← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أما موقف الشيخ من غزو الكويت وتأثيم ذلك الغزو، وإجازته الاستغاثة بجيوش غير إسلامية لإِنقاذ الكويت، فلم يكن هذا موقف الشيخ وحده. ولعل ردنا هذا الموجز على مقالة الدكتور أبو الإِسعاد يكون هو مدخلنا إلى الحديث الموجز أيضاً، عن الطائفة الثانية - ومعظمها من المثقفين والأدباء والجامعيين - التي أعرضت عن الشيخ وأبغضته، ولم تكتف بذلك الإِعراض وهذا البغض حتى ضمت إليهما هزءاً بالشيخ وسخرية منه، فقالوا: إنه رجل دنيا، وإنه ممثل، وإنه بهلوان - ونعوذ بالله من سوء القول، ويستشهدون لذلك بأنه كثير التلفت وتحريك أعضائه والغمز بعينيه. وهذه حجة داحضة، لأن هذا الذي يأخذونه على الشيخ إنما هو من أدوات الواعظ والخطيب، ولا ننسى أن الشيخ كان في أول أمره معلماً، على أن استعانة الشيخ بجوارحه للشرح والتبيين - فضلاً عن أنه من أدوات الخطيب والمعلم - من أساليب القدماء في الشرح والإِبانة. قال السيوطي في المزهر ١/ ١٤٤: "إذا سئل العربي أو الشيخ عن معنى لفظ فأجاب بالفعل لا بالقول يكفي، قال في الجمهرة: ذكر الأصمعي عن عيسى بن عمر، قال: سألت ذا الرمة عن النضناض، فلم يزدني على أن حرك لسانه في فيه. قال ابن دريد: يقال: نضنض الحية (الثعبان) لسانه في فيه: إذا حركه. وقال القالي في أماليه: سئل الأصمعي عن العارضين من اللحية، فوضع يده على ما فوق العوارض من الأسنان". وحكى ثعلب في مجالسه ص ٤٠٩ عن معاوية أنه قال لعقبة بن أبي سفيان: "يا أخي، أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه، ولو قد قدر أن يتكلم بها فعل". وهذه الحركات من سمات الخطباء والوعاظ، وتجدها كثيراً في البيان والتبيين للجاحظ، وقال الذهبي في ترجمة أبي منصور العبادي، من سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٣١: "واعظ باهر، حلو الإِشارة، رشيق العبارة"، وأيضاً فإن تحريك الأعضاء يعكس حالة انفعالية يعانيها الشخص، قد تكون رضا، وقد تكون سخطاً. روي أن معاوية سمع رجلاً يغني فطرب لغنائه، فحرك رجله، ففال له عبد الله بن جعفر:

стр. 562

ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال معاوية: إن الكريم طروب. مجالس ثعلب ص ٤٧. على أن هذه الحركات من الشيخ إنما تدل على حالة مزاجية خاصة كانت تلازمه في دروسه ومجالسه، وهي حالة من البهجة والنشوة كانت تتلبس الشيخ حين يسبح في أنوار القرآن، ويرتع في رياض العربية: فصاحتها وبيانها، وقل من يتنبَه لهذا الأمر في تحليل شخصية الشيخ: إنه يتلذذ بما يقول، ويطرب لما يجري على لسانه، فيتلذذ معه الناس ويطربون، والواعظ الجيد كان يوصف قديماً بالمطرب، قال الذهبي في ترجمة العبادي المذكور قريباً: "الواعظ المشهور المطرب". وقد صرح الشيخ بهذه الحالة المزاجية، فقال رداً على سؤال للأستاذ صلاح منتصر، عن سر جاذبيته: "يعلم الله أني ما أقبلت على لقاء أو تسجيل أو ندوة أو حديث إلا وأنا أدرك حلاوة ما أقبل عليه" الأهرام ٢٠/ ٦. وأنت لو أرهفت سمعك مع الشيخ لسمعته حين يحلق مع خواطره يتواجد ويطرب فيقول لنفسه بصوت خفيض ولكنه مسموع - "الله الله" - يعني بالتعبير المصري: الرجل بيشتغل بمزاج - وهذا شيء معهود في قراء القرآن والمطربين، يهمهمون أحياناً تعبيراً عن سعادتهم ونشوتهم، وقد لا يهمهمون ولكن حالتهم المزاجية تدل على ذلك. وفي تسجيل نادر للشيخ مصطفى إسماعيل في سورة هود، وصل الشيخ ﵀ إلى درجة عالية جدّاً من حلاوة الصوت وجمال الأداء، فقال له أحد المستمعين: "وحياة النبيّ أنت بتسمع معانا الليلة دي"! وفي تسجيل حفلة لمطرب المائة عام -كما كان يقول أستاذنا كمال النجمي ﵀ محمد عبد الوهاب - صدح بأغنية "كل ده كان ليه"، وكانت الحفلة في نادي الضباط، أوائل الثورة، وصل عبد الوهاب إلى الغاية في الحلاوة والسلطنة، فسمعناه يخاطب أعضاء فرقته الموسيقية: "قولوا لنا حاجة، ما تقولوا لنا حاجة"، كأنه يقول لهم: إنني في حالة من الوجد والنشوة فشاركوني انتم أيضاً في ذلك بالعزف المنفرد (الصولو) على آلاتكم. أما أم كلثوم العظيمة فهمهماتها معروفة مسموعة.

стр. 563

موقف غريب ! فما أظن هؤلاء المثقفين الذين كرهوا الشيخ وأعرضوا عنه وسخروا منه وقالوا فيه أسوأ الذي قالوا، ما أظنهم فعلوا ذلك إلا أنفة واستعلاء وذهاباً بأنفسهم أن يجتمعوا على مائدة واحدة مع العامة الذين يصيحون ويفغرون أفواههم إعجاباً بالشيخ، فهذه (ديماغوجية) بغيضة عند المثقفين الأكابر والأدباء، أصحاب الجباه العالية، وهذا يذكرنا بموقف أولئك الذين كانوا يعرضون عن حزب الوفد ويسخرون منه، لأنه يجمع الغوغاء والدهماء من عامة الشعب، ويرون أن حزباً مثل حزب الأحرار الدستوريين جدير بالاحترام والتبجيل، لاجتماع الصفوة في رحابه في مقدمتهم الدكتور محمد حسين هيكل باشا. ولم يكن المثقفون وحدهم في هذا الموقف من الشيخ، بل شاركهم كثير من الجامعيين، والعتب على هؤلاء أشد، والمحنة في موقفهم هذا أعظم، لأنهم كانوا أولى الناس بأن ينتبهوا إلى الشيخ، ويتأملوا منهجه في البيان واللغة، وهذا السيل المنهمر من الشعر الذي قلما يجتمع في صدر أحد من أهل زماننا. لقد سلك الشيخ مسالك عجيبة في بيان إعجاز القرآن والكشف عن مراد الله في هذا الكتاب الحكيم، بتأمل اللغة، والنفاذ إلى أعماقها، وإبراز خصائصها الصوتية والتركيبية، وكنتم انتم أيها الجامعيون أولى الناس بمتابعة الشيخ في ذلك، ودرسه وتكميله، وإضاءته بمناهج الدرس الحديث، ولكنكم فتنتم أنفسكم وارتبتم وغرتكم مناصبكم الجامعية، فتكبرتم وأعرضتم عن الشيخ جملة، وقد ظلمتم أنفسكم باتخاذكم الكبر، فتوبوا إلى بارئكم، وأعكفوا على تراث الشيخ المسموع والمرئي، فأعملوا فيه عقولكم، وأعطوه حظه من النظر والتأمل، فإن الشيخ قد أوتي علماً عظيماً، ينبغي علينا نحن ورثة الأنبياء كشفه وإظهاره، وسنحرز معه الأجر ونشركه في المثوبة إن شاء الله. فنحن وإياه على ثغر من ثغور العربية، نحميها ونذود عنها، ونجالد الناس عليها، وتلك مرتبة عليا، فقد قال عبد الله بن المبارك (١٨١ هـ): "لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم"، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٤٣.

стр. 564

وحين نعكف ويعكف المنصفون من المثقفين والجامعيين على تراث الشيخ، كشفا وإضاءة، نكون قد أقمنا الموازين الصحيحة لتقييم الشيخ والحكم عليه، ونكون أيضا قد استنقذناه من أيدي العامة التي توشك أن تتخذ قبره حناناً تأوي إليه - كما جاء في الخبر - ثم تجعل له من كل عام يوماً مشهوداً، ترتفع فيه البيارق وتدق له الطبول وتخفق فيه الرايات، وتدار فيه النفحات، وتدور فيه الرؤوس في حلقات الذكر، وإذا نحن بيوم وليلة أمام طريقة صوفية جديدة تدعى "الطريقة الشعراوية"، ورضي الله عن السادة الصوفية الأعلام، أئمَة الزُّهد وأرباب الحقيقة وأمراء الكلام، ﴿والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير﴾ [غافر: ٢٠]. * * *

стр. 565

الشيخ الشعراوي .. والفتنة بما يقوله الكبار (١) رحم الله شيخنا الشعراوي، فمنذ نحو ثلاثين عاماً خرج على الناس صوت جديد، يدعو إلى الله على بصيرة، ويكشف عن مراد الله من كلامه القديم، على نحو مباين لما ألفه الناس في زماننا هذا. ذلكم هو الشيخ محمد متولي الشعراوي، وكان الفضل في إبلاغ هذا الصوت وإذاعته مصروفاً كله إلى الأستاذ الأديب أحمد فراج، في برنامجه التلفزيوني "نور على نور". ويوماً بعد يوم أخذ الناس يجتمعون حول ذلك الصوت لما ظهر لهم من أسلوبه الفريد في عرض القضايا ومناقشتها والاستدلال عليها، وأخذ الشيخ يبسط سلطانه على ساحة الخطاب الديني المرئي والمسموع، مخلياً مساحة كبيرة بينه وبين سائر الدعاة والوعاظ، لكنه قد لقي - في أول أمره - شيئاً من الإِنكار والتجافي، وبخاصة من بعض المثقفين الذين أعرضوا عنه أنفة واستعلاء، وذهاباً بأنفسهم عما تجتمع عليه العامة، ولعل ذلك الإِعراض يرجع أيضاً إلى ما أثر عن الوعاظ قديماً وحديثاً، من مخاطبتهم للمشاعر القريبة في الناس، واستنفارهم لشجون العواطف والقلوب، وبُعدهم عن معالجة قضايا الفكر ومسارح التأمل، على ما قرره توفيق الحكيم في كتابه "فن الأدب"، وفي كلام بعض أهل العلم قديماً ما يشير إلى ذلك. يقول مجد الدين بن الأثير في مقدمة كتابه "النهاية في غريب الحديث والأثر"، وهو يتحدث عن جهود العلماء في التأليف في علم غريب الحديث: "وكان في زماننا أيضاً، الإِمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، كان متفنناً في علومه،

стр. 566

متنوعاً في معارفه، فاضلاً، لكنه كان يغلب عليه الوعظ"، فتأمل هذا الاستدراك الذي يوشك أن يسلب الوعاظ فضيلة في مجال الفكر والعلم. وقد كتبت عن الشيخ الشعراوي كلمة بمجلة "الهلال" فبراير ١٩٩٤ م أبنت فيها عن علمه، وكشفت فيها عن المخبوء تحت طي لسانه، وانتهيت إلى أن الشيخ يمثل صورة زاهية للعالم الأزهري المؤسس على علوم العربية وقوانينها، من حفظ اللغة - قريبها وغريبها - وحفظ الشعر واستظهار المتون، وإتقان التعريفات، والنظر في الحواشي والتقريرات. ومن وراء ذلك ما يفتح الله به عليه، ويكشفه له من بعض أسرار الذكر الحكيم، فإن هذا القرآن الكريم" لا يخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه" كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي والدارمي. وكنت قد ذكرت في كلمتي عناية الشيخ باللغة في مستوياتها الأربعة: النحو والصرف والأصوات والدلالة، وأضيف اليوم شيئاً عجيباً سمعته أخيراً في حلقة تلفزيونية، جاء في كلام الشيخ "البشارة والنذارة" يريد التبشير والإِنذار. و"النذارة" بكسر النون بمعنى الإِنذار، مما أثر عن الإِمام الشافعي فقط، والشافعي لغته حُجة، وهو من أئمة اللسان، كما ذكر الفيومي في المصباح "بعض". قال صاحب القاموس المحيط: "والنذير: الإِنذار، كالنذارة بالكسر، وهذه عن الإمام الشافعي". قلت: وقد جاء تصديق كلام الفيروزآبادي هذا، في النسخة الخطية من "الرسالة" للشافعي، وهي بخط الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي، وعليها توقيع الربيع سنة "٢٦٥ هـ". والنسخة محفوظة بدار الكتب المصرية، وهي من أقدم المخطوطات في العالم. ويقول الشيخ أحمد شاكر في وصف هذه النسخة: "وأما الثقة بها فما شعت من ثقة: دقة في الكتابة، ودقة في الضبط ... ومن اقوى الدلالة على عنايته بالصحة والضبط: أنه وضع كسرة تحت النون في كلمة "النّذارة"، وهي كلمة نادرة لم أجدها في المعاجم إلا في القاموس، ونص على أنها عن الإِمام الشافعي".

стр. 567

قلت: وهكذا ترى أيها القارئ الكريم أن كتب التراث يصدق بعضها بعضاً، ثم تأمل بعد ذلك كيف وقعت هذه الكلمة للشيخ الشعراوي، واستقرت في محفوظة، ثم ظهرت على لسانه. أنوار اليقين: وبهذه المعرفة الواسعة باللغة واستحضار الشعر، وتمثل فروع الثقافة العربية الإِسلامية كلها، ثم ما يفيضه الله على الشيخ من أنوار اليقين وتجليات الكشف، صار للشيخ الشعراوي عند الناس مكان ومكانة، وأصبح للذي يلقيه على الناس قوة لا يشوبها ضعف، وإقناع لا يعتريه شك، وهكذا شأن الرؤوس والمتبوعين، يثق الناس بما يتلقونه منهم، ويُلقون إليهم المقادة راضين مطمئنين، لا يراجعونهم رأياً، ولا يخالفون عن أمرهم، لكن هذا طريق مخوف، والعاقبة فيه وخيمة، فقد يكون بعض هذا الذي يأتي به الكبار المتبوعون معدولاً به عن وجهه، مصروفاً إلى غير حقيقته. وكنت قد راجعت الشيخ الشعراوي في بعض تفسيراته وشروحه، في مقالة الهلال التي أشرت إليها، لكني أعود إليه اليوم في أمر جلل وقضية خطيرة، وإنما هولت وعظمت لأن الأمر يتصل بالقرآن الكريم وقراءاته، والخطأ في ذلك أو الجرأة فيه مما يوقع في الهلكة ويورث الشك والضلال. وبيان ذلك أن الشيخ ﵀ عرض في بعض الحلقات التي سمعتها قبل وفاته لقضية القراءات القرآنية، وانتهى إلى أن سبب الاختلاف فيها هو أن "المصحف الشريف "في أول كتابته لم يكن منقوطاً، يعني "أشكال حروف مجردة"، فكان العربي المسلم يقرأ وينطق بملكة اللغة المتوارثة - هكذا قال بالحرف - ويعني السليقة، ودلل على ذلك ببعض الأمثلة، منها قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾ [البقرة: ١٣٨]، وقوله تعالى: ﴿قال عذابى أصيب به ما أشاء﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعاً منه﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال عن الآية الأولى إنها قرئت قراءتين "صبغة" بالصاد المهملة بعدها باء موحدة ثم غين معجمة،

стр. 568

و "صنعة" بالصاد أيضاً بعدها نون ثم عين مهملة. والآية الثانية قرئت "أشاء" بالشين المعجمة، و "أساء" بالسين المهملة، والآية الثالثة قرئت "منه" بكسر الميم وسكون النون ثم هاء، و "منه" بكسر الميم أيضاً وتشديد النون ثم تاء معقودة "مربوطة". وقد ردَّ الشيخ هذا الاختلاف إلى خلو الكلمات من النقط، فقرأ كل قارئ بسليقته اللغوية وما أدته إليه ملكته العربية. صنعة أم صبغة ؟ وبدءة ذي بدء: فإن قراءة "صنعة الله" بالنون والعين التي ذكرها الشيخ لم أجدها في قراءة متواترة ولا شاذة، ولست أدري من أين جاء بها الشيخ؟ وقد وجه أهل التفسير الآية على معنى "صبغة" ليس غير. قال الزمخشري في الكشاف ١/ ٣١٦ "وهي فعلة من صبغ كالجِلسة من "جلس"، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ. والمعنى: تطهير الله، لأن الإِيمان يطهر النفوس، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله، وصبغنا الله صبغة لا مثل صبغتكم. وأما القراءتان الأخريان "أصيب به من أساء" بالسين المهملة، و "جميعاً منة" بكسر الميم وتشديد النون والتاء المعقودة، فهما قراءاتان شاذتان، كما ذكر ابن جني في "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" ١/ ٢٦١ - ٢/ ٢٦٢، والقراءات الشاذة لا تعد من القرآن ولا يتعبد بتلاوتها، وإنما تذكر في مجال الاستشهاد للغة والنحو، فلا ينبغي أن نتشاغل بها، ومن باب الأولى ألا نذكرها أمام العامة. وقد ذكر الشيخ الشعراوي أن حماداً الراوية قرأ "من أساء" بالسين، لكن فاته أن الراغب الأصبهاني قد عد ذلك من زلات حماد وتصحيفاته. (انظر: محاضرات الأدباء ١/ ١١٠). ثم أعود إلى قضية خلو المصحف الشريف من النقط والإِعجام، وهو الذي يراه الشيخ سبباً رئيساً في تعدد القراءات واختلافها، وهي قضية خطيرة جداً، وليس

стр. 569

الشيخ الجليل "أول سار غرَّه القمر"، ولعل أول من نقب هذا النقب في زماننا هو المستشرق المجري جولدزيهر "١٨٥٠ م - ١٩٢١ م"، فقد ذكره في كتابه "مذاهب التفسير الإِسلامي" الذي ترجمه الأستاذان علي حسن عبد القادر، وعبد الحليم النجار، قال في ص ٨ كلاماً عن اختلاف القراءات القرآنية ختمه بقوله: "وإذاً فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط واختلاف الحركات في المحصول الموحد الغالب من الحروف الصامتة كانا هما السبب الأول في نشاة حركة اختلاف القراءات، في نص لم يكن منقوطاً أصلاً، أو لم تتحر الدقة في نقطه أو تحريكه". وكذلك ردد هذا الرأي المستشرق الأسترالي الأصل آرثر جفري، وذكره في مقدمة تحقيقه لكتاب "المصاحف" لابن أبي داود، قال في ص ٧ من المقدمة: "وكانت هذه المصاحف - يعني المصاحف التي بعثها عثمان إلى الأمصار - كلها خالية من النقط والشكل، فكان على القارئ نفسه أن ينقط ويشكل هذا النص على مقتضى معاني الآيات". وقد تابع هذين المستشرقين بعض العلماء العرب، من الجامعيين وغيرهم، وأذاعوه في كتبهم، لكن طائفة أخرى من علمائنا ردوا على "جولدزيهر" رأيه وأسقطوه بأدلة قاطعة، من الآثار والتاريخ ونصوص القرآن الكريم نفسه، ومن أبرز هؤلاء: الدكتور عبد الفتاح شلبي، في كتابه "رسم المصحف العثماني وأوهام المستشرقين في قراءات القرآن الكريم"، والشيخ عبد الفتاح القاضي في كتابه "القراءات في نظر المستشرقين والملحدين". وقد كتبت أنا في هذه القضية غير مرة، لكني أعيد الكلام فيها الآن، للذي ذكرته لك أيها القارئ الكريم من مجيء هذا الوهم على لسان فضيلة الشيخ الشعراوي، وهو رجل مجموع له الناس، ومتبوع مسموع. وأيضاً فإن لمجلة "العربي" عند الناس مكاناً، ولما يكتب فيها ذيعاً وانتشاراً، فلعل عرض هذه القضية على صفحاتها وبيان وجه الصواب فيها، ما يحسم مادة الخلاف، ويقطع أسباب الشبهة إن شاء الله.

стр. 570

حفظ القرآن: ولا سبيل إلى ذكر كل أطراف القضية، فإنها من التشعب بمكان، فحسبي أن اذكر رؤوس كلام، وفيما ذكره الشيخان شلبي والقاضي، ثم ما يأتيك من كلام أهل العلم: مقنع وبلاغ، والمأمول منك أيها القارئ الكريم أن تجعل هذه القضية على بالك، وأن تشغل بها نفسك ووقتك، فإنها دين وعقيدة، فأقول وبالله الاستعانة: أولاً: القرآن كلام الله القديم، نزل به الروح الأمين جبريل ﵇، على قلب النبيّ محمد ﷺ ، وقد أمره ربه بتلاوته ﴿واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك﴾ [الكهف: ٢٧]، ثم أمره بإبلاغه للناس وقراءته عليهم ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧]، و ﴿قراءناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وكان رسول الله ﷺ حين ينزل عليه جبريل بالوحي حريصاً على استظهار القرآن وحفظه، فكان يحرك لسانه حالة نزول الوحي، مخافة أن تفوته كلمة، أو يسقط عليه حرف، حتى طمأنه ربه بأن تكفل له أن يجمعه في صدره، ويسهل له قراءته لفظاً ومعنى، فقال تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فاتبع قراءنه﴾ أي قراءته، وهو مصدر على وزن فعلان، مثل غفران وكفران. وهذا هو أساس الحفظ في تراثنا العربي: إنه أمر أولاً بتلاوته وحفظه، ثم جاءت مرحلة الإِفهام بعد ذلك ﴿ثم إن علينا بيانه﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ [طه: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦]، و "لا" هنا نفي وليست نهياً. والمعنى: فلست تنسى إذا أقرأناك. ثانياً: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي بالقرآن يُقرئه أصحابه فيحفظونه، وكان هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم حريصين على استظهار ما يحفظونه وتعهده بالمدارسة والعمل به، وكان الذي سمع يُعلم من لم يسمع، وكان ﵇ يبعث إلى من كان بعيد الدار منهم مَنْ يُعلمهم ويقرئهم، كما بعث مصعب بن عمير

стр. 571

وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل الهجرة، يعلمانهم الإِسلام، ويقرئانهم القرآن، وكما خلف معاذ بن جبل بمكة بعد الفتح يقرئ الناس القرآن. قال عبادة بن الصامت: "كان الرجل إذا هاجر دفعه النبيّ ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسولى الله أن يخفضوا أصواتهم، لئلا يتغالطوا"، انظر: مناهل العرفان للشيخ الزرقاني ١/ ٢٤١، وهو كتاب جيد جداً في علوم القرآن. ثالثاً: اهتم الرسول ﵇ هو وأصحابه أولى الأمر بجمع القرآن في الصدور - أي حفظه واستظهاره - وكان ذلك أمراً طبيعيّاً، لأن الرسول ﵇ كان أمِّيّاً، وبُعث في أمة أمية، يقل فيها الكتاب، ولا يشيع بينها الخط، ثم أوحي إليه ﵇ أن يكتب القرآن، فاتخذ كتاباً من خيرة الصحابة، زيادة في الاستيثاق لكتاب الله تعالى "حتى تُظاهر الكتابة الحفظ، ويُعاضد النقش اللفظ". ومع كتابة القرآن الكريم ظل الحفظ هو الأساس والمعتمد، قالى ابن الجزري: "ثم إن الاعتماد في نفل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: "إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان"، فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمته: "أناجيلهم في صدورهم". رابعاً: توفِّي رسول الله ﷺ والقرآن الكريم كله مجموع في الصدور، ومكتوب في السطور، ثم كان جمع أبي بكر القرآن، وبعده كان جمع عثمان، والفرق بين الجمعين معروف في كتب علوم القرآن. ومن أحسن المراجع في ذلك كتاب الشيخ الزرقاني المذكور قريباً. وخلاصة الأمر أن عثمان ﵁ جمع الناس على مصحف واحد، سمي "المصحف الإِمام"، واستنسخ منه نسخاً أرسلها إلى الأمصار الإِسلامية، ولم يكتف

стр. 572

عثمان بإرسال تلك المصاحف، بل أرسل مع كل مصحف عالماً من علماء القراءة يعلم المسلمين وفق هذا المصحف، وعلى مقتضاه، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة، وبعث عبد الله بن السائب إلى مكة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام، وعامر بن عبد قيس إلى البصرة، وأبا عبد الرحمن السُّلمي إلى الكوفة. فكان كل واحد من هؤلاء العلماء يُقرئ أهل مصره بما تعلمه من القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ ، بطريق التلقي والتواتر التي يحتملها رسم المصحف. وقد أمر عثمان ﵁ بحرق كل ما عدا مصحفه هذا. خامساً: معلوم أن "مصحف عثمان" هذا كان خالياً من النقط والشكل، وكذلك المصاحف المستنسخة منه، وكذلك كل ما كتب من القرآن زمان النبيّ ﷺ ، كل ذلك كان مجرداً من النقط والشكل، وذلك ليتحمَّل الرسم ما صح نقله، وثبتت روايته عن رسول الله ﷺ . قال أبو عمرو الداني: "وإنما أخلى الصدر منهم - أي الأوائل من المسلمين - المصاحف من ذلك - أي من النقط ومن الشكل - من حيث أرادوا والدلالة على بقاء السعة في اللغات، والفُسحة في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها والقراءة بما شاءت منها، فكان الأمر على ذلك إلى أن حدث في الناس ما أوجب نقطها وشكلها" المحكم في نقط المصاحف ص ٣، وهذا الذي حدث في الناس فأوجب نقط المصحف وشكله هو دخول الأعاجم من غير العرب في دين الإِسلام، وقد تمَّ ذلك في أواخر القرن الأول وأوائل الثاني، على يد أبي الأسود الدؤلي "٦٩ هـ"، ونصر بن عاصم الليثي "٨٩ هـ"، ويحيى بن يعمر - بفتح الميم- العَدواني - بفتح العين - "١٢٩ هـ". ويقال: إنَّ عمل نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر كان بتوجيه وإشراف الحجاج بن يوسف الثقفي، ويقال إنه أمر بإعدام المصاحف الخالية من النقط والشكل. فانظر فضل هذا الرجل الجبار على العربية وعلى قرَّاء القرآن. ومع هذه الوثبة العظيمة في تاريخ القرآن الكريم، فقد بقي ناس من أهل العلم

стр. 573

على رأيهم في تجريد المصحف من النقط والشكل، منهم الحسن البصري، وابن سيرين، وكان هؤلاء يتمسكون بما روي عن عبد الله بن مسعود: "جرِّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء". سادساً: ونأتي إلى جوهر القضية، وهو ما يقال من أن خلو المصحف من النقط والشكل كان هو السبب في اختلاف القراءات، لأن كل قارئ كان يقرأ رسم الكلمة وفق ما يؤديه إليه اجتهاده أو سليقته اللغوية، وما يظهر له من معنى الآية. دلائل لغوية: والذين ردُّوا هذا الرأي دفعوه بأكثر من حجة ودليل، وسأكتفي هنا بدليلين، ومن أراد الزيادة فعليه بما كتبه المشايخ: الزرقاني وشلبي والقاضي، في كتبهم التي أشرت إليها: الدليل الأول: أن اختلاف القرَّاء إنما حدث في حياة الرسول ﷺ ، فيما تلاه عليهم وسمعوه منه مشافهة، ولم يأت هذا الخلاف نتيجة النظر في المصحف المكتوب المقروء، ودليل ذلك حديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم، الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين والمفسرين. وهذا هو نص الحديث كما جاء في رواية البخاري "باب أنزل القرآن على سبعة أحرف. من كتاب فضائل القرآن": قال عمر بن الخطاب: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبَّرت حتى سلَّم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : أرسله. اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال

стр. 574

رسول الله ﷺ : كذلك أُنزلت. ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : كذلك أُنزلت. إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسَّر منه". هذا وقد ذكر الطبري في مقدمة تفسيره آثاراً أخرى في اختلاف القراء فيما سمعوه من رسول الله ﷺ . وهذه الآثار تدل كلها على أن القراءات مأخوذة بالتلقي والمشافهة والسماع من فمه الشريف ﷺ ، وإنما اختلفت القراءات عنه ﷺ تيسيراً على أمته وتخفيفاً، مراعاة لاختلاف لغات القبائل، أي لهجاتها. الدليل الثاني: لو كان خلو المصاحف من الشكل والإِعجام سبباً في تنوع القراءات واختلافها، لكان القارئ الذي يقرأ الكلمة وفق رسم معين، يلتزمه في أمثاله ونظائره حيث وقع في القرآن الكريم، ولم يحدث هذا، وإليك مثالاً واحداً: قوله تعالى في فاتحة الكتاب: ﴿مالك يوم الدين﴾، وقوله سبحانه: ﴿قل اللهم مالك الملك﴾، وقوله تعالى في سورة الناس: ﴿ملك الناس﴾، فلو تأملت المواضع الثلاثة في المصحف لوجدت الكلمة فيها كلها هكذا "ملك" بالميم واللام والكاف فقط، ولكن حفصاً يقرأ عن عاصم، في الفاتحة "مالك" بالألف بعد الميم، وكذلك يقرأ آية آل عمران، أما في سورة الناس فيقرأ "ملك" من دون الألف، فلو كان حفص يقرأ وفق رسم المصحف لقرأ في المواضع الثلاثة "ملك"، ولكنه يقرأ بالرواية المتواترة عن رسول الله ﷺ . وكذلك قد تختلف القراءات أحياناً، لغة ونحواً، وهكذا يبدو للناس في ظاهر الأمر، ولكن الاختلاف في الحقيقة راجع إلى التلقي والرواية، لا إلى القاعدة اللغوية أو النحوية، وهذا مثال واحد: قال الله تعالى: ﴿وكلاً وعد الله الحسنى﴾ جاءت هذه الآية في موضعين: سورة النساء ٩٥، وسورة الحديد ١٠، ويقرأ القراء جميعاً (كلَّا) بالنصب في الآيتين، لكن ابن عامر يقرأ آية النساء بالنصب، كسائر القراء، أما آية الحديد فيقرأها وحده (وكل) بالرفع، وللنحويين في توجيه الرفع والنصب كلام. فلو كان ابن عامر يقرأ وفق

стр. 575

القاعدة النحوية لقرأ الآيتين بالرفع، ولكنه قرأ بالرواية التي تلقاها هو بالتواتر عن سيدنا رسول الله ﷺ : مرة بالنصب ومرة بالرفع، مع أن تركيب الآية واحد في الموضعين. ومثال ثان: الإِمالة ظاهرة صوتية، وهي "أن تنحي بالألف نحو الياء، فيلزم أن تنحي بالفتحة قبلها نحو الكسرة"، وهي لغة بعض القبائل العربية، وقد قرأ بها بعض القراء، والتزموها حيث وجدت دواعيها في القرآن الكريم، لكن حفصاً الذي يقرأ بقراءته كثير من المسلمين الآن بروايته عن عاصم، لم يقرأ بالإِمالة إلا في موضع واحد من الذكر الحكيم، وهو قوله تعالى من الآية ٤١ من سورة هود ﴿بسم الله مجريها ومرساها﴾، وهكذا يختلف القراء ويتفقون، بحسب الرواية والتلقي، وليسْ بحسب رسم المصحف أو الوجه النحوي أو اللغوي، صحيح أن هذين في الاعتبار، ولكن بعد ثبوت الرواية بالتواتر والسند الصحيح، ولذلك قالوا إن للقراءة المقبولة ثلاثة شروط: التواتر بالسند الصحيح إلى رسول الله ﷺ ، وموافقة الرسم العثماني، وأن يكون للقراءة وجه صحيح من العربية، فإذا سمعت قراءة مسندة لواحد من القراء السبعة أو العشرة، كأن يقال: قراءة نافع أو عاصم أو الكسائي، فلا تظن أنها من اختراعه أو ابتداعه، ولكنها اختياره الذي ارتضاه من طريق الرواية المسندة الصحيحة، ولذلك أُثر عن أبي عمرو بن العلاء - وهو أحد القراء السبعة - قوله: "لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت كذا وكذا. وذكر حروفاً". ويريد أبو عمرو أن القراءة سنة وإتباع وأثر، ولا دخل فيها للسليقة أو الاستحسان اللغوي أو الترجيح النحوي أو رسم المصحف. ومن ثم يرى كثير من العلماء أن ترجيح قراءة متواترة على قراءة متواترة لا يجوز؟ يقول أبو العباس ثعلب: "إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضل إعراباً على إعراب في القرآن، فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى"، راجع الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي ١/ ٤٨ - ٤/ ٥٦٣.

стр. 576

قراءات ربانية: فثبت إذن أن القراءات القرآنية كلها بوجوهها المختلفة من عند الله، ولا دخل لخط المصحف فيها، ولا للوجوه النحوية أو اللغوية فيها كذلك، وثبت أيضاً أن اختلاف القراءات القرآنية إنما هو اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد. أما السؤال عن كيفية نزول جبريل ﵇ بهذه القراءات المختلفة، فقد أجاب عنه ابن قتيبة، فقال: "وكل هذه الحروف - يعني الوجوه المختلفة للقراءات - كلام الله تعالى، نزل به الروح الأمين على رسوله ﵇، وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، ويسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره: أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم"، انظر: تأويل مشكل القرآن ص ٣٨ واقرأ بقية كلامه، فإنه عالٍ نفيس. وبعد: فهلا آن الأوان لجامعاتنا العربية أن تهتم بهذا العلم - علم القراءات -: رواية ودراية، فتجعل له نصيباً مفروضاً في مناهج الدراسات العليا، ونعم إنها تمنح فيه درجات عليا، ولكن في جانب واحد منه، وهو جانب الأصوات مع المقارنة بالدراسات اللغوية الحديثة، وهذا ليس كافياً. ولعلي أعود إلى هذا الموضوع بشيء من البسط والتفصيل إن شاء الله. وتحية إلى فضيلة الشيخ الشعراوي الذي فتح لنا هذا الباب من القول. * * *

стр. 577

ذيل الأعلام .. ومغالبة الهوى! (١) تأليف: أحمد العلاونة حين عالجت تحقيق ونشر بعض النصوص التاريخية، ظهر لي أن شطراً كبيراً من حضارتنا العربية والإِسلامية لا يظهر إلا من خلال كتب التراجم، وان مصادر التاريخ الإِسلامي على نهج الحوليات والحوادث العامة، كالطبري والمسعودي مثلاً، ليست هي الصورة الكاملة لذلك التاريخ. ثم نظرت إلى من أسعدني زماني بمعرفتهم من علماء العصر، في مصر وفي غير مصر، فرأيت من علمهم وآثارهم كل غريبة وعجيبة، وهو علم معرّض للضياع إذا لم يدوَّن ويسجل، فتمنيت أن لو أتيح لفن تراجم الأعلام المعاصرين من يصل عمل الزركلي، على النهج الذي سلكه، أو على نهج مقارب له، ولم يطل الانتظار، فقد نهد إلى هذا العمل باحث من الأردن، وهو الأستاذ "أحمد العلاونة"، وقد أعدّ للأمر عدته، وأخذ له أخذه، فشرع يجمع بجهده، ويتصل بمن يتوسم فيهم المعرفة من الأقطار العربية، ممن لهم عناية بالتراجم وتاريخ الرجال، فسأل واستفسر وطلب العون، فأجيب إلى سؤله، وحين اجتمع له قدر من هؤلاء الأعلام، ترجم لهم في ذلك الجزء الذي جاء في (٣٦٨) صفحة من القطع الكبير، وقد صدر عن دار المنارة بجُدة - السعودية - ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م. وسمَّى الباحث كتابه "ذيل الأعلام"، و "الذيل" تسمية قديمة يراد بها تكميل العمل الأول، أو الاستدراك عليه، مثل: ذيل تاريخ بغداد لابن النجار، والأصل

стр. 578

للخطيب البغدادي، ومثل: التكملة والذيل والصلة، للصاغاني، والأصل: الصَّحاح للجوهري. وقد ترجم الأستاذ أحمد العلاونة لأربعمائة وستة وثلاثين علماً (٤٣٦)، وذكر أنه ابتدأ بوفيات سنة ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م، وهي السنة التي أعقبت وفاة الزركلي، ومعنى ذلك أنه ترجم للأعلام المتوفين فقط - وهو شرط الزركلي في الأعلام - ولكنه ذكر كلاماً في مقدمته يوحي بأنه ترجم لبعض الأحياء، وذلك قوله: "وبلوت من بعض المعارضين الذين يكتبون تراجمهم لي ولغيري خصالاً ذميمة، منها: أن أحدهم كان يفيض في ترجمته، ويغدق عليه كل مديح حسن، وينسب إليه ما ليس له، وإذا شارك في تأسيس شيء ما أفرده لنفسه، وإذا سئل عن عمره صغَّره ليقال: إنه نبغ صغيراً، فيرى القارئ حسناً ما ليس بحسن، فكان علي أن أغربل ذلك كله". مآخذ على الزركلي: وقد رأى الباحث من تمام الفائدة أن يتعقب الزركلي في بعض ما سها عنه، أو أخل به، فذكر مآخذه هو عليه، ثم ذكر أيضاً مآخذ الأستاذ محمد أحمد دهمان، من علماء سورية، ومآخذ القاضي إسماعيل الأكوع من اليمن، وهذا كله جيد، فإن "النقد يجبر النقص ويقيم العوج ويصلح المُنآد"، وقد نقل الباحث كلمة شيخنا محمود محمد شاكر، برَّد الله مضجعه: "فإن جودة العلم لا تتكون إلا بجودة النقد ولولا النقد لبطل كثير علم ولاختلط الجهل بالعلم اختلاطاً لا خلاص منه ولا حيلة فيه". وقد دعا الباحث العلماء إلى نقد كتابه، وهاأنذا أستجيب له، رعاية لحق العلم وأداء للأمانة، فأقول: أول ما أناقشك فيه أيها الباحث الكريم: المعيار الذي اعتبرته للأعلام الذين يستحقون الترجمة، فأنت قد أخذت على الزركلي أنه ترجم لبعض المجاهيل أو ممن ليسوا أحق بالترجمة، وقد وقعت أنت في ذلك فترجمت لطائفة أعرف بعضهم عن قرب، فبعضهم دزَس لي وبعضهم كان صديقاً لي، وهم أهل فضل، لكنهم ليسوا هناك، ومحلهم من العلم محدود، وليس كل من ولي منصباً أو نال جائزة، أو شرف

стр. 579

بعضوية هيئة علمية جديراً بأن يكون من الأعلام الذين تسجل أسماؤهم في دوائر المعارف أو ما هو شبيه بها، وأضرب لك مثالاً واحداً: لقد حصل العقاد وطه حسين ومحمود شاكر على جائزة الدولة التقديرية، ولكن هل تظن أن كل من حصل على هذه الجائزة يكون في قامة واحد من هؤلاء؟ إنَّ الناس تتقلََّب في حياتها في مجال الشهرة والأضواء وكثير منهم ليس له من أسباب هذه الشهرة وتلك الأضواء إلا ما تتيحه له قدرته على الحركة واستثمار الفرص المتاحة، وفتح أبواب المصانعة وتبادل المنافع، ثم هذا الذكاء الاجتماعي الذي يمكن لصاحبه في الأرض، بالإِلحاح على عين القارئ وأذن المستمع، باسمه الذي يتردد وصورته التي تتلألأ في وسائل الإِعلام صباح مساء، وذلك كله رزق الله المقسَّم على خلقه، وهي حظوظ الناس تصيب بعضاً وتخطئ بعضاً. يشقى أناس ويشقى آخرون بهم ... ويُسعد الله أقواماً بأقوام وليس رزق الفتى من فضل حيلته ... لكن جدود وأرزاق وأقسام كالصيد يُحْرَمُه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي لكن الناس إذا ماتوا انقطعت أسباب شهرتهم، ولم يبق إلا هذه الأعمال الجليلة التي يطيب بها ذكرهم وتخلد بها أسماؤهم، فالموت هو قاطع العلائق، ومنصف الموتى من الأحياء. روى أبو عبد الرحمن السلمي قال: "حضرت جنازة أبي الفتح القواس الزاهد مع أبي الحسن الدارقطني، فلما نظر إلى الجمع (أي كثرة الناس وازدحامهم) قال: سمعت أبا سهل ابن زياد القطان يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز"، انظر: مناقب الإِمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي ص ٥٦٠. ولن أستطيع أن أذكر أسماء هؤلاء الأعلام الذين ترجم لهم الباحث، وهم غير أهل للترجمة، حتى لا أغضب ذويهم، وأقاربهم، وحتى لا أنبش القبور. ويبدو أن

стр. 580

الباحث قد عوَّل على هؤلاء الذين استشارهم - وذكرهم في مقدمة كتابه - فأشاروا عليه ببعض أصدقائهم الراحلين "وحسن في كل عين ما تود". وثاني ما أناقش فيه الباحث الكريم: قضية الحيدة والموضوعية في ترجمة الأعلام، فعلى كاتب الترجمة أن يكون حذراً كل الحذر في صياغة الترجمة، وكبج جماح القلم، حتى لا ينزلق إلى ذكر الرأي الخاص، وهو من محاسن كتاب: "الأعلام" للزركلي ﵀، ولم يراع الباحث ذلك، فقد غلبه هواه، ومن ذلك ما ذكره في ترجمة الرئيس المصري "محمد أنور السادات" (ويلاحظ أنه ذكره في حرف الهمزة، وكان المنهج يقتضي أن يذكره في حرف الميم). إنكار حرب رمضان وشماتة لا تليق: فمما قاله في هذه الترجمة: "أن السادات اشترك مع سورية في حرب خاطفة ضد إسرائيل ... غير أن إسرائيل استفادت من تلك الحرب أكثر مما خسرت"، وهذا خَلْف من القول، وباطل من الرأي، وأكثر الناس بغضاً للسادات لا يسعه أن يقول هذا، فإن حرب رمضان التي خطط لها وكتم خبرها وقادها السادات كانت نصرَ كبيراً للعرب ولمصر، وقد غسلت العار عن جبين الأمة العربية، وقد رأى الناس كلهم صورة الفيلق الإِسرائيلي المأسور بقيادة "عساف ياجوري"، ثم رأينا ورأى الناس تلك الاستحكامات والبنايات الراسخة التي أقامها اليهود في "عيون موسى" تحت الأرض وكأنها هي التي يقول الله في وصفها: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدر﴾ [الحشر: ١٤]، نعم رأينا هذه البنايات المحكمة وقد دكها جيش مصر. ثم يقول الباحث أيضاً عن مقتل السادات: "إنه قتل بطريقة مدهشة، وابتهج الناس بقتله"! وهذه شماتة لا تليق، ثم إن ذلك التعميم في قوله: "ابتهج الناس بقتله" غير صحيح، فلئن كان بعض الناس قد ابتهج بقتله، فإن كثيرين قد حزنوا له، ولم يقنع الباحث بذلك كله حتى نشر صورة الهجوم على المنصة، وأنا لا أدافع عن

стр. 581

السادات - وإن كان ذلك حبيباً إليّ - ولكني أريد أن أقول: إن الأعمال الموسوعية ينبغي أن تبرأ من الهوى، وتتصف بالحيدة والموضوعية. سقطات: ومن ذلك أيضاً ما ذكره في ترجمة الأديب "عبد الرحمن الشرقاوي" قال: "أديب وشاعر متجن على تاريخ الإِسلام ورجاله، نعته الشيخ محمد الغزالي بأنه يجمع القمامات من كتب التاريخ". ثم قال الباحث: "له تآليف ذميمة، منها الفتى مهران مأساة جميلة "، إلى آخر ما ذكر. يا سيدي الفاضل، نحن لا نترجم للناس لكي نهينهم ونهوي بهم! وأرى أنه إذا بلغ منك الرجل هذا المبلغ من البغض والشنآن، فأسقطه من كتابك، وإذا سئلت عنه فقل: لا أراه جديراً بالترجمة. إن مؤرخينا القدماء كانوا أكثر إنصافاً وموضوعية، فمؤرخ الإِسلام الحافظ الذهبي (٧٤٨ هـ) يترجم للحجاج بن يوسف الثقفي، ذلك الجبار الذي يكاد الناس يجمعون على بغضه واستبشاع ما صنع، يقول عنه الذهبي: "وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله، وله توحيد في الجملة"، فذكر له "حسنات"، وانظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٤٣. ومن أجمل وأحكم ما رايته من مغالبة الهوى وقهر نوازع النفس، مع عدم إغفال الرأي الخاص، ما ذكره شيخنا محمود شاكر في شأن مستشرق يهودي صحَّح له خطأ وقع فيه فقال في ص ٣٩٥ من طبقات فحول الشعراء: "وكنت أخطأت بيان ذلك في طبعتي السالفة من الطبقات، فجاءتني من الأرض المقدسة التي دنستها يهود، رسالة رفيقة من (م. ي. قسطر) فدلني على الصواب الذي ذكرته آنفاً، فمن أمانة العلم أذكره شاكراً كارهاً لهذا الذكر"، فانظر وتأمل، كيف اعترف بالصنيعة وشكرها، ثم لم يخف ما في نفسه. ونعود إلى ترجمة "عبد الرحمن الشرقاوي"، فمع كل ما ذكره الباحث من إساءة إليه لم يذكر أهم أعماله الأدبية، وهي رواية "الأرض".

стр. 582

ملاحظات تفصيلية: وهذه بعض الملاحظات التفصيلية أسوقها وفق ورودها في الكتاب: في ص ١٧: ذكر في ترجمة " إبراهيم الأبياري " أنه حقق "مختار الأغاني""، و "الجيم" للشيباني، والصحيح انه حقق الجزء الأول منهما فقط. في ص ٩٢: يزاد في أعمال "أحمد عبد الستار الجواري" أنه حقق كتاب "المقرب" لابن عصفور، مع الدكتور عبد الله الجبوري. في ص ٣٢: ذكر في ترجمة "أحمد رامي" أنه حقق كتاب "قاموس البلاد المصرية"، والحق أن هذا الكتاب من تأليف "محمد رمزي" المتوفى سنة ١٩٤٥، وقد ترك هذا الكتاب جذاذات وبطاقات، رتبها واعدها للنشر أحمد رامي وقت أن كان وكيلاً لدار الكتب المصرية، هكذا أخبرني الدكتور أيمن فؤاد سيد، وهو الخبير بتاريخ دار الكتب ونشاطها. وفي ظني أن "أحمد رامي" إنما أشرف على هذا العمل، وأعانه عليه قوم آخرون من موظفي القسم الأدبي بدار الكتب، وكانوا من أهل العلم. في ص ٣٤: ذكر من تحقيقات "أحمد عبيد" كتاب: "مثير العزم الساكن"، والصواب: "الغرام". وكذلك جاء في كشف الظنون ص ١٥٨٩. في ص ٥٥: استطرد في ترجمة "الشيخ جاد الحق علي جاد الحق" شيخ الأزهر، إلى منصب "مشيخة الأزهر"، وأنه كان في مبدأ أمره يقوم على الانتخاب من هيئة كبار العلماء، ثم أصبح تعييناً من قبل رئيس الجمهورية، ثم خلص إلى أمور أخرى، وليس ذلك من طبيعة كتاب تراجم كهذا الكتاب، ثم إنه نسي انه يترجم لواحد من مشايخ الأزهر، وليس الأزهر وتاريخه. في ص ٦٨: ذكر في ترجمة "حسن كامل الصيرفي" أنه حقق دواوين هؤلاء الشعراء: حارث بن حلزة والمرقشين ولقيط بن يعمر، ثم حماسة البحتري والاختيارين للأخفش، وعبث الوليد للمعري، وأخبار البلدان للقزويني. والحق أن

стр. 583

هذه أعمال كانت تحت يده يعمل في تحقيقها، وكان يشير إليها في تحقيقاته، ولكنه لم يطبع منها شيئاً. ثم ذكر من تحقيقاته: لطائف اللطائف للثعالبي، وصواب العنوان: لطائف المعارف، وقد أخرجه بالاشتراك مع "إبراهيم الأبياري". في ص ٧٧: مما يكمل لوحة حياة "خالد محمد خالد" - وهو مما يجهله كثير من الناس - أنه كان في مبتدأ أمره خطيباً لامعاً بالجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية التي أسسها الفقيه المالكي الشيخ محمود خطاب السبكي المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ - ١٩٣٣ م. وبعد مؤلفاته الأولى التي أحدثت ضجة وضجيجاً - مثل: من هنا نبدأ ولكيلا تحرثوا في البحر - عاد إلى الكتابات الإِسلامية، وطوى صفحاته الأولى، وعاش في آخر أيامه حياة صوفية هادئة. في ص ٧٨: يزاد في ترجمة "خليل هنداوي" أنه من الرواد الأوائل في استخدام مصطلح "الأدب المقارن"، انظر: مقدمة العلامة الدكتور محمود علي مكي لكتاب "في الأدب المقارن " لفخري أبو السعود، الذي أعدته جيهان عرفة ... في ص ٨٥: ذكر في ترجمة "رياض السنباطي" أغنية "على بلد المحبوب"، وهو أول لحن له شدت به أم كلثوم، ولكنه كتب "على بلدي المحبوب" بالإِضافة إلى ياء المتكلم، والصواب: "على بلد المحبوب" بالإِضافة إلى المحبوب. في ص ٨٧: ذكر في ترجمة الوراق "زكي محمد مجاهد" أنه طبع من كتابه: "الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية" أجزاء ثم أعجلته المنية عن إتمامه. وهذا من كلامي في كتابي "الموجز في مراجع التراجم" ص ٧٤، الذي صدر عام ١٩٨٥ م، ولكن الذي حدث بعد ذلك أن أولاده جمعوا تصحيحاته على الأجزاء الأربعة التي طبعت في حياته، ثم أضافوا الجزء الخامس الذي كان أبوهم قد أعده ودفعوا بذلك كله إلى الناشر العالم المجاهد الحبيب اللَّمسي، فأخرج العمل كله في طبعة أنيقة في ثلاثة أجزاء عن دار الغرب الإِسلامي عام ١٩٩٤ م، بمراجعة وتصحيح الدكتور محمد البقلاوي بالجامعة التونسية.

стр. 584

وفي الصفحة نفسها يزاد في ترجمة "زكي المهندس" إنه والد الممثل الكوميدي "فؤاد المهندس"، والإِذاعية الرائدة "صفية المهندس"، وأنه خال الدكتور إبراهيم أنيس "المترجم في ص ١٧، ووالد زوجته. في ص ٦٩: تردد في مولد ووفاة شيخنا العلامة "السيد أحمد صقر"، وقد ولد ﵀ سنة ١٩١٥ م، وتوفي يوم السبت ٣ من جمادى الآخرة ١٤١٠ هـ - ٢ من ديسمبر ١٩٨٩ م. في ص ١٠٧: يزاد في ترجمة " طاهر أبو فاشا" أنه كان من ظرفاء العصر، وأن أم كلثوم غنت له شعره الذي صاغه في تمثيلية "رابعة العدوية" بالإِذاعة المصرية في أواخر الخمسينيات، وفي تلك الأيام رفع الدكتور "عبد الرحمن بدوي" دعوى قضائية على "طاهر أبو فاشا"، لأنه أغار على كتابه عن "رابعة العدوية "، وصنع منه تمثيليته. في ص ١١١: ترجم لشيخنا مقرئ الوقت الشيخ عامر عثمان، وتمام اسمه "عامر السيد عثمان"، وقد نقل كلاماً لي في ترجمة الشيخ وعزاه إلي. وكان مما نقله "الوقوف ومواقفها"، وصواب كلامي: "ومواقعها"، ويحمد للباحث انه ترجم لأبرز علماء القراءات، وأصحاب الأصوات، مثل شيخنا هذا، والمشايخ: عبد الفتاح القاضي، وعبد الفتاح المرصفي، وعبد الباسط عبد الصمد، ولكنه أغفل علمين كبيرين، هما: محمود خليل الحصري، ومصطفى إسماعيل. أما الأول فكان من أكثر القراء التزاماً بأصول التلاوة ودقة الأداء، وهو أول من سجل "المصحف المرتل" في أوائل الستينيات في إذاعة القرآن الكريم - وكانت أول إذاعة في العالم العربي والإِسلامي تخصص للقرآن الكريم، كما أن له تأليفاً في علم الوقف والابتداء، وأما الشيخ مصطفى إسماعيل فكان في الذروة في حلاوة الصوت وجمال الأداء وتمام الصنعة. وقد كتب عنه الأستاذ كمال النجمي كتاباً، وكتبت فيه مقالة بمجلة الهلال.

стр. 585

في ص ١١٥: ذكر في ترجمة "عبد الحليم حافظ" أنه غنى لكبار الملحنين، أمثال محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وقد أغفل "محمد الموجي"، وهو باب تلك الشهرة العريضة التي حظي بها عبد الحليم. وكان تلحينه لأغنية "صافيني مرة" المفتاح الذهبي لهذا الباب. والغريب أن عبد الحليم بدأ حياته بهذه الأغنية، وختمها بأغنية من تلحين الموجي أيضاً، وهي "قارئة الفنجان" من شعر نزار قباني. ويقول أستاذنا كمال النجمي: "يكاد ينعقد الإِجماع الآن على أن ألحان الموجي، من أجمل ما غنى عبد الحليم"، انظر: الغناء العربي بين الموصلي وزرياب، وأم كلثوم وعبد الوهاب ص ٢٥٧. وفي الصفحة نفسها: ذكر من مؤلفات "الشيخ عبد الحليم محمود" كتاب: "المنقذ من الضلال"، والصحيح أن هذا الكتاب لأبي حامد الغزالي، والشيخ عبد الحليم إنما حققه ونشره. ثم ذكر من تصانيف الشيخ "عبد السلام بن بشيش" هكذا بالباء الموحدة، والصواب: "مشيش" بالميم. في ص ١٢٦: ذكر من تأليف "الشيخ عبد الفتاح القاضي" القراءات الشاذة ورواتها"، والصواب: "القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب". في ص ١٤٢: ذكر من تحقيقات أستاذنا "علي النجدي ناصف" الجزء الثالث من "لسان العرب" لابن منظور، ولا أعرف له تحقيقاً كهذا، ولسان العرب لم يحقق أصلاً. في ص ١٤٩: ذكر في ترجمة "فتحي رضوان" أنه كان من الملازمين لندوات شيخنا محمود شاكر. وهذا غير صحيح، فقد كانت زياراته لشيخنا نادرة، وقد ذكر هو نفسه ذلك في مقالته التي كتبها عن الشيخ في كتاب "دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى أديب العربية الكبير محمود محمد شاكر" ص ٤١٠، هذا ولم يذكر الباحث عن "فتحي رضوان" أنه كان أديباً بارزاً، واكتفى بلوحة حياته السياسية.

стр. 586

في ص ١٦٨: ذكر في ترجمة الشيخ "محمد بهجة الأثري" أنه اعتقل بسبب اشتراكه في ثورة "رشيد كرامي" على الإِنكليز، والصواب: "رشيد عالي الكيلاني". في ص ٩١٧: ذكر من شعر بدوي الجبل، يشمت بفرنسة في هزيمتها في الحرب العالمية الثانية: الأم الحنون أكلت (خـ) ... قد أتاها من هتلر ما أتاها وواضح أن (خـ) اختصاراً من كلمة "خراها"، وكأن الباحث استنكرها، وهي كلمة صحيحة فصيحة. وجاءت الكلمة في الشعر بإسقاط الهمزة، قال الشاعر: زماننا هذا خرا ... وأهله كما ترى ومشيهم جميعهم ... إلى ورا إلى ورا انظر: الغيث المسجم شرج لامية العجم، لصلاح الدين صفدي ٢/ ٢٢٢، والتحرج من ذكر مثل هذه الألفاظ ليس من البر باللغة، وليس ذكرها مخلاً بالآداب العامة (لا مؤاخذة)، على أن إغفال مثل هذه الألفاظ يذهب بشطر كبير من الأدب. في ص ١٨٠: ذكر في ترجمة "محمد شوفي أمين" أنه كان يكتب باباً شهرياً في مجلة الهلال بعنوان "أديب وفاكهة"، والذي أذكره أن عنوان ذلك الباب كان "سلطة أدبية". ويضاف في ترجمته أنه شقيق الأديب الناقد: "محمود أمين العالم"، وبمناسبة ترجمة "محمد شوفي أمين"، فقد فات الباحث أن يترجم لأديب شهير كان من أصدقاء المترجم، وهو "عباس خضر"، وهو من كتاب "الرسالة"، وله تآليف في الأدب كثيرة، وهو من الذين تمسكوا بالطربوش إلى آخر حياته، ومن كتبه الأدباء في طفولتهم، وغرام الأدباء. ولد في ٢ نوفمبر ١٩٠٨، وتوفي ١١ مارس ١٩٨٧، كما أخبرني مؤرخ الأدب الأستاذ وديع فلسطين. وكانوا أصدقاء أربعة: عباس خضر،

стр. 587

ومحمد رفعت فتح الله، وطاهر أبو فاشا، ومحمد شوقي أمين. وقد ترجم الباحث لثلاثة منهم وترك عبَّاساً. في ص ١٨٧: يزاد في ترجمة "محمد المبارك" أنه شقيق العالم النحوي الدكتور "مازن المبارك". في ص ١٨٨: يزاد في ترجمة "محمد عبد الهادي أبو ريدة" أنه كان من كبار الصوفية، وقد لقيته بالكويت عام ١٩٩٠، وأخبرني أنه أخذ العهد على الشيخ: "الحافظ التيجاني" في أول يناير ١٩٢٨ م، ومعنى ذلك أنه كان في التاسعة عشرة من عمره. في ص ٥٩١: ذكر اسم "الدكتور صبري الصربوني" بالصاد، والصحيح "السربوني" بالسين، نسبة إلى جامعة السربون؟ لأنه كان أول مصري يدرس بها. في ص ٢٠٦: يضاف في ترجمة "محمود حسن إسماعيل" أنه كان من أخلص أصدقاء شيخنا "محمود محمد شاكر"، وقد سألت الشيخ مرة - وقد قرأ علينا شعراً له هو شجي النغم - لماذا لم تواصل الشعر يا مولانا؟ فقال: تركته لمحمود حسن إسماعيل، وهذان البيتان اللذان أثبتهما الباحث بخط محمود حسن إسماعيل إنما هما من شعره في مقدمة "القوس العذراء" لشيخنا. في ص ٢١١: ذكر في ترجمة "نجيب البهبيتي" أنه مغربي، والصحيح أنه مصري، وقصته طويلة، وفيها جانب مأساوي، وخلاصة أمره أنه اخرج من الجامعة المصرية، في أوائل ثورة يوليو، بقرار مما كان يسمَّى يومئذ لجان التطهير، فخرج إلى المغرب، وهناك وجد أرحب دار وخير ناس، فدرس هناك بجامعة محمد الخامس، حتى وافته المنية بالرباط. في ص ٢٢٩: يزاد في ترجمة "يوسف السباعي" أنه ابن الأديب "محمد السباعي"، وهو من كبار المترجمين عن الإِنجليزية. ومن أشهر مترجماته "الأبطال" لكارليل، وقصة مدينتين لديكنز، ورباعيات الخيام، عن فيتز جيرالد، وهو مترجم في الأعلام.

стр. 588

ويزاد أيضاً: أنَّ يوسف السباعي كان عديلاً للنحوي الكبير عبَّاس حسن المترجم ص ١١٢. وبعد: فهذا عمل جيد. نهنئ صاحبه عليه، ونشد على يده. ونسأل الله له التوفيق في استكماله، على أن يدقق في المعايير التي يترجم على أساسها للناس، وان يغالب هواه، ويلتزم الحيدة والإِنصاف، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، والسعيد من وفَّقه الله. * * *

стр. 589

محمود محمد شاكر (١) ركن باذخ من أركان الثقافة العربية الإِسلامية في العصر الحديث، وإمام ضخم من أئمة البعث والإِحياء، ورأس مدرسة الأفذاذ في تحقيق التراث ونشره. ولد محمود محمد شاكر بمدينة الإِسكندرية يوم الاثنين العاشر من شهر الله المحرم سنة ١٣٢٧ هـ، الموافق أول فبراير عام ١٩٠٩ م. ووالده الشيخ محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر. من أسرة أبي علياء من أشراف مدينة جرجا بصعيد مصر. والشيخ محمد شاكر من أعلام العصر، ومن زعماء الإِصلاح في الَأزهر الشريف، وكان وكيلاً له، توفي سنة ١٩٣٩ م. وجدُّه لأمه الشيخ هارون بن عبد الرازق، أحد كبار علماء المذهب المالكي في مصر، توفي سنة ١٩١٨ م، وهو جد المحقق الكبير عبد السلام محمد هارون المتوفى سنة ١٩٨٨ م. وأخوه الأكبر الشيخ أحمد محمد شاكر، محدث العصر ومُسْنِده. اشتغل بالقضاء، وكانت له أحكام مشهورة، ونشر جملة من نصوص التراث، من أعلاها "الرسالة" للإِمام الشافعي، وأجزاء من "مسند أحمد بن حنبل"، ومن "سنن الترمذي"، و "المعرَّب" للجواليقي، و "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ. توفي سنة ١٩٥٨ م. تلقى محمود محمد شاكر أول مراحل تعليمه في مدرسة الوالدة أم عباس في القاهرة سنة ١٩١٦ م.

стр. 590

حصل على شهادة البكالوريا - الثانوية العامة - القسم العلمي، فقد كان أبوه يُعدّه ليكون طبيباً، من المدرسة الخديوية سنة ١٩٢٥ م. في سنة ١٩٢٦ م التحق بكلية الآداب، الجامعة المصرية، واستمر بها إلى السنة الثانية، حيث نشب الخلاف المعروف بينه وبين الدكتور طه حسين حول (قضية الشعر الجاهلي)، وقد أفضى هذا الخلاف إلى أن يترك الدراسات الجامعية كلها. وفي سنة ١٣٤٧ هـ = ١٩٢٨ م سافر إلى الحجاز مهاجراً، وهناك أنشأ بناءً على طلب من الملك عبد العزيز آل سعود، مدرسة جدة السعودية الابتدائية وعمل مديراً لها، ولكنه ما لبث أن عاد إلى القاهرة في أواسط عام ١٩٢٩ م، ومنذ ذلك التاريخ وهو ملازم بيته وكتبه، لم يَلِ عملاً وظيفيّاً يأكل وقته، ولم يتقلد منصباً يريد له أن ينمو ويُكْسِبه الوجاهة عند الناس. وقد أخذ نفسه منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب بأسلوب صارم حازم، فقرأ القرآن صبيّاً، وقرأ "لسان العرب" كله وهو طالب بالتعليم الثانوي، ثم أقبل على قراءة الشعر مبكراً، ويحفظه لاكما يحفظه الناس؟ مقطوعات للإِنشاد والتسلي والمطارحة في المجالس، وإنما الشعر عنده باب العربية كلها، وقد قاده الشعر إلى كتب العربية كلها، والمكتبة العربية عند أبي فهر كتاب واحد، والعلوم العربية عنده علم واحد، فهو يقرأ "صحيح البخاري" كما يقرا "أغاني أبي الفرج"، ويقرأ: "كتاب سيبويه"، كما يقرأ: "المواقف" لعضد الدين الإِيجي. وهكذا خالط أبو فهر العربية منذ أيامه الأولى، وعرف مناهج الكتب، وطرائق الكتاب، في مختلف فنون العربية، وخبر مصطلحات الأقدمين وأعرافهم اللغوية، وهذا فَرْق ما بينه وبين سواه من الكتاب والنقاد، فأنت قد تجد ناقداً ذا ذوق وبصيرة، ولكن محصوله اللغوي على قدر الحاجة، وقد تصادفه يجمع بين الذوق والبصيرة واللغة، ولكن معارفه التاريخية لا تتجاوز الشائع العام الدائر على الألسنة، وقد تراه فاز من الثلاثة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنك لن تجد عنده ما تجد عند أبي فهر من

стр. 591

الأُنس بالمكتبة العربية كلها في فنونها جميعها، ودوران هذه الفنون في فكره وقلبه دوران الدم في العروق. ولقد سارت حياة محمود محمد شاكر في طريقين، استويا عنده استواء واضحًَ عدلاً: الطريق الأول: طريق العلم والمعرفة، يعب منهما ولا يروَى. والطريق الثاني: التنبه الشديد لما يُحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر، وما يُراد لثقافتها وعلومها من غياب واضمحلال، وظل حياته كلها قائماً على حراسة العربية، والذود عنها، يحب من أجلها، ويخاصم من أجلها، وقد احتمل في حالتيه من العناء والمكابدة ما تنوء بحمله العُصبة أولو القوة. وقد حارب أبو فهر في جهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة: حارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وحارب الدعوة إلى هَلْهَلة اللغة العربية والعبث بها بحجة التطور اللغوي، وحارب الخرافات والبدع والشعوذة، وقد حارب في كل ذلك وحده غير مُتَحَيزٍ إلى فئة، أو منتصر بجماعة، وهو في معاركه كلها صلبٌ عنيد فاتك، ألقى الدنيا خلف ظهره، ودَبْرَ أذنيه، فلم يعبأ بإقبالها أو إدبارها، واستوى عنده سوادها وبياضها، ولقد أقصي كثيراً عن محافل الأدب ومجالي الشهرة، فلم يزده ذلك إلا إصراراً وثباتاً، ووقف وحده في ساحة الصدق شامخ الرأس مرفوع الهامة، يرقب الزيف ويرصده ويدل عليه، ولم يجد خصومه في آخر الشوط إلا أن ينقروا الشباب عنه ويُبَغَضوه إليهم، بما أشاعوه عن حدته وبأسه وتعاليه، فنكص من نكص مسيئاً في نكوصه، وثبت من ثبت محسنا في ثباته. ومع كل هذا الحصار الذي ضرب حول محمود محمد شاكر فقد خلص إليه طلبة العلم ومحبو المعرفة، ينهلون من هذا المنهل العذب، فكان بيته جامعة عربية ضخمة: طوائف من الناس من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، وسعهم ذلك البيت المفتوح دائماً، ولم يفتح لهم يوماً دون يوم، أو ساعة دون ساعة. وقد دار إنتاج أبي فهر في ميدانين: التأليف والتحقيق، وهو في كلا الميدانين

стр. 592

مشغول بقضية أمته العربية، وما يراد لها من كيد، في عقيدتها ولغتها وشعرها وتراثها كله. وقد أبان عن هذه القضية بياناً شافياً في كتابيه "أباطيل وأسمار"، و "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، ثم نثرها فيما دق وجل من كتاباته، وما برح يعتادها في مجالسه ومحاوراته، يهمس بها حيناً، ويصرخ بها أحياناً، لا تفرحه موافقة الموافق، ولا تحزنه مخالفة المخالف، ولقد قام أمره كله على المكاشفة والمصارحة، فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، ومنذ أن ظهرت أمامه غواشي الفتن التي أحدقت بأمته العربية، فتح عينيه وأرهف سمعه، ثم شد مئزره وأيقظ حواسه كلها، وشحذ قلمه، يرصد ويحلل ويستنتج، ثم قال في كتابه الماتع أباطيل وأسمار: "فصار حقّا عليَّ واجباً ألاَّ أتلجلج أو أحجم أو أجمجم أو أداري". ومن أبرز النصوص التراثية العالية التي نشرها أبو فهر: طبقات فحول الشعراء لابن سلام، وتفسير أبي جعفر الطبري (١٦) جزءاً، إلى أثناء تفسير سورة إبراهيم ﵇، وتهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري (٦) أجزاء، ودلائل الإِعجاز، وأسرار البلاغة، كلاهما للشيخ عبد القاهر الجرجاني. ومما يُستطرف ذكره هنا أن أول كتاب تراثي وضع فيه أبو فهر يده بالتصحيح هو كتاب: "أدب الكاتب" لابن قتيبة، الذي أخرجه الشيخ محب الدِّين الخطيب عام ١٣٤٦ هـ = ١٩٢٧ م، أي منذ (٧٠) عاماً، وكان عمره إذ ذاك (١٨) عاماً، وقد شاركه تصحيح صفحات من الكتاب ابن خاله الأستاذ عبد السلام هارون ﵀. وفي كل تلك الأصول التراثية التي أخرجها أبو فهر يظهر علمه الغزير الواسع الذي لا يدانيه فيه احد من أهل زماننا؟ لأنه علم موصول بعلم الأوائل، منتزع منه ودال عليه ومكمل له. وكان عمله في نشر هذه النصوص التراثية جزءاً من جهاده في حراسة العربية والذود عنها، سواء فيما نشره هو، أم فيما حث الناس على نشره وأعانهم عليه. وللأستاذ محمود محمد شاكر من الذرية اثنان: فهر المولود سنة ١٩٦٥ م. وهو الآن دكتور مدرس بقسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة القاهرة، وزُلْفى

стр. 593

المولودة سنة ١٩٦٩ م، وهي متخرجة من كلية التجارة - جامعة عين شمس، وتعمل بمكتب كبير من مكاتب المحاسبة في القاهرة. ومما يحز في النفس، ويكدر الخاطر، هذا المرض الذي ألمّ بالأستاذ، وأقعده وألزمه المستشفى الذي دخله ليلة عيد الفطر من العام المنصرم ١٤١٧ هـ = فبراير ١٩٩٧ م، ولا يزال هناك إلى هذا اليوم صفر ١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م، كشف الله عنه ما به، وردَّ عليه عافيته، إنه على ما يشاء قدير. * * *

стр. 594

محمود محمد شاكر .. والسِّهام الطائشة (١) ما تردَّدت في اختيار عنوان لمقالة ما تردّدت في عنوان هذه المقالة، فأنا حريص دائماً أن يكون عنوان ما أكتب صريحاً في الدلالة على ما أريد، كاشفاً لما هو مطوي تحت لساني وما يدور في فكري. والذي أكتب فيه اليوم مما زلزل نفسي وملأني غضباً وغيظاً، فكان حقاً أن يكون عنوان المقالة دالاً على هذه الحالة النفسية الغاضبة وممهداً لها. وقد ترددت بين عدة عنوانات، منها: محمود شاكر والسيوف الكهام - وهي السيوف الكليلة التي لا تقطع ولا تؤثر - ليس هذا بعُشّكِ فادْرُجي - إن بني عمك فيهم رِماح -كناطح صخرة يوماً ليوهنها، ونحو ذلك من العنوانات التي يحمل عليها الغضب. والغضب - ونعوذ بالله منه - نار تأجج في الصدر، وإذا استبد بالمرء أعمى بصره وأكل قلبه وفَرَى كبده وأطلق لسانه، وقديماً ما تعوّذ الناس منه. أما الذي أغضبني أيها القارئ الكريم فهو ما جاء في العدد الثاني من مجلة الجيل - ٨ نوفمبر ١٩٩٨ م - من هجوم كاسح أَكُول على شيخ العربية وحارسها أبي فهر محمود محمد شاكر، برَّد الله مضجعه، والذي تولى كِبْر هذا الهجوم هو الأستاذ حسين أحمد أمين. والأستاذ حسين هو ابن العلامة أحمد أمين، الذي يُعدّ من أعلام النهضة الحديثة في الفكر العربي الإِسلامي، وكانت مؤلفاته عن فجر الإِسلام وضحاه وظهره

стр. 595

منارات وصوّى على طريق العلم والمعرفة، ورصداً عظيماً لمسيرتنا الفكرية، ثم كانت لجنة التأليف والترجمة والنشر التي أنشأها سنة ١٩١٤ م مع مجموعة من الشباب النابهين في ذلك الوقت: أمين مرسي قنديل، وعبد الحميد العبادي، ومحمد صبري أبو علم باشا، ومحمد عوض محمد، ومحمد بدران - كانت هذه اللجنة منارة علم ضخمة. فكان من حقه علينا أن نوقّر تاريخه ونرعاه في احترام أولاده وأحفاده، وايضا فمان الأستاذ حسين من كتاب الهلال، فبهذه المنزلة يكون عتابنا وحديثنا للأستاذ حسين أحمد أمين. ونسأل الله العصمة من الخطأ والزلل. والهجوم على محمود محمد شاكر بدأ غداة وفاته، وكان أول من نَقَب هذا النَّقْب السيدة صافيناز كاظم، في كلمة لها بجريدة الدستور ٢٠/ ٨/١٩٩٧، أي بعد وفاة الشيخ بثلاثة عشر يوماً، وهي كلمة تقطر غضبا، وتوشك أن تكون شماتة بالموت الذي هو غاية كل حي، وما أصدق الفرزدق: وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وتقدّموا وكنت حقيقاً أن أردّ على الأستاذة صافيناز لولا أني رأيت ثورتها ترجع إلى مقابلة جافة من الشيخ لها، في يوم من أيام سنة ١٩٨٢، وبعض الكتاب الذين تتردد أسماؤهم كثيراً في الصحف ووسائل الأعلام يرون لأنفسهم حقاً على الناس، كل الناس أن يهشوا لهم وان يستقبلوهم بكل ما وسعهم من أسباب الترحيب والبشاشة، وما أريد أن أستطرد في مناقشة الأستاذة صافيناز؟ لأني أرى في كتاباتها في السنوات الأخيرة وجوها من الخير ينبغي أن نستبقيها وأن نستزيد منها (إحنا ما صدقنا! )، لكني أحب أن أنشدها قول أبي العلاء: لا تظلموا الموتى وإن طال المدى ... إني أخاف عليكم أن تلتقوا ثم قول أبي العتاهية: إلى الديَّان يوم العرض نمضي ... وعند الله تجتمع الخصومُ ونترك السيدة صافيناز لنأتي إلى صديقنا الأستاذ نسيم مجلى، فقد كتب بعد

стр. 596

وفاة الشيخ كتاباً نشره بالأهالي، سمَّاه: صدام الأصالة والمعاصرة - محمود شاكر ولويس عوض. وكان قد كتب كتاباً كبيراً في القضية نفسها، سمَّاه: لويس عوض ومعاركه الأدبية، وأهداه إلى الشيخ محمود في حياته، وكتب بخطه: "إلى الصديق الكبير الذي أحببته كثيراً، واختلفت معه كثيراً، وتعلمت منه الكثير، إلى الأستاذ محمود شاكر بطل هذه المعارك ومفجرها مع أجمل أمنياتي. نسيم مجلى ٦/ ١/١٩٩٥". فلمَّا غاب وجه محمود شاكر بالموت، رَتَعَ نسيم مجلى في لحمه، وإذا الذي كان همساً صار صراخاً، والذي كان تلميحاً أضحى تصريحاً، وإذا الذي كان كلاماً في الحواشي بالبنط الصغير، قفز إلى المتن بالبنط الكبير، فكان هذا الكتاب الذي صدر عن الأهالي، وسأعود إليه في آخر المقالة. لكني أعجب كل العجب من الأستاذ نسيم مجلى، فقد كنت أشهد استقبال الشيخ محمود له وحفاوته به وتوديعه له على باب المصعد، وقوله له: ابقى تعال يا نسيم، وهي كلمة حانية من الشيخ، لا يقولها إلا لمن يحبه ويودَّه، ويا ليته كان قد قالها للأستاذة صافيناز (وكنا خُلُصنا). فهاأنذا يا أستاذ نسيم أنشدك قول أبي العلاء: فيسمع مني سجعَ الحمامِ ... وأسمع منه زئيرَ الأسَد ثم أترك الأستاذ نسيم لأصل إلى الأستاذ سمير غريب في كتابه الذي صدر أخيراً عن دار الشروق بعنوان (في تاريخ الفنون الجميلة)، وفي ص ٧٩ منه ينقد مقالاً للأستاذ محمود شاكر، نشره في مجلة الرسالة بتاريخ ١٢ فبراير ١٩٤٠ م، وكان محمود شاكر يرد على الدكتور طه حسين كلمة له عن "الفن الفرعوني"، والأستاذ سمير غريب لم يشهد تلك الأيام، فكأن هذه المقالة الشاكرية التي قضى عليها (٥٨) عاماً فد دُسَّت إليه دساً للهجوم على الرجل (لاحظ أن ما ذكره سمير غريب في كتابه ص ٨١، عن رأي محمود شاكر في الفن الفرعوني، هو نفس ما ذكره نسيم مجلى في

стр. 597

ص ٥١ من كتابه. فنقول إذن ما قاله علي بن أبي طالب ﵁ عن امرأة قالت كلاماً لا يظن أن يكون منها: "أما والله ما قالته ولكن قُوّلَتْه". ثم إن الأستاذ سمير غريب لا يعرف فكر محمود شاكر وتوجّهاته ورأيه في الحضارات السابقة على الإِسلام، بل هو لا يعرف لغته، والدليل على ذلك انه وقف عند كلمة له واعتبرها غامضة، وهي قول الشيخ: "من أعظم الآثار الفنية التي يعدها الجيل الأوروبي"، يقول الأستاذ سمير: "وتعبير الجيل الأوروبي هذا غامض"، وأقول: ليس غامضاً، فالجيل في كلام العرب: هو الصنف من الناس، وقيل: الأمة، وقيل: كل قوم يختصون بلغةٍ: جيل. فبأي هذه المعاني أخذت يكون تأويل كلام الشيخ! وما أريد أيضاً أن استطرد في مناقشة الأستاذ سمير غريب، لكني ما كنت أحب له أن يتورط في تلك الظاهرة التي شاعت في زماننا الرديء، وهي ظاهرة التحرش بالناس وإغراء السفهاء بهم، وذلك قوله: "وخطورة كلام محمود محمد شاكر هنا أنه يمكن أن يستند إليها المتطرفون دينياً بغير تأمل ولا تفكير سليمين، وقد نادت به بالفعل جماعات الإِرهاب باسم الدين في مصر بعد نشر كلام شاكر بحوالي خمسين عاماً". والذي لا تعرفه يا أستاذ سمير أن محمود شاكر كان من أكثر الناس بغضاً لهذه الجماعات التي أشرت إليها، بل إن مواقفه ضد الإِخوان المسلمين وكل الجماعات الإِسلامية، مواقف معروفة غاضبة ومستنكرة، وكان يجهر بمواقفه هذه ولا يكتمها، وكذلك كان أخوه الأكبر محدث العصر الشيخ أحمد شاكر، ومقالته عقب اغتيال محمود فهمي النقراشي مشهورة، وكان قد سمَّاها: "ديَّد الإِيمان الفتك"، ونشرها على الناس، بجريدة الأساس، فاقرأوا التاريخ يا ناس! (وانتظروا آخر كلمة لي في هذا المقال، ففيها رفع لهذا الالتباس). ثم أطوي الكلام لأفرغ إلى ما قاله الأستاذ حسينِ أحمد أمين، وقبل ذلك أحب أن أسأل: ما هذا يا قوم؟ أتهاجمون الرجل بعد أن غيَّبَه القبر؟ لماذا لما تردُّوا على

стр. 598

الشيخ كلامه في حياته؟ ما أظن إلا أنكم خفتم أن يأخذ بأكظامكم، ويأتيكم من فوقكم ومن أسفل منكم، فتزيغ أبصاركم كالذي يغشى عليه من الموت، ثم يترككم فإذا أنتم ضُحكة الضاحك وهُزءة المستهزئ، فنُنْشدكم قول طرفة بن العبد: يا لكِ من قُبَّرة بمَعْمَرِ خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفِرِي ونَقِّري ما شمتِ أن تُنَقِّري قد رَحَلَ الصيادُ عنك فابشري ورُفع الفخ فماذا تحذري؟ ثم ننشدكم أيضاً قول المهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً الذي كان يضرب به المثل في العزة المتناهية، وكان من خبره أنه إذا حضر مجلسه الناس لا يجسر أحد أن يفخر أو يجاذب، إعظاماً لقدره وإجلالاً لشأنه، فلما مات قال المهلهل: نُبَّئتُُ أن النار بعدَك أُوقِدَت ... واستبَّ بعدك يا كليب المجلسُ وتكلََّموا في أمر كلِّ عظيمةٍ ... لو كنت حاضر أمرهم لم يَنْبِسُوا ومن وراء ذلك كله: فليس من النَّبالة والإِنصاف أن تهاجم من لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ويردَّ عليك قولك، وقد أمرنا ديننا في مثل هذه المواطن بالمكاشفة والمواجهة، يقول ربنا يخاطب نبيه المصطفى ﷺ : ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، قال أبو جعفر الطبري: فناجزهم بالحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر. وجاء في حديث سلمان الفارسي الذي أخرجه الترمذي وأحمد: "وإن أبيتم نابَذْناكم على سواء"، قال ابن الأثير: أي كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستقيم مستوٍ في العلم والمنابذة، منا ومنكم.

стр. 599

وهذا أوان الفحص عن أمر الأستاذ حسين أحمد أمين، وما كتبه في حق شيخ العربية محمود شاكر. وبدءة ذي بدء، فإني أقول للأستاذ حسين: لقد بنيت مقالتك هذه على إثر مقابلة مع الشيخ محمود لم تقع منك موقع الرضا، وكانت هذه المقابلة يوم ١٢ ديسمبر ١٩٨٣ م، وإني لأعجب لك ومنك يا رجل: هذه خمسة عشر عاماً مُجَرَّمة - بتشديد الراء، أي تامة - منذ تلك الليلة التي أشعلتك ناراً، وأنت لا زلت طاوياً صدرك على هذه الحَسِيكة، فأيُّ صبرٍ على الكريهة هذا؟ وأي حِمل ثقيل حملته وظللت تدور به حالاً ومرتحلاً طوال هذه السنوات الطِّوال التي يمحو الله فيها ما يشاء ويثبت. ويحضرني الآن شاهد من الشعر وصورة من التشبيه، ولكني أمسك عنهما؟ صوناً لنفسي من الزلل، واستمساكاً بأصول أخلاقية ألزمت بها نفسي منذ أن عرفت طريقي للكتابة والمذاكرة والمحاضرة. وأنا أنشد لنفسي دائماً قول ابن فرج الجياني الأندلسي: فملَّكْتُ النُّهى جَمَحَاتِ أمري ... لأجريَ في العفاف على طباعي يقول: جعلت عقلي حاكماً على نفسي، كابحاً لجماح الهوى والخطأ، لكي استمر على ما طُبعت عليه من العفة والشرف. ثم إني علمت أنك كنت أعددت هذه المقالة في حينها، ودفعت بها إلى مجلة الهلال، ولكن الأستاذ مصطفى نبيل رفض نشرها، مع أن مصطفى نبيل من رؤساء التحرير الذين ينظرون إلى المكتوب لا إلى الكاتب، وهو أيضاً يفتح كل النوافذ، ولا يتعصب لاتجاه لحساب اتجاه، فما اعرض عن مقالتك إلا لما وجد فيها من انحراف وضلال، كما قالت العرب في كلامها الحكيم: "لو كان خيراً ما تركوه". وكأني بك يا أستاذ حسين تنشد مصطفى نبيل قول أبي الأسود الدؤلي يعاتب الحصين بن الحر العنبري، وكان أبو الأسود قد أرسل له كتاباً يستجديه فأهمله، فقال أبو الأسود: نظرْتَ إلى عُنوانه فنبَذْتَهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلاً أَخْلَقَتْ من نِعالكا [أخلقت: أي بليت وتقادم عليها عهد].

стр. 600

وأول ما أبدأ به الكلام أن أقول: إن ما حدث للأستاذ حسين، ومن قبله للسيدة صافيناز، من جفاف مقابلة الشيخ محمود شاكر، إنما هو ما أسمِّيه: صدمة اللقاء الأول. فمحمود شاكر يحب أن يعجم عود من يزوره أول مرة، وهل يصبر على تكاليف العلم، وأعباء التلقي والسماع، أم هو إنسان جاء (يتفرج على هذه القعدة) ويرى بعض الشخصيات، ثم يخرج إلى الناس ويقول: إني حضرت ندوة محمود شاكر، كهؤلاء الذين يقولون: إننا من تلاميذ العقاد، لأننا كنا نحرص على حضور ندوته، ويعلم الله أنه ما كان يلقي إلى كثير منهم بالاً. ومحمود شاكر ليس عنده وقت يضيعه في المجاملة والمصانعة. وهذا شيء عرفناه منه، يهاجم في اللقاء الأول هجوماً شرساً، فإذا رأى الذي أمامه حريصاً على العلم راغباً فيه أقبل عليه واستمسك به وشَدَ عليه يد الضَّنانة. وفي محنة هذا اللقاء الأول ثبت من ثبت محسناً في ثباته، ونكص من نكص مسيئاً في نكوصه. ولو أنهم صبروا حتى يطمئن إليهم لكان خيراً لهم. على أنه مما يزيد في محنة اللقاء الأول أن يكون لهذا الزائر الوافد الجديد صورة سابقة عند الشيخ محمود، كأن يكون منتمياً إلى اتجاه معين، أو يكون قد كتب شيئاً لم يعجب الشيخ. وسآخذ في مناقشتك الآن يا أستاذ حسين، وسأترك الحديث عن الشتائم التي وجهتها للشيخ، إلى آخر المقالة، حتى تكون آخر ما يذكره القارئ من أمرك. أولاً: قلت إن مفتاح شخصية محمود شاكر يكمن في إحساسه العميق بالفشل، وفي شعوره بأن حياته قد ضاعت سدى. أي فشل يا أستاذ وأي ضياع؟ إن الذي يعرف محمود شاكر عن قرب لا يحس شيئاً من ذلك. وقد عرفت هذا الرجل معرفة وثيقة خلال ثلاثين عاماً، وخبرت سواده وبياضه، وكاشفني بذات نفسه ودخيلة أمره وتقلبه في العالَمين، وقد رأيت إنساناً سويّاً واضحاً مكشوفاً، لا يداري ولا يماري، يصرّح ولا يكني، ينطق ولا يجمجم،
следующие страницы →