← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفاة الشيخ كتاباً نشره بالأهالي، سمَّاه: صدام الأصالة والمعاصرة - محمود شاكر ولويس عوض. وكان قد كتب كتاباً كبيراً في القضية نفسها، سمَّاه: لويس عوض ومعاركه الأدبية، وأهداه إلى الشيخ محمود في حياته، وكتب بخطه: "إلى الصديق الكبير الذي أحببته كثيراً، واختلفت معه كثيراً، وتعلمت منه الكثير، إلى الأستاذ محمود شاكر بطل هذه المعارك ومفجرها مع أجمل أمنياتي. نسيم مجلى ٦/ ١/١٩٩٥". فلمَّا غاب وجه محمود شاكر بالموت، رَتَعَ نسيم مجلى في لحمه، وإذا الذي كان همساً صار صراخاً، والذي كان تلميحاً أضحى تصريحاً، وإذا الذي كان كلاماً في الحواشي بالبنط الصغير، قفز إلى المتن بالبنط الكبير، فكان هذا الكتاب الذي صدر عن الأهالي، وسأعود إليه في آخر المقالة. لكني أعجب كل العجب من الأستاذ نسيم مجلى، فقد كنت أشهد استقبال الشيخ محمود له وحفاوته به وتوديعه له على باب المصعد، وقوله له: ابقى تعال يا نسيم، وهي كلمة حانية من الشيخ، لا يقولها إلا لمن يحبه ويودَّه، ويا ليته كان قد قالها للأستاذة صافيناز (وكنا خُلُصنا). فهاأنذا يا أستاذ نسيم أنشدك قول أبي العلاء: فيسمع مني سجعَ الحمامِ ... وأسمع منه زئيرَ الأسَد ثم أترك الأستاذ نسيم لأصل إلى الأستاذ سمير غريب في كتابه الذي صدر أخيراً عن دار الشروق بعنوان (في تاريخ الفنون الجميلة)، وفي ص ٧٩ منه ينقد مقالاً للأستاذ محمود شاكر، نشره في مجلة الرسالة بتاريخ ١٢ فبراير ١٩٤٠ م، وكان محمود شاكر يرد على الدكتور طه حسين كلمة له عن "الفن الفرعوني"، والأستاذ سمير غريب لم يشهد تلك الأيام، فكأن هذه المقالة الشاكرية التي قضى عليها (٥٨) عاماً فد دُسَّت إليه دساً للهجوم على الرجل (لاحظ أن ما ذكره سمير غريب في كتابه ص ٨١، عن رأي محمود شاكر في الفن الفرعوني، هو نفس ما ذكره نسيم مجلى في

стр. 597

ص ٥١ من كتابه. فنقول إذن ما قاله علي بن أبي طالب ﵁ عن امرأة قالت كلاماً لا يظن أن يكون منها: "أما والله ما قالته ولكن قُوّلَتْه". ثم إن الأستاذ سمير غريب لا يعرف فكر محمود شاكر وتوجّهاته ورأيه في الحضارات السابقة على الإِسلام، بل هو لا يعرف لغته، والدليل على ذلك انه وقف عند كلمة له واعتبرها غامضة، وهي قول الشيخ: "من أعظم الآثار الفنية التي يعدها الجيل الأوروبي"، يقول الأستاذ سمير: "وتعبير الجيل الأوروبي هذا غامض"، وأقول: ليس غامضاً، فالجيل في كلام العرب: هو الصنف من الناس، وقيل: الأمة، وقيل: كل قوم يختصون بلغةٍ: جيل. فبأي هذه المعاني أخذت يكون تأويل كلام الشيخ! وما أريد أيضاً أن استطرد في مناقشة الأستاذ سمير غريب، لكني ما كنت أحب له أن يتورط في تلك الظاهرة التي شاعت في زماننا الرديء، وهي ظاهرة التحرش بالناس وإغراء السفهاء بهم، وذلك قوله: "وخطورة كلام محمود محمد شاكر هنا أنه يمكن أن يستند إليها المتطرفون دينياً بغير تأمل ولا تفكير سليمين، وقد نادت به بالفعل جماعات الإِرهاب باسم الدين في مصر بعد نشر كلام شاكر بحوالي خمسين عاماً". والذي لا تعرفه يا أستاذ سمير أن محمود شاكر كان من أكثر الناس بغضاً لهذه الجماعات التي أشرت إليها، بل إن مواقفه ضد الإِخوان المسلمين وكل الجماعات الإِسلامية، مواقف معروفة غاضبة ومستنكرة، وكان يجهر بمواقفه هذه ولا يكتمها، وكذلك كان أخوه الأكبر محدث العصر الشيخ أحمد شاكر، ومقالته عقب اغتيال محمود فهمي النقراشي مشهورة، وكان قد سمَّاها: "ديَّد الإِيمان الفتك"، ونشرها على الناس، بجريدة الأساس، فاقرأوا التاريخ يا ناس! (وانتظروا آخر كلمة لي في هذا المقال، ففيها رفع لهذا الالتباس). ثم أطوي الكلام لأفرغ إلى ما قاله الأستاذ حسينِ أحمد أمين، وقبل ذلك أحب أن أسأل: ما هذا يا قوم؟ أتهاجمون الرجل بعد أن غيَّبَه القبر؟ لماذا لما تردُّوا على

стр. 598

الشيخ كلامه في حياته؟ ما أظن إلا أنكم خفتم أن يأخذ بأكظامكم، ويأتيكم من فوقكم ومن أسفل منكم، فتزيغ أبصاركم كالذي يغشى عليه من الموت، ثم يترككم فإذا أنتم ضُحكة الضاحك وهُزءة المستهزئ، فنُنْشدكم قول طرفة بن العبد: يا لكِ من قُبَّرة بمَعْمَرِ خلا لكِ الجوُّ فبيضي واصفِرِي ونَقِّري ما شمتِ أن تُنَقِّري قد رَحَلَ الصيادُ عنك فابشري ورُفع الفخ فماذا تحذري؟ ثم ننشدكم أيضاً قول المهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً الذي كان يضرب به المثل في العزة المتناهية، وكان من خبره أنه إذا حضر مجلسه الناس لا يجسر أحد أن يفخر أو يجاذب، إعظاماً لقدره وإجلالاً لشأنه، فلما مات قال المهلهل: نُبَّئتُُ أن النار بعدَك أُوقِدَت ... واستبَّ بعدك يا كليب المجلسُ وتكلََّموا في أمر كلِّ عظيمةٍ ... لو كنت حاضر أمرهم لم يَنْبِسُوا ومن وراء ذلك كله: فليس من النَّبالة والإِنصاف أن تهاجم من لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ويردَّ عليك قولك، وقد أمرنا ديننا في مثل هذه المواطن بالمكاشفة والمواجهة، يقول ربنا يخاطب نبيه المصطفى ﷺ : ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، قال أبو جعفر الطبري: فناجزهم بالحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر. وجاء في حديث سلمان الفارسي الذي أخرجه الترمذي وأحمد: "وإن أبيتم نابَذْناكم على سواء"، قال ابن الأثير: أي كاشفناكم وقاتلناكم على طريق مستقيم مستوٍ في العلم والمنابذة، منا ومنكم.

стр. 599

وهذا أوان الفحص عن أمر الأستاذ حسين أحمد أمين، وما كتبه في حق شيخ العربية محمود شاكر. وبدءة ذي بدء، فإني أقول للأستاذ حسين: لقد بنيت مقالتك هذه على إثر مقابلة مع الشيخ محمود لم تقع منك موقع الرضا، وكانت هذه المقابلة يوم ١٢ ديسمبر ١٩٨٣ م، وإني لأعجب لك ومنك يا رجل: هذه خمسة عشر عاماً مُجَرَّمة - بتشديد الراء، أي تامة - منذ تلك الليلة التي أشعلتك ناراً، وأنت لا زلت طاوياً صدرك على هذه الحَسِيكة، فأيُّ صبرٍ على الكريهة هذا؟ وأي حِمل ثقيل حملته وظللت تدور به حالاً ومرتحلاً طوال هذه السنوات الطِّوال التي يمحو الله فيها ما يشاء ويثبت. ويحضرني الآن شاهد من الشعر وصورة من التشبيه، ولكني أمسك عنهما؟ صوناً لنفسي من الزلل، واستمساكاً بأصول أخلاقية ألزمت بها نفسي منذ أن عرفت طريقي للكتابة والمذاكرة والمحاضرة. وأنا أنشد لنفسي دائماً قول ابن فرج الجياني الأندلسي: فملَّكْتُ النُّهى جَمَحَاتِ أمري ... لأجريَ في العفاف على طباعي يقول: جعلت عقلي حاكماً على نفسي، كابحاً لجماح الهوى والخطأ، لكي استمر على ما طُبعت عليه من العفة والشرف. ثم إني علمت أنك كنت أعددت هذه المقالة في حينها، ودفعت بها إلى مجلة الهلال، ولكن الأستاذ مصطفى نبيل رفض نشرها، مع أن مصطفى نبيل من رؤساء التحرير الذين ينظرون إلى المكتوب لا إلى الكاتب، وهو أيضاً يفتح كل النوافذ، ولا يتعصب لاتجاه لحساب اتجاه، فما اعرض عن مقالتك إلا لما وجد فيها من انحراف وضلال، كما قالت العرب في كلامها الحكيم: "لو كان خيراً ما تركوه". وكأني بك يا أستاذ حسين تنشد مصطفى نبيل قول أبي الأسود الدؤلي يعاتب الحصين بن الحر العنبري، وكان أبو الأسود قد أرسل له كتاباً يستجديه فأهمله، فقال أبو الأسود: نظرْتَ إلى عُنوانه فنبَذْتَهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلاً أَخْلَقَتْ من نِعالكا [أخلقت: أي بليت وتقادم عليها عهد].

стр. 600

وأول ما أبدأ به الكلام أن أقول: إن ما حدث للأستاذ حسين، ومن قبله للسيدة صافيناز، من جفاف مقابلة الشيخ محمود شاكر، إنما هو ما أسمِّيه: صدمة اللقاء الأول. فمحمود شاكر يحب أن يعجم عود من يزوره أول مرة، وهل يصبر على تكاليف العلم، وأعباء التلقي والسماع، أم هو إنسان جاء (يتفرج على هذه القعدة) ويرى بعض الشخصيات، ثم يخرج إلى الناس ويقول: إني حضرت ندوة محمود شاكر، كهؤلاء الذين يقولون: إننا من تلاميذ العقاد، لأننا كنا نحرص على حضور ندوته، ويعلم الله أنه ما كان يلقي إلى كثير منهم بالاً. ومحمود شاكر ليس عنده وقت يضيعه في المجاملة والمصانعة. وهذا شيء عرفناه منه، يهاجم في اللقاء الأول هجوماً شرساً، فإذا رأى الذي أمامه حريصاً على العلم راغباً فيه أقبل عليه واستمسك به وشَدَ عليه يد الضَّنانة. وفي محنة هذا اللقاء الأول ثبت من ثبت محسناً في ثباته، ونكص من نكص مسيئاً في نكوصه. ولو أنهم صبروا حتى يطمئن إليهم لكان خيراً لهم. على أنه مما يزيد في محنة اللقاء الأول أن يكون لهذا الزائر الوافد الجديد صورة سابقة عند الشيخ محمود، كأن يكون منتمياً إلى اتجاه معين، أو يكون قد كتب شيئاً لم يعجب الشيخ. وسآخذ في مناقشتك الآن يا أستاذ حسين، وسأترك الحديث عن الشتائم التي وجهتها للشيخ، إلى آخر المقالة، حتى تكون آخر ما يذكره القارئ من أمرك. أولاً: قلت إن مفتاح شخصية محمود شاكر يكمن في إحساسه العميق بالفشل، وفي شعوره بأن حياته قد ضاعت سدى. أي فشل يا أستاذ وأي ضياع؟ إن الذي يعرف محمود شاكر عن قرب لا يحس شيئاً من ذلك. وقد عرفت هذا الرجل معرفة وثيقة خلال ثلاثين عاماً، وخبرت سواده وبياضه، وكاشفني بذات نفسه ودخيلة أمره وتقلبه في العالَمين، وقد رأيت إنساناً سويّاً واضحاً مكشوفاً، لا يداري ولا يماري، يصرّح ولا يكني، ينطق ولا يجمجم،

стр. 601

باطنه وظاهره سواء، وهو سعيد منشرح مقبل على الحياة، يستمتع بطيباتها إذا أقبلت، ولا يحفل بها إذا أدبرت، وينعم بما أفاء الله عليه من مكتبة ضخمة عامرة، لم تتيسّر لأحد من علماء عصرنا، قراها كلها قراءة كتاب واحد، بذلك العقل الذكي الذي يجمع كل شاذَّة وفاذَّة، ثم هو سعيد أيضاً بالقلوب التي تجمعت حوله، طوائف من مختلف البلدان والأعمار والانتماءات، وسعهم هذا البيت الكبير، الذي لم يعرف الرسميات فلم يُفتح لهم ساعة دون ساعة. وقد وصفت كثيراً مجلس محمود شاكر وما ضمّ من فئات الناس، ونقلت وصف الأديب الكبير فتحي رضوان له، وهو قوله: "كان بيته ندوة متصلة لا تنفض، من أعضائها الثابتين: يحيى حقي إذا حضر من أوروبا، وعبد الرحمن بدوي، وحسين ذو الفقار صبري، وغيرهم وغيرهم، ولم يكن من حظي أن أكون عضواً دائماً فيها، فقد كنت المّ بهم أحياناً، فأراهم وأرى من العالم العربي كله، ومن العالم الإِسلامي على تراميه، شخصيات لا حصر لها، تتباين بعضها عن بعض، في الزي والمظهر والثقافة واللهجة، والشواغل والمطامح، ولكنها تلتفي كلها عند محمود شاكر، تسمع له، وتأخذ عنه، وتقرأ عليه، وتتأثر به، وكلما كان من حظي أن أشهد جانباً من هذه الندوة أحسست بسعادة غامرة، أن يبقى ركن في بلدي كهذا الركن، ينقطع أصحابه للفكر والدرس والتحدث في أمور لا تجد من يسمع بها أو يعرف عنها شيئاً في مكان آخر"، انتهى كلام الأستاذ فتحي رضوان. ومن الحقائق التي لا تُدفع أنه لم يحظ أحد من الأدباء المعاصرين الكبار، الذين تقام لهم الموالد ما بين الحين والحين، بمعشار ما حظي به محمود شاكر من التلاميذ والمريدين الذين صار كثير منهم رؤوساً ورؤساء ببلادهم ومواقعهم. أما هذه الحدة التي قي طبع الشيخ - ونحن نعترف بها - فليست نتيجة الإِحساس بالفشل، أو ضياع الحياة سدى. هذه الحِدَّة يا سيدي جاءت نتيجة لإِدراك الرجل لمأساة هذه الأمة العربية التي ورثت مجداً شامخاً أضاعه الورثة من أبنائها. وقد تنبه الرجل منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب إلى محنة أمته العربية، في قطع

стр. 602

صلتها بموروثها العظيم، ثم وقوعها في حبائل العدو، ينهش في عظمها ويُحكم الغُل مي أيديها، فسارت حياته في طريقين استويا عنده استواء واضحاً: الأول: العلم والمعرفة يعبّ منهما عباً، ويغُري الناس بهما إغراءً. والطريق الثاني: التنبه الشديد لما يحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر، وقد حارب في سبيل كشف ذلك وتعريته في جبهات كثيرة، مما فضَّلتُه في غير موضع من كتاباتي. وقد أورثه شعوره بذلك الهم الكبير حدَة في الطبع، وشراسة في الخطاب. والحِدَّة: إذا كان هذا هو مبعثها ومحرِّكها لم تكن مذمومة، فقد جاء في الحديث: "الحِدَّة تعتري خيار أمتي"، قال ابن الأثير: "الحِدَّة كالنشاط والسرعة في الأمور والمضاء فيها، مأخوذ من حد السيف، والمراد بالحدة هاهنا: المضاء في الدين والصلابة والقصد في الخير، ومنه الحديث: "خيار أمتي أحِدَّاؤها"، وهو جمع حديد، كشديد وأشداء". وقد تحدثت يا أستاذ حسين عن قلة إنتاج الرجل، مع هذه الشهرة العريضة والقراءة والثقافة التي لم يُحصل طه حسين جزءاً من المائة منها، وقد صدقت في هذا، لكنك لم تصدق في ذلك السياق كله، فقد ذكرت أنه مع شهرته لم يترك غير كتاب عادي عن المتنبي، وديوان شعر هزيل ضحل، ثم تحقيق لبعض كتب التراث. وهذا كله باطل: فكتابه عن المتنبي ليس كتاباً عاديّاً، فقد عرض فيه لقضايا ثلاث، لم يكشف القول فيها غيره، ولم يحسم الحكم فيها سواه: نسب المتنبي - حبه لخولة أخت سيف الدولة - ترتيب القسم الثاني من شعر المتنبي على السِّنين. وقولك: "ديوان شعر هزيل ضحل" ليس لمحمود شاكر ديوان شعر مجموع، وإن كان له شعر معروف، أذاعه من قديم وطرب له الناس. ولعلك تقصد "القوس العذراء"، وهي قصيدة طويلة مستوحاة من قصيدة للشمَّاخ، وهذه "القوس العذراء" من عيون الشعر

стр. 603

العربي، وقد هزت الدنيا وشغلت الأدباء، وكتب عنها كبار الأدباء: إحسان عباس، ومحمد مصطفى هدَّارة، ومحمد أبو موسى. ثم كتب عنها المفكر والأديب الكبير زكي نجيب محمود، ولا شك انك تعرفه حق المعرفة، لأن له مع والدك تاريخا قد يسوؤك بعضه! وكلمة زكي نجيب محمود عن "القوس العذراء" كلمة عالية جدّا، وقد أذاعها في مجلة الكتاب العربي (أغسطس ١٩٦٥ م)، قال في أولها: "درة ساطعة هذه بين الدرر، وآية هذه من الفن محكمة من آيات الفن المحكمات". وقال في آخرها: "وإني لأستأذن أديبنا شاكر في أن أهدي آيته هذه إلى شعراء اليوم ليروا بآذانهم وليسمعوا بعيونهم، إذا كانت للآذان رؤية، وإذا كان للعيون سمع، كيف يكون الفن الشعري صياغة وارتفاعاً في دنيا القيم من حضيض إلى أوج". ثم إن قولك: "تحقيق بعض كتب التراث "يدل على عدم معرفتك، أتسمِّي تحقيق ستة عشر جزءاً من تفسير الطبري، وستة أجزاء من "تهذيب الآثار" له، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام، ودلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة، وكلاهما لعبد القاهر الجرجاني، والمكافأة وحسن العقبى لابن الداية الكاتب، وفضل العطاء على العُسْر لأبي هلال العسكري، وإمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع، للمقريزي، وكتاب الوحشيات لأبي تمام، وجمهرة نسب قريش، وأخبارها للزبير بن بكار. أتسمي ذلك كله بعض كتب التراث؟ وإن في بعض حواشيه على هذه الكتب ما يعدّ علامات ضخمة في طريق الفكر العربي والإِسلامي. ولو كنتَ مُهَيَّا لإِدراك مرامي هذه التعليقات لدللتك عليها. ثم انظر القائمة الببليوجرافية التي أصدرها المجلس الأعلى للثقافة ودار الكتب المصرية بذكرى الأربعين لوفاته وسترى فيها رصدا جيدا لإِنتاج محمود شاكر منذ سنة ١٩٢٦ م إلى سنة ١٩٩٧ م، وهي السنة التي توفي فيها.

стр. 604

وإذا كنت ترى أن هذا الإِنتاج كله قليل بالنسبة لرجل في مثل قامة محمود شاكر: فإن أثر العالم لا يقاس بكثرة إنتاجه، ففي تاريخنا التراثي أعلام احتلوا مكانة عالية بكتاب واحد أو كتابين ليس غير، فسيبويه إمام النحاة ليس له إلا "الكتاب"، وليس لابن سلاَّم إلا "طبقات فحول الشعراء"، والقَرْشي ليس له إلاَّ "جمهرة أشعار العرب"، وابن عبد ربه ليس له إلا "العقد الفريد"، وابن خلكان ليس له إلا "الوفيات"، وليس لأبي الفرج الأصبهاني إلاَّ "الأغاني" و "مفاتل الطالبيين". وفي عصرنا الحديث لم يترك الأستاذ أمين الخولي من الكتب ما يجاوز أصابع اليد الواحدة، ومع ذلك فإن تلاميذه يرونه رأسا في المنهج، وأنه فتح لهم أبواباً من النظر والتأمل لم يفتحها غيره. ويتبع وصف محمود شاكر بالحِدَّة وصفه بالتعالي والاعتداد بالنفس وحب الثناء. وهذه القضية ينبغي أن تعالج في هذا الإِطار: العلماء الكبار حين يرون أن الله قد وهبهم ما لم يهبه لغيرهم، يرتفعون بأنفسهم عما حولهم، وفي بعض اللحظات يرون أن من عداهم لا وزن لهم. رُوي أن إبراهيم بن المهدي، وهو أخو هارون الرشيد، وكان حاذقاً بالغناء، اختلف هو وإسحاق الموصلي - وكان أيضاً من أساطين الغناء والموسيقى - اختلفا في صوت، ففال إبراهيم لإِسحاق: "إلى من نتحاكم والناس مَن عدانا بهائم"؟ ، وقال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول - ولم يقله إن شاء الله بغياً ولا تطاولاً-: "ما رأيت أحداً قطُّ أعلم مني". على أن حب الثناء مركوزٌ في الطباع، ثابت في أصل الخِلقة. قال أبو حيان التوحيدي: "ومن لم يرغب في الثناء فقد رغِب عن ملة إبراهيم؛ لأن الله تعالى أخبر أنه سأله ذلك فقال: ﴿واجعل لي لسان صدق فى الآخرين﴾ [الشعراء: ١٨٤]، ولسان الصدق: هو الثناء الحسن.

стр. 605

وإذا بلغ الكبار هذا المبلغ من سعة العلم وغزارة المعرفة كان حقيقاً على الناس أن يُوسِعوا لهم في المعذرة، وأن يتغمدوا أخطاءهم. ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة التابعي الجليل "قتادة بن دِعامة الشَدوسي" أنه كان يرى القول بالقدر، وهي مقالة منكورة عند أهل السنة والجماعة، ثم عقَب الذهبي على ذلك، فقال في كتاب سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٧١: "ثم إن الكبير من أهل العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحزَيه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحُه وورَعُه وإتباعُه، يُغْفر له زَلَله، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه". وهذا كلام عال نفيس في تأصيل موضوعية النقد ورحابة الصدر العلمي، والإِنصاف في تغليب الإِيجابي على السلبي في الحكم على الرجال، على حد قول زفر بن الحارث: أيذهب يومٌ واحدٌ إن أسأتُه ... بصالح أيامي وحُسْنِ بلائيا وقول المتنبي: فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائي سَرَرْن ألوفُ وقول الآخر: وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنُه بألف شفيع وهكذا ينبغي أن يُنظر إلى محمود شاكر، أنه من هذا الطراز؟ رجل حصَّّل من العلم ما لم يحصله غيره، وجمع من الكتب ما لم يجمعه سواه، وقرأ قراءة ما أطاقها أحد من جيله، ثم إنه راعه ما رأى فيه الأمة من جهل وتأخر، وفزع من قضية انتحال الشعر الجاهلي، واهتاج لما رآه من محاولة اغتيال تاريخ الأمة العربية، في علومها ومعارفها كلها، وطَمْس معالم حضارتها، ولم تكن المسألة عند الرجل من باب التوهم والظنون، والتماس المعابة عند الآخرين، فقد قامت دلائلها عنده واضحة جلية، ثم أثبتت الأيام صدقها فيما بعد. وحين ظهرت أمامه صدع بالحق وكشف العلة، وحطَّم الأغلال، ولم يبال بمن يقع عليه مِعْوله، قديماً كان أو حديثاً، من أبناء دينه أو من غيرهم، وكثير من الناس

стр. 606

الذين يأخذون الأمور من أيسر طرقها يرون أن محمود شاكر قد حارب طه حسين وسلامه موسى ولويس عوض ليس غير؟ وهذا غير صحيح؟ فإن محمود شاكر وهو بسبيل تصحيح النظر إلى تراث هذه الأمة، ثم الدفاع عنه، تناول أعلاماً كباراً من المتقدمين بنقود قاسية جدّاً، وفي هذا الطريق نقد الجاحظ والمرزوقي والتبريزي، بل إنه نقد الإِمام الجليل أبا بكر الباقلاني في كتابه "إعجاز القرآن" الذي يراه أهل العلم رأساً في هذا الباب، ونقد من قبله المتكلمين المسلمين، وبخاصة المعتزلة، في قضية إعجاز القرآن، وكان يرى أن المعتزلة قد خدعوا الناس بمقولاتهم العقلية، بل رأيناه هو يقسو على نفسه كثيراً إذا زلَّ في فهم، أو غاب عنه وجه الصواب، ومن أمثلة ذلك استدراكاته على تحقيقاته التي يثبتها في آخر الكتاب، أو في الطبعة التالية، وهذه نماذج من تلك الاستدراكات التي شدد فيها على نفسه هو، وقد اخترتها من تحقيقه لكتاب جمهرة نسب قريش، للزبير بن بكار، يقول: "وقد أسأت أشدّ الإِساءة في الحاشية رقم (٣) وينبغي طمس هذه الحاشية". ويقول عن شيء من تفسيره، وظهر له خطأه: "وفسَّرتُه متعجِّلاً"، ويقول في موضع ثالث: "وهو سهوٌ مني شدي". ويقول في مستدركات تحقيق طبقات فحول الشعراء: "عجلتُ فقلت ما قاله ياقوت، فأخطأت خطأ لا شك فيه، فلا أدري كيف تهاوى فيه ياقوت؟ " نحن إذن أمام رجل يتحرَّى الصواب، ويروم الصدق، وقد التزم جانب المكاشفة والمصارحة، وترك التجمُُّل والتكلّف والمصانعة، ويعلم الله أننا لو رُزقنا بضعة رجال من طراز محمود شاكر لكان الحال غير الحال! ثم ذكرت يا أستاذ حسين ثورة الشيخ محمود على الأفغاني والشيخ محمد عبده، وقد غاب عنك أن الذي يقوله الشيخ في هذين الرجلين هو رأي كثير من الناس، من قبل محمود شاكر ومن بعده، ولقد أطلعنا الأديب المثقف الرقيق علي شلش ﵀، قبل وفاته بأيام، في بيت محمود شاكر، على وثائق خطيرة تدين الأفغاني، وتحقق رأي الناس فيه. أما الشيخ محمد عبده، فقد عابه كثير من الناس

стр. 607

أيضاً لصلته بكرومر، وقصر الملك، ومن هؤلاء المفكر الكبير علي سامي النشار، وقد سجل ذلك في كتاب منشور، وقد درسناه عليه في أيام الطلب. ثم ما كان يصح يا أستاذ حسين أن توقع الدسيسة بين الشيخ محمود، وهذا النَّفَر الكريم من الباحثين: الدكتور محمد عمارة، والأستاذ فهمي هويدي، وقد كنت كثير الملازمة للشيخ، وما أذكر أنه عرض بسوء لأيٍّ من الرجلين الجادِّين، ولقد يكون رأيه في محمد عمارة سيئاً أيام أن كان عمارة يقف في الجانب الغربي، فلما أذن الله له بالفرج والانعتاق، وانتقل إلى شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة، ثم نَسِيَ ما كان يدعو إليه من قبل، رضي عنه محمود شاكر، وكذلك كنا نحن أيضاً: أعرضنا عن محمد عمارة يوم أن كان لويس عوض يفسح له صفحة كاملة في جريدة الأهرام في الستينات، والان نحئه ونحرص على ما يكتب ونوصي بقراءته. على أن محمد عمارة كان من أكثر الناس إجلالاً لمحمود شاكر، وإن لم يغش مجلسه، وكثير من المفكرين كانوا يحبون محمود شاكر غاية الحب، ولكنهم لا يغشون مجلسه، كأنهم يشفقون من الحدة إياها، وأذكر من كبار هؤلاء المحبين المعرضين: محمد سليم العوا وطارق البشري. وأشير هنا إلى أن محمد عمارة قد أسرع إلى مسجد عمر مكرم ليقدم واجب العزاء في الشيخ محمود، وإن لم يعرف أحداً من أسرته، وقد شدّ على يديّ معرياً، وقال لي: البركة فيك يا محمود، وهي كلمة ذات دلالة. فكأنه يقول: إننا نريد لفكر محمود شاكر أن يستمر، ولطريقه أن يظل مسلوكاً. وكأنك يا أستاذ حسين حين ذكرت اسم محمد عمارة وأقحمته إقحاماً وزججت به زجّا، إنما أردت أن تستدرج الرجل ليعفو عنك ويمحو في طبعة قادمة، ما دمغك به في كتابه الجيد: الإِسلام بين التنوير والتزوير، الذي صدر عن دار الشروق سنة ١٩٩٥ م، فقد عقد فصلاً عنك، سمَّاه: "الهزل وغيبة العدالة في تناول الإِسلام"، وقد وصفك في هذا الفصل بأنك من الذين يزعمون أنهم مجتهدون في الإِسلام، ومجددون في فكره، مع افتقادهم وافتقارهم للحدود الدنيا من دراية العلم

стр. 608

وعدالة العلماء، بل ومع اتصافهم بقدر من سوء النية في عرض قضايا الإِسلام. وقد ذكر محمد عمارة في حواشي هذا الفصل أنه التقاك (الأفصح والأكثر: لقيك)، وقد لقينا من كلام حسين أحمد أمين نَصَبا! ) في مكتبة دار الشروق بحضور صاحبها الأستاذ إبراهيم المعلم، وسالك عما سقطت فيه من الهجوم على سعد بن أبي وقاص ﵁، وقال لك: ماذا تريد؟ فقلت: أريد أن أشكك في كل شيء! وأقول: إن من حق محمد عمارة - بعد أن كتب فيك ما كتب وقرأ كلامك اليوم - أن يُنشدك ونحن أيضاً نُنشدك معه، قول الفرزدق يهجو جديع بن سعد الأزدي: لا تَحْسَبَنَّ دراهِما أَعْطَيْتَها ... تَمْحُو مخَازيَك التي بِعُمان فماذا تنتظر يا أستاذ حسين من محمود شاكر، ثم من غيره ممن يحترمون تاريخهم ويوقرون رجالهم، ماذا تنتظر منهم بعد أن أهنت الوارث والموروث؟ وليس يصح لك أن تستنصر باسم والدك العظيم ﵀، فهو كان على الجادة، أقام للحضارة العربية صرحاً شامخاً، وأنت انحرفت عن الطريق، وأخذت تضرب في هذا الصرح، ولكن من نِعَم الله أن جعل مِعْولك ضعيفاً، كما جعل كيد الشيطان ضعيفاً، فما ينفعك شيئاً (١) كلما حزبك أمر أن تفزع إلى اسم أبيك، فلن يَجْزي والد عن ولده شيئاً، ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد ﷺ يدها. وبما انك قد سببت واحداً من الصحابة الأكرمين، ولم يفعلها أبوك، فإننا ننشدك قول الأعشى: كلا أَبَوَيْكم كان فَرْعاً دِعامةً ... ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصاً

стр. 609

ثم أنشدك قول الآخر (وقد أعْجلتني عن أن أنسبه لك): إن القديم إذا ما ضاع آخره ... كساعدٍ فلَّه الأيامُ محطومُ ثم أنشدك - وهو أخفُّ الشواهد عليك إن شاء الله - قول أبي تمام: وابن الكريم مطالَبٌ بقديمه ... غَلِقٌ وصافي العيش لابن الزُّفَلِ وأخيراً أترحَّم على والدك العظيم ثم أنشدك وأنشده قول جرير يخاطب الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز: تَزَوَّدْ مثل زادِ أبيكَ فينا ... فنعم الزادُ زادُ أبيك زادا ثم إنك غضبت من الشيخ محمود لأنه ذكر امامك رايا في والدك لم يقع منك موقع الرضا، فاعلم أن ليس محمود شاكر أول من أبدى رأياً غير طيب في والدك، فالعقاد فعل ذلك، وأظنك لم تنس كتاب زكي مبارك "جناية أحمد أمين على الأدب العربي"، وأذكر أن أساتذتنا في أيام الطلب كانوا يكثرون من نقد كتب أبيك في عصور الإِسلام، كلٌّ في مجال تخصصه، ومن هؤلاء العالم الكبير الدكتور ضياء الدين الريس في كتابه الماتع: "النظريات السياسية الإِسلامية"، وأنت الذي أصررت أن تستخرج رأي محمود شاكر في أبيك، وقد ذكرت انك كلما ألححت عليه في الطلب قال لك "فَوِّتْ"، وكأنه ﵀ كان يريد أن يقول ما قالته العرب قديماً: "اعْفُ عن ذِي قَبْر"، ثم أما بعد: فيا أستاذ حسين أحمد أمين: لقد وصفت شيخ العربية وحارسها محمود محمد شاكر - على لسان الحاج وهبه، وقد برئ منه في العدد الرابع من الجيل، فصار الكلام خالصا لك، وخارجاً من كيسك وحدك - وصفت الشيخ بأنه فظ فظ فظ، وأنه يدور كالثور الهائج يهاجم ويطعن ويسبّ ويلعن. فأتيت بذلك منكراً من القول وزوراً، ولقد أهنت الأمة العربية كلها في شخص علَم كبير من أعلامها، ورأس ضخم من رؤوسها، وهذه الإِهانة لا يُعتذر عنها، ولا تسقط بالتقادم، وقد قال أبو الطيب الصعلوكي - من فقهاء الشافعية في القرن الرابع -: "عقوق الوالدِين يمحوها الاستغفار وعقوق الأستاذِين لا يمحوها شيء".

стр. 610

ولقد كان محمود محمد شاكر أستاذ الأستاذين. فيجب عليك أن تبرأ من هذا الكلام وتخرج من عُهدته، ثم تتوب إلى ربك وتستغفره بعد أن تغسل فمك سبع مرات إحداهن بالتراب، ليطهر من هذه البذاءات التي خرجت منه. وعلى المستوى الشخصي فقد أدميت قلبي، وأوجعت ظهري، فلساني لا يطاوعني أن أقول لك ما يقوله بعض الناس في مثل هذه المواقف: سامحك الله، أو غفر الله لك، ولكني أدعو عليك بأن يُسْخِنَ الله عينَك، وأن يُقَيِّض لك من يكوي منك الرأس والدماغ، ولا يمنعني من الاسترسال في الدعاء عليك إلا حديثه ﷺ : "لا تُبَرِّدوا عن الظالم"، أي لا تشتموه وتدعوا عليه، فتخففوا عنه من عقوبة ذنبه. وقوله لعائشة ﵂ وقد سمعها تدعو على سارقٍ سرقها، فقال: "لا تُسَبِّخي عنه بدعائك عليه"، أي لا تخففي عنه الإِثم الذي استحقه بالسرقة. ولو قام تلاميذ محمود شاكر - وهو كُثُر في الشرق والغرب - بِرَدّ شتائمك عليك وبَسْط ألسنتهم بالسوء فيك، ما كان عليهم لوم ولا تثريب، ولا تجزع ولا تفزع من فعلهم، فأنت البادئ وأنت المعتدي، وقد قال أبو ذؤيب الهذلي: لا تَجْزَعَنْ من سُنَّةٍ أنت سِرْتَهَا ... فأؤَّل راضي سُنَّةٍ من يسيرُها وإذا كنت قد وصفت شيخنا بأنه يدور كالثور الهائج - وهذه عظيمة من العظائم - فإني أنشدك أيضاً لأبي ذؤيب، من القصيدة نفسها: فلا تك كالثور الذي دُفِنَتْ له ... حديدةُ حَتْفٍ ثم ظَلَّ يُثيرها وصدق الله العظيم: ﴿ولمن انتصرف بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾. وتبقى قضية لا بدَ من الإِشارة إليها وبيان وجه الحق فيها، على سبيل الوجازة والاختصار، وهي قضية (محمود شاكر ولويس عوض)، وآخر ما رايته من ذيولها كلمات قالهن الدكتور ماهر شفيق فريد، وهو كاتب مثقف محتشِد، لكنه أنبأنا الآن انه من مريدي ومحبي الدكتور لويس عوض، ولا بأس ولا نكران، وإن من حقه علينا أن ينشدنا قول أبي ذؤيب الهذلي:

стр. 611

وعيَّرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارُها وقوله: "ظاهر عنك عارها"، أي زائل عنك هذا العار لا يعلق بك. وهذه الكلمات قالها الدكتور ماهر بجريدة الأهالي ٨ من أكتوبر ١٩٩٧ م، في سياق كلام له عن ديوان "أغاني العاشق الأندلسي" لصديقنا الشاعر عبد اللطيف عبد الحليم (أبو همام)، فحين عرض الدكتور ماهر لقصيدة أبي همام عن شيخه وشيخنا أبي فهر في عيد ميلاده الثمانين، فتح أقواساً واستفرغ فيها جهداً بهذا الكلام عن أبي فهر: " لا أستطيع مهما بلغت بي الرغبة في أن أكون منافقاً أن أتظاهر بأني حزنت على رحيل الرجل الذي سبّ لويس عوض العظيم سبّاً قبيحاً". يا دكتور ماهر: حاشاك أن تكون منافقاً، لماذا تركب هذا المركب الصعب؟ قل في محمود شاكر ما تشاء، لكن لا ينبغي أن تكون كراهيتك له من أجل موقف واحد، هو موقفه من لويس عوض! فما يمال لك إلا ما قد قيل للذين من قبلك: لقد غضبتم من محمود شاكر لأنه جرح لويس عوض، ولم تغضبوا من لويس عوض لأنه قتل أمة بأسرها، أو أراد أن يقتلها، فغضبتم من جارح، ولم تغضبوا من قاتل، فكنتم كما قال الفرزدق: أََتغْضَبُ إن أذنا قُتَيْبَة حُزَّتا ... جِهاراً ولم تغضب لقَتْل ابن خازِمِ؟ ومهما يكن من أمر فقد خاض محمود شاكر معركة شرسة مع الدكتور لويس عوض بسبب مقالات هذا في جريدة الأهرام حول "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، وكان لويس عوض قد ذهب إلى أن أبا العلاء قد تأثر بالفكر اليوناني والأدب اليوناني، وأن "رسالة الغفران" تتشابه في كثير من جوانبها مع مسرحية "الضفادع" لأرسطوفانيس، وقد غضب محمود شاكر من هذه المقالات غضباً شديداً، واستخرجت منه آراءه وأفكاره التي طوى عليها صدره رَدَحاً من الزمن، فهبّ يدفع مقالات لويس عوض، ثم استطرد إلى فتن أخرى كثيرة، تريد أن تغتال تاريخ الأمة اغتيالاً، ومنها: قضية الدعوة إلى العامية في مصر. وقد أودع ذلك كله كتابه الدامغ "أباطيل وأسمار".

стр. 612

ولأن الدكتور لويس عوض مسيحي، فقد بدا لبعض الناس - ومنهم الأستاذ نسيم مجلى - أن يضعوا الفضية في إطار التصادم الإِسلامي المسيحي، ثم تصوير لويس عوض بأنه الديمقراطي الحر المعتدى عليه، وأن محمود شاكر مثال صارخ للتراثي المتخلف المتعصب لحد النخاع، وأنه انتهز فرصة لويس عوض ليوجه ضربة قاصمة لتيار الحداثة في الأدب والفن والفكر، وهو التيار المرتبط بالمفاهيم العقلانية والثقافة الغربية العصرية، لصالح التيار السلفي التقليدي أو الأصولي - هكذا قال صديقنا نسيم مجلى في كتابه: صدام الأصالة والمعاصرة ص ١٠، وكان قد قال من قبل في ص ٨: "إن شاكر يفسّر الثقافة والتاريخ من خلال منظور ضيق جدّا، هو المنظور الديني فقط، بحيث ينعكس على رؤيته لكل إبداعاتنا الأدبية والنقدية الحديثة". وكنت قد نقلت من قبل كلمة الأستاذ سمير غريب، أن ما قاله محمود شاكر في الفن الفرعوني "يمكن أن يستند إليه المتطرفون دينيّاً". وهذا كله باطل من القول يأخذ بعضه برقاب بعض، فمحمود شاكر لم يكن يوما متطرفاً، ولا محارباً للعقل، وإنما هو رجل مؤمن بتاريخ أمته، وفيٌّ لثقافتها، مدرك لعبقريتها، يسوؤه ما تردّت فيه من أسباب الضعف والتفكك، وفي سبيل دفاعه عن تاريخ أمته وعلومها ومعارفها خاض معارك كثيرة، وقد خاضها وحده غير متحيز إلى فئة ولا منتصر بجماعة، ولم يكن من بين من حاربهم إلاَّ مسيحيٌٌّ واحد، هو لويس عوض، ومن وراء لويس عوض كان من الذين صارعهم محمود شاكر واشتد في حربهم: طه حسين وعبد العزيز فهمي وسيد قطب، بل إن موقفه العنيف من الشيخ حسن البنا وجماعة الإِخوان المسلمين معروف مذكور، وكان عنيفاً جداً مع حسن البنا وجماعته، وهو ما كان يأخذه عليه كثير من المسلمين، وما أريد أن استطرد في هذه القضية فلها مكان آخر، غير أني أريد أن أنبه الأستاذ نسيم مجلى ومن يَلُفُّ لَفَّه إلى نقطة يبدو أنها غائبة تماماً عن نسيم مجلى؛ لأنه حديث عهد بمعرفة محمود شاكر، فأقول: يا أستاذ نسيم: إن صلة محمود شاكر بالأدباء والمفكرين المسيحيين قديمة

стр. 613

جداً، ومتينة جدا، وإن بينه وبين كثير منهم مودة وصفاء. ومن أقدمهم في حياة محمود شاكر: الطبيب عالم النبات والحيوان الفريق أمين باشا المعلوف، يقول محمود شاكر في وصفه: "دخل علينا رجل عظيم القدر، كنت أحبه ويحبني كان يومئذ شيخاً فوق الستين، وكنت أتوهمه فوق السبعين، كان ذكي العينين باسم الثغر"، ثم ذكر فضله عليه وإطلاعه إياه على نسخة من ديوان المتنبي بشرح اليازجي، وعلى هوامشها فوائد جليلة - لاحظ أن محمود شاكر في هذا الوقت كان فتى في السادسة والعشرين من عمره. انظر كتابه: المتنبي ص ٤٣. ومنهم فؤاد صرُّوف ويعقوب صرُُّوف، صاحبا المقتطف، وقد افردا له عددًَ خاصاً من المقتطف، نشر فيه كتابه الرائد عن المتنبي (يناير ١٩٣٦). ويقول محمود شاكر في بيان قصة تأليفه كتابه عن المتنبي: "والفضل في الذي بلغته مردود كله إلى أخي وصديقي الذي لا أنساه الأستاذ فؤاد صروف، أطال الله بقاءه". ثم شفيق ونجيب متري، أصحاب دار المعارف، وقد اختار مطبعتهم لطبع الستة عشر جزءاً من تفسير الطبري، الذي هو من أبرز أعماله التحقيقية. ثم الأديب الكبير عادل الغضبان، الذي يقول عن محمود شاكر، في آخر قصيدة القوس العذراء: "التقى صديقنا رفيق الصبا وخِدن الشباب الأستاذ محمود محمد شاكر بصاحب دار المعارف شفيق متري .. وتطرق الحديث بينهما إلى الكلام على العمل وتجويده ... "، ويخاطب محمود شاكر عادل الغضبان في آخر "القوس العذراء"، ولم يُسَمِّه، ولكنه ذكر لي أن المقصود هو عادل الغضبان، يقول له: "ولكنك بعثت كوامن نفسي منذ رايتك، فتوسَّمت وجهك وعرفت فيه شيئاً أخطأته في وجوه كثير من أهل زماننا". ومن فضلاء المسيحيين الذين كان يحبهم محمود شاكر ويوسع لهم في مجلسه صديقنا الأديب المؤرخ الودود الأستاذ وديع فلسطين. أما صديقه الأثير من الأحباب المسيحيين، في الأعوام الأخيرة فكان العلامة الدكتور مجدي وهبه عضو مجمع اللغة العربية، وكان محمود شاكر كَلِفاً به، محباً له، وكان يختار مجلسه بجواره في الاجتماعات الأسبوعية لمجمع اللغة العربية، ثم

стр. 614

كان مجدي وهبه يدعوه كثيراً إلى "عزبته" لشيء من الراحة والاستجمام. وقد كتب عن كتاب محمود شاكر "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" مقالة جيدة بالإِنجليزية، ترجمها صديقنا المرحوم زهير علي شاكر ابن أخي الشيخ، باسم: "غضب مرتقب". ومن وراء ذلك فقد حدثني محمود شاكر أن صديقه القديم توفيق دُوس باشا هو الذي عرَّفه بأم كلثوم. ومن طريف صلة شيخنا بالأصدقاء المسيحيين: ما حدثني به هو -برَّد الله مضجعه - قال: كانت لنا جارة مسيحية فاضلة جداً، وكان من عادتها أنها تزور السيد البدوي بطنطا، فكنت إذا ذكرت لها أنَّ السيِّد البدوي هذا خرافة تغضب جداً، وتثور ثورة شديدة. وشيء آخر: كان من حضور موائد محمود شاكر، وبخاصة إفطار يوم عيد الأضحى، على خروف العيد: الأستاذ أنور، وهو مسيحي فاضل جداً، مدرس بمدرسة الطبري، وكان الشيخ يحبه كثيراً. فأي عصبية دينية؟ اتقوا الله يا قوم، وارْبَعوا على أنفسكم، ولا تعزفوا على هذه النغمة النشاز - نغمة الإِسلام والمسيحية - فإنها نغمة غليظة تؤذي السمع وتصُكّه صكّا، ثم هي بعد ذلك "حجةٌ لاجئ إليها اللئام". كما قال المتنبي. ثم إنه من البلاهة والغباء والحمق أن يظن ظان أن محمود شاكر ومن حوله قوم من الدراويش قد لبسوا الخِرَق والمرقَّعات، وقد طالت لِحاهم، وطوِّقت المسابح الضخمة أعناقهم، وتناثر الزَّبَد على أشداقهم، وقد داروا في حلقة ذكر حول الكتب الصفراء، يتعبدون بأصحابها ويحرقون لها البخور، وقد صمُّوا آذانهم وأغمضوا أعينهم عن كل ما يدور في عصرهم! هل تعلمون يا قوم من كان يحضر مجلس محمود شاكر بصفة دائمة؟ ثم من كان يحبه ويجلُى: يحيى حقي ومحمود حسن إسماعيل وعلي أدهم وعبد الرحمن صدقي، ومن لا يحصى من الأدباء والشعراء المعاصرين، مثل صلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي ومحمد الفيتوري ورجاء النقاش، ويوسف شوقي أستاذ العلوم

стр. 615

والموسيقى. وكان من ألصق الناس به: يحيى حقي ومحمود وحسن إسماعيل، وكان أثره فيهما واضحا جدّاً، وذكراه في أكثر من موضع، فيقول يحيى حقي في سيرته الذات! ة: "وأثناء عملي بديوان وزارة الخارجية كانت الكتابة بالنسبة لي خاطراً غير تام الأدوات، ولكن عندما توثقت صلتي بالمحقق البحاثة الأستاذ محمود شاكر، وقرأت عليه عدداً من أمهات كتب الأدب العربي القديم ودواوين الشعر، انفتح الطريق أمامى، ومنذ ذلك الحين وأنا شديد الاهتمام باللغة العربية وأسرارها وبيانها وسحرها". أما محمود حسن إسماعيل فقد طالت صحبته وملازمته لمحمود شاكر، وما فتئ يذكر فضله عليه وأثره فيه - ولا يخفى ما كان في محمود حسن إسماعيل من بَأْوٍ وعُجب - وعندما سئل عن أثر محمود شاكر فيه قال: " لا استطيع تحديد أبعاد ما حُزْتُه من صداقتي لمحمود، لقد زَجَّ بي إلى الشعر الجاهلي، وأمالني مع الشعر الأموي، وطوَّح بي مع الشعر العباسي، فأحاطني بلُحْمة الشعر العربي وسُداه جميعاً ... وأستطيع القول إن شعري قبل معرفتي بمحمود كان نبعاً هادئاً فجعله بحراً متلاطماً". هذا وقد كان من محبي محمود شاكر والعارفين قدره: عبد المنعم تليمة وجابر عصفور، وقد شكر صديقه عبد المنعم تليمة في مقدمة تحقيق أسرار البلاغة، وهو الذي حبب إليّ جابر عصفور، وكان يقول في محضر جلسائه: "الولد جابر ده كويس". وفي سرادق عزائه، جلس عبد المنعم تليمة بجوار محمد عمارة، وهكذا كان محمود شاكر يجمع كل الأقطاب، ويفتح كل النوافذ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. رحمك الله يا أبا فهر ونوَّر قبرك، وجعل كل ما قدمته لأمتك، ولتاريخها وللغتها في موازينك يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً، وقطع عنك ألسنة المكذّبين وادعاءات المبطلين، وما أحراك أن تُنشد هؤلاء وهؤلاء قول الشريف الرضي:

стр. 616

وإن مقام مثلي في الأعادي ... مقام البدر الكلاب رمَوني بالعيوب ملفَّقاتٍ ... وقد علموا باني لا أُعابُ وأني لا تُدنِّسني المخازي ... وأني لا يروعِّنس السِّبابُ ولما لم يُلاقوا فيَّ عيباً ... كَسوني من عيوبهم وعابُوا وقد ادَّخرت نَصَّين من كلام محمود شاكر يدينان هذه النابتة التي نبتت في أرض بلادنا وتسمَّت بالجماعات الإسلامية. وهذان النصان يكشفان عن توجه محمود شاكر الفكري وإدانته لطائفة من أبناء دينه، بعيداً عن لويس عوض والمسيحية وسائر ما يدمغه به القوم. يقول ﵁ في مقدمة تحقيق أسرار البلاغة: "بل بلغت الاستهانة مبلغها في الدين، بعدما نشأ ما يُسمُّونه بالجماعات الإسلامية، فيتكلم متكلمهم في القرآن وفى الحديث بألفاظ حفظها عن شيوخه، لا يدري ما هي، ولا يرد بل يكذب أحاديث البخاري ومسلم بأنها من أحاديث الآحاد، بجرأة وغطرسة! بل جاء بعدهم أطفال الجماعات الإسلامية، فيقول في القرآن والحديث والفقه بما شاء هو، ويرد ما قاله مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل، ويقول: نحن رجال وهم رجال! بل تعدى ذلك إلى صحابة رسول الله ﷺ بهذا اللفظ نفسه، فيقول: نحن رجال وهم رجال! أي بلاء حدث في زماننا هذا؟ إنما هو وباء الاستهانة بكل شيء، وباء تفشى في مصر، بل تجاوزها، ورحم الله أبا العلاء المعري، وذكر وباءٌ نزل بمصر وغيرها فقال: ما خَصَّ مصراً وَبَأٌ وحدَها ... بل كائنٌ في كلِّ أرضٍ وَبأْ انطفأ سراج العلم، وسراج الخُلُق، وبقيت العقول في ظلمات بعضها فوق بعض. أيُّ نكبة نزلت بعلوم هذه الأمة العربية الإسلامية على يد الصغار في حقيقتهم، الكبار في مراتبهم التي أنزلتهم إياها تصاريف الزمان، فأطلقوا ألسنتهم في مواريث أربعة عشر قرناً، بالاستهانة والقدح والازدراء".

стр. 617

وبعد: فلئن كان الأستاذ حسين أحمد أمين قد أغضبنا في أول الأمر، فإننا نشكره في آخره؛ لأنه فتح لنا أبواباً من القول، كشفت شيئاً من منهج شيخنا محمود محمد شاكر، ﵀. ولازلنا ننتظر من الأستاذ حسين أن يبرأ من ذلك الكلام الذي قاله في حق شيخنا، ويعتذر عنه، وساعتها سنفرح ببراءة ساحته وخلوّ ذِمَّته؛ لأننا لا نحب أن نطوي صدورنا على مَوْجِدَة لأحد. والحمد لله الذي لا موهبة إلاَّ منه، ولا بلوى إلا بقضائه، ولا مفزع إلا إليه، ولا يُسر إلا فيما يسره، ولا مصلحة إلا فيما قدره، له الحكم وإليه المصير، يحكم بين عبادة وهو اللطيف الخبير. وصلى الله على سيدنا محمد رسوله المبعوث، إلى الوارث والموروث. * * *

стр. 618

القرآن الكريم .. وتفسير العوام (١) مع هلال رمضان من كل عام تنبعث ذكرى أعظم حادثة في تاريخ البشر، وأكبر شأن من شؤون المسلمين، وهو القرآن الكريم الذي نزل به جبريل الأمين على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي أمر بأن يبلغه الناس ويتلوه عليهم، وأمرت الأمة الإسلامية أيضاً بتلاوته وتدبر آياته، قال تعالى: ﴿* يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال عز من قائل: ﴿واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك﴾ [الكهف: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال رسول الله ﷺ : "يا أهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار"، فضائل القرآن لأبي عبيد ١/ ٢٥٦، ومعنى "لا توسدوا القرآن" أي داوموا قراءته، وحافظوا عليه، ولا تناموا الليل عن قراءته، فيكون القرآن متوسداً معكم، وهو من الوسادة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٨٣، وقال تقدست أسماؤه: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ [ص: ٢٩]. وتدبر القرآن لا يكون إلا بمعرفته وجوه تفسيره، والكشف عن مراد الله وفق طاقة البشر. ومن هنا كان لعلم تفسير القرآن منزلة عالية، ثم كان للقائم عليه والمعني به مكانة سامية، روي أن علي بن أبي طالب ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال رجل: جعلت فداك، تصف جابراً بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى: ﴿إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معادٍ﴾ [القصص: ٨٥].

стр. 619

وقال مجاهد: أحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل، وقال الحسن البصري: والله ما أنزل الله آية إلا أحب أن يعلم فيما أنزلت وما يعنى بها، وقال عكرمة في قوله : ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله﴾ [النساء: ١٠٠]، يقول عكرمة: طلبت اسم هذا الرجل الذي خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، أربع عشرة سنة حتى وجدته. وقال ابن عبد البر: هو ضمرة بن حبيب. وقال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرأون وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلاً وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب. وقال النبي ﷺ : "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة". انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية ١/ ٢٦. فقه التفسير: وقد أوحى الله إلى نبيه المصطفى، القرآن ومعانيه، فكان ﵇ يفهم القرآن جملة وتفصيلاً، ليبينه للناس، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفهمون القرآن كذلك، لأنه نزل بلغتهم، وما خفي عليهم منه كشفه لهم رسول الله ﷺ ، وهم مع ذلك كانوا يتفاوتون في الفهم، وذلك رزق الله المقسَّم على خلقه، قال ابن قتيبة: إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إنَّ بعضها يفضل بعضاً، ولذلك فقد اشتهر بعض الصحابة بفقه التفسير، كان من أبرزهم عبد الله بن عباس؛ وذلك لأن رسول الله ﷺ دعا له فقال: "اللهم علّمه التأويل وفقهه فى الدين"، والتأويل: هو التفسير، انظر معناه وتخريجه في: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ٩٩. وللتفسير أدوات وشروط، ينبغي على من يتصدى له جمعها والتزامها، يقول الزركشي: "التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو

стр. 620

والتصريف، وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ"، البرهان في علوم القرآن ١/ ١٣. وقد حذر رسول الله ﷺ من الجرأة على تفسير كلام الله بغير علم، فقال فيما رواه ابن عباس: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" حسَّنه وصححه الترمذي. انظر: عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ١١/ ٦٧ (أبواب التفسير)، وكذلك أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٤٩٦. ولعلَّ هذا التحذير من المنَّزل عليه ﷺ هو الذي خوف بعض كبار الصحابة من تفسير ما لم يعرفوه من كتاب ربهم ، فقد روي أن أبا بكر الصديق سئل عن تفسير الفاكهة والأب، في قوله تعالى: ﴿وفاكهة وأبا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم". وكذلك روي عن عمر أنه قرأ هذه الآية على المنبر، ثم قال: "كل هذا عرفناه فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده، فقال: هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك ألا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه"، انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ٦/ ٣١٧، وكان الأصمعي مع تبحره في اللغة وسعته في الرواية يحتمي تفسير القرآن وإعرابه. وهذا التوقف والحذر من هذا النفر الكريم إنما كان فيما لم يعملوه، بدليل قول أبي بكر: "إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم"، وبدليل أنه قد تكلم في أحكام الشرع والدين بما علم. قال نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى ٧١٦ هـ: "وأما الأصمعي ﵀ فإن كان احتماؤه للكلام فيه بما لا يعلم فهو في غاية التوفيق والصواب؛ لأن كلامه إذن فيه يحرم، وإن كان مع العلم، فذلك إما جمود وجبن، وإما خروج إلى السلامة واكتفاء بمن تكلم فيه قبله وفي عصره من الأئمة الذين هم حجة عليه وله"، انظر: الإكسير في علم التفسير ص ١٠. وقول الطوفي: "وإما خروج إلى السلامة"، وهو ما نقوله الآن في أيامنا: "الهروب من تحمل المسؤولية"، فانظر إلى حلاوة كلامهم وركاكة كلامنا!

стр. 621

غاية دينية: ومع ذلك التوقي والحذر، فقد رأى علماء السلف من التابعين، ومن بعدهم، أنه من الواجب عليهم أن ينهضوا لتفسير كلام الله، بعد أن أخذوا له أخذه، وأعدوا له عدته، من تأمل الكتاب الكريم كله، ورد بعضه إلى بعض، ثم النظر فيما انتهى إليهم من أحاديث رسول الله ﷺ وسننه القولية والفعلية، وما هدي إليه كبار الصحابة من تفسير وتأويل. وقد أعان هؤلاء السلف أيضاً ما قام به جامعو اللغة ورواة الشعر، مما وضع أمامهم زاداً وفيراً من الألفاظ والتراكيب والمعاني، فتمت لهم أدوات التفسير والتأويل والبيان. وكان وراء هذا الذي قام به علماء السلف غاية دينية، هي حفظ ذلك الكتاب العزيز من أن تتناوله أيدي الجهلة وأصحاب الأهواء والملل والنحل، وبخاصة أن الأمة الإسلامية كانت قد انفتحت في ذلك الزمان على ثقافات ومعتقدات الأمم الأخرى، يؤنس بهذا ما ذكره العلامة الطوفي، في الموضع المذكور من كتابه، قال: "لعل علماء السلف ﵏ رأوا أن الكلام في القرآن متعين عليهم، وأنهم أولى به ممت أتى بعدهم، لقربهم من التنزيل ومعرفة التأويل، فيكون ورعهم وزهدهم وخشيتهم هي الحاملة لهم على الكلام فيه، خشية أن يدرس من علم شريعة الله ودينه ما لا يمكن تداركه، ورأوا أن الخطأ عنهم في ذلك موضوع (أي مرفوع معفو عنه) كالأحكام الفرعية الاجتهادية، وذلك كما حكي عن موسى بن عقبة، لما رأى ما دخل على مغازي النبي ﷺ ، من الزيادة والنقص، جمع ما صح عنده من المغازي ليحرسها بذلك من الكذب". وهكذا ندفع علماء هذه الأمة يوماً بعد يوم في استثارة كنوز هذا الكتاب الحكيم، وكشفها والإبانة عنها، بل إن علوماً بأكملها قامت ابتداء لخدمة ذلك الكتاب العزيز، ثم صارت بعد ذلك علوماً مستقلة، لها مناهجها وأدواتها وغاياتها، مثل النحو وإعجاز القرآن الذي صار أساساً لعلوم البلاغة. ومن هنا أصبح علم التفسير جامعاً لعلوم العربية كلها، وقد سبق تعريف الزركشي لعلم التفسير، والعلوم

стр. 622

المطوية تحت جناحه، وقد جاءت كتب التفسير كلها بعد ذلك دائرة في فلك علوم العربية كلها، إلا ما قد يكون عند مصنفي التفسير من غلبة فن على فن، فالطبري يغلب عليه الاهتمام بالآثار وتفسير القرآن في ضوئها، والزمخشري يميل إلى البلاغة، والقرطبي يغلب عليه الاهتمام بالفقه والأحكام، والفخر الرازي يهتم بعلم الكلام وما إليه من العلوم العقلية، والواحدي يغلب عليه الغريب -أي علم الغريب في القرآن، من حيث اللغة- والثعلبي يحتفل بالقصص. وبذلت لم يحظ كتاب سماوي بمثل ما حظي به هذا الذي أنزل على محمد ﷺ ، من التأليف من لغته ونحوه وبلاغته وقراءاته وأشباهه ونظائره وناسخه ومنسوخه وفضائله، سيل متدافع من الكتب: طوالها وأواسطها ومختصراتها، بحيث أصبح من السهل اليسير على من يريد معرفة معنى لفظ من ألفاظ القرآن الكريم، أو معنى عام منه، أو حكم من أحكامه، أن يجد بغيته من أيسر سبيل، ولم يقصر علماؤنا رضوان الله عليهم في كشف المشكل وإيضاح المبهم. لكن قوماً ضعفت سلائقهم العربية، أو قعدت بهم هممهم فتكاسلوا عن البحث والتفتيش والمراجعة، فسروا بعضاً من القرآن العزيز بآرائهم، ومن عند أنفسهم فضلوا وأضلوا، حين تابعهم الناس على هذه الوجوه من التفسير، وهذه لآفة الآفات. وهذا هو الذي أراده الجاحظ بقوله: "وإنما يؤتي الناس من ترك التثبت وقلة المحاسبة"، انظر: الأوائل للعسكري ١/ ٣٣٣، وهو أيضاً ما قاله الشيخ عبد القاهر: "وتلك جريرة ترك النظر وأخذ الشيء من غير معدنه"، دلائل الإعجاز ص ٣٦١. ويلاحظ أن معظم وجوه الخطأ في تفسير القرآن الكريم تأتي من سرعة الاستشهاد بالآية القرآنية معزولة عن سياقها، منتزعة من أسباب نزولها، مع الغفلة عن وجه الإعراب فيها، إلى أشياء أخرى تظهر إن شاء الله من الأمثلة. ومن العجب أن بعض هذه الوجوه الخاطئة من التفسير قديمة، وقد استمرت إلى يومنا هذا، وهو ما أسميه "تفسير العوام"، وأريد بالعوام هنا: غير أهل العلم، الذين يتحرون الصواب، ولا يقولون إلا بعد المراجعة والمفاتشة والتقصي.

стр. 623

تفسير العلوم: وقد بدا لى أن أجمع قدراً يسيراً من هذه الأوجه الخاطئة أو الضعيفة، وأبين وجه الصواب فيها، أو ما هو الأرجح والأولى منها. وأود أن أنبه إلى أنني أعرضت عما جاء من ذلك في أخبار الحمقى والمغفلين، وما أثر عن الخطباء والوعاظ والقصاص، مما ذكره ابن الجوزي وغيره، ثم مما كان يحفل به الجاحظ، من ذكر غفلات المعلمين والقراء والمفسرين، فإن ذلك باب واسع، ولا تؤمن فيه بواعث الوضع أو التشنيع أو المفاكهة واستخراج الضحك. وأود أيضاً أن أنبه إلى أن هذه النماذج من تفسير العوام، إنما هى من بابين: الباب الأول: ما وقع من بعض الأقدمين واستمر فهمه والعمل به إلى يوم الناس هذا. والباب الثاني: ما رصدته أنا وتتبعته من فهم بعض المعاصرين وتفسيراتهم، وسأرتب ذلك على الآيات بحسب ترتيب السور في المصحف الشريف. وقبل ذلك أحب أن أشير إلى أن بعض خطباء الجمعة في زمننا، وكذلك بعض المتحدثين في إذاعة القرآن الكريم، يتساهلون كثيراً ويجترئون على تفسير كلام الله ، بما تمليه عليهم النظرة العجلى، وكثيراً ما ينساقون وراء خداع الألفاظ، وتوجيه المعاني وفق ما هو متعارف بين الناس الآن من الدلالات الخاطئة. وأمثلة ذلك كثيرة أكتفي منها الآن بمثال واحد موثق باليوم والساعة: في صباح يوم السبت ٢٠ من نوفمبر ١٩٩٨ استمعت في إذاعة القرآن الكريم إلى أحد الدكاترة -وهو رجل فاضل أعرفه- يفسر قوله تعالى: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا تزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ [التوبة: ٥٥]، قال الأستاذ الدكتور: "الزهق في الآية معناه الضجر والسأم والملل"، ثم رأى أن معنى الآية: أنهم إذا كثرت أموالهم وأولادهم انتهوا إلى حالة من الملل والسآمة، وذكر أن ذلك يرجع إلى نظرية قال بها أحد الأساتذة الأمريكيين، وهب نظرية "الاستهلاك الكبير"التي تدفع الناس بعد الشبع والامتلاء (أو الامتلاك -الشك مني أنا ومن

стр. 624

سمعي) إلى ملالة الحياة ومحاولة التخلص منها، وفسر بذلك ظاهرة الانتحار في المجتمع السويدي، وهو مجتمع سعيد جداً؛ لأنه ليست له مشاكل داخلية أو خارجية، ومع ذلك تكثر فيه ظاهرة الانتحار". انتهى كلام الأستاذ الدكتور! فانظر كيف فسر "الزهق"، تفسير العوام، ثم بنى عليه ذلك الكلام. وليس "الزهق" هو الملل، إنما هو البطلان والهلاك والاضمحلال، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الباطل كان زهوقاً﴾ [الإسراء: ٨١]، ومعنى (تزهق أنفسهم) في الآية الكريمة: أي تخرج، قال أبو عبيدة: "أي تخرج وتموت وتهلك" مجاز القرآن ١/ ٢٦٢. وقال القرطبي في تفسيره ٨/ ٦٥: ﴿وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ [التوبة: ٥٥]، نص في أن الله يريد أن يموتوا كافرين. سبق بذلك القضاء"، وقال الطبري في تفسيره ١٤/ ٢٩٧: "وتخرج أنفسهم فيموتوا على كفرهم بالله وجحودهم نبوة نبي الله محمد ﷺ ". وواضح أن الدكتور الفاضل قد ظن أن الهمزة في قول العوام "الزهأ -وأنا زهآن" إنما هي القاف الفصيحة التي تأتي غالباً في لغة المصريين والشوام همزة، مثل: "ألت" مكان: "قلت"، و: "أريب" موضع: "قريب"، ويٌسرف الشوام في ذلك فيقولون: "الموسيئا" بدل: "الموسيقى"، ولا يفعل عوام المصريين ذلك في مثل هذه الكلمة، لأنها من الكلمات الثقافية التي يحافظون على صواب نطقها. وهنا فائدتان: الأولى أن المعجم العربي لم يذكر مادة (زهأ) أصلاً، في أي معنى، أما قولهم: "زُهاء مائة" بمعنى قدر مائة، فأنت تجدها في المعاجم في مادة (زهى) لأنها من زهوت القوم: أي حزرتهم وقدرت عددهم. وهذه الهمزة التي في "زهاء" ليست أصلية، وإنما هي منقلبة عن واو، وأصلها: زهاو، ومثل ذلك: سماء ودعاء ورجاء، فأصلها كلها: سماو ودعاو ورجاو، لأن أفعالها: سموت ودعوت ورجوت. ويقول الصرفيون: تطرفت الواو ألف زائدة فقلبت همزة. الفائدة الثانية: أن قلب القاف همزة عند عوام المصريين ليس وليد اليوم، وإنما هو قديم، وقد وجدت ذلك في ترجمة "جمال الدين يونس بن بدران بن فيروز الحجازي ثم المليجي المصري، المولود سنة (٥٥٠ هـ) والمتوفى (٦٢٣ هـ)،

стр. 625

فقد قال الحافظ الذهبي في ترجمته من سير أعلام النبلاء ٢٢/ ٢٥٧: "وكان شديد الأدمة (أي السمرة) يلثغ بالقاف همزة"، فهل هذه الظاهرة خاصة بذلك الرجل، لقول الذهبي "يلثغ"، أم أنها كانت معروفة عند المصريين؛ ويلاحظ أن الرجل من "مليج"، وهي من قرى المنوفية الآن. وسمعت أستاذاً جامعياً آخر -في حديث إذاعي- يترضى على الصحابة فيقول: "وهم أهل التقوى وأهل المغفرة"، وهذا انتزاع خاطئ من القرآن الكريم، فإن عبارة "أهل التقوى وأهل المغفرة" إنما هي في حق المولى ، وذلك قوله تعالى في آخر سورة المدثر: ﴿وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾، قال الزجاج: "أى هو أهل أن يتقى عقابه، وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته" معاني القرآن وإعرابه ٥/ ٢٥٠، وأخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ أنه قال في هذه الآية: "قال الله : أنا أهل أن أتقى، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له"، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ١٢/ ٢٢٩ (أبواب التفسير)، هكذا يكون الكلام، فاتقوا الله يا أساتذة في قرآنكم ودينكم! . وهذا أوان الشروع في المقصود، والله المستعان: يقول الله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، يستشهد الناس بهذه الآية الكريمة عندما يرون أحدهم يقدم على خطر، كأن يعترض سيارة مسرعة، أو يسير بجانب جدار يريد أن ينقض، أو يمر يده على نار مشتعلة، أو يصارع من هو أقوى منه، ونحو ذلك من ألوان المشتقات التي لا طاقة له بها، فيقولون له: حسبك ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، والاستشهاد بالآية لهذه الحالة إرث قديم، وقد تناقلته الألسنة حتى وصل إلينا، والصحيح أن الآية الكريمة نزلت في النفقة في سبيل الله والحض عليها، بتصوير الإمساك والبخل بأنهما هلاك يلقي فيهما الممسك والبخيل نفسه، وصدر الآية وختامها يدلان على ذلك، قال تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾.

стр. 626

ثم إن سبب نزول الآية ينفي هذا التفسير الخاطئ، فقد روي عن أسلم أبي عمران، قال: "كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، صاحب رسول الله ﷺ ، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد بن عامر الجهني، صاحب رسول الله ﷺ ، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ ، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، وصففنا لهم صفاً عظيماً من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلاً، فصاح الناس فقالوا: سبحان الله! ألقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ، فقال: أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله تعالى دينه وكثر ناصريه، قلنا بعضنا لبعض سراً من رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى في كتابه يرد علينا ما هممنا به، فقال: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. انظر: أسباب النزول للواحدي ص ٥١، وسنن أبي داود ٣/ ١٢ (كتاب الجهاد)، والدر المنثور في التفسير بالمأثور ١/ ٢٠٧، هذا وقد ذكر الطبري آثاراً أخرى تدل على أن المراد من الآية ترك النفقة في سبيل الله. راجع تفسيره ٣/ ٥٨٣ - ٥٨٩. يقول الله تعالى: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾ [البقرة: ١٩١]، ويقول تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ [البقرة: ٢١٧]، ويستشهد الناس بهاتين الآيتين فيمن ينقل كلاماً سيئاً من واحد إلى واحد، أو من طائفة إلى طائفة، ليوقع فتنة أو وحشة بينهما، فهي النميمة، والفتنة في اللغة هي المحنة والاختبار والابتلاء. قال الشاعر: وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شراً طويلاً نعم، إن النميمة تفضي إلى الفتنة، ولكن ليست هي هي، فكأن العوام فسروا الفتنة في الآيتين بما تؤول إليه النميمة، لكن هذا ليس دقيقاً، كما أن سبب نزول الآيتين ينفي هذا الفهم والتأويل، وسياق الآية الأولى هكذا: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (١٩٠) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل﴾، فالفتنة في الآية هي الشرك الذي أراده

стр. 627

الكفار من المؤمنين. قال الطبري: "فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركاً بالله من بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يُقتل مقيماً على دينه، متمسكاً عليه، محقاً فيه"، تفسير الطبري ٣/ ٥٦٥. وكذلك تفهم الآية الثانية: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾، في سياقها وسبب نزولها، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قد بعث عبد الله بن جحش وناساً معه من المسلمين إلى المشركين، فقتلوا عمرو بن الخضرمي، وذلك في أول يوم من رجب، فاستنكر المشركون ذلك، وقالوا: ألستم تزعمون أنكم أنكم تحرمون القتال في الشهر الحرام؟ فنزل قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل﴾، يقول: هذا كله أكبر عند الله من الذي استنكرتم، والفتنة التي أنتم مقيمون عليها، يعني الشرك أكبر من القتل، أي من قتل ابن الحضرمي، راجع أسباب النزول ص ٦١، وتفسير مجاهد ص ٢٣٢، وسيرة ابن هشام ١/ ٦٠٤. يقول الله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ البقرة ٢٢٤، يستشهد كثير من الناس بهذه الآية على النهي عن الحلف، وليس الأمر على ذلك، ويظهر ذلك من تمام الآية، ومن معرفة سبب نزولها، وقول أهل التفسير فيها، يقول الله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾، قيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق إذا حلف ألا ينفق على مسطح بن أثاثة، حين خاض في حديث اإفك، ورمى عائشة الطاهرة بالباطل، وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان -وكان زوجه على أخته- ولا يصلح بينهما. وقد روي عن التابعي الجليل إبراهيم النخعي أن المعنى: "لا تحلف ألا تتقي الله، ولا تحلف ألا تبر ولا تعمل خيراً، ولا تحلف ألا تصل، ولا تحلف ألا تصلح بين الناس، ولا تحلف أن تقتل وتقطع"، وقال ابن قدامة في المغني ١٣/ ٤٤٠: "ومعناه لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس"، ولذلك قال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً

стр. 628

منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير"، أخرجه البخاري في أوائل كتاب الأيمان والنذور ٨/ ١٥٩، وانظر: أسباب النزول ص ٧٢، وتفسير الطبري ٤/ ٤٢٢. فالآية لا تنهى عن الحلف والأيمان، كيف والأيمان تطلب، وتدور عليها وبها أحكام كثيرة في الشرع؟ ومع هذا البيان والتوضيح والتصحيح لموضع الاستشهاد من الآية الكريمة، ينبغي أن يكون معلوماً أن الإفراط في الحلف مكروه ومذموم، لأنه يؤدي إلى الكذب، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وأحفظوا أيمانكم﴾ [المائدة: ٨٩]، إن المعنى: بترك الحلف، فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات. راجع تفسير القرطبي ٦/ ٢٨٥. يقول الله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يستشهد كثير من الناس بهذه الآية على أن التقوى طريق وسبب لتعليم الله وتوفيقه لعباده، ويسوون بينها وبين قوله تعالى: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً﴾ [الأنفال: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً (٢) ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، وهذا التفسير غير صحيح، وبدءة ذي بدء، فإن آيتي الأنفال والطلاق مبنيتان على أسلوب الشرط والجزاء، وليس كذلك آية البقرة، فانتفت التسوية، هذا أولاُ. وثانياً: فإن هذا الجزء المتلوّ من الآية إنما هو ختام لآية المداينة: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ... ﴾ الآية، وهي أطول آية في الكتاب العزيز، وقد اشتملت على أحكام في كتابة الدين والإشهاد عليه، والرهن، وقد ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾، أي: واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ويعلمكم الله أحكامه المتضمنة لمصالحكم. وقال الطبري: "يعني بقوله جل ثناؤه (واتقوا الله): وخافوا الله أيها المتداينون في الكتاب والشهود، أن تضاروهم ... ويعني بقوله: (ويعلمكم الله): ويبين لكم الواجب لكم وعليكم"، تفسير الطبري ٦/ ٩٣. وهذا هو التوجيه الصحيح للآية الكريمة، لكن بعضاً من قدامى المفسرين وجهوا الآية على المعنى الذي يشيع عند العوام، ومن هؤلاء القدامى: ابن عطية في

стр. 629

المحرر الوجيز ٢/ ٥٢٠، والقرطبي ٣/ ٤٠٦، وابن كثير ١/ ٥٠٠، لكن المحققين على غير ذلك. قال الزركشي في البرهان ٤/ ١٤٣: "وأما قوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾، فظن بعض الناس أن التقوى سبب التعليم، والمحققون على منع ذلك، لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول ربط الجزاء بالشرط، فلم يقل: "واتقوا الله يعلمكم"، ولا قال: "فيعلمكم الله"، وإنما أتى بواو العطف، وليس فيه ما يقضي أن الأول سبب للثاني، وإنما غايته الاقتران والتلازم، كما يقال: زرني وأزورك، وسلم علينا ونسلم عليك، ونحوه، مما يقتضي اقتران الفعلين والتعارض من الطرفين، كما لو قال عبد لسيده: أعتقني ولك علي ألف، أو قالت المرأة لزوجها: طلقني ولك ألف، فإن ذلك بمنزلة قولها: بألف أو علي ألف، وحينئذ فيكون متى علم الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب لك. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود: ١٢٣]. وقال أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٣٥٤: "ويعلمكم الله: هذه جملة تذكر بنعم الله التي أشرفها التعليم للعلوم، وهي جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع نصب على الحال من الفاعل في (واتقوا) تقديره: واتقوا الله مضموناً لكم التعليم والهداية ... وهذا القول -أعني الحال- ضعيف جداً، لأن المضارع الواقع حالاً لا يدخل عليه واو الحال إلا فيما شذ من نحو: قمت وأصك عينه، ولا ينبغي أن يحمل القرآن على الشذوذ". يقول الله تعالى: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾ [آل عمران: ٧٧]. وهذه آية يضل في فهمها كثير من الناس، وبخاصة تلك الطائفة من المتعصبين الجهلة، يقولون: إن الله نهانا أن نسمع لمن ليس من ديننا، وألا نتبع إلا من هم على ديننا الإسلامي الحنيف، وسياق الآية وسبب نزولها ينفيان ذلك، فالآية السابقة تقول: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب أمنوا بالذى أنزل على الذين أمنوا وجه النهار وأكفروا أخره لعلهم يرجعون (٧٢) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾، فالآية نزلت في اليهود، حيث

стр. 630

قال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به في آخر النهار، ثم قال بعضهم لبعض: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، فكان يهودياً، فالآية تحكي عن مكر اليهود، ومحاولتهم تشكيك المؤمنين في دينهم، ورغبتهم في أن يرجعوهم عن دينهم، ولا تخاطب الآية المؤمنين وتنهاهم عن متابعة غير المسلمين، وانظر: أسباب النزول ص ١٠٤، وتفسير الطبري ٥/ ٥١١. في يوم جمعة وفي أثناء الخطبة اندفع الخطيب يحث المصلين على اصطحاب أطفالهم لحضور الجمعة والجمعات، وأخذ يحشد الأدلة والشواهد، إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]، فكبا كبوة لا ينهض منها، وعثر عثرة يصعب عليه التخلص منها، وذلك أنه رد "الزينة" في هذه الآية إلى أختها في سورة الكهف ٤٦ ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾، ويا بُعد ما بينهما! وقد غفل هذا الخطيب عن سبب نزول تلك الآية، وهو ما روي عن ابن عباس أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول وهي تطول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله فالزينة في سورة الأعراف: هي الثياب، وما وارى العورة، وكذلك تفسر "الزينة" في الآية التي تلي ذلك: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ [الأعراف: ٣٢]، وانظر: أسباب النزول ص ٢٢٢، وتفسير الطبري ١٢/ ٣٨٩. يقول تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر إن قراءن الفجر كان مشهوداً (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]. يخطئ بعض الناس في تفسير "قرآن الفجر" هنا بأنه القرآن الذي يتلى ساعة الفجر، ثم يخطئ بعض المذيعين حين يقدمون التلاوة في ذلك الوقت، فيقولون: قرآن الفجر يتلوه الشيخ فلان. والصحيح أن المراد بقرآن الفجر، هو صلاة الفجر، أي صلاة الصبح، وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها. إذ قراءتها طويلة ومجهور بها. قال القرطبي: "وقد استقر عمل المدينة

стр. 631

-أى عمل أهل المدينة، وعملهم حجة- على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدراً لا يضر بمن خلفه"، تفسير القرطبي ١٠/ ٣٠٥، والدر المنثور ٤/ ١٩٦. وبعد: فهذا قليل من كثير، مما يقع فيه الناس من أوهام وتخليط في تفسير كلام الله ، وقد أمسكت عن ذكر أشياء من هذه البابة لأني رأيتها تحمل صوراً من الهزل والفكاهة، ونحن نُجل كتاب ربنا أن تكون آياته البينات معرضاً للتفكه والمنادمة. ولا يبقى إلا أن نتوجه إلى مشايخنا الخطباء والوعاظ، ثم إلى زملائنا الجامعيين الذين أخذوا ينازعون المشايخ سلطانهم في الوعظ والتذكير، بل والفتيا في دين الله، نتوجه إلى هؤلاء وهؤلاء أن يتقوا الله في كتابه العزيز، ولا يتجرءوا على القول فيه دون حجة أو دليل، وأن يراجعوا الكتب ويستفتوا المراجع، والله يعصمنا وإياهم من الزلل. * * *

стр. 632

علي الجارم ... لغوياً نحوياً (١) الشعر باب العربية، والشعراء الكبار هم أقدر الناس على معرفة أسرار العربية، والوقوف على دقائقها، ثم الحرص عليها والذود عنها، وما كان ذلك إلا لأنهم قرأوا فأكثروا القراءة، وحفظوا فجودوا الحفظ، ولن تجد شاعراً كبيراً إلا ووراءه رصيد ضخم من القراءة المحيطة الجامعة للغة في مجالاتها المختلفة، ويظهر هذا الرصيد فيما يسميه أهل زماننا "المعجم الشعري" للشاعر: حروفاً وأبنية وتراكيب ودلالة. على الجارم "﵀" واحد من كبار الشعراء الحفظة العلماء الضابطين، وكانت هذه سمة الجيل كله، شعراء وناثرين، مع تفاوت يسير بينهم، برزق الله المقسم على خلقه. نعم كان هذا الجيل جيل الجد والتحصيل، جيل لم يرفع عينه عن القراءة، ولم يشغله عنها حديث وثرثرة عن التجربة والإبداع والخلق والمعاناة، فإن من الملاحظ الآن أن الأدباء والشعراء يتكلمون أكثر مما يقرأون، ويستمعون أكثر مما يتأملون، وقد قال ابن قيم الجوزية: "من لم تنفعه عينه لم تنفعه أذنه". وأنت إذا نظرت إلى ما كان بيد ذلك الجيل من الكتاب المطبوع، وجدته شيئاً نزراً قليلاً، ولكن هذا النزر القليل صنع رجالاً، وشاد ثقافة. واليوم كثرت المطبوعات، وقلَّت القراءة. وداعية أخرى إلى العجب: أن الكتاب المطبوع في ذلك الزمان لم يكن معتنى

стр. 633

به، من حيث التحقيق والتوثيق وحسن الإخراج، فلم تكن مناهج تحقيق النصوص قد استقرت، ولم تكن وسائل الطباعة الحديثة قد عُرفت، ومع كل ذلك فقد أقام هذا الكتاب "المطبوع" المحدود، الساذج في إخراجه، حضارة سامقة، أضاءت ديار العرب والإسلام كلها، وما أشبه أدباء ذلك الزمان إلا بتاجر صنع، بيده رأس مال محدود، ولكنه استطاع بلباقته وحسن تأتيه أن يحرك هذا المال المحدود، ويغدو به ويروح، ليصنع منه ثروة ضخمة. كان هذا هو طريق الجارم وأدباء زمانه، أخلصوا أيامهم للقراءة والتحصيل، ووعت ذاكرتهم هذه النغمات الجليلة التي حملها بديع الشعر وكريم النثر، في موروثنا الحافل. وحين تهيأت لهم أدوات القول والإبانة، خالط الطارف التليد، وذاب مال المورث الجامع في مال الوارث الرشيد، أو كما قال صديقنا عبد اللطيف عبد الحليم، عن شاعرنا الجارم: "ويطل على هذا المحفوظ المذخور من عل، فإذا بمحفوظه يتوارى ليبرز كلامه هو". وإذا كانت هذه الكلمة اليوم عن "علي الجارم" اللغوي النحوي؛ فإن ذلك يلتمس من جانبين: الجانب الأول: نشاطه التأليفي والبحثي، من حيث هو معلم للغة العربية، ثم كبير مفتشي اللغة العربية بوزارة المعارف المصرية، ثم من حيث هو عضو مؤسس من أعضاء مجمع اللغة العربية. والجانب الثاني: إبداعه الشعري، من حيث هو شاعر كبير، في شعراء عصره، وشعراء ذلك الزكان كانوا -كما قلت- من اللغة والنحو بمكان مكين. وقبل الحديث عن هذين الجانبين، أود أن أشير إلى شئ من تلك المكانة اللغوية التي اقتعدها الجارم عند علماء عصره، فهذا الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي، وهو محدث العصر، وواحد من مدرية الأفذاذ في تحقيق النصوص ونشرها يذكر أنه كان يلجأ إلى علي بك الجارم، وبعرض عليه عمله في تحقيق كتاب "الرسالة" للشافعي، وكان مما عرضه عليه كلمة "النذارة" وهي مضبوطة في المخطوطة بكسر النون، ولم يرد ذلك في المعاجم المتداولة، ولكن المخطوطة

стр. 634

بقلم الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي، وعليها خطة عام ٢٦٥ هـ وهذا تاريخ مهم جداً في علم المخطوطات. يقول الشيخ أحمد شاكر: "ومن أقوى الأدلة على عنايته بالصحة والضبط، أنه وضع كسرة تحت النون في كلمة "النذارة"، وهي كلمة نادرة لم أجدها في المعاجم إلا في القاموس، ونص على أنها عن الإمام الشافعي. وهي تؤيد ما ذهبت إليه من الثقة بالنسخة، وتدل على أن الربيع كان يتحرى نطق الشافعي ويكتب عنه عن بينة. ومن الطرائف المناسبة هنا أني عرضت هذه الكلمة على أستاذنا الكبير العلاّمة أمير الشعراء على بك الجارم، فيما كنت أعرض عليه من عملي في الكتاب، فقال لي: "كأنك بهذه الكلمة جئت بتوقيع الشافعي على النسخة". وقد صدق حفظه الله". الجارم لغوياً ونحوياً: ثم نعود إلى هذين الجانبين اللذين يُلتمس منهما عناية الجارم باللغة والنحو. ففيما يتصل بالجانب الأول فقد كان لعلي الجارم أثر ظاهر في تأليف الكتاب المدرسي، الذي كان يقدم لطلبة المدارس في المرحلتين: الابتدائية والثانوية، ومن خلاله يتعلمون النحو والبلاغة والأدب. فكانت هذه الكتب التي اشترك في تأليفها مع نفر من كبار علماء عصره: المجمل في الأدب العربي، والمفصل في الأدب العربي، والبلاغة الواضحة، ثم ذلك الكتاب الجهير الصوت، الذائع الصيت "النحو الواضح": "وهي كتب بارعة في الشرح والتوضيح، وفي تقريب النحو وتيسيره، وقد أراحت مئات من المعلمين، ويسرت على ألوف من المتعلمين، وأزاحت عن هذا العلم سحباً من النفور والكراهية كانت تحيط به وتصد المتعلمين، ثم شاعت في البلاد العربية، وصارت كالمنهاج لتعليم النحو، وأحدث أسلوبها في الشرح والتأليف مدرسة، أخذ المعلمون يتبعونها ويؤلفون على مثالها، محاكين أو مقلدين. والكتاب لمدرسي في ذلك الزمان كان يقوم عليه كبار الأدباء والشعراء،

стр. 635

أمثال: حفني بك ناصف، والشيخ أحمد الإسكندري، والشيخ مصطفى طموم، وأحمد بك العوامري، فكان ذلك الكتاب مهاباً جليل القدر، وكان يُنظر إليه بتوقير شديد، على غير ما نراه الآن من النظر إلى الكتاب المدرسي نظرة استخفاف وازدراء، بل إن هذا الوصف "كتاب مدرسي" قد صار مجلبة للتنقص وطريقاً إلى المعابة، وآية ذلك أنه لا يحسب في موازين الأستاذ الجامعي، فلا يؤخذ في ترقية، ولا يقدم إلى جائزة، ولا شك أن الذي كره إلى الناس ذلك "الكتاب المدرسي" أنه يتخذ الآن سبيلاً للتربح وجمع المال. وفي طريق الكتاب المدرسي قام الجارم بعمل جليل آخر، هو تقديم عيون التراث إلى النشء الصغار من تلاميذ المدارس، ومن ذلك تلك الطبعة من "البخلاء" للجاحظ، التي أخرجها مشتركاً مع أحمد العوامري، ثم كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية" لابن الطقطقي، مشتركاً مع الجغرافي الكبير محمد عوض إبراهيم، وكناب "المكافأة وحسن العقبى" لأحمد بن يوسف الكاتب، مشتركاً مع أحمد أمين، وكتاب "تهذيب الأخلاق" لمسكويه، مشتركاً مع نفر من كبار الأساتذة، فأنظر ماذا كان يقدم لطلبة المدارس في تلك الأيام؟ فهذا هو الشطر الأول من أثر على الجارم، في التأليف اللغوي والنحوي، سقته على سبيل الوجازة والاختصار. أما الشطر الثاني منه فمجلاه نشاطه في مجمع اللغة العربية ولجانه. وقد كان الجارم أحد الأعضاء المؤسسين للمجمع، واشترك في لجانه كلها، فرسخ تقاليد مجمعية لازالت باقية إلى الآن، وملأ اللجان باقتراحاته ومناقشاته، مما هو مذكور ومسطور في مجلة المجمع ومحاضره. ومن بحوثه واقتراحاته: الترادف -طرق تكميل المواد اللغوية- المصادر التي لا أفعال لها -وضع قواعد جديدة يستعان بها في اشتقاق الأفعال من الجامد- بحث في فعيل بمعنى مفعول وبمعنى قابل للفعل -الجملة الفعلية أساس التعبير في اللغة العربية- الوضع
следующие страницы →