة وتراخي المدة. وروى عبد خيرٍ، قال: قلت لعلي ﵁: إن عليَّ أياماً من شهر رمضان، أفيجوز أن أقضيها متفرقة؟ قال: اقضها إن شئت متتابعة، وإن شئت تترى. قال: فقلت: إن بعضهم قال: لا تجزئ عنك إلا متتابعة. فقال: بلى، تجزئ تترى؟ لأنه عر وجلّ قال: ﴿فعدة من أيام أُخر﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولو أرادها متتابعة لبين التتابع، كما قال سبحانه: ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ - درة الغواص في أوهام الخواص ص ٨، وانظر أيضاً: تقويم اللسان لابن الجوزي ص ٨٨، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩/ ٢٧٦، وسفر السعادة وسفير الإِفادة للسخاوي ١/ ١٧٤. ومن الدليل أيضاً على أن التواتر غير التتابع حديث أبي هريرة: "لا بأس بقضاء رمضان تترى"، قال ابن الأثير: "أي متفرقاً غير متتابع"، وروى هذا الحديث أيضاً: "لا بأس أن يواتر قضاء رمضان"، قال ابن الأثير: أي يفرقه، فيصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يلزمه التتابع فيه" النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ١٨١، ٥/ ١٤٨. والخلاصة: أنه إذا كان بين الأمرين فصل فهي المواترة والتواتر، وإذا لم يكن بينهما فصل فهي التتابع والمداركة والمواصلة، وهذا من الفروق اللغوية بين الشيئين المتقاربين في المعنى، وهو باب مهم من العربية، ومن أحسن ما ألف فيه كتاب "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري، وهو مطبوع متداول، فاحرص عليه واجعله قريباً منك يستقم لسانك وبيانك. وهذه جملة من الشواهد النثرية والشعرية على استعمال "تترى" اسماً لا فعلاً. أخرج البخاري من حديث قباث بن أشيم الليثي قال: قال النبيّ ﷺ : "صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤمهم

стр. 544

أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى"، التاريخ الكبير للبخاري ٧/ ١٩٣، وانظر: المعجم الكبير للطبراني ١٩/ ٣٦، والطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ٤١١، والترغيب والترهيب للمنذري ١/ ١٥٢، ومجمع الزوائد للهيثمي ٢/ ٤٢. و"تترى" في هذا الحديث في موضع الصفة للأعداد السابقة عليها، يؤكد هذا ما جاء في رواية الحديث عند ابن سعد: "فقلت لأبي خالد: ما تترى؟ قال: متفرقين". وأخرج الإِمام أحمد، من حديث أبي أمامة الباهلي - وهو حديث طويل - قال: "ثم أنشأ رسول الله ﷺ غزواً ثالثاً، فأتيته فقلت: يا رسول الله قد أتيتك تترى، مرتين، أسألك أن تدعو الله لي بالشهادة، فقلت: "اللهُمَّ سلِّمهم وغنِّمهم"، وفي رواية أخرى لأحمد أيضاً: " أتيتك تترى، ثلاثاً"، مسند أحمد ٥/ ٢٥٥. ٢٥٨. و"تترى" هنا حال: من تاء الفاعل في "أتيتك"، وقوله: "مرتين وثلاثاً" المراد أنه قال: أتيتك تترى تترى، وأتيتك تترى تترى تترى. وأخرج الطبري من حديث حجاج، عن ابن جريج، قال لعطاء: "الرجل ينكح المرأة لم يرها ولم يجامعها حتى يطلقها، أتحل له أمها؟ قال: "لا" تترى. قال حجاج: قلت لابن جريج: ما تترى؟ قال: كأنه قال: لا، لا" تفسير الطبري ٨/ ١٤٧ في تفسير الآية ٢٣ من سورة النساء. و"تترى" هنا في موضع الصفة للفظ "لا" على ظاهر لفظه، كأنه قال: متتابعة متواترة، واحدة بعد واحدة. وفي خبر علي بن أبي طالب، يتحدث عن الطاووس وعجيب خلقه، فيقول في حديث طويل: "وقد ينحسر من ريشه، ويعرى من لباسه، فيسقط تترى"، قال ابن أبي الحديد: ينحسر من ريشه فينكشف فيسقط. وتترى: أي شيئاً بعد شيء وبينهما فترة"، شرح نهج البلاغة ٩/ ٢٧٥، ٢٧٦.

стр. 545

و "تترى" في هذا الخبر حال من ضمير الفاعل في "يسقط". وذكر ابن إسحاق في قصة مسير خالد بن الوليد، بعد فتح مكة، إلى بني جذيمة، قول امرأة من هذه القبيلة، ترد على شعر شاعر: "وأنت فحييت سبعاً وعشراًَ وتراً، وثمانياً تترى" السيرة النبوية ٢/ ٤٣٤. و"تترى" في محل نصب صفة قولها "وثمانيا" أي متتابعة. وفسرها أبو ذر الخشني بقوله: تترى، أي تتوالى، شرح غريب السيرة ص ٣٨٢، وهو تفسير غير دقيق؛ لأنه فسر بفعل، فأوحى بأن "تترى" فعل أيضاً، والأولى أن يقول: تترى: متوالية. وفي خبر معاوية حين ولي الخلافة، أنه صعد المنبر، وخطب خطبة بليغة قال فيها: "وإن السيل إن جاء تترى - وإن قل - أغنى "، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣/ ١٤٨، والعقد الفريد لابن عبد ربه ٤/ ٨٢، وفيه تصحيف يصحح بما عند الذهبي. وتأويل هذا الكلام: أن السيل إن جاء متتابعاً متواتراً كان فيه الفائدة والغناء وإن كان قليلاً، فتترى هنا في حال من الفاعل المضمر في "جاء". وفي كلام لأبي العلاء المعري، يقول: "رُب حي أشرى، كأنهم ليوث الشرى ... جاءتهم المنايا تترى"، الفصول والغايات ص ٢٨٢، و "اشرى" جمع "أشر"، وهو البطر الذي لا يشكر النعمة. وواضح أن "تترى" هنا حال من "المنايا". وتأتي كلمة "تترى" في الخطب التي يفتتح بها المؤلفون كتبهم، ومن ذلك قول صدر الدين البصري، صاحب كتاب الحماسة البصرية، قال: " الحمد لله حمداً يكون لقائه ذخراً، والصلاة على نبيه محمد القائل: "إن من البيان لسحراًَ"، صلاة دائمة على ممر الأيام تترى". و "تترى" صفة ثانية لصلاة، أي صلاة دائمة متواترة، وإن كان وضع الكلمة في ذلك السياق يوهم أنها فعل مضارع، فيه ضمير يعود إلى "صلاة" كأنه قال: صلاة دائمة تستمر وتتصل.

стр. 546

فهذه أمثلة من دوران الكلمة في الكلام المنثور، أما مجيئها في الشعر فهو كثير جداً، اجتزئ منه ببعض الأمثلة. فمن أقدم ما رأيته منه قول الحارث بن وعلة الجرمي (جاهلي): ولما رأيت الخيل تترى أثائجا ... علمت باًن اليوم أحمس فاجر أثائجاً: جماعات. وأحمس: شديد. وفاجر: يركب فيه الفجور. شرح المفضليات للأنباري ص ٣٣٠، وقال الشيخان: أحمد شاكر وعبد السلام هارون، في حواشي المفضليات ص ١٦٦، "تترى: متواترين، وهي من المواترة، وهي المتابعة ... ويخطئ كثير من الكتاب في عصرنا، فيظنونها فعلاً مضارعاً، ويضعونها موضعه". وقال سويد بن جدعة (جاهلي أيضاً): ونحن نفينا خثعما عن بلادها ... تقتل حتى عاد مولى شريدها فريفين فرقاً باليمامة منهم ... وفرقاً بخيف الخيل تترى خدودها شرح المفضليات ص ١١٤، ولا يخدعنك تقدم "تترى" هنا على الاسم، فتظن أنها فعل، وإنما الكلام على التقديم والتأخير، والأصل: "خدودها تترى" بدليل نظم البيت السابق "عاد مولى شريدها"، وإنما الكلام: "عاد شريدها مولى "، والمولى: هنا العبد. ثم لا يخدعنك أيضاً شرح أبي العباس ثعلب لتترى، بقوله: "تترى، تتبع بعضها بعضاً" حيث فسر بالفعل، فإنه شرح على المعنى. وقول الشاعر: "خدودها" لم يشرحوه، وأرى أنه هنا جمع خد، وهو الجمع من الناس، فالخدود هنا: هي الجماعات، وليست تلك التي في الوجه. وذكر ابن كثير عن ابن عساكر، أن سعدى بنت كريز خالة عثمان بن عفان، قالت له تبشره، وتنبئه بزواجه من رقية بنت رسول الله ﷺ : أبشر وحييت ثلاثاً تترى ... ثم ثلاثاً وثلاثاً أخرى

стр. 547

البداية والنهاية ١٠/ ٣٤٨، و "تترى" في موضع الصفة لثلاث، أي ثلاثاً متتابعة متواترة. وقال ابن قلاقس، الشاعر الإِسكندري المتوفى سنة ٥٦٧ هـ، يمدح الحافظ أبا طاهر السِّلَفي: يا من أياديه تترى ليس يجحدها ... إلا أناس لفضل الله قد جحدوا وقال أيضاً يمدحه: ظل ذا لوعة وحزن ووجد ... وعليل وحرقة واشتياق ودموع تترى وقلب عميد ... راعه لمع مبسم براق ديوانه ص ٣٠١، ٤٨٦، والتقدير: يا من أياديه متواترة، ودموع متواترة. ثم نعود إلى بيت أحمد شوقي، الذي بدأنا به الكلام: والآي تترى والخوارق ... جمة جبريل رواح بها غداء وقد أشرت إلى أن شارح الديوان قد فسر الكلمة بأن معناها: تتوالى، فأوهم بذلك أن الكلمة فعل. وقد يظن ظان أن أحمد شوقي وقع فيها، وأنا أعيذه من ذلك؟ فالرجل كان ذا ثقافة لغوية عالية جداً، وقد أخبرني شيخي محمود شاكر ﵀ أن أحمد شوقي كان كثير النظر في "لسان العرب"، وأخبرني الأستاذ مصطفى حجازي عضو مجمع اللغة العربية أن الشيخ سليم البشري أحصى ألف لفظة من الكلام الغريب الفصيح أحياها أحمد شوفي في شعره، فبعيد جداً أن يتوهم هذا الشاعر الكبير فعلية "تترى"، وتأويلها في بيته المذكور أن تكون خبراً للآي، والتقدير: والآي متواترة، أو تكون حالاً من فاعل فعل محذوف معه، ويكون تقدير الكلام: والآي تجيء تترى ويستأنس لذلك بما ورد من كلام معاوية "إن السيل إن جاء تترى". ولا يبقى إلا دفع شبهة تتصل باشتقاق هذه الكلمة "تترى"، والجنوح بها نحو الفعلية: نقل ابن منظور في لسان العرب عن ابن الأعرابي "ترى يترى: إذا تراخى في العمل، فعمل شيئاً بعد شيء"، وقد نقل ابن منظور ذلك الكلام في موضعين من

стр. 548

اللسان، الموضع الأول في أثناء مادة (وتر) والموضع الثاني في مادة (ترى). وفي النفس من هذا النقل شيء: أولاً: لانفراد ابن الأعرابي به، ولم ينقل عن غيره من اللغويين. وثانياً: أن صاحب اللسان ذكره في مادة (ترى) أن هذا من التهذيب "خاصة"، وهو فعلاً في تهذيب اللغة للأزهري ١٤/ ٣٠٩، لكن قول صاحب اللسان "خاصة" مما يضعف هذا النقل؛ لأن مراجع اللسان خمسة، كما هو معروف: الصَّحاح للجوهري، وحاشيته لابن بري، والمحكم لابن سيده، والتهذيب للأزهري، والنهاية لابن الأثير، ولم يرد هذا النقل في شيء منها، سوى التهذيب. وثالثاً: أن ابن الأعرابي لم يستشهد لهذا الفعل بشاهد من نثر أو شعر، واللغة إنما أخذت من كلام العرب وأشعارها. هذا وقد زاد الصاغاني في الطنبور نغمة - كما جاء في المثل - فأضاف إلى ما قاله ابن الأعرابي: "أترى: إذا عمل أعمالاً متواترة، ويكون بين كل عملين فترة"، التكملة ٦/ ٣٨٠، ولا صلة لذلك كله بكلمة "تترى" إلا من بعيد، كما لا يؤخذ من ذلك فعلية "تترى". وبعد: فقد ثبت إن شاء الله، أن هذه الكلمة اسم، وليست فعلاً، وثبت أيضاً أن غالب استعمالها أن تكون حالاً، وقد تأتي صفة، ثم قد تأتي خبراً، وعلى ذلك نقول: جاءت الأنباء تترى بكذا، أو الأنباء تترى بكذا، ولا نقول: تترى الأنباء بكذا. وشكراً خالصاً للصديق الأستاذ عبد الرحمن شاكر الذي فتح لي هذا الباب من القول، ورحم الله أحمد شوفي رحمة واسعة سابغة. ثم الصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على صاحب الذكرى العطرة، اللَّهُمَّ أحشرنا تحت لوائه، وارزقنا شفاعته. * * *

стр. 549

الشيخ الشعراوي .. والموازين الصحيحة (١) في صباح يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر صفر من عام ١٤١٩ هـ، الموافق للسابع عشر من شهر يونيو من عام ١٩٩٨ م انتقل الشيخ محمد متولي الشعراوي إلى الرفيق الأعلى، وقد أحدث موته دويّاً هائلاً اهتزت له مصر وسائر الشعوب العربية والإسلامية، كما تهتز لموت عظماء الرجال. وما كاد خبر وفاته يصل إلى أسماع الناس حتى ارتفعت أصواتهم بالعويل والنحيب "في كل دار رنة وعويل"، فكان حالهم حال النابغة حين مات حصن بن حذيفة: يقولون: حِصن! ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن، والجبال جُنُوحُ؟ ولم تلفظ الأرض القبور ولم تزل ... نجوم السماء والأديم صحيح فعمَّا قليل، ئم جاش نعيه ... فبات ندي القوم وهو ينوح أو كما قال المتنبي حين بلغه نبأ وفاة أخت سيف الدولة: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي وسواء فزع الناس لحادثة الموت أو اطمأنوا، وسواء سخطوا أو رضوا، فالموت واقع لا محالة، فهو مصير كل كائن وغاية كل حي ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفأين مت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وما رضى الله البقاء إلا لأهون

стр. 550

خلقه عليه "إبليس" عليه لعائن الله تترى، وقد سأل ربه: ﴿قال رب فأنظرني الى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨]، [ص: ٧٩ - ٨١]، وأنظرني: أي أمهلني ومد في حياتي. ثم تنجلي غمرة الأسى على وفاة الشيخ الجليل عن سيل متدافع، في رثائه والكتابة عنه والأسف على فقده. وقد شارك في هذه المراثي طوائف من خاصة الناس وعامتهم. والحق أن أهل زماننا انقسموا في أمر الشيخ إلى طائفتين: الطائفة الأولى: أحبته فأسرفت في حبه، وبالغت في شأنه. والطائفة الثانية: أبغضته وشنئته وأسرفت في كرهه، وما أنصف هؤلاء ولا عدل أولئك، والأمر في الحالتين كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "سيهلك فيَّ صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، وخير الناس فيَّ حالاً النمط الأوسط فألزموه". وإذا كانت الطائفة الثانية قد أساءت بسكوتها وتجاهلها، فإن الطائفة الأولى قد أساءت أيضاً بإسرافها ومبالغتها في الحديث عن الشيخ وكأنه نبي يوحى إليه، وليس الطريق هنا أو هنالك! . من أي بئر يستقي؟ ! وبدءة ذي بدء فإني أحب أن يكون واضحاً أني من أكثر الناس معرفة بقدر الشيخ الجليل، ومن أعظم الناس حباً له، وهو حب له أسبابه ومسوغاته، فمنذ أطل هذا الوجه الكريم على الناس من شاشة التلفزيون في أوائل السبعينات، وأنا مرهف له سمعي، صارف إليه عقلي، مسدد نحوه بصري، أريد أن أعرف مصادره، ومن أي بئر عذبة يستقي، وفي أي كلأ مخصب يرتعي، ومن أي نار متأججة يقبس، ويوماً بعد يوم استوى عمود الصورة أمامي لهذا الشيخ الجليل، وحين تم لي ذلك - من خلال سماعي له ومشاهدتي إياه في التلفزيون فقط، وعلى غير لقاء أو تعارف بيننا، إلى أن مات ﵀ رأيته واجباً عليّ متعيناً أن أقدم هذا الرجل للناس، على نحو كاشف محلل، يتجاوز الإِعجاب الساذج إلى الإِبانة الصادقة عن منهج الرجل

стр. 551

وأدواته، فكتبت عنه كلمة ضافية سمَّيتها: (الشيخ الشعراوي واللغة) في "هلال" فبراير من عام ١٩٩٤ م، ولم أكتف بهذا الذي صنعت منذ أربع سنوات، بل ظللت على حفاوتي بالشيخ وتتبعي له، وتقييد بعض الملاحظات على ما يقوله ﵀، وكان ملخص ما قلته يومئذ في حق الشيخ: إنه شيخ جليل جاء على حين فترة من العلماء الحافظين الضابطين. وهو يمثل صورة زاهية للعالم الأزهري المؤسس على علوم العربية وقوانينها، من حفظ المتون وإتقان التعريفات والصبر على المطولات، والنظر في الحواشي والتعليقات والتقريرات، مع عناية فائقة باللغة، في مستوياتها الأربعة: أصواتاً وصرفاً ونحواً ودلالة، واستظهار معجب للشعر العربي في عصوره المختلفة، ومع تعلق شديد بالقرآن وعلومه، إلى ملكات ومواهب أخرى يعرفها المتابعون للشيخ. فهذه هي الموازين الصحيحة لتقييم الشيخ والحكم عليه، أما ما أفاض فيه المحبون والمريدون من النظر إلى الشيخ نظرة نبوية، تتجلى في ردهم كل شيء عند الرجل إلى الإِلهام والفيوض الربانية، والنفحات والتجليات، والعلم اللدني، فهذه كلها "دروشة" في تقييم الرجال والحكم عليهم. وإنما الصواب أن يقال: إنه رجل مثقف مؤسس واسع الاطلاع، غزير الرواية، وافر الحفظ، سريع اللمح، ذكي اللسان. فبذل الجهد في تحصيل العلم وإخلاء النفس له هو باب التوفيق والفيوض الربانية، ولذلك يقول تاج الدين السبكي: "وهكذا رأينا من لزم باباً من باب الخير فتح عليه غالباً منه"، طبقات الشافعية ١/ ٦٥، فهذا أول ما ندفعه عن الشيخ من مبالغات الناس فيه. ومن مبالغاتهم أيضاً قولهم: إنه أتى في تفسير القرآن بما لم يأت به الأوائل، وهذا قول منكر مردود، لأنه قول من لا يعرف تاريخ أمته، وتاريخ علمائها، وأئمة التفسير فيها، ثم هو كلام يرسل إرسالاً، ولا يملك صاحبه عليه دليلاً إلا الهوى الجامح، على ما قال أنس بن أبي أنيس:

стр. 552

يقولون أقوالاً ولا يعلمونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا ولكم أيها السادة أن تقولوا عن الشيخ أنه فريد عصره، وأنكم لا تعلمون له شبيهاً فيما يعالجه أهل العلم الآن من تفسير القرآن والكشف عن مراد الله فيه، لكم أن تقولوا هذا، ونحن نوافقكم عليه، أما أن تسحبوا هذا الحكم على علمائنا السابقين جميعهم فلا نوافقكم عليه، بل نأخذ على أيديكم ونمنعكم منه، ونضيق عليكم فيه، لأنه اغتيال لتاريخ علمائنا وأئمتنا، وقد دللتكم في مقالتي المنشورة بالهلال، على عالم من أئمتنا السابقين - لا أقول يشبه الشيخ الشعراوي، ولكن الشيخ الشعراوي هو الذي يشبهه - ذلكم هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، الفقيه الحنبلي الحافظ المفسر الواعظ المؤرخ الأديب، المولود ببغداد سنة ٥٠٨ هـ = ١١١٤ م والمتوفى بها ٥٩٧ هـ = ١٢٠٠ م. كان عالماً فذاً كثير التصانيف في التفسير والحديث والتاريخ واللغة. لكنه عُرف بالوعظ، وطارت له فيه شهرة عظيمة، حتى قيل في وصفه "عالم العراق وواعظ الآفاق"، وقالوا في وصفه: إنه كان من أحسن الناس كلاماً وأتمهم نظاماً وأعذبهم لساناً وأجودهم بياناً، وكان يحضر مجالس وعظه الخليفة العباسي المستضيء بالله، وكذلك الوزراء والعلماء والفقهاء والقضاة وأرباب الدولة وسائر الناس على اختلاف طبقاتهم، حتى قيل إن مجلس وعظه حزر بمائة ألف (انظر: العبر فيِ خبر من عبر للذهبي ٤/ ٢٩٨). وقد وصف الرحالة ابن جبير مجلساً من مجالس ابن الجوزي، وقد حضره، فقال: "ثم إنه بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر، طارت لها القلوب اشتياقاً، وذابت بها الأنفس احتراقاً، إلى أن علا الضجيج، وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كل يلقي ناصيته بيده فيجزها ويمسح على رأسه داعياً له، ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه. فشاهدنا هولاً يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة"، رحلة ابن جبير ص ١٩٧، ١٩٨.

стр. 553

وقال ابن الجوزي عن نفسه، في آخر كتابه القصاص والمذكرين ص ١٩٥: "وإني ما زلت أعظ الناس وأحرضهم على التوبة والتقوى، فقد تاب على يدي إلى أن جمعت هذا الكتاب أكثر من مائة ألف رجل ... وأسلم على يدي أكثر من مائة ألف"، وانظر تفصيلاً أكثر في: كتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ٤١٠. فهذا وجه من وجوه الشبه بين ابن الجوزي والشيخ الشعراوي، وثمة وجوه شبه أخرى، منها هذه التعبيرات والتراكيب الوعظية التي ترد في كلام الشيخين، ذكر ابن رجب في المرجع السابق أن الناس قد طربوا في مجلس ابن الجوزي، فقال لهم: "فهمتم فهمتم" الأولى من الفهم، والفاء فيها أصلية، والثانية من الهيام، والفاء فيها حرف عطف. وذكر ابن رجب أيضا أن رجلاً سأل ابن الجوزي: "أيهما أفضل: أسبّح أم أستغفر؟ ففال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور؟ "، وواضح أن الصابون هو معادل الاستغفار، وأن البخور هو مقابل التسبيح. وكما ازدحم الناس على جنازة الشيخ الشعراوي في بلدته (دقادوس) ازدحم الناس على جنازة ابن الجوزي في بغداد، قالوا: "وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان يوماً مشهوداً بكثرة الخلائق وشدة الزحام، حتى إنه أفطر جماعة من شدة الحر"، وكانت وفاته في رمضان. ومن العجيب أن ابن الجوزي توفي عن عمر يناهز السادسة والثمانين، وكذلك كان عمر الشيخ الشعراوي يوم وفاته. وبقي وجه شبه آخر بين الإِمامين: وهو أن كليهما كانت تقدم له الهدايا الكثيرة من الأمراء وأصحاب اليسار، ولكن هل كان ابن الجوزي يجعل من هذه الهدايا نصيبًَ مفروضاً لمصارف البر والتوسعة على الناس، كما شاع وذاع عن الشيخ الشعراوي؟ علم ذلك عند ربي! .

стр. 554

فهم النص واستيعابه: ومع هذا التشابه الواضح بين الشيخين، فإن ابن الجوزي ينفرد بكثرة التأليف والتصنيف. حتى ليقول عنه الذهبي: "وما علمت أحداً من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل" تذكرة الحفاظ ص ١٣٤٤، أما الشيخ الشعراوي فلم يترك شيئاً مكتوباً، وأما هذا الركام المطروح في الأسواق من الكتب التي تحمل اسم الشيخ الشعراوي، فلا ينبغي أن تكون محل ثقة أو قبول، وهي أعمال تجميعية من التسجيلات الإِذاعية والتلفزيونية، وهي من عمل بعض الناشرين، وواجب على الأزهر وعلى أسرة الشيخ أن تحاصر هذه المطبوعات، وأن تمنع تداولها في الأسواق. وقد نهى الشيخ ﵀ عن هذا العمل، فقال في آخر توقيعاته، كما جاء بالأهرام ١٩/ ٦: "آخر قرار وقعه ناشد فيه الناشرين بأنهم عندما يكتبون كتابات من خواطر الشيخ أن يحسنوا فهم النص ويستوعبوه جيداً، حتى لا يكون هناك هروب من النص، فيساء فهمه ويساء إلينا بالتبعية، لهذا أقرر بعدم نشر أي كتاب منسوب إليّ، بغير اطلاعي شخصياً أو من ينوب عني". وهذا الذي يطلبه الشيخ من الناشرين أن يحسنوا فهم النص، شيء لن يكون ولن يتحقق، لأن الشيخ يسترسل في أحاديثه، وينبسط، ولن يستطيع أي إنسان أن يدوِّن هذا الكلام المسترسل ويضبطه إلا صاحبه. فالواجب إغلاق هذا الباب تماماً، ومن العجب إنك تجد الآن في الأسواق ما يسمَّى بفتاوى الشعراوي، أو الجامع في الفتاوى، والشيخ ﵀ لم يكن فقيهاً ولا مفتياً، فشروط الفقيه غير متوفرة في الشيخ، والفتيا في دين الله أمر عظيم، ولها أدوات كثيرة ليست متحققة عند الشيخ، فلنحذر الخلط في أمور ديننا، فإن وراءنا يوماً ثقيلاً، وانظر كتاب: (أدب الفتوى وشروط المفتي وصفة المستفتي وأحكامه وكيفية الفتوى والاستفتاء) لابن الصلاح، ومقدمة محققه الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب. ولم يبق الآن من مبالغات الناس في أمر الشيخ إلا بعض أمثلة، اجتزئ بها عن كثير غيرها.

стр. 555

مبالغات: فمن ذلك ما كتبه صديقنا الدكتور محمد الجوادي في أهرام ٢٠/ ٦، عن الشيخ: "أنه متابع جيد لكل تفصيلات الحياة والعلم والاقتصاد ولأدق نظريات الاجتماع، وتطورات العلوم الحديثة ومنجزات التكنولوجيا"! أهكذا يا صديقنا الدكتور؟ لقد تبحبحت كثيراً، إن الذي يتابع أدق نظريات الاجتماع ومنجزات التكنولوجيا لا بد أن يكون لديه لغتان أجنبيتان أو لغة واحدة على الأقل. وما عرف عن الشيخ ذلك! وفي عدد الأهرام نفسه يقول الأستاذ حسن دوح: "لقد وجدنا فيك الزمخشري والبيضاوي وابن كثير ومالكاً والشافعي وابن حنبل وأبا حنيفة، ووجدنا فيك البخاري ومسلماً وابن ماجه والنسائي، ووجدنا فيك ابن حزم وابن تيمية "، يا أستاذ حسن، أمسك عليك قلمك، إن الشافعي المتوفى سنة ٢٠٥، والبخاري المتوفى سنة ٢٥٦ لم يتكررا، ولم يعرف التاريخ لهما شبيهاً، لأسباب ودواعٍ كثيرة، وكذلك سائر من ذكرت من الأئمة الأعلام، ولا يتسع المقام هنا لبسط الكلام. على أن الشيخ ﵀ لم يكن محدثاً، فإن المحدث بالمعنى الاصطلاحي الدقيق: هو من عرف علم الحديث رواية ودراية، وعلم الحديث رواية: هو ما يشتمل على أقوال النبيّ ﷺ وأفعاله، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها، وعلم الحديث دراية: هو ما يعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها، وحال الرواة من تعديل وتجريح، وقبول ورد، وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق به. وذلك كله ما يعرف بعلوم الحديث. وما نظن الشيخ ﵀ ضبط ذلك كله، وانظر تفصيل ذلك في: كتاب تدريب الراوي للسيوطي ١/ ٤٠، وقواعد التحديث لجمال الدين القاسمي ص ١٧. والعجيب أن ما قاله الدكتور الجوادي والأستاذ حسن دوح، قد نقله بحروفه الأستاذ أحمد أبو كف في المصور ٢٦/ ٦، دون أن ينسبه إليهما، وخطورة مثل ذلك أن هذا الكلام قد صار كلاماً مصدقاً ينقله الناس بعضهم عن بعض وكأنه من المسلمات!

стр. 556

ومن المبالغات أيضاً ونسبة أمور للشيخ ليست له ما ذكره الأستاذ عبد الرحمن فهمي في بريد الأهرام ٢٥/ ٦ بعنوان (إحضر حالاً إلى أندونيسيا) يقول: إن أئمة الإِسلام في أندونيسيا قد بعثوا إلى الشيخ الشعراوي ليرى ساحراً بوذيّاً يدعو إلى أمور دينية خطيرة، ويستعين عليها بأمور من السحر، فسافر الشيخ سراً ورأى ذلك الساحر وهو يخرج من كمه حبلاً طويلاً يسبح في الهواء، بل إنه يخرج من كمه رجلاً يسبح في الهواء ويتعلق بذلك الحبل. فما كان من الشيخ الشعراوي إلا أن طلب مصورين وأجهزة تصوير ليصوّروا الحبل والرجل. وكانت المفاجأة أن أفلام التصوير لم تسجل شيئاً من ذلك كله. وهنا أكد لهم الشيخ أن هذا نوع من التخييل والتمويه، وأن هذا الرجل إنما سحر أعين الناس فقط، كما حكى القرآن العظيم عن سحرة فرعون: ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءو بسحرٍ عظيم﴾ [الأعراف: ١١٦]، انتهت القصة، وأقول: يا أستاذ عبد الرحمن فهمي، هذه قصة قديمة جداً، وقد سمعت أشباهاً لها منذ عشرين عاماً، والذي فعله الشيخ الشعراوي أنه صنع ما صنعه غيره من كشف هذه الألاعيب. على أن من أعجب ما قرأته من مبالغات الناس في أمر الشيخ ما ذكره الدكتور عبد الله النجار في باب (قرآن وسنة) بجريدة الجمهورية ٢٦/ ٦، فقد ذكر كلاماً عن المواجهة بين الشيوعيين والشيخ الشعراوي، أنهاه بقوله: "وستظهر الأيام أن انتصار الشيخ في تلك المعركة الفاصلة هو الذي مهد لسقوط الدولة الشيوعية، وانتهاء ما كان يتحصن به الذيول والأتباع مما كان يعرف بالاتحاد السيوفييتي، وكانت تلك هي معركة القرن"! هل هذا كلام يا رجل؟ لن اصف ذلك الكلام وسأمسك قلمي، لكني أدعو الدكتور عبد الله النجار أن يبرأ مما قال، ويخرج من عهدته، ويعلن أن ذلك من جمحات القلم، ببواعث الشجن وهيجان العاطفة. على أنه مما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن الشيخ الشعراوي لم يدخل معارك على الحقيقة مع أحد، فإنه لم يكن يعبأ بمخالفيه، وليس كبراً عليهم واستعلاء، وإنما الرجل كان يتصرف وفق منهج الصوفي الذي ألقى الدنيا خلف ظهره ودَبْر أذنيه،

стр. 557

واشتغل بمحبوبه عمن سواه، ومحبوبه هو القرآن ولغة القرآن، ومنهج الله الذي يبدو له من خلال آيات هذا الكتاب المبين، وهو إن ذكر شيئاً من مقالة الشيوعيين أو الإِلحاديين فإنما كان يعالجها من خلال تأمله للقرآن ليس غير، ويحسب للشيخ هنا من ذكائه ووعيه الاجتماعي أنه لم يتعرض لسخط أهل الصحافة وأهل الإِعلام، فهو يعلم أن هؤلاء وهؤلاء لهم سلطان وغلبة، ولم يكن يغيب عن الشيخ قول جرير: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا ثم هو لم تغب عنه أيضاً معركة الشيخ محمد الغزالي في الخمسينات مع الأستاذ إحسان عبد القدوس والفنان صلاح جاهين وكاريكاتيره الشهير "أبو زيد الغزالي سلامة"، ثم معركة الشيخ محمد أبو زهرة مع الأستاذ أحمد بهاء الدين في الخمسينات أيضاً، كذلك لم يغب عنه تعرض الشيخ عبد الحميد كشك لغضب الصحفيين وأهل الفن. والشيخ كشك كان أيضاً من أصحاب البيان واللسن، وجهارة الصوت وقوة التأثير، وكان وراءه جمهور ضخم، ولقيت تسجيلاته انتشاراً وذيوعاً داخل مصر وخارجها، بل وصلت إلى أوروبا والأمريكيتين. لكن انشغال الشيخ كشك بتتبع الأدباء والكتاب وأهل الفن، والتلفزيون والكرة، شتت جهوده، وحصر تأثيره في دائرة محدودة من الناس، وهذه أزمة بعض أصحاب الخطاب الديني، أنهم يوردون أنفسهم موارد التهلكة، حين ينظرون إلى المجتمع على أنه شر كله، وفي هذا الطريق يستغضبون طوائف مهمة في المجتمع، بدواعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهملين طبائع الأزمان، غافلين عن تقلبات الأحوال وتداخل الأمور، وتشابك القوى وقد قيل بحق: العاقل من عرف زمانه، وقد ألمح إلى هذا الدكتور أحمد كمال أبو المجد، في كلمة له بالمصور - العدد المذكور - قال: "ومن السمات الواضحة في منهج الشيخ الشعراوي انه التزم موقفاً إيجابيّاً وبنائيّا في تعامله مع الواقع، مؤثراً الاشتغال ببناء المنهج السوي، والتبشير به والدعوة إليه، عن الاشتغال بنقد المناهج

стр. 558

الفاسدة، والدعوة إلى هدم الواقع، أو تثبيت الأفكار عند مواضع العوج في دنيا الناس". لم يعاد يوسف إدريس: نعم أفلت الشيخ الشعراوي من ذلك كله، فلم يستغضب أحداً، ولم يعاد أحداً، وحين عبس الدكتور يوسف إدريس في وجهه وتناوله وسخر منه، لم يثأر منه ولم يحرش جماهيره به، بل تركه حتى ذهب إليه الدكتور يوسف بنفسه، واعتذر إليه، وكأنه بذلك يحقق قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت]، ومن اللافت للنظر أن الشيخ الشعراوي قد ضمن هذه الآية الكريمة في شعر له قديم، قال: يا من تضايقه الفعا ... ل من التي ومن الذي ادفع فديتك (بالتي) حتى ترى (فإذا الذي) وهذا لون من الشعر، يضمن فيه الشعراء شيئاً من القرآن الكريم، ويجعلونه في قوافيهم، ومنه قول الشاعر: ألا يا أيها المرء الـ ... ـذي ألهمُّ به بَرَّحْ وقد انشد بيتاً لم ... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر ... ففكر في (ألم نشرح) فعسر بين يسرين ... إذا أبصرته فافرح انظر: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ٩/ ١٦٦. وممن عرف بهذا اللون من الشعر أبو بكر محمد بن أحمد المعروف بالخباز البلدي، من شعراء الفرن الرابع، قال: سار الحبيب وخلف القلبا ... يبدي العزاء ويضمر الكربا قد قلت إذ سار السفين ... بهم والشوق ينهب مهجتي نهبا لو أن لي عِزَّا أصول به ... (لأخذت كل سفينة غصبا)

стр. 559

والحديث عن موقف الشيخ الشعراوي من الشيوعية - وهو موقف مفتعل كما قلت - يقودنا إلى ما يراه بعضهم من أن الشيخ يمثل ظاهرة سياسية، بجانب كونه ظاهرة دينية، ومن ذلك ما كتبه الدكتور محمد أبو الإِسعاد في المصور ٢٦/ ٦، وأول ما يلقانا من كلام الدكتور قوله عان الشيخ الشعراوي، إنه تأثر بالمذهب الوهابي، بدرجة واضحة، ويرد الدكتور ذلك إلى عمل الشيخ بالسعودية، ومشاركته في إنشاء رابطة العالم الإِسلامي هناك. وهذا القول غير صحيح، فإن مذهب الشيخ مباين تماماً للمذهب الوهابي، أو مذهب "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" كما يحب السعوديون أن يسمَّى، فالشيخ الشعراوي صوفي الوجه واليد واللسان، وأنت لا تخطئ صوفيته هذه في كل ما يقول، ولا يخفى الفرق بين الصوفية ومذهب القوم هناك "يا بعد يبرين من باب الفراديس". والسعوديون يعلمون جيداً صوفية الشيخ الشعراوي، ولم يمنعهم ذلك من أن ينزلوه منزلاً كريماً بينهم، وأن يوسعوا له في مجالسهم، بل أن وزيرهم النابه "محمد عبده يماني" هو الذي قدم الشيخ إلى الأستاذ أحمد فراج، فكانت الشهرة العريضة. ويرى الدكتور أبو الإِسعاد أن الشيخ قد دخل طرفاً في الصراع بين التيار القومي الاشتراكي وبين التيار الإِسلامي السلفي، وهو ذلك الصراع الذي ساد منطقتنا العربية في الستينات، ويدلل على ذلك بانضمامه إلى رابطة العالم الإِسلامي بمكة المكرمة - وليس في جدة - عام ١٩٦٢ م، وهذا الكلام هو من إسراف المؤرخين والمثقفين في التحليل والاستنتاج، فالحقيقة أن الشيخ لم يدخل طرفاً في أي صراع، وانضمامه إلى رابطة العالم الإِسلامي لم يكن لمواقف سياسية مأثورة عنه، وإنما كان لأنه كان شخصية بارزة في المجتمع المكي، بمحاضراته القيمة وتدريسه المتميز في كلية الشريعة بمكة المكرمة، والسعوديون يحرصون دائماً على اجتذاب النماذج المتميزة في مؤسساتهم العلمية والتعليمية، ولو كانوا يخالفونهم أحياناً (ولا ينبئك مثل خبير).

стр. 560

ولو كان الأمر كما يرى الدكتور لاستغل السعوديون الشيخ في صراعهم المر مع الرئيس جمال عبد الناصر إبان حرب اليمن وغيرها. ولم يؤثر عن الشيخ شيء في ذلك. وأما ما ذكره الدكتور من أن الشيخ الشعراوي قد صلَّى ركعتين شكراً لله على نكسة ١٩٦٧ م، فهذه زلة عظيمة من الشيخ غفر الله له، ولا يعتذر له عنها، مهما كانت الأسباب والمسوغات، وما أظن أن الشيخ قال هذه القولة الذميمة استجابة لموقف سياسي معين، وإنما قالها صدى لبعض أصوات العامة التي سمعناها تقول غداة هزيمة "٦٧": "الحمد لله العساكر كانوا حيركبونا"، وقد سمعتها أنا بأذني من الأحياء الشعبية التي كنت أعيش فيها تلك الأيام، ومعلوم أن الشيخ كان كثير المخالطة للعامة. وكذلك ليس صحيحاً أن الشيخ وظف شعبيته الدينية لدعم نظام الرئيس السادات، فالسادات كان قد كسب شعبية كبيرة بعد انتصار حرب ١٩٧٣ م لأنه مسح العار عن جبين مصر والأمة العربية، وذلك قبل أن يلتقي بالشيخ الشعراوي وزيراً عام ١٩٧٦ م، ولم يؤخذ على الشيخ إلا قوله في حق الرئيس السادات: لا يُسأل عما يفعل. وهذه قد غضب منها المتدينون، لأنها قيلت في حق المولى ، والحق أنها كانت غلطة من الشيخ، لا يعتذر عنها إلا بأنها زلة أديب، لا عالم، كما استهجن الناس من قبل قول ابن هانئ الأندلسي (٣٦٢ هـ) في الخليفة المعز لدين الله الفاطمي: ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار ومع ذلك فلم تطل إقامة الشيخ الشعراوي بالوزارة، ويقولون إن خلافات نشبت بينه وبين الرئيس السادات، بسبب قضية الأوقاف، وبخاصة ما يتصل منها بسور نادي الزمالك، ويروون في ذلك نكتة لاذعة بينه وبين السادات "وكلاهما كان صاحب دعابة"، وأعرف ما يقول الخبثاء الآن!

стр. 561

أما موقف الشيخ من غزو الكويت وتأثيم ذلك الغزو، وإجازته الاستغاثة بجيوش غير إسلامية لإِنقاذ الكويت، فلم يكن هذا موقف الشيخ وحده. ولعل ردنا هذا الموجز على مقالة الدكتور أبو الإِسعاد يكون هو مدخلنا إلى الحديث الموجز أيضاً، عن الطائفة الثانية - ومعظمها من المثقفين والأدباء والجامعيين - التي أعرضت عن الشيخ وأبغضته، ولم تكتف بذلك الإِعراض وهذا البغض حتى ضمت إليهما هزءاً بالشيخ وسخرية منه، فقالوا: إنه رجل دنيا، وإنه ممثل، وإنه بهلوان - ونعوذ بالله من سوء القول، ويستشهدون لذلك بأنه كثير التلفت وتحريك أعضائه والغمز بعينيه. وهذه حجة داحضة، لأن هذا الذي يأخذونه على الشيخ إنما هو من أدوات الواعظ والخطيب، ولا ننسى أن الشيخ كان في أول أمره معلماً، على أن استعانة الشيخ بجوارحه للشرح والتبيين - فضلاً عن أنه من أدوات الخطيب والمعلم - من أساليب القدماء في الشرح والإِبانة. قال السيوطي في المزهر ١/ ١٤٤: "إذا سئل العربي أو الشيخ عن معنى لفظ فأجاب بالفعل لا بالقول يكفي، قال في الجمهرة: ذكر الأصمعي عن عيسى بن عمر، قال: سألت ذا الرمة عن النضناض، فلم يزدني على أن حرك لسانه في فيه. قال ابن دريد: يقال: نضنض الحية (الثعبان) لسانه في فيه: إذا حركه. وقال القالي في أماليه: سئل الأصمعي عن العارضين من اللحية، فوضع يده على ما فوق العوارض من الأسنان". وحكى ثعلب في مجالسه ص ٤٠٩ عن معاوية أنه قال لعقبة بن أبي سفيان: "يا أخي، أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه، ولو قد قدر أن يتكلم بها فعل". وهذه الحركات من سمات الخطباء والوعاظ، وتجدها كثيراً في البيان والتبيين للجاحظ، وقال الذهبي في ترجمة أبي منصور العبادي، من سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٣١: "واعظ باهر، حلو الإِشارة، رشيق العبارة"، وأيضاً فإن تحريك الأعضاء يعكس حالة انفعالية يعانيها الشخص، قد تكون رضا، وقد تكون سخطاً. روي أن معاوية سمع رجلاً يغني فطرب لغنائه، فحرك رجله، ففال له عبد الله بن جعفر:

стр. 562

ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال معاوية: إن الكريم طروب. مجالس ثعلب ص ٤٧. على أن هذه الحركات من الشيخ إنما تدل على حالة مزاجية خاصة كانت تلازمه في دروسه ومجالسه، وهي حالة من البهجة والنشوة كانت تتلبس الشيخ حين يسبح في أنوار القرآن، ويرتع في رياض العربية: فصاحتها وبيانها، وقل من يتنبَه لهذا الأمر في تحليل شخصية الشيخ: إنه يتلذذ بما يقول، ويطرب لما يجري على لسانه، فيتلذذ معه الناس ويطربون، والواعظ الجيد كان يوصف قديماً بالمطرب، قال الذهبي في ترجمة العبادي المذكور قريباً: "الواعظ المشهور المطرب". وقد صرح الشيخ بهذه الحالة المزاجية، فقال رداً على سؤال للأستاذ صلاح منتصر، عن سر جاذبيته: "يعلم الله أني ما أقبلت على لقاء أو تسجيل أو ندوة أو حديث إلا وأنا أدرك حلاوة ما أقبل عليه" الأهرام ٢٠/ ٦. وأنت لو أرهفت سمعك مع الشيخ لسمعته حين يحلق مع خواطره يتواجد ويطرب فيقول لنفسه بصوت خفيض ولكنه مسموع - "الله الله" - يعني بالتعبير المصري: الرجل بيشتغل بمزاج - وهذا شيء معهود في قراء القرآن والمطربين، يهمهمون أحياناً تعبيراً عن سعادتهم ونشوتهم، وقد لا يهمهمون ولكن حالتهم المزاجية تدل على ذلك. وفي تسجيل نادر للشيخ مصطفى إسماعيل في سورة هود، وصل الشيخ ﵀ إلى درجة عالية جدّاً من حلاوة الصوت وجمال الأداء، فقال له أحد المستمعين: "وحياة النبيّ أنت بتسمع معانا الليلة دي"! وفي تسجيل حفلة لمطرب المائة عام -كما كان يقول أستاذنا كمال النجمي ﵀ محمد عبد الوهاب - صدح بأغنية "كل ده كان ليه"، وكانت الحفلة في نادي الضباط، أوائل الثورة، وصل عبد الوهاب إلى الغاية في الحلاوة والسلطنة، فسمعناه يخاطب أعضاء فرقته الموسيقية: "قولوا لنا حاجة، ما تقولوا لنا حاجة"، كأنه يقول لهم: إنني في حالة من الوجد والنشوة فشاركوني انتم أيضاً في ذلك بالعزف المنفرد (الصولو) على آلاتكم. أما أم كلثوم العظيمة فهمهماتها معروفة مسموعة.

стр. 563

موقف غريب ! فما أظن هؤلاء المثقفين الذين كرهوا الشيخ وأعرضوا عنه وسخروا منه وقالوا فيه أسوأ الذي قالوا، ما أظنهم فعلوا ذلك إلا أنفة واستعلاء وذهاباً بأنفسهم أن يجتمعوا على مائدة واحدة مع العامة الذين يصيحون ويفغرون أفواههم إعجاباً بالشيخ، فهذه (ديماغوجية) بغيضة عند المثقفين الأكابر والأدباء، أصحاب الجباه العالية، وهذا يذكرنا بموقف أولئك الذين كانوا يعرضون عن حزب الوفد ويسخرون منه، لأنه يجمع الغوغاء والدهماء من عامة الشعب، ويرون أن حزباً مثل حزب الأحرار الدستوريين جدير بالاحترام والتبجيل، لاجتماع الصفوة في رحابه في مقدمتهم الدكتور محمد حسين هيكل باشا. ولم يكن المثقفون وحدهم في هذا الموقف من الشيخ، بل شاركهم كثير من الجامعيين، والعتب على هؤلاء أشد، والمحنة في موقفهم هذا أعظم، لأنهم كانوا أولى الناس بأن ينتبهوا إلى الشيخ، ويتأملوا منهجه في البيان واللغة، وهذا السيل المنهمر من الشعر الذي قلما يجتمع في صدر أحد من أهل زماننا. لقد سلك الشيخ مسالك عجيبة في بيان إعجاز القرآن والكشف عن مراد الله في هذا الكتاب الحكيم، بتأمل اللغة، والنفاذ إلى أعماقها، وإبراز خصائصها الصوتية والتركيبية، وكنتم انتم أيها الجامعيون أولى الناس بمتابعة الشيخ في ذلك، ودرسه وتكميله، وإضاءته بمناهج الدرس الحديث، ولكنكم فتنتم أنفسكم وارتبتم وغرتكم مناصبكم الجامعية، فتكبرتم وأعرضتم عن الشيخ جملة، وقد ظلمتم أنفسكم باتخاذكم الكبر، فتوبوا إلى بارئكم، وأعكفوا على تراث الشيخ المسموع والمرئي، فأعملوا فيه عقولكم، وأعطوه حظه من النظر والتأمل، فإن الشيخ قد أوتي علماً عظيماً، ينبغي علينا نحن ورثة الأنبياء كشفه وإظهاره، وسنحرز معه الأجر ونشركه في المثوبة إن شاء الله. فنحن وإياه على ثغر من ثغور العربية، نحميها ونذود عنها، ونجالد الناس عليها، وتلك مرتبة عليا، فقد قال عبد الله بن المبارك (١٨١ هـ): "لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم"، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٤٣.

стр. 564

وحين نعكف ويعكف المنصفون من المثقفين والجامعيين على تراث الشيخ، كشفا وإضاءة، نكون قد أقمنا الموازين الصحيحة لتقييم الشيخ والحكم عليه، ونكون أيضا قد استنقذناه من أيدي العامة التي توشك أن تتخذ قبره حناناً تأوي إليه - كما جاء في الخبر - ثم تجعل له من كل عام يوماً مشهوداً، ترتفع فيه البيارق وتدق له الطبول وتخفق فيه الرايات، وتدار فيه النفحات، وتدور فيه الرؤوس في حلقات الذكر، وإذا نحن بيوم وليلة أمام طريقة صوفية جديدة تدعى "الطريقة الشعراوية"، ورضي الله عن السادة الصوفية الأعلام، أئمَة الزُّهد وأرباب الحقيقة وأمراء الكلام، ﴿والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير﴾ [غافر: ٢٠]. * * *

стр. 565

الشيخ الشعراوي .. والفتنة بما يقوله الكبار (١) رحم الله شيخنا الشعراوي، فمنذ نحو ثلاثين عاماً خرج على الناس صوت جديد، يدعو إلى الله على بصيرة، ويكشف عن مراد الله من كلامه القديم، على نحو مباين لما ألفه الناس في زماننا هذا. ذلكم هو الشيخ محمد متولي الشعراوي، وكان الفضل في إبلاغ هذا الصوت وإذاعته مصروفاً كله إلى الأستاذ الأديب أحمد فراج، في برنامجه التلفزيوني "نور على نور". ويوماً بعد يوم أخذ الناس يجتمعون حول ذلك الصوت لما ظهر لهم من أسلوبه الفريد في عرض القضايا ومناقشتها والاستدلال عليها، وأخذ الشيخ يبسط سلطانه على ساحة الخطاب الديني المرئي والمسموع، مخلياً مساحة كبيرة بينه وبين سائر الدعاة والوعاظ، لكنه قد لقي - في أول أمره - شيئاً من الإِنكار والتجافي، وبخاصة من بعض المثقفين الذين أعرضوا عنه أنفة واستعلاء، وذهاباً بأنفسهم عما تجتمع عليه العامة، ولعل ذلك الإِعراض يرجع أيضاً إلى ما أثر عن الوعاظ قديماً وحديثاً، من مخاطبتهم للمشاعر القريبة في الناس، واستنفارهم لشجون العواطف والقلوب، وبُعدهم عن معالجة قضايا الفكر ومسارح التأمل، على ما قرره توفيق الحكيم في كتابه "فن الأدب"، وفي كلام بعض أهل العلم قديماً ما يشير إلى ذلك. يقول مجد الدين بن الأثير في مقدمة كتابه "النهاية في غريب الحديث والأثر"، وهو يتحدث عن جهود العلماء في التأليف في علم غريب الحديث: "وكان في زماننا أيضاً، الإِمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، كان متفنناً في علومه،
следующие страницы →