← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1485

آداب الشافعي ومناقبه - ط العلمية

ابن أبي حاتم

Полный текст (225 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثُمَّ رَأَى بَنِي زُهْرَةَ، وَهُمْ لا يُنَازِعُهُمُ أَحَدٌ. ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ قَرَابَةُ بَنِي تَيْمَ بْنِ مُرَّةَ، وَبَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ، فَرَأَى أَنَّ لِبَنِي تَيْمٍ سَابِقَةً وَصِهْرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّ بَنِي تَيْمٍ مِنَ الْمُطَيِّبِينَ، وَمِنْ حِلْفِ الْفُضُولِ، فَقَدَّمَهُمْ عَلَى بَنِي مَخْزُومٍ، ثُمَّ وَضَعَ بَنِي مَخْزُومٍ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ اسْتَوَتْ قَرَابَةُ بَنِي جُمَحٍ، وَسَهْمٍ، وَعَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ رَهْطِهِ، فَقَالَ: أَمَّا بَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَسَهْمٍ فَمَعًا، وَذَلِكَ أَنَّ الإِسْلامَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ بِمَنْ تَرَوْنَ أَنْ أَبْدَأَ؟ أسَهْمٌ؟ أَمْ جُمَحٌ؟ ثُمَّ رَأَى أَنْ يَبْدَأَ بِجُمَحٍ، فَلا أَدْرِي أَلِسِنِّ جُمَحٍ؟ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ؟ ثُمَّ وَضَعَ بَنِي سَهْمٍ، وَبَنِي عَدِيٍّ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ وَضَعَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ بَنِي فِهْرٍ. وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، لَمَّا رَأَى مَنْ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: أَيُدْعَى هَؤَلاءِ كُلُّهُمْ قَبْلِي؟ ! فَقَالَ: أَنْتَ بِحَيْثُ وَضَعَكَ اللَّهُ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهُ، قَالَ: أَمَّا عَلَى نَفْسِي وَأَهْلِ بَيْتِي، فَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ بِأَنْ أُقَدِّمَكَ، وَكَلِّمْ قَوْمَكَ، فَإِنْ هُمْ طَابُوا بِذَلِكَ نَفْسًا لَمْ أَمْنَعْكَهُ.

стр. 72

وَقَدِ ادَّعَى بَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ أَنَّ عُمَرَ قَدَّمَهُمْ، فَجَعَلَهُمْ بَعْدَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَوْ بَعْدَ بَنِي قُصَيٍّ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنْكَرُوهُ، وَقَالُوا: أَبُو عُبَيْدَةُ مِنْ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، لا مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمُقَدَّمَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا لِبَنِي الْحَارِثِ، لا لِبَنِي مُحَارِبٍ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِخُئُولَةٍ لَهُ كَانَتْ فِيهِمْ

стр. 73

أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن مردك قراءة عليه، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قَالَ: أَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا أَيُّوبَ بْنُ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاءَ هُوَ وَعُثْمَانُ إِلَى

стр. 74

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمَانِهِ فِيمَا قَسَمَ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، فَقَالا: قَسَمْتَ لإِخْوَانِنَا بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا أَرَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ شَيْئًا وَاحِدًا» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: وَحدَّثَني أَبِي، ثنا أَبُو طَاهِرٍ، ثنا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلا

стр. 75

إِسْلامٍ، فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَي، دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ» بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ سَخَاءِ الشَّافِعِيِّ وَحُسْنِ خُلُقِهِ، ﵀ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: " تَزوَّجْتُ، فَسَأَلَنِي الشَّافِعِيُّ: كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟ فَقُلْتُ: ثَلاثِينَ دِينَارًا، فَقَالَ: كَمْ أَعْطَيْتَهَا؟ قُلْتُ: سِتَّةَ دَنَانِيرَ، فَصَعَدَ دَارَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيَّ بِصُرَّةٍ، فِيهِمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا " أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: " كَانَ الشَّافِعِيُّ أَسْخَى النَّاسِ بِمَا يَجِدُ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا فَإِنْ وَجَدَنِي، وَإِلا قَالَ: قَوْلِي لِمُحَمَّدٍ إِذَا جَاءَ يَأْتِي الْمَنْزِلَ، فَإِنِّي لَسْتُ أَتَغَدَّى،

стр. 76

حَتَّى يَجِيءَ، فَرُبَّمَا جِئْتُهُ، فَإِذَا قَعَدْتُ مَعَهُ عَلَى الْغَدَاءِ، قَالَ: يَا جَارِيَةُ، اضْرِبِي لَنَا فَالُوذَجًا، فَلا تَزَالُ الْمَائِدَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ، وَنَتَغَدَّى " أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ سَوَّادٍ السَّرْحِيَّ، قَالَ: " كَانَ الشَّافِعِيُّ أَسْخَى النَّاسِ عَلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالطَّعَامِ، فَقَالَ لِيَ الشَّافِعِيُّ: أَفْلَسْتُ فِي عُمْرِي ثَلاثَ إِفْلاسَاتٍ، فَكُنْتُ أَبِيعُ قَلِيلِي وَكَثِيرِي، حَتَّى حُلِيَّ ابْنَتِي وَزَوْجَتِي، وَلَمْ أَرْهَنْ قَطُّ " أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «أَفْلَسْتُ مِنْ دَهْرِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَرُبَّمَا أَكَلْتُ التَّمْرَ بِالسَّمَكِ» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْبُسْتِيُّ السِّجِسْتَانِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، قَالَ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ قَلَّمَا يُمْسِكُ الشَّيْءَ مِنْ سَمَاحَتِهِ» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ:

стр. 77

" كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ، وَهُوَ فِي الْمُطْبِقِ، يَسْأَلُنِي أَنْ أُصْبِرَ نَفْسِي لِلْغُرَبَاءِ، مِمَّنْ يَسْمَعُ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ، وَيَسْأَلُنِي أَنْ أُحَسِّنَ خُلُقِي لأَصْحَابِنَا الَّذِينَ فِي الْحَلْقَةِ، وَالاحْتِمَالِ مِنْهُمْ، وَيَقُولُ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ الشَّافِعِيَّ كَثِيرًا، يُرَدِّدُ هَذَا الْبَيْتَ: أُهِينُ لَهُمْ نَفْسِي لِكَيْ يُكْرِمُونَهَا ... وَلَنْ تُكْرَمَ النَّفْسُ الَّتِي لا تُهِينُهَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَوْحٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: " خَرَجَ هَرْثَمَةُ فَأَقْرَأَنِي سَلامَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَقَالَ: قَدْ أَمَرَ لَكَ بِخَمْسَةِ آلافِ دِينَارٍ ". قَالَ: فَحُمِلَ إِلَيْهِ الْمَالُ، فَدَعَا بِحَجَّامٍ فَأَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ وَأَعْطَاهُ خَمْسِينَ دِينَارًا، ثُمَّ أَخَذَ رِقَاعًا، وَصَرَّ مِنْ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ صُرَرًا، فَفَرَّقَهَا فِي الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ هُمْ

стр. 78

بِالْحَضْرَةِ، وَمِنْ هُمْ بِمَكَّةَ، حَتَّى مَا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ إِلا بِأَقَلَّ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ فِرَاسَةِ الشَّافِعِيِّ وَفِطْنَتِهِ ﵀ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثَنا َأَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ وَرَّاقُ الْحُمَيْدِيِّ: سَمِعْتُ الْحُمَيْدِيَّ، يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: " خَرَجْتُ إِلَى الْيَمَنِ فِي طَلَبِ كُتُبِ الْفِرَاسَةِ، حَتَّى كَتَبْتُهَا وَجَمَعْتُهَا، ثُمَّ لَمَّا حَانَ انْصِرَافِي، مَرَرْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي طَرِيقِي وَهُوَ مُحْتَبٍ بِفِنَاءِ دَارِهِ، أَزْرَقَ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئِ الْجَبْهَةِ، سِنَاطٍ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا النَّعْتُ أَخْبَثُ مَا يَكُونُ فِي الْفِرَاسَةِ فَأَنْزَلَنِي، فَرَأَيْتُ أَكْرَمَ رَجُلٍ، بَعَثَ إِلَيَّ بِعَشَاءٍ وَطِيبٍ، وَعَلَفٍ لِدَابَّتِي، وَفِرَاشٍ وَلِحَافٍ، فَجَعَلْتُ أَتَقَلَّبُ اللَّيْلَ أَجْمَعَ مَا أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكُتُبِ؟ إِذْ رَأَيْتُ هَذَا النَّعْتَ فِي هَذَا الرَّجُلِ، فَرَأَيْتُ أَكْرَمَ رَجُلٍ، فَقُلْتُ: أَرْمِي بِهَذِهِ الْكُتُبِ ". فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، قُلْتُ لِلْغُلامِ: أَسْرِجْ، فَأَسْرَجَ، فَرَكِبْتُ وَمَرَرْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ وَمَرَرْتَ بِذِي طُوًى، فَسَلْ عَنْ مَنْزِلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ.

стр. 79

فَقَالَ لِيَ الرَّجُلُ: أَمَولًى لأَبِيكَ أَنَا؟ ! قُلْتُ: لا. قَالَ: فَهَلْ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي نِعْمَةٌ؟ ! فَقُلْتُ: لا. فَقَالَ: أَيْنَ مَا تَكَلَّفْتُ لَكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ . قَالَ: اشْتَرَيْتُ لَكَ طَعَامًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَإِدَامًا بِكَذَا، وَعِطْرًا بِثَلاثَةِ دَرَاهِمَ، وَعَلَفًا لِدَابَّتِكَ بِدِرْهَمَيْنِ، وَكِرَاءُ الْفِرَاشِ وَاللِّحَافِ دِرْهَمَانِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا غُلامُ أَعْطِهِ، فَهَلْ بَقِيَ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: كِرَاءُ الْمَنْزِلِ، فَإِنِّي وَسَّعْتُ عَلَيْكَ، وَضَيَّقْتُ عَلَى نَفْسِي، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَغَبَطْتُ نَفْسِي بِتِلْكَ الْكُتُبِ، فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: هَلْ بَقِيَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: امْضِ، أَخْزَاكَ اللَّهُ، فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ شَرًّا مِنْكَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: فِي كِتَابِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: " اشْتَرَيْتُ لِلشَّافِعِيِّ طِيبًا بِدِينَارٍ، فَقَالَ لِي: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ ذَلِكَ الأَشْقَرِ الأَزْرَقِ، فَقَالَ: أَشْقَرُ أَزْرَقُ، رُدَّهُ، رُدَّهُ " أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ بِزِيَادَةٍ، قَالَ: " سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَا جَاءَنِي خَيْرٌ قَطُّ مِنْ أَشْقَرَ " أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: " حَضَرْتُ الشَّافِعِيَّ، وَاشْتُرِيَ لَهُ طِيبٌ، فأُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ، فَوَقَعَ فِيهِ كَلامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مِمَّنِ اشْتُرِيَ هَذَا الطِّيبُ؟ مَا صِفَتُهُ؟ قَالُوا: أَشْقَرُ، قَالَ: رُدُّوهُ، فَمَا جَاءَنِي خَيْرٌ قَطُّ مِنْ أَشْقَرَ "

стр. 80

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، ثَنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «احْذَرِ الأَعْوَرَ، وَالأَحْوَلَ، وَالأَعْرَجَ، وَالأَحْدَبَ، وَالأَشْقَرَ، وَالْكَوْسَجَ، وَكُلَّ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ فِي بَدَنِهِ، وَكُلَّ نَاقِصِ الْخَلْقِ، فَاحَذَرْهُ؛ فَإِنَّهُ صَاحِبُ الْتِوَاءٍ، وَمُعَامَلَتُهُ عَسِرَةٌ» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً أُخْرَى: فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ خِبٍّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنَّمَا يَعْنِي إِذَا كَانَ وِلادُهُمْ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، فَأَمَّا مَنْ حَدَثَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعِلَلِ، وَكَانَ فِي الأَصْلِ صَحِيحَ التَّرْكِيبِ، لَمْ تَضُرَّ مُخَالَطَتُهُ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ سَمِينًا عَاقِلا قَطُّ، إِلا رَجُلا وَاحِدًا»

стр. 81

أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ قَوْمٍ لا يُخْرِجُونَ نِسَاءَهُمْ إِلَى رِجَالِ غَيْرِهِمْ فِي التَّزْوِيجِ، وَلا رِجَالَهُمْ إِلَى نِسَاءِ غَيْرِهِمْ فِي التَّزْوِيجِ، إِلا جَاءَ أَوْلادُهُمْ حَمْقَى»

стр. 82

أنا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ عَنْ رَجُلٍ ذَكَرَهُ: " لا يَصْلُحُ طَلَبُ الْعِلْمِ إِلا لِمُفْلِسٍ، فَقِيلَ: وَلا الْغَنِيُّ الْمَكْفِيُّ؟ فَقَالَ: وَلا الْغَنِيُّ الْمَكْفِيُّ " ثنا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ ابْنُ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْكِتَابَ فِيهِ إِلْحَاقٌ وَإِصْلاحٌ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالصِّحَّةِ» أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لِرَجُلٍ يُكَنَّى أَبَا

стр. 83

عَلِيٍّ، يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَ الْحَدِيثَ، وَيَكُونَ فَقِيهًا: «هَيْهَاتَ مَا أَبْعَدَكَ مِنْ ذَلِكَ» أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ الرَّجُلَ أَكَاتِبٌ هُوَ؟ فَانْظُرْ أَيْنَ يَضَعُ دَوَاتَهُ؟ فَإِنْ وَضَعَهَا عَنْ شِمَالِهِ، أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَاتِبٍ» بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ مَعْرِفَةِ الشَّافِعِيِّ اللُّغَاتِ وَمَا فَسَّرَ مِنْ غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَغَرِيبِ الْكَلامِ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ هِشَامٍ النَّحْوِيَّ، صَاحِبَ الْمَغَازِي، وَكَانَ بَصِيرًا بِالْعَرَبِيَّةِ، يَقُولُ: «الشَّافِعِيُّ مِمَّنْ تُؤْخَذُ عَنْهُ اللُّغَةُ» .

стр. 84

أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، قَالَ: قَالَ أَبِي: «كَانَ الشَّافِعِيِّ ﵀ مِنْ أَفْصَحَ النَّاسِ، وَكَانَ مَالِكٌ يُعْجِبُهُ قِرَاءَتُهُ؛ لأَنَّهُ كَانَ فَصِيحًا» أَنَا أبو الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ مِمَّنْ يُؤْخَذُ عَنْهُ اللُّغَةُ، أَوْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ» ، الشَّكُّ مِنِّي. أنا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: ثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ عَرَبِيَّ النَّفْسِ، عَرَبِيَّ اللِّسَانِ. » أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ أَبِي: قَالَ َأَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْوَهَ وَلا أَنْطَقَ مِنَ الشَّافِعِيِّ»

стр. 85

أنا أَبُو الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «نُهِيَ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ» ، قَالَ: هِيَ أَنْ تُرْمَى بَعْدَ مَا تُؤْخَذُ أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: " سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الاسْتِنْجَاءِ بِالرِّمَّةِ يَعْنِي حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : " أَنَّهُ نَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ أَنْ يُسْتَنْجَى بِهِمَا، فَقَالَ: الرِّمَّةُ هِيَ الْعَظْمُ الْبَالِي ". وَرَوَى هَذَا الْبَيْتَ: بِهِ جِيَفُ الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَرَمٌّ وَأَمَّا لَحْمُهَا فَصَلِيبُ

стр. 86

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: " سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ، عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ «نَهَى أنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ وَرِمَّةٍ» ، فَقُلْتُ: مَا الرِّمَّةُ؟ قَالَ: الْعَظْمُ الْبَالِي، فَنَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ، قَالَ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَكَّةَ: «لا يُخْتَلَى خَلاهَا» ، فَقَالَ: الاخْتِلاءُ: الاحْتِشَاشُ قَطْعًا وَنَتْفًا " أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سُئِلَ الشَّافِعِيّ عَنِ اللِّمَاسِ، فَقَالَ: هُوَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ، أَلا تَرَى أَنّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنِ الْمُلامَسَةِ» ؟ ! "، وَالْمُلامَسَةُ: أَنْ يَلْمِسَ الثَّوْبَ بِيَدِهِ لِيِشْتَرِيَهِ، وَلا يُقَلِّبَ. قَالَ

стр. 87

الشَّافِعِيُّ: قَالَ الشَّاعِرُ: وَأَلْمَسْتُ كَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى ... وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي فَلا أَنَا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغِنَى ... أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ مَا عِنْدِي أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يُفَسِّرُ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» ، قَالَ: لأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ يَفْتِنُ فِي غَيْرِ صَلاةٍ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَكُونَ فِي الصَّلاةِ تَفْتِنُ النَّاسَ بِصَوْتِهَا أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: " سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ، وَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ أَحْرَمَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ» ، أَيْ: مَا يُؤْمَرُ بِهِ "

стр. 88

أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ: أنا الشَّافِعِيُّ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسْطَنْطِينَ يَعْنِي قَارِئَ مَكَّةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى شِبْلٍ يَعْنِي ابْنَ عَبَّادٍ، وَأَخْبَرَ شِبْلٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، وَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ، وَأَخْبَرَ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، وَكَانَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ اسْمٌ، وَلَيْسَ بِمَهْمُوزٍ، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ قَرَأْتُ، وَلَوْ أُخِذَ مِنْ قَرَأْتُ، كَانَ كُلُّ مَا

стр. 89

قُرِئَ قُرْآنًا، وَلَكِنَّهُ اسْمُ الْقُرْآنِ، مِثْلَ التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ، وَكَانَ يَهْمِزُ قَرَأْتُ، وَلا يَهْمِزُ الْقُرَآنَ، كَانَ يَقُولُ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ [الإسراء: ٤٥] " أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأً سُمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنِينِ شَيْئًا، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: «كُنْتُ بَيْنَ جَارَتَيْنِ لِي يَعْنِي

стр. 90

ضَرَّتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمِسْطَحٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِغُرَّةٍ» أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مِسْطَحٌ تَفْسِيرُهُ: عَمُودُ الْفُسْطَاطِ أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَذَكَرَ الْقُرَى الْعَرَبِيَّةَ، فَقَالَ: «كَانَتِ الْيَهُودُ فِي قُرَى الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ حَوْلَهُمْ وَهِيَ فَدَكُ وَخَيْبَرُ، وَهِيَ قُرَى الْيَهُودِ، بَنَوْهَا فِي بِلادِ الْعَرَبِ، وَهِيَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ، لأَنَّ الْعَرَبَ كَثِيرَةُ الْمَطْلَبِ» . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَعْنِي الْقُرَى الَّتِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلا خَيْلٍ، وَلا رِكَابٍ " أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ

стр. 91

عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، قَالَ: «جَاءَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ ﵉ إِلَى عُمَرَ ﵁ يَخْتَصِمَانِ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] ، فَهَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، قُرًى عَرَبِيَّةً: فَدَكُ، وَكَذَا وَكَذَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، ثنا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيَّ، ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ

стр. 92

حُسَيْنٍ، فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الْوَاسِطِيُّ، ثَنا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَأَتَتْهُ صَفِيَّةُ، فَلَمَّا ذَهَبَتْ تَرْجِعُ مَشَى النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا، فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهَا صَفِيَّةُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» . فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الأَدَبِ، لا عَلَى التُّهْمَةِ أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: فِي كِتَابِي عَنِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ

стр. 93

عَلْقمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَنْزِعُ عَلَى بِئْرٍ أَسْقِي فِي النَّوْمِ، جَاءَنِي ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِيمَا ضُعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَنَزَعَ حَتَّى اسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا، فَضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَهُ» . زَادَ مُسْلِمٌ الزِّنْجِيُّ فِي حَدِيثِهِ: «فَأَرْوَى الظَّمِئَةَ، وَضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَوْلُهُ: وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، يَعْنِي قِصَرَ مُدَّتِهِ، وَعَجَلَةَ مَوْتِهِ، وَشَغْلَهُ بِالْحَرْبِ لأَهْلِ الرِّدَّةِ، عَنِ افْتِتَاحِ الْمُدُنِ، وَالتَّزَيُّدِ: الَّذِي بَلَغَهُ عُمَرُ فِي طُولِ مُدَّتِهِ. وَقَوْلُهُ لِعُمَرَ: فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، وَالْغَرْبُ: الدَّلْوُ الْعَظِيمُ الَّذِي إِنَّمَا تَنْزِعُهُ الدَّابَّةُ أَوِ الزُّرْنُوقُ، وَلا يَنْزِعُهُ الرَّجُلُ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وَتَزَيُّدِهِ فِي الْإِسْلامِ، لَمْ يَزَلْ يَعْظُمُ أَمْرُهُ بِذَلِكَ، وَمَتَاحَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا تَمْتَحُ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ

стр. 94

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: «أَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ جِنُّ الإِنْسِ، يُبْصِرُونَ مَا لا يُبْصِرُ غَيْرُهُمْ» أَنَا أبو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ الْخَوْلانِيِّ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا» . قَالَ: إِنَّ عِلْمَ الْعَرَبِ كَانَ فِي زَجْرِ الطَّيْرِ وَالْبَوَارِحِ، وَالْخَطِّ وَالاعْتِيَافِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا غَدَا مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ أَمْرًا، نَظَرَ أَوَّلَ طَائِرٍ يَرَاهُ، فَإِنْ سَنَحَ عَنْ يَسَارِهِ، فَاجْتَازَ عَنْ يَمِينِهِ، قَالَ: هَذَا طَيْرُ الأَيَامِنِ، فَمَضَى فِي حَاجَتِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ مُسْتَنْجِحُهَا، وَإِنْ سَنَحَ عَنْ يَمِينَهَ، فَمَرَّ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: هَذَا طَيْرُ الأَشَائِمِ، فَرَجَعَ،

стр. 95

وَقَالَ: هَذِهِ حَاجَةٌ مَشْئُومَةٌ. قَالَ الْحُطَيْئَةُ، يَمْدَحُ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ: لا يَزْجُرُ الطَّيْرَ شُحًّا إِنْ عَرَضْنَ لَهُ ... وَلا يُفِيضُ عَلَى قِسْمٍ بِأَزْلامِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قُلْتُ أنا: يَعْنِي أَنَّهُ سَلَكَ طَرِيقَ الإِسْلامِ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ، وَتَرْكِ زَجْرِ الطَّيْرِ. وَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ، يَمْدَحُ نَفْسَهُ: وَلا أَنَا مِمَّنْ يَزْجُرُ هَمُّهُ ... أَصَاحَ غُرَابٌ أَمْ تَعَرَّضَ ثَعْلَبٌ.

стр. 96

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا لَمْ يَرَ طَائِرًا سَانِحًا، فَرَأَى طَائِرًا فِي وَكْرِهِ حَرَّكَهُ مِنْ وَكْرِهِ لِيَطِيرَ، فَيَنْظُرُ أَيَسْلُكُ طَرِيقَ الأَشَائِمِ؟ أَوْ طَرِيقَ الأَيَامِنِ؟ ، فَيُشْبِهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا» ، أَيْ: لا تُحَرِّكُوهَا، فَإِنَّ تَحْرِيكَهَا وَمَا تَعْمَلُونَهُ، مِنَ الطِّيَرَةِ لا يَصْنَعُ شَيْئًا، إِنَّمَا يَصْنعُ فِيمَا تَوَجَّهُونَ بِهِ، قَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى. وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الطِّيَرةِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكَ فِي نَفْسِهِ، فَلا يَصُدَّنَّكُمْ» أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ الْخَوْلانِيِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْعَقِيقَةُ: مَا عُرِفَ لِلنَّاسِ، وَهُوَ ذَبْحٌ كَانَ يُذْبَحُ فِي الجاهلية عَنِ الْمَوْلُودِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الإِسْلامِ، وَقَدْ كَرِهَ مِنْهُ الاسْمَ.

стр. 97

فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي حَدِيثِهِ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ، فَقَالَ: " لا أُحِبُّ الْعُقُوقَ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ الاسْمَ، فَقَالَ: مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسِكَ عَنْهُ، فَلْيَفْعَلْ " أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ الْخَوْلانِيِّ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْفَرَعَةِ: هُوَ شَيْءٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَذْبَحُ بِكْرَ نَاقَتِهِ، يَعْنِي: أَوَّلَ نِتَاجٍ تَأْتِي بِهِ أَوْ شَاتِهِ، وَلا يَغْذُوهُ، رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِيمَا يَأْتِي بَعْدَهُ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ، فَقَالَ: «فَرِّعُوا إِنْ شِئْتُمْ» . أَيِ: اذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ. وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفًا أَنْ يُكْرَهَ فِي الإِسْلامِ، فأعلَمَهُمْ أَنَّهُ لا مَكْرُوهَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَأَمَرَهُمُ اخْتِيَارًا أَنْ يُغَذُّوهُ، ثُّمَ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ

стр. 98

فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَ: «الْفَرَعَةُ حَقٌّ» . يَعْنِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاطِلٍ، وَلَكِنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ يَخْرُجُ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُرْوَى عَنْهُ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «لا فَرَعَةَ، وَلا عَتِيرَةَ» . وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلافٍ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَإنَّما هُوَ: لا فَرَعةَ واجِبةٌ، ولا عَتِيرَةَ واجِبةٌ. وَالْحَدِيثُ الآخَرُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى [ذَا [أَنَّهُ أَبَاحَ الذَّبْحَ، وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً، أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَالْعَتِيرَةُ هِيَ: الرَّجَبِيَّةُ، وَهِيَ ذَبِيحَةٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَرَّرُونَ بِهَا، يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا عَتِيرَةَ» ، عَلَى مَعْنَى: لا عَتِيرَةَ لازِمَةٌ، وَقَوْلُهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْعَتِيرَةِ: «اذْبَحُوا لَهُ، فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبِرُّوا لِلَّهِ وَأَطْعِمُوا» . أَيِ: اذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ، وَاجْعَلُوا الذَّبْحَ لِلَّهِ ، لا لِغَيْرِهِ، وَفِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، لا أَنَّهَا فِي رَجَبٍ، دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: الرَّوْعُ: الفَزَعُ، وَالرُّوعُ: الْقَلْبُ، بِضَمِّ الرَّاءِ.

стр. 99

يَعْنِي تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ، نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ حَرَامًا عَلَى كُلِّ نَفْسٍ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلا حَرَجَ» . أَيْ: لا بَأْسَ أَنْ تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ مِمَّا سَمِعْتُمْ، وَإِنِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ ثِيَابَهُمْ تَطُولُ، وَالنَّارَ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَتَأْكُلُ الْقُرْبَانَ، لَيْسَ أَنْ يُحَدَّثَ عَنْهُمْ بِالْكَذِبِ، وَمَا لا يُرْوَى أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يَقْولُ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَيْسَ

стр. 100

مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» ، قَالَ: يَسْتَغْنِي بِهِ أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀، فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» ، قَالَ: يَقْرَؤُهُ حَدْرًا وَتَحْزِينًا أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، ثنا حَرْمَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، حَيْثُ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ» . مَعْنَاهُ: اشْتَرِطِي عَلَيْهِمُ الْوَلاءَ، قَالَ اللَّهُ : ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] ، يَعْنِي: عَلَيْهِمْ

стр. 101

أنا أَبُو الْحَسَنِ، ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ الأَنْفِ: «إِذَا أُوعِيَ جَدْعًا» ، الْجَدْعُ: الْقَطْعُ مَا ذُكِرَ مِنْ مُنَاظَرَةِ الشَّافِعِيِّ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَيُّهُمَا أَعْلَمُ: صَاحِبُنَا أَوْ صَاحِبُكُمْ؟ ، يَعْنِي: مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ. قُلْتُ: عَلَى الإِنْصَافِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، مَنْ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ: صَاحِبُنَا أَوْ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: صَاحِبُكُمْ، يَعْنِي مَالِكًا.

стр. 102

قُلْتُ: فَمَنْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ: صَاحِبُنَا أَوْ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ صَاحِبُكُمْ. قُلْتُ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ، مَنْ أَعْلَمُ بِأَقَاوِيلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُتَقَدِّمِينَ: صَاحِبُنَا أَوْ صَاحِبُكُمْ؟ قَالَ: صَاحِبُكُمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُلْتُ: فَلَمْ يَبْقَ إِلا الْقِيَاسُ، وَالْقِيَاسُ لا يَكُونُ إِلا عَلَى هَذِهِ الأَشْيَاءِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الأُصُولَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يِقِيسُ؟ ! أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا أَبِي، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: «نَاظَرْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ يَوْمًا، فَاشْتَدَّتْ مُنَاظَرَتِي إِيَّاهُ، فَجَعَلَتْ أَوْدَاجُهُ تَنْتَفِخُ، وَأَزْرَارُهُ تَنْقَطِعُ، زِرًّا زِرًّا» أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بِشْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الدَّوْلابِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِدْرِيسَ يَعْنِي كَاتِبَ الْحُمَيْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ عِيسَى الْقُرَشِيَّ الْحُمَيْدِيَّ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " كَتَبْتُ كُتُبَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَعَرَفْتُ قَوْلَهُمْ، وَكَانَ إِذَا قَامَ نَاظَرْتُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ فِي الْغَضْبِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُخَالِفُنَا. قُلْتُ: إِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ أَقُولُهُ عَلَى الْمُنَاظَرَةِ، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي غَيْرُ هَذَا، فَنَاظِرْنِي. فَقُلْتُ: إِنِّي أُجِلُّكَ وَأَرْفَعُكَ عَنِ الْمُنَاظَرَةِ، فَقَالَ: لابُدَّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَبَي قُلْتُ: هَاتِ ". قَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ سَاجَةً، فَبَنَى عَلَيْهَا بِنَاءً، أَنْفَقَ عَلَيْهَا

стр. 103

أَلْفَ دِينَارٍ، فَجَاءَ سَاحِبُ السَّاجَةِ، فَثَبَّتَ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَنَّ هَذَا اغْتَصَبَهُ هَذِهِ السَّاجَةَ، وَبَنَى عَلَيْهَا هَذَا الْبِنَاءَ، مَا كُنْتَ تَحْكُمُ فِيهَا؟ قُلْتُ: أَقُولُ لِصَاحِبِ السَّاجَةِ: يَجِبُ أَنْ تَأْخُذَ قِيمَتَهَا، فَإِنْ رَضِيَ حَكَمْتُ لَهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ أَبَى إِلا سَاجَتَهُ، قَلَعْتُ الْبِنَاءَ وَرَدَدْتُ سَاجَتَهُ. فَقَالَ لِي: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ خَيْطَ إبْرَيْسَمٍ، فَخَاطَ بِهِ بَطْنَهُ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْخَيْطِ، فَثَبَّتَ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَنَّ هَذَا اغْتَصَبَهُ هَذَا الْخَيْطَ، فَخَاطَ بِهِ بَطْنَهُ، أَكُنْتَ تَنْزِعُ الْخَيْطَ مِنْ بَطْنِهِ؟ ! فَقُلْتُ: لا. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، تَرَكْتَ قَوْلَكَ. وَقَالَ أَصْحَابُهُ: تَرَكْتَ قَوْلَكَ. فَقُلْتُ: لا تَعْجَلُوا، أَخْبِرُونِي لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبِ السَّاجَةَ مِنْ أَحَدٍ، وَأَرَادَ أَنْ يَقْلَعَ هَذَا الْبِنَاءَ عَنْهَا، وَيَبْنِيَ غَيْرَهُ، أَمُبَاحٌ لَهُ؟ أَمْ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ؟ قَالُوا: بَلْ مُبَاحٌ لَهُ. قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ الْخَيْطُ خَيْطَ نَفْسِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَ هَذَا الْخَيْطَ مِنْ بَطْنِهِ، أَمُبَاحٌ ذَلِكَ لَهُ؟ أَمْ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ؟ ! قَالُوا: بَلْ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: فَكَيْفَ تَقِيسُ مُبَاحًا عَلَى مُحَرَّمٍ؟ ! ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ لَوْحَ سَاجَةٍ، أَدْخَلَهُ فِي سَفِينَتِهِ، وَلَجَّجَ فِي الْبَحْرِ، فَثَبَّتَ صَاحِبُ اللَّوْحِ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَنَّ هَذَا اغْتَصَبَهُ هَذَا اللَّوحَ، وَأَدْخَلَهُ فِي سَفِينَتِهِ، أَكُنْتَ تَنْزِعُ اللَّوْحَ مِنَ السَّفِينَةِ؟ ! قُلْتُ: لا.

стр. 104

قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، تَرَكْتَ َقوْلَكَ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ: تَرَكْتَ قَوْلَكَ. فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ اللَّوْحُ لَوْحَ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْزِعَ ذَلِكَ اللَّوْحَ مِنَ السَّفِينَةِ، حَالَ كَوْنِهَا فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، أَمُبَاحٌ ذَلِكَ لَهُ؟ أَمْ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ؟ قَالَ: مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَيْفَ يَصْنَعُ صَاحِبُ السَّفِينَةِ؟ قُلْتُ: آمُرُهُ أَنْ يُقَرِّبَ سَفِينَتَهُ إِلَى أَقْرَبِ الْمَرَاسِي إِلَيْهِ، مَرْسَى لا يَهْلِكُ فِيهِ هُوَ وَلا أَصْحَابُهُ، ثُمَّ أَنْزِعُ اللَّوْحَ، وَأَدْفَعُهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَأَقُولُ لَهُ: أَصْلِحْ سَفِينَتَكَ وَاذْهَبْ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا ضَرَرَ، وَلا إِضْرَارَ؟ !» . قُلْتُ: هُوَ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُضِرَّ بِهِ أَحَدٌ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً، فَأَوْلَدَهَا عَشَرَةً، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنُ، وَخَطَبُوا عَلَى الْمَنَابِرِ، وَقَضَوْا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَثَبَّتَ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَنَّ هَذَا اغْتَصَبَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ، وَأَوْلَدَهَا هَؤُلاءِ الأَوْلادَ، فَنَشَدْتُكَ اللَّهَ، مَا كُنْتَ تَحْكُمُ؟ . قَالَ: كُنْتُ أَحْكُمُ بِأَوْلادِهِ، رَقِيقًا لِصَاحِبِ الْجَارِيَةِ، وَأَرُدُّ الْجَارِيَةَ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، أَيُّهُمَا أَعْظَمُ ضَرَرًا: أَنْ رَدَدْتَ أَوْلادَهُ رَقِيقًا؟ أَوْ أَنْ قَلَعْتَ عَنِ السَّاجَةِ؟ فِي مَسَائِلَ نَحْوِ هَذِهِ

стр. 105

أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: وَحدَّثَني أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، ثنا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: " ذَكَرْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الدُّعَاءَ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ لِي: لا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى فِي الصَّلاةِ مِنَ الدُّعَاءِ إِلا بِمَا فِي الْقُرْآنِ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ ". فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ: أَطْعِمْنِي قِثَّاءً وَبَصلا وَعَدَسًا، أَوِ ارْزُقْنِي ذَلِكَ أَوْ أَخْرِجْهُ لِي مِنْ أَرْضِي، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لا. قُلْتُ: فَهَذَا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُجِيزُ مَا فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً، فَهَذَا فِي الْقُرْآنِ، وَإِنْ كُنْتَ تُجِيزُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلِمَ حَظَرْتَ شَيْئًا، وَأَبَحْتَ شَيْئًا؟ ! قَالَ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: كُلُّ مَا جَازَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِهِ فِي غَيْرِ صَلاةٍ، فَجَائِزٌ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِهِ فِي صَلاتِهِ، بَلْ أَسْتَحِبُّ ذَلِكَ لَهُ؛ لأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُرْجَى سُرْعَةُ الإِجَابَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا الصَّلاةُ الْقِرَاءَةُ وَالدُّعَاءُ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنِ الْكَلامِ أَنْ يُكَلِّمَ الآدَمِيُّونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فِي غَيْرِ أَمْرِ الصَّلاةِ

стр. 106

أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَوْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيَّ، يَذْكُرُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: «كُنْتُ أَجْلِسُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَقِيهِ، فَأَصْبَحَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ الْمَدِينَةَ وَيَذُمُّ أَهْلَهَا، وَيَذْكُرُ أَصْحَابَهُ وَيَرْفَعُ مِنْ أَقْدَارِهِمْ، وَيَذْكُرُ أَنَّهُ وَضَعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ كِتَابًا، لَوْ عَلِمَ أَحَدًا يَنْقُضُ أَوْ يَنْقُصُ مِنْهُ حَرْفًا، تَبْلُغُهُ أَكْبَادُ الإِبِلِ، لَصَارَ إِلَيْهِ» . فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَرَاكَ قَدْ أَصْبَحْتَ تَهْجُو الْمَدِينَةَ، وَتَذُمُّ أَهْلَهَا، فَلَئِنْ كُنْتَ أَرَدْتَهَا، فَإِنَّهَا لَحَرَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمْنُهُ، سَمَّاهَا اللَّهُ طَابَةَ، وَمِنْهَا خُلِقَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَبِهَا قَبْرُهُ، وَلَئِنْ أَرَدْتَ أَهْلَهَا، فَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْهَارُهُ وَأَنْصَارُهُ، الَّذِينَ مَهَّدُوا الإِيمَانَ، وَحَفِظُوا الْوَحْيَ، وَجَمَعُوا السُّنَنَ، وَلَئِنْ أَرَدْتَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَبْنَاءَهُمْ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ، فَأَخْيَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلَئِنْ أَرَدْتَ رَجُلا وَاحِدًا وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، فَمَا عَلَيْكَ لَوْ ذَكَرْتَهُ، وَتَرَكْتَ الْمَدِينَةَ. فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ إِلا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ. فَقُلْتُ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِي كِتَابِكَ الَّذِي وَضَعْتَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَوَجَدْتُ فِيهِ خَطَأً.

стр. 107

فَقُلْتَ فِي رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا جِدَارًا، وَلا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا، إِنَّ الْجِدَارَ لِمَنْ يَلِيهِ الْقُمُطُ، وَمَعَاقِدُ اللِّبِنِ. وَقُلْتَ فِي الرِّفَافِ يَدَّعِيهَا السَّاكِنُ وَرَبُّ الْحَانُوتِ: إِنْ كَانَتْ مُلْزَقةً فَهِيَ لِلسَّاكِنِ، وَإِنْ كَانَتْ مَبْنِيَّةً فَهِيَ لِرَبِّ الْحَانُوتِ. وَقُلْتَ فِي امْرَأَةٍ جَادَتْ بِوَلَدٍ، فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَقَالَ: اسْتَعَرْتِهِ، وَلَمْ تَلِدِنِيهِ: إِنَّكَ تَقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا. وَرَدَدْتَ عَلَيْنَا الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ، وَهِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ، وَقَوْلِ الْحُكَّامِ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ، وَأَنْتَ تَقُولُ هَذَا بِرَأْيِكَ، وَتَرُدُّ عَلَيْنَا السُّنَنَ، وَعَدَدْتَ عَلَيْهِ الأَحْكَامَ الَّتِي خَالَفَهَا ". وَكَانَ عَلَى الدَّارِ هَرْثَمَةُ، فَكَتَبَ الْخَبَرَ، وَدَخَلَ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْخَبَرَ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: أَكَانَ يَأْمَنُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنْ يَقْطَعَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؟ ! فَاخْرُجْ إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَأَقْرِئْهُ سَلامِي، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ لَكَ بِخَمْسَةِ آلافِ دِينَارٍ، وَعَجَّلَهَا لَكَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْحَضَرَةِ. قَالَ: فَخَرَجَ هَرْثَمَةُ، وَأَقْرَأَنِي سَلامَهُ، وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ لَكَ بِخَمْسَةِ آلافِ دِينَارٍ، وَقَالَ هَرْثَمَةُ: لَوْلا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا يُسَاوَى لأَمَرْتُ لَكَ بِمِثْلِهَا، وَلَكِنِ الْقَ غُلامِي، فَاقْبِضْ مِنْهُ أَرْبَعَةَ آلافِ دِينَارٍ.

стр. 108

فَقَالَ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، لَوْلا أَنِّي لا أَقْبَلُ جَائِزَةً إِلا مِمَّنْ هُوَ فَوْقِي لَقَبِلْتُ جَائِزَتَكَ، وَلَكِنْ عَجِّلْ لِي مَا أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ الْمَالُ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَنِي هَرْثَمَةُ، فَقَالَ: تَأَهَّبْ لِلدُّخُولِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَأَخَذْنَا مَجَالِسَنَا، فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: مَا تَقُولُ فِي الْقَسَامةِ؟ قَالَ: اسْتِفْهَامٌ، قُلْتُ: تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَاجُ أَنْ يَسْتَفْهِمَ يَهُودَ؟ وَجَرَى بَيْنَنَا كَلامٌ، وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ أنا أَبُو الْحَسَنِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أنا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: " حَضَرْتُ مَجْلِسًا فِيهِ جَمَاعَةٌ، فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: سُفْيَانُ بْنُ سَخْبَانَ، فَقُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ الْبَنَّاءِ وَكَانَ حَاضِرًا: كَيْفَ فِقْهُ هَذَا؟ فَقَالَ لِي: هُوَ حَسَنُ الإِشَارَةِ بِالأَصَابِعِ، ثُمَّ قَالَ لِي: تُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ". فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ، رَأَيْتَ شَيْئًا أَعْجَبَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فِي قَضَايَاهُمْ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِشَاهِدَيْنِ فَنَصَّ عَلَى

стр. 109

الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ لا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ إِلا بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ، فَقَالُوا: يُقْضَى بِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ؟ ! فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ مِنْ هَذَا، مَا هُوَ خِلافُ الْقُرْآنِ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: احْتَجُّوا، فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ بِمَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇. فَقَالَ ابْنُ سَخْبَانَ: لا يُقْبَلُ هَذَا مِنَ الرُّوَاةِ، وَهُوَ خِلافُ الْقُرْآنِ. فَقَالَ يَحْيَى: فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَدَخَلَ بِهَا، وَأَغْلَقَ عَلَيْهَا بَابًا، وَأَرْخَى سِتْرًا، ثُمَّ فَارَقَهَا، وَأَقَرَّ جَمِيعًا أَنَّهُمَا لَمْ يَتَمَاسَّا؟ ". فَقَالَ: عَلَيْهِ الصَّدَاقُ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى أَوْ فَقُلْتُ: فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، وَأَنْتَ تَجْعَلُ عَلَيْهِ الْكُلَّ؟ . فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵇ ذَلِكَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى الْكِتَابِ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: فَلَمْ تَرَ لِلْقَوْمِ حُجَّةً، وَقَدْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ

стр. 110

الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇، وَرَأَيْتَ لِنَفْسِكَ حُجَّةً، بِمَا رَوَيْتَ عَنْ عُمَرَ ﵇؟ ! فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْدَكَ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْدَعِيُّ الْبَزَّازُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ أَبِي ثَوْرٍ، قَالَ: قَالَ لِيَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ لِيَ الْفَضْلِ بْنُ الرَّبِيعِ: أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ مُنَاظَرَتَكَ لِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيِّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُلْتُ: لَيْسَ اللُّؤْلُؤِيُّ فِي هَذَا الْحَدِّ، وَلَكِنْ أُحْضِرُ بَعْضَ أَصْحَابِي، حَتَّى يُكَلِّمَهُ بِحَضْرَتِكَ، فَقَالَ: أَوْ ذَاكَ. قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: فَحَضَرَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِنَا، كُوفِيًّا كَانَ يَنْتَحِلُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَارَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
следующие страницы →