← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.

стр. 10781

فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبيّ ﷺ ، قام - على الجنازة، مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟، قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا. وفي الباب عن سمرة، قال أبو عيسى: حديث أنس هذا حديث حسن. وقد رَوَى غير واحد عن همام مثل هذا، وروى وكيع هذا الحديث عن همام فوهم فيه، فقال: عن غالب، عن أنس، والصحيح عن أبي غالب، وقد رَوَى هذا الحديث عبد الوارث بن سعيد، وغير واحد، عن أبي غالب، مثل رواية همام، واختلفوا في اسم أبي غالب هذا، فقال بعضهم: يقال: اسمه نافع، ويقال: رافع، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول أحمد، وإسحاق. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الإسناد صحيح، وأبو غالب وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وغيرهما، وقال في "التقريب": أبو غالب الباهليّ مولاهم الخيّاط البصريّ، اسمه نافعٌ، أو رافعٌ، ثقةٌ من الخامسة. انتهى. فقد تبيّن بهذا أن الحديث صحيح، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في محل وقوف الإمام من الميت في حال الصلاة عليه: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في موقف الإمام من الرجل والمرأة إذا صلى عليهما، فقالت طائفة: يقوم بحيال الصدر رجلًا كان، أو امرأةً، هكذا قال أصحاب الرأي. وقال الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز: إذا كان رجلًا فقم بحذاء وسطه، وإن كانت امرأة فقم بحذاء منكبها. وقال الثوريّ: يقوم مما يلي صدر الرجل. وكان أبو ثور يقول: يقوم وسط الجنازة. وكان الحسن البصريّ لا يبالي أين يقوم من الرجل والمرأة. وقد روينا عن النخعي ثلاث روايات: إحداها: أن يقوم من الرجل والمرأة وسطًا. والثانية: أن يقوم عند صدر الرجل، ومنكب المرأة. والثالثة: أن يقوم عند صدر الرجل والمرأة.

стр. 10782

وقالت طائفة: يقوم من المرأة وسطها، ومن الرجل عند صدره، هذا قول أحمد بن حنبل. قال ابن المنذر: يقوم من المرأة وسطها، وعند رأس الرجل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجّحه ابن المنذر ﵀ هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث أنس ﵁، كما تقدّم قريبًا، وهو مذهب الشافعيّ، وداود، وابن حزم -رحمهم الله تعالى-. قال العلّامة الشوكانيّ ﵀ بعد حكاية المذاهب: قد عرفت أن الأدلة دلّت على ما ذهب إليه الشافعيّ، وأن ما عداه لا مُستند له، من المرفوع، بل مجرّد التعويل على محض الرأي، أو ترجيح ما فعله الصحابيِّ على فعله ﷺ ، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. نعم لا ينتهض مجرّد الفعل دليلًا للوجوب، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أولى، ولا أحسن من الكيفيّة التي فعلها المصطفى ﷺ . انتهى (٢). وقال في "الروضة النديّة" (ص ١٦٧): أقول: الثابت عنه ﷺ أنه كان يقف مقابلًا لرأس الرجل، ولم يثبت عنه غير ذلك، وأما المرأة، فروي أنه كان يقوم مقابلًا لوسطها، وروي أنه كان يقوم مقابلًا لعجيزتها، ولا منافاة بين الروايتين، فالعجيزة يصدُق عليها أنها وسط، وإيثار ما ثبت عن رسول الله ﷺ عند أئمة الفنّ الذين هم المرجع لغيرهم واجب، ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من الصحابة، أو من غيرهم على قول رسول الله ﷺ ، وفِعلِهِ، وهذا مما لا ينبغي أن يخفى. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العلامة الشوكافيّ ﵀ حسن جدًّا. وحاصله أنه يقوم مقابل رأس الرجل، ومقابل وسط المرأة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10783

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (ح) وَحَدَّثَنى عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، كُلُّهُمْ عَن حُسَيْنٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أمّ كَعْبٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (عَليّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم قبل بابين. ٥ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، مولى بني قطيعة، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وعبيد الله وعبد الله ابني عمر، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وداود بن أبي هند، والحسين بن ذكوان المعلم. وروى عنه إسحاق ابن راهويه، وإبراهيم بن موسى الرازي، وأبو عمار الحسين بن حريث، ويوسف بن عيسى المروزيّ، ومعاذ بن أسد، والجارود بن معاذ الترمذيّ، وأبو إسحاق الطالقانيّ، وعلي بن حجر، وآخرون. قال ابن معين، وابن سعد: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال عليّ بن خَشْرَم: سألت وكيعًا عنه، فقال: أعرفه ثقةً، صاحب سنة، وقال الأنباريّ، عن أبي نعيم: هوأثبت من ابن المبارك، وقال أبو إسماعيل الترمذيّ: سمعت أبا نعيم ذكره، فقال: كان والله عاقلًا لبيبًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة خمس عشرة ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة، وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه السبخيّ: مات في ربيع

стр. 10784

الأول سنة اثنتين، وقال الحاكم: هو كبير السنّ عالي الإسناد، إمامٌ، من أئمة عصره في الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": كان ابن المبارك يقول: حدثني الثقة يعنيه، وقال البخاريّ: فضل بن موسى مروزيّ، أبو عبد الله ثقةٌ، وقال إبراهيم بن شماس: سألت وكيعًا عن السينانيّ، فقال: ثَبْت سمع الحديث معنا، لا نبالي سمعت الحديث منه، أو من ابن المبارك. وقال عبد الله بن عليّ ابن المدينيّ: سألت أبي عن حديث الفضل بن موسى، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : "من شَهَرَ سيفه فدمه هدر"، فقال: منكر ضعيفٌ. وقال عبد الله أيضًا: سألت أبي عن الفضل وأبي تُمَيلة، فقَدَّم أبا تميلة، وقال: روى الفضل مناكير. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٩٦٤) و (١٣٧٨) و (١٥٥٠) و (١٨٣٣) و (٢١٥٤) و (٢٤٥٢) و (٢٥١٦) و (٢٨٦٥). و"حُسين" هو: ابن ذكوان ذُكر قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ حُسَيْنٍ بِهَذَا الإسْنَادِ) يعني أن كلًّا من ابن المبارك، ويزيد بن هارون، والفضل بن موسى رووا هذا الحديث عن حسين بن ذكوان المعلّم، لكنهم لَمْ يَذْكُرُوا أُمَّ كَعْبِ، وإنما قالوا: "صلى على امرأة"، أو "صلّى على أم فلان". [تنبيه]: رواية ابن المبارك، والفضل بن موسى كلاهما عن حسين ساقها الترمذي ﵀ في "جامعه"، فقال: (١٠٣٥) - حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، والفضل بن موسى، عن حُسين المعلِّم، عن عبد الله بن بُريدة، عن سمرة بن جُنْدَب، أن النبيّ ﷺ صلى على امرأة، فقام وسطها، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ؛ وقد رواه شعبة، عن حسين المعلّم. انتهى. ورواية يزيد بن هارون، عن حسين، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (١٩٦٤٩) - حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حسين؛ يعني المعلِّم، عن

стр. 10785

عبد الله بن بُريدة، عن سمرة بن جندب، أن النبيّ ﷺ صلى على أم فلان، ماتت في نفاسها، فقام وسطها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قالَ: قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي، وَقَدْ صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الصَلَاةِ وَسَطَهَا، وَنر رِوَايَةِ ابْنِ الْمُثئى: قَالَ: حَذَثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ (١): فَقَامَ عَلَيْهَا لِلصَلَاةِ وَسَطَهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠. ٣ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَمَا يَمْنَعُني مِنَ الْقَوْلِ إِلا أَن هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنَّي) فيه أدب العالم، وهو أن يتأدّب مع من هو أكبر منه سنًّا، أو علمًا، فلا يُحدِّث بحضرته، بل يرشد الناس إليه حتى يستفيدوا منه، وفي المسألة اختلاف بين العلماء هل التحديث بحضرة من هو أولى مكروه أم لا؟ وقد استوفيت بحثه في "شرح ألفيّة الحديث"، فراجعه تستفد.

стр. 10786

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - (بَابُ رُكُوبِ الْمُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ إِذَا انْصَرَفَ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٨] (٩٦٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ أَبو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَل، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى، فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم قريبًا. ٤ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَل) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦. ٥ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها بعد (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨، وشرح الحديث يأتي في التالي، وأخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٣٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ،

стр. 10787

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنِ الدَّخدَاحِ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ، فَعَقَلَهُ رَجُلٌ، فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ، وَنَخنُ نَتَّبِعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ . قَالَ: "كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلّقٍ، أَوْ مُدَلًّى فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ"، أَوْ قَالَ شُعْبَةُ: "لِأَبِي الدَّحْدَاحِ"). رجال هذا الإسناد: ستة، والنصف الأول تقدّموا قريبًا، والثاني ذُكروا في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ) ويقال له: "أبو الدحداح" أيضًا، وهو بِدالين، وحاءين مهملات، قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: لا يُعرف اسمه، لكن قال الحافظ ﵀ في "الإصابة": إنه ثابت بن الدحداح، وأفاد أن الذي لا يُعْرَف اسمه هوأبو الدحداح الأنصاريّ،، حليف لهم، وأنه عاش إلى زمن معاوية. وقال في حرف الثاء: ثابت بن الدحداح بن نعيم بن غَنْم بن إياس، حليف الأنصار، وكان بَلَويًّا، حالف بني عمرو بن عوف، ويقال: ثابت بن الدحداحة، ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. وروى الطبرانيّ من طريق ابن إسحاق: حدّثني ابن يسار، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: "رأيت رسول الله ﷺ في جنازة ثابت بن الدحداح … " الحديث، وهو في "صحيح مسلم" من حديث جابر بن سمرة، لكنه لم يسمّه، قال: "صلينا على ابن الدحداح … "، وفي رواية: "على أبي الدحداح … ". وروى الباورديّ من طريق ابن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي عديّ، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن ثابت بن الدحداحة، سأل النبيّ ﷺ ، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]. وقال الواقديّ في "غزوة أحد": حدّثني عبد الله بن عمارة الخطميّ، قال: أقبل ثابت بن الدحداحة يوم أحد، فقال: يا معشر الأنصار، إن كان محمد قُتل، فإن الله حيّ لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فحَمَل بمن معه من المسلمين، فطعنه خالد، فأنفذه، فوقع ميتًا. قال الواقديّ: وبعض أصحابنا

стр. 10788

يقول: إنه جُرح، ثم برأ من جراحته، ومات بعد ذلك على فراشه، مرجع النبيّ ﷺ من الحديبية، فالله أعلم. انتهى. (ثُمَّ أُتِيَ) بالبناء للمفعول (بِفَرَسٍ عُرْي) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، قال الفيّوميّ ﵀: يقال: فرسٌ عُرْيٌ: لا سَرْجَ عليه، وُصِف بالمصدر، ثم جُعل اسمًا، وجُمِعَ، فقيل: خيلٌ أَعْراءٌ، مثلُ قُفْل وأَقفالٍ، قالوا: ولا يقال: فرسٌ عُريانٌ، كما لا يقال: رجلٌ عُرْيٌ. انتهى (١). وفي الرواية السابقة: " أُتِيَ النبيّ ﷺ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى"، وهو بضم الميم، وسكون العين، وفتح الراء، وهو بمعنى عُرْي، قال أهل اللغة: اعرَوْرَيتُ الفرسَ: إذا ركبته عُرْيًا، فهو مُعْرَوْرًى (٢)، قالوا: ولم يأت افعَوْلَى مُعَدًّى، إلا قولهم: اعرَوريت الفرسَ، واحْلَوْلَيت الشرابَ، قاله النوويّ (٣). (فَعَقَلَهُ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف اسمه. انتهى (٤). وقال النوويّ: معناه: أمسكه له، وحبسه، وفيه إباحة ذلك، وأنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه (٥). (فَرَكِبَهُ) ﷺ (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع النبي ﷺ (يَتَوَقَّصُ بِه)؛ أي: يتوثّب بذلك الفرس (وَنَحْنُ نَتَبِعُهُ) جملة حاليّة من الفاعل، وكذا قوله: (ئَسْعَى خَلْفَهُ)؛ أي: نُسْرع في المشي خلف النبيّ ﷺ . (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه سماك، ويدلّ على هذا رواية أحمد: ﵀ في "مسند" لهذا الحديث من طريق شعبة، وحجاج، وفي آخره: قال حجاج في حديثه: قال رجل معنا عند جابر بن سمرة في المجلس: قال رسول الله ﷺ : "كم من عذق مُدَلًّى لأبي الدحداح في الجنة". انتهى. فظاهر هذه الرواية أن القائل: "قال رجل معنا إلخ" هو سماك بن حرب، فتأمله، والله تعالى أعلم.

стр. 10789

(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) قال صاحب التنبيه: لا أعرف اسمه (١). (إِن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " كَمْ مِنْ عِذْقٍ) بكسر العين المهملة: هو الغصن من النخلة، وأما العَذْق بفتحها، فهو النخلة بكمالها، وليس مرادًا هنا، قاله النوويّ. وقيل: الظاهر أن المراد هنا النخلة، أو الحائط؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] واقتصار النبيّ ﷺ على الواحدة لبيان أنها تكفي في الرغبة في الخير، والله تعالى أعلم. وقال القاضي عياض ﵀ في "المشارق": قيل: إنما يقال للنخلة: عَذْق إذا كانت بحملها، وللعرجون عذق إذا كان تامًّا بشماريخه وتمره (٢). و"الشماريخ": جمع شِمراخ وهو ما يكون عليه الرطب (٣). (مُعَلَّقٍ، أَوْ) للشكّ من الراوي (مُدَلًّى) هو بمعنى مُعَلَّق (فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ شُعْبَةُ: "لِأَبِي الدَّحْدَاحِ") تقدّم أنه يقال له: ابن الدحداح، وأبو الدحداح أيضًا. [تنبيه]: ذكر القاضي عياض، والنوويّ، والقرطبيّ تبعًا لابن عبد البرّ سببًا لقصّة أبي الدحداح هذه، فقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ في "الاستيعاب": ورَوَى عُقَيل، عن ابن شهاب، أن يتيمًا خاصم أبا لبابة في نخلة، فقضى بها رسول الله ﷺ لأبي لبابة، فبكى الغلام، فقال رسول الله ﷺ لأبي لبابة: "أعطه نخلتك"، فقال: لا، فقال: "أعطه إياها، ولك بها عِذقٌ في الجنة"، فقال: لا، فسمع بذلك أبو الدحداح، فقال لأبي لبابة: أتبيع عذقك ذلك بحديقتي هذه؟ قال: نعم، فجاء أبو الدحداحة رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله النخلة التي سألت لليتيم إن أعطيته إياها ألي بها عذق في الجنة؟ قال: "نعم"، ثم قُتِل أبو الدحداحة شهيدًا يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ : "رُبّ عذق مُذلَّل لأبي الدحداحة في الجنة"، ولما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١] كان أبو الدحداح نازلًا في حائط له هو وأهله، فجاء إلى امرأته،

стр. 10790

فقال: اخرجي يا أم الدحداح فقد أقرضته الله ، فتصدق بحائطه على الفقراء والمساكين (١). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورد القصّة ابن عبد البرّ في "الاستيعاب"، معلّقة وموقوفة على ابن شهاب، ولم يذكر إسنادها، ويحتاج إلى النظر في إسنادها، وأولى ما يُعتمد عليه في هذه القصّة هو ما أخرجه الإمام أحمد، وابن حبّان، والحاكم، وغيرهم بغير هذا السياق. فقال الإمام أحمد ﵀ في "مسنده": (١٢٠٧٣) - حدّثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة، وأنا أقيم حائطي بها، فأمُره أن يعطيني، حتى أقيم حائطي بها، فقال له النبيّ ﷺ : "أعطها إياه بنخلة في الجنة"، فأبى (٢)، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففعل، فأتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني قد ابتعت النخلة بحائطي، قال: فاجعلها له، فقد أعطيتكها، فقال رسول الله ﷺ : "كم من عذق رَداح (٣)، لأبي الدحداح، في الجنة"، قالها مرارًا، قال: فأتى امرأته، فقال: يا أم الدحداح، اخرجي من الحائط، فإني قد بعته، بنخلة في الجنة، فقالت: ربح البيع، أو كلمة تشبهها (٤). انتهى. وقال ابن حبان ﵀ في "صحيحه" (١٦/ ١١٣): (٧١٥٩) - أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفيّ، حدّثنا أبو نصر التمار، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: أتى رجل النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن لفلان نخلةً، وأنا أقيم حائطي بها، فمره يعطيني، أقيم بها حائطي، فقال رسول الله ﷺ : "أعطه إياها بنخلة في

стр. 10791

الجنة"، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعني نخلتك بحائطي، ففَعَلَ، فأتى أبو الدحداح النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي، وقد أعطيتكها، فاجعلها له، فقال رسول الله ﷺ : "كم من عذق دَوّاح (١) لأبي الدحداح في الجنة"، مرارًا، فأتى أبو الدحداح امرأته، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فقد بعته بنخلة في الجنة، فقالت: ربح السعر. انتهى (٢). فهذا أولى مما أورده ابن عبد البرّ، وتبعه شرّاح "صحيح مسلم" كما أسلفته؛ لأن هذا متّصلٌ صحيح الإسناد، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٢٣٨ و ٢٢٣٩] (٩٦٥)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٨)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠١٤)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٩٠ و ٩٥ و ١٥٢) وابنه في "زوائده" (٥/ ٩٨ و ٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٦ - ٤٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٥٧ و ٧١٥٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٦٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٢ - ٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الركوب عند الانصراف من صلاة الجنازة، قال النوويّ ﵀: فيه إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة، وإنما يكره الركوب في الذهاب معها. انتهى.

стр. 10792

وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكم الركوب مع الجنازة في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): جواز ركوب الفَرَس الْعُرْيِ. ٣ - (ومنها): جواز مشي الجماعة مع كبيرهم، وهو راكب، وأنه لا كراهة فيه في حقّه، ولا في حقهم؛ إذا لم يكن فيه مفسدة، وإنما يكره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للتابعين، أو خيف إعجاب ونحوه في حقّ المتبوع، أو نحو ذلك من المفاسد. ٤ - (ومنها): أن في قوله في رواية مسلم: "فعقله له رجل، فركبه"- أي أمسكه له، وحبسه- إباحةَ ذلك، وأنه لا بأس بخدمة التابع متبوعه برضاه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سير الراكب مع الجنازة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختُلِف في هذا الباب، فروينا عن ابن عمر بأنه كان على بَغْل راكبًا أمام الجنازة، وكان علقمة، والنخعيّ يكرهان أن يتقدّم الراكب أمام الجنازة، وقال أحمد، وإسحاق: الراكب خلف الجنازة. وكرهت طائفة الركوب في الجنازة، روينا عن ابن عباس بأنه قال: الراكب مع الجنازة كالجالس في أهله. ورُوي عن ثوبان أنه قال لرجل راكب في جنازة: تركب، وعبادُ الله يمشون، وأخذ بلجام دابّته، فجعل يَكْبَحُها (١). وروي عن الشعبيّ أنه قال كقول ابن عباس. وقد روينا عن ابن عباس رواية أخرى أنه رئي راكبًا في جنازة. وقال عبد الله بن رباح الأنصاريّ: للماشي في الجنازة قيراطان، وللراكب قيراط. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي في هذه المسألة القول الأول، وحاصله أنه يجوز الركوب لمن يتبع الجنازة، وأن الأولى أن يكون خلفها، لما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن عن المغيرة بن شعبة ﵁

стр. 10793

أن النبيّ ﷺ قال: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلى عليه". قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المشي مع الجنازة: قال الإمام ابن المنذر ﵀: قد اختلفوا في المشي أمام الجنازة، وخلفها، فيمن كان يرى المشي أمام الجنازة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن بن عليّ، وابن الزبير، وأبو أُسَيد الساعديّ، وأبو قتادة، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقد كنّا مع أصحاب رسول الله ﷺ نمشي بين يدي الجنازة، ولا يرون بذلك بأسًا. وهو قول عُبيد بن عُمير، وشُريح، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، واحتَجَّ بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش (١). وقال أصحاب الرأي: لا بأس بالمشي قدّامها، والمشيُ خلفها أحبّ إلينا. وقال إسحاق ابن راهويه: يتأخر أحبّ إلينا، وقد روينا عن عليّ أنه مشى خلفها. وسئل الأوزاعيّ عن المشي أمام الجنازة؟ فقال: هو سعة، والأفضل عندنا خلفها. وقالت طائفة: إنما أنتم مُتَّبِعُون، تكونون بين يديها، وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها، هذا قول مالك بن أنس، وبه قال معاوية بن قرّة، وسعيد بن جبير. وقال إسحاق في موضع آخر: لا بأس أن يمشي الرجل أمام الجنازة، وخلفها قريبًا. قال ابن المنذر ﵀: المشي أمام الجنازة، وخلفها، وعن

стр. 10794

شمالها (١) جائز، والمشي أمامها أحبّ إليّ، لحديث ابن عمر ﵄ أنه رأى رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة (٢)، ولأن عليه الأكثرَ من أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم. فليُكثِر من تبع الجنازة، حيث مشى منها ذكرَ الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعدّوا للموت، ولمَا بعده، سَهَّل الله لنا حسن الاستعداد، واللقاء به انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (٣). وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ بعد أن ذكر الاختلاف بين العلماء في هذه المسألة ما نصّه: قال أبو عمر: المشي أمام الجنازة أكثر عن العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، وهو مذهب الحجازيين، وهو الأفضل -إن شاء الله- ولا بأس عندي بالمشي خلفها، وحيث شاء الماشي منها؛ لأن الله لم يَحظُر ذلك، ولا رسوله ﷺ ، ولا أعلمُ أحدًا من العلماء كَرِهَ ذلك، ولا ذكر أن مشي الماشي خلف الجنازة يُحبط أجره فيها، ويكون كمن لم يشهدها، وقد قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة، حتى يصلي، فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن كان له قيراطان"، ولم يخصّ الماشي خلفها من الماشي أمامها. انتهى كلام ابن عبد البر ﵀ (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمامان الحافظان: أبو بكر بن المنذر، وأبو عمر بن عبد البرّ -رحمهما الله تعالى- في هذه المسألة هو الحقّ عندي. وحاصله أن المشي أمام الجنازة، أفضل، لحديث ابن عمر ﵄، وهو

стр. 10795

حديث صحيح، كما حقّقته في "شرح النسائيّ" (١). ولأنه عَمَلُ أكثر الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم، هذا من حيث الأفضليةُ، وإلا فالمشي حيث تيسر: أمامها، وخلفها، ويمينها، وشمالها جائز؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ الذي تقدّم آنفًا، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٨) - (بَاب فِي اللَّحْدِ، وَنَصْبِ اللَّبِنِ عَلَى الْمَيْتِ، وَوَضْعِ الْقَطِيفَةِ فِي الْقَبْرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٠] (٩٦٦) - (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمِسْوَرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْىي بْنُ يَحْىي) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمِسْوَرِيُّ) هو: عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة، أبو محمد الْمَخْرَميّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٠) (خت م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٢/ ١٣١٨. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٤) (خ م دت س) تقدم في "الإيمان" ٧٢/ ٣٨٨. ٤ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.

стр. 10796

٥ - (سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ) هو: سعد بن مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، أحد العشرة، مات ﵁ سنة (٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف: ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشّرين بالجنة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله ﵁، وهو آخر من مات من العشرة، مات بالعقيق ﵁ سنة (٥٥) على المشهور، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ﵁، وفي رواية النسائيّ: "أن سعدًا لَمّا حضرته الوفاة" (قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ)؛ أي: مات بسببه (الْحَدُوا لِي لَحْدًا) قال النوويّ ﵀: بوصل الهمزة، وفتح الحاء، ويجوز بقطع الهمزة، وكسر الحاء، يقال: لَحَدَ يَلْحَدُ، كذَهَب يَذْهَبُ، وأَلْحَدَ يُلحِد: إذا حَفَر اللحدَ، واللَّحْدُ، بفتح اللام، وضمها معروف، وهو الشقّ تحت الجانب القبليّ من القبر، وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، والأكثرين في أن الدفن في اللحد أفضل من الشقّ؛ إذا أمكن، وأجمعوا على جواز اللحد، والشقّ. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: اللحد: هو أن يُشَقّ في الأرض، ثم يُحْفَر قبر آخر في جانب الشقّ، من جهة القبلة، يُدخل فيه الميت، ويُسدّ عليه باللبن، وهو أفضل عندنا من الشقّ، وكلّ واحد منهما جائز، غير أن الذي اختار الله لنبيّه ﷺ هو اللحد، وذلك أنه لما أراد الصحابة أن يَحفِروا للنبيّ ﷺ ، اشتوروا في

стр. 10797

ذلك، وكان في المدينة رجلان، أحدهما يُلحِد، والآخر لا يَلْحِد، فقالت الصحابة: اللهم اختر لنبيّك ﷺ ، فجاء الذي يلحد أوّلًا، فلَحَدوا (١)، واشتوارهم في ذلك، واتّفاقهم يدلّ على أنه لم يكن عندهم في أفضليّة أحدهما من النبي ﷺ تعيينٌ، ولذلك رجعوا إلى الدعاء في تعيين الأفضل. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قصّة اللحد للنبيّ ﷺ أخرجها ابن ماجه في "سننه"، فقال: (١٥٥٧) - حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا مبارك بن فَضَالة، حدّثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لَمّا تُوُفّي النبيّ ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد، وآخر يَضْرَح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبيّ ﷺ ، وهذا إسناد حسن، ومبارك بن فضالة حسن الحديث إلا أنه يدلّس، وهنا صرّح بالتحديث. وأخرج أيضًا من طريق آخر ضعيف أن الذي كان يضرح هوأبو عبيدة بن الجزاح، والذي كان يلحد هوأبو طلحة الأنصاري. (وَانْصِبُوا) بوصل الهمزة؛ لأنه من نَصَب، ثلاثيًّا، يقال: نَصَبتُ الخشبةَ، نَصْبًا، من باب ضرب: أقمتها، ونصبت الحجرَ: رفعتُهُ علامة، قاله في "المصباح". (عَلَى اللَّبِنَ) بفتح اللام، وكسر الموحّدة: ما يُعمل من الطين، ويُبنَى به، الواحدة لَبِنَةٌ، ويجوز التخفيف، فيصير مثلَ حِمْلٍ، قاله في "المصباح" (٣)، وقال في "القاموس": اللَّبِن، ككَتِفٍ: المضروب من الطين مربَّعًا للبناء، ويقال فيه بالكسر، وبكسرتين، كإِبِلٍ لغةٌ، ولَبَّنَ تَلْبينًا: اتّخذه. انتهى (٤).

стр. 10798

وقوله: (نَصْبًا) منصوب على المصدريّة، زاد في رواية أبي نعيم في "مستخرجه": "واحثُوا على التراب حَثْوًا" (كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ) قال النوويّ ﵀: فيه استحباب اللحد، ونصب اللبِن، وأنه فُعِل ذلك برسول الله ﷺ باتفاق الصحابة ﵃، وقد نَقَلوا أن عدد لبناته ﷺ تسع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسالة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٢٢٤٠] (٩٦٦)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٠)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٩ و ١٧٣ و ١٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٠٧) و"المعرفة" (٣/ ١٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تفضيل اللحد على الشقّ، مع بيان جواز الأمرين. ٢ - (ومنها): استحباب نصب اللبن في اللحد. ٣ - (ومنها): أن رسول الله ﷺ دُفن في اللحد، ونُصِبت عليه اللبنات، وذلك باتفاق الصحابة ﵃، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وقد نقلوا أن عدد لبناته ﷺ تسع. انتهى (١). ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الحرص على اتباع آثار رسول الله ﷺ حيًّا وميتًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 10799

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤١] (٩٦٧) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْن يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا غُنْدَرٌ، وَوَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنْ شعْبَةَ (ح) وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثنَا يَحْيى بْن سَعِيدٍ، حَدَّثنا شعْبَةُ، حَدَّثنا أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جُعِلَ في قَبْرِ رَسُولِ اللهِ على قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ. قَالَ مُسْلِم: أَبُو جَمْرَةَ اسْمُة نَصْرُ بْن عِمْرَانَ، وَأَبُو التَّيَّاحِ، وَاسْمَهْ يَزِيدُ بْن حُمَيْدٍ، مَاتَا بِسَرَخْسَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَحْيى بْن سَعِيدٍ) القطّان تقدّم قريبًا. ٨ - (أَبُو جَمْرَةَ) نصر بن عِمران بن عِصَام الضُّبَعيّ البصريّ، نزيل خُرَاسان، ثقةٌ ثبت مشهور بكنيته [٣] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٩ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ﵄ تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. والباقون تقّدموا في الباب، والباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه ابن المثنّى فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير يحيى، فنيسابوري، وأبي بكر ووكيع، فكوفيّان. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث. ٥ - (ومنها): أنه ليس في الرواة من يُكنى أبا جمرة بالجيم والراء غير أبي جمرة هذا، ومن عداه كلهم فأبو حمزة بالحاء والزاي. ٦ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵁ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.

стр. 10800

شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي رواية النسائيّ: "جُعل تحت رسول الله ﷺ حين دُفن" (قَطِيفَة حَمْرَاءُ) "القطيفة": كِسَاء له خَمْلٌ، جمعه قَطائف، وقُطُف بضمتين. و"الخَمْل" وزان فَلْس: الْهُدْب. قال النوويّ ﵀: هذه القطيفة ألقاها شُقْران، مولى رسول الله ﷺ ، وقال: كَرِهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله ﷺ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تضعيف هذه القصّة، إن شاء الله تعالى. وقال السيوطيّ ﵀: زاد ابن سعد في "طبقاته": قال وكيع: هذا للنبيّ ﷺ خاصّة، وله عن الحسن أن رسول الله ﷺ بُسط تحته شمل قطيفة حمراء، كان يلبسها، قال: وكانت أرض نديّة، وله طريق آخر عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "افرشوا لي قطيفتي في لحدي، فإن الأرض لم تُسلّط على أجساد الأنبياء". انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى: هذان الأثران ضعيفان؛ لأنهما من مراسيل الحسن البصري، وهي ضعاف عند الجمهور، وكذا قول وكيع: إنها خاصة للنبي ﷺ مما لا دليل عليه، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى-. (قَالَ مُسْلِم) بن الحجاج، صاحب الكتاب ﵀ (أَبُو جَمْرَةَ اسْمُهُ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، وَأَبُو التَّيَّاحِ، وَاسْمَهْ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، مَاتَا بِسَرَخْسَ) قال النوويّ ﵀: هوأبو جمرة بالجيم، و"الضُّبَعيّ" بضم الضاد المعجمة، وفتح الباء الموحّدة، وأما سَرَخْس، فمدينة معروفة بخُرَاسان، وهي بفتح السين، والراء، وإسكان الخاء المعجمة، ويقال أيضًا: بإسكان الراء، وفتح الخاء، والأول أشهر. وإنما ذكر مسلم ﵀ أبا جمرة، وأبا التيّاح جميعًا، مع أن أبا جمرة مذكور في الإسناد، ولا ذكر لأبي التياح هنا؛ لاشتراكهما في أشياء، قَلّ أن

стр. 10801

يشترك فيها اثنان من العلماء؛ لأنهما جميعًا ضُبَعيّان، بصريّان، تابعيّان، ثقتان، ماتا بسرخس في سنة واحدة، سنة (١٢٨). وذكر ابن عبد البرّ، وابن منده، وأبو نُعيم الأصبهانيّ عمران والد أبي جمرة في كتبهم في معرفة الصحابة، قالوا: واختَلَف العلماء، هل هو صحابيّ، أم تابعيّ؟ وكان قاضيًا على البصرة، رَوَى عنه ابنه أبو جمرة وغيره. قال الحاكم أبو أحمد في كتابه في الكنى: ليس في الرواة من يُكنى أبا جمرة بالجيم غير أبي جمرة هذا. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). [تنبيه]: قال النسائيّ ﵀ في "السنن الكبرى" بعد إخراجه حديث الباب ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: وأبو حمزة عمران بن أبي عطاء ليس بالقويّ، وأبو جمرة (٢)، نصر بن عمران، بصريّ، ثقةٌ، وكلاهما يرويان عن ابن عباس. انتهى (٣). ونحو ما قاله النسائيّ قول الترمذيّ في "جامعه": وقد رَوَى شعبة عن أبي حمزة القصّاب، واسمه عمران بن أبي عطاء، وروى عن أبي جمرة الضُّبَعيّ، واسمه نصر بن عمران، وكلاهما من أصحاب ابن عباس. انتهى (٤). وقد ذكر بعضهم أن شعبة يروي عن سبعة، كلهم يكنى أبا حمزة، إلا واحدًا، وهو أبو جمرة، نصر بن عمران هذا، وكلهم يروون عن ابن عباس ﵄، وإلى ذلك أشار الحافظ السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث"، حيث قال: وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا … وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10802

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٢٢٤١] (٩٦٧)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٤٨)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨١)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٧٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٣٦)، و (أحمد) في "مسنده " (١/ ٢٢٨ و ٣٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٦٣١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم وضع الثوب في اللحد: قال النوويّ ﵀: وقد نصّ الشافعيّ، وجميع أصحابنا، وغيرهم، من العلماء على كراهة وضع قَطِيفة، أو مُضَرَّبَة، أو مِخَدّة، ونحو ذلك تحت الميت في القبر، وشذّ عنهم البغويّ من أصحابنا، فقال في كتابه "التهذيب": لا بأس بذلك؛ لهذا الحديث، والصواب كراهته، كما قال الجمهور. وأجابوا عن هذا الحديث بأن شُقران انفرد بفعل ذلك، لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، وإنما فعله شقران؛ لما ذكرناه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبيّ ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ كان يلبسها، ويفترشها، فلم تطب نفس شقران أن يبتذلها أحد بعد النبيّ ﷺ ، وخالفه غيره، فروى البيهقيّ عن ابن عباس بأنه كره أن يُجعل تحت الميت ثوب في قبره. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام النوويّ ﵀ هذا نظر من وجوه: (الأول): أن قوله: لم يوافقه غيره من الصحابة، ولا علموا ذلك، غير صحيح، فمَن الذي خالفه من الصحابة؟، وهذا ابن عباس يعلم بذلك، وحدّث به، ولم يثبت عنه الإنكار، وأما ما رُوي عنه من الكراهة، فسيأتي الجواب عنه قريبًا.

стр. 10803

(الثاني): قوله: وإنما فعله شُقران كراهة أن يلبسها أحد بعده باب إلخ، غير صحيح أيضًا، فقد أخرجه البيهقيّ (٣/ ٤٠٨) بسنده عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "وقد كان شقران حين وضع رسول الله ﷺ في حفرته، أخذ قطيفة قد كان رسول الله- ﷺ يلبسها، ويفرشها، فدفنها معه في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول الله ﷺ ". فهذا سند ضعيف؛ لأن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشميّ الراوي عن عكرمة اتفقوا على ضعفه، ولذا قال البيهقيّ: ففي هذه الرواية إن كانت ثابتة إلخ. والصحيح عن شقران ما أخرجه الترمذيّ بسند صحيح، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت شُقران، مولى رسول الله ﷺ يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله ﷺ في القبر. فلم يذكر ما ذكره النوويّ، بل أثبت وضعه لها تحته ﷺ ". وروى ابن أبي شيبة من طريق حفص، عن جعفر، عن أبيه، قال: "ألحد لرسول الله، وأَلْقَى شُقْران في قبره قطيفة، كان يركب بها في حياته"، وهذا مرسل صحيح، وأيضًا لماذا يخصّ شقران القطيفة، ويكره أن يلبسها أحد بعده، ويترك سائر ما كان يستعمله النبيّ، من قميص، وعمامة، وفراش؟ فلماذا لم يدفن جميع ذلك معه؟ هذا شيء عجيب. ومنها: ما ذكره عن ابن عباس ﵄ أنه كره ذلك، وهذا غير صحيح أيضًا؛ لأنه ليس له إسناد، فقد ذكره الترمذيّ (١/ ١٩٥) تعليقًا بلا إسناد، وكذا البيهقيّ الذي نقل النوويّ عنه هذا الكلام، ذكره في "سننه" (٣/ ٤٠٨) بلفظ: "وقد رُوي عن يزيد بن الأصمّ، عن أبن عباس أنه كَرِه أن يجعل تحت الميت ثوبًا في القبر". انتهى. فهذا غاية ما خالف فيه ابن عباس شُقران على زعم النوويّ، فكيف يُعارَض بمثل هذا ما صحّ في "صحيح مسلم" وغيره عنه أنه أثبت ذلك؟. ومن الغريب جعل قول البغويّ من الشافعية شاذًّا مع أن الدليل الصحيح، معه، إن هذا لشيء عجيب!!!. وبالجملة فدعوى عدم علم الصحابة بذلك عجيب!، فكيف لا يعلمون

стр. 10804

ذلك، وقد تَوَلَّى جماعة دفنه ﷺ ، ولم ينفرد شقران بدفنه، حتى يخفى على الآخرين وضع القطيفة تحته ﷺ ؟. ومن الغريب أيضًا ما رجحه العراقيّ في "ألفية السيرة"، من أن تلك القطيفة أُخرجت بعدما فُرشت، حيث قال فيها: وَفُرِشَتْ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةُ … وَقِيلَ أُخْرِجَتْ وَهَذَا أَثْبَتُ وهذا قاله تبعًا لابن عبد البرّ، فإنه رجح ذلك، وهذا لا يثبت، فإنه رواه الواقديّ، عن عليّ بن حسين- كما ذكره الحافظ في "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٦٣) - وهذا مرسل، والكلام في الواقديّ شهير، فكيف يُرَجَّح ما هذا حاله على ما ثبت في "صحيح مسلم"، وغيره؟ هذا من الغرابة بمكان. والحاصل أن الصواب جواز وضع الثوب تحت الميت. وقد ذهب إلى هذا القول الإمام أبو محمد بن حزم ﵀، ودونك عبارته: "مسألة: ولا بأس بأن يُبسط في القبر تحت الميت ثوب "؛ لما رَوَينا من طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا يحيى بن سعيد القطان، نا شعبة، نا أبو جمرة، عن ابن عبّاس، قال: "بُسلط في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء"، ورواه أيضًا كذلك وكيع، ومحمد بن جعفر، ويزيد بن زُريع، كلهم عن شعبة بإسناده. قال: وهذا من جملة ما يُكساه الميت في كفنه، وقد ترك الله تعالى هذا العمل في دفن رسوله ﷺ المعصوم من الناس، ولم يمنع منه، وفعله خِيرة أهل الأرض في ذلك الوقت، بإجماع منهم، لم يُنكره أحد منهم، ولم يرد ذلك المالكيون، وهم يدّعون في أقلّ من هذا عمل أهل المدينة، وقد تركوا عملهم هنا، وفي الصلاة على الميت في المسجد. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10805

(٢٩) - (بَابُ الأَمْرِ بِتَسْوِيةِ الْقَبْرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٢] (٩٦٨) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيَلِي، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الطَّاهِرِ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِي حَدَّثَهُ، وَفي رِوَايَةِ هَارُونَ، أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَع حَدَّثَهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ، فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بِتَسْوِيتِهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو عَلِيٍّ الْهَمْدَانيَّ) - بإسكان الميم، وبالدال المهملة- هو ثُمامة بن شُفيّ- بمعجمة، وفاء، مصغرًا الأحروجيّ، ويقال: الأصبحيّ المصريّ، سكن الإسكندريّة، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن فَضَالة بن عُبيد، وعقبة بن عامر، وأبي رَيْحانة الأزديّ، وعبد الله بن زرير الغافقيّ، وقبيصة بن ذُويب. وروى عنه عمرو بن الحارث، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلميِّ، وعبد العزيز بن أبي الصعبة، وبكر بن عمرو، ويزيد بن أبي حبيب، وابن إسحاق، وآخرون. قال النسائي: ثقةٌ، وقال ابن يونس: تُوُفّي في خلافة هشام بن عبد الملك قبل العشرين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٩٦٨) و (١٩١٧) و (١٩١٨). ٢ - (فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ) بن نافذ بن قيس بن صُهَيبة، ويقال: صُهيب بن الأصرم بن جَحْجَبا بن كُلْفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس،

стр. 10806

أبو محمد الأنصاريّ، شَهِدَ أحدًا وما بعدها، وولاه معاوية الغزو، وقضاء دمشق، واستخلفه على دمشق لَمّا غاب عنها. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عُمر، وأبي الدرداء، وجماعة. وروى عنه أبو عليّ ثُمامة بن شُفيّ، وحَنَش بن عبد الله الصنعانيّ، وعبد الرحمن بن مُحيريز، وعبد الله بن عامر اليحصبيّ، وسلمان بن سُمير، وعبد الله بن مُحيريز، وعليّ بن رَبَاح، وأبو عليّ عمرو بن مالك الْجَنْبيّ، وميسرة مولاه، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ، وأبو يزيد الْخَوْلانيّ، وآخرون. قال خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه: كان أبو الدرداء على القضاء بدمشق، فلما حضرته الوفاة قال له معاوية: من ترى لهذا الأمر؟ قال: فَضَالة بن عُبيد، فلما مات أرسل إلى فضالة فولاه، وقال أبو الحسن المداينيّ، وغير واحد: مات سنة ثلاث وخمسين، وقيل: مات سنة سبع وستين، والأول الصحيح. وقال ابن حبان في "الصحابة": سكن مصر والشام، ومات في ولاية معاوية، وكان معاوية ممن حَمَلَ سريره، وقال أبو يونس: شَهِد فتح مصر، وولي بها البحر، والقضاء لمعاوية. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٩٦٨) و (١٥٩١) وكرّره أربع مرّات. والباقون تقدّموا قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه وثمامة، فما أخرج لهم البخاريّ والترمذيّ، وغير الصحابيّ، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح". ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٥ - (ومنها): أن قوله: (فِي رِوَايَةِ أَبِي الطَّاهِرِ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيَّ

стр. 10807

حَدَّثَهُ، وَفِي رِوَايَةِ هَارُونَ، أَن ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيٍّ حَدَّثَهُ، قَالَ) فيه بيان اختلاف شيخيه؛ أي: الطاهر، وهارون، على شيخهما ابن وهب، في الأداء عنه، فوقع في رواية شيخه أبي الطاهر: قوله: "أن أبا عليّ الهمداني حدّثه "؛ أي: حدّث عمرو بن الحارث، ووقع في رواية هارون: قوله: "أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَيِّ حَدَّثَهُ"، فثمامة اسم أبي عليّ الذي في رواية أبي الطاهر، فأبو عليّ كنيته، وثمامة اسمه، والضمير المنصوب في "حدّثه" في الروايتين لعمرو بن الحارث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن ثُمامة بن شُفيّ ﵀ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة (ابْنِ عُبَيْدٍ) بالتصغير (بِأَرْضِ الرُّومِ) بضم الراء، قال في "القاموس": الرُّوم بالضمّ جِيلٌ من ولد الرُّوم بن عِيصو. انتهى (١). وقوله: (بِرُودِسَ) قال النوويّ ﵀: هو براء مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم دال مهملة مكسورة، ثم سين مهملة، هكذا ضبطناه في "صحيح مسلم"، وكذا نقله القاضي عياض في "المشارق" عن الأكثرين، ونقل عن بعضهم بفتح الراء، وعن بعضهم بفتح الدال، وعن بعضهم بالشين المعجمة، وفي رواية أبي داود في "السنن" بذال معجمة، وسين مهملة، وقال: هي جزيرة بأرض الروم. انتهى. وقال في "المنهل": هي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط -بحر الروم- مقابل الإسكندرية على ليلة منها، فتحت سنة (٥٣) من الهجرة، في عهد معاوية ﵁، وقام بها جماعة من المسلمين، كانوا أشدّاء على الكفّار، يعترضونهم في البحر، ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يُدرّ عليهم الأرزاق والعطايا، ولما تولى ابنه يزيد أخرجهم منها، ولم تزل تتقلّب عليها الأيدي حتى استولى عليها السلطان سليم الثاني سنة (٩٢٢) هجرية، وهي الآن تابعة لإيطاليا. انتهى (٢).

стр. 10808

(فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا (قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (١). (فَأمَرَ فَضَالَة بْن كبَيْدٍ) ﵁ (بِقَبْرِهِ)؛ أي: بتسوية قبره (فَسُوِّيَ)؛ أي: جُعل مساويًا للأرض، لا مرتفعًا عليها (ثُمَّ قَالَ) فَضَالة ﵁ ذاكرًا لهم دليله على أمره بالتسوية (سَمِعْت رَسولَ اللهِ ﷺ يَأَمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا)؛ أي: جَعْلها مستوية بالأرض، أو المراد عدم جعلها مسنّمةً بل تُجعل مسطّحةً، وإن ارتفعت عن الأرض بقليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث فَضَالة بن عُبيد ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٢٤٢] (٩٦٨)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٢١٩)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٨) وفي "الكبرى" (١/ ٦٥٣)، و (أحمد) في "مسنده " (٦/ ١٨ و ٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): دل حديث فضالة بن عُبيد ﵁ هذا على أن المشروع تسوية القبر، لا تسنيمه، وفيه خلاف بين أهل العلم: قال في "الفتح" عند شرح ما أخرجه البخاريّ من طريق أبي بكر بن عياش، عن سفيان التمار أنه حدثه: "أنه رأى قبر النبيّ ﷺ مسنّمًا" ما نصّه: قوله: "مسنّمًا"؛ أي: مرتفعًا، زاد أبو نعيم في "المستخرج": "وقبر أبي بكر، وعمر كذلك". واستدلّ به على أن المستحبّ تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزنيّ، وكثير من الشافعيّة، وادَّعَى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه.

стр. 10809

وتعقّب بأن جماعة من قدماء الشافعيّة استحبّوا التسطيح، كما نصّ عليه الشافعيّ، وبه جزم الماورديّ، وآخرون. وقول سفيان التمّار لا حجة فيه، كما قال البيهقيّ؛ لاحتمال أن قبر النبيّ ﷺ لم يكن في الأول مسنّمًا، فقد روى أبو داود، والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال: "دخلتُ على عائشة ﵂، فقلت: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ ، وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصَة (١) الحمراء"، زاد الحاكم: "فرأيت رسول الله ﷺ مقدّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبيّ ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبيّ ﷺ ". وهذا كان في خلافة معاوية ﵁ فكأنها كانت في الأول مسطّحة، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَلِ الوليد بن عبد الملك صيّروها مرتفعة. وقد روى أبو بكر الآجريّ في "كتاب صفة قبر النبيّ ﷺ " من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند، عن غُنيم بن بسطام المدينيّ، قال: رأيت قبر النبيّ ﷺ في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا، نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه. ثم الاختلاف في ذلك في أيّهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجّح المزنيّ التسنيم من حيث المعنى بأن السطيح يشبه ما يُصنع للجلوس، بخلاف المسنّم، ورجحه ابن قُدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو من شعار أهل البدع، فكان التسنيم أولى. ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فَضَالة بن عُبيد أنه أمر بقبر فَسُوِّيَ، ثم قال: "سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها". انتهى ما في "الفتح" (٢).

стр. 10810

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أن التسطيح هو المتعيّن؛ لحديث فضالة ﵁ المذكور في الباب، وأما ما حكاه سفيان التمّار، فلا حجة فيه؛ لما تقدم في كلام البيهقيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٣] (٩٦٩) - (حَدثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَّا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أَنْ لَا تَدَع تِمْثَالًا إِلا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، أو هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيةٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١. ٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم جليلٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٥ - (أَبُو الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيُّ) حيّان بن حُصين الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عليّ، وعمار، وعنه ابناه: جرير ومنصور، وأبو وائل، والشعبيّ. قال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البر: كان كاتب عمار ﵁، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا

стр. 10811

الحديث فقط، وله ذكر بلا رواية عند الترمذيّ (١). ٦ - (عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة غير شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والآخران ما أخرج لهما الترمذيّ، وغير أبي الهيّاج، فتفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ بهذا الحديث فقط. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وزهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ) بفتح الهاء، وتشديد الياء المثناة من تحت، وآخره جيم، قال السيوطيّ رحمه الله تعالى: ليس له في الكتب إلا هذا الحديث. انتهى (٢). واسمه حيّان بن حصين (الْأَسَدِيِّ) بفتحتين أنه (قَالَ: قَالَ في عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (أَلَّا) يَحْتَمِل أن تكون "ألا" بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، وتشديدها، وهي أداة تحضيض، ومعناه طلب الشيء بحثّ، وهي تختصّ بالجملة الفعليّة، كما هنا، وكما قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢] وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٣]. (أَبْعَثُكَ)؛ أي: أرسلك (عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ )؛ أي: إلى

стр. 10812

مثل الذي أرسلني إليه ﷺ ، وإنما عبّر بـ "على"؛ لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير؛ أي: أجعلك أميرًا على ذلك، كما أمّرني عليه رسول الله ﷺ (١). وقوله: (أَنْ لَا تَدَعَ) يَحْتَمل أن تكون الجملة بيانًا لما بَعَث به النبيّ ﷺ عليًا ﵁، و"أن" مصدرية، و"لا" نافية، فيكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: هو عدم تركك إلخ، ويَحْتَمِل أن تكون "أن" تفسيرية، و"لا" ناهية، والفعل مجزوم بها؛ أي: لا تترك … إلخ. (تِمْثَالًا) بكسر التاء: هي الصورة المصوّرة، يقال: في ثوبه تماثيل؛ أي: صورة حيوانات مصوَّرة، قاله في "المصباح" (٢)، وقال في "القاموس": التَّمْثَال بالفتح: التمثيل، وبالكسر: الصورة. انتهى (٣). (إِلَّا طَمَسْتَهُ)؛ أي: محوته، أو غَيَّرْتَه من هيئته، بقطع رأسه، أو نحو ذلك، وفي الرواية التالية: "ولا صورةً إلا طمستها". قال القرطبيّ ﵀: والتِّمْثَال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسّدًا، وما كان مصوّرًا في رقم، أو نقش، لا سيّما وقد رُوي "صورة" مكان "تمثال"، وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد، دون ما كان في ثوب، أو حائط منقوشًا. قال: وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها، وتغيير وجوهها، وغير ذلك، مما يذهبها. انتهى كلام القرطبي ﵀ (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ تعميم طمس جميع أنواع الصور، فلا يستثنى منها شيء؛ لعموم النصوص الواردة في النهي عن اتخاذها، والأمر بتغييرها، وأن إبقاءها منكر، والله تعالى أعلم. (وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا) اسم فاعل، من الإشراف، وهو الارتفاع؛ أي: مرتفعًا عن الأرض. قال السنديّ ﵀: قيل: المراد هو الذي بُني عليه حتى ارتفع، دون

стр. 10813

الذي أُعلم عليه بالرمل، والحصى، والحجر؛ ليعرف، فلا يوطأ، ولا فائدة في البناء عليه، فلذلك نُهي عنه. وذهب كثير إلى أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم على وجه يُعلم أنه قبر، والظاهر أن التسوية لا تُناسب التسنيم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب أن معنى التسوية هو التسطيح، وهو غير التسنيم، فلا يُشرع التسنيم؛ لأنه مما لا يدلّ عليه دليل؛ والله تعالى أعلم. (إِلَّا سَوَّيتَهُ)؛ أي: ألصقته بالأرض، قال النوويّ ﵀: فيه أن السنّة أن القبر لا يُرفع على الأرض رفعًا كثيرًا، ولا يُسنّم، بل يُرفع نحو شبر، ويسطّح، وهذا مذهب الشافعيّ، ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسويتها، وهو مذهب مالك. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر الحديث على ما نقله القاضي عياض عن أكثر العلماء، وأما التسنيم، وكذا رفعه نحو شبر فمما لا دليل عليه، كما تقدم. [تنبيه]: قال في "المنهل العذب المورود": واتفق العلماء على استحباب رفع القبر نحو شبر؛ ليُعلم أنه قبر، فيتوقى، ويُترخم على صاحبه، إلا أن يكون مسلمًا في دار الحرب، فيُخفى قبره؛ مخافةَ أن يَتعرّض له الكفّار بالأذى. انتهى (٣). قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى اتفاق العلماء على استحباب رفع القبر شبرًا غير صحيحة؛ لما تقدم من أن التسطيح هو قول مالك، وأكثر العلماء، فأين الاتفاق المزعوم؟ واستدلاله بما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي، من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ رشّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبرًا"، غير صحيح؛ لأنه مرسل، فلا يصلح لردّ ما صحّ عنه ﷺ من حديث عليّ ﵁ هذا، وحديث فضالة ﵁ المتقدم.

стр. 10814

وأما قوله: ليعلم أنه قبر إلخ، فليس ذلك مما يحيى المحظور، من رفعه عن الأرض؛ لأن كونه قبرًا يعلم من طريق آخر مأذون فيه شرعًا، وهو وضع الحجر عليه حتى يُعلم أنه قبر، كما وضع النبيّ ﷺ على قبر عثمان بن مظعون ﵁ حجرًا، فقد أخرج أبو داود بإسناد حسن، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال: لما مات عثمان بن مظعون، أُخرج بجنازته، فدُفن، فأمر النبيّ ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ ، وحَسَرَ عن ذراعيه، قال كثير: قال المطَّلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ل ﷺ قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما، ثم حملها، فوضعها عند رأسه، وقال: "أتعلّم بها قبر أخي، وأَدْفِن إليه من مات من أهلي". وفي إسناده كثير بن زيد مولى الأسلميين، تكلّم فيه بعضهم، ووثّقه ابن عمّار الموصليّ، وابن حبّان، وقال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به (١). وبالجملة فهو حسن الحديث (٢)، فهو دليلٌ على جواز وضع الحجر علامة على القبر؛ ليُعرف أنه قبرٌ، وعلى دفن بعض الأقارب بقرب بعض، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٢٤٣ و ٢٢٤٤] (٩٦٩)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٢١٨)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٤٩)، و (النسائيّ) في

стр. 10815

"الجنائز" (٤/ ٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٩ و ٩٦ و ١٢٨)، و (عبد الله بن أحمد) في "زوائده" (١/ ١١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٢٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣) و"المعرفة" (٣/ ١٨٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٢٨٥ و ٢٨٦ و ٤٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الأمر بتسوية القبور إذا كانت مرتفعة. ٢ - (ومنها): شدة اعتناء النبي ﷺ بإزالة المنكرات. ٣ - (ومنها): إزالة المنكر باليد، كما قال النبيّ ﷺ : "من رأى منكم منكرًا، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، رواه مسلم. ٤ - (ومنها): عدم جواز رفع القبر عن وجه الأرض. ٥ - (ومنها): وجوب محو صور ذوات الأرواح، أو تغييرها عن هيئتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال العلامة الشوكانيّ ﵀ عند شرح حديث الباب ما نصّه: فيه أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا، من غير فرق بين من كان فاضلًا، ومن كان غير فاضل. والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعيّ، ومالك، والقول بأنه غير محظور؛ لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير -كما قال الإمام يحيى، والمهديّ في "الغيث"- لا يصحّ؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلًا؛ إذا كان في الأمور الظنّيّة، وتحريم رفع القبور ظنّيّ. ومِنْ رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوّليّا الْقُبَبُ، والْمَشَاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ ﷺ فاعل ذلك، وكم قد سَرَى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها، من مفاسد يَبكِي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفّار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضرّ، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء

стр. 10816

الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يَدَعُوا شيئًا، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد لله تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وأما هؤلاء فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. قال ﵀: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا نجد مَن يغضب لله، وَيغَار، حميّة للدين الحنيف، لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا. قال الجامع عفا الله عنه: بل صار الأمر بالعكس، فكم ممن ينتسب إلى العلم يراهم، ويسمعهم، فلا يُنكر عليهم، بل العلماء أنفسهم شركاء لهم في ذلك، بل هم أشد منهم، فإنهم يؤلفون كتبًا في الاستغاثة بهم، ويقرؤونها عند قبورهم، أو غيرها من المجالس، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. يَا مُصْلِحَ الْعِبَادِ يَا مِلْحَ الْبَلَدْ … مَنْ يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذَا الْمِلْحُ فَسَدْ قال ﵀: وقد تواردت إلينا من الأخبار ما لا يُشكّ معه أن كثيرًا، من هؤلاء القبوريين (١)، أو أكثرهم إذا توجهتْ عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك، ومعتقدك الوليّ الفلانيّ تلعثم، وتلكّأ، وأبى، واعترف بالحقّ، وهذا من أبين الأدلّة الدالّة على أن

стр. 10817

شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين؛ أيّ رَزْءٍ للإسلام أشدّ من الكفر؟، وأيّ بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير الله؟ وأيّ مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟، وأيّ منكر يجب إنكاره، إن لم يكن إنكار الشرك البيّن واجبًا؟. لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا … وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ … وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ انتهى كلام العلامة الشوكاني ﵀، ولقد أحسن، وأجاد، وأفهم، وأفاد، فجزاه الله تعالى على هذا التذكير العظيم وإنكار هذا المنكر الجسيم خير الجزاء، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدثنِي حَبِيبٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "وَلَا صُورَةً إِلا طَمَسْتَهَا"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال: (٢٠٣١) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الْهَيّاج، قال: قال على ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "لا تَدَعَنَّ قبرًا مُشْرِفًا إلا سوّيته، ولا

стр. 10818

صورةً في بيت إلا طمستها". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٠) - (بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٤٥] (٩٧٠) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غَيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيةٌ تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيةٌ فاضل، لكنه يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.

стр. 10819

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه وحفصًا كوفيان، والباقون مكيون، وجابر ﵁ سكن مكة. ٤ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ) وفي رواية عبد الرزّاق التالية: "عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أَنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: سمعت النبيّ ﷺ .... "، فصرّح كلٌّ من ابن جريج، وأبي الزبير بالسماع، فزالت عنهما تهمة التدليس، والحمد لله. (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ) ببناء الفعل للمفعول، وفي الرواية الآتية: "نُهِي عن تقصيص القبور"، و"التقصيص" بالقاف، وصادين مهملتين: هو التجصيص، والْقَصّة بفتح القاف، وتشديد الصاد: هي الجصّ، قاله النوويّ ﵀ (١). وقال في "المصباح": الْجِصّ بكسر الجيم معروف، وهو معرّب؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربيّة، ولهذا قيل: الإجّاص معرّب، وجَصّصت الدار عملتها بالجصّ، قال في "البارع": قال أبو حاتم: والعامّة تقول: الجَصّ بالفتح، والصواب الكسر، وهو كلام العرب، وقال ابن السّكّيت نحوه، وقال في مادّة "قصّ": والقَصّة بالفتح الجِصّ بلغه الحجاز، قاله في "البارع"، والفارابيّ. انتهى ما في "المصباح". لكن الذي في "الصحاح"، و"القاموس" أن الْجِصّ بفتح الجيم، وتكسر. انتهى.

стр. 10820

وقال القرطبيّ ﵀: التجصيص، والتقصيص: هو البناء بالجصّ، وهو القصّ، والقَصّة، والْجَصّاص، والْقَصّاص واحد، فإذا خُلِط الجصّ بالرماد، فهو الْجَيّار، وذكر معنى ذلك أبو عبيد، وابن الأعرابيّ. قال: وبظاهر هذا الحديث قال مالك، فكره البناء، والجصّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه. ووجه النهي عن البناء، والتجصيص في القبور أن ذلك مُباهاةٌ، واستعمالُ زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبّه بمن كان يُعظِّم القبور، ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يُقال: هو حرام، كما قال به بعض أهل العلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في الباب الماضي، فلا تكن من الغافلين. وقال الحافظ العراقيّ ﵀: ذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كون الجصّ أُحرق بالنار، وحينئذ، فلا بأس بالتطيين، كما نصّ عليه الشافعيّ. قال السنديّ ﵀: التطيين لا يناسب ما ورد من تسوية القبور المرتفعة، كما سبق، وكذا لا يناسب قوله: "أن يُبنَى عليه"، والظاهر أن المراد النهي عن الارتفاع، والبناء مطلقًا، وإفراد التجصيص؛ لأنه أتمّ في إحكام البناء، فخُصّ بالنهي مبالغةً. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ ﵀ هو الحقّ، لا ما قاله العراقيّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا؛ أي: نُهي عن الجلوس على القبر، قال النوويّ ﵀: فيه دليل على تحريم القعود على القبر، والمراد بالقعود الجلوس عليه، وهذا مذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء. وقال مالك في "الموطأ": المراد بالقعود الحدث، قال النوويّ: وهذا تأويل ضعيف، أو باطل، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس، ومما يوضّحه
следующие страницы →