للجواز، وكأنه كان واعظًا، والكلام في الْخُطَب المتعارفة. انتهى) (١).
(وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا") قال القرطبيّ ﵀: البيان هنا الإيضاح البليغ مع اللفظ المستعذَب، وفي هذا الحديث تأويلان:
أحدهما: أنه قصد به الذمّ؛ لأن الإبلاع في البيان يفعل في القلوب من الإمالة، والتحريك، والتطريب، والتحزين ما يفعل السحر، واستَدَلَّ متأوّل هذا بإدخال مالك الحديث في "موطّئه" في "بابُ ما يُكره من الكلام بغير ذكر الله"، وأنه مذهبه في تأويل الحديث.
وثانيهما: أنه على جهة المدح، فإن الله تعالى قد امتنّ على عباده بالبيان حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، وشبّهه بالسحر؛ لميل القلب إليه، وأصل السحر الصرف والبيان يصرف القلوب، وُيميلها إلى ما يدعو إليه.
قال القرطبيّ ﵀: وهذا التأويل أولى؛ لهذه الآية، وما معناها. انتهى) (٢).
وقال النوويّ ﵀: وهذا الثاني هو الصحيح المختار. انتهى) (٣).
وقال في "المرقاة": قوله: "إن من البيان لسحرًا" أي: بعض البيان يَعمَل عمل السحر، فكما يكتسب الإِثم بالسحر، يكتسب ببعض البيان، أو منه ما يَصْرِف قلوب المستمعين إلى قبول ما يستمعون، وإن كان غير حق، ففي هذا إشارةٌ إلى بيان الحكمة في قَصْر الخطبة، فإنه في مَعْرِض البلية، فيجب عليه الاحتراز من هذه المحنة، حتى لا يقع في الرياء والسمعة، وابتغاء الفتنة، فهو ذمٌ لتزيين الكلام، وتعبيره بعبارة يتحير فيها السامع؛ كالتحير في السحر، ونَهْيٌ عنه كنهيه عن السحر.
وقيل: بل هو مدح للفصاحة والبلاغة، يريد أن البليغ؛ أي: الذي له مَلَكَةٌ يقتدر بها على تأليف كلام بليغ؛ أي: مطابق لمقتضى الحال، يبعث الناسَ على حب الآخرة، والزهد في الدنيا، وعلى مكارم الأخلاق، ومحاسن
стр. 9977
الأعمال، ببلاغته، وفصاحته، فبيانه هو السحر الحلال في اجتذاب القلوب، وإلاشتمال على الدقائق واللطائف، فهو تشبيهٌ بليغٌ، والظاهر أنه من عطف الجمل، ذَكَره استطرادًا.
وقال الطيبيّ: الجملة حال من "اقصُرُوا" أي: أقصروا الخطبة، وأنتم تأتون بها مَعَانيَ جَمّة في ألفاظ يسيرة، وهو من أعلى طبقات البيان، ولذا قال ﷺ : "أوتيت جوامع الكلم") (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمّار بن ياسر ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٠٩/ ١٥] (٨٦٩ (، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٠٦))، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٦٣ و ٣٢٠))، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٨٢))، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٦٥))، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٥٥))، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٢٨٩))، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٧٧)، وفوائد الحديث واضحة، تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٠] (٨٧٥) (حَدَّثنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ، أَن رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ كَوَى"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ"، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ).
стр. 9978
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعِ) بفاء، مُصَغَّرًا -الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ الطائفيّ، سَكَن الكوفة، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطّفَيل، وزيد بن وهب، وتميم بن طَرَفة، وأمية بن صفوان الْجُمَحيّ، وشدّاد بن مَعْقِل، وابن أبي مليكة، وغيرهم.
ورَوَى عنه عمرو بن دينار، وهو من شيوخه، والأعمش، ومغيرة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، والحسن بن صالح، وشريك وأبو الأحوص، والسيفانان، وآخرون.
قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو ستين حديثًا، وقال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة.
وقال جرير: كان أتى عليه نيف وتسعون سنةً، فكان يتزوج، فلا تمكث المرأة معه من كثرة جماعة.
قال مطين: مات سنة ثلاثين ومائة، وقال ابن حبان: مات بعد الثلاثين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث بالمكرّر.
٦ - (تَمِيمُ بْنُ طَرَفَةَ) بفتح الطاء، والراء، والفاء -الطائيّ الْمُسْليّ - بضم الميم، وسكون المهملة- الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٥) (م د س ق) تقدم في "الصلاة" ٢٧/ ٩٧١.
٧ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ) بن عبد الله بن سَعْد بن الْحَشْرَج -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخره جيم- ابن امرئ القيس بن عديّ بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الْغَوْث بن طيّء الطائيّ، أبو طَرِيف -بفتح المهملة، وآخره فاء- ويقال: أبو وهب.
قَدِمَ على النبيّ ﷺ في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبيّ -صلى الله عليه سلم -، وعن عمر ﵁ وروى عنه عَمرو بن حُريث، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن، وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، وآخرون.
стр. 9979
قال مُحِلّ بن خَلِيفة، عن عديّ بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، وقال الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجَعَل يَفْرِض للرجل من طيء في ألفين، وُيعْرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ قال: فَضَحِك حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعَرَفت إذ أنكروا، ووَفّيت إذ غَدَروا، وأقبلت إذ أدبروا، وأن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله ﷺ ، ووجوه أصحابه ﵁ صدقة طيّء جئت بها إلى رسول الله ﷺ ، ثم أخذ يعتذر.
وقال الخطيب: لَمّا قبض رسول الله ﷺ ثبت عدي بن حاتم وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر، وحَضَر فتح المدائن، وشَهِد مع عليّ الْجَمَل وصِفِّين والنَّهْرَوَان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء عليّ يوم الجمل وبوم صفين، قال أبو حاتم السجستانيّ في "كتاب المعمرين": قالوا: وعاش مائة وثمانين سنة، وقال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة، ومات بالكوفة سنة (٦٨))، وقال جرير، عن مغيرة الضبيّ: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قُرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشْتَم فيها عثمان.
قال أبو حاتم: وكان متواضعًا لَمّا أسنَّ استأذن قومه في وِطَاء يجلس عليه في ناديهم؛ كراهيةَ أن يَظُنّ أحد منهم أنه يفعل ذلك تعاظمًا، فأَذِنُوا له.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا بالمكرّر.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمل والأداء، كما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وتميم بن طرفَة، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
стр. 9980
٤ - (ومنها): أن عديًّا وعبد العزيز بن رفيع هذا أول محلّ ذكرهما من هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد أحاديثهما فيه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبد العزيز، عن تميم.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من مشاهير الصحابة ﵃، ومن المعمّرين، كان جواداً ابن جواد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ … " الحديث (فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ) بفتح الشين المعجمة -على المشهور الموافق لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ إذ المضارع بالضمّ لا يكون للماضي بالكسر، ولذلك لَمّا قرأ شهاب الدين الموصليّ في مجلس الحافظ الْمِزّيّ: رَشِدَ -بالكسر- ردّ عليه الشيخ بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، أو بالكسر، ذكره سيبويه في "كتابه"، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]-بفتحتين- فإن فَعَلًا -بفتحتين- مصدر فَعِلَ -بكسر العين- كفرِحَ فَرَحاً، وسَخِطَ سَخَطاً، ولذلك ردّ الشيخ عليه بقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، وأنت لو تأمّلت وجدت بكلام المِزّيّ والموصِلِيّ موقعًا عظيمًا، ودلالةً باهرة على فطانتهما، ذكره السنديّ ﵀ (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: الرُّشْدُ: الصلاحُ، وهو خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد. انتهى.
(وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى) بفتح الواو، وقيل: بكسرها أيضًا، وضَعَّفُوه، وقال القاضي عياضٌ ﵀: وقع في روايةِ مسلم بفتح الواو، وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الْغَيّ، وهو الانهماك في الشرّ. انتهى) (٢).
стр. 9981
وقال الفيّوميّ ﵀: غَوَى غيًّا، من باب ضَرَب: انهمك في الجهل، وهو خلافُ الرُّشْد، والاسم الْغَوَاية بالفتحِ. انتهى.
وفي "القاموس" و"شرحه": وغوَى الرجلُ يَغْوِي غيًّا، وغَوَايةً بالفتح، ولا يكسر، هذه هي اللغة الفصيحة المعروفة، واقتصر عليها الجوهريّ، قال أبو عبيد: وبعضهم يقول: غَوِيَ يَغْوَى، كرَضِيَ غَوًى، وليست بالمعروفة: ضلّ، وخاب، وقال الأزهريّ: أي: فسد، وقال ابن الأثير: الغيّ: الضلال، والانهماك في الباطل، وقال الراغب: الغَيّ جَهْل من اعتقاد فاسد، وذلك لأن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادًا، لا صالِحًا ولا فاسدًا، وهذا النحو الثانيّ، يقال له: غيّ، وأنشد الأصمعيّ للمرقّش [من الطويل]:
فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ … وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لَائِمًا
وقال دُريد بن الصّمّة [من الطويل]:
وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ
انتهى ما في "القاموس"، وشرحه "تاج العروس" ببعض تصرّف) (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنتَ) الضمير المنفصل هو المخصوص بالذمّ، وهو مبتدأ، خبره جملة "بئس الخطيب"، أو هو خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا، كما قال في "الخلاصة":
وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا … أَوْ خَبَرَ اسْبم لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا
وفي رواية أحمد: "بئس الخطيب أنت قُمْ" (قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ") أي: بالاسم الظاهر، لا بالضمير، وقد اختُلف في سبب إنكاره ﷺ عليه، والأرجح أنه إنما أنكر عليه؛ لأن الخطبة محلّ بسط وإيضاح، لا محلّ إشارة، وإيجاز، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ) أي: بكسر الواو؛ يعني: أن شيخه أبا بكر رواه "فقد غَوَى" بفتح الواو، من باب ضرب، وشيخه محمد بن عبد الله بن نُمير رواه "غَوِيَ" بكسرها، من باب رَضِيَ، وقد تقدّم آنفًا أن الكسر ضعيفٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 9982
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٠١٠] (٨٧٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٩٩) و"الأدب" (٤٩٨ (١)، و (النسائيّ) في "النكاح " (٣٢٨٠) و"الكبرى" (٥٥٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٥٦ و ٣٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٥٦))، و (الحاكم) في "المستدرك " (١/ ٢٨٩))، و (ابن حبّان) في "صحيحه " (٢٧٩٨)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٤/ ٢٩٦))، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها)؛ بيان مشروعيّة الخطبة؛ للحاجة.
٢ - (ومنها): بيان ما يُكره للخطيب أن يقوله في خُطبته، وذلك أنه لا يجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد، وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب إنكاره ﷺ على الخطيب قوله في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان جواز الخطبة أمام النبيّ ﷺ بإذنه، وأن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١] محمول على التقدّم بغير إذنه، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): مشروعيّة إنكار المنكر لمن كان أهلًا للإنكار، وذلك بأن يَعْرِف كونه منكرًا، ويَقدر على إزالته بحسب مراتب الإزالة المبيّنة في قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا، فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر ما قاله أهل العلم في إنكاره ﷺ على الخطيب المذكور:
قال أبو العباس القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه أنكر عليه جمعَ اسم الله، واسم رسوله ﷺ في ضمير واحد.
ويُعارضه: ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبيّ ﷺ -
стр. 9983
خطب، فقال في خطبته: "من يُطع الله ورسوله، فقد رَشَد، ومن يَعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه"، وفي حديث أنس ﵁: "ومن يعصهما فقد غَوَى"، وهما صحيحان.
ويُعارضه أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، فجمع بين ضمير اسم الله وملائكته، ولهذه المعارضة صَرَفَ بعضُ القرّاء هذا الذّمّ إلى أن ذلك الخطيب وقف على: "ومن يعصهما"، وهذا تأويلٌ لم تساعده الرواية، فإن الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو: "فقد غوى"، ثم إن النبيّ ﷺ ردّ عليه، وعلّمه صواب ما أخلّ به، فقال: "قل: ومن يَعص الله ورسوله، فقد غَوَى"، فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير، وحينئذ يتوجّه الإشكال، ونتخلّص عنه من أوجه:
[أحدها]: أن المتكلّم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجّهه لغيره، فقوله ﷺ : "بئس الخطيب أنت" منصرفٌ لغير النبيّ ﷺ لفظًا ومعنًى.
[وثانيها]: أن إنكاره ﷺ على ذلك الخطيب يَحْتَمِل أن يكون كأنّ هناك من يتوهّم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عُدِمَ ذلك جاز الإطلاق.
[وثالثها]: أن ذلك الجمع تشريفٌ، ولله تعالى أن يشرِّفَ من شاء بما شاء، ويمنع من مثل ذلك للغير، كما قد أقسم بكثير من المخلوقات، ومنعنا من القسم بها، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، وكذلك أَذِنَ لنبيّه ﷺ في إطلاق مثل ذلك، ومنع منه الغير على لسان نبيّه ﷺ .
[ورابعها]: أن العمل بخبر المنع أولى؛ لأوجه: لأنه تقعيد قاعدة، والخبر الآخر يحتمل الخصوص، كما قرّرناه، ولأن هذا الخبر ناقلٌ، والآخر مُبْقٍ على الأصل، فكان الأول أولى، ولأنه قولٌ، والثاني فِعْلٌ، فكان أولى. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: قال القاضي، وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه
стр. 9984
لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: "لا يقل أحدكم ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان".
والصواب أن سبب النهي، أن الْخُطَب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبتٌ في "الصحيح": "أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لِتُفْهَمَ".
وأما قول الأولين، فيضعَّف بأشياء، منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرّر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله ﷺ ، كقوله ﷺ : "أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما"، وغيره من الأحاديث، وإنما ثَنَى الضمير هاهنا؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلّما قلّ لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يُراد الاتعاظ بها.
ومما يؤيّد هذا ما ثبتٌ في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح، عن ابن مسعود ﵁ قال: علّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله، فلا مُضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيرًا ونذيرًا، بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئًا"، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀.
وقال الشيخ عزّ الدين: من خصائصه ﷺ أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربّه تعالى، وذلك ممتنع على غيره، قال: وإنما يمتنع من غيره، دونه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرّق إليه إيهام ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشيخ عزّ الدين ﵀ يعكُر عليه حديث أبي داود الذي قبله، حيث علّم ﷺ غيره أن يقولوا: "ومن يعصهما"، فدلّ على أنه ليس مخصوصًا به، فالأولى عندي ما رجّحه النوويّ، من أن سبب النهي كون الْخُطَب محل بسط وإيضاح، لا إشارة وإيجاز، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 9985
(١٦) - (باب قراءة القرآن في الخطبة)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١١] (٨٧١) - (حَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِي، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَطَاءً، يُخْبِرُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رَجَاء الْبَغْلانىّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ إلا أنه تغير حفظ، من رؤوس الطبقة [٨] مات في رجب سنة (١٩٨) وله إحدى وتسعون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٥ - (عَمْرُو) بن دينار المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٦ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بأَخَرَة، ولم يَكْثُر ذلك منه (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٧ - (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى) بن أمية التميميّ المكيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابن أخيه محمد بن حيي بن يعلى، وعطاء بن أبي رَبَاح، والزهريّ، ومحمد جبير بن مطعم.
стр. 9986
ذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث بالمكرّرات.
٨ - (أَبُوهُ) يعلى بن أمية بن أبي عُبيدة بن همام التميميّ، حليف قريش، وهو يعلى ابن مُنْية -بضم الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية مفتوحة- وهي أمه، صحابيّ مشهور، مات ﵁ سنة بضع وأربعين (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١/ ١٥٧٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء منه، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم فيما ذُكر.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وإسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى شيوخه.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المكيين، روى بعضهم عن بعض.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يعلى أبن أُميّة ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]) كذا الرواية هنا بإثبات الكاف، وهي قراءة الجمهور، وقرأ الأعمش: "ونادوا يا مالِ" بالترخيم، ورُويت عن عليّ، وهي قراءة ابن مسعود، قال عبد الرزاق: قال الثوريّ في حرف ابن مسعود: "ونادوا يا مالِ"؛ يعني: بالترخيم، وبه جزم ابن عيينة، ويذكر عن بعض السلف أنه لَمّا سمعها قال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم، وأجيب باحتمال أنهم يقتطعون بعض الاسم؛ لضعفهم، وشدّة ما هم فيه.
وظاهر وقوع قوله: ﴿وَنَادَوْا﴾ بعد قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أنهم بعدما طال إبلاسهم تكلّموا، والْمُبْلِس الساكت بعد اليأس من الفرج، فكان فائدة الكلام بعد ذلك حصول بعض فرج؛ لطول العهد، أو النداء يقع قبل الإبلاس؛ لأن
стр. 9987
الواو لا تستلزم ترتيبًا، أفاده في "الفتح" (١).
يعني: أن الكفار في النار ينادون مالكًا خازن النار، فيقولون: يا مالك ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]؛ أي: ليمتنا، فنستريح فيجيبهم مالك، بعد ألف سنة إنكم ماكثون في العذاب (٢)، وفي تفسير ابن الجوزيّ: ينادون مالكًا أربعين سنة، فيجيبهم بعدها: إنكم ماكثون، ثم ينادون رب العزة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فلا يجيبهم مثل عمر الدنيا، ثم يقول: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (٣).
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "قرأ على المنبر … إلخ" يَحْتَمِل أن يكون أراد الآية وحدها، أو السورة كلَّها، ونبّه ببعضها عليها، كما يقال: قرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وفي قراءته ﷺ هذه السورة، وسورة ﴿ق﴾ دليل على صحّة استحباب مالك قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وخصّ هذه الآية، وسورة ﴿ق﴾؛ لما تضمّنته من المواعظ، والزجر، والتحذير. انتهى (٤).
وقال النوويّ ﵀: فيه القراءة في الخطبة، وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عندنا وجوبها، وأقلّها آية. انتهى (٥).
وذكر في "المجموع" أن فروض الخطبة خمسة: (أحدها): حمد الله تعالى.
(الثاني): الصلاة على رسول الله ﷺ .
(الثالث): الوصيّة بتقوى الله تعالى.
(الرابع): قراءة القرآن.
(الخامس): الدعاء للمؤمنين، وقد ذكر هذه الأمور مفصّلةً، فراجعه إن شئت (٦).
قال الجامع عفا الله عنه: لا دليل على فرضيّة هذه الخمسة، فإن الذي استدلّوا به غايته أنه ﷺ فعله، ومجرّد الفعل لا يكفي في إثبات الوجوب، وأما استدلالهم بقوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، فعير صحيح؛ لأنهم لا
стр. 9988
يرون وجوب غير هذه الخمسة، مع أنه ﷺ نُقل عنه في الجمعة غير هذه الأمور، وقد أجمعوا على استحبابها.
والحاصل أن الأرجح قول من قال باستحبابها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث يعلى ابن أُميّة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٠١١] (٨٧١)، و (البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٣٠) و"صفة النار" (٣٢٦٦) و"التفسير" (٤٨١٩)، و (أبو داود) في "الحروف" (٣٩٩٢)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٩٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١١٤٧٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٥٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٨٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٥٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٢] (٨٧٢) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أخْتٍ لِعَمْرَةَ، قَالَتْ: أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنبرِ في كُلِّ جُمُعَةٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السَّمَرْقَنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب "المسند"، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٥٥) وله أربع وسبعون (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ، أصله من البصرة، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) وله أربع وستون سنةً (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
стр. 9989
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضى، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٥ - (عَمْرَةُ بنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سَعْد بن زُرَارة الأنصاريّة المدنيّة، أكثرت عن عائشةَ ﵄، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٦ - (أُخْتُ عَمْرَةَ) هي: أم هشام بنت حارثة بن النعمان بن نَفْع بن زيد بن عُبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجّار الأنصاريّة، صحابيّة، وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، روت عن النبيّ ﷺ ، روت عنها أختها عمرة، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة.
أخرج لها المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، كرّره ثلاث مرّات.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من سليمان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، عن أختها.
شرح الحديث:
(عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ) هي: أم هشام ﵂، فهي معروفة، وقال النوويّ: هذا صحيحٌ، يُحْتَجّ به، ولا يضر عدم تسميتها؛ لأنها صحابية، والصحابة كلهم عدول. انتهى. (قَالَتْ: أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾) أي: حفِظت هذا السورة (مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ) "في" لغة في الفم، وهي من الأسماء الستّة التي تُعرب بالحروف بشرط خلوّها عن الميم، وإضافتها إلى غير ياء المتكلّم، كما قال في "الخلاصة":
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … وَالْفَمُ حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
стр. 9990
"أَبٌ" "أَخٌ" "حَمٌ" كَذَاكَ و"هَنُ" … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ
وَفِي "أَبٍ" وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
وَشَرْطُ ذَا الإِعْرَابِ أَنْ يُضَفْنَ لَا … لِلْيَا كَـ"جَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَى"
وفي رواية عبد الله بن محمد بن معن، عن بنت لحارثة الآتية: "ما حَفِظتُ ﴿ق﴾ إلا من فِي رسول الله ﷺ ، يخطب بها كلّ جمعة".
وقوله: (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ظرف لـ"أخذتُ" (وَهُوَ يَقْرَأُ) جملة حاليّة من "في رسول الله ﷺ " (بِهَا) متعلّق بـ "يقرأ"، وكذا الجارّان بعده (عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) قال العلماء: سبب اختيار ﴿ق﴾ كونها مشتملةً على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل للقراءة في الخطبة، كما سبق، وفيه استحباب قراء ﴿ق﴾، أو بعضها في كل خطبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أخت عمرة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٦/ ٢٠١٢ و ٢٠١٣] (٨٧٢) و [١٦/ ٢٠١٤ و ٢٠١٥] (٨٧٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٠٠ و ١١٠٢ و ١١٠٣)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٤١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٦٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٥٨ و ١٩٥٩ و ١٩٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
стр. 9991
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقي -بمعجمة، ثم فاء، وقاف- أبو العباس المصريّ، صدوقٌ، ربما أخطأ [٧] (١٦٨) (ع) ٢٦/ ٨٢٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) يعني: أن يحيى بن أيوب حدّث عن يحيى بن سعيد بمثل ما حدّث به سليمان بن بلال عنه.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٤] (٨٧٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنْ بِنْتٍ (١) لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ ﴿ق﴾ إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خُبَيْبُ) بن عبد الرحمن بن خبيب بن يَسَاف الأنصاري أبو الحارث المدني ثقة من الرابعة مات سنة اثنتين وثلاثين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٥ - (عَبدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ) الغفاريّ المدنيّ، مقبول [٣].
رَوَى عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان هذا الحديث فقط، وروى عنه خُبيب بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وأبو داود وليس له عندهما إلا هذا الحديث فقط.
стр. 9992
و"بنت حارثة" هي أم هشام المذكورة في السند السابق، والباقون تقدّموا قبل بابين.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف ﵀ رواية عبد الله بن محمد بن مَعْن، مع أنه لا راوي له إلا خُبيب بن عبد الرحمن، وقال في "التقريب" عنه: مقبول؟.
[قلت]: إنما أخرجها متابعة لرواية عمرة السابقة، ولرواية يحيى بن عبد الله اللاحقة، لا استقلالًا، فلا اعتراض عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقولها: (وكان تنُّورُنَا) بفتح التاء، وتشديد النون: قال الفيّوميّ ﵀: هو الذي يُخبَز فيه، وافقت فيه لغة العرب لغة العجم، وقال أبو حاتم: ليس بعربيّ صحيح، والجمع التنانير. انتهى (١).
وقال في "القاموس": "التّنّور": الكانون، يُخْبَزُ فيه، وصانعه تَنَّارٌ، ووجهُ الأرض، وكلُّ مَفْجَر ماءٍ، ومَحْفَلُ ماء الوادي، وجبلٌ قُرْب الْمِصِّيصَة. انتهى (٢).
وإنما قالت: "وكان تنّورنا وتنُّور رسول الله ﷺ واحدًا"؛ إشارةً إلى حفظها، ومعرفتها بأحوال النبيّ ﷺ ، وقربها من منزلة (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (٤) عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ (٥) ﴿ق
стр. 9993
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نَزَلَ الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو يوسف المدني نزيل بغداد ثقة فاضل من صغار التاسعة مات سنة ثمان ومائتين (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح من الثامنة مات سنة خمس وثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر من صغار الخامسة مات سنة خمسين ومائة ويقال بعدها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الأَنْصَارِيُّ) المدني القاضي ثقة من الخامسة مات سنة خمس وثلاثين وهو ابن سبعين سنة (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦.
٦ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ) ويقال: ابن أسعد بن زُرارة الأنصاريّ النجاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن زيد بن ثابت، وعُمارة بن حزم، وأبي هريرة، وسودة بنت زمعة، أم المؤمنين، وأم هشام بنت حارثة بن النعمان.
وروى عنه قريبه إبراهيم بن محمد بن سعد بن زرارة، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ.
стр. 9994
قال ابن أبي حاتم: فَرَّق البخاريّ بين الراوي عن أبي هريرة، وبين الراوي عن أم هشام، وهما واحدٌ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البرّ: لم يسمع من أم هشام، بينهما عبد الرحمن بن سعيد.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
و"أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان" ﵂ ذُكرت قبله.
وقوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ) هكذا هو في جميع النسخ "سَعْد بن زُرارة"، وهو الصواب، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، وروايات جميع شيوخهم، قال: وهو الصواب، قال: وزعم بعضهم أن صوابه "أسعد"، وغلط في زعمه، وإنما أوقعه في الغلط اغتراره بما في كتاب الحاكم أبي عبد الله ابن الْبَيِّع، فإنه قال: صوابه أسعد، ومنهم من قال: سعد، وحَكَى ما ذكره عن البخاريّ، والذي في "تاريخ البخاريّ" ضِدُّ ما قال، فإنه قال في "تاريخه": سَعْد، وقيل: أسعد، وهو وَهَمٌ، فانقلب الكلام على الحكم، وأسعد بن زُرارة سيّد الخزرج، وأخوه هذا سعد بن زُرارة جدُّ يحيى، وعمرةَ، أدرك الإسلام، ولم يذكره كثيرون في الصحابة؛ لأنه ذُكِر في المنافقين.
وقال أبو عبد الله الحميديّ: ذكر بعضهم في سند هذا الحديث عمرة بنت عبد الرحمن؛ يعني: حديث يحيى بن عبد الرحمن، قال: وذلك وَهَمٌ، ولم يذكر ذلك الْبَرْقانيّ، ولا الدمشقيّ. انتهى (١).
[تنبيه]: ادّعى ابن عبد البرّ ﵀ في كتابه "الاستيعاب" في ترجمة "أم هشام" هذه بأن هذا الحديث لم يسمعه يحيى بن عبد الله منها، بينهما عبد الرحمن بن سعيد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادّعاه ابن عبد البرّ من الانقطاع محلّ نظر؛ فإنه مخالف لصنيع مسلم، فإنه صححه، حيث أخرجه هنا، فلو كان فيه انقطاع لما أخرجه، على أن ابن عبد البرّ لم يذكر السند الذي فيه زيادة عبد الرحمن بن سعيد حتى يُنظر فيه.
стр. 9995
والحاصل أن الذي يظهر أنه صحيحٍ متّصلٌ، وعلى تقدير صحّة ما ادّعاه يجاب عن المصنّف بانه إنما أورده متابعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٦] (٨٧٤) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ، رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السَّلَميّ، أبو الْهُذَيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥.
٤ - (عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ) -براء، وبموحدة، مصغَّرًا- الثقفيّ، أبو زهير، صحابيّ، نزل الكوفة، وتأخر إلى بعد السبعين (م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٨/ ١٤٣٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣٥) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
شرح الحديث: (عَنْ عُمَارَةَ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم (ابْنِ رُؤَيْبَةَ) بالتصغير،
стр. 9996
وقوله: (قَالَ) فاعله ضمير حصين بن عبد الرحمن الراوي عن عمارة؛ أي: قال حصين، وقوله: (رَأَى) فاعله ضمير عمارة؛ أي: رأى عمارة بن رؤيبة ﵁، وقوله: (بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ) بالنصب على المفعوليّة لـ"رأى"، وهي بمعنى أبصر تتعدى لمفعول واحد.
وهو: بشر بن مروان بن الحكم بن العاص بن أُمية بن عبد مناف القرشيّ، تولى الكوفة سنة إحدى وسبعين بعد قتل مصعب بن الزبير، وأضيفت إليه البصرةُ سنة ثلاث وسبعين بعد أن عُزِل عنها خالد بن عبد الله، فَرَحَل إليها، واستخلف على الكوفة عمرو بن حُريث.
(عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بـ "رأى"؛ أي: بحال من بشر؛ أي: حال كونه قائمًا على المنبر، وهو بكسر الميم، مشتقّ من النَّبْر، وهو الرفع، ويقال: نَبَرْتُ الحرف نَبْرًا، من باب ضرب: هَمَزْتُهُ، قال ابن فارس: النَّبْرُ في الكلام: الْهَمْزُ، وكلُّ شيء رُفِعَ، فقد نُبِرَ، ومنه الْمِنْبَرُ؛ لارتفاعه، وكُسِرت الميم على التشبيه بالآلة، قاله في "المصباح" (١).
وقال في "القاموس": نَبَرَ الحرْفَ يَنْبِرُهُ: هَمَزَه، والشيءَ: رَفَعَهُ، ومنه الْمِنْبَرُ بكسر الميم. انتهى (٢).
(رَافِعًا يَدَيْهِ) أي: حال كونه رافعًا لهما في حال الدعاء، ففي رواية الإمام أحمد ﵀ عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: كنت إلى جنب عُمارة بن رُويبة، وبشرٌ يخطبنا، فلما دعا رفع يديه، فقال عُمارة؛ يعني: قبح الله هاتين اليدين، أو هاتين اليُدَيّتين رأيت رسول الله ﷺ ، وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السبّابة وحدها (٣).
وقال الطيبيّ: قوله: "رافعًا يديه" يعني: عند التكلم كما هو دأب الوُعّاظ إذا حَمُوا، ويشهد له قوله: "وأشار بإصبعه المسبّحة". انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "عند التكلّم … إلخ" فيه نظر؛ بل
стр. 9997
الأولى ما أسلفته من أنه كان عند الدعاء؛ لتصريحه في الروايات المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) عمارة ﵁ (قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ) بالتكبير، وفي رواية أحمد: "لعن الله هاتين اليُديّتين" بالتصغير.
قال القاري ﵀: هذا دعاء عليه، أو إخبارٌ عن قبح صنعه، نحو قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] انتهى (١).
وإنما دعا عليه لمخالفته ما ثبت عن النبيّ ﷺ ، فالجملة خبرية لفظًا، إنشائية معنًى، وفيها إطلاق اسم الجزء على الكلّ، ويَحْتَمِل أن تكون خبرية لفظًا ومعنى، فيكون إخبارًا عن قبح صنيعه.
(لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ) أي: يفعل، ففيه إطلاق القول على الفعل مجازًا (بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ) بالجرّ صفة لـ"إصبعه"، ويجوز القطع إلى الرفع والنصب، وهي بكسر الموحّدة المشدّدة، اسم فاعل من التسبيح، سُمّيت بذلك؛ لكونها يشار بها عند التوحيد والتسبيح، كما سُمّيت بالسبّابة؛ لجريان عادة الناس بالإشارة بها عن السبّ.
يعني: أنه أشار كما يرفعها في التشهد، وفي رواية النسائيّ: "مَا زَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى هَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ"، وفي رواية أبي داود: "لقد رأيت رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر، ما يزيد على هذه -يعني: السبابة التي تلي الإبهام-، وفي رواية أحمد: "رأيت رسول الله ﷺ على المنبر يدعو، وهو يُشير بإصبع".
وفيه دليل على عدم مشروعية رفع اليدين على المنبر حال الدعاء في الخطبة.
وفي معنى حديث عمارة بن رويبة حديث سهل بن سعد ﵄، قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرًا يديه قط يدعو على منبر، ولا غيره، ما كان يدعو إلا يضع يده حذو منكبيه، ويشير بإصبعه إشارةً"، أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال فيه: "لكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبّابة، وعقد الوسطى بالإبهام".
стр. 9998
وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق القرشيّ، ويقال له: عَبّاد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن معاوية، وفيهما مقال.
وعن غُضيف بن الحارث، قال: بَعَثَ إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: يا أبا أسماء إنا قد جمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أَمَا إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبيّ ﷺ قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رُفِع مثلها من السنة، فتَمَسُّكٌ بسنة خيرٌ من إحداث بدعة"، وفي إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو ضعيف، وبقيَّة، وهو مدلس، وقد عنعنه.
قال النوويّ ﵀: فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك، وأصحابنا، وغيرهم، وحَكَى القاضي عن بعض السلف، وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبيّ ﷺ رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عُمَارة بن رويبة الثقفيّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٠١٦ و ٢٠١٧] (٨٧٤)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٠٤)، و (الترمذيّ) في "الجمعة" (٥١٥)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٤١٢) و"الكبرى" (١٧١٤ و ١٧١٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ١٤٧ - ١٤٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٣٥ و ١٣٦ و ٢٦١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٦٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٩٣ و ١٧٩٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٦١ و ١٩٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢١٠)، والله تعالى أعلم.
стр. 9999
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الإشارة بالمسبِّحة في الدعاء حال الخطبة.
٢ - (ومنها): عدم مشروعية رفع اليدين في الدعاء حال الخطبة، وأن ما يفعله كثير من الخطباء من رفع أيديهم عند الخطبة بدعة، وإنما الثابت الإشارة بالإصبع.
٣ - (ومنها): مشروعية الدعاء في الخطبة.
٤ - (ومنها): إنكار المنكر، ولو كان فاعله ذا وَجَاهة، فإن من واجب المسلم أن لا يأخذه في الله لومة لائم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: هذا الإسناد من الرباعيّات أيضًا كسابقه، وهو (١٣١) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي عوانة؛ يعني: أن أبا عوانة حدّث عن حُصين بن عبد الرحمن نحو حديث عبد الله بن إدريس، عنه.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن حُصين هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "السنن الكبرى" (١/ ٥٣١) بسند المصنّف، فقال: (١٧١٤) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: نا أبو عوانة، عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: رأيت بشر بن مروان يوم الجمعة، يرفع يديه، فقال
стр. 10000
عمارة بن رويبة: قَبَّحَ الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على هذا، وأشار أبو عوانة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٧) - (بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٨] (٨٧٥) - (وَحَدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ، فَارْكَعْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلم فيه أحد بحجة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثَّقَفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيْدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (١٧٩) وله إحدى وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابي الشهير، مات زحبه بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
стр. 10001
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي الربيع، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، استُشهد أبوه بأُحُد، وغزا تسع عشرة غزوةً، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) صرح في رواية ابن عيينة الآتية بسماع عمرو له من جابر ﵁ (قَالَ: بَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها فتولّدت منها ألف، وهي مضافة إلى الجملة بعدها، وجوابها: "إذ جاء رجلٌ"، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة، فلا تكن من الغافلين. (النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) هو سُلَيكٌ -بمهملة مصغَّرًا- ابن هُدْبَة، وقيل: ابن عمرو الْغَطَفَانيّ -بفتح المعجمة، ثم المهملة، بعدها فاء- من غطفان بن سَعْد بن قيس عَيْلان، ووقع مُسمًّى في رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ الآتية، بلفظ: "جاء سليك الغطفانيّ يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فقعد سُلَيك قبل أن يصلي، فقال له: "أصليت ركعتين؟ " فقال: لا، فقال: "قم فاركعهما".
وفي رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر الآتية آخر الباب نحوه، وفيه: فقال له: "يا سُليك، قم فاركع ركعتين، وتَجَوَّز فيهما".
قال في "الفتح": هكذا رواه حُفّاظ أصحاب الأعمش عنه، ووافقه الوليد أبو بشر، عن أبي سفيان، عند أبي داود، والدارقطنيّ، وشَذَّ منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش بهذا الإسناد، فقال: جاء النعمان بن نوفل … فذكر الحديث، أخرجه الطبرانيّ، قال أبو حاتم الرازيّ: وَهِمَ فيه منصور؛ يعني: في تسمية الآتي.
стр. 10002
وقد رواه الطحاويّ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يُحَدِّث بحديث سُلَيك الغَطَفانيّ، ثم سمعت أبا سفيان يحدِّث به عن جابر، فتحرر أن هذه القصة لسُليك.
ورَوَى الطبرانيّ أيضًا من طريق أبي صالح، عن أبي ذرّ ﵁، أنه أَتَى النبيّ ﷺ ، وهو يخطب، فقال لأبي ذرّ: "صليت ركعتين؟ " قال: لا … الحديث، وفي إسناده ابن لَهِيعة، وشَذَّ بقوله: "وهو يخطب"، فإن الحديث مشهور عن أبي ذرّ، أنه جاء إلى النبيّ ﷺ ، وهو جالس في المسجد، أخرجه ابن حبّان وغيره.
قال الحافظ ﵀: وأما ما رواه الدارقطنيّ من حديث أنس ﵁، قال: دخل رجل من قيس المسجد … فذكر نحو قصة سُليك، فلا يخالف كونه سُليكًا، فإن غَطَفان من قيس، كما تقدم، وإن كان بعض شيوخنا غاير بينهما، وجَوَّز أن تكون الواقعة تعددت، فإنه لم يتبين لي ذلك.
واختُلِف فيه على الأعمش اختلافًا آخر، رواه الثوريّ عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن سُليك، فجَعَل الحديث من مسند سليك، قال ابن عديّ: لا أعلم أحدًا قاله عن الثوريّ هكذا غير الفِرْيابيّ، وإبراهيم بن خالد. انتهى.
وقد قاله عنه أيضًا عبد الرزاق، أخرجه هكذا في "مصنفه"، وأحمد عنه، وأبو عوانة، والدارقطنيّ، من طريقه، ونَقَل ابن عديّ، عن النسائيّ أنه قال: هذا خطأ. انتهى.
قال الحافظ ﵀: والذي يظهر لي أنه ما عَنَى أن جابرًا حَمَل القصة عن سُليك، وإنما معناه أن جابرًا حدَّثهم عن قصة سليك، ولهذا نظير، سأذكره في حديث أبي مسعود ﵁ في قصة أبي شعيب اللحّام، في "كتاب البيوع" (١) -إن شاء الله تعالى-.
стр. 10003
قال: ومن المستغربات ما حكاه ابن بشكوال في "المبهمات" أن الداخل المذكور يقال له: أبو هَدِيّة، فإن كان محفوظًا، فلعلها كُنية سُليك صادفت اسم أبيه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ ") وفي رواية ابن جريج، عن عمرو الآتية: "أركعت ركعتين؟ "، ومثله في رواية أبي الزبير، عن جابر ﵁ الآتية (قَالَ) الرجل (لَا) أي: لم أصلّ (قَالَ) ﷺ ("قُمْ، فَارْكَعْ") وفي رواية سفيان، عن عمرو: "قم، فصلّ ركعتين"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٠١٨ و ٢٠١٩ و ٢٠٢٠ و ٢٠٢١ و ٢٠٢٢ و ٢٠٢٣ و ٢٠٢٤] (٨٧٥)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٣٠ و ٩٣١) و"التهجّد" (١١٦٦)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١١٥)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥١٠)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٣٩٥) و"الكبرى" (١٧٠٣)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١١٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥٥١٤)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٤٠)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٦، ٣١٧ و ٣٨٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٦٤)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٦٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٣٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٠١ و ٢٥٠٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٢٩٣)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٣)، و (البيهقيّ)
стр. 10004
في "الكبرى" (٣/ ١٩٣ و ٢١٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٠٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب ركعتين لمن جاء يوم الجمعة، وقد خرج الإمام.
٢ - (ومنها): بيان جواز صلاة تحية المسجد في الأوقات المكروهة؛ لأنها إذا لم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها، فغيرها أولى.
٣ - (ومنها): أن التحية لا تفوت بالقعود؛ لأنه ثبت أن سُليكًا دخل المسجد، فقعد، فقال له النبيّ ﷺ : "قم، فاركع ركعتين"، قيل: إن هذا مقيد بالجاهل، والناسي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم التقييد هو الظاهر؛ لأنه لو كان مقيدًا لبيّنه النبيّ ﷺ ، ولم يثبت ذلك منه.
والحاصل أن الجلوس لا يقطع مشروعية ركعتي تحية المسجد؛ إذ لا دليل عليه، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن للخطيب أن يأمر وينهى، ويُبَيّن الأحكام في أثناء خطبته، ولا يقطع ذلك توالي الخطبة، بل إن ذلك من جملة الخطبة.
٥ - (ومنها): ما قاله بعضهم: إنه يدلّ على أن المسجد شرط للجمعة؛ للاتفاق على أنه لا تُشرع التحية لغير المسجد، وفيه نظر.
٦ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز ردّ السلام، وتشميت العاطس في حال الخطبة؛ لأن أمرهما أخفّ، وزمنهما أقصر، ولا سيما ردّ السلام، فإنه واجب. قاله في "الفتح"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة لمن جاء يوم الجمعة، والإمام يخطب: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في المرء يدخل المسجد يوم الجمعة، والإمام على المنبر، فقالت طائفة: يركع ركعتين، ويجلس، كذلك قال الحسن البصري، وفعل ذلك مكحول، وهو قول ابن عيينة، و -عبد الله بن
стр. 10005
يزيد- المقرئ، والشافعيّ، والحميديّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي ثور، ونفر (١) من أهل الحديث.
وقالت طائفة: يجلس، ولا يصلي، هذا قول محمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وشُريح، وقتادة، والنخعيّ، ومالك، والليث بن سعد، والثوريّ، وسعيد بن عبد العزيز، والنعمان.
وفيه قول ثالث، قاله أبو مِجْلَز، قال: إن شئت ركعت، وإن شئت جلست.
وفيه قول رابع، قاله الأوزاعيّ، قال: كان من هدي الناس أن يركع الرجل في منزلة ركعتين عند خروجه إلى الجمعة، فمتى ركعهما، ثم جاء المسجد، فوجد الإمام يخطب قعد، ولم يركع، وإن لم يكن ركع قبل خروجه، فلا يجلس حين يدخل المسجد حتى يركع.
قال ابن المنذر ﵀: يصلي إذا دخل، والإمام يخطب ركعتين خفيفتين، صلى في منزلة، أو لم يصلّ؛ لأن النبيّ ﷺ أمر بذلك الداخل في المسجد، وأَمْرُهُ على العموم، ويؤكد ذلك حديث أبي قتادة ﵁ (٢).
ولا يقولنّ قائل: إن النبيّ ﷺ خَصَّ بهما سُليكًا؛ لأن في حديث جابر ﵁: جاء سليكٌ الغطفانيّ يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له النبيّ ﷺ : "قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما"، ثم قال: "إذا دخل أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، ويتجوّز فيهما".
قال: ومما يزيد ذلك ثباتًا فعل أبي سعيد الخدريّ ﵁ ذلك، وهو الراوي لهذه (٣) القصة، دخل، ومروان يخطب، فقام يصلي الركعتين، فجاء إليه
стр. 10006
الأحراس ليُجلسوه، فأبى حتى صلى الركعتين، وقال: ما كنت أدعهما لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث.
قال ابن المنذر ﵀: وفي قوله: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين" بعد أن علّم سُليكًا أبينُ البيان بأن ذلك عامّ للناس. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر ﵀ في هذه المسألة، ورجَّحه حسنٌ جدًّا.
وقد حقق البحث في هذه المسألة الحافظ ﵀ في "الفتح"، فذكر أدلّة الفريقين، وناقشها بما لا يوجد في غيره، فقال:
واستُدلّ به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد.
وتُعُقّب بأنها واقعة عين لا عُموم لها، فيحتمل اختصاصها بسُليك، ويدلّ عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب "السنن" وغيرهم: جاء رجل، والنبيّ ﷺ يخطب، والرجل في هيئة بَذَّة، فقال له: "أصليت؟ "، قال: لا، قال: "صلّ ركعتين، وحَضَّ الناس على الصدقة … " الحديث، فأَمَرَهُ أن يصلي ليراه بعض الناس، وهو قائم، فيُتَصدَّق عليه.
ويؤيِّده أن في الحديث عند أحمد أن النبيّ ﷺ قال: "إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذّة، فأمرته أن يُصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يَفطن له رجل، فيُتَصدّقَ عليه".
وعُرف بهذه الرواية الردّ على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بَذَّةٍ، فتصدّقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذّةٍ، فليقم، فليركع حتى يتصدّق الناس عليه.
والذي يظهر أنه ﷺ كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل، كما كان يصنع عند المعاتبة.
ومما يُضعف الاستدلال به أيضًا على جواز التحية في تلك الحال أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس.
стр. 10007
وورد أيضًا ما يُؤكّد الخصوصية، وهو قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: "ولا تعودنّ لمثل هذا". أخرجه ابن حبان. انتهى ما اعتلّ به من طَعَنَ في الاستدلال بهذه القصّة على جواز التحيّة.
وكله مردود؛ لأن الأصل عدم الخصوصيّة، والتعليل بكونه ﷺ قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يُجيزون التطوّع لعلة التصدّق.
قال ابن المنيّر في "الحاشية": لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوّع عند طلوع الشمس، وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به.
ومما يدلّ على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدّق معاودته ﷺ بأمره بالصلاة أيضًا في الجمعة الثانية بعد أن حَصَّلَ له في الجمعة الأولى ثوبين، فدخل بهما في الثانية، فتصدّق بأحدهما، فنهاه النبيّ ﷺ عن ذلك، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضًا، ولأحمد، وابن حبان أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرّات في ثلاث جمع، فدلّ على أن قصد التصدّق عليه جزء علّة، لا علّة كاملة.
وأما إطلاق من أطلق أن التحيّة تفوت بالجلوس، فقد حَكَى النووي في "شرح مسلم" عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم (١)، أما الجاهل، أو الناسي فلا، وحالُ هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي المرّتين الأخريين على النسيان.
والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات، والاستماع للخطبة.
قال ابن العربي: عارض قصّةَ سُليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله كرز: "إذا قلتَ لصاحبك: أنصتْ، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت"، متفق عليه.
قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهوأمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحيّة مع طول زمنها أولى.
стр. 10008
وعارضوا أيضًا بقوله ﷺ ، وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس: "اجلس، فقد آذيت"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وغيره من حديث عبد الله بن بُسر، قالوا: فأمره بالجلوس، ولم يأمره بالتحيّة.
وروى الطبرانيّ من حديث ابن عمر، رفعه: "إذا دخل أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة، ولا كلام، حتى يفرُغ الإمام".
والجواب عن ذلك كلّه أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يُعمل بها عند تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن:
أما الآية، فليست الخطبة كلها قرآنًا، وأما ما فيها من القرآن، فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل.
وأيضًا فمصلي التحيّة يجوز أن يُطلق عليه أنه منصت، فقد تقدّم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال: "يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ " فأطلق على القول سرًّا السكوتَ.
وأما حديث ابن بُسْر ﵁، فهو أيضًا واقعة عين لا عموم فيها، فيَحْتَمِل أن يكون ترك أمره بالتحيّة قبل مشروعيتها، وقد عارض بعضهم في قصّة سُليك بمثل ذلك.
وَيحْتَمِل أن يُجمَعَ بينهما بأن يكون قوله له: "اجلس" أي: بشرطه، وقد عُرِف قوله للداخل: "فلا تجلس حتى تصلي ركعتين"، فمعنى قوله: "اجلس"؛ أي: لا تتخطّ، أو ترك أمره بالتحيّة؛ لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحيّة، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة.
ويَحْتَمِل أن يكون صلى التحيّة في مؤخَّر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطي، فأنكر عليه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الوجه هو الأولى والأقرب في الجواب من جميع الاحتمالات المذكورة، والله تعالى أعلم.
قال: والجواب عن حديث ابن عمر ﵄ بأنه ضعيف، فيه أيوب بن نَهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة، وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تُعَارَضُ بمثله.
стр. 10009
وأما قصّة سُليك، فقد ذكر الترمذيّ أنها أصحّ شيء رُوي في هذا الباب، وأقوى.
وأجاب المانعون أيضًا بأجوبة غير ما تقدّم، اجتمع لنا منها زيادة على عشرة، أوردتها مُلخّصة مع الجواب عنها، لتُستَفاد:
الأول: قالوا: إنه ﷺ لما خاطب سُليكًا سكت عن خطبته حتى فرغ سُليك من صلاته، فعلى هذا فقد جمع لسُليك بين سماع الخطبة، وصلاة التحيّة، فليس فيه حجة لمن أجاز التحية، والخطيب يخطب.
والجواب أن الدارقطنيّ الذي أخرجه من حديث أنس قد ضعفه، وقال: إن الصواب أنه من رواية سليمان التيميّ مرسلًا، أو معضَلًا.
وقد تعقبه ابن المنيّر في "الحاشية" بأنه لو ثبت لم يَسُغ على قاعدتهم؛ لأنه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الداخل، والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه، لا سيما إذا كان واجبًا.
الثاني: لما تشاغل النبيّ ﷺ بمخاطبة سُليك سقط فرض الاستماع عنه؛ إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة. قاله ابن العربى، وادعى أنه أقوى الأجوبة.
وتُعُقّب بأنه من أضعفها؛ لأن المخاطبة لما انقضت رجع رسول الله ﷺ إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أَمَره به من الصلاة، فصحّ أنه صلى في حال الخطبة.
الثالث: قيل: كانت هذه القصة قبل شروعه ﷺ في الخطبة، ويدلّ عليه قوله في رواية الليث عند مسلم: "والنبيّ ﷺ قاعد على المنبر".
وأجيب بأن القعود على المنبر لا يختصّ بالابتداء، بل يَحْتَمِل أن يكون بين الخطبتين أيضًا، فيكون كلمه بذلك، وهو قاعد، فلما قام ليصلي قام النبيّ ﷺ للخطبة؛ لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول.
ويَحْتَمِل أيضًا أن يكون الراوي تجوّز في قوله: "قاعد"؛ لأن الروايات الصحيحة كلها مُطْبِقة على أنه دخل، والنبيّ ﷺ يخطب.
الرابع: قيل: كانت هذه القصّة قبل تحريم الكلام في الصلاة.
وتُعقّب بأن سُليكًا متأخر الإسلام جدًّا، وتحريم الكلام متقدِّم، كما مرّ
стр. 10010
في موضعه، فكيف يُدّعَى نسخ المتأخّر بالمتقدّم، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدّم الجواب عنه، وعورض هذا الاحتمال بمثله في الحديث الذي استدلّوا به، وهو ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر ﵄: "إذا خرج الإمام، فلا صلاة، ولا كلام"؛ لاحتمال أن يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التحيّة، والأولى في هذا أن يُقال -على تقدير تسليم ثبوت رفعه-: يخصّ عمومه بحديث الأمر بالتحية خاصة، كما تقدَّم.
الخامس: قيل: اتفقوا على أنّ منع الصلاة في الأوقات المكروهة، يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفّل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك، قاله الطحاويّ.
وتُعُفب بأنه قياس في مقابلة النّصّ، فهو فاسد، وما نقله من الاتفاق وافقه عليه الماورديّ وغيره.
وقد شذّ بعض الشافعية، فقال: ينبني على وجوب الإنصات، فإن قلنا به امتنع التنفّل، وإلا فلا.
السادس: قيل: اتفقوا على أن الداخل، والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شكّ أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضًا.
وتُعُقّب بأن الخطبة ليست صلاةً من كل وجه، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما، فقال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، وقد وقع في بعض طرقه: "فلا صلاة إلا التي أُقيمت"، ولم يقل ذلك في حال الخطبة، بل أمرهم فيها بالصلاة.
السابع: قيل: اتفقوا على سقوط التحيّة عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى.
стр. 10011
وتُعُقّب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد، ولأن الأمر وقع مقيّدًا بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب.
وقال الزين ابن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب، فكذلك الأمر بالإنصات، واستماع الخطبة.
الثامن: قيل: لا نُسلّم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحيّة المسجد، بل يَحْتَمِل أن تكون صلاة فائتة، كالصبح مثلًا، قاله بعض الحنفيّة، وقوّاه ابن المنيّر في "الحاشية"، وقال: لعله ﷺ كان كُشف له عن ذلك، وإنما استفهمه مُلاطفةً له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحيّةَ لم يحتج إلى استفهامه؛ لأنه قد رآه لَمّا دخل.
وقد تولّى ردّه ابن حبان في "صحيحه"، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرّةً أخرى، ومن هذه المادّة قولهم: إنما أمره بسنة الجمعة التي قبلها، ومستندهم قوله في قصّة سُليك عند ابن ماجه: "أصليت قبل أن تجيء"؛ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيّ: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء، فلا يصلي إذا دخل المسجد.
وتعقّب بأن المانع من صلاة التحيّة لا يُجيز التنفل حال الخطبة مطلقًا.
ويَحْتَمِل أن يكون معنى: "قبل أن تجيء" أي: إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، كما تقدم في قصة الذي تخطى، ويؤكده أن في رواية لمسلم: "أصليت الركعتين" بالألف واللام، وهو للعهد، ولا عهدَ هناك أقرب من تحيّة المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها، فلم يثبت فيها شيء، كما سيأتي في بابه.
التاسع: قيل: لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلّ على أنها كانت لغيرها قوله للداخل: "أصليت"؛ لأن وقت الصلاة لم يكن دخل.
وهذا ينبني على أن الاستفهام وقع عن صلاة الفرض، فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب، وفي الذي بعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة.
قال جماعة، منهم القرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة
стр. 10012
عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقًا.
وتُعُقّب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثبت فعل التحيّة عن أبي سعيد الخدريّ، وهو من فقهاء الصحابة، من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضًا.
فرَوَى الترمذيّ، وابن خُزيمة، وصححاه عن عياض بن أبي سرح: "أن أبا سعيد الخدريّ دخل، ومروان يخطب، فصلى الركعتين، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه، فابى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يأمر بهما". انتهى.
ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك.
وأما ما نقله ابن بطال عن عمر، وعثمان، وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده على روايات عنهم، فيها احتمالات، كقول ثعلبة بن أبي مالك: "أدركت عمر، وعثمان -وكان الإمام- إذا خرج تركنا الصلاة".
ووجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عَنَى بذلك من كان داخل المسجد خاصة.
قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": كلّ من نقل عنه -يعني: من الصحابة- منع الصلاة، والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد؛ لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحيّة، وقد ورد فيها حديث يخصّها، فلا تترك بالاحتمال. انتهى.
قال الحافظ: ولم أقف على ذلك صريحًا عن أحد من الصحابة.
وأما ما رواه الطحاويّ عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد، وابن الزبير يخطب، فاستلم الركن، ثم سلّم عليه، ثم جلس، ولم يركع.
وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن الزبير صحابيّان صغيران، فقد استدلّ به الطحاويّ، فقال: لَمّا لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان، ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحئة دلّ على صحة ما قلناه.
وتُعُقّب بأن تركهم النكير لا يدلّ على تحريمها، بل يدلّ على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم.
стр. 10013
وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في أن صلاة التحيّة، هل تعمّ كلّ مسجد، أو يُستثنى المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف؟، فلعل ابن صفوان كان يرى أن تحيّته استلام الركن فقط.
قال الجامع عفا الله عنه: كون تحيّة المسجد الحرام الطوافَ فيه نظرٌ، بل الصواب أن تحيّته هي الصلاة، فمن طاف وصلى ركعتين، فلم يخرج من كونه صلى ركعتي التحيّة؛ لأنه لم يجلس قبلهما.
والحاصل أن الأمر بركعتي التحيّة يشمل من دخل المسجد الحرام، وأن ركعتي الطواف يتأدّى بهما الأمران جميعًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وهذه الأجوبة التي قدّمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين"، متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه.
وورد أخصّ منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ ، وهو يخطب: "إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب -أو قد خرج- فليُصلّ ركعتين" متفق عليه أيضًا، ولمسلم من طريق أبي سفيان، عن جابر ﵁، أنه قال ذلك في قصّة سُليك، ولفظه بعد قوله: "فاركعهما، وتجَوَّزْ فيهما": ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما".
قال النوويّ ﵀: هذا نصّ لا يتطرّق إليه التأويل، ولا أظنّ عالِمًا يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحًا، فيخالفه.
وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصّ في الباب، لا يحتمل التأويل.
وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأوّل هذا العموم بتأويل مستكره.
وكأنه يُشير إلى بعض ما تقدّم من ادّعاء النسخ، أو التخصيص.
وقد عارض بعض الحنفية والشافعيّةَ بأنهم لا حجة لهم في قصّة سُليك؛ لأن التحيّة عندهم تسقط بالجلوس، وقد تقدّم جوابه.
وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد ﵁ رفعه: "لا تصلّوا، والإمام يخطب".
стр. 10014
وتعقّب بأنه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التحيّة.
وبعضهم بأن عمر ﵁ لم يأمر عثمان ﵁ بصلاة التحيّة مع أنه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء.
وأجيب باحتمال أن يكون صلّاهما.
[فائدة]: قيل: يُخصّ عموم حديث الباب بالداخل في آخر الخطبة، كما تقدّم.
قال الشافعيّ ﵀: للإمام أن يأمر الآتي بالركعتين، ويزيد في كلامه ما يُمكنُهُ الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة، فإن لم يفعل كرهت ذلك.
وحَكَى النوويّ عن المحققين أن المختار إن لم لفعل أن يقف حتى تقام الصلاة؛ لئلا يكون جالسًا بغير تحيّة، أو متنفّلًا حال إقامة الصلاة.
واستثنى المحامليّ المسجد الحرام؛ لأن تحيّته الطواف.
قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لطول زمن الطواف بالنسبة إلى الركعتين.
والذي يظهر من قولهم: إن تحية المسجد الحرام الطواف، إنما هو في حقّ القادم؛ ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم، فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف؛ لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالبًا، وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطواف، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقَدَّم أن الصواب، والقول الحقّ الواضح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه المجوّزون لأداء ركعتي التحيّة لمن دخل المسجد، والإمام يخطب؛ لوضوح أدلته، وضعف ما عارضه مما ذكره المانعون، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10015
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠١٩] ( … ) - (حَدَّثنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو (٢)، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ حَمَّادٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرقيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله ست وثمانون سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأَسَديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء الْعُبّاد [٥] (ت ١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كَمَا قَالَ حَمَّادٌ) يعني: أن أيوب السَّخْتيانيّ، روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كرواية حمّاد بن زيد، عنه الماضي، غير أنه.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ) يعني: أن أيوب لم يذكر قوله: "صلّ الركعتين"، بل اقتصر على قوله: "قم فاركع"، وهذا مثل رواية حمّاد، وإنما ذكره تأكيدًا لقوله: "كما قال حمّاد"، فتفطّن.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن عمرو هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٦٠) فقال:
(١٩٦٤) حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن إسحاق بن