← Адаб

Адаб · id 148534

موائد الحيس في فوائد القيس

الطوفي

Полный текст (201 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

شَبِيْهٌ تَشْطِيْرُهُ الأَخِيْرُ بقَوْلِ الشَّاعِرِ: يَفْتَرُّ عَنْ لُؤْلُؤٍ رَطْبٍ وعَنْ بَرَدِ ... وعَنْ أَقَاحٍ وعَنْ طَلْعٍ وعَنْ حَبَبِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فوقَ الإِتْبِ مِنْها لأَثَّرا شَبِيْهٌ بِقَوْلِ حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ:

стр. 72

لَوْ يَدُبُّ الحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَ ... ذرِّ عَلَيْها لأَندَبَتْها الكُلُومُ والمَعْنَى وَاحِدٌ. وَلَعَلَّ حَسَّانَ تَنَاوَلَهُ مِنِ امْرِئِ القَيْسِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: تُطَايِرُ شُذَّانَ الحَصَى عَنْ مَنَاسِمٍ ... صِلابِ العُجَى، مَلْثُومُها غَيْرُ أَمْعَرا هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّتْفَرى: إذا الأمعزُ الصُّوَّان لاقَى مَناسِمي ... تَطَايَرَ مِنْهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ

стр. 73

غَيْرَ أَنَّ هذِهِ صِفَةُ إِنسَانٍ، والأَوَّلُ صِفَةُ نَاقَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: عليها فَتًى لم تَحْمِلِ الأَرْضُ مِثْلَهُ ... أَبَرَّ بِمِيْثَاقٍ وَأَوْفَى وأَصْبَرا يَعْنِي: ثِقَةً، هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ حَسَّانَ: وما حَمَلَتْ من ناقَةٍ فَوْقَ ظَهْرِها ... أَبَرَّ وأَوْفَى ذِمَّةً من مُحَمَّدِ وهو أَصْدَقُ مِنِ امْرِئِ القَيْسِ في هذا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ألا إنما ذا الدَّهْرُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ... وَلَيْسَ على شَيْءٍ قَوِيْمٍ بِمُسْتَمِرّ شَطْرُهُ الأَوُّلُ شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الهُذَلِيِّ:

стр. 74

هَلِ الدَّهْرُ إلَّا ليلةٌ ونَهَارُها ... وإِلَّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها وشَطْرُهُ الثَّانِي شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: والدَّهْرُ بالنَّاسِ قُلَّبُ وقَوْلِ الآخَرِ: وما شَيْءٌ على الحَدَثانِ باقي وشَبِيْهٌ به أَيْضاً قَوْلُ ابنِ الهَبَّارِيَّةِ:

стр. 75

لا غَرْوَ إِنْ مَلَكَ ابنُ إس ... حاقٍ وساعَدَهُ القَدَرْ فالدَّهْرُ كالدُّولابِ لَيْ ... سَ يَدُورُ إلا بالبَقَرْ إذ دَوَرَانُه انتِقالٌ مِنْ حَالٍ إلى حَالٍ، وعَدَمُ استِقْرارِهِ واستِمْرارِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إذا ذُقْتُ فَاهَا قُلْتُ: طَعْمَ مُدَامَةٍ ... مُعَتَّقَةٍ مما يجيءُ بِهِ التُّجُرْ هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ: وكَأَنَّ فَأَرَةَ تاجِرٍ بِقَسِيْمَةٍ ... سَبَقَتْ عَوَارِضَها إليكَ مِنَ الفَمِ ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

стр. 76

لَكِنْ عُوَيْرٌ وَفَى بِذِمَّتِهِ ... لا عَوَرٌ عَابَهُ ولا قِصَرْ هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: أمَّا ابنُ طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِهِ ... كَمَا وَفَى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيْهَا ومن ذلك قَوْلُهُ: لَنِعْمَ الفَتى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ... طَرِيْفُ بنُ مَلٍّ لَيْلَةَ القَرّ والخَصَرْ هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الحُطَيْئَةِ: مَتَى تأتِهِ تَعْشو إلى ضَوْءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

стр. 77

ألم تَرَ أَنِّي كُلَّما جِئْتُ طارِقاً ... وَجَدْتُ بها طِيْباً وإِنْ لم تَطَيَّبِ وشَبِيْهٌ بِهِ، وأَبْلَغُ مِنْهُ، قَوْلُ الشَّاعِرِ: وتَزِيْدِيَن أَطْيَبَ الطِّبيْبِ طِيْباً ... إذ تَمَسِّيهُ، أينَ مِثْلُكِ أَيْنَا؟ ! وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَدَامَتْ على ما بَيْنَنا مِنْ نَصِيْحَةٍ ... أُمَيْمَةُ أم صارَتْ لِقَوْلِ المُخَبِّبِ وشَبِيْهٌ بِهِ قَوْلُ الآخَرِ:

стр. 78

أَبِيْني أفي يُمْنَى يَدَيْكِ ترَكْتِنِي ... فَأَفْرَحَ أَمْ صَيَّرتني في شِمالِكِ؟ ! وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: فإِنكَ لم يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفَاخِرٍ ... ضَعِيْفٍ، ولم يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَهُنَّ شَرُّ غالِبٍ لِمَن غَلَبْ وبِقَوْلِ الآخَر:

стр. 79

هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيْمُها ... أَلا إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُها أَتَجْمَعُ ضَعْفاً واقَتْداراً عَلَى الفَتَى ... أَليسَ عجيباً ضَعْفُها واقْتِدارُها وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: تلاقَيْتُها والبُومُ يَدْعوُ بها الصَّدَى ... وقد أُلْبِسَتْ أَفْرَاطُها ثِنْيَ غَيْهَبِ شَبِيْهٌ بِقَوْلِ ذي الرُّمَّةِ: قَدْ أَعْسِفُ النَّازحَ المجهولَ مَعْسِفَةً ... في ظِلِّ أَغْضَفَ يدعو هامَةَ البُومِ مَعْنَاهُما جَمِيْعَاً، أَنَّهُ خَاضَ الفَلَاةَ لَيْلاً، والبُومُ فيها يتَجاوَبُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إذا ما رَكِبْنا قال ولِدْانُ أَهْلِنا: ... تَعَالوا إِلى أن يأتيَ الصَّيْدُ نَحْطبِ معناهُ: أَنَّهُمْ قَدْ وَثِقوا مِنْهُ بِعَادَةٍ لا يُخْلِفُها، فهو كَقَوْلِ

стр. 80

النَّابِغَةِ: إذا ما سَرَى بالجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهُ ... عَصائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدي بِعَصائِبِ جوانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ رَعِلْيَهُ ... إذا ما التَقَى الجَمْعَانِ أَوَّلُ غالِبِ وقَولِ مُسلِمٍ: قَدْ عَوَّد الطَّيْرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بها ... فهي تَتْبَعُه في كُلِّ مُرْتَحَلِ

стр. 81

وقَوْلِ الشَّاعِرِ: وتَرَى الطَّيْرَ على آثارِنَا ... رَأْيَ عَيْنٍ ثِقَةً أَنْ ستُمَارُ وقَوْلِ أبي نواسٍ: تَتَأَيَّا الطَّيْرُ عن وَعْدٍ ... ثِقَةً بالوَعْدِ من جُزرهُ

стр. 82

ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ: نَمُشُّ بِأَعْرَافِ الجِيَادِ أكُفَّنا ... إذا نَحْنُ قُمْنَا عَنْ شواءٍ مُضَهَّب هو كَقَوْلِ عَلْقَمَ: ثُمَّتَ قَمْنَا إلى جُرْدٍ مُسَوَّمَةٍ ... أعرافُهُنَّ بِأَيْدِيْنا مَنَادِيْلُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَلا يا لَهْفَ هِنْدٍ بَعْدَ قَوْمٍ ... هُمُ كانوا الشِّفاءَ فَلَمْ يُصابوا

стр. 83

وَقَاهُمْ جَدُّهم بِبَني أَبِيْهِمْ ... وبالأَشْقَيْنَ ما كانَ العِقابُ شَبِيْهٌ بِهِ قَوْلُ المُتَنَبِّي: وجُرْمٍ جَرَّهُ سُفهاءُ قَوْمٍ ... فَحَلَّ بِغَيْرِ جَانِيْهِ العِقَابُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَرانا مُوْضِعِيْنَ لِحَتْمِ غَيْبٍ ... ونُسْحَرُ بالطَّعامِ وبِالشَّرابِ شَبِيْهٌ بقولِ لَبِيْدٍ: فإن تَسْأَلِيْنَا فيم نَحْنُ فإِننا ... عَصَافِيُر مِنْ هذا الأَنامِ المُسَحَّرِ ومَعْنَاهُما: أَنَّنا مَسْحورونَ بالطَّعامِ والشَّرَابِ، غافِلُونَ عَمَّا يُرادُ بِنَا، [وما] نَحْنُ مُسرِعُونَ إليه من المَوْتِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وقد طَوَّفْتُ في الآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيْتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإيَابِ

стр. 84

وشَبِيْهٌ به قَوْلُ الطُّغْرَائي: والدَّهرُ يَعْكِسُ آمالي ويُقْنِعُنِي ... مِنَ الغَنِيْمَةِ بَعْدَ الكَدِّ بالقَفَلِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وعَنْسٍ كَأَلْواحِ الإرانِ نَسأْتُها ... على لاحِبٍ كالبُرْدِ ذي الحِبَراتِ هو كَقولِ طَرَفَة: وعَنْسِ كَأَلْواحِ الإِرانِ، نَسَأْتُها ... على لاحِبٍ، كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ

стр. 85

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: فلا تُنْكِرونِي إِنَّنِي أَنَا جَارُكُمْ ... لَيَالِيَ حَلَّ الحَيُّ غَوْلاً فَأَلْعَسَا فيه شَبِيْهٌ بِقَوْلِ المُتَأَخِّرِ: لي حُرْمَةُ الضَّيْفِ القديمِ ومَنْ ... أَتَاكُمُ وَكُهُولُ الحَيِّ أطفالُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَرَاهُنَّ لا يُحْبِبْنَ مَنْ قَلَّ مَالُهُ ... ولا مَنْ رَأَيْنَ الشَّيْبَ فِيْهِ وقَوَّسا هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الأَعْشَى: وأرى الغَوَانِيَ لا يُواصِلْنَ امْرَءاً ... فَقَدَ الشَّبَابَ، وقد يَصِلْنَ الأَمْرَدَا وقَوْلِ [ابنِ] التَّعَاوِيْذِي:

стр. 86

أَنْكَرَ الغَانِيَاتُ قُرْبِي وَمَا ... أَنْكَرْنَ مِنِّي إلا بَيَاضَ القَتِيْرِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وأُنازِلُ البَطَلَ الكَرِيْهَ نِزَالُهُ ... وإِذا أُناضِلُ لا تَطِيْشُ سِهامِي شَبِيْهُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ: ومُدَجَّحٍ كَرِهَ الكُماةُ نِزَالُهُ ... لا مُمْعِنٍ هَرَباً ولا مُسْتَسْلِمِ جَادَتْ يَدَاي لَهُ بفاصِلِ طَعْنَةٍ ... وَرَشَاشِ نَافِذَةٍ كَلَوْنِ العَنْدَمِ

стр. 87

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِذا أُذِيْتُ بِبَلْدَةٍ وَدَّعْتُها ... ولا أُقِيْمُ بِغَيْرِ دارِ مُقَامِ فيه زِحَافٌ صَعْبٌ، وشَبِيْهٌ به قَوْلُ الشَّاعِرِ: إِنِّي كذاكَ إِذا ما ساءَني بَلَدٌ ... يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيْري غَيْرَهُ بَلَدا وقَوْلُ الآخرِ: وإِذا سَاءَكَ مَنْزِلٌ فَتَحَوّلِ وقَوْلُ البَحْرَانِي: إذا الدِّيَارُ تَغَشَّاكَ الهَوَانُ بِها ... فَخَلِّها لضعِيفِ العَزْمِ واغْتَرِبِ

стр. 88

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَقَرّ حَشَا امرئِ القَيْسِ بنِ حُجْرٍ ... بنو تَيْمٍ مَصَابِيْحُ الظلامِ يَعْنِي بِأَخْذِهِمْ لَهُ بِثَأْرِ أَبِيْهِ. وهو كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ: ولَقَدْ شَفَا نَفْسِي وأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قَوْلُ الفَوارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدمِ على بُعْدٍ تَأْتِي المُشَابَهَةُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: لِمَن طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجانِي ... البيت هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ: لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ؟ ! ... أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

стр. 89

لَيَالِيَ يَدْعُونِي الهَوَى فَأُجِيْبُهُ ... وأَعْيُنُ مَنْ أَهْوَى إِليَّ روانِي هو شَبِيْهٌ بِقَوْل ذي الرُّمَّةِ: لَيَالِيَ اللَّهْوِ تَدْعوني وأَتْبَعُهُ ... كَأنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: فَسَحَّتْ دموعي في الرِّداءِ كَأَنَّها ... كُلًى من شُعَيْبٍ ذَاتِ سَحٍّ وتَهْتَانِ هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ ذي الرُّمَّةِ: ما بالُ عَيْنِكَ منها الماءُ يَنْسَكِبُ ... كَأَنَّه مِنْ كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ وفراءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُها ... مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَها الكُتُبُ ومَعْنَاهما جَمِيْعاً تَشْبِيْهُ الدَّمْعِ بِمَاءِ القِرْبَةِ، إِذا سَالَ مِنْ خَرْقٍ فيها.

стр. 90

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِذا المَرْءُ لم يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسانَهُ ... فَلَيْسَ على شَيْءٍ سِواُه بِخَزَّانِ هو كَقَوْلِ طَرَفَةَ: وإِنَّ لِسانَ المرءِ ما لم يَكُنْ لَهُ ... حَصَاةٌ، عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَليلُ بَلْ كَقَوْلِ الآخَرِ: إِذا ضَاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ كَتْمِ سِرِّهِ ... فَصَدْرُ الَّذي يُسْتَوْدَعُ السِّرَّ أَضْيَقُ هذا أَشْبَهُ بِبَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ مِنْ بَيْتِ طَرَفَةَ، وفي كلاهما نَظَرٌ سَبَقَ بِهِ القَلَمُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

стр. 91

فَإِمَّا تَرَيْنِي في رِحالَةِ جابِرٍ ... على حَرَجٍ كالقَرِّ تَخْفِقُ أَكْفَانِي شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الآخَرِ: فإمَّا تَرَيْنِي كابْنَةِ الرَّمْلِ ضَاحِياً ... على رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أتَنَعَّلُ وَلْيَكُنْ هذا آخِرُ البَابَ. وقد بَلَغَنا أَنَّ أبا الحَسَنِ بنَ عُصْفورٍ النَّحْويَّ جَمَع كِتَابَاً في تَنَاولاتَ الشُّعَراِء بَعْضِهْم مِنْ بَعْضٍ، ولم أَقِفْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ بالواجِبِ أَنَّ فِيْهِ فوائِدَ كَثِيْرَةً، مِنْ مَعْرِفَةِ أَقاوِيْلِ الشُّعراءِ وتَنَاولِهِمْ، وتَوارُدِ خَواطِرِهِمْ، وتَمْرِيْنِ الذِّهْنِ في إِدْراكِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ كَلَامِهِمْ، كما سَبَقَ التَّنْبِيْهُ عَلَيْهِ.

стр. 92

وفائِدَةُ هذا البَابِ شَبِيْهَةٌ بِفَائِدَةِ ما قَبْلَهُ. ولَنْخَتِمْهُ بِضابِطٍ في تَحْقِيْقِ التَّلَقِّي والتَّناولِ ، فَنَقولُ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّاعِرَيْنِ إِذا اتَّفَقا على مَعْنًى واحِدٍ، أو لَفْظٍ واحِدٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا في عَصْرٍ واحِدٍ أَوْ لا. فَإِنْ كانا في عَصْرٍ واحِدٍ، فإِنْ كانَ كُلٌّ مِنْهُما أَهلاً لِصُدورِ ذلكَ المَعْنَى عَنْهُ، فَهُما مُشْتَرِكانِ فِيْهِ، مَعَ احتِمال تَنَاوُلِ أَحَدِهِما إِيَّاهُ مِنَ الآخَرِ، وإِنْ كانَ أَحَدُهُما لَيْسَ أَهْلاً لَذلكَ، فالظَّاهِرُ أَنَّه للآخَرِ، مَعَ احتِمالِ اتِّفاقِ وقُوعِهِ للظَّاهِرِ. وإِنْ كانا في عَصْرَيْنِ، فَإِنْ كانَ المَعْنَى مُشْتَهِراً في النَّاسِ لِتَطَاوُلِ الزَّمَنِ أو غَيْرِهِ، كاشْتِهارِ مَعاني أَبِي تَمَّام والبُحْتُرِيِّ بالنِّسْبَةِ إِلى المُتَنَبِّي ونَحْوِهِ، فالظَّاهِرُ أّنَّ المُتَأّخِّرَ تَنَاوَلَهُ مِنَ المُتَقَدِّمِ، مَعَ احتِمالِ عُثُورِهِ عَلَيْهِ بِدونِ تَنَاولٍ. وإن لَمْ يَكُنْ مُشْتَهِراً مُطْلَقاً، أو بِالنِّسْبَةِ للشَّاعِرِ المُتَأَخّرِ، فَإِنْ كانَ أَهْلاً لِمِثْلِهِ. فالظَّاهِرُ أَنَّه وارَدَ الأَولَ عَلَيْهِ مِنْ بِابِ تَوارُدِ الخَوَاطِرِ، وتَواقُعِ الحَوَافِرِ، وإِنْ لم يَكُنْ أَهْلاً لِمِثْلِهِ. فالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَلَغَهُ فَتَنَاوَلَهُ عَنِ الأَوَّلِ، مَعَ احتِمال مُوارَدَتِهِ الأَوَّلَ عليهِ. وقد حَرَّرْتُ هذا التَّقْسِيْمِ بِأِبْلَغَ مِنْ هذا في غَيْرِ التَّعْليقِ، والله أَعْلَمُ بالصَّوابِ.

стр. 93

البَابُ الثَّالِثُ في سَبَبِ اشْتِباهِ كلامِهِ بَعْضِهِ بِبعضٍ وَلَهُ سَبَبَانِ: أَحَدُهُما: اتِّحادُ مَوْضوعِ كلَامِهِ، أَعْنِي مَقْصودَهُ في شِعْرِهِ . والثَّانِي: تَفَنُّنهُ في البَيَانِ، وقُدْرَتُهُ على الكَلَامِ . أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ مَوْضُوعَ شِعْرِهِ الَّذي يَتَكَلَّمُ فيهِ هو رُكُوبُ الخَيْلِ لِلصَّيْدِ والحَرْبِ، ومُغازَلَةُ النِّساءِ ومُعَاشَرَتُهُنَّ، والافتِخارُ بِشَرَفِهِ ومُلْكِهِ، وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ في تَحْصِيْلِهِ وحِفْظِهِ، وَيَتْبَعُ ذلكَ ما يَعْرِضُ لِلْمُنَافِرِ في أَغْرَاضِهِ مِنْ رُكُوبِ المَهَارِي، وقَطْعِ البَرَارِي، ومُعَانَاةِ الأَخْطَارِ، وخَوْضِ السُّيولِ والأَمْطارِ. وأَما الثَّاني: فلِأَنَّ الرَّجُلَ كان فَصِيْحاً بَلِيْغَاً، تَأْبَى لَهُ بَلَاغَتُهُ أَنْ تكون ألفَاظُهُ بِعَيْنِها في كُلِّ قَصِيْدَةِ، بَلْ تَفَنَّنَ في بَلَاغَتِهِ، وتَجَلَّى عَرْضُهُ الواحِدُ في عِدَّةِ قَصَائِدَ، بِأَلْفَاظٍ مُتَغَايِرَةٍ مُتَشَابِهَةٍ، فَبِالوَاجِبِ وَقْعُ المُتَشَابِهِ في كَلَامِهِ، وهذا هو السَّبَبُ في تَشَابُهِ القرآنِ المُشَارِ إليه بقَوْلِهِ : ﴿الله نزل أحسن الحديث كتباً متشابهاً﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لِأَنَّ مَقَاصِدَ القُرآنِ عَلَى تَقْرِيرِ أُمورِ المَعَاشِ والمَعَادِ والإِيمانِ، والزَّجْرِ والتَّرْهِيْبِ بِقَصَصِ الأُمَمِ الخَالِيَةِ، وذِكْرِ الجَنَّةِ والنَّار وأَهْلِها،

стр. 94

فَلا جَرَمَ وَقْعُ التَّشَابُهِ فِيهِ عَلَى مَا لا يَخْفَى، وإِنْ شِئْتَ فاسْتَدِلَّ على صِحَّةِ طَرْدِ ما ذَكَرْنَاهُ بِعَكْسِهِ، وهو أَنَّ من لَا يَنْحَصِرُ مَقْصودُهُ مِنَ الشَّعَراءِ، بَلْ هُو مَدَّاحٌ هَجَّاءٌ، يَنْخَرِطُ في سِلْكِ الاتِّفاقِ، وتَحَدِّ الوِفاقِ، وصلَة لِلنِّفاقِ، كَيْفَ قَلَّ مُتَشَابهُ كَلَامِهِ، واللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوابِ.

стр. 95

البَابُ الرَّابِعُ محاسِنُ تشبيهاتِهِ واستعاراتِهِ وأمثالِهِ ونَحْوِهِ ولا يَلْزَمُ اسْتِقْصَاءُ ذلكَ، بل ما نَسْتَحْسِنُه، ويَسْهُلُ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذِكْرِ التَّشْبِيهِ والاسْتِعَارَةِ والمَثَلِ. أمَّا التَّشْبِيهُ: فهُو إلحاقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ في الحُكْمِ؛ لاتِّفاقِهِما في بَعْضِ الأوصَافِ، وكذلكَ الاستِعَارةُ، غَيْرَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يَكُونُ بأداتِهِ وهي الكافُ، والاسْتِعارَةُ بدونِها على جِهَةِ الإِسْنَادِ، فَتَقولُ في التَّشْبِيهِ زَيْدٌ كالأسَدِ، وفي الاستعارَةِ زَيْدٌ أَسَدٌ، فهذا فَرْقُ ما بَيْنَهُما. والمَثَلُ: قَوْلٌ يَصْدُر عَنْ سَببٍ، ثُمَّ يَتَداوَلُهُ النَّاسُ بِلَفْظِهِ في نَحْوِ ذلكَ السَّبَبِ، هذا هو المَثَلُ، ويَلْحَقُ بهِ ما في مَعْنَاهُ، وقد استقَصَيْتُ حُكْمَ هذهِ الأَشْيَاءِ وغَيْرِهَا هُنَا. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

стр. 96

تَرَى بَعَرَ الصِّيْرانِ في عَرَصَاتِهَا ... وقِيْعَانِها كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ شبه بَعَر الغُزْلانِ بالفُلْفُلِ في سَوَادِهِ وصِغَرِهِ، وإِنْ كانَ الفُلْفُلُ مُسْتَطِيْلاً، فَقَد وَقَعَ التَّشْبِيْهُ في ثَلَاثِة أَشْيَاءَ: اللَّوْنُ والكَمِّيَّةُ والكَيْفِيَّةُ، وهما المِقْدارُ والشَّكْلُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: كَأَنِّي غَداةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلوا ... لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ يَعْنِي: كاسِرَ الحَنْظَلِ بِيَدِهِ، فَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ، ومُرَادُهُ: أنَّهُ يَبْكي لِفِراقِهِمْ، وكَذَلِكَ البَصَلُ والخَرْدَلُ، مَنْ قرَّبَهُ مِنْ عَيْنِه دَمَعَتْ، ويُقَالُ: إِنَّ مُخَادِعي الوُعَّاظِ يَنْقَعونَ مَنَادِيْلَهُم في الخَرْدَلِ،

стр. 97

فإذا صَارَوا على المِنْبَرِ مَسَحوا بها وجُوهَهُمْ فَتَدْمَعُ أَعْيُنُهم، فَيَظُنُّ الحاضِرونَ أَنَّهم يَبْكونَ فَيَبْكونَ هُمْ أَيْضاً، ويَحْمَى المْجْلِسُ ويَطِيبُ بِهَذِهِ الذِّكْرُ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إذا قامتا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهما ... نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ تَقْدِيْرُهُ عَلَى الحَقِيْقَةِ: تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُما تَضَوُّعاً مِثْلَ تَضَوُّعِ نَسِيْمِ الصَّبَاـ ففي هذا أحْسنَ التَّشْبِيهَ والاخْتِصارَ بِكَثْرَةِ الحَذْفِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وشَحْمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ

стр. 98

وهُوَ القَزُّ، وهو مِنْ جَيِّدِ التَشْبِيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ أَبْيَضُ كالقَزِّ في البَيَاضِ، وجَعَلَهُ مُفَتَّلاً، إِشَارَةً إلى أَنَّه كانَ مُضَرَّبَا؛ أَعْنِي: ضَرَائِبَ ضَرَائِبَ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ولا تُبْعِدِينِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ الجَنَا: الثَّمَرُ، اسْتَعارَهُ لِمَا يَنَالُهُ مِنْها مِنْ رَشْفٍ وتَقْبِيْلٍ، واستِعارَتُهُ ذَلِكَ لِجَرْي الفَرَس في قَوْلِهِ:

стр. 99

إذا ما اجْتَنَيْنَاهُ تَأَوَّدَ مَتْنُهُ مِنْ أَبْدَعِ الاستِعاراتِ، يَعْنِي: استَخْرَجْنَا جَرْيَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وإنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيْقَةٌ ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثيابِكِ تَنْسُلِ أَيْ: قَلْبِي مِنْ قَلْبِكِ، والقَلْبُ يُكْنَى عَنْهُ بِالثِّيابِ، كَما قَالَ عَنْتَرَةُ: فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأصَّمِّ ثِيَابَهُ أي: قَلْبَهُ، وفي التَّنْزِيْلِ: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤]؛ أَيْ: قَلْبَكَ مِنْ الشَّكِّ والشِّرْكِ، ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَعْنَى فَسُلِّي نَفْسِي مِنْ

стр. 100

نَفْسِكِ، وكَنَى بالثِّيَابِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ كلّاً مِنْهُما كاللَّابِسِ للآخَرِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقَالَ النَّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: إذَا ما الضَّجِيْعُ ثَنَى جِيْدَها ... تَدَاعَتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا

стр. 101

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ومَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لَتَضْرِبي ... بِسَهْمَيْكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ أيْ: في نَوَاحِي قَلْبٍ مُعَذَّبٍ هَالِكٍ، كأَنَّهُ قَتِيلٌ، وفي سَهْمَيْها قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُما: أنَّهُما عَيْنَاهَا، لَمَّا بَكَتْ لَحَظَتْهُ بِهِمَا، فَكَأَنَّها رَمَتْهُ بِسَهْمَيْنِ، والثَّانِي: أَنَّه كِنَايَةٌ واستِعَارَةٌ، مَقْصُودُها أَنَّها مَلَكَتْ قَلْبَهُ، واستَوْلَتْ عَلَيْهِ، كما يَسْتَوْلي اليَاسِرُ على الجَزورِ بِسَهْمَيْهِ؛ الرَّقِيْبُ والمُعَلَّى على ما ذُكِرَ في صِفَةِ المَيْسِرِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرَامُ خِبَاؤُها

стр. 102

كِنَايَةً عِنِ المَرْأةِ بالبَيْضَةِ، مِنْ جَيِّدِ الاستِعَارَةِ، لاشْتِرَاكِهِما في البَيَاضَ والصَّفَاءِ والمَلَاسَةِ والنُّعومَةِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿كأنهن بيض مكنون﴾ [الصافات: ٤٩]؛ يعني: بَيْضَ النَّعَامِ، وهو أَبْيَضُ مُشْرَباً صُفْرَةً، وَإِلَيْهِم الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: كَبِكْرِ المُقَانَاةِ البَيَاضِ بِصُفْرَةٍ

стр. 103

أَيْ: المُخَالَطُ بَيَاضُهُ بِصُفْرَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: تَرَائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ يَعْنِي: المَرأَةَ، وإلى صِقَالِها المُنْتَهِي [يُشيرُ]، فهُو مِنْ جَيِّدِ التَّشْبِيهِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ... وتَتَّقِي ... بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ أَيْ: ذَاتُ طِفْلٍ، كَمَا قَالَ: نَظَرَتْ إليكَ بِعَيْنِ جازئَةٍ ... حَوْرَاءَ حانِيَةٍ على طِفْلِ

стр. 104

وَهِيَ أَحْسَنُ ما تَكُونُ نَاظِرَةً. وَيُقَالُ: إنَّ امْرَأَ القَيْسِ أَوَّلُ مَنْ نَهَجَ لِلنَّاسِ تشَبِيْهٌ عُيُونِ النِّسَاءِ ونُحُورِهِنَّ بِعُيونِ الظِّبَاءِ والبَقَرِ، وهذا إنَّما يَصِحُّ ما لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ في شِعْرِ مَنْ قَبْلَهُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَجِيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ [وقَوْلُهُ]: وفَرْعٍ يزينُ المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ ... أَثِيْثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ

стр. 105

شَبَّهَ الشَّعْرَ بِعِذْقِ النَّخْلَةِ المُتَداخِلِ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، وأَشارَ إلى طُولِهِ بِقَوْلِهِ: «يَزِينُ المَتْنَ»، فَذَكَر سَوَادَهُ وطُوْلَهُ وكَثَافَتَهُ، ولَيْسَ بَعْدَ ذَلكَ في الشَّعْرِ حُسْنٌ يُطْلَبُ. وقَوْلُهُ: وكَشْحٍ لَطِيْفٍ كالجَدِيْلِ مُخَصَّرٍ الجَدِيْلُ مُخَصَّرٌ: يَعْنِي: الزِّمامَ المُتَّخَذِ مِنَ السُّيُورِ، فهو لَيِّنٌ دَقِيقٌ رَشِيقٌ. وسَاقٍ كأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلِّلِ يَعْنِي: الشَّجَرَ المُتَعَاهَدَ بالسَّقْي، فهو مُمْتَلِئٌ رَيَّاهٌ، فَيَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: «رَيَّا المُخَلْخَلِ».

стр. 106

وقَوْلُهُ: تُضِيْءُ الظَّلامَ بالعِشَاءِ كَأَنَّها ... مَنَارَةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ وإنَّما قالَ بالعِشَاءِ؛ لأنَّ الظُّلْمَةُ تَكُونُ أَشَدَّ، لِغُيوبَةِ الشَّمْسِ، ووَصَفَ الرَّاهِبَ بالتَّبَتُّل؛ لِدوامِ النُّورِ عنِدْهَ؛ ُ يَعْنِي: أَنَّ نُوْرَ هذِهِ المَرْأَةِ لازِمٌ دائِمٌ لَيْسَ عَارِضاً فَيُفَارِقُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَه ... البيت لأنَّ مَوْجَ البَحْرِ كثيرٌ مُوحِشٌ، مُتَتَابِعٌ لا يَفْرُغُ، ومِنْ ذلكَ المَثَلُ السَّائِرُ، أَنَّ بَعْضَهُم عَدَّ مَوْجَ البَحْر فَغَلِطَ فَقَالَ: «بِنْعُود مِنَ الأَوَّل». فَشَبَّهَ اللَّيْلَ بهِ في هذهِ الأَوْصَافِ، ثُمَّ استَعارَ لَهُ الصُّلْبَ

стр. 107

ورَشَّحَهُ بالتَّمَامِ، والأَعْجَازَ ورَشَّحَها بالإِردافِ، والكَلْكَلَ وهو الصَّدْرُ، ورَشَّحَهُ بالنَّوْءِ، وهو النُّهَوضُ مُتَثَاقِلاً في قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وأَرْدفَ أَعجازاً، ونَاءَ بَكَلْكَلِ مَعَ أنَّ العَجُزَ والصَّدْرَ مُتَقابِلانِ، ولا نَعْلَمُ أَحْسَنَ مِنْ هذا التَّصَرُّفِ في الاستِعارَةِ، وإنْ أُلحِقَ بهِ شَيْءٌ مِنَ الاستِعاراتِ الشِّعْرِيَّة، فَقَوْلُ أَبي ذُؤَيبٍ: وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَها ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لا تَنْفَعُ

стр. 108

وما كانَ مِنْ نَحْوِ ذلِكَ قَوْلُهُ: فيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأَنَّ نُجومَهُ ... بِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ شَبَّهَ رُكَودَ النُّجومِ بِرَبْطِها بالحِبَالِ القَويَّةِ إلى الجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مبالَغَةٌ في المَقْصُودِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها ... بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلِ فِيْهِ اسْتِعارَتَانِ، إحداهُمَا قَوْلُهُ: «قَيْدِ الأَوابِدِ»؛ أيْ: يَمْنَعُها مِنَ الهَرَبِ بِلُحُوقِهِ بها، فكأنَّهُ قَيْدٌ لَهَا، وهو مِنْ إِبْداعاتِهِ.

стр. 109

والثانية: قَوْلُهُ: «هَيْكَلِ»، شَبَّهَ الفَرَسَ بالهَيْكَلِ، وهو البِنَاءُ العَظِيمُ مِنْ مَعَابِدِ أَهْلِ الكِتَابِ وغَيْرِهِمْ، وتَبِعَهُ النَّاسُ في ذَلِكَ، فَقَالَ البُحْتُرِيُّ: وأَغَرَّ في الزَّمنِ البَهِيمِ مُحَجَّلاً ... قَدْ جِئْتُ مِنْهُ عَلَى أَغَرَّ مُحَجَّلِ

стр. 110

كالهَيْكَلِ المَبْنِيِّ إلَّا أَنَّهُ ... في الحُسْنِ جاءَ كَصُورَةٍ في الهَيْكَلِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ يَعْنِي: الفَرَسَ في جَرْيهِ، وهوَ مِنْ أَبْلَغِ التَّشْبِيْهِ؛ لِأَنَّ في ذَلِكَ شَيْئَيْنِ يَقْتَضِيَانِ السُّرْعَةَ، أحدُهُمَا: انحِطَاطٌ مِنْ عُلوٍّ، والثَّانِي: كَوْنُ السَّيْلِ يَدْفَعُهُ فَيَصِيرُ لَهُ دَافِعٌ طَبِيعِيٌّ وقَسْرِيٌّ. ويُرْوَى لِامْرِئِ القَيْسِ بَيْتَانِ في هذا المَعْنَى في غايَةِ المُبَالَغَةِ، وهُوَ قَوْلُهُ: قد أَشْهَدُ الغَارَةَ الشَّعْواءَ تَحْمِلُني ... جَرْدَاءُ مَعْرُوقَةُ اللَّحْيَينِ سُرْحُوبُ كالدَّلْوِ بُتَّتْ عُرَاهَا وهي مُثْقَلَةٌ ... وخَانَها وَذَمٌ مِنْها وتَكْرِيْبُ
следующие страницы →