Полный текст (201 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقَوْلُهُ:
تُضِيْءُ الظَّلامَ بالعِشَاءِ كَأَنَّها ... مَنَارَةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ
وإنَّما قالَ بالعِشَاءِ؛ لأنَّ الظُّلْمَةُ تَكُونُ أَشَدَّ، لِغُيوبَةِ الشَّمْسِ، ووَصَفَ الرَّاهِبَ بالتَّبَتُّل؛ لِدوامِ النُّورِ عنِدْهَ؛ ُ يَعْنِي: أَنَّ نُوْرَ هذِهِ المَرْأَةِ لازِمٌ دائِمٌ لَيْسَ عَارِضاً فَيُفَارِقُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَه ... البيت
لأنَّ مَوْجَ البَحْرِ كثيرٌ مُوحِشٌ، مُتَتَابِعٌ لا يَفْرُغُ، ومِنْ ذلكَ المَثَلُ السَّائِرُ، أَنَّ بَعْضَهُم عَدَّ مَوْجَ البَحْر فَغَلِطَ فَقَالَ: «بِنْعُود مِنَ الأَوَّل». فَشَبَّهَ اللَّيْلَ بهِ في هذهِ الأَوْصَافِ، ثُمَّ استَعارَ لَهُ الصُّلْبَ
стр. 107
ورَشَّحَهُ بالتَّمَامِ، والأَعْجَازَ ورَشَّحَها بالإِردافِ، والكَلْكَلَ وهو الصَّدْرُ، ورَشَّحَهُ بالنَّوْءِ، وهو النُّهَوضُ مُتَثَاقِلاً في قَوْلِهِ:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وأَرْدفَ أَعجازاً، ونَاءَ بَكَلْكَلِ
مَعَ أنَّ العَجُزَ والصَّدْرَ مُتَقابِلانِ، ولا نَعْلَمُ أَحْسَنَ مِنْ هذا التَّصَرُّفِ في الاستِعارَةِ، وإنْ أُلحِقَ بهِ شَيْءٌ مِنَ الاستِعاراتِ الشِّعْرِيَّة، فَقَوْلُ أَبي ذُؤَيبٍ:
وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَها ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لا تَنْفَعُ
стр. 108
وما كانَ مِنْ نَحْوِ ذلِكَ قَوْلُهُ:
فيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأَنَّ نُجومَهُ ... بِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
شَبَّهَ رُكَودَ النُّجومِ بِرَبْطِها بالحِبَالِ القَويَّةِ إلى الجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مبالَغَةٌ في المَقْصُودِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها ... بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلِ
فِيْهِ اسْتِعارَتَانِ، إحداهُمَا قَوْلُهُ: «قَيْدِ الأَوابِدِ»؛ أيْ: يَمْنَعُها مِنَ الهَرَبِ بِلُحُوقِهِ بها، فكأنَّهُ قَيْدٌ لَهَا، وهو مِنْ إِبْداعاتِهِ.
стр. 109
والثانية: قَوْلُهُ: «هَيْكَلِ»، شَبَّهَ الفَرَسَ بالهَيْكَلِ، وهو البِنَاءُ العَظِيمُ مِنْ مَعَابِدِ أَهْلِ الكِتَابِ وغَيْرِهِمْ، وتَبِعَهُ النَّاسُ في ذَلِكَ، فَقَالَ البُحْتُرِيُّ:
وأَغَرَّ في الزَّمنِ البَهِيمِ مُحَجَّلاً ... قَدْ جِئْتُ مِنْهُ عَلَى أَغَرَّ مُحَجَّلِ
стр. 110
كالهَيْكَلِ المَبْنِيِّ إلَّا أَنَّهُ ... في الحُسْنِ جاءَ كَصُورَةٍ في الهَيْكَلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
يَعْنِي: الفَرَسَ في جَرْيهِ، وهوَ مِنْ أَبْلَغِ التَّشْبِيْهِ؛ لِأَنَّ في ذَلِكَ شَيْئَيْنِ يَقْتَضِيَانِ السُّرْعَةَ، أحدُهُمَا: انحِطَاطٌ مِنْ عُلوٍّ، والثَّانِي: كَوْنُ السَّيْلِ يَدْفَعُهُ فَيَصِيرُ لَهُ دَافِعٌ طَبِيعِيٌّ وقَسْرِيٌّ. ويُرْوَى لِامْرِئِ القَيْسِ بَيْتَانِ في هذا المَعْنَى في غايَةِ المُبَالَغَةِ، وهُوَ قَوْلُهُ:
قد أَشْهَدُ الغَارَةَ الشَّعْواءَ تَحْمِلُني ... جَرْدَاءُ مَعْرُوقَةُ اللَّحْيَينِ سُرْحُوبُ
كالدَّلْوِ بُتَّتْ عُرَاهَا وهي مُثْقَلَةٌ ... وخَانَها وَذَمٌ مِنْها وتَكْرِيْبُ
стр. 111
شَبَّه سُرْعَةَ فَرَسِهِ بِدَلْوٍ انقَطَعَتْ مِنْ رَأْسِ البِئْرِ مُثْقَلَةً.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
على الذَّيْل جَيَّاشٍ .... البيت
شَبَّهَ هَفِيْفَ الفَرَسِ في جَرْيِهِ بِغَلْي المْرْجَلِ، وهو جَيِّدٌ جِدّاً.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
دَرِيْرٍ كَخُذْرُوفِ الوَلِيْد ... البيت
دَرِيْرٌ: مِنْ دَرَّ اللَّبَنُ، إذا سَالَ بِسُرْعَةٍ وكَثْرَةٍ. وخُذْرُوفُ الوَلِيْدِ: خَشَبَةٌ عَرْضُ إصْبَعَيْنِ في طُولِ شِبْرٍ، يُثْقَبُ رَأْسُهَا، ويُجْعَلُ فيهِ خَيْطٌ
стр. 112
طَوِيْلٌ ثُمَّ يُدِيْرُها ويُصِيْبُ بها الأَرْضَ، فَيَجيءُ لها صَوْتٌ بِسُرْعَةٍ، وحِكَايَةُ صَوْتِها خَرْخَرْ؛ ولِذلكَ تُسَمَّى الخَرَّارَةُ، وهذه صُورَتُها:
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لَهُ أَيْطلا ظَبْيٍ ..... البيت
استَعَارَ لِفَرَسِهِ هذِهِ الأَعْضَاءَ والأَفْعالَ مِنْ هذِه الحيواناتِ، وهي أَحْسَنُ ما تَكُونُ فيها، والسِّرْحاُن: الذِّئْبُ، وإرخاؤُهُ: مَدُّ عُنُقِهِ مُسْتَرسِلاً، والتَّنْفُلُ: وَلَدُ الثَّعْلَبِ، وتَقْرِيْبُهُ: جَمْعُ يَدَيْهِ ووَثْبُهُ.
стр. 113
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كأن سَرَاتَهُ لدى البَيْتِ قائماً ... مَدَاكُ عَرُوسٍ ... البيت
أَيْ: كَأَنَّ ظَهْرَهُ لانْجِرارِهِ، مَداكُ عَروسٍ؛ وهي الحَجَرُ الذي يُدَقُّ بهِ العِطْرُ، فهو أمْلَسُ مُنْجَرِدٌ، وجَعَلَهُ لِلْعَروسِ؛ لِأَنَّه أكْثرُ استِعمالاً؛ لاحْتِيَاجِها إلى التَّعطُّرِ كَثِيْراً، فهو شَبِيْهٌ بِقَولِ ذِي الرُّمَّةِ:
ووَجْهٌ كمرآةِ الغَريْبَةِ أَسْجَحُ
لِأَنَّ الغَرِيْبَةَ لَيْسَ لهَا مَنْ يُصْلِحُ شَأْنَها، فَتحتَاجُ إلى أنْ تكونَ مِرْآتُها [أَكْثَرَ] استِصْقالاً.
وهذا البَيْتُ مُقَرِّرٌ لِقَوْلِهِ: «بِمُنْجَرِدٍ، في أَوَّلِ وَصْفِهِ، فَهُنَاكَ وَصَفَهُ بِمُطْلَقِ الانجِرادِ، وهَاهُنا بالَغَ فيهِ، و «صَلَايةُ الحَنْظلِ» شَبِيْهٌ
стр. 114
بـ «مَدَاكِ العَرُوسِ» وَهِيَ حَجَرٌ يُفْلَقُ بهِ الحَنْظَلُ، فَيْنَجَرِدُ ويَمْلُسُ، وقِيلَ صَلايَةُ الحَنْظَلِ: لَهَبَتُهُ في اشْتِعالِهِ حِيْنَ تُوْقَدُ بهِ النَّارُ، وَهِيَ تَخْرُجُ مُرْتَفِعةً مُنْتَظِمةً، شَبَّهَ سَراةَ الفَرَسِ بها في ذلكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كأنَّ دِمَاءَ الهادِياتِ بِنَحُرِهِ ... عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ
الهَادِيَاتُ: مُتَقَدِّماتُ الوَحْشِ وسَوَابِقُهُ، شَبَّهَ دِماءَهَا في نَحْرِهِ بالحِنَّاءِ في الشَّيْبِ، وهو مُشْعِرٌ بِأَنَّ الفَرَسَ أَبْيَضُ، لَكِنْ يَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كُمَيْتٌ، وَهُوُ الأَحْمَرُ الذي عُرْفُهُ وذَنَبُهُ أَسْودانِ،
стр. 115
ثُمَّ في ذلكَ وَجْهَانِ، أَحَدُهُما، وهو المَشْهورُ: أَنَّهم كانوا يُلَطِّخونَ نَحْرَ الفَرَسِ بِدَمِ صَيْدِهِ، علامَةً عَلَيْهِ، والثَّانِي، وهو أَحْسَنُ تَخَيُّلاً: أنَّ هذا الفَرَسَ لِشِدَّة جَرْيهِ، وارتِفاعِ وَثْبِهِ، يَقْتَحِمُ الوَحْشَ فَيَرْكَبُهُ، فإذا طَعَنَهُ الفارِسُ، نَضَحَ دَمُهُ على نَحْرِ الفَرَسِ وصَدْرِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعَاجَهُ ... عَذَارَى دَوارٍ في مُلاءٍ مَذَيَّلِ
شَبَّهَ النَّعاجَ مِنَ الظِّباءِ والبَقَرِ بالعَذَارى في المَلاحِفِ؛ كَأَنَّهُ شَبَّهَ جُلُودَها الحاوِيَةَ لِلُحومِهَا بالمُلاءِ، واستِرْسَالَها عَلى أَكارِعِها بالأَذْيَالِ.
стр. 116
ثُمَّ قَالَ:
فأَدْبَرْنَ كالجَزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُ ... بِجِيْدٍ مُعَمٍّ في العَشِيْرةِ مُخْوَلِ
شَبَّهَهُنَّ بذلكَ إشارةً إلى أنَّ فِيهِنَّ سُودَاً وبِيْضاً، فَهُنَّ كالجَزْعِ الجامِعِ بَيْنَ السَّوادِ والبَيَاضِ، وجَعَلَهُ بِجِيْدِ الصَّبِيِّ المُعَمِّ المُخوَلِ؛ أَيْ: الشَّرِيفِ العَمِّ والخَالِ؛ لِأَنَّ قِلادَتَهُ تكونُ أَحْشَمَ، وتَفْصِيلُها أَحْسَنَ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَأَلحقنا بالهادياتِ ... البيت
هذا مِنْ جَيِّدِ الاستِعاراتِ، شَبَّه سَوَابِقَ الوَحْشِ بِهادِي القَوْمِ في الطَّرِيْقِ، لِأَنَّه يَتَقَدَّمُهُمْ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَعْنَاُق الخَيْلِ هَوَادِيْهَا؛ لأَنَّها أَسْبَقُ أَعْضَائِها إلى قُدَّامِها فَكأنَّها تَهْدِي سَائِرَ بَدَنِها.
стр. 117
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَلَمْ يُنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ
أَيْ: لم يَعْرَقْ، استَعَارَ لِلْعَرَقِ نَضْحَ الماءِ والغَسْلَ بِهِ، كَمَا صَرَّحَ بهِ في مَوْضعٍ آخرَ حَيْثُ قالَ:
ولم يُنْضَحْ بِمَاءٍ فَيَعْرَقِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
مَتَى ما تَرَقَّ العَيْنُ فِيْهِ تَسَهَّلِ
إشَارَةً عَجِيْبَةً إلى كَمالِ مَحَاسِنِه؛ أَيْ: لا يُدْرَى لِحُسْنِهِ إلى أَيِّ شَيءٍ تَنْظُرُ مِنْهُ.
وهو كَقَوْلِهِ:
تَصَوَّبُ فيهِ العَيْنُ طَوْرَاً وتَرْتَقِي
стр. 118
وأَظُنُّهُ سَبَقَ في البَاِب الأَوَّلِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وباتَ بِعَيْنِي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَلِ
أَيْ: في عَيْنِي، بِنَاءً عَلَى أَنَّ إدْراكَ المَرْئِي بالانطِباعِ، لا بِاتِّصالِ الشُّعَاعِ، فَاسْتَعارَ نَفْسَ الفَرَسِ لِمثَالِهِ المُنْطَبعِ في العَيْنِ، وهذا المَذْهَبُ هو الصَّحِيحُ الأَكْثَرُ، والعَرَبُ لا يَتَنَبَّهونُ لِتَحْقِيقهِ، غَيْرَ أَنَّ لُغَتَهُمْ وَرَدَتْ مُوافِقَةً لَهُ، وذَلِكَ دَلِيْلُ شَرَفِها وصِحَّتِها، إذْ كانَتْ مُوافِقَةً لِلْفَلْسَفَةِ الصَّحِيْحَةِ، فَتَأَمَّلْ هذِهِ النُّكْتَةَ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيضَهُ ... كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
شَبَّهَ وَمِيْضَ البَرْقِ في السَّحابِ بِلَمْعِ يَدَي المَرْأَةِ إذا أَشارَتْ بِهِما ثُمَّ أَخْفَتْهُمَا، وهو تَشْبِيهٌ جَيِّدٌ جِدّاً، وقَوْلُهُ: «في حَبِيٍّ» وهو بحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ باءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ آخِرَ الحُروفِ مُشَدَّدَةٍ، فَعِيْل، مِنْ حَبَا يَحْبُو، ومَرُّ السَّحَاب: شَبَّهَ سَيْرَهُ في الهواءِ
стр. 119
على فُؤادِهِ بِحَبْوِ الصَّبيِّ، فَعَلى هذا قَوْلُهُ: «في حَبِيٍّ» مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: «أُرِيْكَ وَمِيْضَهُ» لا بِلَمْعِ اليَدَيْنِ، وإِنَّمَا ذَكَرْتُ هذا؛ لِأَنَّ بَعَضُهُم يَقُوْلُ: «في خِبَاءٍ مُكَلَّلِ» بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَمْدُودَةٍ، وهو الخِبَاءُ الَّذي يُسْتَكَنُّ فيهِ، وتَعَلُّقُهُ بِلَمْعِ اليَدَيْنِ، وهو خَطَأٌ، والصَّوابُ ما ذَكَرْنَاهُ، فَإِذَن، تَقْدِيرُهُ: أُرِيْكَ وَمِيضَهُ في حَبِيٍّ مُكَلَّلٍ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يُضِيءُ سَنَاهُ أو مَصَابِيحُ رَاهِبٍ
شَبَّه وَمِيْضَ البَرْقِ في السَّحابِ بِشيَئْينِ، أَحَدُهُما: لَمْعُ اليَدَيْنِ، وقَدْ سَبَقَ. الثَّانِي: مَصَابِيحُ الرَّاهِبِ، شَبَّهَ كُلَّ وَمْضَةٍ مِنْ وَمَضَاتِ البَرْقِ بِمصْبَاحٍ مِنْ مَصَابِيْحِهِ.
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ في صِفَةِ السَّيْلِ:
يَكُبُّ على الأَذْقَان دَوْحُ الكَنَهْبُلِ
стр. 120
لَمَّا اسْتَعارَ الكَبَّ، رَشَّحَه بالأَذْقَانِ، أوْ بِالعَكْسِ، لمَّا استَعَارَ الأَذْقَانَ رَشَّحَهُ بالكَبِّ، وهو في الحُسْنِ شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
فقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... البيت
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَأَنَّ ثَبِيْراً في عرانِيْنِ وَبْلِهِ ... كَبِيْرُ أُنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّل
شَبَّهَ الجَبَلَ في شُمُولِ السَّيْلِ لَهُ بِرَئِيْسِ قَوْمٍ اشتَمَلَ بِكِساءٍ، ويُشْعِرُ قَوْلُهُ، بأنَّ ثَبِيْراً أَعْظَمُ الجِبالِ الَّتِي حَوْلَهُ، حَتَّى يُطابَقُ تَشْبِيهَهُ بِكَبِيرِ أُنَاسٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كأَنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ... مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءَ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
стр. 121
المُجَيْمِر: قِيْلَ: جَبَلٌ، وقيلَ: أَرْضٌ، وفي وجْهِ التَّشْبِيهِ قَولَانِ؛ أحدُهما: أَنَّ السَّيْلَ غَشِيَ هذا المكانَ حَتَّى لم يَبْقَ مِنْ أَعَالِيْهِ إلا مِثْلَ فَلْكَةِ الِمْغزلِ، والثَّانِي: أنَّ الماءَ غَمَرَهُ جَمِيعَهُ حَتَّى صَارَ الغُثَّاءُ على وَجْهِ الماءِ في قُلَّةِ الجَبَلِ، يَدُورُ كَدَوَرانِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ، وهو أَقْرَبُ وأَحْسَنُ مِنْ ظاهِرِ قَوْلِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وأَلْقَى بِصَحراءِ الغَبِيْطِ بَعَاعَهُ ... نُزولَ اليَمَانِيِّ ذي العِيابِ المُحَمَّلِ
شَبَّه إِلْقَاءَ السَّحَابِ ثِقَلَهُ مِنَ الماءِ، بإلقاءِ التَّاجِرِ ثِقَلَهُ مِنَ المَتَاعِ عِنْدَ نُزولِهِ لِلرَّاحَةِ، فلم يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئاً.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
стр. 122
كَأَنَّ مَكَاكِيَّ الجِواءِ غُدَيَّةً ... صُبِحْنَ سُلافَاً مِنْ رَحِيقٍ مُفَلْفَلِ
شَبَّهَ الطَّيرَ بالسُّكارَى، إمَّا لِخَوْفِها مِنَ السَّيْلِ أَنْ يُهْلِكَها، أو لِفَرحِها بِهِ، ونَشَاطِهَا لَهُ، فهي تَصَوَّتُ وتَطْرَبُ، وهذا أَشْبَهُ، والمَكاكِيُّ: جَمْعُ مُكَّاءٍ، وهو نَوْعٌ من الطَّيْرِ يَصْفُرُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كأَنَّ السِّبَاعَ فيه غَرْقَى عَشِيَّةً ... بِأَرْجائِهِ القُصْوَى أَنَابِيشُ عُنْصُلِ
شَبَّهَ السِّباعَ والوَحْشَ الغَرْقَى في السَّيْلِ بأَنَابِيشِ العُنْصُلِ، وهو البَصَلُ البَرِّي ُّالذي تُسَمِّيهِ النَّاسُ بَصَلَ الخِنْزِيرِ؛ لأَنَّه ضاربٌ في الأَرضِ كَثِيْراً، فلا يُقْلَعُ إلا بِحَفرٍ كَثِيْرٍ، يَبِقَى لَهُ على وَجهِ الأرْضِ
стр. 123
تُرابٌ مُجْتَمِعٌ عالٍ، كَجُثَّةِ السَّبُعِ المّيِّتِ، وقَوْلُهُ: «بأَرْجَائِهِ القُصْوَى»؛ أَيْ: بِجَوانِبهِ البَعِيدَةِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَبَها بِمَوْجِهِ حَتَّى انحازَتْ إلى هُنَاكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ألا انعَمْ صَبَاحاً أَيُّها الطَّللُ البَالِي
أَيْ: الخَالِي مِنْ أهْلِهِ، اسْتَعارَ لَهُ البِلَى، وهو فَسادُ الذَّاتِ بِتَلاشِي أجزائِها؛ لأنَّ خُلوَّ المكَانِ مِنْ أهْلِهِ فَسَادٌ، وهذا ضَرْبٌ مِنَ الُمَناقَضَةِ المُسْتَعْمَلةِ في البَيَانِ، وهو أنْ يُقَدِّمَ الشَّاعِرُ كَلاماً ثُمَّ يَنْقُضْهُ، كَمَا قَالَ زُهيرٌ:
стр. 124
قِفْ بِالدِّيارِ الَّتي لَمْ يَعْفُها القِدَمُ
ثُمَّ قالَ:
بَلَى وغَيَّرَها الأَرْواحُ والدِّيَمُ
وكَذَلِكَ هذا قالَ: «ألا انعَمْ صباحاً» ثُمَّ قَالَ: «وهَلْ يَنعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالِي»، دَعَا لَهُ بالنَّعيمِ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَهُ وأَنْكَرَهُ لَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وجِيْداً كَجِيْد الرِّئْمِ لَيْسَ بمِعْطَالِ
وفي الأُولَى: «ولا بِمُعَطَّلِ»، وأصْلُ العُطْلَةُ والعَطَلُ: ذَهَابُ مَنْفَعةِ العُضْوِ وبُطْلانُ فِعْلِهِ، ثُمَّ نَزَّلوا الحَلِيَّ لِلْجِيْدِ مَنْزِلَةَ المَنْفَعَةِ لِلْعُضْوِ إثْبَاتَاً، وبَقيا على طَرِيقِ الاسْتِعارَةِ، ولِذَلِكَ الفَضِيلَةُ للذَّاتِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
стр. 125
بَلَى رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهُوتُ وَلَيْلَةٍ ... بآنِسَةٍ كأَنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
يَعْنِي: الصُّورَةَ المُصَوَّرَةَ والهِيَاكِلَ والبِيْعَ وغَيْرَها، وهو مِنْ أحْسَنِ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ الصُّوَرَ المَذْكُورَةَ على اخْتيارِ المُصَوِّرينَ، فَيَأْتُونَ فيها بِكُلِّ حُسْنٍ وافِرٍ، وَكَمَالٍ باهِرٍ، وإنْ شِئْتَ تَحْقِيقَ هذا، فَانْظُرْ كَنائِسَ النَّصارى، وَلِذَلِكَ قالَ الشَّاعِرُ:
وهَلْ أنتِ إلَّا دُمْيَةٌ في كَنِيْسَةٍ
وقولُهُ:
يُضِيءُ الفِراشَ وَجْهُها لِضَجِيعها ... كمِصْباحِ زَيْتٍ في قَنادِيْلِ ذُبَّالِ
سَبَقَ شَبِيْهُهُ في قَوْلِهِ: «يضيء الظلام بالعِشَاءِ ... البيت».
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كأنَّ على لَبَّاتِها جَمْرَ مُصْطَلٍ ... أَصابَ غَضىً جَزْلاً، وكُفَّ بأجْذالِ
وَهَبَّتْ لَهُ رِيْحٌ بِمُخْتَلِفِ الصُّوى ... صَباً وشَمَالاً في مَنَازِلِ قُفَّالِ
стр. 126
شَبَّهَ حُلِيَّها في حِلَقِها بِجَمْرِ مُصْطَلٍ: وهو المُسْتَدْفِي ونحوُهُ، أَوْقَدَ فيه غَضىً جَزْلاً: وهو الحَطَبُ الغَلِيْظُ؛ لِأَنَّ جَمْرَهُ أْكْبَرُ، وأْكْثَرُ دِفئاً واستِنَارَةً، وجَعَلَ حَوْلَهُ أُصولَ الشَّجَرِ، فهو أحْسَنُ لِمَنْظَرِهِ، وهَبَّتْ لهُ رِيْحَانِ مُخْتَلِفتانِ، تُذْكِيْهِ هذِهِ مِنْ جِهَةٍ، وهذهِ مِنْ جِهَةٍ، فَمِنْ حيثُ نُظِرَ إليهِ وُجِدَ تَمامُ الاستِنَارَةِ. وهذا مِنْ جَيِّدِ التَّشْبِيْهِ.
ومِنْ [ذلكَ] قَوْلُهُ:
لَعُوبٍ تُنَسِّيني إذا قُمْتُ سِرْبالي
كَنَى عَنْ طِيْبِ مُعاشَرَتِها بما هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وهو نِسْيَانُهُ السِّرْبَالَ؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ عَنِ الشَّيْءِ بما هو أَهَمُّ وآثَرُ عِنْدَهُ، وَضْعاً لِلْمُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَدِعْصِ النَّقا يَمْشِي الوَلِيْدانِ فَوْقَهُ
стр. 127
شَبَّهَ جِسْمَها بالكَثِيْبِ الصَّغيرِ مِنَ الرَّمْلِ بِتَلَبُّدِهِ ولِيْنِهِ وسُهُولَتِهِ وحُسْنِ مَنْظَرِهِ، وقد اشْتَهَرَ تَشْبِيْهُ الأَرْدافِ بالكُثْبانِ لذلِكَ، وأمَّا قوْلُهُ: «يَمْشِي الوليدانِ فَوْقَهُ» فأَحْسَنُ ما عِنْدِي فِيْهِ، أنَّ جِسْمَ هَذِهِ المَرْأَةِ كانَ فيه خالٌ وشامٌ مُتفَرِّقٌ، وهو مِمِّا يُسْتَحْسَنُ في الأَجْسَامِ، فشَبَّههُ بآثارِ الوَلِيْدَيْنِ في الكَثِيْبِ؛ لِلَطَافَةِ آثارِهِ، بخِلافِ آثارِ الكَبِيرَيْنِ، وأما تَثْنِيَةُ الوَلِيْدَيْنِ، فَلأَنَّهُ أَخَفُّ مِنَ الجَمْعِ، ولَعَلَّه رَأَى وَلِيدَيْنِ يَلْعَبَانِ على كَثِيْبٍ فَشَبَّهَ بهما تَشبِيهَ عَيانٍ وتأَمُّلٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إذا ما اسْتَحَمَّت كانَ فَضْلُ حَمِيْمِها ... على مَتْنَيْها كالجُمانِ لَدى الجَالِي
شَبَّهَ القَطَراتَ البَاقِيَةَ على جِسْمِها مِنَ الغُسْلِ بالجُمانِ المَجْلُوِّ، وهو قِطَعٌ تُتَّخَذُ مِنَ الفِضَّة ِكاللؤُلُؤِ، وقِيلَ: الحَمِيمُ هو عَرَقُها، وعلى التَّقْدِيرَيْنِ فالتَّشَبيهُ جَيِّدٌ، والأَوَّلُ أجْودُ؛ لأنَّهُ قال: «كانَ فَضْلُ حَمِيمِها»، فَظَاهرٌ أَنَّهُ أرَاد ما ذَكَرْنَا، إذ لا يُقَالُ كانَ فاضِلُ عَرَقِها.
стр. 128
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
نَظَرْتُ إليها والنُّجُومُ كَأَنَّها ... مَصَابِيحُ رهبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ
كانَ المَسِيحيُّونَ في الجَاهِلِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْهُمُ الآنَ، إذ لم يَكُنْ مَعَهُم دِيْنٌ آخرُ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَتِ الدِّياراتُ في البَرِّ وعلى الطُّرُقاتِ كَثِيرَةٌ تَهْتَدِي القُفُولُ بِمَصابِيحِهِم إلى الأَقْطَارِ والجِهاتِ، وتَشْبِيهُ النُّجومِ بها في إنارَتِها ورُكُودِها، وقُرْبِها مِنَ الأَرْضِ في رَأْي العَيْنِ جَيْدٌ جِدّاً.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
سَمَوتُ إليها بَعْدَ ما نَامَ أهْلُها ... سُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالاً على حَالِ
стр. 129
قِيلَ: مَعْنَاهُ: شَيْءٌ بَعْدَ شَيءٍ، وحَبَابُ الماءِ: الطّرائِقُ المُتَكَسِّرةُ فيه كالوَاشْي، والتَّحقيقُ في هذا أنَّ قَوْلَهُ: «سَمَوتُ إليها» يُحْتَمَلُ أنَّهُ بالهِمَّةِ؛ أيْ: سَمَتْ هِمَّتِي إلى زِيَارَتِها والاجْتِمَاعِ بها، فَسَعَيْتُ إليها، فَيكُونُ الَمْعَنى ما سَبَقَ؛ لِأَنَّ الشَّخصَ يَقْطَعُ الطَّريقَ إلى مَنْ يَزُورُهُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْء؛ كَطرائِق المَاءِ تَسْري شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بالبَدَنِ، بِأَنَّ تَسَوَّرَ إليها مَكاناً عَالِياً كَما قَالَ الآخَرُ:
رَبَّهُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها ... لم أَلْقَها أو ارْتَقِي سُلَّما
وَكَمَا فَعَلَ الفَرَزْدَقُ، حَتَّى قِيلَ لَهُ:
стр. 130
تَدَلَّيْتَ تَزْني مِنْ ثَمانِيْنَ قامةً ... ونَكَّبْتَ عَنْ طُرْقِ العُلَى والمكارمِ
فَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ الماءَ إذا جَرَى على الأَرْضِ ارتَفَعَ بَعْضُهُ على بَعْضٍ، طَبَقَةً على طَبَقَةٍ، حَتَّى يَصيرَ لهُ عُمْقٌ، كما أنَّ مُتَسوِّرَ الجِدارِ ونَحْوِهِ يَرْتَفِعُ عَنْ بَسِيْطِ الأَرْضِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَلَمَّا تَنَازَعْنَا الحَدِيثَ واسْمَحَتْ ... هَصَرْتُ بِغُضْنٍ ذي شَمَارِيخَ مَيَّالِ
تَنَازَعْنَا الحَدِيثَ: تَرَاجَعْنَاهُ، وهُوَ مِنْ جَيِّدِ الاسْتِعَارَةِ، واسْتَعَارَ الغُصْنَ لِلْقَدِّ، والشَّمَارِيخَ لَمَا فِيْهِ مِنَ الشَّعْرِ ونَحْوِهِ، كما سَبَقِ مِنْ قَوْلِهِ:
أَثِيْث ٍكَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَصِرْنَا إلى الحُسْنَى وَرَقَّ كلامُنَا ... ورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَوً أيَّ إذْلالِ
قَوْلُهُ: «فَصِرْنَا إلى الحُسْنَى» كِنَايَةً عَنْ سَمَاحِها وتَسَهُّلِها بَعْدَ التَّوَعُّر، «ورَقَّ كَلامُنا»: كنايَةً عَنِ المُغَازَلَةِ وما يَتْبَعُها مِنَ الكَلامِ، «ورُضْتُ»: كِنايةً عَنِ المُداراةِ والمَلَامَةٍ.
стр. 131
[وَمِنْ ذَلِكَ] قَوْلُهُ:
يَغِطُّ غَطِيْطَ البَكْرِ شُدَّ خِنَاقُهُ ... لِيَقْتُلَنِي ... البيت
يَعْنِي: مِنَ الغَيْظِ والغَيْرَةِ، يَظْهَرُ لَهُ عَلَيَّ غَلَيَانٌ وزَمْجَرَةٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوالِ
يَعْنِي: نُصولَ السِّهَامِ، شَبَّهَها بِأَنْيَابِ الغُولِ في رِقَّتِها وحِدَّتِها ونُفُوذِها، والغُولُ: زواني الجِنِّ، يُنَفِّرونَهُنَّ من بَينِهم، فَيَتَخَطَّفْنَ
стр. 132
النَّاسَ في البَرِّ، وقد ذَكَرَ تَأَبَّطَ شَرّاً في شِعْرِهِ أنَّه رَأَى الغُولَ وَقَتَلَها، حَيْثُ قالَ:
بأني قد رَأَيْتُ الغُولَ تَهْوي ... بِسَهْبٍ كالصَّحيفةِ صَحْصَحانِ
فَأَضْرِبُها بلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ... صَرِيْعاً لِلْيَدَيْن وللجِرانِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
طِوالِ المُتونِ والعَرانِيْنِ والقَنَا ... لِطافِ الخُصورِ في تَمامٍ وإكمالِ
стр. 133
كَنَى بالقَنَا عن القُدودِ والقَاماتِ، وهذا البَيْتُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ لَهُ نَظِيْرٌ في حُسْنِهِ وكمالِهِ، وعُذوبَةِ زِحافِهِ.
وَقَوْلُهُ في صِفَةِ الفَرَسِ:
كَأَنَّ مكانَ الرِّدفِ مِنْهُ على رالِ
[والرَّأْلُ] هو فَرْخُ النَّعَامِ، وهو مِنْ جَيِّدِ التَّشْبِيهِ، لِأَنَّ رِدْفَ النَّعامِ مُمْتَلِئٌ مُعْتَدِلٌ مَحْبوكٌ صُلْبٌ أَجْرَدُ، وكُلُّ ذلكَ مَحْمودٌ.
قَوْلُهُ في صِفَتِها أيضاً:
كُمَيْتٍ كأنَّها هِراوةُ مِنْوالِ
وهي الخَشَبَةُ الَّتي يَطْوي عليها الحائِكُ الثَّوبَ، والظَّاهِرُ أَنَّها التي تُسَمَّى النَّوْلَ، شَبَّههَا بها في صَلابَتِها ورَشَاقَتِها.
стр. 134
وقَوْلُهُ في سِرْبِ الوَحْشِ:
وأَكرُعُهُ وَشْيُ البُرودِ مِنَ الخَالِ
أي: ذاتُ خُطوطٍ كالوَشْي، وهو ظَاهرٌ لِمَن يتأمَّلُه في حُمُرِ الوَحْشِ ونَحْوِها، في أَرْجُلِها خُطوطٌ بِيْضٌ وغُبْرٌ، ولَعَلَّ رُؤْبَةَ أَشَارَ إليها بِقَوْلِهِ:
فيها خُطوطٌ مِنْ سَوادٍ وبَلَقْ ... كأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيْعُ البَهَقْ
قَوْلُهُ:
كأَنَّ الصُّوارَ إذ تَجَاهَدْنَ غُدْوَةً ... على جُمُدٍ خَيْلٌ تَجُولُ بِأَجْلَالِ
شَبَّه بَقَرَ الوَحْشِ في حالِ هُروبها بِخَيْلٍ جائِلَةٍ مُجَلَّلَةٍ؛ لأَنَّ الغُبَارَ الَّذي أَثارَتْهُ البَقَرُ عليها كالأجلالِ لِلْخَيْلِ.
قَوْلُهُ:
كأني بِفَتْخَاءِ الجَنَاحَيْنِ لِقْوَةٍ ... صَيُودٍ من العِقبانِ طَأْطَأْتُ شِيْمَالِ
شَبَّهَ فَرَسَهُ بالعُقابِ وانقضاضِهَا علَى الصَّيْدِ، وشِيْمالي: أيْ:
стр. 135
شِمالي إليه، أَشْبَعَ الكَسرَةَ ضَرورَة، فَنَشأتِ اليَاءُـ ونَظَائِرُهُ كَثيٌر، نحو: الدَّراهيْمِ والصَّيارِيْفِ ونِيضَال، وَنَحْوِهِ، واللِّجامُ يَكُونُ في الشّمالِ، فالأرجاءُ لِلْفَرَسِ وأَعْنَانُ رَأْسِها يَكُونُ بِهَا.
قَوْلُهُ:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويَابِساً ... لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالي
استَعْمَلَ هاهنا اللَّفَّ والنَّشْرَ مُرَتَّباً، وتَقْدِيرُهُ: كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً العُنَّابُ، ويابسَاً الحَشَفُ؛ يَعْنِي: عِنْدَ وَكْرِ اللِّقوةِ التي شَبَّهَ بها الفَرَسَ.
قَوْلُهُ:
ونِسْوانٌ قِصارٌ كَهَيْئَةِ الحَجَلِ
стр. 136
الحَجَلُ: طائِرٌ قَصِيرُ الرِّجْلِ والجُثَّةِ، وشَبَّهَ بِهِ النِّسَاءَ في ذِمَالِهِنَّ؛ لِأَنَّ المَحمودَ مِنَ المَرْأَةِ طُولُ القامَةِ في تَمَامٍ وإكمالٍ كما سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ.
قَوْلُهُ:
كأَنَّ دِثاراً حَلَّقَتْ بِلَبُونِهِ ... عُقابُ تَنوفٍ أو عُقَابُ القواعِلِ
[يَعْني] دِثَارَ رَاعِيْهِ، وكانَ قد أُغِيْرَ على إبلِهِ، فَشَبَّه ذَهَابَ المُغِيْرينَ بها باخَتِطافَ العُقْبانِ لَهَا، والقَوَاعِلُ: جِبَالٌ صِغَارٌ بالقَافِ، وتَنَوفٌ: الجَبلُ المُشْرِفُ.
قولُهُ:
عَيْنَاكَ دَمْعُهما سِجالُ ... كأَنَّ شَأْنَيْهِما أَوْشالُ
هذهِ قَصِيْدَةٌ عِدَّتُها سَبْعَةَ عَشرَ بَيْتاً، وفيها تَشْبِيهَاتٌ
стр. 137
عَدِيْدَةٌ ومنها قَوْلُهُ:
مِنْ ذِكْرِ لَيْلَى وأينَ لَيْلَى ... وخَيْرُ ما رُمْتَ ما يُنالُ
وهو مِنْ جَيِّدِ المَثلِ والحِكْمةِ، لكِنَّها لا تُشْبِهُ شِعْرَ امرئِ القَيْس؛ لاضْطِرَابِ وَزْنِها، فَهِيَ شَبِيْهَةٌ بِقَصِيدَةِ عَبيْدِ بْنِ الأَبْرَصِ:
أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِهِ مَلْحُوبُ
وَأَيْضاً لم يَعْرِفْها الأَصمَعِيُّ لِامرِئِ القَيْسِ، فَتَرَكْنَاها، وإن كُنَّا ذَكَرْنَا بَعْضَها فيما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ:
أتَنَكَّرَتْ لَيْلى عَنِ الوَصْلِ ... ونَأَتْ وَرَثَّ معاقِدُ الحَبْلِ
стр. 138
كِنايةً عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، وخَلْفِ الوَعْدِ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ السَّيْفِ:
في مَتْنِهِ كَمَدَبَّةِ النَّمْلِ
شبَّهَ فِرِنْدَهُ في تَجْعِيْدِهِ بِمَدَّبِ النَّمْلِ؛ أَيْ: مَوْضِعِ دَبِيْبِهِ، وهو جَيِّدٌ.
وقَوْلِهِ:
نَظَرَتْ إليكَ بِعَيْنِ جازِئَةٍ ... حَوْرَاءَ حانيةٍ على طِفْلِ
فَلَها مُقَلَّدُها ومُقْلَتُها ... ولَهَا عَلَيْهِ سَراوَةُ الفَضْلِ
أَي: لها جِيْدُ الظَّبيةِ ومُقْلَتُها، وهي أَسْرَى مِنها في ذَلِكَ؛ أيْ: أَفضلُ وأَحْسَنُ، وهذا كلامٌ بالِغٌ في الحُسْنِ والجَزَالَةِ.
قَوْلُهُ:
فالله أَنْجَحُ ما طَلَبْتُ بِهِ ... والبِرُّ خَيْرُ حَقِيبَةِ الرَّحْلِ
هذا مما يَجْرَى مَجْرَى الأَمثالِ، وهو مِنْ أَصْدَقِها وأَحْسَنِها.
стр. 139
قَوْلُهُ:
نَازَعْتُهُ كَأْسَ الصَّبُوحِ
أي: تَناوَلْتُها مِنْهُ، وتَنَاوَلَها مِنِّي، فَأَشْبَهَ التَّنَازعُ، َ فاسْتَعارَهُ لَهُ.
قَوْلُهُ:
إنِّي بِحَبْلِكَ واصِلٌ حَبْلي
هو كنايَةٌ عَنِ المَحَبَّةِ، وتَقَارُبِ القُلُوبِ.
وقَوْلُهُ:
وَبِرِيْشِ نَبْلِكَ رَائِشٌ نَبْلِي
هو كنايةٌ عنِ التَّقَوِّي به والاعتِمادِ عَلَيْهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
стр. 140
وقَوْلُهُ:
...... وما ... نَبَحَتْ كِلابُكِ طارقاً مِثْلي
كِنَايَةً عَنْ وُرُودِهِ عَلَيْها؛ لِأَنَّ الكِلَابَ تَنْبَحُ الوارِدَ على أَهْلِهَا، مَعَ أَنَّه قد صرَّحَ بالمَقْصودِ حَيْثُ قالَ: «طارقاً».
قولُهُ في صِفَةِ الخَيْلِ:
مُسْتَفْرِماتٍ بالحَصَى جَوافِلا
أَيْ: يُطَيِّرَّن الحَصَى إلى فُروجِهِنَّ مِنْ شدَّةِ جَرْيِهَا، تَشْبِيهاً باستِفْرَامِ المَرْأَةِ، وهو جَعْلُ شَيْءٍ ما في فَرْجِها تَضْييقاً لَهُ، جَوَافِلا: مُسْتَجمِعاتٌ في الجَرْي، وفي بَعْضِ كُتُبِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ إلى الحَجَّاجِ يَتَوَعَّدُهُ، يَقُوُل: «يا ابنَ المُسْتَفْرِمَةِ بِعَجَمِ الزَّبِيْبِ».
стр. 141
قَوْلُهُ في صِفَةِ الدَّارِ:
صُمَّ صَدَاها ...........
كِنَايَةً عَنْ خُلُوِّها مِنَ السَّاكِنِ فَمَا عَادَ يُسْمَعُ فِيْهَا صَوْتٌ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ القَتْلَى:
أَرْجُلُهُم كالخَشَبِ الشَّائِلِ
كنايةً عن ارْتفاعِها؛ لانْتِفَاخِها وتَشَنُّجِها وفَسَادِ مِزَاجِها بالقَتْلِ.
قَوْلُهُ:
الحَرْبُ أوَّلُ ما تكونُ فَتِيَّةً ... تَسْعَى بِزِيْنتها لِكُلِّ جَهُولِ
стр. 142
أي: يَغْتَرُّ بها مَنْ لا يَعرِفُها، فَكَنَى عَنْ إقدامِ الجَاهِلِ عليها بِتَزَيُّنِها لَهُ.
قَوْلُهُ:
حَتَّى إذا اسْتَعَرَتْ وشَبَّ ضِرامُها ... صَارَتْ عَجوزاً غَيْرَ ذاتِ خَلِيْلِ
هو كنايَةٌ عَنْ بُغْضِ النَّاسِ لها، كَبُغْضِهِمْ العَجوزَ فلا يتزوَّجُها أَحَدٌ.
قَوْلُهُ:
شَمْطاءَ حَزَّتْ رَأْسَها وتَنَكَّرَتْ ... مَكْروهَةً لِلشَّمِّ والتَّقْبيلِ
هذا تَرْشِيْحٌ لقَوْلُهُ: «صَارَتْ عَجُوزاً».
قَوْلُهُ:
ويَعْدو على المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
هذا جَارٍ مَجْرى المَثَلِ، ومَعْنَاهُ: أَنَّ المَرْءَ قَدْ يَعودُ عَلَيْهِ رَأْيُهُ أو فِعْلُهُ بالهَلَاكِ، كَمَنْ يَعُودُ عَلَيْهِ سِلاحُهُ فَيَقْتُلُهُ ونَحْوُهُ.
قَوْلُهُ:
إذا رَكِبُوا الخَيْلَ واسْتَلْأَموا ... تَحَرَّقتِ الأَرْضُ واليَوْمَ قَرّ
стр. 143
هو كِنَايةٌ عَنْ شِدَّةِ بَأْسِهِمْ وبَطْشِهِمْ، حَتَّى كَأَنَّ الأَرْضَ تَحْتَرِقُ مِنْهُمْ احتِراقاً، لا يَمْنَعُهُ بَرْدُ الرِّمالِ.
قَوْلُهُ:
وهِرٌّ تَصِيْدُ قلوبَ الرِّجالِ ... وأَفْلَتَ منها ابنُ عمرٍو وحُجُرْ
كَنَى بِصَيْدِها القُلوبَ عَنْ تَعَلُّقِها بِها، ومَيْلِها إليها، وتَبِعَهُ في ذلكَ جَرِيْرٌ حَيْثُ قَالَ:
طَرَقَتْكَ صائِدَةُ القُلُوبِ وَلَيْسَ ذا ... وَقْتُ الزِّيارةِ فاذْهَبِي بِسَلامِ
قَوْلُهُ:
رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفؤادَ ... غداةَ الرَّحِيْلِ فَلَمْ أَنْتَصِرْ
هذا كقَوْلِهِ:
وما ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لِتَضْرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ ... البيت
стр. 144
على القَوْلِ الأَوَّلِ فيه، وحاصِلُهُ أنَّها قَنَصَتْهُ بِأَسْرِها لِقَلْبِهِ، وتَعَذَّرَ وَصْلُها عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ:
فَأَسْبَلَ دَمْعِي كَفَضِّ الجُمانِ ... أو الدُّرِّ رَقْرَاقِهِ المُنْحَدِرْ
هذا نَحْوٌ مِنْ تَشْبِيهِهِ فَضْلِ حَمِيْمِها بالجُمانِ، والدَّمْعُ يَتَشَكَّلُ بِشَكْلِ الجُمانِ في استدارَتِهِ وصفَائِهِ.
قَوْلُهُ:
وإذْ هِي تَمْشِي كَمَشْي النَّزِيْفِ ... .......... البيت
يَعْنِي: سَكْرَى مِنَ الصِّبَا والجَمَالِ والدَّلَالِ، كالسَّكْرَى مِنَ الخَمْرِ.
قَوْلُهُ:
بَرَهْرَهَةٌ رَخْصةٌ رُؤْدَةٌ ... كَخُرْعوبَةِ البانَةِ المُنْفَطِرْ
стр. 145
شَبَّهها بِعُصْنِ البَانِ في اللِّيْنِ والتَّثَنِّي، وأَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ:
كَأَنَّ المُدامَ وصَوْبَ الغَمامِ ... وريحَ الخُزامَى ونَشْرَ القُطُرْ
يُعَلُّ به بَرْدُ أَنْيَابِها ... إذا طرَّبَ الطَّائِرُ المُسْتَحِرّْ
شَبَّهَ فَمَها في طِيْبِ طَعْمِهِ ورائِحَتِهِ بهذهِ الأَشْيَاءِ، غَيْرَ أَنَّ في ذِكْرِهِ الأَنْيَابَ إغْراقاً، إذ لَيْسَتْ مَحَلَّ الرَّشْفِ، وأَكْثَرُ ما يُذْكَرُ في ذلكَ الثَّغْرُ والثَّنَايا، ولو قَالَ أَسْنَانَها لكَان أَعَمَّ من ذلِكَ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ:
فَكَرَّ إِلَيْهِ بِمِبْراتِهِ ... كما خَلَّ ظَهْرَ اللِّسانِ المُجِرّْ
يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ حِيْنَ ضايَقَهُ الكَلْبُ، فَعَطَفَ إليهِ، فَنَطَحُهُ بِقَرْنِهِ فَشَكَّهُ، والمُجِرُّ: هو الذي يَثْقُبُ لِسَانَ الفَصِيْل بِعُودٍ ليُمْنَعَ مِنْ شُرْبِ اللَّبِنِ ونَحْوِهِ، يَقُوُل: أَنْفَذَهُ بِقَرْنِهِ كما يَنْفُذُ ذَلِكَ العُودُ لِسَانَ الفَصِيْلِ.
قَوْلُهُ:
فَظَلَّ يُرَنِّحُ في غَيْطلٍ ... كما يَسْتَدِيْرُ الحِمارُ النَّعِرْ
следующие страницы →