مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٣] (٩١٠)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٥ و ١٠٥١)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٧٩) و"الكبرى" (١٨٦٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧٥ و ٢٢٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٥ و ١٣٧٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٣٣ و ٢٤٣٤ و ٢٤٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٤ و ٢٠٤٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٤] (٩١١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللهَ، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات بعد (٩٠) أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٥.
стр. 10362
٥ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الجليل، مات ﵁ قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنَّه مسلسلٌ بالكوفيين من إسماعيل، وهُشيم واسطيّ، ويحيى نيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن قيسًا هو التابعي الوحيد الذي اجتمعت له الرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة على الصحيح، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو ﵁ (الْأَنْصَارِيِّ) ويقال له: البدريّ أيضًا؛ لسكناه بدرًا، أو لشهوده غزوة بدر، وهو الصحيح أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: علامتان من العلامات الدالة على وحدانيّة الله تعالى، وعظيم قدرته (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ) بتشديد الواو، من التخويف (وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا) أي: من الآيات (شَيْئًا) يعني: إذا رأيتم انكساف شيء من الشمس، أو القمر (فَصَلُّوا) استُدلّ به على أنَّه لا وقت لصلاة الكسوف معيّنٌ؛ لأنَّ الصلاة عُلّقت برؤيته، وهي ممكنة في كلّ وقت، من ليل أو نهار، وتقدّم بيان الخلاف في ذلك، مع ترجيح القول بمشروعيّتها في أوقات الكراهة؛ لظاهر النصّ، فتنبّه.
[تنبيه]: قوله: "فصلّوا" المراد به الصلاة المعهودة التي صلاها النبيّ ﷺ للكسوف، ويَحْتَمِل أن يكون المراد مطلق الصلاة، فيُستدلّ به على جواز أدائها مطلقًا كسائر النوافل.
وقد أورد الإمام البخاريّ ﵀ في أول أبواب الكسوف الأحاديث
стр. 10363
المطلقة في الصلاة، مثل حديث أبي مسعود هذا، وحديث أبي بكرة، وحديث ابن عمر، وحديث المغيرة بن شعبة ﵃ وكلها بلفظ: "فصلّوا"، فقال في "الفتح": ابتدأ البخاريّ أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة؛ إشارةً منه إلى أن ذلك يُعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، ووقع لبعض الشافعيّة، كالبندنيجي أن صلاتها ركعتين كالنافلة لا يُجزئ. انتهى (١).
(وَادْعُوا اللهَ، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ") ببناء الفعل للمفعول؛ أي: ينجلي ما حل بكم من الكرب بسبب الانكساف، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى؛ أي: حتى يكشف الله تعالى عنكم ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٤ و ٢١١٥ و ٢١١٦] (٩١١)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤١ و ١٠٥٧ و ٣٢٠٤)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦٢) و"الكبرى" (١٨٥٤)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٦١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٥٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٣٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٢٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
стр. 10364
قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيْسَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ، فَقُومُوا فَصَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ الحارثيّ، تقدَّم قبل باب.
٣ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمَّد البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَيْسَ يَنْكَسِفَانِ … إلخ) هكذا النسخ، فـ "ليس" هنا عملت في ضمير الشأن، وجملة "ينكسفان" خبرها، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمَرْوَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَوَكِيعٍ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
стр. 10365
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدَّم قبل باب.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير، تقدَّم قبل باب أيضًا.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٧ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدَّم قبل باب.
٨ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدَّم قبل باب أيضًا.
٩ - (مَرْوَانُ) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثمَّ دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
و"إسماعيل" هو: ابن أبي خالد ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد ساقها الطبرانيّ ﵀ في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢١١) فقال:
(٥٧٤) - حدّثنا عُبَيْدُ بن غَنَّامٍ، ثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، ثنا وَكِيعٌ، عن إِسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حَازِمٍ، عن عُقْبَةَ بن عَمْروٍ أبي مَسْعُودٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسول اللهِ ﷺ ، فقال أُنَاسٌ: إنما انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبراهيم ﵇، فقال النبيّ ﷺ : "إن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ من آيَاتِ اللهِ، فإذا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا".
وأما رواية أبي أسامة، عن إسماعيل، فساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٩٢) فقال:
(٢٤٢٩) - حدّثنا محمَّد بن إسحاق البكائيّ، وعليّ بن حرب، قالا: ثنا يعلي بن عبيد (ح) وحدّثنا الدقيقيّ، قال: ثنا يزيد بن هارون (ح) وحدّثنا أبو البختريّ، قال: ثنا أبوأسامة، قالوا: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الشمس والقمر لا
стр. 10366
تنكسفان لموت أحد من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما، فقوموا فصلوا".
وأما رواية ابن نمير، عن إسماعيل، فساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه" (١/ ٤٠٠) فقال:
(١٢٦١) - حدّثنا محمَّد بن عبد اللهِ بن نُمَيْرٍ، ثنا أبي، ثنا إسماعيل بن أبي خَالِدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حَازِمٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ من الناس، فإذا رَأَيْتُمُوهُ، فَقُومُوا فَصَلُّوا".
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل، فساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٣/ ٣٢٠) فقال:
(٦٠٩٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين، قالوا: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعيّ، أنبأ سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود الأنصاريّ، قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: "انكسفت الشمس لموت إبراهيم"، فقال النبيّ ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، وإلى الصلاة".
وأما رواية جرير بن عبد الحميد، فساقها الطبرانيّ ﵀ في "المعجم الكبير" (١٧/ ٢١١) مقرونًا بوكيع، فقال:
(٥٧٥) - حدّثنا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثنا عُثْمَانُ بن أبي شَيْبَةَ، ثنا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ، عن إِسْمَاعِيلَ بن أبي خَالِدٍ، عن قَيْسٍ، عن أبي مَسْعُودٍ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "إن الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، ليس يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ الناس، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ من آيَاتِ اللهِ، فإذا رَأَيْتُمُوهَا، فَقُومُوا إلى الصَّلاةِ".
وأما رواية مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 10367
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٧] (٩١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَلَاءِ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَقَالَ: "يُخَوِّفُ عِبَادَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ) بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أبو كُريب، تقدَّم قبل باب.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة المذكور في السند الماضي.
٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في كيفيّة التحمل والأداء، كما أسلفته غير مرّة.
стр. 10368
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي عامر، فما أخرج له البخاريّ إلا تعليقًا، وأما شيخه الثاني، فقد اتّفق الجماعة بالرواية عنه دون واسطة.
٣ - (ومنها): أنَّه مسلسل بثقات الكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ ﵁ أنَّه (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ فَزِعًا) بكسر الزاي، صفة مشبهة، ويجوز الفتح على أنَّه مصدر بمعنى الصفة، قاله في "الفتح"، ويَحْتَمِل أن يكون منصوبًا على أنَّه مفعول من أجله؛ أي: من أجل فَزَعه (يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ) بالرفع على أن "تكون" تامة؛ أي: يخشى أن تحضُر الساعة، أو ناقصة، و"الساعة" اسمها، والخبر محذوف، أو العكس.
قال الكرمانيّ ﵀: وهذا تمثيل من الراوي كأنه قال: فَزِعًا كالخاشي أن تكون القيامة، وإلَّا فكان النبيّ ﷺ عالِمًا بأن الساعة لا تقوم، وهو بين أظهرهم، وقد وعده الله إعلاء دينه على الأديان كلها، ولم يبلغ الكتاب أجله.
ويَحْتَمِل أن يكون ﷺ جعل ما سيقع كالواقع إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف، وتنبيهًا لأمته أنَّه إذا وقع بعده يخشون أمر ذلك، ويفزعون إلى ذكر الله، والصلاة، والصدقة؛ لأنَّ ذلك مما يدفع الله به البلاء، أفاده في "العمدة" (١).
وقال في "الفتح": قيل: وفيه جواز الإخبار بما يوجبه الظنّ من شاهد الحال؛ لأنَّ سبب الفزع يخفى عن الْمُشاهِد لصورة الفزع، فيَحْتَمِل أن يكون الفزع لغير ما ذُكر، فعلى هذا، فيشكل الحديث من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة، لم تكن وقعت، كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج،
стр. 10369
ثمَّ الأشراط، كطلوع الشمس من مغربها، والدابّة، والدجّال، والدخان، وغير ذلك.
ويجاب عن هذا باحتمال أن تكون قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبيّ ﷺ بهذه العلامات، أو لعلّه خشي أن يكون ذلك بعض المقدّمات، أو أن الراوي ظنّ أن الخشية لذلك، وكانت لغيره، كعقوبة تحدث، كما كان يخشى عند هبوب الريح.
هذا حاصل ما ذكره النوويّ تبعًا لغيره، وزاد بعضهم أن المراد بالساعة غير القيامة؛ أي: الساعة التي جعلت علامة على أمر من الأمور، كموته ﷺ ، أو غير ذلك.
وفي الأوّل نظر؛ لأنَّ قصة الكسوف متأخرة جدًّا، فقد تقدَّم أن موت إبراهيم ﵁ كان في العاشر، كما اتَّفَقَ عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبيّ ﷺ بكثير من الأشراط، والحوادث قبل ذلك.
وأما الثالث، فتحسين الظنّ بالصحابي يقتضي أنَّه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف.
وأما الرابع، فلا يخفى بُعْدُه، وأقربها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدّمة لبعض الأشراط؛ كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلّل بين الكسوف والطلوع المذكور أشياء، مما ذُكر، وتقع متتالية، بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ الآية [النحل: ٧٧].
قال الحافظ: ثمَّ ظهر لي أنَّه يَحْتَمِل أن يُخرّج على مسألة دخول النسخ في الأخبار، فإذا قيل بجواز ذلك زال الإشكال.
وقيل: لعله قدّر وقوع الممكن لولا ما أعلمه الله تعالى بأنّه لا يقع قبل الأشراط، تعظيمًا منه لأمر الكسوف، ليتبيّن لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى، ويفزع، لا سيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط، أو أكثرها.
وقيل: لعلّ حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط؛ لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط، لم يتقدّم
стр. 10370
ذكره، فيقع المخوف بغير أشراط؛ لفقد الشرط، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ) أي: في الزمان الماضي (ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ) إشارةٌ إلى الآيات التي تقع مثل الكسوف، والزلزلة، وهبوب الريح الشديدة، ونحوها، ففي كل واحدة منها تخويف الله تعالى لعباده، ويفهم من هذا أن المبادرة بالذكر والدعاء لا يختص بالكسوفين فقط.
(الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ) هذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا) أي: الجئوا (إِلَى ذِكْرِهِ) الضمير يعود على الله تعالى في قوله: "يخوف بها عباده" (وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَاره") فيه أن الدعاء، والاستغفار عند الكسوف وغيره؛ لأنه مما يُدفَع به البلاء.
واستدلّ بذلك على أن الأمر بالمبادرة إلى الذكر، والدعاء، والاستغفار، وغير ذلك لا يختصّ بالكسوفين؛ لأنَّ الآيات أعمّ من ذلك.
قال الحافظ ﵀: ولم يقع في هذه الرواية ذكر الصلاة، فلا حجة فيه لمن استحبّها عند كلّ آية. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ حسن جدًّا.
وحاصله أنَّه ينبغي المبادرة عند رؤية الآيات إلى الذكر، والدعاء، والاستغفار، وأما أن يُصلَّى لها على صفة صلاة الكسوف فلا؛ لعدم الدليل على ذلك، والله تعالى أعلم.
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَلَاءِ) هو محمَّد بن العلاء، شيخه الثاني (كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالكاف بدل قول أبي عامر: "خَسَفَت الشمس" بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد (وَقَالَ) ابن العلاء أيضًا: ("يُخَوِّفُ عِبَادَهُ") بدل قول أبي عامر:
стр. 10371
"يخوّف بها عباده"، فحذف العائد مع جارّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٧] (٩١٢)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٥٩)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٥٠٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٧)، وفوائده تقدّمت غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٨] (٩١٣) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَرْمِي بِأَسْهُمِي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهُنَّ، وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
стр. 10372
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ) الْقَيسيّ الْجُريريّ البصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب، وقَطَن بن قَبِيصة بن الْمُخارق على خلاف فيه، وغيرهم.
وروى عنه سليمان التيميّ، وسعيد الْجُريريّ، وقتادة، وعوف الأعرابيّ على خلاف فيه.
قال النسائيّ في "الكنى": أبو العلاء حيّان بن عمير بصريّ ثقةٌ، وذكره ابن سعد، وقال: كان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وذكره البخاري في "فصل من مات بين التسعين والمائة".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَمُرَةَ) بن حبيب بن عبد شمس الْعَبْشميّ، أبو سعيد، أسلم يوم الفتح، يقال: اسمه عبد كُلال، وقيل: غير ذلك، فسماه النبيّ ﷺ عبد الرحمن، سكن البصرة، وهو الذي افتتح سِجِسْتان، وكابُل، وغيرهما، وشهد غزوة مُؤتة.
رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن معاذ بن جبل، وعنه حيّان بن عُمير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهِصّان بن كاهن، والحسن البصريّ، وأبو لَبِيد لِمَازَة بن زَبّار، وآخرون.
قال ابن سعد: استعمله عبد الله بن عامر على سِجِسْتان، وغزا خُراسان، ففتح بها فتوحًا، ثمَّ رجع إلى البصرة، فمات بها سنة خمسين، وكذا أرخه أبو موسى وغيره، وقال ابن عُفير: مات سنة خمسين، ويقال: سنة إحدى وخمسين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (٩١٣) وأعاده بعده، وحديث (١٦٤٨): "لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم"، و (١٦٥٢): "لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها … "، وأعاده بعده.
стр. 10373
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنَّه مسلسل بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) هي "بين" الظرفيّة زيدت عليها "ما"، وقد تقدَّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة (أَنَا أَرْمِي) وفي الرواية التالية: "كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة"، وفي الرواية الثالثة: "بينما أنا أترمّى بأسهم لي"، وفي رواية النسائيّ: "أترامى"، قال في "اللسان": وخَرَجْتُ أَتَرَمَّى، وَخَرَج يَتَرَمَّى: إذا خَرَج يَرْمِي في الأغراض، وأصول الشجر، وفي حديث الكسوف: "خرجت أَرْتَمِي بأسهمي"، وفي رواية: "أترامَى"، يقال: رميتُ بالسهم رَمْيًا، وارتميتُ، وتَرَاميتُ تَرَامِيًا، ورَامَيتُ مُرَاماةً: إذا رميت بالسهام الْقِسِيَّ، وقيل: خرجتُ أرتَمِي: إذا رميت الْقَنَصَ، وأترمَّى: إذا خرجت تَرمي في الأهداف، ونحوها. انتهى (١).
وكان يتعلم الرمي، امتثالًا للأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]؛ إذ القوّة معناها الرمي، كما فسرها النبيّ ﷺ به، فقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوّة الرمي، ألا إن القوة الرمي".
وأخرج أحمد، وأصحاب السنن عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ارموا، واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا".
(بِأَسْهُمِي) جمع سَهْم: واحدُ النَّبْل، وقيل: نفسُ النَّصْل، ويُجْمَع على سهام (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وقوله: (إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) جواب "بينما"،
стр. 10374
وفي الرواية الثالثة: "إذ خَسَفت الشمس" (فَنَبَذْتُهُنَّ) وفي الرواية التالية: "فنبذتها"؛ أي: رميت الأسهُم، وطرحتها، وتركت الاشتغال بها، وفي رواية النسائيّ: "فجمعتهنّ" أي: جمعت الأسهُم؛ لئلا تضيع عليّ لو تركتها مفرَّقةً (وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: حدث الشيءُ حُدُوثًا، من باب قعد: إذا تجدّد وجوده، فهو حادث، وحديث (١)؛ أي: يتجدّد (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ) "في" سببيّة؛ أي: بسبب انكسافها، أو بمعنى: "عند".
والمعنى: أن عبد الرحمن ظنّ أنَّه لا بُدّ أن يتجدّد للنبيّ ﷺ في هذا الكسوف شيء من السنن، فأراد أن ينظر إليه، وقد تحقّق ظنه في ذلك، كما أخبر بالآتي.
وقوله: (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ"انكساف"، أو بـ"يحدُثُ"، وفي الرواية التالية: "فقلت: والله لأنظرنّ إلى ما حَدَثَ لرسول الله ﷺ في كسوف الشمس".
(فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ) أي: وصلت إلى النبيّ ﷺ ، وفي رواية النسائيّ: "فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ" (وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال (يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ) أي: كُشف عنها، وفي الرواية التالية: "فأتيته، وهو قائم في الصلاة، رافع يديه، فجعل يسبّح، ويَحمَد، ويُهلّل، ويكبّر، ويدعو حتى حُسِر عنها"، فتبيّن بهذه الرواية أن التسبيح، والتكبير، والدعاء المذكور كان في الصلاة، وفيه استحباب التسبيح، والتكبير، والدعاء في صلاة الكسوف.
وقال النوويّ ﵀: فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، وردٌّ على من يقول لا تُرفع الأيدي في دعوات الصلاة. انتهى.
(فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: "قَالَ: ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى
стр. 10375
رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ"، وظاهره أنَّه صلى بعد انجلاء الشمس، وهو مخالف لسائر الأحاديث.
وقال النوويّ ﵀: هذا مما يُستشكل، ويُظَنّ أن ظاهره أنَّه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنَّه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، وهذا الحديث محمول على أنَّه وَجَده في الصلاة، كما صرح به في الرواية الثانية، ثمَّ جَمَع الراوي جميع ما جرى في الصلاة من دعاء، وتكبير، وتهليل، وتسبيح، وتحميد، وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميمًا للصلاة، فتمّت جملة الصلاة ركعتين، أولها في حال الكسوف، وآخرها بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من تقديره لا بد منه؛ لأنه مطابقٌ للرواية الثانية، ولقواعد الفقه، ولروايات باقي الصحابة، والرواية الأولى محمولة عليه أيضًا؛ ليتفق الروايتان.
ونَقَل القاضي عن المازريّ أنَّه تأوله على صلاة ركعتين تطوعًا مستقلًّا بعد انجلاء الكسوف؛ لأنها صلاة كسوف، وهذا ضعيف، مخالف لظاهر الرواية الثانية، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما أوَّلَ به المازريّ ﵀ أقرب، وأما تأويل النوويّ فلا يخفى تكلّفه، بل تردّه رواية النسائيّ المذكورة بلفظ: "ثم قام، فصلى ركعتين، وأربع سجدات"، فقوله: "وأربع سجدات" صريح في ردّ تأويله بأن معناه تمم الركعة الثانية؛ إذ ليس فيها إلا سجدتان، فظهر بهذا أنَّه إنما صلى بعد الانجلاء ركعتين كاملتين، فيهما ركوعان، وأربع سجدات، شكرًا لله تعالى في إزالته كسوف الشمس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
стр. 10376
[فإن قلت]: كيف أخرجه المصنّف هنا، وفيه الْجُريريّ، وهو مختلطٌ، كما أسلفته آنفًا؟.
[قلت]: إنما أخرجه؛ لأنه من رواية بشر بن المفضّل، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، وتابعه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وهو أيضًا ممن روى عنه قبل الاختلاط، وقد ذكرت في "عمدة المحتاط" أسماء الذين رووا عنه قبل اختلاطه، فقلت:
كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حفْظُهُ هَبَطْ
وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا
وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا
وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُرَيْعٍ أَعْلَى (١)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٨ و ٢١١٩ و ٢١٢٠] (٩١٣)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦٠) و"الكبرى" (١٨٤١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٩٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٦١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٦٢ و ٢٤٦٣ و ٢٤٦٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ،
стр. 10377
وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ، رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، قَالَ: فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمَّد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي) أي: أرمي الغرض، يقال: رمى، وارتمى بمعنى واحد.
وقوله: (حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا) بالبناء للمفعول، وهو بمعنى قوله في الرواية الماضية: "حتى جُلّي عن الشمس". وقوله: (قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ظاهر هذا الحديث أن صلاته هاتين الركعتين لم يكن لأجل أنها صلاة الكسوف؛ لأنه إنما صلى بعد الانجلاء، وهو الزمان الذي يفرغ فيه من العمل فيها؛ لأنه الغاية التي مدّ فِعْلَ صلاة الكسوف إليها بقوله: "فصلُّوا حتى ينجليا"، فلا حجة للكوفيين، غير أنَّه قد روى أبو داود من حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: "كَسَفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت"، وهذا معتمد قويّ للكوفيين، غير أن الأحاديث المتقدّمة أصحّ وأشهر، ويصحّ حمل هذا الحديث على أنَّه بَيَّن فيه جواز مثل هذه الصلاة في الكسوف، وإن كان المتقرّر في الأحاديث المتقدّمة هو السنّة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأولى سلوك مسلك الترجيح، لا
стр. 10378
مسلك الجمع بما ذُكر؛ لأنَّ الأحاديث الكثيرة في "الصحيحين" وغيرهما على خلاف حديث النعمان بن بشير ﵄، فتُقدّم عليه، ومما يؤيّد ذلك كون الكسوف لم يقع في عهده ﷺ إلا مرّة واحدةً يوم مات إبراهيم ابنه ﷺ .
والحاصل أن أصحّ الكيفيّات لصلاة الكسوف أن تصلى ركعتين بأربع ركوعات، على ما في أكثر الروايات، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَمَّى بِأَسْهُمٍ لِي، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ) بن أبي عطاء، أبو سعيد العطّار البصريّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٥/ ١٥٣٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا) فاعل ذَكَر ضمير سالم بن نوح؛ يعني أن سالم بن نوح ذكر عن الْجُرَيريّ نحو رواية بشر بن المفضّل، وعبد الأعلى كلاهما عنه.
[تنبيه]: رواية سالم بن نوح، عن الْجُريريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10379
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢١] (٩١٤) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الحافظ المصريّ، تقدَّم قريبًا.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ الْقَاسِمِ) التيميّ، أبو محمَّد المدنيّ، ثقة جليلٌ [٦] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢.
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) التيميّ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵄ الصحابي الشهير، مات ﵁ سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
وشرح الحديث، وفوائده واضحة تعلم مما سبق، وفيه:
مسألتان: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١٢١] (٩١٤)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٢) و"بدء الخلق" (٣٢٠١)، و (النسائيّ) في "الكسوف" (١٤٦١)
стр. 10380
و"الكبرى" (١٨٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٠٩ و ١١٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٤٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٢] (٩١٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ، وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ: قَالَ زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللهَ، وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدَّم قبل باب.
٣ - (مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ) الْخَثعميّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] (ت ٢٠٣) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٤/ ٢٨٨.
٤ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبت فاضلٌ [٧] (١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٥ - (زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ) - بكسر العين المهملة - الثَّعْلبيّ، أبو مالك الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [٣] (ت ١٣٥) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٨.
٦ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن معتّب الثقفيّ الصحابيّ الشهير، أسلم قبل الْحُديبية، وولِيَ إمرة البصرة، ثمّ الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
وشرح الحديث، وفوائده تقدّمت، وفيه:
стр. 10381
مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١٢٢] (٩١٥)، و (البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٣ و ١٠٦٠ و ٦١٩٩)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١٨٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٤٩ و ٢٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
* * *
стр. 10382
١١ - (كِتَابُ الْجَنَائِزِ)
" الجنائز": - بفتح الجيم لا غير -: جمع جنازة بالفتح، والكسر، لغتان، قال ابن قتيبة، وجماعة: الكسر أفصح.
وقال الفيّوميّ ﵀: جَنَزْتُ الشيءَ، أَجْنُزُهُ، من باب ضَرَب: سَتَرْتُه، ومنه اشتقاق الجنازة، وهي بالفتح، والكسر، والكسر أفصح، وقال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر الميت نفسه، وبالفتح السرير، وروى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكسَ هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه. انتهى (١).
وقال في "اللسان": جَنَزَ الشيءَ يَجْنُزهُ جَنْزًا: ستره، وقال ابن سِيدَهْ: الجَنَازة بالفتح: الميت، والجنازة بالكسر السرير الذي يُحمل عليه الميت. قال الفارسيّ: لا يُسمى جنازة حتى يكون عليه ميت، وإلا فهو سرير، أو نعش، وأنشد الشَّفَاخ [من الطويل":
إِذَا أَنْبَضَ الرَّامُونَ فِيهَا تَرَنَّمَتْ … تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا الْجَنَائِزُ
وقال الليث: الجنازة الإنسان الميت، والشيء الذي قد ثَقُلَ على قوم، فاغتمّوا به. انتهى (٢).
وقال في "تحفة الحبيب": يقول لسان حال النعش في كلّ يوم لابن آدم:
انْظُرْ إِلَيَّ بِعَقْلِكْ … أَنَا الْمُهَيَّا لِنَقْلِكْ
أَنَا سَرِيرُ الْمَنَايَا … كَمْ سَارَ مِثْلِي بِمِثْلِكْ
وقال الشاعر في المعنى [من الكامل]:
وَإِذَا حَمَلْتَ إِلَى الْقُبُورِ جَنَازَةً … فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَهَا مَحْمُولُ
стр. 10383
وَاِذَا وَليتَ لأَمْرِ قَوْمٍ مَرَّةً … فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ عَنْهُمُ مَسْؤُولُ (١)
وإنما أورد "كتاب الجنائز" بعد "كتاب الصلاة" كأكثر المصنفين من المحدّثين والفقهاء؛ لأن الذي يُفعَل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك لمهمة الصلاة عليه؛ لما فيها من فائدة الدعاء له بالنجاة من العذاب، ولا سيِّما عذاب القبر الذي سيُدفن فيه.
وقيل: لأن للإنسان حالتين: حالة الحياة، وحالة الممات، ويتعلّق بكلّ منهما أحكام العبادات، وأحكام المعاملات، وأهمّ العبادات الصلاة، فلما فرغ من أحكامها المتعلّقة بالأحياء ذكروا ما يتعلّق بالموتى من الصلاة وغيرها.
قيل: شُرِعت صلاة الجنازة بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة، فمن مات بمكة قبل الهجرة لَمْ يُصلَّ عليه (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) - (بَابُ الأَمْرِ بِتَلْقِينِ الْمَوْتَى"لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ")
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٣] (٩١٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ بِشْرٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنةً (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ [١٠] (ت ٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
стр. 10384
٣ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنىّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٥.
٥ - (يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ) بن أبي حسن الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمل والأداء.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عمارة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدري ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَن" (يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ)، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقِّنُوا) أمر من التلقين، وهو التذكير؛ أي: ذكّروا (مَوْتَاكُمْ) أي: الذين هم في سياق الموت، سمّاهم موتى؛ لأن الموت قد حضرهم. قال الطيبيّ ﵀: أي من قَرُب منكم من الموت، سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا، وعليه يُحمل قوله ﷺ : "اقرؤوا على موتاكم ﴿يس﴾ " (١). انتهى.
стр. 10385
ويدلّ عليه أن ابن حبّان رَوَى هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ باللفظ المذكور، وزاد: "فإنه من كان آخر كلامه: لا إله إلَّا الله، دخل الجنّة يومًا من الدهر، وإن أصابه ما أصاب قبل ذلك" (١).
قيل: معنى"التلقين" أن يُذكَرَ له "لا إله إلَّا الله"، ويُتلفّظ به بحضرته، حتى يسمع، فيتفطّن، فيقوله، ولا يؤمر به، إلَّا أن يكون كافرًا، فيقال له: قل: لا إله إلَّا الله، كما قال النبيّ ﷺ ذلك لعمه أبي طالب، وللغلام اليهوديّ الذي كان يخدمه ﷺ .
والمقصود من التلقين أن يكون آخر كلامه: لا إله إلَّا الله، ولذا قالوا: إذا قال مرّة لا تُعاد عليه، إلَّا أن يتكلّم بكلام آخر.
ذكر الإمام الترمذيّ ﵀ في "الجامع" أنه رُوي عن ابن المبارك أنه لما حضره الوفاة جَعَل رجل يلقنه لا إله إلَّا الله، ويكثر عليه، فقال له عبد الله: إذا قلتُ ذلك مرّة، فأنا على ذلك ما لَمْ أتكلّم بكلام. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: وأجمع العلماء على هذا التلقين، وكرهوا الإكثار عليه، والموالاة؛ لئلا يَضجَرَ بضيق حاله، وشدّة كربه، فيكره ذلك بقلبه، ويتكلّم بما لا يليق. انتهى.
وقال في "الفتح": قال الزين ابن الْمُنَيِّر: هذا الخبر -يعني: "من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجَنَّة" - يتناول بلفظه من قالها، فبغته الموت، أو طالت حياته لكن لَمْ يتكلم بشيء غيرها، ويُخرِج بمفهومه من تكلم لكن استصحب حكمها من غير تجديد نطق بها، فإن عَمِل أعمالًا سيئة كان في المشيئة، وإن عمل أعمالا صالحةً فقضية سعة رحمة الله أن لا فرق بين الإسلام النطقيّ والحكميّ المستصحب، والله أعلم. انتهى.
ثم ذكر قصّة ابن المبارك المذكورة، ثم قال: وهذا يدلُّ على أنه كان يرى التفرقة في هذا المقام، والله أعلم. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لقنوا موتاكم … إلخ" أي: قولوا لهم ذلك،
стр. 10386
وذكّروهم به عند الموت، وسماهم ﷺ موتى؛ لأن الموت قد حضرهم، وتلقين الموتى هذه الكلمةَ سنّة مأثورة، عَمِلَ بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه "لا إله إلَّا الله"، فيُختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنّة" (١)، وليُنبّه المحتضر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرّض للمحتضر ليُفسد عليه عقيدته، فإذا تلقّنها المحتضر، وقالها مرّة واحدة، فلا تُعاد عليه، لئلّا يَضجَرَ، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقّنها، أو فُهِم عنه ذلك، وفي أمره ﷺ بتلقين الموتى ما يدلّ على تعيّن الحضور عند المحتضر؛ لتذكيره، وإغماضه، والقيام عليه، وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
وقال القاري ﵀: الجمهور على أنه يُندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي وجوبه، وذهب إليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر قول من قال بالوجوب؛ لصريح الأمر في قوله ﷺ : "لقّنوا"، والذين قالوا بالندبية لَمْ يذكروا له صارفًا عن الوجوب، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[فائدة]: قد رَوَى ابن أبي حاتم في ترجمة أبي زرعة أنه لَمّا احتُضِر أرادوا تلقينه، فتذكروا حديث معاذ ﵁، فحدثهم به أبو زرعة بإسناده، وخرجت روحه في آخر قول: "لا إله إلَّا الله"، هكذا ذكر في "الفتح" (٣).
ونصّه في "تقدمة الجرح والتعديل": حدّثنا عبد الرَّحمن، قال: سمعت أبي يقول: مات أبو زرعة مطعونًا مبطونًا، يعرق جبينه في النزع، فقلت لمحمد بن مسلم: ما تحفظ في تلقين الموتى "لا إله إلَّا الله"؟ فقال محمد بن مسلم: يُرْوَى عن معاذ بن جبل، فَمِنْ قبل أن يستتم رَفَع أبو زرعة رأسه، وهو في النزع، فقال: رَوَى عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عَرِيب، عن كَثِير بن مرّة، عن معاذ، عن النبيّ ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله،
стр. 10387
دخل الجَنَّة"، فصار البيت ضَجَّةً ببكاء من حضر. انتهى (١).
(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ") أي: فقط، وقيل: مع "محمد رسول الله"، فالمراد كلمتا الشهادة، قال في "الفتح": المراد بقوله: "لا إله إلَّا الله" في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يَرِد إشكال ترك ذكر الرسالة، قال الزين ابن المنيّر ﵀: قول: "لا إله إلَّا الله" لَقَبٌ جرى على النطق بالشهادتين شرعًا. انتهى (٢).
وقال الدَّمِيريّ: نقل في "الروضة" عن الجمهور الاقتصار على "لا إله إلَّا الله"، ونقل جماعة من الأصحاب -يعني الشافعيّة- أنه يضيف إليها "محمد رسول الله"؛ لأن المراد ذكر التوحيد، والمراد موته مسلمًا، ولا يسمّى مسلمًا إلَّا بهما، والأول أصحّ، أما إذا كان المحتضر كافرًا، فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين؛ لأنه لا يصير مسلمًا إلَّا بهما. كذا في "السراج الوهّاج"، ونقله في "المرعاة".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاقتصار على "لا إله إلَّا الله" هو الراجح عندي؛ عملًا بظاهر النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا [١/ ٢١٢٣ و ٢١٢٤] (٩١٦)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١١٧)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (٩٧٢)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٢٦) و"الكبرى" (١٩٠٢)، و (ابن ماجة) في "الجنائز" (١٤٤٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٣٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (٩٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٣) و"الحلية" (٩/ ٢٢٤)،
стр. 10388
و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٨٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بتلقين من حضره الموت "لا إله إلَّا الله" حتى يكون آخر كلامه "لا إله إلَّا الله"، فيدخل الجنّة.
٢ - (ومنها): بيان فضل كلمة الإخلاص، وعظيم بركتها، حيث تُدخِل من كانت آخر كلامه الجنّة.
٣ - (ومنها): استحباب حضور المحتضر، والعناية به بتلقين كلمة التوحيد، وتأنيسه، وإحضار ما يحتاج إليه من ماء أو غيره إن احتاج، وتغميض عينيه إذا مات، والقيام بحقوقه، من تجهيزه للصلاة عليه ودفنه، وقضاء ديونه، ونحو ذلك، وهذه مما لا خلاف فيه.
وقال القرطبيّ ﵀: وفي أمره ﷺ بتلقين الموتى ما يدلّ على تعيّن الحضور عند المحتضر؛ لتذكيره، وإغماضه، والقيام عليه، وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: مما يلزم التنبّه له ما جرى في بعض البلدان من تلقين الميت بعد دفنه، فإنه مما لا أصل له في الأحاديث الصحيحة، وقد ذكروا حديثًا ضعيفًا لا يصلح للاحتجاج به، ومن الغريب أن بعض العلماء المتأخرين، ومنهم ابن الصلاح، والنووي (٢) مع اعترافهما بأنه ليس إسناده بالقائم، يستندون إليه، ويجعلونه من العمل بالحديث الضعيف، في فضائل الأعمال، ويستشهدون له بحديث: "واسألوا له التثبيت"، وهو حديث "صحيح، لكنه لا يشهد له؛ لأنه أمر بالدعاء بالتثبيت له، كصلاة الجنازة، وليس من باب التلقين، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ ﵀ في "إرواء الغليل" الكلام على الحديث المذكور، وتضعيفه، وأفاد، فراجعه تستفد (٣).
стр. 10389
وقال الإمام ابن القيّم ﵀ في "الهدي": وكان ﷺ إذا فرغ من دفن الميت قام على قبره هو وأصحابه، وسأل له التثبيت، وأمرهم أن يسألوا له التثبيت، ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر، ولا يُلَقِّن الميت، كما يفعله الناس اليوم، وأما الحديث الذي رواه الطبراني في "معجمه" من حديث أبي أمامة، ثم أورده بطوله، ثم قال: فهذا حديث لا يصحّ رفعه. انتهى (١).
والحاصل أن التلقين بعد الموت لَمْ يثبت له دليل صحيح، فلا ينبغي فعله، فتبضر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، جَمِيعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدَّم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: ابن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الْهَيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوق يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
стр. 10390
وقوله: (جَمِيعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح، قال أبو عليّ الغَسّانيّ (١) وغيره: معناه: عن عمارة بن غزية الذي سبق فيه الإسناد الأول، ومعناه: رَوَى عنه الدراورديّ، وسليمان بن بلال، وهو كما قاله أبو عليّ، ولو قال مسلم: جميعًا عن عمارة بن غزية، بهذا الإسناد لكان أحسن وأوضح، وهو المعروف من عادته في الكتاب، لكنه حذفه هنا؛ لوضوحه عند أهل هذه الصنعة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ مفيد.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن عمارة بن غزيّة، هذه، قد ساقها أبو نعيم: ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٥) فقال:
(٢٠٥١) حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسي، ثنا عبد الله بن الزبير الحميديّ، ثنا الدراورديّ (ع) وثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن إسحاق السّرّاج، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز الدراورديّ (ح) وثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن إسحاق السّرّاج، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز الدراورديّ، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن يحيى بن عُمارة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَقِّنُوا موتاكم لا إله إلَّا الله".
وأما رواية سليمان بلال، عن عمارة بن غزيّة، فقد ساقها ابن ماجة ﵀ فقال:
(١٤٤٥) حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن سليمان بن بلال، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن يحيى بن عُمارة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَقِّنوا موتاكم لا إله إلَّا الله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٥] (٩١٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ (ع) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ
стр. 10391
أَبِيِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها، وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أوأبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقيان ذُكرا في السندين السابقين. وشرح الحديث سبق فيما قبله.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: تكلّم أبو الفضل الشهيد ﵀ في هذا الحديث، فقال: هذا غَلِطَ فيه أبو خالد الأحمر، إنما هو مستخرج من قصّة أبي طالب أن النبيّ ﷺ قال له: "قل: لا إله إلَّا الله، أشهد لك بها يوم القيامة". انتهى كلامه (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو الفضل فيه نظر؛ لأن الحديث صحيح لا مطعن فيه؛ لأمرين:
(أحدهما): تصحيح المصنّف ﵀ له، وقد ذكر الحافظ ﵀ في "الفتح" أن مسلمًا أخرجه، ولم يعلّه بشيء.
(الثاني): أن هذا الحديث ثابت عن أبي هريرة ﵀ من غير هذا الطريق، فقد أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق سفيان الثَّوْرِيّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
стр. 10392
رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلِمَتِهِ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عِنْدَ الْمَوْتِ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وِإنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ. انتهى (١)، وهو حديث صحيح.
وأخرجه أيضًا البزّار في "مسنده" بسند صحيح بنحوه.
والحاصل أن الحديث صحيح، كما هو صنيع المصنّف ﵀، فتبصر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢١٢٥] (٩١٧)، و (ابن ماجة) في "الجنائز" (١٤٤٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٣٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٥١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٠٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٥٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٦] (٩١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أفلَحَ، عَنِ ابْنِ سَفِينَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي (٢) فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا"، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا،
стр. 10393
فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُني لَهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي بِنْتًا، وَأَنَا غَيُورٌ، فَقَالَ: "أَمَّا ابْنَتُهَا، فَنَدْعُو اللهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا، وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد تقدَّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: علي بن حُجر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (ز م، س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ١١٠.
٥ - (سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيي، صدوقٌ سيئ الحفظ [٤] (ت ١٤١) (خت م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٦/ ١٧٧٥.
٦ - (عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ) المدنيّ مولى أبي أيوب الأنصاريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن كعب بن مالك، وابن عمر، وسفينة، ونافع مولى أبي قتادة، وابن سفينة، ومحمد وعمارة ابني عَمْرو بن حَزْم، وعُبَيد سَنُوطا.
وروى عنه يحيى وسعد ابنا سعيد الأنصاريّ، وابن عون.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، له أحاديث، وقال ابن المدينيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ في "مسند مالك"، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩١٨) وأعاده بعده، و (١٧٥١): "من قتل قتيلًا له عليه بيّنة … " الحديث.
٧ - (ابْنُ سَفِينَةَ) هو: عُمر بن سفينة مولى أم سلمة، صدوق [٣].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه بُرَية، واسمه إبراهيم بن عمر، وعمر بن كثير بن أفلح.
قال البخاريّ: إسناده مجهول، وقال أبو زرعة: عمر صدوقٌ، وقال أبو
стр. 10394
حاتم: شيخٌ، وقال ابن عديّ: له أحاديث أفراد لا تُروى إلَّا من طريق بُرَيه عن أبيه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُخطئ، وذكره العقيليّ في "الضعفاء".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده، وله عند الترمذيّ حديثٌ في أكل الْحُبَارَى.
[تنبيه]: قال صاحب "التنبيه": قوله: "عن ابن سفينة" هو عمر، كما في "الأربعين البلدانيّات" لعبد القادر الرُّهاويّ، و"مختصر اللالكائيّ لرجال مسلم"، قاله ابن الْبُلقينيّ في كلامه على خصائص"الروضة". انتهى (١).
٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن المغيرة بن مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، أو ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت ﵂ (٦٢) على الأصح (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" ج ٢ ص ٤٧٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأولين من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنْ) زائدة (مُسْلِمٍ) اسم "ما" الحجازيّة، أو هي تميميّة، فيكون مبتدأ (تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ) أي: أيّ مصيبة كانت، فالتنوين للتنكير، وروى ابن السنيّ عن النبيّ ﷺ : "كلّ شيء ساء المؤمن، فهو مصيبة" (٢). (فَيَقُولُ مَا
стр. 10395
أَمَرَهُ اللهُ) أي: به، ففيه حذف العائد، وقوله: (﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]) بدل من "ما أمره الله".
والمراد بالأمر هنا الندب بالترغيب فيه، وترتيب الأجر عليه، فإنه بمنزلة الأمر، وإلا فلا أمر في الآية.
وقال الأبيّ ﵀: يَحْتَمِل الأمرُ أنه بوحي في غير القرآن، وَيحْتَمل أن الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك؛ لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر به.
وقال الباجيّ: ﵀: لَمْ يُرِد لفظ الأمر بهذا القول؛ لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله، والثناء عليه، وَيحْتَمِل أن يشير إلى غير القرآن، فيُخبر ﷺ عن أمر الباري لنا بذلك، ولذا وصله بقوله: "اللهم أُجُرْنِي … إلخ".
وقال الطيبيّ ﵀: فإن قلت: أين الأمر في الآية؛، قلت: لَمّا أمره بالبشارة، وأطلقها ليعمّ كلَّ مبشَّر به، وأخرجه مخرج الخطاب؛ ليعمّ كلّ أحد نبّه على تفخيم الأمر، وتعظيم شأن هذا القول، فنبّه بذلك على كون القول مطلوبًا، وليس الأمر إلَّا طلب الفعل، وأما التلفّظ بذلك مع الجَزَع فقبيح، وسخط للقضاء.
وقال القاري ﵀: والأقرب أن كلّ ما مدح الله تعالى في كتابه من خصلة يتضمّن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها. انتهى (١).
وقال القرطبيّ: ﵀: قوله: "فيقول ما أمر الله" هذا تنبيه على قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٥] مع أنه ليس فيها أمر بذلك، وإنما تضمّنت مدح من قاله، فيكون ذلك القول مندوبًا، والمندوب مأمور به؛ أي: مطلوب ومُقتضىً، وإن سُوِّغ تركه، وقال أبو المعالي: لَمْ يَختلف الأصوليون أن المندوب مقتضًى ومطلوبٌ، وإنما اختلفوا هل يُسمّى مأمورًا به؛، قال القرطبيّ: وهذا الحديث يدلّ على أنه يسمى بذلك. انتهى (٢).
(﴿إنَّا﴾) أي: إن ذواتنا، وجميع ما يُنسب إلينا (﴿لِلَّهِ﴾) ملكًا وخلقًا (﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾) أي: في الآخرة، قال القرطبيّ ﵀: "إنا لله … إلخ" كلمة اعتراف بالملك لمستحقّه، وتسليم له فيما يُجريه في ملكه، وتهوينٌ
стр. 10396
للمصيبات بتوقّع ما هو أعظم منها، وهو الثواب المرتّب عليها، وتذكير المرجع والمال الذي حكم به ذو العزّة والجلال. انتهى (١).
وقوله: (اللَّهُمَّ) من جُملة ما أمر الله تعالى به (اجُرْنِي) بوصل الهمزة، وضم الجيم، وفي نسخة: "آجرني" بالمدّ، وكسر الجيم، وقال القاضي عياض ﵀: "اجُرني" بالقصر والمدّ، حكاهما صاحب "الأفعال" (٢)، وقال الأصمعيّ، وأكثر أهل اللغة: هو مقصور لا يُمَدّ، ومعنى أَجَرَهُ اللهُ: أعطاه أجره وجزاء صبره، وهَمِّه في مصيبته. انتهى (٣).
وقال ابن الأثير ﵀: آجَرهُ يُؤجِره: إذا أثابه، وأعطاه الأجر والثواب، وكذلك أَجَرَه يَأْجِرُه، والأمر منهما آجِرْني، وَأْجُرني. انتهى (٤).
وقال الفيّوميّ ﵀: أَجَرَهُ اللهُ أَجْرًا، من باب قتل، ومن باب ضرب لغة بني كعب، وآجره بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه. انتهى (٥).
وقوله: (فِي مُصِيبَتِي) متعلّق بـ "أجرني"، قال القاري ﵀: والظاهر أن "في" بمعنى الباء سببيّة.
(وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أي: اجعل لي خَلَفًا مما فات عني في هذه المصيبة خيرًا من الفائت فيها، ففي الكلام تجوّز وتقدير (٦).
قال النووي ﵀: هو بقطع الهمزة، وكسر اللام، قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مالٌ، أو ولدٌ، أو قريبٌ، أو شيءٌ يُتَوَقَّع حصولُ مثله: أخلف الله عليك؛ أي: رَدّ عليك مثله، فإن ذهب ما لا يُتَوقَّع مثله بأن ذهب والدٌ، أو عمّ، أوأخٌ لمن لا جَدَّ له، ولا والد له، قيل: خَلَفَ الله عليك، بغير ألف؛ أي: كان الله خليفةً منه عليك. انتهى (٧).
стр. 10397
وقال ابن الأثير ﵀: يقال: خَلَفَ اللهُ لك خَلَفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا؛ أي: أبدلك بما ذَهَب منك، وعَوَّضك عنه، وقيل: إذا ذهب للرجل ما يَخْلُفُه، من مثل المال والولد، قيل: أخلف الله لك وعليك، وإذا ذهب له ما لا يخلُفُه غالبًا كالأب والأم، قيل: خَلَف الله عليك، وقد يقال: خلف الله عليك إذا مات لك ميت؛ أي: كان الله خليفة عليك، وأخلف الله عليك أي: أبدلك. انتهى (١).
(إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا") أي: عوّضه الله تعالى خيرًا من تلك المصيبة (قَالَتْ) أم سلمة ﵂: (فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) تعني زوجها عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ المكيّ، أمه بَرّة بنت عبد المطلب، وكان أخا النبيّ ﷺ من الرضاعة، وهاجر الهجرتين، وشَهِد بدرًا، وتُوُفِّي بالمدينة في حياة النبيّ ﷺ مَرْجِعه من بدر، فتزوج النبيُّ ﷺ بزوجته أم سلمة، رَوَى عن النبيّ ﷺ في الاسترجاع عند المصيبة، وعنه أم سلمة.
وذكر ابن سعد أنه شهد بدرًا وأُحُدًا، وجرح باحد، ثم بعثه النبيّ ﷺ إلى بني أسد على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة، ثم قدم المدينة، فانتقض الجرح، فمات لثلاث مَضَين من جمادى الآخرة، وبنحوه ذكره يعقوب بن سفيان، وابن أبي خيثمة، والْبَرْقيّ، وأبو جعفر الطبريّ، والحاكم، وأبو نعيم، وجماعة.
وقال العسكريّ: مات على عهد النبيّ ﷺ في السنة الرابعة، ونقله البغويّ عن أبي بكر بن زنجويه، وهو مقتضى قول ابن سعد، وقال عبد البر: تُوُفّي في جمادى الآخرة سنة ثلاث، وهو يوافق الأول.
أخرج له الترمذيّ، والنسائيّ في "اليوم والليلة"، وابن ماجة، وليس له عند مسلم إلَّا ذكرٌ فقط.
(قُلْتُ) أي: في نفسي، أو باللسان استغرابًا لوجود مثل ذلك (أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟) وفي الرواية الآتية: "قلت: من خير من أبي
стр. 10398
سلمة، صاحب رسول الله ﷺ ؛ "، والاستفهام للإنكار؛ أي: لا أحد من المسلمين خيرٌ منه، وهذا في تقديرها.
وقال الطيبيّ ﵀: هذا تعجّب من تنزيل قوله ﷺ : "إلَّا أخلف الله له خيرًا منها" على مصيبتها؛ استعظامًا لأبي سلمة. انتهى؛ يعني في زعمها.
وقولها: (أَوَّلُ بَيْتٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) استئناف بيانيّ، فكأن سائلًا سالها، وما سبب استغرابك أن يوجد خير من أبي سلمة؟، فأجابت بأنه أول أهل بيت (هَاجَرَ) إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال أبو نعيم: كان أول من هاجر إلى المدينة، زاد ابن منده: وإلى الحبشة، وذكره موسى بن عُقبة وغيره من أصحاب المغازي فيمن هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وفيمن شَهِدَ بدرًا، وأخرج البغويّ بسند صحيح إلى قبيصة بن ذؤيب أن النبيّ ﷺ أتى أبا سلمة يعوده، وهو ابن عمّته، وأول من هاجر بظعينته إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة (١).
وقال الأبيّ: تعجّبت أم سلمة؛ لاعتقادها أنه لا خير من أبي سلمة، ولم تطمع أن يتزوّجها رسول الله ﷺ ، فهو خارج من هذا العموم، وتعني بقولها: "من خيرٌ من أبي سلمة" بالنسبة إليها، فلا يكون خيرًا من أبي بكر؛ لأن الخير في ذاته قد لا يكون خيرًا لها، وَيحْتَمِل أن تَعْني أنه خير مطلقًا، والإجماع على أفضليّة أبي بكر إنما على من تأخّرت وفاته عن رسول الله ﷺ ، وهل هو أفضل ممن تقدّمت وفاته؛ فيه خلاف، فلعلّها أخذت بأحد القولين، وقولها: أولُ بيت هاجر يدلّ على أنَّها أرادت أنه أفضل مطلقًا بالنسبة إليها. انتهى.
قال صاحب "المرعاة": والظاهر أن الخيريّة بالنسبة إليها، وباعتبار نفسها، والله تعالى أعلم. انتهى (٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(ثُمَّ إِني قُلْتُهَا) أي: كلمة الاسترجاع والدعاء المذكور بعدها (فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي: بأن جعلني زوجته، وكان عِوَضَ خير لي من زوجي أبي سلمة ﵁.
стр. 10399
(قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ) - بفتح الموحَّدة، وسكون اللام، بعدها مثناة، ثم مهملة مفتوحات - ابن عمرو بن عُمير بن سلمة بن صعب بن سهل اللَّخْميّ، حليف بني أسد بن عبد العزي، يقال: إنه حالف الزبير، وقيل: كان مولى عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه فأدَّى مكاتبته، اتفقوا على شهوده بدرًا، وثبت ذلك في "الصحيحين" من حديث عليّ في قصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز رسول الله ﷺ إليهم، فنزلت فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، فقال عمر: دَعْني أضرب عنقه، فقال: إنه شهد بدرًا، واعتذر حاطب بأنه لَمْ يكن له في مكة عشيرة تدفع عن أهله، فقَبِل عذره.
ورَوَى مسلم وغيره من طريق أبي الزبير، عن جابر، أن عبدًا لحاطب بن أبي بَلْتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله ليدخلنّ حاطب النارَ، فقال: "لا، فإنه شَهِدَ بدرًا، والحديبية".
قال المدائنيّ: مات حاطب في سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وله خمس وستون سنةً، وكذا رواه الطبرانيّ، عن يحيى بن بُكَير (١)، وليس له في الكتب الستة إلَّا ذكرٌ فقط.
(يَخْطُبُنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: خَطَب المرأةَ إلى القوم، من باب نصر: إذا طلب أن يتزوّج منها، واختطبها، والاسم الْخِطْبةُ بالكسر (٢). (لَهُ) أي: لنفسه ﷺ .
ووقع في رواية لأحمد، والنسائيّ أن الذي أرسله النبيّ ﷺ لخطبتها هو عمر بن الخطّاب ﵁، فيَحتمل أن يكون أرسله أولًا، ثم أرسل بعده حاطبًا، أو بالعكس، والله تعالى أعلم.
[فإن قلت]: يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ ، فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ
стр. 10400
قولًا، فسُرِرت به، قال: "لا تصيب أحدًا من المسلمين مصيبةٌ، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلَّا فعل ذلك به"، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما تُوفي أبو سلمة استرجعت، وقلت: "اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلفني خيرًا منه"، ثم رجعت إلى نفسي قلت: من أين لي خير من أبي سلمة؛ فلما انقضت عدّتي، استأذن علي رسول الله ﷺ ، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القَرَظ، وأَذِنت له، فوضعت له وِسَادةَ أَدَمٍ حَشْوها لِيفٌ، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته، قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيّ، ولكني امرأة فيّ غَيْرةٌ شديدةٌ، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة دخلت في السنّ، وأنا ذات عيال، فقال: "أما ما ذكرت من الْغَيْرة، فسوف يذهبها الله منك، وأما ما ذكرت من السنّ، فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال، فانما عيالك عيالي"، قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ ، فتزوجها رسول الله ﷺ ، فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه، رسولَ الله ﷺ . انتهى.
فهذا الحديث يخالف حديث مسلم من وجهين:
[أحدهما]: أن الحديث سمعته أم سلمة من زوجها أبي سلمة.
[والثاني]: أن الذي خطبها هو النبيّ ﷺ بنفسه، ولم يُرسل غيره.
[قلت]: يجاب عن الأول بحمله على أنَّها سمعته أولًا من زوجها، ثم سمعته بعد ذلك منه ﷺ مباشرةً، ومثل هذا في الأحاديث كثير.
ويُجاب عن الثاني بأن يقال: إنه أرسل أولًا غيره، ثم تقدّم إليها بنفسه للتأكيد، فأعادت عليه ما قالت للرسول من الأعذار الثلاثة، فأجابها عن كلّها بما يزيل عذرها، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْتُ) أي: معتذرة إلى النبيّ ﷺ خوفًا من عدم قيامها بحقوقه (إِنَّ لِي بِنْتًا) هي زينب بنت أبي سلمة؛ أي: وهي تضرّ بحسن المعاشرة الزوجيّة.
[تنبيه]: قال ابن الأثير ﵀: أم سلمة ﵂ لها ابنتان من أبي سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ ﵁: إحداهما: دُرّة، والأخرى: زينب. انتهى.
(وَأَنَا غَيُورٌ) أي: كثيرة المغيرة، وهي تؤدّي إلى عدم الوفاء بحقوق