Полный текст (374 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
كُلُّ الدِماءِ لِأَهلَها مَضمُونَةٌ ... إِلّا دَمٌ يَومَ الفِراقِ يُراقُ
سَنَحَت لَنا بَينَ السَديدِ وَبارِقٍ ... ظَبَياتُ إِنسٍ ما لَها أَرواقُ
بِيضُ المَباسِمِ وَالمَعاصِمِ وَالطُلى ... لا الشَتُّ مَطعَمُها وَلا الطُبّاقُ
لَونُ المَخانِقِ وَالحُلِيِّ يَدُلُّنا ... أَنَّ المَخانِقَ مِثلَنا عُشّاقُ
لَو لَم تَجِد بِهَوى الأَحِبَّةِ وَجدَنا ... ما اصفَرَّتِ الأَحجالُ وَالأَطواقُ
يا صاحِبيَّ تَأَمَّلا هَل بِالحِمى ... ظُعُنٌ لِخَولَةَ بِالعَشِيِّ تُساقُ
مِثلُ النَخِيلِ المُشمَخِرِّ زَهَت بِهِ ... غِبَّ الصَباحِ أَواعِسٌ وَبُراقُ
أَو كَالسَفِينِ فَلا يَكُونُ عُبابُهُ ... إِلّا الضُحى وَسَرابُهُ الخَفّاقُ
وَلَقَد سَرَيتُ وَمُؤنِسِي مُتَماُيلٌ ... مَيلَ النَزِيفِ مُرَوَّعٌ مِقلاقُ
في لَونِهِ كَلَفٌ وَفِي أَعضائِهِ ... قَضَفٌ وَفِي أَوصالِهِ اِستِثاقُ
стр. 317
عارِي العِظامِ دُوَينَ مَفرِقِ رَأسِهِ ... مِثلُ النِطاقِ ذُؤابَةٌ وَنِطاقُ
هَذا وَماءٌ جامِدٌ مِمّا اِقتَنى ... أَزمانَهُ المُتَجَبِّرُ العِملاقُ
طالَ الزَمانُ عَلَيهِ حَتّى أَنَّهُ ... لَم يَبقَ إِلّا ماؤُهُ الرَقراقُ
نِعمَ الرَفيقُ إِذا المَفاوِزُ لَم يَكُن ... فِيهِنَّ لِلرَجُلِ الوَحيدِ رِفاقُ
تَرمِي بِرَحلِي في الفِجاجِ وَنُمرُقِي ... قَذّافَهُ زَيّافَةٌ مِطراقُ
أَمّا إِذا جَدَّ النَجاءُ فَإِنَّها ... بَرقٌ وَأَمّا إِن وَنَت فَبُراقُ
سَيرُ المَطِيِّ تَناعُسٌ وَتَقاعُسٌ ... تَحتَ الظَلامِ وَسَيرُها إِعناقُ
وَصَلَت إِلى حَلَبٍ تُحاوِلُ رِزقَها ... مِمَّن تُحاوَلُ عِندَهُ الأَرزاقُ
فَأَتَت كَرِيمَ الخِيمِ عادَةُ كَفِّهِ الن ... نُعمى وَعادَةُ مالِهِ الإِنفاقُ
حُلوُ الجَنى وَإذا يُهاجُ فَإِنَّهُ ... مُرٌّ بِما ساءَ العَدُوَّ زُعاقُ
يُغنِي وَيُفقِرُ واهِباً أَو سالِباً ... مُذ كانَ فَهوَ الحارِمُ الرَزّاقُ
стр. 318
كَالعارِضِ الوَطِفِ الَّذي في طَيِّهِ ال ... إِرهام وَالإِرعادُ وَالإِبراقُ
جَلدٌ عَلى نُوَبِ الزَمانِ وَرَيبِهِ ... ساعٍ إلى أَمَدِ العُلى سَبّاقُ
لا طائِشٌ وَهَلٌ وَلا مُتَعَجرِفٌ ... عَجِلٌ وَلا مُتَلَوِّنٌ مِخراقُ
مَحضُ الأُبُوَّةِ وَالمُرُوَّةِ خالِصٌ ... طابَ النِجارُ فَطابَتِ الأَعراقُ
لا يُحمَدُ الخَلقُ الجَميلُ مِنَ الفَتى ... حَتّى يَتِمَّ فَتُحمَدَ الأَخلاقُ
مَن يَلقَ فَخرَ المُلكِ يَلقَ حُلاحِلاً ... ما لِلنُضارِ بِراحَتَيهِ مَلاقُ
مُغرىً بِحُبِّ المَكرُوماتِ كَأَنَّها ال ... عَذراءُ وَهوَ المُدنَفُ المُشتاقُ
يُعطِي عَلى عُسرٍ وَيُسرٍ لا الغِنى ... مِمّا يُغَيِّرُهُ وَلا الإِملاقُ
كَرَماً يُنالُ بِهِ العُلى وَمَناقباً ... غُرّاً تَطُولُ بِمثلِها الأَعناقُ
لَولا أَبو العُلوانِ لَم يَكُ لِلنَدى ... سُوقٌ وَلَم يَكُ لِلقَريضِ نَفاقُ
إِنَّ المَكارِمَ ما لِخَلقٍ غَيرِهِ ... لا وَاجِبٌ فِيها وَلا اِستِحقاقُ
مَلِكٌ تَعُوذُ بِهِ المُلوكُ إِذا نَبا ... شامٌ بِها وَجَزيرَةٌ وَعِراقُ
стр. 319
لَكُمُ الأَمانُ مِنَ الزَمانِ بِقُربِهِ ... لا نَبوَةٌ تُخشى وَلا إِرهاقُ
إِمّا اِصطِلاحٌ أَو كِفاحٌ بِالقَنا ... حَتّى يُعَصفِرَها الدَمُ المُهراقُ
لَسنا نُحَسِّنُ أَن يُضاعَ لِجارِنا ... حَقٌّ وَلا عَهدٌ وَلا مِيثاقُ
عِزّاً بَناهُ اللَهُ فِينا بِالقَنا ... وَحَماهُ هَذا السَيِّدُ الغيداقُ
أَمِنَت بِهِ الآفاقُ حَتّى لَم يُرَد ... لِلضَأنِ في حُجُزاتَها أَرباقُ
يا مَن بَراهُ اللَهُ وَاحِدَ خَلقِهِ ... فَتَفَرَّدَ المَخلُوقُ وَالخَلّاقُ
ما يَهتَدِي لِصِفاتِ مَجدِكَ خاطِري ... كَلَّ اللِسانُ وَضاقَتِ الأَخلاقُ
يُغنِيكَ فَضلُكَ عَن مَدِيحَةِ مادِحٍ ... وَالشَمسُ أَفضَلُ مَدحِها الإِشراقُ
وَالشِعرُ دُونَ مَحَلِّ قَدرِكَ قَدرُهُ ... لَكِن لَنا وَلَأَهلِهِ أَرزاقُ
يا مَن يُؤَرِّقُ ناظرَيَّ صِفاتُهُ ... لا زالَ يُشكى ذَلِكَ الإِيراقُ
أَغنى نَدى هَذا الأَميرِ وَفَضلُهُ ... أَن تُختَطى بِرِكابِنا الآفاقُ
стр. 320
رُوحِي وَإِن قَلَّت فِداهُ فَإِنَّهُ ... دَرّاكُ كُلِّ فَضِيلَةٍ لَحّاقُ
عَجِلُ النَدى وَالبَأسِ لَيسَ لِوَعدِهِ ... أَبداً وَلا لِوَعِيدِهِ إِخفاقُ
يا مالِكَ الدُنيا الَّذي أَوصافُهُ ... يَعيا بِهِنَّ القالَةُ الحُذّاقُ
لَولا المَهابَةُ إِذ بَرَزتَ مُعَيِّداً ... نَهَبَتكَ مِن شَغَفٍ بِكَ الأَحداقُ
وَلَكَم وَلِيٍّ وَدَّ أَنَّ جَبِينَهُ ... لِشِراكِ نَعلِكَ في الطَرِيقِ طِراقُ
حُبّاً تَمَكَّنَ في القُلُوبِ وَدَولَةً ... مُزِجَت بِشُكرِ مُدِيلِها الأَرياقُ
لا زالَ مُخضَرَّ الجَنابِ يَحُجُّهُ ال ... قُصّادُ وَالوُفّادُ وَالطُرّاقُ
وأنشده أيضًا مهنئًا ببعض الأعياد سنة ٤٤٣:
مِنكَ الجَمِيلُ وَمِنِّيَ الشُكرُ ... وَلِيَ الغِنى وَلِمَجدِكَ الذِكرُ
تُغنِي وَأُثنِي جِدَّ مُجتَهِدٍ ... وَأُمِلُّ فِيكَ وَيَكتُبُ الدَهرُ
стр. 321
لا أَجحَدُ النُعمى الَّتي سَبَغَت ... أَنا بَعضُ مَن غَرَّقتَ يا بَحرُ
نُعماكَ نُعمى لَستُ أَكفُرُها ... إِنّض الصَنِيعَةَ كُفرُها كُفرُ
يا مَنطِقي بُورِكتَ مُحتَمِلاً ... عَنّي الجَزاءَ وَبُورِكَ الشِعرُ
زِدِني غِنىً وَزِدِ الأَمِيرَ ثَناً ... مالِي وَلا لَكَ عِندَهُ عُذرُ
أَعطى فَلا خُلفٌ وَلا عِدَةٌ ... وَعَفا فَلا حِقدٌ وَلا غَمرُ
خُلُقاً كَرَوضِ الحَزنِ أَنبَتَهُ ... نَوءُ الذِراعِ وَوابِلٌ هَمرُ
وَسَماحَةً في طَبعِ ذِي كَرَمٍ ... لا البُخلُ شِيمَتُهُ وَلا الغَدرُ
غَرِقتَ مَعدٌّ في مَكارِمِهِ ... غَرَقَ الخُطَيطَةِ جادَها الغَفرُ
فَكَسا جَوانبِها مَفَوَّفَةً ... غَنّاءَ يَضحَكُ بَينَها الزَهرُ
فَالنَورُ نُعماهُ وَصَيِّبُهُ ... كَرَمُ الأَميرِ وَحَمدُهُ النَشرُ
سَلنِي أَبُثُّكَ عَن أَخِي ثِقَةٍ ... يَسرِي بِضَوءِ جَبِينِهِ السَفرُ
стр. 322
أَمِنَت بِهِ سُبلُ البِلادِ فَلا ... جَزَعٌ وَلا هَلَعٌ وَلا ذُعرُ
وَبَنى لِقَيسٍ بِالقَنا شَرَفاً ... لَم يَبنِهِ جُشَمٌ وَلا بَكرُ
شَرَفاً يَحِفُّ النَيِّرانِ بِهِ ... وَيَحُوطُهُ الشَرطانِ وَالنَسرُ
أَمّا العَواصِمُ فَهيَ قَد عُصِمَت ... بِأَغَرَّ يُستَسقى بِهِ القَطرُ
حُلوُ الخَلائِقِ وَالطَرائِقِ لا ... زَهوٌ وَلا عُجبٌ وَلا كِبرُ
تُجبى لَهُ الأَموال خالِصَةً ... لا مَأثَمٌ فِيها ولا وِزرُ
عَدلاً يَعُمُّ العالَمينَ بِهِ ... وَتَحَرُّجاً أَن يَحبِطَ الأَجرُ
شِيَمُ الكِرامِ وَهِمَّةٌ بَلَغَت ... ما تَبلُغُ اليَزَنِيَّةُ السُمرُ
وَرَجاجَةٌ لَو أَنَّها وَزِنَت ... بِالنَسرِ خَفَّ لِوَزِنِها النَسرُ
وَشَجاعَةٌ لا عامِرٌ كَمُلَت ... فِيهِ كَما كَمُلَت وَلا عَمرُو
стр. 323
لَو أَنَّها في اللَيثِ عَزَّ فَلَم ... يُخلَق لَهُ نابٌ وَلا ظُفرُ
سُبحانَ خالِقِ كُلِّ مُعجِزَةٍ ... أَيَضُمُّ هَذا كُلَّهُ صَدرُ
وَسِعَ الَّذي وَسِعَت بِأَجمَعِها الد ... دُنيا مَكانٌ وَسِعُهُ فِترُ
وَعَلى الأَسِرَّةِ ماجِدٌ أَنِسَت ... بِوُفُودِهِ الدَيمُومَةُ القَفرُ
مالُوا إِلَيهِ عَلى الرِحالِ كَما ... مالَت بِشارِبِ كَأسِها الخمرُ
وَتَرَقَّلَت بِهِمُ مُزَمِّمَةً ... مِثلَ الأَهِلَّةِ جُنَّفٌ خُزرُ
نَحُلَت وَضَمَّ السَيرُ أَضلُعَها ... فَتَشابَهَت هِيَ وَالبُرى الصُفرُ
فَهَوَت تُصَوِّبُ في البِلادِ بِنا ... عَنَقاً كَما تَتَصَوَّبُ الكُدرُ
قُلنا لَها وَالسَيرُ يَحفِزُها ... وَسَياطُنا مِن زَجرِها حُمرُ
صَبراً إلى أَن تَبلُغي حَلَباً ... وَسَتُحمَدِينَ وَيُحمَدُ الصَبرُ
وَرَمَت بِأَرجُلِنا إِلى مَلِكٍ ... أَغنى المُقِلَّ نَوالُهُ الدَثرُ
تَهدى الوُفودُ إِلى مَكارِمِهِ ... بِأَغَرَّ يَلمَعُ فَوقَهُ البِشرُ
стр. 324
يَبدو وَيَبدُو البَدرُ مُكتَمِلاً ... فَيُشَكُّ أَيُّهُما هُوَ البَدرُ
ذُو راحَةٍ تَندى أَنامِلُها ... فَبُطُونُها وَظُهُورُها خُضرُ
لَو أَنَّ فَخرَ المُلكِ مَسَّ بِها ... صَخرَ الأَحَصِّ لَأَورَقَ الصَخرُ
عَجَباً أَما تَبتَلُّ بُردَتُهُ ... وَبِراحَتَيهِ سَحائِبٌ عَشرُ
يا فَخرَ مُلكِ بَني النَبِيِّ وَمَن ... بِاللَهِ تَمَّ لِسَيفِهِ النَصرُ
أَصبَحتَ تاجاً لِلمُلوكِ فَإِن ... فَخَرَت فَحَقُّ لَها بِكَ الفَخرُ
فَاسعَد بِأَلقابِ الإِمامِ فَقَد ... سَعِدَ الإِمامُ وَأَنتَ وَالغُرُّ
هِيَ سَبعَةٌ زُهرٌ خُصِصتَ بِها ... وَكَذا الطَوالِعُ سَبعَةٌ زُهرُ
أَنتَ المُعِزُّ وَهَذِهِ حَلَبٌ ... فَتَدَفَّقا فَكِلاكُما بَحرُ
كَذَبَ ابنُ هانِي في مَقالَتِهِ ... أَنتَ الخَصِيبُ وَهَذِهِ مِصرُ
стр. 325
وَمَنِ الخَصِيبُ وَمَن مَعاشِرُهُ ... لَكَ أَنتَ لا لِأُولئِكَ الفَخرُ
سَبَقُوا كَما سَبقَ الدُجى وَأَتى ... لَمّا أَتيتَ بِعقبِهِ الفَجرُ
وَكَذا دُخانُ النارِ أَوَّلُها ... يَمضِي الدُخانُ وَيُسعَرُ الَجمرُ
عَطلتَ ذِكرَ الأَوَّلِينَ فَما ... لَهُمُ وَلا لِزَمانِهِم ذِكرُ
شَرُفَت بِكَ الدَنيا وَساكِنُها ... وَالصَومُ وَالتَعييدُ وَالفِطرُ
فَسلِمتَ مَحرُوسَ العُلى أَبَداً ... ما شِئتَ مَمدُوداً لَكَ العُمرُ
تُمسِي وَتُصبِحُ في بُلهنِيَةٍ ... وَعَلَيكَ مِن رَبِّ العُلى سِترُ
يَجرِي حَدِيثُكَ في البَلادِ فَما ... يُحتاجُ لا طِيبٌ وَلا عِطرُ
مَدحِي عُقودُ جَواهِرٍ نُظِمَت ... وَعُلاكَ لا عَطِلَت لَها نَحرُ
لا يَأثَمَنَّ فَتىً تُحَيِّرُهُ ... كَلِمي فَيَحلِفُ أَنَّها سِحرُ
هُوَ بَعضُ ما جادَ الأَميرُ بِهِ ... لَكِنَّ ذا نَظمٌ وَذا نَثرُ
أَنا لابِسٌ حُلَلاً مُحَبَّرَةً ... أَثمانُها القِرطاسُ وَالحِبرُ
مِن عِندِ مَن عِندِي لَهُ نِعَمٌ ... لا تَنحصِي وَصَنائِعٌ كُثرُ
стр. 326
آلَيتُ لا أَبقيتُ لِي أَبَداً ... ذُخراً وَجُودُ يَدَيكَ لِي ذُخرُ
وَالحَمدُ لا يَبقى عَلى أَحَدٍ ... يَبقى لَهُ نَشَبٌ وَلا وَفرُ
وأنشده أيضًا في طهور أخيه سند الدولة علي:
أَهاجَ لَكَ التَبرِيحَ إِيماضُ بارِقِ ... عَلى الجَوِّ مِنهُ ساطِعٌ يَتَوَهَّجُ
يَلُوحُ يَمانِيّاً كَأَنَّ صَرِيمَهُ ... سَنا النارِ أَذكاها سَيالٌ وَعَرفَجُ
بَدا مَوهِناً وَاللَيلُ بِالنُورِ أَسفَعٌ ... فَضَوّاهُ حَتّى اللَيلُ أَنبَطُ أَخرُجُ
خَبا تارَةً ثُمَّ استَطارَ كَأَنَّهُ ... شَواظٌ مِنَ النارِ الَّتي تَتَأَجَّجُ
فَأَلمَحتُهُ صَحبِي وَقَد مَدَّ ضَوءَهُ ... كَما امتَدَّ مِن تِبرٍ شَرِيطٌ مُدرَّجُ
أَرِقتُ لَهُ حَتّى بَدا الصُبحُ طالِعاً ... عَلَيهِ مِنَ الظَلماءِ ثَوبٌ مُفَرَّجُ
فَيا بَرقُ مالِي مُغرَماً بِكَ كُلَّما ... رَأَيتُكَ مِن نَحوِ الحِمى تَتَبَوَّجُ
стр. 327
وَذاكِرَ خَودٍ فِيكَ مِنها مَشابِهٌ ... سِوارٌ وَخَلخالٌ وَطَوقٌ وَدُملُجُ
فَإِنَّكَ يا بَرقَ السَماوَةِ مُونِقٌ ... بَهِيٌّ وَدَعدٌ مِنكَ أَبهى وَأَبهَجُ
تَبَرَّجتَ تَيّاهاً بِحُسنِكَ في الدُجى ... وَتِلكَ حَصانُ الجَيبِ لا تَتَبَرَّجُ
وَثَغركَ بَسامٌ وَلَكِنَّ ثَغرَها ... خِلافَكَ مَعسُولُ الثَنايا مُفَلَّجُ
وَأَنتَ نَحيفُ الجِسمِ مالَكَ تابِعٌ ... بَطِيٌّ وَلا خَصرٌ إِذا قُمتَ مُدمَجُ
لَها الفَضلُ إِلّا أَنَّني مِنكَ سالِمٌ ... وَمِن أُمِّ عَمرٍو طائِشُ اللُبِّ مُزعَجُ
فَلا تَحسَبَنِّي هائِماً بِكَ إِنَّما ... يَهِيمُ بِها يا بَرقُ قَلبِي وَيَلهَجُ
وَمِن أَجلِها أَحبَبتُ لَيلى لِأَنَّهُ ... كَما فَرعُها وَحفُ الأَنابِيبِ أَدعَجُ
وَمِمّا شَجاني يَومَ بانَت لُبَينَةٌ ... غُرابٌ بِبَينِ المالِكِيَّةِ يَشَحَجُ
وَبَطرَبُ في إِثرِ الحُمُولِ كَأَنَّهُ ... عَدُوٌّ بِتَفرِيقِ الأَحِبَّةِ مُلهَجُ
стр. 328
رَمَتكَ عُقابُ الجَوِّ بِالحَينِ إِنَّما ... نَعِيبُكَ داءٌ في الحَيازِيمِ مُولَجُ
أَمُنتَفِعٌ بِالبَينِ أَم أَنتَ شامِتٌ ... إِذا زُمَّتِ الأَجمالُ أَو شُدَّ هَودَجٍ
فَما أَنتَ إِلّا بِئسَ ما اعتِيضَ مِنهُمُ ... غَداةَ اِستَقَلُّوا وَالوَخِيدُ المُسَجَّجُ
وَبِالغَورِ نارٌ تَستَبِينُ كَأَنَّما ... سَنا ضَوئِها مِن بَينِ جَنبَيَّ يَخلَجُ
نَظَرتُ إِلَيها نَظرَةً لَم يَكُن لَها ... عَلى الحِلمِ بَعدَ الأَربَعينَ مُعَرَّجُ
وَقَد لامَني صَحبِي عَلى ما أَصابَني ... مِنَ الوَجدِ إِلّا أَنَّ ذا الحُبِّ مُحرَجُ
خَلِيلَيَّ لا تَستَعتِباني فَإِنَّنِي ... إِلى الحِلمِ لَو واتانِي الحِلمُ أَحوَجُ
وَيا رُبَّ غَبراءِ المَخارِمِ يَرتَعِي ... بِها فَرقَدٌ وَالمَسُّ لِلمَتنِ عَوهَجُ
تَرى ثَمَرَ الخُطبانِ فِيها كَأَنَّهُ ... عَلى صَفحَةِ البَيداءِ هامٌ مُدَحرَجُ
تُعادِيهِ خِيطانُ النَعامِ كَأَنَّها ... إِلى مِيرَةٍ بُزلٌ تُشَدُّ وَتُحدَجُ
وَتَلقى بِها قُمصَ الأَفاعِي كَأَنَّها ... حُبابُ الحُمَيّا أَزبَدَت حِينَ تُمزَجُ
стр. 329
يُخَلِّفُها الصِلُّ الَّذي مَلَّ لُبسَها ... كَما خَلَّفَ الدِرعُ الكَمِيُّ المُدَجَّجُ
أَقُولُ لِصَحبِي وَالرِكابُ شَواحِبٌ ... كَأَن رذاياها المَزادُ المُشَنَّجُ
وَقَد لاحَ لِلسّارِي هِلالٌ كَأَنَّهُ ... مِنَ الفِضَّةِ البَيضاءَ مِيلٌ مُعَوَّجُ
أَلا عَرِّجُوا بالعِيسِ نَحوَ ابنِ صالِحٍ ... وَمِيلُوا عَلى حُرٍّ فَمالُوا وَعَرَّجُوا
إِلى مَلِكٍ سَمحِ اليَمِينَينِ لِلنَدى ... إِلَيهِ وَلِلمَعرُوفِ قَصدٌ وَمَنهَجُ
صَفا صَفوَ ماءِ المُزنِ لَم يَختَلِط بِهِ ... قَذى الأَرضِ وَالتُربُ الخَبِيثُ المُمَزَّجُ
أَكُونُ مِراراً ذا هُمُومٍ كَثِيرَةٍ ... وَأَنظُرُ في وَجهِ المُعِزِّ فَتُفرَجُ
فَتىً ناجِزُ المِيعادِ لا خُلفَ عِندَهُ ... وَلا دُونَهُ بابٌ مِنَ الرِزقِ مُرتَجُ
إِذا زارَهُ الزُوّارُ وافَت فُرُوشُهُ ... تُجَرُّ وَباراها قِراهُ المُرَوَّجُ
تَعادى بِها غُرُّ الوَلائِدِ في الدُجى ... حِجالاً عَلَيهِنَّ اللِباسُ المُدَبَّجُ
تَراهُنَّ قُعساً تَحتَ سُودٍ مَواثِلٍ ... يَبُوخُ عَلَيهِنَّ السَدِيفُ المُلَهوَجُ
стр. 330
تَعَجَّلَ لِلطُراقِ ما كانَ حاضِراً ... نَضِيجاً وَلِلغُيّابِ آخَرُ يُنضَجُ
وَلَيلٍ خَبَطناهُ بِعِيسٍ تَطَوَّحَت ... إِلَيهِ كَما طاحَ النَعامُ المُهَجَّجُ
إِلى أَن رَأَينا الشُهبَ في الغَربِ جُنَّحاً ... وَلِلصُبحِ وَجهٌ مِثلُ وَجهِكَ أَبلَجُ
فَلَمّا أَنَخنا في ذَراكَ رِكابَنا ... كَفَيتَ الفَتى المُحتاجَ ما يَتَحَوَّجُ
فَبُوُرِكتَ مِن غَيثٍ يَسِحُّ إِذا غَدا ... يَشِحُّ بِنُعماهُ الجَهامُ المُزَبرَجُ
وَما وَلَدَت مِن عامِرٍ عامِرِيَّةٌ ... أَشَدَّ جَناناً مِنكَ وَالخَيلُ تُسرَجُ
خِفافاً إِلى حَملِ العَوالي كَأَنَّها ... إِذا ما ثَنَيناها النَخِيلُ المُهَيَّجُ
وَلا في بَني حَوّاءَ مِثلُكَ مُقدِماً ... عَلى الهَولِ لا يَنبُو وَلا يَتَلجلَجُ
وَمَن مِثلُ فَخرِ المُلكِ يَملِكُ حِلمَهُ ... وَيَزدادُ رَحباً صَدرُهُ حِينَ يُحرَجُ
وَلَم أَرَ مِثلَ الحَمدِ يُنشَرُ لِلفَتى ... وَلا مِثلَهُ عَن فاعِلِ السُوءِ يَدرُجُ
وَفِي الفازَةِ البَيضاءِ مِن آلِ صالِحٍ ... فَتىً مُولَعٌ بِالخَيرِ مُذ كانَ مُلهَجُ
مِنَ الصالِحيِّينَ الَّذينَ تَطَوَّلُوا ... فَطالُوا وَجَلَّوا كُلَّ بُؤسٍ وَفَرَّجُوا
стр. 331
أَحاسِدَهُم نَهنَهتَ عَن طَلَبِ العُلى ... وَجَدُّوا فَنالُوها وَنِمتُ وَأَدلَجُوا
إِلَيكَ فَقَد رامَ الَّذي رُمتَ مَعشَرٌ ... تَرَقَّوا عَلى آثارِهِم فَتَزَلَّجُوا
أَبا صالِحٍ أَنتَ الَّذي سَيبُ كَفِّهِ ... يَسِحُّ كَما سَحَّ الغَمامُ المُثَجَّجُ
لِيثبِتَ أَركانَ العَشِيرَةِ بَعدَما ... تَهَدَّمَ مِنها المُشَمخِرُ المُبَرَّجُ
وَنُبتَ مَناباً عَن أَخِيكَ تَهُزُّهُ ... كَشُكرِكَ في أَكفانِهِ وَهوَ مُدرَجُ
وَإِنَّكَ لِلأَقصَينَ ذُخرٌ وَعُدَّةٌ ... فَكَيفَ لِذِي لَحمٍ بلَحمِكَ يُمزَجُ
عَلِيٌّ وَمَحمُودٌ سَواءٌ وَصالِحٌ ... كَطِرفٍ لَهُ هادٍ وَعُرفٌ وَمَنسِجُ
فَزِدهُم جَميلاً مِن جَميلَكَ إِنَّهُم ... إِذا ما عَرا خَطبٌ وَلَجَّجتَ لَجَّجُوا
وَقَد شاعَ في الآفاقِ ما أَنتَ فاعِلٌ ... وَأَثنَت عَلى نُعماكَ قَيسٌ وَمَذحِجُ
стр. 332
فَلا ذاقَتِ الدُنيا فِراقَكَ إِنَّنِي ... أَرى ساحَةَ الدُنيا بِوَجهِكَ تبهِجُ
وأنشده أيضًا في رجب سنة ٤٤٥:
مِنّا الثَناءُ وَمِنكَ الصَيِّبُ الغَدِقُ ... فَضلٌ يَعُمُّ وَشُكرٌ طَيِّبُ عَبِقُ
نُثنِي عَلَيكَ بِما أَولَيتَ مِن كَرَمٍ ... فَالحَمدُ يُجمَعُ وَالأَموالُ تَفتَرِقُ
ضَجَّت إِلى رَبِّها الدُنيا الَّتي دُحِيَت ... مِمّا تَدُلُّ إِلى أَبوابِكَ الطُرُقُ
يَخضَرُّ كُلُّ مَكانٍ أَنتَ نازِلُهُ ... حَتّى يُنَبِّعَ مِن أَحجارِهِ الوَرَقُ
وَيُشرِقُ اللَيلُ إِن أَسرَيتَ مُدَّلِجاً ... فِيهِ كَأَنَّكَ في ظَلمائِهِ فَلَقُ
رُزِقتَ جَدّاً يَضِيقُ الخافِقانِ بِهِ ... فَكَم بَغى الحَمدَ أَقوامٌ فَما رُزِقُوا
تَأَنَّقَ اللَهُ حَتّى باتَ مُجتَمِعاً ... هَذا الجَميلُ وَهَذا المَنظَرُ الأَنِقُ
مِن أَينَ يُعطى الَّذي أُعطِيتَهُ بَشَرٌ ... وَيُلحَقُ الدَرُّ مِن مَسعاكَ وَالعَنَقُ
стр. 333
طَلَعتَ في شاهِقٍ صَعبٍ مَطالِعُهُ ... إِذا تَرَقّى إِلَيهِ مَعشَرٌ زَلَقُوا
وَالمَجدُ ثَوبٌ لِفَخرِ المُلكِ جِدَّتُهُ ... وَلِلبَرِيَّةِ مِنهُ المُنهَجُ الخَلقُ
قَد حاوَلَ الناسُ مِن عُجمٍ وَمِن عَرَبٍ ... أَن يَلحَقُوهُ إِلى شَأوٍ فَما لَحِقوا
مُتَوَّجٌ تَخفِضُ الأَبصارَ هَيبَتُهُ ... فَلَيسَ تُملَأُ مِن مَرأىً بِهِ الحَدَقُ
إِذا تَنَكَّرَ لَم يَخرُج بِهِ غَضَبٌ ... عَنِ الجَميلِ وَلَم يَذهَب بِهِ الحَنَقُ
وَبِالعَواصِمِ مِن تاجِ العُلى مَلِكٌ ... لا الزَهوُ مِنهُ وَلا مِن طَبِعِهِ الخَرَقُ
يَهمِي عَلى الشامِ سُحباً مِن مَكارِمِهِ ... حَتّى يُخافَ عَلى سُكانِهِ الغَرَقُ
عَمَّت مَواهِبُهُ الدُنيا وَساكِنَها ... فَلا خَلا بَشَرٌ مِنها وَلا أُفُقُ
كَالصُبحِ فاضَ فَغَشى كُلَّ ناحِيَةٍ ... فَلَيسَ يَعرِفُ فِيها نَفسَهُ الغَسَقُ
يا باذِلَ المالَ لِلقُصّادِ إِن قَصَدُوا ... وَعاقِرَ الكُومِ لِلطُرّاقِ إِن طَرَقُوا
فِداكَ قَومٌ إِذا ما عاهَدُوا نَكَثُوا ... تِلكَ العُهُودَ وَإِمّا صادَقُوا مَذَقُوا
стр. 334
لا يَعرِفُونَ جَميلاً إِن هُم سُئِلُوا ... وَلا يَخافُونَ عاراً إِن هُمُ رُهِقُوا
لَيسُوا كَأَبناءِ مِرداسٍ إِذا وَعَدُوا ... فَقَد وَفَوا وَإِذا قالُوا فَقَد صَدَقُوا
مُعَوَّدِينَ لِبَذلِ المالِ قَد جَعَلُوا ... في رِزقِ كُلِّ عَدِيمٍ كُلَّ ما رُزِقُوا
مَن يَلقَهُمُ يَلقَ مِنهُم مَعشَراً نُجُباً ... لَم يُخلَقِ الفَضلُ إِلّا ساعَةً خُلِقُوا
أَخنَوا عَلى المالِ حَتّى ما يَعِيشُ لَهُم ... ذَودٌ يُراحُ وَلا عَينُ وَا وَرِقُ
تَعَلَّمُوا مِن عِمادِ المُلكِ كُلَّ نَدىً ... وَاستَمسَكُوا بِعُرى نُعماهُ وَاعتَلَقُوا
مازالَ يُقلِقُ أَحشاءَ العِدى زَمَناً ... حَتّى جَلا الخَوفُ عَنّا وَانجَلى القَلَقُ
مِن بَعدِ أَن تَرَكَ الأَرماحَ راعِفَةً ... مِمّا يَسِيلُ عَلى أَطرافِها العَلقُ
وَالخَيلُ قَد بَدَّلَ التَقرِيبُ سِحنَتَها ... حَتّى تَغَيَّرَتِ الأَلوانُ وَالخِلَقُ
فَالدُهمُ تَحسَبُها بُلقاً إِذا رَجَعَت ... وَقَد تَجَمَّعَ في لَبّاتِها العَرَقُ
يا أَكرَمَ الناسِ عِش لِلناسِ في دَعَةٍ ... ما عاش لِي فِيكَ هَذا الفائِحُ العَبقُ
стр. 335
فَإِنَّما أَنتَ فِينا رَحمَةٌ كَشَفَت ... عَنّا الشَقاءَ فَلا بُؤسٌ وَلا رَهَقُ
ما دُونَ فَضلِكَ لا مَطلٌ وَلا عِدَةٌ ... وَلا حِجابٌ وَلا بابٌ وَلا غَلَقُ
وأنشده أيضًا سنة ٤٤٤ وفيها يهدد خصوم الأمير وأعداءه:
سُقِيتَ الحَيا أَيُّها المَنزِلُ ... وَجادَتكَ أَنواؤُهُ الهُطَّلُ
وَإِن أَنتَ لَم تُبقِ بَينَ المَلامِ ... وَبَينَ الغَرامِ فَتىً يَعقِلُ
تَمَنَّعتَ بُخلاً بِرَدِّ الجَوابِ ... وَما زالَ يَأويكَ مَن يَبخَلُ
خَدَلَّجَةُ الساقِ رُعبُوبَةٌ ... يُجَلِّلُها وَارِدٌ مُسبَلُ
تَقُولُ ذَهَلتَ غَداةَ الفِراقِ ... فَقُلتُ لَها كَيفَ لا أَذهَلُ
وَلِي بَعدَكُم مَدمَعٌ سائِلٌ ... وَجِسمٌ كَما شِئتُمُ يَنحَلُ
وَقَد عَذَلُونا عَلى حُبِّكُم ... فَما قَبلَ العَذلَ مَن يُعذَلُ
стр. 336
وَما مِن ضَلالٍ جَهلِنا الصَوابَ ... وَلَكِن نَلِجُّ فَلا نَقبَلُ
كَمالَجَّ في المَكرُماتِ الأَمِيرُ ... فَأَقصَرَ عَن عَذلِهِ العُذَّلُ
لَهُ في أَخيرِ النَدى آخِرٌ ... وَفِي أَوَّلِيِّ النَدى أَوَّلُ
إِذا أَمحَلَت بَلدَةٌ حَلَّها ... فَيَحيا بِهِ البَلَدُ المُمحِلُ
أَخُو ثِقَةٍ جارُهُ لا يُضامُ ... وَداعِيهِ لِلنَصرِ لا يُخذَلُ
إِذا حارَبَ القَومُ خَلّى الفِجاجَ ... يَسُدُّ مَذاهِبَها القَسطَلُ
وَخَلّى الرِماحَ أَنابِيبَها ... إِزا كُلِّ أُنبُوبَةٍ جَدوَلُ
كَأَنَّ السُيُوفَ وَقَد خُضِّبَت ... سَنا النارِ أَوَّلَ ما تُشعَلُ
صَوارِمُ عَوَّدَها أَن تُهانَ ... فَلَيسَت تُداسُ وَلا تُصقَلُ
فَوارَحمَتا لِبِلادِ العِدي ... إِذا قَلِقُوا وَإِذا زُلزِلُوا
لِأَيِّ هِزَبرِ وَغىً هَيَّجُوا ... وَأَيِّ سَنا جَذوَةٍ أَشعَلُوا
стр. 337
وَفِي قَلعَةِ الجِسرِ قَومٌ تَدُوسُ ... قَرِيباً جَباهَهُمُ الأَرجُلُ
رِجالٌ تَرِفُّ مَناياهُمُ ... عَلَيهِم كَما رَفرَفَ الأَجدَلُ
كَأَنّي بِهِم قُوتُ وَحشِ الفَلا ... فَهُنِّيتِ رِزقَكِ يا جَيَأَلُ
فَنِعمَ الدِماءُ الَّتي تُمتَرى ... وَنِعمَ اللُحُومُ الَّتي تُؤكَلُ
لَعَمرِي سَتَعلَمُ أُمُّ القَتِيلِ ... غَداً أَيَّماً وَلَدٍ تَثكَلُ
تَسَنَّمتَهُم في ذُرى شاهِقٍ ... يَزِلُّ عَلى مَتنِهِ المِسحَلُ
فَأَينَ الذَهابُ وَلا مَذهَبٌ ... لَكُم في البِلادِ وَلا مَوئِلُ
فَلا تَطلُبُوا العَفوَ عَن جُرمِكُم ... فَأَحسَنُ عَفوِكُمُ المُنصُلُ
أَبا صالِحٍ لا عَدَتكَ السُعُودُ ... وَلا خانَكَ الزَمَنُ المُقبِلُ
هَنِيئاً بِما خَوَّلتَكَ السُيوُفُ ... وَأَعطَتكَ أَرماحُكَ الذُبَّلُ
стр. 338
رَأَوكَ صَحِيحَ عُقُودِ الوَفاءِ ... فِيما تَقُولُ وَما تَفعَلُ
فَما اِستَعظَمُوا فِيكَ ما خَوَّلُوا ... وَلا استَكثَرُوا فِيكَ ما أَرسَلُوا
وَقَد طَوَّقُوكَ بِأَطواقِهِم ... وَلَكِن إِمامِيُّها الأَفضَلُ
بَقِيتَ لَنا وَلِأَهلِ البِلادِ ... وَهَذِي العِبادِ الَّتي تَسأَلُ
فَأَنتَ السِراجُ إِذا أَظلَمُوا ... وَأَنتَ الرَبيعُ إِذا أَمحَلُوا
لَقَد أَدرَكُوا فِيكَ ما حاوَلُوا ... وَنالُوا بِنُعماكَ ما أَمَّلُوا
стр. 339
المستدرك من شعر ابن أبي حصينة
стр. 340
قال ابن الوردي:
مدح ابن أبي حصينة الخليفة المستنصر بالله العلوي في سنة ٤٥٠، ثم أنجز له وعده بالتأمير فقال فيه من قصيدة:
أَمّا الإِمامُ فَقَد وَفى بِمَقالِهِ ... صَلّى الإِلَهُ عَلى الإِمامِ وَآلِهِ
لُذنا بِجانِبِهِ فَعَمَّ بِفَضلِهِ ... وَبِبَذلِهِ وَبِعَفوِهِ وَبِمالِهِ
لا خَلقَ أَكرَمُ مِن مَعَدٍّ شِيمَةً ... مَحمُودَةً في قَولِهِ وَفَعالِهِ
فاقصُد أَمِيرَ المُؤمِنينَ فَما تَرى ... بُؤساً وَأَنتَ مُظَلَّلٌ بِظِلالِهِ
زادَ الإِمامُ عَلى البُحورِ بِفَضلِهِ ... وَعلى البُدورِ بِحُسنِهِ وَجَمالِهِ
وَعَلا سَريرَ المُلكِ مِن آلِ الهُدى ... مَن لا تَمُرُّ الفاحِشات بِبالِهِ
стр. 341
النَصرُ وَالتَأيِيدُ في أَعلامِهِ ... وَمَكارِمُ الأَخلاقِ في سِربالِهِ
مُستَنصِرٌ بِاللَهِ ضاقَ زَمانُهُ ... عَن شِبهِهِ وَنَظيرِهِ وَمِثالِهِ
وكان الذي كتب له سجل التأمير وسعى في مصالحه ونهض فيه الشيخ الأجل أبو علي صدقة بن إسماعيل بن فهد الكاتب بحضرة المستنصر فشكر الأمير أبو الفتح سعيه في قصيدة منها:
قَد كانَ صَبرِي عِيل في طَلَبِ العُلا ... حَتّى استَنَدتُ إِلى ابنِ إِسماعِيلا
فَظَفِرتُ بِالحَطَرِ الجَليلِ وَلَم يَزَل ... يَحوِي الجَلِيلَ مَن استَعانَ جَلِيلاً
لَولا الوَزِيرُ أَبُو عَلِيٍّ لَم أَجِد ... أَبَداً إِلى الشَرَفِ العَلِيِّ سَبِيلا
إِن كانَ رَيبُ الدَهرِ قَبَّحَ ما مَضى ... عِندِي فَقَد صارَ القَبِيحُ جَميلا
وَأَجَلُّ ما جَعَلَ الرِجالُ صِلاتِهِم ... لِلراغِبِينَ العِزَّ وَالتَبجِيلا
اليَومَ أَدرَكتُ الَّذي أَنا طالِبٌ ... وَالأَمسِ كانَ طِلابُهُ تَعلِيلا
стр. 342
وقال ابن الوردي:
في سنة ٤٥١ تسلم الأمير أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعري من بين يدي الخليفة الستنصر بالله العلوي صاحب مصر السجل بتأميره وذلك في ربيع الآخر فعلا قدره وعظم شأنه، وكان سبب شهرته وتقدمه أنه وفد إلى حضرة المستنصر رسولا من قبل الأمير تاج الدولة بن مرداس سنة ٤٣٧ ومدح المستنصر بقوله:
ظَهَرَ الهُدى وَتَجَمَّلَ الإِسلامُ ... وَابنُ الرَسولِ خَلِيفَةٌ وَإِمامُ
مُستَنصِرٌ بِاللَهِ لَيسَ يَفُوتُهُ ... طَلَبٌ وَلا يَعتاصُ عَنهُ مَرامُ
حاطَ البِلادَ وَباتَ تَسهَرُ عَينُهُ ... وَعُيونُ سُكّانِ البِلادِ نِيامُ
قَصرُ الإِمامِ أَبِي تَمِيمٍ كَعبَةٌ ... وَيَمِينُهُ رُكنٌ لَها وَمَقامُ
لَولا بَنُو الزَهراءِ ما عُرِفَ التُقى ... فِينا وَلا تَبِعَ الهُدى الأَقوامُ
стр. 343
يا آلَ أَحمَدَ ثُبِّتَت أَقدامُكُم ... وَتَزَلزَلَت بِعِداكُم الأَقدامُ
لَستُم وَغَيرُكُم سَواءً أَنتُمُ ... لِلدِّينِ أَرواحٌ وَهُم أَجسامُ
يا آلَ طَهَ حُبُّكُم وَوَلاؤُكُم ... فَرضٌ وَإِن عَذَلَ الوُشاةُ وَلامُوا
وهي طويلة.
стр. 344
وقال ابن الوردي في تاريخه:
في سنة ٤٢٦ وصلت الروم إلى حلب فقاتلهم صاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، وتبعهم إلى عزاز فقتل وغنم، وكان اسم ملك الروم أرمانوس، وفي ذلك يقول الأمير أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعري من قصيدة طويلة وأنشده إياها بظاهر قنسرين:
دِيارُ الحَيِّ مُقفِرَةٌ يَبابُ ... كَأَنَّ رُسومَدِمنَتِها كِتابُ
نَأَت عَنها الرَبابُ وَباتَ يَهمِي ... عَلَيها بَعدَ ساكِنِها الرَبابُ
стр. 345
تُعاتِبُني أُمامَةُ في التَصابِي ... وَكَيفَ بِهِ وَقَد فاتَ الشَبابُ
نَضا مِنّي الصِبا وَنَضَوتُ مِنهُ ... كَما يَنضُو مِنَ الكَفِّ الخِضابُ
ومنها:
إِلى نَصرٍ وَأَيُّ فَتىً كَنَصرِ ... إِذا حَلَّت بِمَغناه الرِكابُ
أمُنتَهِكَ الصَلِيبِ غَداةَ ظَلَّت ... حُطاماً فِيهِمُ السُمرُ الصِلابُ
جُنُودُكَ لا يُحيط بِهِنَّ وَصفٌ ... وَجُودُكَ لا يُحَصِّلُهُ حِسابُ
وَذِكرُكَ كُلُّهُ ذِكرٌ جَميلٌ ... وَفِعلُكَ كُلُّهُ فِعلٌ عُجابُ
وَأَرمانُوسُ كانَ أَشَدَّ بَأساً ... وَحَلَّ بِهِ عَلى يَدِكَ العَذابُ
أَتاكَ يَجُرُّ بَحراً مِن حَديدٍ ... لَهُ في كُلِّ ناحِيَةٍ عُبابُ
إِذا سارَت كَتائِبُهُ بِأَرضٍ ... تَزَلزَلَتِ الأَباطِحُ وَالهِضابُ
فَعادَ وَقَد سَلَبتَ المُلكَ عَنهُ ... كَما سُلِبَت عَن المَيتِ الثِيابُ
стр. 346
فَما أَدناهُ مِن خَيرِ مَجِيءٌ ... وَلا أَقصاهُ مِن شَرِّ إِيابُ
فَلا تَسمَع بِطَنطَنَةِ الأَعادِي ... فَإِنَّهُمُ إِذا طَنُّوا ذُبابُ
وَلا تَرفَع لِمَن عاداكَ رَأساً ... فَإِنَّ اللَيثَ تَنبَحُهُ الكِلابُ
стр. 347
قال الصلاح الكتبي:
قال ابن أبي حصينة من قصيدة يمدح بها أسد الدولة عطية بن صالح بن مرداس:
سَرى طَيفُ هِندٍ وَالمَطِيُّ بِنا تَسري ... فَأَخفى دُجى لَيلٍ وَأَبدى سَنا فَجرِ
خَلِيلَيَّ فُكّاني مِنَ الهَمِّ وَأَركَبا ... فِجاجَ المَوامِي الغُبرِ في النُوَبِ الغُبرِ
إِلى مَلِكٍ مِن عامِرٍ لَو تَمَثَّلَت ... مَناقِبُهُ أَغنَت عَنِ الأَنجُمِ الزُهرِ
إِذا نَحنُ أَثنَينا عَلَيهِ تَلَفَّتَت ... إِلَيهِ المَطايا مُصغِياتٍ إِلى جَبرِ
وَفَوقَ سَريرِ المُلكِ مِن آلِ صالِحٍ ... فَتىً وَلَدَتهُ أُمُّهُ لَيلَةَ القَدرِ
стр. 348
فَتىً وَجهُهُ أَبهى مِنَ البَدرِ مَنظَراً ... وَأَخلاقُهُ أَشهى مِنَ الماءِ وَالخَمرِ
أَبا صالِحٍ أَشكُو إِلَيكَ نوائِباً ... عَرَتنِي كَما يَشكُو النَباتُ إِلى القَطرِ
لِتَنظُرَ نَحوِي نَظرَةً إِن نَظَرتَها ... إِلى الصَخرِ فَجَّرتَ العُيونَ مِنَ الصَخرِ
وَفِي الدارِ خَلفِي صِبيَةٌ قَد تَرَكتهُمُ ... يُطِلُّونَ إِطلالَ الفِراخِ مِنَ الوَكرِ
جَنَيتُ عَلى رُوحِي بِرُوحي جِنايَةً ... فَأَثقَلتُ ظَهرِي بِالَّذي خَفَّ مِن ظَهرِي
فَهَب هِبَةً يَبقى عَلَيكَ ثَناؤُها ... بَقاءَ النُجومِ الطالِعاتِ الَّتي تَسرِي
عِدادُ الثُرَيّا مِثلُ نِصفِ عِدادِهم ... وَمَن نَسلُهُ ضِعفُ الثُرَيّا مَتى يُثرِي
وَأَخشى اللَيالِي الغادِراتِ عَلَيهِمُ ... لِأَنَّ اللَيالي غَيرُ مَأمُونَةِ الغَدرِ
стр. 349
وَلِي مِنكَ إِقطاعٌ قَدِيمٌ وَحادِثٌ ... تَقَلَّبتُ فِيهِ تَحتَ ظِلِّكَ مِن عُمرِي
وَما أَنا بِالمَمنُوعِ مِنهُ وَلا الَّذي ... أَخافُ عَلَيهِ مِنكَ حادِثَةً تَجرِي
وَلَكِنَّني أَبغِيهِ مُلكاً مُخَلَّداً ... خُلُودَ القَوافِي الباقِياتِ عَلى الدَهرِ
стр. 350
وقال شمس الدين أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان أثناء حوادث سنة ٤٥٢ ما خلاصته:
وفي رجب ملك محمود بن شبل الدولة، ومنيع ابن عمه حلبا والقلعة وأخرجا منها أبا علي بن ملهم النائب من قبل صاحب مصر ... ولما صعد محمود القلعة أنشده ابن أبي حصينة قصيدة منها:
وقال أيضاً:
الطويل
صَبَرتَ عَلى الأَهوالِ صَبرَ ابنِ حُرَّةٍ ... فَأَعطاكَ حُسنُ الصَبرِ حُسنَ العَواقِبِ
وَأَتعَبتَ نَفساً يابنَ نَصرٍ نَفِيسَةً ... إِلى أَن أَتاكَ النَصرُ مِن كُلِّ جانِبِ
وَأَنتَ امرُؤُ تَبغِي العُلى غَيرَ عاجِزٍ ... وَتَسعى إِلى طُرق الرَدى غَيرَ هائِبِ
يُطَوِّلُ مَحمُودُ بنُ نَصرِ وَفِعلُهُ ... كِلاباً كَما طالَت تَمِيمٌ بِحاجِبِ
стр. 351
وقال ابن عساكر في تاريخه:
حكى أبو عبد الله محمد بن المحسن الملحي أنَّ ابن أبي حصينة قدم دمشق وله فيها أبيات من قصيدة (يمدح بها ثابت بن ثمال بن صالح بن مرداس). ذكرها ابن ابنه أبو المظفر نصر بن منصور بن الحسن:
لَو أَنَّ داراً أَخبَرَت عَن ناسِها ... لَسَأَلتُ رامَةَ عَنِ ظِباءِ كِناسِها
بَل كَيفَ تَسألُ دِمنَةً ما عِندَها ... عِلمٌ بِوَحشَتِها وَلا إِيناسِها
مَمحُوَّةُ العَرَصاتِ يَشغَلُها البِلى ... عَن ساحِباتِ الرَيطِ فَوقَ دِهاسِها
بِيضٌ إِذا اِنضاعَ النَسِيمُ مِنَ الصَبا ... خِلناهُ ما يَنضاعُ مِن أَنفاسِها
стр. 352
يا صاحِبَيَّ سَقى مَنازِلَ جِلَّقٍ ... غَيثٌ يُرَوِّي مُمحِلاتِ طِساسِها
فَرِواقَ جامِعِها فَبابَ بَرِيدِها ... فَمَشارِبَ القَنَواتِ مِن باناسِها
فَلَقَد قَطَعتُ بِها زَماناً لِلصِبا ... وَاللَهوُ مُخضَرٌّ كَخُضرَةِ آسِها
قَبلَ النَوى وَسِهامُهُ مَشغُولَةُ ال ... أَفواقِ لَم تَبلُغ إِلى بِرجاسِها
مَن لِي بِرَدِّ شَبَيبَةٍ قَضَّيتُها ... فِيها وَفِي حِمصٍ وَفِي مِيماسِها
وَزَمانِ لَهوٍ بِالمَعَرَّةِ مُونَقٍ ... بِسِيائِها وَبِجانِبَي هِرماسِها
стр. 353
أَيّامَ قُلتُ لَذِي المَوَدَّةِ سَقِّنِي ... مِن خَندَرِيسِ حُناكِها أَو حاسِها
حَمراءَ تُغنِينا بِساطِعِ لَونِها ... في اللَيلَةِ الظَلماءِ عَن نِبراسِها
وَكَأَنَّما حَببُ المِزاجِ إِذا طَفا ... دُرٌّ تَرَصَّعَ في جَوانِبِ طاسِها
رَقَّت فَما أَدرِي أَكاسُ زُجاجَها ... في جِسمِها أَم جِسمُها في كاسِها
وَكَأَنَّما زَرجُونَةٌ جاءَت بِها ... سُقِيَت مُذابَ التِبرِ عِندَ غِراسِها
فَأَتَت مُشَعشَعَةً كَجِذوَةِ قابِسٍ ... راعَت أَكُفَّ القَومِ عِندَ مَساسِها
لِلّهِ أَيّامُ الصِبا ونَعِيمُها ... وَزَمانُ جِدَّتِها وَلِينُ مِراسِها
مالي تَعيبُ البِيضُ بِيضَ مَفارِقِي ... وَسَبِيلُها تَصبُو إِلى أَجناسِها
стр. 354
نُورُ الصَباحِ إِذا الدُجُنَّةُ أَظلَمَت ... أَبهى وَأَحسَنُ مِن دُجى أَغلاسِها
إِنَّ الهَوى دَنَسُ النُفُوسِ فَلَيتَني ... طَهَّرتُ هَذي النَفسَ مِن أَدناسِها
وَمَطامِعُ الدُنيا تُذِلُّ وَلا أَرى ... شَيئاً أَعَزَّ لِمُهجَةٍ مِن ياسِها
مَن عَفَّ لَم يُذمَم وَمَن تَبِعَ الخَنا ... لَم تُخلِهِ التبعاتُ مِن أَوكاسِها
زَيِّن خِصالَكَ بِالسَماحِ وَلا تُرِد ... دُنيا تَراكَ وَأَنتَ بَعضُ خِساسِها
وَمَتى رَأَيتَ يَدَ امرِئٍ مَمدُودَةً ... تَبغِي مُواساةَ الكَريمِ فواسِها
خَيرُ الأَكُفِّ السابِقاتِ بِجُودِها ... كَفٌّ تَجُودُ عَلَيكَ في إِفلاسِها
ومنها في المدح:
أَمّا نِزارُ فَكُلَّها لَكَريمَةٌ ... لَكِنَّ أَكرَمَها بَنُو مِرداسِها
стр. 355
قال ابن الوردي:
قال ابن أبي حصينة يمدح محمود بن نصر بن صالح:
كُفّي مَلامَكِ فَالتَبرِيحُ يَكفِيني ... أَو جَرِّبِي بَعضَ ما أَلقى وَلُومِيني
بِرَملِ يَبرِينَ أَصبَحتُم فَهَل عَلِمَت ... رِمالُ يَبرِينَ أَنَّ الشَوقَ يَبرِيني
أَهوى الحِسانَ وَخَوفُ اللَهِ يَردَعُني ... عَنِ الهَوى وَالعُيونُ النُجلُ تَغوِيني
ما بالُ أَسماءَ تُلوِيني مَواعِدَها ... أَكُلُّ ذاتِ جَمالٍ ذاتُ تَلوِينِ
следующие страницы →