Полный текст (374 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تَحِنُّ إِلى نُعمٍ وَجُملٍ كِلَيهِما ... وَما أَنعَمَت نُعمٌ وَلا أَجمَلَت جُملُ
فَأُقسِمُ لَولا أَنتِ لَم يُخلَقِ الجَوى ... وَلَولا أَبُو العُلوانِ ما خُلِقَ الفَضلُ
فَتىً أَتعَبَ البِيضَ الصَوارِمَ في العُلى ... وَجَرَّبَ فيها ما يَمُرُّ وَما يَحلُو
فَلا تَحسَبُوا أَنَّ المَعالي رَخيصَةٌ ... وَلا أَنَّ إِدراكَ العُلى هَيِّنٌ سَهلُ
فَما كُلُّ مَن يَسعى إِلى المَجدِ مُدرِكاً ... وَلا كُلُّ مَن يَهوى العُلى نَفسُهُ تَعلُو
وَفوقَ سَريرِ المُلكِ مِن آلِ صالِحٍ ... فَتىً مالَهُ عَن شُغلِهِ بِالعُلى شُغلُ
حَليمٌ إِذا وازَنتَ بِالهَضبِ عَقلَهُ ... هَفا الهَضبُ مِن ميزانِهِ وَرَسا العَقلُ
لَهُ نَصلُ سَيفٍ يَقطَعُ الهامَ حَدُّهُ ... وَأَقطَعُ مِنهُ حامِلُ النَصلِ لا النَصلُ
إِذا سَلَّهُ سَلَّ العَزيمَةَ قَبلَهُ ... فَلَم يُدرَ أَيُّ الضارِبَينِ لَهُ الفِعلُ
فَتىً خَلقُهُ خُلقُ الغَمامِ فَعِندَهُ ... لِطالِبِهِ إِمّا الوَبالُ أَوِ الوَبلُ
أَبا صالِحٍ حَمَّلتَني كُلَّ مِنَّةٍ ... فَرِفقاً بِما تُسدي فَقَد أُثقِلَ الحِملُ
نَظمتُ لَكَ الدُرَّ الَّذي لَيسَ مِثلُهُ ... وَأَنتَ الَّذي ما في المُلوكِ لَهُ مِثلُ
بَلَوتَ القَوافي عِندَ مَن لَو بَلَوتَهُ ... بِغَيرِ القَوافي لابتَهَجن بِما تَبلُو
وَلَمّا تَخَيَّرتُ المَديحَ أَوِ الكَرى ... حَلا في فَمي مِثلَ الرُقادِ الَّذي يَحلُو
стр. 177
وَكادَت قَوافي الشِعرِ لَمّا دَعَوتُها ... إِلَيكَ تُوافي قَبلَ أَن وافَتِ الرُسلُ
لَكَ الفَضلُ لا لِلغَيثِ أَنَّكَ دائِمٌ ... وَلا دامَ سَحٌّ لِلغُيوثِ وَلا هَطلُ
وَهَبتَ لِغالي الحَمدِ مالَكَ كُلَّهُ ... كَأَنَّكَ لا يَغلو عَلَيكَ الَّذي يَغلُو
وَأَنتَ الَّذي لَولاكَ لَم يُعرَفِ النَدى ... وَأَنتَ الَّذي لَولاكَ لَم يَظهَرِ العَدلُ
وقال أيضًا يمدحه وهي القصيدة الثانية وقد تقدم القول في ذلك:
عُوجا نُحَيِّ رُبوعاً غَيرَ أَدراسِ ... بَينَ اللِوى وَهِضابِ الأَرعَنِ الراسي
إِلى الأَبارِقِ حَيثُ العِينُ راتِعَةٌ ... مِنَ الحِمى بَينَ أَنقاءٍ وَأَدهاسِ
سَقى الدِيارَ بِحَيثُ الخَبت مِن هَجَرٍ ... شُؤبُوبُ كُلِّ مُلِثٍّ الوَبلِ رَجّاسِ
دِيارَ ناسٍ صَحِبناهُم بِها زَمَناً ... يا حَبَّذا ناسُ تِلكَ الدارِ مِن ناسِ
إِن أَوحَشُوني فَما أَنسى بِقُربِهِم ... أُنسي فَأَمزِجَ إِيحاشي بِإِيناسي
يا صاحِبيَّ أَبَرقٌ لاحَ مُبتَسِماً ... مِن دُونِ تَيماءَ أَم مِشكاةُ نِبراسِ
أَم نَحنُ لَمّا جَعَلنا قَصدَنا حَلَباً ... بَدَا لَنا النُورُ مِن وَجهِ ابنِ مِرداسِ
стр. 178
مُتَوَّجٌ مِن بَني الشَدّادِ قَد جُمِعَت ... فِيهِ المَحامِدُ مِن جُودٍ وَمِن باسِ
مَن فَتَّشَ الناسَ مِن بَدوٍ وَمِن حَضَرٍ ... لَم يَلقَ مِثلَ أَبي العُلوانِ في الناسِ
مُرَدَّدٌ في أُصُولٍ غَيرِ ذاوِيَةٍ ... مِنَ النَدى بَينَ مِرداسٍ وَمَيّاسِ
مازلتُ أُفرِغُ في أَوصافِهِ هِمَمي ... دَهراً وَأُتعِبُ أَقلامي وَقِرطاسي
حَتّى أَخَذتُ أَماناً مِن مَكارِمِهِ ... أَن لا يُقَلقِلَ في الآفاقِ أَفراسي
يَشِتُّ وَفرِي وَلي مِن وَفرِ راحَتِهِ ... وَفرٌ وَأَعرى وَلي مِن فَضلِهِ كاسي
قَسا عَلَيَّ زَماني فَاستَجَرتُ بِهِ ... فَباتَ لي غَيرَ قاسٍ قَلبُهُ القاسي
يا مَن مَكارِمُهُ اللّاتي عُرِفتُ بِها ... مَكارِمٌ أَنبَتَت شَعرِي عَلى راسي
جَميلُ فِعلِكَ فخري في بَني زَمَني ... وَحُسنُ وَصفِكَ فَخري بَينَ جُلّاسِي
وَطِيبُ ذِكرِكَ لا يَنفَكُّ عَن خَلَدِي ... كَأَنَّ ذِكرَكَ مقرُونٌ بِأَنفاسي
وقال أيضًا يمدحه وهي القصيدة الثالثة من الأربع القصائد التي عملهن في تلك الليلة وأنشدها بحضرته العالية في صبيحة ذلك اليوم المذكور:
هاجَ الوُقوفُ بَرَسمِ المَنزِلِ الخالي ... صَبابَةً لَم تَكُن مِنِّي عَلى بالِ
стр. 179
لَولا ظِباءُ رِماحٍ لَم أَمُت شَغَفاً ... بِظَبيَةٍ مِن ظِباءِ السِربِ مِعطالِ
لَو شِئتَ نَجَّتكَ مِنها كُلُّ ناجِيَةٍ ... مِرقالَةٍ بِنتِ سامي الطَرفِ مِرقالِ
صَهباءَ مالَ مِنَ التَأَويبِ راكِبُها ... مِثلَ المُعَلَّلِ مِن صَهباءَ جِريالِ
تَطوي البَعيدَ وَيَطويها فَقَد جُدِلَت ... جَدلَ المَريرَةِ مِن حَطٍّ وَتَرحالِ
إِلى فَتىً مِن بَني الشَدادِ هِمَّتُهُ ... مَقرُونَةٌ بِشُعاعِ الكَوكَبِ التالي
مُبارَكُ الوَجهِ لا يَخفى تَهَلُّلُهُ ... مِثلُ الحُسامِ جَلاهُ الصَيقَلُ الجالي
تَلقى المُعِزَّ وَتَلقى الناسَ كُلَّهُمُ ... فَتَزدَري الوَهدَ عِندَ الباذِخِ العالي
صَحِبتُهُ غَيرَ ذِي مالٍ فَصَيَّرَني ... مِن جُودِ كَفَّيهِ ذا جاهٍ وَذا مالِ
وَباتَ يُردِفُ لي مِن سَيبِ راحَتِهِ ... جُوداً بِجُودٍ وَإِفضالاً بِإِفضالِ
سَجِيَّةٌ مِن كَريمِ الخِيمِ مَنصِبُهُ ... مُرَكَّبٌ في كِرامٍ غَيرِ بُخّالِ
أَبطالُ حَربٍ وَإِن حاوَلتَ فَضلَهُمُ ... في السِلمِ أَلفَيتَ مِنهُم غَيرَ اِبطالِ
стр. 180
أَمحَلتُ قِدماً فَما زالَت غَمائِمُهُم ... تَجُودُ مَغنايَ حَتّى زالَ إِمحالي
فَاللَهُ يَكلَأَهُم مِمّا أُحاذِرُهُ ... إِنَّ المُهَيمِنَ نِعمَ الحافِظُ الكالي
وقال أيضًا يمدحه وهي القصيدة الرابعة مما عملهن تلك الليلة وأنشدها بحضرته صبيحة ذلك اليوم المذكور:
هَل تَعرِفُ الرَبعَ الَّذي تَنَكَّرا ... بَينَ المَواعِيسِ إِلى وادي القِرى
إِلى الشَرى يا حَبَّذا ذاكَ الشَرى ... حَيثُ تَرى مِنهُ الكَثيبَ الأَعفَرا
مُعَمَّماً بِنَورِهِ مُؤَزَّرا ... يَغشى نَسيمُ الرِيحِ ذاكَ العَبهَرا
وَالرَندَ فَيّاحَ الشَذا وَالعَرعَرا ... حَتّى تَسُوفَ بِالوِهادِ وَالذُرى
عُوداً قُمارِيّاً وَمِسكاً أَذفَرا ... مَنازِلاً ذَكَّرنَ مَن تَذَكَّرا
عَيشاً هَنيِئاً وَزَماناً أَنضَرا ... يا صاحِبيَّ غَلِّسا أَو هَجِّرا
وَقَبِّلا العِيسَ المَخُوفَ الأَكدَرا ... طَلائِحاً تَنفُح في صُفرِ البُرى
كَأَنَّها مِنَ الوَجيفِ وَالسُرى ... قِسِيُّ رامٍ أَم جَرِيدٌ حُسِّرا
стр. 181
قَلائِصاً باتَت لَغُوباً حُسَّراً ... يَكتُبنَ بِالأَيدي عَلى وَجهِ الثَرى
مِنَ الذَميلِ أَحرُفاً وَأَسطُراً ... قُلنا لَها وَالنَجمُ قَد تَغَوَّرا
وَالصُبحُ قَد أَسفَرَ أَو ما أَسفَرَا ... وَهِيَ مِنَ الإِدلاجِ تَخفى أَو تُرى
يا عِيسُ أُمّي المَلِكَ المُؤَمَّرا ... وَانتَجِعي ذاكَ الجَنابَ الأَخضَرا
فَإِن أَزَرناكِ المُعِزَّ الأَزهَرا ... فَما تَرَينَ نَصَباً وَلا نَرى
يا خَيرَ قَيسٍ مَحتِداً وَعُنصُرا ... دُونَكَ هَذا الكَلِمَ المُسَيَّرا
أَرَّقَنِي تَأَليفُهُ وَأَسهَرا ... وَبِتُّ لا أُطعِمُ أَجفاني الكَرى
حَتّى نَظَمتُ المُونِقَ المُحَبَّرا ... قَلائِداً مِنَ القَريضِ نُدَّرا
كَأَنَّما أَنظِمُ مِنها جَوهَرا ... تِجارَةٌ قَد أَربَحَت مَن أَتجَرا
فاسلَم وَلا زِلتَ الأَعَزَّ الأَكبَرا ... مُؤَيَّدا مُسَدَّداً مُظَفَّرا
مُعَمَّراً وَلا تُرى مُغَمَّرا
стр. 182
وقال يمدحه وأنفذها من الرحبة إلى مدينة الرافقة يهنيه بصوم شهر رمضان من سنة ٤٣٢:
سَلامٌ كَنَشرِ المِسكِ فُضَّ خِتامُهُ ... عَلى مَلِكٍ بالرقَتَينِ خِيامُهُ
مُشَيَّعُ ما يُلقى عَلَيهِ نِجادُهُ ... مُبارَكُ ما يَحوِي عَلَيهِ لِثامُهُ
كَأَنَّ الرَدى تَلقى بِهِ كُلَّما التَقَت ... أَنامِلُهُ في مَعرَكٍ أَو حُسامُهُ
إِذا سُمتَهُ الغالي عَلَيهِ سَخا بِهِ ... وَهانَ عَلَيهِ سامُهُ أَو سَوامُهُ
كَريمُ زَمانٍ قَد تَقَدَّمَ قَبلَهُ ... زَمانٌ فَزادَت عَن نَداهُ كِرامُه
رَبيعٌ يَعُمُّ الناسَ لَيسَ بِمُجدِبٍ ... إِذا الناجِعُ المُستافُ أَجدَبَ عامُهُ
إِذا حَلَّ أَرضاً حَلَّها الخَيرُ وَاِنجَلى ... بِهِ البُؤسُ عَنها فَرَدُهُ وَتُوآمُهُ
دَنا مِن مَكانٍ فَاعتَراهُ سُرورُهُ ... وَخَلى مَكاناً فَاعتَراهُ عُرامُهُ
فَأَظلَمَ في ذاكَ المَكانِ نَهارُهُ ... وَأَشرَقَ في ذاكَ المَكانِ ظَلامُهُ
стр. 183
لَئِن باتَ مَهجورَ المَحَلِّ عِراقُهُ ... فَقَد باتَ مَأنوسَ المَحَلِّ شآمُهُ
وَهَل هُوَ إِلّا الغَيثُ حَلَّت رِهامُهُ ... مَكاناً وَمالَت عَن مَكانٍ رِهامُهُ
فَلا يُبعِدِ اللَهُ الهُمامَ فَإِنَّهُ ... يَغِيبُ وَلَكِن لا يَغِيبُ اِهتِمامُهُ
سَقى كُلَّ دارٍ حَلَّها كُلُّ مُدجِنِ ... كَأَنَّ ابتِسامَ البَرقِ فيها اِبتِسامُهُ
يَسِحُّ شِمالِيَّ المُصَلّى فَيَستَوي ... بِما سَحَّ مِنهُ خَلفُهُ وَأَمامُهُ
وَيُمرِعُ بابُ الشامِ أَو تَكتَسي الحَيا ... رُباهُ اللَواتي حَولَهُ وَإِكامُهُ
وَيُصبِحُ مَيدانُ القُصورِ مُرَوَّضاً ... يَضُوعُ نَسيماً رَندُهُ وَبَشامُهُ
وَيُكسى بِهِ سُورُ المَدينَةِ مِطرَفاً ... مِنَ النَورِ لَم يَنسُجهُ إِلّا غَمامُهُ
إِذا اعتَمَّ بِالنَوّارِ بُرجٌ ظَنَتَهُ ... مِنَ البُزلِ عَوداً شابَ مِنهُ سَنامُهُ
لَقَد حَلَّ تِلكَ الأَرضَ مَن لَو رَأَى بِها ... مَكارِمَهُ المَنصورُ طالَ اِحتِشامُهُ
بَنى ذاكَ بُنياناً تَهَدَّمَ بَعدَهُ ... وَهَذا بَنى ما لا يُخافُ اِنهِدامُهُ
وَلَو شاهَدَ المَأمُونُ بَعضَ زَمانِهِ ... لَما كانَ مَأمُوناً عَلَيهِ حِمامُهُ
وَمُعتَصِمٌ بِاللَهِ لَو عاشَ لَم يَكُن ... بِغَيرِ ثِمالٍ في الخُطوبِ اعتِصامُهُ
стр. 184
وَقد وُصِفَ الفَضلُ بنُ يَحيى بن خالِدِ ... وَأَفضَلُ مِنهُ عَبدُهُ وَغُلامُهُ
مَلِيكٌ تَلاهُم وَهوَ أَفضَلُ مِنهُمُ ... وَجَمرُ الغَضا يَتلُو الدُخانَ ضِرامُهُ
وَبِالرقَةِ البَيضاءِ مِن آلِ صالِحٍ ... فَتىً مِثلُ حَدِّ المَشرَفِي اعتِزامُهُ
يُرَجىّ كَما تُرجى الغَمامَةُ عَفوُهُ ... وَيُخشى كَما يَخشى الحِمامَ اِنتِقَمُهُ
حَوى الفَضلَ طِفلاً وَهوَ في المَهدِ وَالتَقى ... عَلى غَيرِ طَيشٍ حِلمُهُ وَاحتِلامُهُ
بِصِحَّةِ عَزمٍ لا تُفَلُّ غُروبُهُ ... وَثاقِبِ رَأيٍ لا تَطيشُ سِهامُهُ
إِذا داسَ وَجهَ الأَرضِ أَصبَحَ لُؤلُؤَاً ... حَصاهُ وَمِسكاً تُبَّتِيّاً رُغامُهُ
هَنيئاً لَهُ الشَهرُ الَّذي بُرَّ سَعيُهُ ... بِهِ وَزَكا عِندَ الإِله صِيامُهُ
إِذا قامَ فيهِ لِلصَلاةِ وَلِلنَدى ... حَوى الأَجرَ وَالذِكرَ الجَميلَ قِيامُهُ
وَلَيلٍ وَهَبتُ النَومَ فيهِ لِماجِدٍ ... قَليلٍ عَلى ضَيمِ العَدُوِّ مَنامُهُ
وَنظَّمتُ دُرّاً في عُلاهُ وَإِنَّهُ ... لَأَسنى مِنَ الدُرِّ الثَمينِ نِظامُهُ
يَدُومُ عَلى مَرِّ اللَيالي وَإِنَّما ... يُرادُ مِنَ الشَيءِ النَفِيسِ دَوامُهُ
стр. 185
وقال أيضًا يهنيه بإبلال من مرض:
زارَهُ الطَيفُ زَورَةً في مَنامِه ... غَرَّمَتهُ ما فاتَهُ مِن غَرامِه
كانَ خِلواً مِنَ السَقامِ فَلَمّا ... زارَهُ الطَيفُ عادَ حِلفَ سَقامِه
لَم يَزُرهُ طَيفُ المَنامِ وَلَكن ... زارَهُ مَن نَفى لَذيذَ مَنامِه
عَجَباً أَن يُلِمَّ طَيفٌ لِأَسما ... ءَ عَلى غَيرِ مَوعِدٍ مِن لِمامِه
زائِراً مِن لِوى الشَآمِ وَرَيّا ... هُ كَرَيّا عَرارِهِ وَبَشامِه
طَرَقَ الرَكبَ وَالدُجا مِثلُ فَودَيْ ... هِ وَوَلّى وَالصُبحُ مِثلُ اِبتِسامِه
وَتَخَطّى وادي الأَراكِ فَما لا ... نَت غُصونُ الأَراكِ لِينَ قَوامِه
كُلَّما مَرَّ مَوهِناً هَيَّجَت لِي ... لَوعَةً بِالهَديلِ وُرقُ حَمامِه
وَتَذَكَّرتُ ساكِناً بِرِجامِ النْ ... نَبْرِ سَقياً لِساكِنٍ بِرِجامِه
يُضرِمُ النارَ بِاليَفاع وَقَلبي ... فيهِ ما في يَفاعِهِ مِن ضِرامِه
جُؤذَرٌ مِن جَآذِرِ الحَيِّ لا يُو ... في بِمِيعادِهِ وَلا بِذِمامِه
فَضَحَ البَدرَ وَالدُجى فَسَناهُ ... كَسَناهُ وَفَرعُهُ كَظَلامِه
стр. 186
يا خَلِيلَيَّ سَقِّياني حَرامَ الر ... راحِ صِرفاً وَاستَغفِرا مِن حَرامِه
بِنتَ كَرمٍ تَفُضُّ هَمَّ أَخي الهَم ... مِ إِذا فُضَّ دَنُّها مِن خِتامِه
سَلَكَت مَسلَكَ الحَياةِ وَدَبَّت ... بَينَ لَحمِ الفَتى وَبَينَ عِظامِه
مِثلَ حُبِّ المُعِزِّ تَشرَبُهُ الأَنْ ... فُس شُربَ الثَرى لِدَرِّ غَمامِه
مَلِكٌ واضِحُ الجَبينِ كَأَنَّ الشْ ... شَمسَ ما بَينَ تاجِهِ وَلِثامِه
مُحسِنٌ نَستَفيدُ مِن يَدِهِ الثَر ... وَةَ فَضلاً وَحِكمَةً مِن كَلامِه
ذَهَبَ الدَهرُ بِالكِرامِ وَقَد رُدْ ... دَ بِهِ كُلُّ ذاهِبٍ مِن كِرامِه
مُتلِفٌ مُخلِفٌ وَسَهلٌ إِذا سُو ... لِمَ أَهلٌ وَأَيِّدٌ في خِصامِه
لَم يَحُز قَيصَرٌ مَداهُ وَلا قا ... مَ اليَمانِيُّ تُبَّعٌ في مَقامِه
عارِضٌ مُسبِلٌ إِذا تُمحِلُ الأَر ... ضُ كَفى القَطرَ قَطرَةٌ مِن رِهامِه
مُلهَجٌ بِالنَدى تَراهُ يَرى السا ... ئِلَ مِن حُبِّهِ لَهُ في مَنامِه
قامَ بِالمُلكِ بَعدَ أَن هَبَطَ المُل ... كُ إِلى أَن أَقامَهُ بِقِيامِه
وَهَوَت ذُروَةُ العُلى فَبَناها ... بِالصَقِيلَينِ عَزمِهِ وَحُسامِه
стр. 187
فَرَّغَت كَفُّهُ الكُنوزَ وَأَفنى ... بِعَطا الطارِقِينَ بُزلَ سَوامِه
يَتَّقي اللَهَ مِثلَ ما يَتَّقي الذَم ... م وَيُمسي وَالحَمدُ جُلُّ اغتِنامِه
مَلِكٌ يَغرَقُ المُلوكُ ذَوو التِي ... جانِ في فَضلِهِ وَفي إِنعامِه
يَطلُعُ البَدرُ في السَماءِ فَيَلقا ... هُ بِوَجهٍ وَسامُهُ كَوَسامِه
يُشرِقُ اللَيلُ مِن سَناهُ كَما تُش ... رِقُ ظَلماؤُهُ بِبَدرِ تَمامِه
وَتَفوحُ الصَبا بِرائِحَةِ العَن ... بَرِ مِن نَحوِ قَصرِهِ وَخِيامِه
مُفلِحٌ مُنجِحٌ يَسيرُ وَلِلإِق ... بالِ جَيشٌ مِن خَلفِهِ وَأَمامِه
كُلَّما رامَ مَطلَباً يَسَّرَ الل ... هـ لَهُ ما يَرُومُهُ مِن مَرامِه
خَيَّمَ السَعدُ في ذَراهُ وَما اِستَس ... عَدَ إِلّا بِحُبِّهِ لِإِمامِه
مُحسِنٌ بِالعِبادِ مَن سَأَلَ الل ... هَ لَهُم في بِقائِهِ وَدَوامِه
دافِعٌ مانِعٌ عَنالثَغرِ لا يَأ ... لُو اجتِهاداً في حِفظِهِ وَاهتِمامِه
قَصرُهُ كَعبَةٌ وَيُمناهُ كَالرُك ... نِ لَنا وِاستِلامُها كَاستِلامِه
بَشَّرَت نَفسَها المَكارِمُ لَمّا ... بَشَرُوها بِشُربِهِ لِمُدامِه
وَاستَفَزَّ السُرورُ مَغناهُ وَاهتَز ... ز بِمَن فَوقَ أَرضِهِ مِن ندامه
مَنزِلٌ يَشتَهي الزَمانُ بِأَن يَب ... سُطَ خَدَّيهِ في مَكانِ رِجامِه
стр. 188
كادَت الراحُ أَن تَطيرَ مِنَ الدَسْ ... تِ ارتِياحاً إِلى يَمينِ هُمامِه
إِنَّما يَفرَحُ الزَمانُ بِأَن يَف ... رَحَ فيهِ وَغَمُّهُ بِاغتِمامِه
مَدَّهُ اللَهُ بِالسُعودِ وَأَعطا ... هُ المُنى في مَسيرِهِ وَمُقامِه
وقال أيضًا يمدحه سنة ست وثلاثين وأربعمائة:
عِش مُهناً بِكُلِّ خَيرٍ مُمَلّا ... وَابقَ أَعلى مِنَ السِماكِ مَحَلّا
حَسَدَت نَعلَكَ الوُجُوهُ فَلَو أَر ... ضاكَ وَجهي حَذَوتُهُ لَكَ نَعلا
وَوَطِئتَ الثَرى فَلَو قِيسَ بِالعَن ... بَرِ ما دُستَ كانَ ما دُستَ أَغلى
قَد سَمِعنا عَنِ الأَوائِلِ قَولاً ... وَرَأَينا مِنكَ الَّذي قِيلَ فِعلا
طُلتَ حَتّى أَصبَحتَ لِلفَلَكِ الدا ... ئِرِ عُلواً وَأَصبَحَ العُلوُ سُفلا
وَفَضَحتَ الغَمامَ بِالجُودِ حَتّى ... صارَ جُودُ الغَمامِ لُؤماً وَبُخلا
وَقَهَرتَ العِدى بِسَيفِكَ حَتّى ... قَد غَدا مِنهُمُ الأَعَزُّ الأَذَلّا
كُلَّما حاوَلُوا انحِطاطَ مَبانِي ... كَ بَناها لَكَ الإِلهُ وَأَعلى
قَد رَأَينا المُلوكَ في كُلِّ أَرضٍ ... وَرَأينا الأَعَزَّ أَنتَ الأَجَلّا
قُمتَ بِالنائِباتِ عَنهُم فَقَد أَص ... بَحَ كُلٌّ عَلى الحُمَيدِيِّ كَلّا
стр. 189
لَو عَدَدنا قَطرَ الغَمامِ الَّذي صا ... بَ وَمَعرُوفَهُ لَزادَ وَقَلّا
ناهِضٌ بِالخُطوبِ لَو حَمَلَ الشُم ... مَ الذُّرى لاستَقَلَّها وَاستَقَلّا
كُلَّما جَلَّ جَلَّ عَن شِيَمِ الكِب ... رِ وَمَن جانَبَ التَكَبُّر جَلّا
مُدرِكيُّ النِجارِ أَصبَحَ أَعلى الن ... ناسِ قَدراً وَأَرجَحَ الناسِ عَقلا
ساعَدَتهُ نَوائِبُ الدَهرِ حَتّى ... طَلَبَ الدَهرُ عِندَ شانيهِ تَبلا
كُلَّما سارَ مُزمِعاً أَزمَعَ المَج ... دُ مَسِيراً وَكُلَّما حَلَّ حَلّا
مِثلُ صَوبِ الغَمامِ لا تَشتَكي الأَر ... ضُ إِذا ما مَشى عَلى الأَرضِ مَحلا
حَطَّمَ السَمهَرِيَّ طَعناً وَأَفنى السْ ... سَيفَ ضَرباً وَأَنفَدَ المالَ بَذلا
عَذَلُوهُ عَلى السَماحِ وَما يَق ... بَلُ دَرُّ الغَمامِ لَوماً وَعَذلا
عاشِقٌ لِلنَدى إِذا نالَ حُسنَ الذ ... ذكرِ بَينَ المَلا فَقَد نالَ وَصلا
مُرغِبٌ مُرهِبٌ فَقَد مَلَأَ الآ ... فاقَ أَمناً وَطَبَّقَ الأَرضَ عَدلا
وَرِكابٍ كَلَّت وَمَلَّت وَكَلَّ الر ... ر كبُ مِن طُولِ ما يَسيرُ وَمَلّا
دَلَّهُم في الظَلامِ وَجهُ أَبي العُل ... وانِ لَمّا حارَ الدَليلُ وَضَلّا
стр. 190
كُلَّما هَبَّتِ الصَبا شَمَّ رَيّا ال ... مِسكِ مِن نَحوِ أَرضِهِ فاستَدَلّا
كَسَبَ الفَخرَ قَومَهُ وَكَسى العُر ... يَ ثِياباً مِنَ العُلى لَيسَ تَبلى
وَغَدا النَجمُ وَالشِهابُ يَحُفّا ... نِ هِلالاً مِن أُفقِهِ قَد تَجَلّى
خَمسَةٌ كَالأَصابِعِ الخَمسِ وَالوُس ... طى فَتىً طالَهُم جَلالاً وَنُبلا
إِن عَلا قَدرُ ما أَنالَ مِنَ الفَض ... لِ فَإِنّي مُحِلُّهُ اليَومَ أَعلى
فَردَةٌ أَعلَمَت بِأَنَّكَ فَردٌ ... وَسِجلٌّ قُلِّدتَهُ لِيُحَلّى
وَلِواءٌ حَكى الهَدِيَّ عَلَيها ال ... وَشيُ قَد أَقبَلَت إِلى البَعلِ تُجلى
ذاتُ فَرعٍ تَلُفُّ أَطرافَهُ الرِي ... حُ وَلَكِن بِعاصِفِ الرِيحِ تُعلى
وَمَشَت تَحتَكِ الصَبا تَحمِلُ التِب ... رَ وَتَشكُو مِن حَملِها لَكَ ثِقلا
عَجَباً كَيفَ تَستَقِلُّ بِكَ الخَي ... لُ إِذا كُنتَ تُثقِلُ الأَرضَ حَملا
وَتَقَلَّدتَ بِالحُسامِ فَقُلنا ... هَل رَأَيتُم نَصلاً تَقَلَّدَ نَصلا
وَتَنَطَّقتَ بِالنُجومِ وَسُربِل ... تَ بِثَوبٍ يَحكي الغَزالَةَ غَزلا
إِن عَدا مُهجَةَ الإِمامِ فَقَد أَف ... ضى إِلى مُهجَةٍ تُحاطُ وَتُكلا
стр. 191
إِنَّما أَنفَذَ الغِلالَةَ لَمّا ... لَم يَجِد في فُؤادِهِ لَكَ غِلّا
شَرَفاً زائِداً وَعِزَّاً مِن اللِ ... هِ وَفَضلاً مِنَ الخَليفَةِ جَزلا
لَو مَلَكتَ العِبادَ شَرقاً وَغَرباً ... وَحَوَيتَ البِلادَ حَزناً وَسَهلا
كُنتَ أَولى بِها وَكُنت لما تَم ... لِكُ مِن أَهلِ دُنياكَ أَهلا
خَبَطَ الناسُ حَولَكَ الأَرضَ حَتّى ... مَلَؤُوها طُرقاً إِلَيكَ وَسُبلا
مَن بَغى الخَيرَ مِن سِواكَ فَما فا ... زَ وَمَن لَم يَلُذ بِغَيرِكَ ذَلّا
لَم تَهبَني حَوادِثُ الدَهرِ إِلّا ... مُذ تَعَلَّقتُ مِن حِبالِكَ حَبلا
كُلَّما صُغتُ فيكَ بِكراً مِنَ القَو ... لِ أَبَت أَن تُرِيدَ غَيرَكَ بَعلا
يَسمَعُ الدَهرُ ما أَقولُ فَيَروي ... هِ وَعَنّي رَوى وَمِنّي استَملى
وَلَقَد طُلتَ عَن مَديحي فَما أَد ... رِي أَيُرضِيكَ ما أُحَبِّرُ أَم لا
يا بنَ أَعلى المُلوكِ قَدراً وَيا أَك ... رَمَ مَن أَوطَأَ السِماكَينِ رِجلا
إِنَّما أَنتَ نِعمَةٌ يَشكُرُ اللَ ... هَ عَلَيها مَن صامَ مِنّا وَصَلّى
لا أَلمَّت بِكَ الخُطُوبُ وَلا ذا ... قَت لَكَ المَكرُماتُ في الدَهرِ ثَكلا
стр. 192
وقال أيضًا يهنيه بعوده من الثغر وتعريسه بابنه رافع سنة ٤٣٨:
طَرَقَت أُمامَةُ وَالعُيُونُ نِيامُ ... كَلِفاً يُعَنَّفُ في الهَوى وَيُلامُ
لا حَمدَ إِلّا لِلرُقادِ فَإِنَّها ... بَخِلَت وَما بَخِلَت بِها الأَحلامُ
زارَتكَ زُوراً في الظَلامِ فَلَيتَها ... زارَتكَ صادِقَةَ المَزارِ أُمامُ
كَذبَت وَكِذبُ الغانِياتِ فَضِيلَةٌ ... ووِصالُهُنَّ وَصِدقُهُنَّ حَرامُ
في لَيلَةٍ بَسَطَ القَوادِمَ نَسرُها ... وَانباعَ تَحتَ ظَلامِها الضِرغامُ
طَيفٌ أَلَمَّ بِنا فَهاجَ صَبابَةً ... بَينَ الجَوانِحِ ذَلِكَ الإِلمامُ
أَهلاً بِذَلِكُمُ الخَيال يَضُمُّهُ ... بَعدَ الإِكامِ تَنائِفٌ وَإِكامُ
أَسرى وَمَنزِلُهُ العِراقُ وَمَنزِلي ... حَلَبٌ بِحَيثُ الفَضلُ وَالإِنعامُ
في ظِلِّ وَضّاحِ الجَبينِ كَأَنَّه ... قَمَرٌ عَلى طَرَفِ السَريرِ يمامُ
طالَت بِهِ مُضَرٌ وَعَزَّ بِسَيفِهِ ... أَهلُ العَمُودِ وَأُيِّدَ الإِسلامُ
مِن صَفوَةِ العُربِ الَّذي فَخَرَت بِهِ ال ... أَجدادُ وَالأَخوالُ وَالأَعمامُ
стр. 193
سَبَقَ المُلوكَ إِلى الثَناءِ فَلَم يَدَع ... حَمداً وَلا عُلىً تُستَامُ
أَعطى وَأَلهَمَ بِالمَكارِمِ نَفسَهُ ... إِنَّ المَكارِمَ لِلفَتى إِلهامُ
لَم أَنسَهُ عَزمَ المَسيرَ وَحَولَهُ ... جَيشٌ يَسُدُّ الخافِقينِ لُهامُ
حَجَبَ الغَزالَةَ نُورُهُ وَتَشابَهَت ... فيهِ البُروقُ وَوَجهُهُ البَسّامُ
مَلأَ الفِجاجَ بِهِ وَسارَ أَمامَهُ ... مَلِكٌ عَلَيهِ مَهابَةٌ وَوَسامُ
فَغَمَ الفَلا طِيباً وَأَصبَحَ رِمثَها ... وَكَأَنَّما هُوَ عَبهَرٌ وَبَشامُ
حَتّى إِذا نَزَلَ الرُصافَةَ شُيِّدَت ... فيها قِبابٌ حَولَهُ وَخِيامُ
وَدَنا مِنَ البَيتِ الكَريمِ وَحَولَهُ ... عَركٌ لِفُرسانِ الوَغى وَزِحام
وَالنُورُ قَد حَسَرَ الظَلامَ كَأَنَّما ... عُدِمَ الظَلامُ فَما يُحَسُّ ظَلامُ
حَتّى لَهَمَّ بِأَن يَقُوم مُسَلِّما ... مِن قَبرِهِ شوقا إِلَيكَ هِشام
فَاسلَم عَلى الأَيّامِ إِنَّكَ واحِدٌ ... حَسُنَت بِحُسنِ حَديثِكَ الأَيّامُ
لا فارَقَت يَدُكَ العَطاءَ وَلا اِنقَضى ... مِن خَيلِكَ الإِسراجُ وَالإِلجامُ
وقال أيضًا يمدحه:
يا مُزنَةَ الحَيِّ يَحدُو عِيسَها الحادي ... هَلّا شَفَيتِ بِرِيٍّ غُلَّةَ الصادي
стр. 194
زَوَّدتِني نَظرَةً زادَت جَوىً كَبِدِي ... ما كانَ ضَرَّكِ لَو أَكثَرتِ مِن زادي
أَمّا فُؤادي فَقَد أَضحى أَسيرَكُمُ ... يا وَيحَهُ مِن فُؤادٍ مالَهُ فادي
مَنُّوهُ زُوراً وَمَنُّوا في المُنى وَعِدُوا ... وَعداً جَميلاً وَلا تُوفوا بِميعادِ
كَيفَ الخَلاصُ وَقَد أَضرَمتِ في كَبِدي ... زَندَينِ ضِدَّينِ مِن خافٍ وَمِن بادي
أَيّامَ نَحنُ بِأَعلى الشِعبِ مَنزِلُنا ... وَمَنزِلُ الحَيِّ بَينَ السَفحِ وَالوَادي
ما كانَ ضَرَّكُمُ وَالدارُ جامِعَةٌ ... وَغُربَةُ البَينِ لَم تَجلِسُ بِمِرصادِ
لَو أَنعَمت بِالمُنى نُعمٌ وَلَو كَرُمَت ... سُعدى فَجادَت بِإِسعافٍ وَإِسعادِ
لَم أَنسَها يَومَ وَلَّت وَهيَ غادِيَةٌ ... بِمُهجَتي في الفَريقِ المُزمِعِ الغادي
حَسّانَةُ الجِيدِ مَصقُولٌ تَرائِبُها ... مِثلُ العَقيقَةِ في وَطفاءَ مِرعادِ
قالَت فَدَتكَ حَياتي وَهِيَ هازِلَةٌ ... رُوحي الفِداءُ لِذاكَ الهازِلِ الفادِي
أَمسَت أُمامَةُ قَد ضَنَّت بِنائِلِها ... فاعتادَ قَلبَكَ مِنها شَرُّ مُعتادِ
كَأَنَّ لُبَّكَ مُذ بانَ الخَليطُ بِها ... لُبُّ المُعَلَّلِ مِن صَفراءَ كَالجادي
مُقتُولَةٌ بِنَمير الماءِ قاتِلَةٌ ... تَرى المُصَبَّح مِنها مائِلَ الهادي
وَفِتيَةٍ لَوَّحَتهُم كُلُّ طامِسَةٍ ... قَفرٍ وَكُلُّ سَحيقِ الرِعنِ مُنقادِ
تَهوي بِهم شَدَنيّاتٌ مُزَمَّمَةٌ ... تَضِلُّ في البِيدِ أَعضاداً بِأَعضادِ
стр. 195
كَأَنَّهُم مِن نَعامِ الدَوِّ سارِحَةٌ ... تَخدي بِجِنٍّ عَلى الأَكوارِ مُرّادِ
تَشدُو بِذِكرِ ابنِ مِرداسٍ فَيُطرِبُها ... حَتّى تَهِمَّ بِأَن تَشدُو مَعَ الشادي
مُتَوَّجٌ مِن مُلوكِ الأَرضِ هِمَّتُهُ ... مَقسُومَةٌ بَينَ إِصدارٍ وَإِيرادِ
زُرنا المُعِزَّ فَزُرنا مِن فَتى مُضَرٍ ... بَحرَ النَدى وَشِهابَ الحَيِّ وَالنادي
وَباتَتِ العيسُ في مَغناهُ حامِدَةً ... لِفَضلِهِ وَلِإتهامي وَإِنجادي
فَتىً إِذا قَصَدَ القُصّادُ نائِلَهُ ... أَمُّوا مُعَرَّسَ وُفّادٍ وَقُصّادِ
أَغَرُّ أَبلَجُ يَلقى الوَفدَ مُبتَسِماً ... بِمُشرِقٍ مِثلِ ضَوءِ الشَمسِ وَقّادِ
يُهدى بِهِ الرَكبُ وَالظَلماءُ عاكِفَةٌ ... لا يُبعِدُ اللَهُ ذاكَ المُرشِدِ الهادي
فَخرٌ مُنيفٌ بَناهُ في القَديمِ لَهُم ... كَعبُ بنُ عَبدٍ وَإِدريسُ بنُ شَدّادِ
ما كُلُّ قَومٍ إِذا طالُوا بِأَنفُسِهِم ... طالُوا بِها وَبِآباءٍ وَأَجدادِ
تَرى الثِيابَ عَلى أَجسادِهِم فَتَرى ... تِلكَ الثِيابَ عَلى أَجسادِ آسادِ
إِذا نَضَوها نَضَوها عَن مَناكِبِهِم ... كَما نَضَوتَ سُيُوفاً حَشوَ أَغمادِ
إِن تَلقَهُم تَلقَ مِنهُم مَعشَراً نُجُباً ... أَكبادُهُمُ في الرَزايا غَيرُ أَكبادِ
стр. 196
كَأَنَّهُم وَعِتاقُ الخَيلِ تَحمِلُهُم ... أَطوادُ حِلمٍ جُلوساً فَوقَ أَطوادِ
شُمُّ العَرانينِ طَعّانينَ إِن غَضِبُوا ... بِالسَمهَرِيَّةِ بِذّالِينَ لِلزّادِ
يا بنَ المُلوكِ كَلاكَ اللَهُ مِن مَلِكٍ ... مُدَرَّبٍ بِفَعالِ الخَيرِ مُعتادِ
كَم مِنَّةٍ لَكَ عِندي ثَمَّرَت جِدَتي ... وَكَثَّرَت فَوقَ ظَهرِ الأَرضِ حُسّادي
لَأَجزِيَنَّكَ أَوصافاً مُحَبَّرَةَ ... كَأَنَّهُنَّ عُقُودٌ فَوقَ أَجيادِ
تَبقى عَلى غُبَّرِ الأَيّامِ خالِدَةً ... خُلودَ ذِكرِكَ في حَضرِ وَفي بادي
وقال أيضًا يمدحه في سنة ٤٣٣:
لَو كانَ يَنفَعُ في الزَمانِ عِتابُ ... لَعَتَبتُهُ في الرَبعِ وَهوَ يَبابُ
عُجنا عَلَيهِ العِيسَ نَسأَل رَسمَهُ ... لَو كانَ مَن سَأَلَ الطُلُولَ يَجابُ
زَمَنٌ لِأَحبابٍ نُحِبُّ دِيارَهُم ... مِن أَجلِهِم فَكَأَنَّها أَحبابُ
لَمّا جَعَلنا في العُيونِ تُرابَها ... لَم يَبقَ في تِلكَ الرُبوعِ تُرابُ
مِن بَعدِ ما سالَت شُعُوبُ مَدامِعٍ ... سالَت لَهُنَّ مَدامِعٌ وَشِعابُ
يا رَبعُ قَبَّحَكَ الزَمانُ وَطالَما ... زانَت عِراصَكَ زَينَبٌ وَرَبابُ
стр. 197
أَيّامَ يُلتَثَمُ التُرابُ إِذا مَشَت ... في دِمنَتَيكَ كَواعِبٌ أَترابُ
مِثلُ الشُمُوسِ عَلى غَوارِبِ أَينُقٍ ... يَغرُبنَ عَنكَ إِذا يَصيحُ غُرابُ
لا يُستَدامُ وَدادُهُنّ بِخُطوَةٍ ... إِن لَم يَدُم لَكَ ثَروَةٌ وَشَبابُ
ذَر حُبَّهُنَّ فَإِنَّهُنَّ فَوارِكٌ ... وَمَقالُهُنَّ خَديعَةٌ وَخِلابُ
وَإِذا طَلَبتَ مِنَ الزَمانِ طِلابَةً ... بِالسَيفِ لَم يَعذُب عَلَيكَ طِلابُ
إِنَّ المَمالِكَ لا يَصُونُ وُجُوهَها ... إِلّا طِعانٌ دُونَها وَضِرابُ
وَالعِزُّ مارَدَّ المُعِزُّ بِسَيفِهِ ... مِن بَعدِ ما ذَهَبَت بِهِ الأَحقابُ
غَضِبَت قَناهُ لِقَومِهِ فَاستَرجَعَت ... لَهُمُ المَمالِكَ وَالمُلوكُ غِضابُ
وَأَعادَ عِزَّ بَني كِلابٍ بَعدَما ... عَرِيَت مِنَ العِزِّ الأَشَمِّ كِلابُ
شَهِدُوا بِفَضلِ أَبيهِ فَاعتَرَفَت لَهُ ... بِالمَنِّ مِن فَلِّ الجُيوشِ رَقابُ
وَلَقَد تَيَقَّنَتِ العَشِيرَةُ أَنَّهُ ... ظُفرٌ لَها في النائِباتِ وَناب
نامُوا وَأَسهَرَ عَينَهُ في عَزِّهِم ... حَتّى بَنى قُطرَيهِ وَهوَ خَرابُ
وَعَفا عَنِ الجاني إِلَيهِ وَعَفوُهُ ... عَن قُدرَةٍ مِثلُ العِقابِ عِقابُ
стр. 198
وَبَنى لَهُم في العِزِّ بَيتاً ما بَنى ... شَبَهاً لَهُ زُفَرٌ وَلا جَوّابُ
بَيتٌ بَناهُ اللَهُ لَم يُسمَك لَهُ ... عَمَدٌ وَلَم تُمدَد لَهُ أَطنابُ
فَليَشكُروا مَلِكاً بِهِ وَبِخَيلِهِ ... فَخَرَت كُهُولٌ مِنهُمُ وَشَبابُ
حَمِدُوهُ إِذ عَرَفُوا سَجِيَّةَ غَيرِهِ ... وَالشَهدُ يُحمَدَ حينَ يُجنى الصابُ
هَنّاهُمُ بِمَعايِشٍ لَم يَهنِهِم ... فِيها طَعامٌ قَبلَهُ وَشَرابُ
وَوَفى بِما سَلَبَت قَناهُ فَرَدَّهُ ... وَمَتى تُرَدُّ مِنَ القَنا أَسلابُ
لَو لَم يُطالَب بِالَّذي هُوَ آخِذٌ ... أَخَذَتهُ مِن أَموالِهِ الطُلّابُ
وَإِذا الكَريمُ حَوى الجَسيمَ سَخا بِهِ ... كَالبَحرِ ما لِلشَيءِ فيهِ رَبابُ
لا يَعجَبُوا مِمّا فَعَلتَ فَكُلُّ ما ... تَأتي بِهِ في العالَمينَ عُجابُ
وَلَقَد عَفَفتَ عَنِ الحَريمِ وَلَم يَكُن ... لَكَ باطِنٌ يَغتابُهُ المُغتابُ
وَحَجَبتَهُنَّ عَنِ العُيونِ بِغَيرَةٍ ... هِيَ دُونَهُنَّ مَعَ الحِجابِ حِجابُ
وَأَنِفتَ أَن تَرضى بِهِنَّ حَلائِلاً ... وَبُعُولُهُنَّ غَطارِفٌ أَنجابُ
ظَفِرَت قَناكَ بِضِعفِ ما ظَفِرُوا بِهِ ... إِنَّ الكَريمَ مُظَفَّرٌ غَلّابُ
стр. 199
وَطَلَبتَ ثَأرَكَ فاشتَهَرتَ وَرَدَّ ما ... أَخَذَت عِداكَ الصارِمُ القِرضابُ
وَلَقِيتَ في نَصبِ المَكارِمِ وَالعُلى ... نَصَباً فَأَنتَ الناصِبُ النَصّابُ
وَلَقَد أَتَتكَ مِن الإِمامِ مَواهِبٌ ... ضاقَت بِها الفَلَواتُ وَهِيَ رِحابُ
تَمشي بِها القُبُّ العِتاقُ وَخُنَّقٌ ... مِثلُ الأَهِلَّةِ فَوقَهُنَّ قِبابُ
وَمُخَلَّقٌ شَختُ النِطاقِ خِتامُهُ ... مِسكُ العَتيرَةِ وَالحَريرُ إِهابُ
سُطِرَت رِقابُ عِداكُمُ بِسُطُورِهِ ... مُذ فُضَّ فَهوَ مُهَنَّدٌ وَكِتابُ
وَكَأَنَّ هالاتِ البُدورِ عَمائِمٌ ... لَكُمُ وَأَنوارُ الشَموسِ ثِيابُ
لِلّهِ دَرُّكُمُ فَأَنتُم مَعشَرٌ ... ما فِيكُمُ لِلعائِبِينَ مَعابُ
طُلتُم بِأَلقابِ الإِمامِ وَطُلتُم ... مِن قَبلِ ذاكَ وَمالَكُم أَلقابُ
لَو لَم تَكُن أَلقابُكُم مَذكُورَةً ... أَغنَتكُمُ عَن ذِكرِها الأَحسابُ
قالَ العِدا لِلشّامِ لَمّا عُدتُمُ ... هَذي الأُسُودُ بِها اِحتَمى ذا الغابُ
أَبناءُ مِرداسٍ وَأَيُّ مَعاشِرٍ ... جُبِلُوا عَلى طِيبِ الأُصولِ فَطابُوا
لا يَقلَقونَ إِذا تُلِمُّ مُلِمَّةٌ ... وَكَأَنَّهُم في النائِباتِ هِضاب
стр. 200
قَومٌ إِذا حَضَروا الثَناءَ عَلَيهِمُ ... في مَحفِلٍ حَضَرُوا وَهُم غُيّابُ
مِن كُلِّ مَيمُونِ النَقِيبَةِ مُسفِرٍ ... عَن حُرِّ وَجهٍ حُطَّ عَنهُ نِقابُ
يَهديكَ في اللَيلِ البَهيمِ بِنُورِهِ ... وَكَأَنَّما يَهديكَ مِنهُ شِهابُ
سَهلُ القِيادِ وَرُبَّما لاقَيتُهُ ... صَعبَ الظُلامَةِ وَالخُطُوبُ صِعابُ
وَلَقَد بَنى مَجدُ الإِمامِ لِقَومِهِ ... مَجداً تَحِيرُ لِمِثلِهِ الأَلبابُ
مَلِكٌ يَضُرُّ كَما يَسُرُّ بِرِفدِهِ ... وَالدُرُّ في المُرِّ الأُجاجِ يُصابُ
ثَبتُ العَزيمَةِ لا يَطيشُ بِلُبِّهِ ... جَهلٌ وَلا يَخفى عَلَيهِ صَوابُ
يا أَيُّها المَلِكُ الَّذي شَهِدَت لَهُ ... طَيٌّ بِكُلِّ فَضيلَةٍ وَجَناب
لا يَومَ أَسعَدُ مِنهُ يَوماً حَلَّقَت ... فيهِ وَراءَكَ رايَةٌ وَعُقابُ
نَشَرَت لَها ريحُ الشِمالِ ذَوائِباً ... شَتّى عَلَيهِنَّ النُضارُ مُذابُ
مَعقُودَةٌ بِالعِزِّ إِلّا أَنَّها ... عَذَبٌ لِحاسِدِكُم بِهِنَّ عَذابُ
فَاسعَد بِما خُوِّلتَ وَابقَ مُخَلَّداً ... ما لِلسَعادَةِ عَن ذَراكَ ذَهابُ
وَالبَس حُلى مَدحي فَلَيسَ بِعاطِلٍ ... جِيدٌ لَهُ هَذا المَديحُ سِخابُ
стр. 201
وقال أيضًا يمدحه سنة ٤٣٦:
كَذا لا تَزالُ رَفيعَ الرُتَب ... كَثيرَ العَدُوِّ كَثيرَ الغَلب
وَقَد وَهَبَ اللَهُ هَذا النَعيمَ ... وَما يَرجِعُ اللَهُ فيما وَهَب
وَمَن عاشَ أَبصَرَ في حاسِدِيكَ ... وَفِيمَن يُعادِيكَ أَمراً عَجَب
أَرادُوا تَمَلُّكَ ما في يَدَيكَ ... وَماتُوا وَلَم يُقضَ ذاكَ الأَرَب
وَكَم طَلَبُوا لَكَ بُؤسَ الحَياةِ ... فَما أَنجَحَ اللَهُ ذاكَ الطَلَب
فَلا تَحفِلَنَّ بِصَرفِ الزَمانِ ... فَأَنتَ المُظَفَّرُ كَيفَ اِنقَلَب
وَلا تُبقِ مالاً فَرِزقُ الكَريمِ ... م يَأتيهِ مِن حَيثُ لا يَحتَسِب
إِذا سَلَّمَ اللَهُ رُوحَ الأَميرِ ... فَأَهونَ شَيءٍ ذَهابُ الذَهَب
وَمَن كَسِبَ الحَمد في الخافِقَينِ ... فَلَيسَ يُبالي عَلى ما كَسَب
فَخُذ ما صَفا مِن لَذيذِ الحَياةِ ... وَدَع لِسِواكَ الأَذى وَالنَصَب
وَلا تَخبَ إِلّا شِفارَ السُيوفِ ... وَهذِي الرِجالَ وَهذِي الخُطَب
لَعَمرِي لَقَد قُمتَ نِعمَ القِيامِ ... وَجَمَّلَ ذِكرُكَ ذِكرَ العَرَب
وَحَجَّت إِلَيكَ وُفودُ البِلاد ... دِ مِن كُلِّ فَجٍ سَحيقِ الحَدَب
فَقَومٌ لَهُم كَعبَةٌ في الحِجازِ ... وَقَومٌ لَهُم كَعبَةٌ في حَلَب
стр. 202
فَهَذِي تُحَجُّ لِغَفرِ الذُنوبِ ... وَهَذي تُحَجُّ لِبَذلِ الرَغَب
وَفي الدَستِ أَروَعُ مِثلُ الحُسام ... سَريعُ الرِضا لا سَريعُ الغَضَب
نَظيرُ الهِزَبرِ إِذا ما استُثِيرَ ... وَندُّ الغَمامِ إِذا ما اِنسَكَب
إِذا كَتَبَ المُلكَ لي خالِداً ... كَتَبتُ لَهُ مِثلَ ما قَد كَتَب
مَدائِحُ تَبقى بَقاءَ الزَمانِ ... وَتَخلُدُ فيهِ خُلودَ الحِقَب
أَبا صالِحٍ لَيسَ كُلُّ الكَلامِ ... يَبقى وَلا كُلُّ قَولٍ يُحَبّ
خَدَمتُكَ وَالرَأسُ وَحفُ السَوادِ ... وَها هُوَ أَبَيَضُ مِثلُ الحَبب
وَمِثلُكَ يَطلُبُ مِثلي نَداهُ ... فَيَأتِيهِ أَزيَدُ مِمّا طَلَب
وقال أيضًا بديها وقد حضرت خيول عليها غلمان لابسون عدة وهي مجفجفة:
كُفِيتَ العِدى وَوُقيتَ الرَدى ... فَما زِلتَ تَعمُرُ رَبعَ النَدى
فَلَم أَرَ مِثلَكَ قادَ الجِيادَ ... مُجَلَّلَةً بِثِيابِ الوَغى
كَأَنَّكَ تَشتاقُ يَومَ الهِياجِ ... كَما اِشتاقَتِ الماءَ ذاتُ الصَدى
وَسَيفُكَ أَفنى العِدى في البِلادِ ... فَهَذي السُيوفُ فَأَينَ العِدى
فِداكَ المُلوكُ مِنَ النائِباتِ ... وَإِن لَم يَكُونُوا مَكانَ الفِدا
стр. 203
فَإِنَّكَ أَكرَمُ مِن حاتِمٍ ... يَميناً وَأَبعَدُ مِنهُ مَدى
وقال أيضًا يمدحه عقب وفاة أخيه واتفق ذلك ليلة الميلاد:
لازالَ يَرفَعُكَ الحِجى وَالسُؤدَدُ ... حَتّى رَنا حَسَداً إِلَيكَ الفَرقَدُ
صَعِدَ المُلوكُ وَأَنتَ تَصعَدُ عَنهُمُ ... فَكَأَنَّهُم لَم يُحسِنُوا أَن يَصعدُوا
بُعداً لِحاسِدِكَ الشَقِيِّ فَإنِّما ... حَسَدُ الحَسُودِ سَجِيَّةٌ لا تُحمَدُ
حَسبُ الحَسودِ نَقيصَةً أَنَّ العُلى ... عَدَتِ الحَسُودَ وَما عَدَت مَن يَحسُدُ
أَمّا المُعِزُّ فَإِن سَمِعتَ بِأَوحَدٍ ... فاقَ البَرِيَّةَ فَهوَ ذاكَ الأَوحَدُ
سَبَقَ الكِرامَ وَقَصَّروا أَن يَلحَقُوا ... أَدنى مَداهُ وَضُلِّلوا أَن يَهتَدُوا
نَفَقَ الثَناءَ بِهِ وَأَصبَحَت العُلى ... عِندَ الأَعَزِّ تِجارَةً لا تَكسُدُ
خَلَتِ البِلادُ مِنَ الكِرامِ وَأَقفَرَت ... إِلّا العَواصِمُ مِن جَوادٍ يُقصَدُ
لَو عاشَ قَومٌ أَعتَقُوهُ لَسَرَّهُم ... ما أَعتَقُوا وَلَسَرَّهُم ما أَولَدُوا
شادُوا لَهُ الفَخرَ المُنيفَ عَلى السُهى ... وَنَشا فَشَيَّدَ فَوقَ ما قَد شَيَّدُوا
ما كُلُّ مَن وَرِثَ المَكارِمَ قائِمٌ ... فَيها وَلا كُلُّ ابنِ فَحلٍ سَيِّدُ
стр. 204
يا حَبَّذا الفَرعُ الزَكِيُّ وَحَبَّذا ... ذاكَ النِجارُ وَحَبَّ ذاكَ المَحتِدُ
مِن سادَةٍ أَخَذُوا المَكارِم عادَةً ... وَلِكُلِّ قَومٍ في العُلى ما عُوِّدُوا
قَومٌ إِذا شَهِدُوا النِزالَ تَقَلَّدُوا ... مِن بَأسِهِم بِأَحَدَّ مِمّا قُلِّدُوا
يا سَيِّدَ الأُمَراءِ دَعوَةَ شاكِرٍ ... لا يَجحَدُ الإِحسانَ فِيمَن يَجحَدُ
إِنَّ الرَعايا أَشرَبَتكَ قُلُوبُهُم ... حُبّاً كَما شَرِبَ الغَمامَ الفَدفَدُ
وَجَدُوا لِفَقدِ أَخيكَ في مُهَجاتِهِم ... ناراً تَنُوبُ مَنابَ ما لَم يُوقِدُوا
وَتَحَرَّجُوا أَن يَفرَحُوا في لَيلَةٍ ... سَكَنَ التُرابَ بِها الحُسامُ المُغمَدُ
هَجَرُوا السُرورَ وَلَم يَبِت يَعتادُهُم ... أَسَفُ المَلامَةِ أَنَّهُم ما مَلًّدُوا
تَبِعُوا هَواكَ فلَو أَمَرت جَمِيعُهم ... بِالكَفِّ عَن أَعيادِهِم ما عَيَّدُوا
فاسلَم لَهُم فَإِذا سَلِمتَ فَإِنَّهُم ... تَحتَ السَلامَةِ أَتهَمُوا أَم أَنجَدُوا
وقال أيضًا يمدحه بالرحبة سنة ٤٢٥:
يا لَيلُ طُلتَ وَطالَ الوَجدُ وَالكَمَدُ ... كِلاكُما مُستَمِرٌّ ما لَهُ أَمَدُ
لا دَرَّ درّك مِن لَيلٍ كَواكِبُهُ ... طَلائِحُ الخَطوِ لا تَردي وَلا تَخِدُ
стр. 205
كَأَنَّها مِن فِراقِ اللَيلِ خائِفَةٌ ... وَفي الصَباحِ عَلَيها لِلكَرى قَوَدُ
وَقَد تَعَرَّضت لِلجَوزاءِ طالِعَةً ... مِثلَ الهَدِيِّ عَلَيها التاجُ مُنعَقِدُ
يا لَيلُ ما طُلتَ عَمّا كُنتُ أَعرِفُهُ ... وَإِنَّما طالَ بي فيكَ الَّذي أَجِدُ
يا أُمَّ عَمروٍ لَقَد كَلَّفتِني كُلَفاً ... مِنَ الصُدودِ فَقَلبي للرَدى صَدَدُ
أَتلَفتِ رُوحي وَما خَلَّفتِ لي جَسَداً ... فَعُدتُ لَم يَبقَ لي رُوحٌ وَلا جَسَدُ
قَد كُنتُ جَلداً وَأَمَّا بَعدَ نَأيِكُمُ ... فَلَيسَ لي في الهَوى صَبرٌ وَلا جَلَدُ
أَهوى المَزارَ وَكَم بَيني وَبَينَكُمُ ... مِن شاهِقِ الصَمدِ أَعلى سَمكَهُ الصَمَدُ
وَمِن فَلاةٍ شَطونِ البِيدِ نازِحَةٍ ... تَكِلُّ مِن دَونِها العَيرانَةُ الأَجُدُ
يَسري الخَيالُ فَيَلقى دُونَكُم نَصَباً ... فَما يُعاوِدُ إِلّا وَهوَ مُضطَهَدُ
دَع ذِكرَ هِندٍ وَلَكن رُبَّ مَهلَكَةٍ ... أَضحَت بِيَ العِيسُ في أَجوازِها تَفِدُ
إِلى المُعِزِّ الَّذي أَضحَت مَناقِبُهُ ... يُحصى الحَصا قَبلَ أَن يُحصى لَها عَدَدُ
إِلى فَتىً نالَ بِالمَعروفِ مُنذُ نَشا ... مَحامِداً لَم يَنلها قَبلَهُ أَحَدُ
أَلوى أَشَمُّ بَعِيدُ الشَوفِ مُنصَلِتٌ ... جَبِينُهُ مِثلُ ضَوءِ الشَمسِ يَتَّقِدُ
стр. 206
أُثني عَلَيهِ وَلي في كُلِّ جارِحَةٍ ... قَلبٌ لِأَضعافِ ما أُبديهِ مُعتَقِدُ
يا مَن هُوَ البَحرُ جَيّاشاً بِنائِلِهِ ... وَغَيرُهُ المَنهلُ الضَحضاحُ وَالثَمَدُ
فَذاكَ نَزرٌ تَكادُ الأَرضُ تَنشِفُهُ ... وَأَنتَ يَطمي عَلَيكَ المَوجُ وَالزَبَدُ
يا واهِبَ المالِ لا مَطلٌ يَحُولُ بِهِ ... وَلا يُكَدِّرُهُ مَنٌّ وَلا نَكَدُ
إِذا حَضرتَ وَغابَ الناسُ كُلُّهُمُ ... عَن مَشهَدٍ لَم يَغِب عَنهُم وَقَد شَهِدُوا
لا فارَقَت شَخصَكَ الدُنيا فَأَنتَ بِها ... كَالشَمسِ لَم يَخلُ مِن نُورٍ لَها بَلَدُ
وقال أيضًا يمدحه مودعًا برحبة مالك سنة ٤٢٥:
أَحِلماً تَبتَغِي عِندَ الوَداعِ ... لَعَمركَ لَيسَ ذاكَ بِمُستَطاعِ
وَتَطمَعُ في الحَياةِ وَغَيرُ حَيٍّ ... يَكُونُ إِذا دَعا لِلبَينِ داعِ
بِثَهمَدَ وَالظَعائِنُ عامِداتٌ ... حُزُوناً بَينَ ثَهمَدَ وَالكُراعِ
بِكُلِّ غَريرَةٍ تَهتَزُّ لِيناً ... كَما يَهتَزُّ مَشمُولُ اليَراعِ
أُلاحِظُها بِطَرفٍ غَيرِ سامٍ ... وَأُتبِعُها فُؤاداً غَيرَ واعِ
стр. 207
فَلَم أَرَ قَبلَها في الخِدرِ شَمساً ... وَلا قَمَراً مُنيراً في قِناعِ
وَقائِلَةٍ هَواكَ لَنا خِداعٌ ... وَتُنكِرُ طُولَ بَثّي وَالتِيَاعي
وَلَو وَجِدتَ غَداةَ البَينِ وَجدِي ... لَبانَ لَها صَحِيحي مِن خِداعي
كَأَنّي وَالحُمولُ مُوَلِّياتٌ ... صَريعُ كَريهَةٍ بِلوى الصِراعِ
وَشارِبٌ قَهوَةٍ غَلَبَت عَلَيهِ ... مِنَ الجِريالِ حَمراءُ الشُعاعِ
مُقَدَّمَةٌ لَها مِن عَهدِ عادٍ ... كَأَنَّ حَبابَها قُمصُ الأَفاعي
أَهاجِرَتي إِلى كَم طُولُ وَجدي ... بِكُم وَإِلى مَتى لَكُمُ اتِّباعي
وَحَتّامَ الهَوى عَلِقٌ بِقَلبي ... قَليلٌ عَن غِوايَتِهِ اِرتِداعي
وَكَم لا يَستَقِرُّ لَنا بِأَرضٍ ... قَرارٌ بَينَ بَينٍ وَاجتِماعِ
فَيَومٌ مِن لِقائِكِ في اِبتِهاجِ ... وَيَومٌ مِن فِراقِكِ في اِرتِياعِ
فَما أَخلُو إِلَيكُم مِن غَرامٍ ... وَلا أَخلُو إَلَيكُم مِن نِزاعِ
سَقى دارً لِسَلمى بِالكُراعِ ... مُلِثُّ القَطرِ مِن نَوءِ الذِراعِ
وَمُرتَجِسٌ كَأَنَّ البَرقَ فيهِ ... سَنا نارِ المُعِزِّ عَلى اليَفاعِ
стр. 208
فَتىً يَسعى الرِجالُ إِلى مَداهُ ... فَيَعجَزُ عَن مَداهُ كُلُّ ساعِ
وَيَعلُو الناسُ فِتراً في المَعالي ... فَيَعلُو فَوقَ ما يَعلُو بِباعِ
شِراعُ المَجدِ مَمدُودٌ عَلَيهِ ... وَمَشرُوعٌ نَدى ذاكَ الشِراعِ
رَعاهُ اللَهُ مِن مَلِكٍ هُمامٍ ... لَنا وَلِحَوزَةِ الإِسلامِ راعِ
أُوَدِّعُهُ وَفي قَلبي سِهامٌ ... لَعَمرُ أَبيكَ مِن هَذا الوَداعِ
وَأَمضي غَيرَ مُنتَفِعٍ بِعَيشٍ ... وَكَيفَ يَكُونُ بِالعَيشِ اِنتِفاعي
جَزاكَ اللَهُ عَن نُعماكَ خَيراً ... وَعَن حُسنِ اِحتِباسي وَاِصطِناعي
فَإِنّي مُذ نَجَعتُكَ بِالقَوافي ... حَمدتُ إِلَيكَ قَصدي وَاِنتِجاعي
وَطَلَّقتُ المُلوكَ بِكُلِّ أَرضٍ ... ثَلاثاً لا يَحِلُّ لَها اِرتِجاعي
فَعِش يُنعى إِلَيكَ الناسُ طُرّاً ... وَلا يَنعاكَ طُولَ الدَهرِ ناعي
وقال أيضًا يمدحه وقد استقبله من الرقة عائدًا متوجهًا إلى مُحاصرة الدزبري بحلب أيام وصوله إليها منهزمًا من دمشق سنة ٤٢٣:
أَحسَنتَ ظَنَّك بِالإِلهِ جَميلاً ... فَبَلَغتَ في أَعدائِكَ المَأمُولا
أَنتَ الجَليلُ فَنَل جَليلاً إِنَّما ... يَحوي الجَليلُ مِنَ الأُمورِ جَليلا
стр. 209
وَاِنهَض إِلى الأَعداءِ نَهضَةَ ضَيغَمٍ ... لَم يَرضَ إِلا بِالمَمالِكِ غِيلا
فَلَقَد كَفَفتَ وَما كَفَفتَ مَهابَةً ... وَلَقَد صَبَرتَ وَما صَبَرتَ ذَليلا
وَقَنِعتَ بِالنَزرِ القَليلِ وَلَم تَكُن ... عِندَ القَناعَةِ بِالقَليلِ قَليلا
يا مَن حَوى الشُكرَ الجَزِيلَ لِأَنَّهُ ... أَعطى جَزيلاً وَاستَعادَ جَزيلا
سِر حَيثُ شِئتَ فَإِنَّ سَعدَكَ لَم يَدَع ... في الشامِ دُونَكَ مِنبَراً مَقفُولا
وَاترُك رِماحَ الخَطِّ مِلء كُعُوبِها ... عَلَقاً وَمِلء المُرهَفاتِ فُلولا
وَاكسُ المُذاكِيَ مِن أَسِنَّةِ قَعضَبٍ ... غُرَراً وَمِن خَوضِ الدِماءِ حُجُولا
حَتّى تَعُودَ وَقَد بَلَوتَ مِنَ العُلى ... عُذرَ الكَريمِ وَقَد شَفَيتَ غَليلا
اللَهُ جارُكَ إِن ثَوَيتَ إِقامَةً ... وَكَفيلُ عِزِّكَ إِن أَرَدتَ رَحيلا
فَلَقَد فَضَلتَ عَلى المُلوكِ بِهِمَّةٍ ... ثَنَتِ المُدِلَّ بِفَضلِهِ مَفضُولا
وَبَذَلتَ مالَكَ دُونَ عِرضٍ لَم يَبِت ... لِلذَّمِّ مَرهُوباً وَلا مَبذُولا
وَحَمَلتَ أَثقالَ الزَمانِ وَلَم تَزَل ... فِينا لِأَثقالِ الزَمانِ حَمُولا
وَلَكَم جَنى جانٍ عَلَيكَ وَلَم تَكُن ... لَمّا قَدِرتَ عَلى العَفافِ عَجُولا
وَعِصابةٍ قَطَعُوا إِلَيكَ مِنَ الفَلا ... عَرضاً عَلى بُزلِ الرِكابِ وَطُولا
стр. 210
أَمِنُوا بِطَلعَتِكَ الضَلالَ وَحَسبُهُم ... مِن نُورِ وَجهِكَ هادِياً وَدَليلا
وَصَلُوا إلى رَبِّ المَكارِمِ بَعدَما ... وَصَلُوا مُعِزَّ الدَولَةِ المَأمُولا
مَلِكاً تَتَوَّجَ بِالثَناءِ فَلَم يُرِد ... تاجاً يُجَمِّلُهُ وَلا إِكليلا
وَلَقَد صَحِبتُ فَما صَحِبتُ مُذَمَّما ... وَلَقَد سَأَلتُ فَما سَأَلتُ بَخيلا
عَذبَ السَجِيَّةِ وَالعَطِيَّةِ لَم نَزَل ... نَمتاحُ نَيلاً مِن لُهاهُ وَنَيلا
يا سَيِّدَ الأُمَراءِ دَعوَةَ شاكِرٍ ... لِجَمِيلِ فِعلِكَ بُكرَةً وَأَصِيلا
قَدِمَت بِمَقدَمِكَ السُعُودُ وَأَدرَكَت ... مِنكَ الرَعايا السُؤلَ وَالمَأمُولا
يَستَقبِلوُنَكَ في الدُنُوِّ وَوُدُّهُم ... مَشياً إِلَيكَ عَلى النَواظِرِ مِيلا
عِلماً بِأَنَّكَ قَد مَدَدتَ عَلَيهِمُ ... ظِلّاً مِنَ الرَأيِ الجَميلِ ظَلِيلا
وَالقَصرُ يَهوى أَن يَسيرَ مُسَلِّماً ... لَو كانَ وافى لِلمسيرِ سَبِيلا
جَمَّلتَهُ لَمّا قَدِمتَ وَلَم يَكُن ... مُذ غِبتَ عَنهُ في العُيونِ جَميلا
لا تَعدَمِ الدُنيا بَقاءَكَ إِنَّما ... طُولُ السَعادَةِ أَن تَعيشَ طَويلا
وقال أيضًا يهنيه بأخذ قلعة عزاز سنة ٤٣٣:
دَليلٌ عَلى إِقبالِكَ السَلمُ وَالحَربُ ... فَسَيفُكَ لا يَنبُو وَنارُكَ لا تَخبُو
стр. 211
وِما هانَ إِلّا ما طَلَبتَ لِأَنَّهُ ... يَهُونُ عَلى أَمثالِكَ المَطلَبُ الصَعب
مَلَكتَ عَلى الأَعداءِ شَرقاً وَمَغرِباً ... فَلَيسَ لَهُم شَرقٌ يَجُنُّ وَلا غَربُ
وَغادَرتَهُم نَهبَ الرَدى بَعدَ نَهبِهِم ... فَأَعمارُهُم نَهبٌ وَأَموالُهُم نَهبُ
وَأَمطَرتَهُم مِن جَندَلِ الحَزنِ دِيمَةً ... إِذا كَثُرَت أَمطارُها كَثُرَ الجَدبُ
يَلُوذُونَ مِنها بِالهِضابِ وَما دَرَوا ... بِأَنَّ المَنايا لَيسَ يَمنَعُها الهَضبُ
إِذا شَرَّفُوا فَوقَ الشَرارِيفِ قُتِّلُوا ... عَلَيها فَصارَ القَتلُ يُجمَعُ وَالصَلبُ
سَلُوا عَن وُرُودِ الماءِ كُلَّ مُصَبَّحٍ ... فَقَد يَئِسُوا مِنهُ كَما يَيأسُ الضَبُّ
وَأُقسِمُ لَو أَضمَرت لِلشُّهبِ إِحنَةً ... لَما لَهِبَت في الجَوِّ مِن بَأسِكَ الشُهبُ
وَلَم أَرَ خَلقاً مِنكَ أَعظَمَ هِمَّةً ... إِذا جَلَّتِ اللأواءُ أَو عَظُمَ الذَنبُ
مَلَكتَ عَزازاً فَاِبتَدى العِزُّ وَانجَلَت ... بِها غُمَّة الإِسلامِ وَاِنكَشَفَ الكَربُ
تَرى القَلعَةَ البَيضاءَ وَلهى لِفَقدِها ... كَما وَلِهَت وَرقاءُ ضَلَّ لَها سَقبُ
هُما جانِبا ثَغرٍ إِذا مالَ مِنهُما ... إِلى السَلمِ جَنبٌ مالَ مِن بَعدِهِ جَنب
غَصَبتَ الأَعادي ما اِغتَصَبتَ وَإِنَّما ... بِمثلِ أَبي العُلوانِ يُرتَجَعُ الغَصبُ
стр. 212
فَتىً مِثلُ نَصلِ السَيفِ يَهتَزُّ مَتنُهُ ... وَلَكِنَّ نَصلَ السَيفِ يَنبُو وَما يَنبُو
حَبا مُذ حَبا ثُمَّ استَمَرَّ عَلى النَدى ... وَحَسبُكَ مِمَّن قَد حَبا قَبلَ أَن يَحبُو
كَريمٌ إِذا ما فارقَ الرَكبُ دارَهُ ... أَمِنّا عَلَيهِ أَن يُذَمِّمُه الرَكبُ
لَهُ عَزمَة في صَدرِهِ مِثلُ عَضبِهِ ... فَفي يَدِهِ عَضبٌ وَفي صَدرِهِ عَضبُ
مِنَ الصالِحِيِّينَ الَّذينَ تَقَلَّدُوا ... سُيُوفاً إِذا سَلُّوا أَذِبَّتَها ذَبّوا
بَنُو بَيتِ مَجدٍ طَوَّلَ اللَهُ سَمكَهُ ... فَطالُوا وَشَبّوا جَمرَةَ الحَربِ مُذ شَبُّوا
إِذا قِيلَ مَن سَنَّ المَكارِمَ وَالنَدى ... فَما سَنَّها إِلّا المَرادِسَةُ النُجبُ
يَسُبُّهُمُ القَومُ اللِئامُ وَإِنَّما ... يَزيدُهُمُ في قَدرِهِم ذَلِكَ السَبُّ
وَما ضَرَّهُم شَتمُ العَدُوِّ لِأَنَّني ... أَرى اللَيثَ لا يَعبا إِذا نَبَحَ الكَلبُ
وَلَم أَرَ مِثلَ الحِلمِ ثَوباً لِلابِسٍ ... وَلا مِثلَ حُسنِ الصَفحِ إِن قُبحَ الذَنبُ
إِذا أَنتَ عاتَبتَ الدَنِيَّ فَإِنَّما ... لَكَ اللَومُ في تِلكَ المَلامَةِ وَالعَتبُ
وَيا رُبَّ شَرٍّ ساسَ خَيراً وَرَيغةٍ ... إِلى السَلمِ جَرَّتها الضَغِينَةُ وَالحَربُ
لَعَمرِي لَقَد عَزَّت كِلابٌ وَأَصبَحَت ... تُنافِسُها طَيٌّ وَتَغبِطُها كَلبُ
стр. 213
فَجَمَّعتُمُ شَملَ العَشيرَةِ بَعدَما ... تَفرَّقَ ذاكَ الشَملُ وَاِنصَدَعَ الشَعبُ
وَقَد جَرَّبُوا خَيرَ الزَمانِ وَشَرَّهُ ... وَبانَ الأُجاجُ الطَرقُ وَالبارِدُ العَذبُ
رَعُوا حَقَّ فَضلٍ مِن أَبيكَ عَلَيهِمُ ... فَصَحُّوا وَلَولا الغَيثُ ما نَبَتَ العُشبُ
فَلا عَدِمُوا مِنكُم جَميلاً فَإِنَّكُم ... لَأَكرَمُ مَن يَرتافُهُ العُجمُ وَالعُربُ
مَحَلُّكُمُ رَحبُ الفِناءِ وَفَضلُكُم ... لِوارِدِهِ جَمٌّ وَغُضنُكُمُ رَطبُ
وقال أيضًا فيه:
رَأَيتُ مُلوكَ الأَرضِ في كُلِّ بَلدَةٍ ... وَأَبصَرتُ مالا يُبصِرُ الناسَ في الناسِ
وَطَوَّفتُ في شَرقٍ وَغَربٍ وَأُدمِيَت ... مَناسِيمُ أَعياسِي وَآطالُ أَفراسي
فَلَم أَرَ مَخلُوقاً مِنَ الناسِ فَضلُهُ ... يَزيدُ عَلى فَضلِ المُعِزِّ بنِ مِرداسِ
وقال أيضًا يمدحه سنة ٤٢٥:
بَرقٌ تَأَلَّقَ في الظَلامِ وَأَومَضا ... فَذَكَرتُ مَبسِمَ ثَغرِها لَمّا أَضا
وَكَأَنَّهُ لَمّا اِستَطارَ وَميضُهُ ... في حِندِسِ الظَلماءِ سَيفٌ مُنتَضى
يَحمَرُّ أَعلاهُ وَيَنصَعُ وَسطُهُ ... فَسَناهُ يَلمَعُ مُذهَباً وَمُفضَّضا
بَرقٌ تِهامِيٌّ كَأَنَّ بَرِيقَهُ ... لَهَبٌ يَشبُّ إِذا اِستَطارَ وأَومَضا
стр. 214
يَبدُو وَيَغمُضُ في الظَلامِ وَمُقلَتي ... مِن ذاكَ يَمنَعُها الجَوى أَن تُغمَضا
وَلَقَد سَرى وَهناً فَجَدَّد بِالهَوى ... عَهداً وَهَيَّضَ في الحَشا ما هَيَّضا
وَأَجَدَّ لي كَلفاً وَبَرحَ صَبابَةٍ ... وَأَعادَ مِن شَغَفِ الهَوى ما قَد مَضى
رُوحي الفِداءُ لِحائِلٍ عَن عَهدِهِ ... عَرَّضتُ بِالشَكوى إِلَيهِ فَأَعرَضا
وَلِساخِطٍ يُرضِيهِ قَتلي في الهَوى ... فَأَمُوتُ بَينَ السُخطِ مِنهُ وَالرِضا
نَزَلَ الغَضا فَحَشا الحَشا بِفِراقِهِ ... ناراً تَشِبُّ إِذا اِنطَفَت نارُ الغَضا
وَلَئِن تَعَرَّضَ بِالسُلُوِّ فَإِنَّني ... أَصبَحتُ بِالمَلِكِ الهُمامِ مُعَوَّضا
وَمُفوِّضاً أَمري إِلَيهِ وَلَم يَخِب ... مَن باتَ في أَمرٍ إِلَيهِ مُفَوِّضا
عَونُ الضَعيفِ إِذا اِستَعانَ بِفَضلِهِ ... وَغِنى الفقيرِ إِذا أَقَلَّ وَأَنفَضا
سُئِلَ العَطاءَ فَلا بمَطلٍ يُجتَدى ... مِنهُ المَقالُ وَلا بِوَعدٍ يُقتَضى
مَلِكٌ برَحبَةٍ مالِكٍ ذُو هِمَّةٍ ... رَحُبَت فَضاقَ لِوُسعِها رَحبُ الفَضا
جُدنا وَأَفضَلنا بِفَضلِ نَوالِهِ ... وَدَرى فَأَخلَفَ مِن نَداهُ وَعَوَّضا
مُغرىً بِحُبِّ المَكرُماتِ وَمُبغِضٌ ... مَن باتَ مِنّا لِلكَرامَةِ مُبغِضا
стр. 215
مُتَحَمِّلٌ ثِقلَ الخُطوبِ إِذا الفَتى ... أَعياهُ حَملُ النائِباتِ وَأَجهَضا
وَإِذا تَمَرَّضَتِ اللِئامُ بِنَيلِها ... لَم تَلقَهُ بِنَوالِهِ مُتَمَرِّضا
يَهَبُ الجَزِيلَ وَلا يَمُنُّ بِمالِهِ ... إِن مَنَّ مَن أَعطى القَليلَ وَبَرضا
غاضَت مَوارِدُ كُلِّ خَلقٍ في النَدى ... إِلّا نَداهُ فَإِنَّهُ ما غَيَّضا
قَطَرَت عَلَيَّ سَحائِبٌ مِن جُودِهِ ... كَرَماً فَأَخصَب جانِبي وَتَرَوَّضا
أَعلى أَبُو العُلوانِ قَدري بَعدَما ... قَد كُنتُ مَهدَودَ البِناءِ مَقَوَّضا
يا أَيُّها المَلِكُ الَّذي أَعطى الغِنى ... وَكَسا وَأَنعَمَ وَاستَمالَ وفَوَّضا
إِنّي حَمَلتُ لِشُكرِ ما أَولَيتَني ... حِملاً ضَعُفتُ بِعِبئِهِ أَن أَنهَضا
أُثني عَلَيكَ بِفَضلِ ما أَعطَيتَني ... فَأَراهُ أَطولَ مِن ثَنايَ وَأَعرَضا
وَأَرى المَديحَ لِكُلِّ خَلقٍ سُنَّةً ... وَأَرى مَديحَكَ واجِباً مُستَفرَضا
وَأَروضُ مَدحَكَ خالياً فَأُصيبُهُ ... سَهلاً وَمَدحُ سِواكَ صَعباً رَيِّضا
لا دَرَّ دَرِّي بَعدَما أَرضَيتَني ... إِن لَم أَصُغ فيكَ القَريضَ المُرتَضى
يَبقى عَلَيكَ إِلى المَعادِ وَيَنقَضي ... أَمَدُ الزَمانِ فَلا يَكُونُ لَهُ اِنقِضا
وَلَقَد صَحِبتُ العَيشَ قَبلَكَ أَسوَداً ... وَصَحِبتُهُ لَمّا صَحِبتُكَ أَبيَضا
следующие страницы →