الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا.
وبالجملة إنهم لم يَدَعُوا شيئًا، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد لله تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وأما هؤلاء فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
قال ﵀: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا نجد مَن يغضب لله، وَيغَار، حميّة للدين الحنيف، لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا.
قال الجامع عفا الله عنه: بل صار الأمر بالعكس، فكم ممن ينتسب إلى العلم يراهم، ويسمعهم، فلا يُنكر عليهم، بل العلماء أنفسهم شركاء لهم في ذلك، بل هم أشد منهم، فإنهم يؤلفون كتبًا في الاستغاثة بهم، ويقرؤونها عند قبورهم، أو غيرها من المجالس، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
يَا مُصْلِحَ الْعِبَادِ يَا مِلْحَ الْبَلَدْ … مَنْ يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذَا الْمِلْحُ فَسَدْ
قال ﵀: وقد تواردت إلينا من الأخبار ما لا يُشكّ معه أن كثيرًا، من هؤلاء القبوريين (١)، أو أكثرهم إذا توجهتْ عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك، ومعتقدك الوليّ الفلانيّ تلعثم، وتلكّأ، وأبى، واعترف بالحقّ، وهذا من أبين الأدلّة الدالّة على أن
стр. 10817
شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة.
فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين؛ أيّ رَزْءٍ للإسلام أشدّ من الكفر؟، وأيّ بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير الله؟ وأيّ مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟، وأيّ منكر يجب إنكاره، إن لم يكن إنكار الشرك البيّن واجبًا؟.
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا … وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ … وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ
انتهى كلام العلامة الشوكاني ﵀، ولقد أحسن، وأجاد، وأفهم، وأفاد، فجزاه الله تعالى على هذا التذكير العظيم وإنكار هذا المنكر الجسيم خير الجزاء، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدثنِي حَبِيبٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "وَلَا صُورَةً إِلا طَمَسْتَهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٢٠٣١) - أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الْهَيّاج، قال: قال على ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "لا تَدَعَنَّ قبرًا مُشْرِفًا إلا سوّيته، ولا
стр. 10818
صورةً في بيت إلا طمستها". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٠) - (بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنْ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٥] (٩٧٠) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غَيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيةٌ تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيةٌ فاضل، لكنه يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
стр. 10819
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه وحفصًا كوفيان، والباقون مكيون، وجابر ﵁ سكن مكة.
٤ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ) وفي رواية عبد الرزّاق التالية: "عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أَنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: سمعت النبيّ ﷺ .... "، فصرّح كلٌّ من ابن جريج، وأبي الزبير بالسماع، فزالت عنهما تهمة التدليس، والحمد لله.
(قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ) ببناء الفعل للمفعول، وفي الرواية الآتية: "نُهِي عن تقصيص القبور"، و"التقصيص" بالقاف، وصادين مهملتين: هو التجصيص، والْقَصّة بفتح القاف، وتشديد الصاد: هي الجصّ، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال في "المصباح": الْجِصّ بكسر الجيم معروف، وهو معرّب؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربيّة، ولهذا قيل: الإجّاص معرّب، وجَصّصت الدار عملتها بالجصّ، قال في "البارع": قال أبو حاتم: والعامّة تقول: الجَصّ بالفتح، والصواب الكسر، وهو كلام العرب، وقال ابن السّكّيت نحوه، وقال في مادّة "قصّ": والقَصّة بالفتح الجِصّ بلغه الحجاز، قاله في "البارع"، والفارابيّ. انتهى ما في "المصباح".
لكن الذي في "الصحاح"، و"القاموس" أن الْجِصّ بفتح الجيم، وتكسر. انتهى.
стр. 10820
وقال القرطبيّ ﵀: التجصيص، والتقصيص: هو البناء بالجصّ، وهو القصّ، والقَصّة، والْجَصّاص، والْقَصّاص واحد، فإذا خُلِط الجصّ بالرماد، فهو الْجَيّار، وذكر معنى ذلك أبو عبيد، وابن الأعرابيّ.
قال: وبظاهر هذا الحديث قال مالك، فكره البناء، والجصّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه.
ووجه النهي عن البناء، والتجصيص في القبور أن ذلك مُباهاةٌ، واستعمالُ زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبّه بمن كان يُعظِّم القبور، ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يُقال: هو حرام، كما قال به بعض أهل العلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، وقد تقدّم هذا البحث مستوفًى في الباب الماضي، فلا تكن من الغافلين.
وقال الحافظ العراقيّ ﵀: ذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كون الجصّ أُحرق بالنار، وحينئذ، فلا بأس بالتطيين، كما نصّ عليه الشافعيّ.
قال السنديّ ﵀: التطيين لا يناسب ما ورد من تسوية القبور المرتفعة، كما سبق، وكذا لا يناسب قوله: "أن يُبنَى عليه"، والظاهر أن المراد النهي عن الارتفاع، والبناء مطلقًا، وإفراد التجصيص؛ لأنه أتمّ في إحكام البناء، فخُصّ بالنهي مبالغةً. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ ﵀ هو الحقّ، لا ما قاله العراقيّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا؛ أي: نُهي عن الجلوس على القبر، قال النوويّ ﵀: فيه دليل على تحريم القعود على القبر، والمراد بالقعود الجلوس عليه، وهذا مذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء.
وقال مالك في "الموطأ": المراد بالقعود الحدث، قال النوويّ: وهذا تأويل ضعيف، أو باطل، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس، ومما يوضّحه
стр. 10821
الرواية التي ذكرها مسلم بعد هذا، من حديث أبي مَرْثَد الْغَنَويّ ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها"، ومن حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يَجلس أحدكم على جمرة، فَتُحرِق ثيابه، فتخلُص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر". انتهى كلام النوويّ ﵀ ببعض تصرّف (١).
(وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، قيل: يَحْتَمِل أن المراد البناء على نفس القبر؛ ليُرفَع عن أن يُنال بالوطئ، كما يفعله كثير من الناس، أو البناء حوله، نقله السنديّ ﵀ في شرح النسائيّ (٢).
وقال التوربشتيّ ﵀: البناء يَحْتَمِل وجهين: البناء على القبر بالحجارة، أو ما يجري مجراها، والآخر أن يُضرب عليها خباء، ونحوه، وكلاهما منهيّ عنه. انتهى.
وقال الشوكانيّ ﵀: فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفَضل الشافعيّ، وأصحابه، فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني، فمكروه، وإن كان في مَقْبَرَة مُسَبَّلَة فحرام، قال الشوكانيّ ﵀: ولا دليل على هذا التفصيل. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الشوكانيّ ﵀ في هذا التعقّب، فليس لنا دليل يخصص جواز بعض أنواع البناء، دون بعض، فالأرجح عدم جواز البناء مطلقًا؛ لإطلاق النصّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد ألله ﵁ هذا من أفراد
المصنّف: ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 10822
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٢٢٤٥ و ٢٢٤٦ و ٢٢٤٧] (٩٧٠)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٢٥)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٥٢)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٨٦ - ٨٧)، و (أحمد) في "مسنده " (٣/ ٢٩٥ و ٣٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٤٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٥)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (٣٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن تجصيص القبر.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن البناء على القبر.
٣ - (ومنها): بيان النهي عن الجلوس على القبر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): زاد في رواية النسائيّ من طريق سليمان بن موسى، عن جابر ﵁: "أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ"، وأشار النسائيّ إلى أن زيادة الكتابة في الحديث من تفرّد سليمان بن موسى، وفيما قاله نظر؛ لأنها ثبتت من رواية أبي الزبير أيضًا، فقد أخرج الحديث الترمذيّ برقم (١٠٥٢) فقال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، أبو عمرو البصريّ، حدثنا محمد بن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "نهى النبيّ ﷺ أن تُجصّص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن جابر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفادت رواية الترمذيّ ﵀ تحريم وطء القبور، فلا يجوز وطؤها بالأقدام، والله تعالى أعلم.
وأخرجه الحاكم أيضًا في "المستدرك" (١/ ٣٧٠) من طريق سَلْم بن جُنَادة، ثنا حفص بن غياث النخعيّ، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "نهى رسول الله ﵀ أن يُبنى على القبر، أو يُجَصَّص، أو يُقعد عليه، ونَهَى أن يُكتب عليه"، قال: هذا حديث على شرط مسلم، وقد أخرج بإسناده غير الكتابة، فإنها لفظة صحيحة غريبة.
قال الحاكم: وكذلك رواه أبو معاوية، عن ابن جريج، ثم أخرجه بسنده
стр. 10823
عن سعيد بن منصور، ثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور، والكتاب فيها، والبناء عليها، والجلوس عليها"، قال: هذه أسانيد صحيحة، وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى المغرب مكتوب على قبورهم، وهو عَمَل أَخَذَ به الخلف عن السلف. انتهى.
وتعقّبه الحافظ الذهبيّ ﵀ في "تلخيص المستدرك"، فقال: ما قلت طائلًا، ولا نعلم صحابيًّا فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين، فمن بعدهم، ولم يبلغةم النهي. انتهى كلام الذهبيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن زيادة الكتابة في حديث جابر ﵁ صحيحة ثابتة من طريق أبي الزبير أيضًا، فتدلّ على تحريم الكتابة على القبر (١).
ثم إن الحافظ الذهبيُّ ﵀ أحسن، وأجاد حيث تعقّب على الحاكم فيما قاله، فإن ما قاله مخالف لهذا الحديث الصحيح، ودعواه عمل المسلمين بخلافه غير صحيحة، فلم يصحّ ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، وإنما هوأمر محدَث مخالف للسنة الصحيحة، فلا يجوز العمل به، بل المنقول عن السلف كراهته عكسَ ما قاله الحاكم، فقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه" (٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥) بسند صحيح عن محمد -يعني ابن سيرين- أنه كره أن يُعَلَّم القبر.
وأخرج عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يعلّم الرجل قبره.
стр. 10824
وأخرج عن القاسم، أنه أوصى، قال: يا بُنيّ لا تكتب على قبري، ولا تشرفنّه، إلا قدر ما يردّ عني الماء.
وأخرج عن الحسن، أنه كَرِه أن يُجعل اللوح على القبر.
فقد تبيّن بهذا أن ما ادّعاه الحاكم من عمل السلف على الكتابة على القبر غير صحيح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ ﵀ في "تحفة الأشراف": سليمان لم يسمع من جابر، فلعلّ ابن جريج رواه عن سليمان، عن النبيّ ﷺ ، مرسلًا، وعن أبي الزبير، عن جابر، مسندًا. ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد الأشجّ، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، قال: نَهَى رسول الله ﷺ أن يُكتب على القبر شيء. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت أن سليمان لم ينفرد بزيادة الكتابة، بل ثبتت في رواية أبي الزبير أيضًا، فلا يضرّ في صحتها الانقطاع الذي أشار إليه الحافظ المزيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو الزُّبَيْرِ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، أبو محمد الترمذيّ، نزيل الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره بعد دخوله بغداد [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
стр. 10825
٣ - (مُحَمَّد بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير عَمِي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية حجاج بن محمد، وعبد الرزاق كلاهما عن ابن جريج ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٤٩) فقال:
(٢١٧٤) - أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عبد الرزاق، أنبا ابن جريج (ح) وثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا عبد الله بن شيرويه، أنبأ إسحاق بن إبراهيم، أنبأ أبو معاوية، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، وحفص بن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن بركة، ثنا يوسف بن سعيد، ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: "نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور، وأن يُبْنَى عليها، أو يُجْلَس عليها". انتهى.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نُهِيَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ
стр. 10826
مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (نُهِيَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ) "التقصيص" بالقاف، هو التجصيص، كما تقدّم.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣١) - (بَابُ بَيَانِ النَّهْيِ عَنِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالصَّلَاةِ إِلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٨] (٩٧١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ، فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدني، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
стр. 10827
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنسائي، ثم بغداديّ، وجرير، كوفيّ، ثم رازيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ) بفتح. اللام، وهي لام الابتداء، والمصدر المؤول بعدها مبتدأ، وخبره قوله: "خير" (عَلَى جَمْرَةٍ) -بفتح، فسكون-: القطعة الملتَهِبَةُ من النار، والجمع جَمْر، مثلُ تمرة وتمر (فَتُحْرِقَ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإحراق رباعيًّا، يقال: أحرقتْهُ النارُ، إحراقًا، ويتعدّى بالحرف، فيقال: أحرقته بالنار، فهو مُحرَقٌ، وحَرِيق، قاله في "المصباح" (١)، وَيحْتَمل أن يكون من التحريق، والضمير للجمرة (ثِيَابَهُ) بالنصب على المفعوليّة (فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ) "تَخْلُص" بضم اللام؛ أي: تَصِلَ إليه، يقال: خَلَصَ إلى الشيء، من باب قعد: إذا وَصَلَ إليه (٢). (خَيْرُ لَهُ)؛ أي: أحسن، وأهون عليه (مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ") قال الطيبيّ ﵀: جعل الجلوس على القبر، وسِرَاية مضرّته إلى قلبه، وهو لا يشعُر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد. انتهى.
وقال في "الروضة النديّة": قال في "الحجة البالغة": ومعنى أن لا يَقْعُد عليه، قيل: أن يلازمه المزوِّرون، وقيل: أن يطأوا القبور، وعلى هذا فالمعنى إكرام الميت، فالحقّ التوسط بين التعظيم الذي يقارب الشرك، وبين الإهانة وترك الموالاة به. انتهى (٣).
стр. 10828
والحديث دليلٌ على أنه لا يجوز الجلوس على القبر مطلقًا، وأن المراد الجلوس على حقيقته، وليس كناية عن البول والغائط، كما قيل.
وإلي التحريم ذهب الجمهور، قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث تحريم القعود، والمراد الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء رحمهم الله تعالى، وقال أيضًا: والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه. انتهى (١).
وأما ما رواه الطحاويّ من طريق محمد بن كعب، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "من جلس على قبر، يبول عليه، أو يتغوّط، فكأنما جلس على جمر"، فإسناده ضعيف.
وما روي أنّ ابن عمر كان يجلس على القبر يُحْمَل على أنه لم يبلغه النهي (٢)، واللة تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٢٢٤٨ و ٢٢٤٩] (٩٧١)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٢٨)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٤٤) و"الكبرى" (٢١٧١)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٦٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١١ و ٤٤٤ و ٥٢٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧/ ٤٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٩) و"معرفة السنن " (٣/ ٢٠٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٦)، و (الطبراني) في "الأوسط" (١/ ٢١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الجلوس على القبر:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: الآثار مروية من طرق عن
стр. 10829
النبي ﷺ أنه نَهَى عن القعود على القبور، من حديث عقبة بن عامر، وجابر، وأبي هريرة، وغيرهم، ومن الرواة من يوقف حديث عقبة، وحديث أبي هريرة، ويجعله من حديثهما.
وأما حديث جابر، فذكر عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرنا ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ ينهى أن يَقْعُد الرجل على القبر، ويُقصّص، أو يبنى عليه. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُقعَد عليها؛ يعني القبور.
وعن ابن مسعود ﵁: لأن أطأ على جمرة حتى تُطفأ أحبّ إليّ من أقعد على قبر، وعن أبي بكرة مثله سواءً.
وعن أبي هريرة، قال: لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق رداءه، ثم قميصه، ثم إزاره، حتى تخلُص إلى جلده أحبّ إليّ من أن يجلس على قبر.
وروى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه أن عقبة بن عامر قال: لأن أطأ على جمرة، أو على حدّ سيف حتى يخطف رجلي أحبّ إليّ من أن أمشي على مسلم، وما أبالي في القبور قضيت حاجتي، أو في السوق، والناس ينظرون.
وقال مالك ﵀: وإنما نهي عن القعود على القبور، فيما نُرَى للمذاهب، يريد حاجة الإنسان. وحجته أن عليّ بن أبي طالب كان يتوسّد القبور، ويضطجع عليها.
وروى أبو أمامة بن سهل بن حُنيف أن زيد بن ثابت ﵁ قال له: هلمّ يا ابن أخي إنما نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الجلوس على القبر لحدثِ بولٍ، أو غائط. انتهى كلام أبي عمر ﵀. بتصرّف، واختصار (١).
وقال النوويّ ﵀: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث، وهو تأويل ضعيف، أو باطل. انتهى.
قال في "الفتح": وهو يوهم انفراد مالك بذلك، وكذا أوهمه كلام ابن
стр. 10830
الجوزيّ، حيث قال: جمهور الفقهاء على الكراهة، خلافًا لمالك، وصرّح النوويّ في "شرح المهذّب" بأن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة، وأصحابه يقول مالك، كما نقله عنهم الطحاويّ، واحتجّ له بما أخرجه من طريق بكير بن عبد الله بن الأشجّ، أن نافعًا حدثه: أنّ عبد الله ابن عمر كان يجلس على القبور، وأخرج عن عليّ نحوه، وعن زيد بن ثابت، مرفوعًا: "إنما نهى النبيّ ﷺ عن الجلوس على القبور لحدث غائط، أو بول"، ورجال إسناده ثقات.
ويؤيّد قول الجمهور ما أخرجه أحمد، من حديث عمرو بن حزم الأنصاريّ، مرفوعًا: "لا تقعدوا على القبور"، وفي رواية له، عنه: رآني رسول الله ﷺ ، وأنا متكئ على قبر، فقال: "لا تؤذ صاحب القبر". وإسناده صحيح (١)، وهو دالّ على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته.
وردّ ابن حزم التأويل المتقدّم بأن لفظ حديث أبي هريرة ﵁: "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق ثيابه، فتخلُص إلى جلده … "، قال: وما عهدنا أحدًا يقعد على ثيابه للغائط، فدلّ على أن المراد القعود على حقيقته.
وقال ابن بطّال: التأويل المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يُكرَه، وإنما يُكره الجلوس المتعارف. انتهى ما في "الفتح" (٢).
قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم الجلوس على القبور هو الصواب؛ للأحاديث الصحاح التي تقدّمت.
وأما ما احتجّ به الذين قالوا إن المراد بالجلوس قضاء الحاجة عليها، كما نُقل عن مالك، وغيره، من الآثار التي رُويت عن عليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة ﵃، فالجواب عنها، أن نقول: أما أثر عليّ ﵁ فضعيف؛ لأن في سنده مولى لآل علي ﵁، ولم يسمّ.
стр. 10831
وأما أثر ابن عمر ﵄، وإن كان صحيحًا، فلا يعارض الثابت عن رسول الله ﷺ ، بل يُحْمَل على أنه لم يبلغه النهي.
وأما أثر زيد بن ثابت ﵁، وإن كان صحيحًا، فلا يعارض الأحاديث الصحاح الصريحة بالنهي عن الجلوس، بل هو حديث آخر، سمعه زيد عن النبي ﷺ ، ينهى عن الجلوس لقضاء الحاجة، كما سمعه الآخرون ينهى عن مطلق الجلوس، فهذا هو وجه العمل بالحديثين، وإن سلكنا مسلك الترجيح، فالأحاديث الأخرى ترجّح عليه؛ لكونها أقوى منه، فقد أخرجها مسلم في "صحيحه"، من حديث أبي هريرة ﵁، ومن حديث أبي مَرْثَد الغنويّ ﵁، ومن حديث جابر ﵁، وورد أيضًا من حديث عمرو بن حزم ﵁، عند النسائيّ، وفي سنده ضعف، لكن يتقوّى بالأحاديث المذكورة، فهذه الأحاديث أرجح من حديث زيد بن ثابت ﵁، وأقوى، فترجّح عليه، لكن الجمع أولى، كما أسلفناه آنفًا.
وأما أثر أبي هريرة ﵁ فضعيف؛ لأن في سنده محمد بن أبي حميد الأنصاري الزُّرَقيّ المدنيّ، لقبه حماد، ضعيف، فالصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع، وهو النهي عن الجلوس.
فتبيّن بهذا أن الصواب هو ما عليه الجمهور من المنع عن الجلوس على القبور مطلقًا، وأن النهي فيه للتحريم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٤٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
стр. 10832
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد الدراورديّ الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الزقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٤ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية الدراورديّ، عن سفيان ساقها البيهقيّ في "السنن الكبرى" (٧٩/ ٤) فقال:
(٧٠٠٦) - وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبريّ، أنبأ جدّي، يحيى بن منصور القاضي، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز؛ يعني ابن محمد، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة، أو على نار، فتحرق ثيابه، حتى تخلص إليه، خير له من أن يجلس على قبر". انتهى.
وأما رواية أبي أحمد الزبيريّ عن سفيان، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٠] (٩٧٢) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ وَاثِلَةَ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا").
стр. 10833
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٢.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقةٌ [٧] مات سنة بضع (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٤ - (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ الله) الحضرميّ الشاميّ، ثقةٌ حافظٌ [٤].
رَوَى عن واثلة، وعمرو بن عَبَسَة، ورُويفع بن ثابت، وعبد الله بن مُحيريز، وأبي إدريس الخولانيّ، وغيرهم.
وروى عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وزيد بن واقد، وغيرهم.
قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس، وقال مروان بن محمد: من كبار أهل المسجد، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٩٧٢) وأعاده بعده، و (١٨٤٧).
٥ - (وَاثِلَةُ) بن الأسقع الليثي ﵁، تقدم في "صلاة المسافرين" ٥٢/ ١٩٣٠.
٦ - (أَبُو مَرْثَدٍ (١) الْغَنَوِيُّ) كَنّاز -بفتح الكاف، وتشديد النون، آخره زاي- ابن الْحُصين بن يَرْبُوع بن عَمْرو بن يَربوع بن سَعْد بن طَرِيف بن
стр. 10834
جُلّان بن غَنْم بن غَنِيّ بن أَعْصُر بن سَعْد بن قَيس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ، حليف حمزة بن عبد المطلب، شَهِد بدرًا، وروى عن النبيّ ﷺ حديث الباب فقط، روى عنه واثلة بن الأسقع، وآخى النبيّ ﷺ بينه وبين عُبادة بن الصامت ﵄.
قال الواقديّ: تُوُفّي سنة (١٢) من الهجرة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ ﵄.
٤ - (ومنها): أنه لا يُعْرَف مَن شَهِدَ بدرًا مع ابنه إلا أبو مرثد هذا وابنه مرثد، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفية الأثر" فقال:
النّوَوي مَا عَرَفُوا مَنْ شَهِدَا … بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ إِلَّا مَرْثَدًا
٥ - (ومنها): أن أبا مرثد من المقلِّين من الرواية، فليس له غير حديث واحد، وهو حديث الباب، عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ) كَنَّاز بن الحصين ﵁ (الْغَنَوِيِّ) - بفتح الغين المعجمة، والنون-: نسبة إلى غَنِيّ أحد أجداده كما مر في نسبه؛ لأن القاعدة في النسبة إلى فَعِيل معتلِّ اللام، كغَنِيّ، وعَديّ، وفُعَيل مصغّرًا، كقُصَي، وجوب حذف يائه، وفتح عينه، فتقول: غَنَويّ، وعَدَويّ، وقُصَويّ، كما قال في "الخلاصة":
وَفَعَلِيٌّ فِي فَعِلَةَ الْتُزِمْ … وَفُعَلِيٌّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ
وَأَلْحَقُوا مُعَلَّ لَامٍ عَرِيَا … مِنَ الْمِثَالَيْنِ بِمَا التَّا أُوليَا
стр. 10835
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ) قال السنديّ ﵀: الظاهر أن المراد بالجلوس معناه المتعارف، وقيل: كناية عن قضاء الحاجة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الصواب ما عليه الجمهور من أن المراد الجلوس المتعارف، وأن الحقّ هو تحريم الجلوس على القبور، واستوفيت تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة من شرح حديث أبي هريرة ﵁ الماضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا")؛ أي: بالاستقبال إليها؛ لما فيه من التشبه بعبادتها، قاله السنديّ ﵀.
وقال النوويّ ﵀: فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر، قال الشافعيّ ﵀: وأكره أن يُعَظَّم مخلوق حتى يُجْعَل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن النهي هنا للتحريم؛ إذ لا صارف له، فلا تصح الصلاة إلى القبر مطلقًا، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مرثد الغنويّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٢٢٥٠ و ٢٢٥١] (٩٧٢)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٢٩)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٥١)، و (النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٣٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٩٣)، و (ابن حبَّان) في "صحيحه" (٦/ ٩١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥١)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، و (الطبرانيّ) في
стр. 10836
"الكبير" (١١/ ٩٣٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣/ ٨٣)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١٧٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٣٥ و ٤/ ٧٩) و"المعرفة" (٢/ ٢٥٥ و ٣/ ٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة إلى المقبرة، ومثله الصلاة فيها، وعليها:
[اعلم]: أنهم قد اختلفوا في ذلك، فذهب أحمد ﵀ إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يُفَرِّق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيئًا يقيه من النجاسة، أم لا، ولا بين أن يكون في القبور، أو في مكان منفرد عنها كالبيت، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية، ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار.
قال أبو محمد بن حزم ﵀: وبه يقول طوائف من السلف، روينا عن نافع بن جبير بن مطعم أنه قال: يُنْهَى أن يصلى وسط القبور، والحمام، والحُشّان (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: لا تصلين إلى حُشّ، ولا في حمام، ولا في مقبرة. وعن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاثة أبيات قبلة: الحش، والحمام، والقبر. وعن العلاء بن زياد، عن أبيه، وعن خيثمة بن عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصلِّ إلى حمام، ولا إلى حش، ولا وسط مقبرة. وقال أحمد: من صلى في حمام أعاد أبدًا.
وعن أنس قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي إلى قبر، فنهاني، وقال: القبر أمامك. وعن ثابت البناني، عن أنس، قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي عند قبر، فقال لي: القبر لا تصلي إليه، قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أَرَدَ أن يصلي، فيتنحى عن القبور.
стр. 10837
وعن علي بن أبي طالب: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد. وعن ابن عباس رفعه: "لا تصلوا إلى قبر، ولا على قبر". وعن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أتكره أن تصلي وسط القبور، أو إلى قبر؟ قال: نعم، كان يُنهى عن ذلك، لا تصلّ وبينك وبين القبلة قبر، فإن كان بينك وبينه سترة ذراع فصلّ. قال ابن جريج: وسئل عمرو بن دينار عن الصلاة وسط القبور؟، فقال: ذكروا أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم الله".
قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: لا أعلمه إلا أنه كان يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة. وعن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا إذا خرجوا في جنازة تنخوا عن القبور للصلاة. وقال أحمد: من صلى في مقبرة، أو إلى مقبرة أعاد أبدًا.
فهؤلاء عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس ما نعلم لهم مخالفًا من الصحابة ﵃ (١). انتهى كلام ابن حزم
стр. 10838
باختصار (١).
وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة، وغيرها، فقال: إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته (٢).
وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرّقوا كما فرّق الشافعي، ومن معه بين المنبوشة وغيرها.
وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة، والأحاديث ترد عليه. وقد احتج له بعض أصحابه المالكية بما يقضي منه العجب (٣)؛ فاستدل له بأنه ﷺ صلى على قبر المسكينة السوداء، وأحاديث النهي لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل عَلَى فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان؟ لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة، أفاده العلامة الشوكاني ﵀ (٤).
стр. 10839
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه المانعون من الصلاة في المقبرة، أو إليها، أو عليها مطلقًا، وأن الصلاة باطلة؛ لأن النهي للتحريم، ولا صارف له، والنهي يقتضي الفساد والبطلان، إلا الصلاة على الميت بعدما دُفن؛ فمانها صحيحة؛ عملًا بما صح من الأحاديث في ذلك، كما تقدّم بيان ذلك، فعموم النهي عن الصلاة فيها، وإليها، مخصوص بأحاديث الصلاة على الميت، وبهذا تجتمع الأحاديث من غير تعارض، وبالله التوفيق.
قال العلامة المحقّق أبو محمد بن حزم ﵀: وكل هذه الآثار حقّ، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا، إلا صلاة الجنازة؛ فإنها تصلى في المقبرة، وعلى القبر الذي قد دُفن صاحبه، كما فعل رسول الله ﷺ ، نُحَرِّم ما نَهَى عنه، ونَعُدّ من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل، فأمره ونهيه حقّ، وفعله حقّ، وما عدا ذلك فباطل، والحمد لله رب العالمين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو محمد ﵀ تحقيق حقيق بالقبول؛ لموافقته لصحيح المنقول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥١] ( … ) - (وَحَدَّثنَا (٢) حَسَنُ بْنُ الزَبِيعِ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ (٣)، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا").
стр. 10840
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِيُّ) أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام الحجة الحافظ الشهير المروزيّ [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٣ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائد بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ ﷺ يوم حُنين، وسمع من كبار الصحابة [٢] مات سنة (٨٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
والباقون ذُكروا قبله، و"عبد الرحمن بن يزيد" هو: "ابن جابر" المذكور في السند الماضي.
[تنبيه]: قد تكلّم العلماء في رواية ابن المبارك هذه، فقال الترمذيّ في "الجامع " بعد إخرج الحديث ما نصّه: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاريّ-: حديث ابن المبارك خطأ، إنما هو عن بسر بن عبيد الله عن واثلة، هكذا رَوَى غير واحد، عن ابن جابر، وبُسرٌ سمع من واثلة.
وقال في "العلل الكبرى": سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث الوليد بن مسلم أصحّ، وهكذا روى غير واحد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع. انتهى (١).
وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: زاد ابن المبارك في إسناد هذا الحديث: "أبا إدريس الخولانيّ " ولا أحسبه إلا أدخل حديثًا في حديث؛ لأن وهيب بن خالد رواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، ذكره الحافظ المزيّ ﵀ (٢).
стр. 10841
وعبارة "العلل" للدارقطنيّ: (١١٩٩) وسئل عن حديث أبي مَرْثد الغَنَويّ، عن النبيّ ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا عليها"، فقال: يرويه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، واختُلِف عنه، فرواه الوليد بن مسلم، وصدقة بن خالد، وبكر بن يزيد الطويل، ومحمد بن شعيب، وأيوب بن سُويد، وغيرهم، عن ابن جابر، عن بُسْر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد.
وخالفهم عبد الله بن المبارك، وبشر بن بكر، فروياه عن ابن جابر، عن بسر، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد، والمحفوظ ما قاله الوليد، ومن تابعه، عن ابن جابر، لم يذكر عن أبي إدريس فيه، ورواه وهيب بن خالد، عن ابن جابر بإسناد آخر، عن القاسم بن مُخَيمرة، عن أبي سعيد الخدرفي، ولم يُتابَع عليه، والصحيح حديث واثلة، عن أبي مرثد. انتهى (١).
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في "مقدمته" رواية ابن المبارك المذكورة مثالأ للمزيد في متصل الأسانيد، وهاك نصه:
(النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في متصل الأسانيد) مثاله ما روى عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس، يقول: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها".
فذِكْرُ سفيان في هذا الإسناد زيادة وَهَم، وهكذا ذِكْرُ أبي إدريس، أما الوهم في ذكر سفيان فممن دون ابن المبارك لا من ابن المبارك؟ لأن جماعة ثقات رووه عن ابن المبارك، عن ابن جابر نفسه، ومنهم من صرّح فيه بلفظ الإخبار بينهما.
وأما ذكر أبي إدريس فيه فابن المبارك منسوب فيه إلى الوهم؛ وذلك لأن
стр. 10842
جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر، فلم يذكروا أبا إدريس بين بسر وواثلة، وفيهم من صرّح فيه بسماع بسر من واثلة.
قال أبو حاتم الرازي: يرون أن ابن المبارك وَهِمَ في هذا، وكثيرًا ما يُحَدِّث بسر عن أبي إدرشى، فغَلِطَ ابن المبارك، وظنّ أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه.
قال: قد ألّف الخطيب الحافظ في هذا النوع كتابًا سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وفي كثير مما ذكره نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة "عن" في ذلك، فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللًا بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد، وإن كان فيه تصريح بالسماع، أو بالإخبار، كما في المثال الذي أوردناه فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسِهِ، فيكون بُسْر في هذا الحديث قد سمعه من أبي إدريس، عن واثلة، ثم لقي واثلة، فسمعه منه، كما جاء مثله مصرحاً به في غير هذا، الفهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونه وهمًا، كنحو ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور، وأيضًا فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين، فإذا لم يجئ عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لكن الإمام مسلمًا ﵀ يرى صحة الطريقين، فلذا أخرج الحديث بالطريقين، وهو الظاهر، فإن ابن المبارك إمام حافظٌ ثبتٌ تقبل زيادته، ولم ينفرد بذلك، بل تابعه عليه بشر بن بكر، كما سبق عن الدارقطنيّ، وبشر ثقةٌ، فاتّفاقهما يدلّ على أن الحديث محفوظ بزيادة أبي إدريس، كما أنه محفوظ بحذفه، فالظاهر ما مشى عليه مسلم ﵀، من صحّة الطريقين، فتامله بالإنصاف.
وقد أخرج ابن حزم ﵀ الحديث في "الْمُحَلى" (٢٩/ ٤) محتجًا به، وهاك نصه: حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد بن الفضل الدينوري، ثنا محمد بن جرير الطبري، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا عبد
стр. 10843
الرحمن بن مهدي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني بُسر بن عبيد الله، سمعت أبا إدريس الخولاني، قال: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلّوا إليها".
قال العلامة أحمد محمد شاكر ﵀ في تعليقه على"المحلَّى" ما نصه: ويظهر أن بسرًا سمع الحديث من أبي إدريس، عن واثلة، ثم من واثلة، ولذلك جاء عنه بالإسنادين في "مسند أحمد"، و"صحيح مسلم"، وصرح بالسماع من واثلة في أبي داود، و"المسند". اهـ.
ونص "المسند" (٤/ ١٣٥): حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت ابنُ جابرٍ يقول: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، أنه سمع واثلة بن الأسقع صاحب رسول الله ﷺ … الحديث.
فقد صرّح بُسْرٌ بسماعه من أبي إدريس، كما في "المسند"، و"المحلَّى"، ومن واثلة كما في "المسند" وأبي داود (٣/ ٢١٧).
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا صحة الطريقين، وهذا أولى من تخطئة ابن المبارك الإمام الجبل في الحفظ، مع أنه تابعه عليه بشر بن بكر، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٢] (٩٧٣) - (وَحَدَّثَنِي (١) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ، قَالَ عَلِي: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ
стр. 10844
الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَة سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأَنكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ، مَا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلَّا في الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن واهويه الإمام الحجة الثبت [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن الزبير الأسديّ، أبو حمزة المدنيّ، لا باس به [٦].
رَوَى عن عمة عباد بن عبد الله بن الزبير، وعنه موسى بن عقبة، وعبد الوا حد بن فلاد، والدراورديّ.
قال ابن معين: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث.
٣ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ المدنيّ، كان قاضي مكة زمن أبيه، فخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وجدته أسماء، وخالة أبيه عائشة، ورجل من بني مُرّة بن عوف، وعمر بن الخطماب، وزيد بن ثابت.
وروى عنه ابنه يحيى، وابن أخيه عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله، وابنا عميه: هشام بن عروة ومحمد بن جعفر، وصالح بن عجلان، وابن أبي مليكة، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الزبير بن بكار: كان عظيم القَدْر عند أبيه، وكان على قضائه بمكة، وكان يستخلفه إذا حجّ، وكان أصدق الناس لهجةً، ووصفه مصعب الزبيريّ بالوقار، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وأما روايته عن عمر بن الخطاب فمرسلة بلا تردد.
стр. 10845
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٩٧٣) وأعاده بعده، و (١٠٢٩) و (١١١٢) وأعاده بعده، و (٢٤٤٤).
٤ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي، وعبد العزيز بن محمد هو: الدراورديّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخيه، فمروزيان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن خالة أبيه.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبَادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَن عَائِشَةَ) ﵂ (أَمَرَتْ أَنْ يُمَرَّ) بالبناء للمفعول (بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقاصٍ) ﵁ (فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وفي الرواية الثالثة: "قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه".
وإنما أمرت عائشة ﵁ بذلك؛ لامتناعها هي وسائر أزواج النبيّ ﷺ من الخروج مع الناس؛ عملًا بقوله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣].
(فَتُصَلِّيَ) بالنصب عطفًا على "يُمَرّ" (عَلَيْهِ) يَحْتَمل أن تصلي عليه، وهي في حجرتها، وجنازته على بابها، وهو ظاهر سياق الرواية التالية، وَيحْتَمل أن تكون صلّت عليه في المسجد، وهذا الاحتمال يؤيّده قولها في الرواية الثالثة: "ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ"، فإنه ظاهر في أنها صلّت عليه في المسجد، فهذا الوجه أولى، والنّه تعالى أعلم.
(فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهَا)؛ أي: إدخالها الجنازة المسجد، وفي الرواية التالية: "ما كانت الجنائز يُدخل بها المسجدَ". (فَقَالَتْ) عائشة ﵂ لَمّا بلغها
стр. 10846
إنكارهم (مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ): ما الأولى تعجّبيّة، والثانية مصدريّة؛ أي: ما أسرع نسيان الناس.
قال القاضي عياض ﵀: اختلفوا في تأويله، فقيل: معناه ما أسرع ما نسي الناس السنّة، وقيل: ما أسرع الناس إلى الطعن والعيب، قال: وجاء في رواية العذريّ أحد التأويلين في حديث عليّ بن حجر، قال: يعني ما نسي الناس، وجاء فيه في حديث ابن حاتم التأويل الآخر مفسّرًا من قول عائشة ﵂ بما لا يجب أن يقال سواه، ولا يتأوّل عليها غيره؛ إذ قد نَصَّتْ عليه، ورفعت الاحتمال، فقالت: "ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به". انتهى (١).
وقوله: (مَا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ) "ما" هنا نافية؛ أي: لم يصلّ ﷺ (عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ) القرشيّ، الفهريّ، من المهاجرين، يُكنى أبا موسى، هاجر الهجرتين إلى الحبشة، وشَهِدَ بدرًا، وأحدًا، ومات ﵁ بعد رجوع رسول الله ﷺ من تبوك سنة تسع.
وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: بنو بيضاء، ثلاثة إخوة: سَهْل، وسُهيل، وصفوان، وأمهم البيضاء، اسمها دَعْد بنت الجحدم بن أمية بن ضبّة بن الحارث، والبيضاء وصف، وأبوهم وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضَبَّة بن الحارث بن فهر القرشيّ الفهريّ، وكان سُهيل قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم عاد إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وغيرها، توفي سنة تسع من الهجرة ﵁. انتهى كلام النوويّ بزيادة من "الاستيعاب" (٢).
وأما أخوه سهل، فقال الحافظ أبو عمر ﵀: كان ممن أظهر إسلامه بمكة، وهو الذي مشى إلى النفر الذين قاموا في شأن الصحيفة التي كتبها مشركو قريش على بني هاشم، حتى اجتمع له نفر، تبرّءوا من الصحيفة، وأنكروها، وهم هشام بن عمرو بن ربيعة، والمطعم بن عديّ بن نوفل، وزَمْعَة ابن الأسود بن عبد المطّلب بن أسد، وأبو البَخْتَريّ بن هشام بن الحارث بن
стр. 10847
أسد، وزُهير بن أبي أُميّة بن المغيرة، وفي ذلك يقول أبو طالب [من الطويل]:
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ رَهْطًا تَبَايَعُوا … عَلَى مَلأٍ يُهْدَى لِخَيْبر وَيُرْشَدُ
قُعُودٍ لَدَى جَنْبِ الْحَطِيمِ كَأَنَّهُ … مَقَاوَلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزّ وَأَمْجَدُ
هُمُ رَجَعُوا سَهْلَ بْنَ بَيْضَاءَ رَاضِيًا … فَسُرَّ أَبُو بَكْرٍ بِهَا وَمُحَمَّدُ
أَلَمْ يَأَتِكُمْ أَنَّ الصَّحِيفَةَ مُزِّقَتْ … وَأَنْ كُلَّ مَا لَمْ يَرْضَهُ اللهُ مُفْسَدُ
أَعَانَ عَلَيْهَا كُلُّ صَقْرٍ كَأَنَّهُ … إِذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدِّرْعِ أَحْرَدُ
أسلم سهل ابن بيضاء بمكة، وأخفى إسلامه، فأخرجته قريش معهم إلى بدر، فأُسر يومئذ مع المشركين، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه بمكة يصلي، فخُفي عنه، ولا أعلم له رواية، ومات بالمدينة. انتهى (١).
(إِلا فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وفي الرواية التالية: "إلا في جوف المسجد".
وهذا يدلّ على جواز الصلاة على الميت في المسجد، وفيه خلاف بين
أهل العلم سنتكلّم عليه في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٢٢٥٢ و ٢٢٥٣ و ٢٢٥٤] (٩٧٣)، و (أبو دا ود) في "الجنائز" (٣١٨٩)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٣٣)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٦٨) وفي "الكبرى" (١/ ٦٣٩)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥١٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٧٩/ ٦ و ١٣٣ و ١٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥١ - ٥٢)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٧٣٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٦/ ٢٠٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٥٢٦)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٢٩)، والله تعالى أعلم.
стр. 10848
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الصلاة على الميت في المسجد، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٢ - (منها): جواز صلاة النساء على الجنائز، وليس المراد بالصلاة هنا الدعاء، بل المراد الصلاة المعهودة على الميت، وأما قول القاضي عياض ﵀: المراد بهذه الصلاة الدعاء (١)، ففيه نظر، بل الحقّ أنها الصلاة المعهودة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): فضل علم عائشة ﵂، فإنها حفظت من السنّة ما جهله الكثيرون من الصحابة والتابعين، حتى أنكروا عليها؛ لجهلهم، فردّت عليهم، وتعجّبت من سرعة النسيان إليهم في سنّة فعلها النبي ﷺ -بمشهد من الجميع الكثير، وهو صلاته على ابني البيضاء في المسجد.
٤ - (ومنها): بيان أن السنة لا تترك لإنكار بعض الناس لها؛ جهلاً، بل ينبغي إظهارها للناس، وتعليم الجاهلين بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الجنازة في المسجد:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في الصلاة على الجنائز في المسجد، فروينا أن أبا بكر -ضي الله عنه- مسجد، وصُلِّي على عمر بن الخطّاب في المسجد.
وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال مالك: لا يُصلّى على الجنازة في المسجد، إلا أن يتضايق المكان، وكره أن توضع الجنازة في المسجد.
قال ابن المنذر ﵀: وفي صلاة من حضر، فصلّى على أبي بكر من المهاجرين والأنصار قدوة لمن أراد الاقتداء بهم، وحجّة، وكذلك صلاتهم على عمر في المسجد، وقد روينا عن النبيّ ﷺ أنه صلّي علي سُهيل ابن بيضاء في المسجد. انتهى (٢).
стр. 10849
وقال الحافظ أبو عمر ﵀: وصلاة رسول الله ﷺ علي سهيل ابن بيضاء من أصحّ ما يُروى عن النبيّ ﷺ من أخبار الآحاد العدول.
وهو قول الشافعيّ، وجمهور أهل العلم، وهي السنّة المعمول بها في الخليفتين بعد رسول الله ﷺ ، صلّى عمر على أبي بكر الصّدّيق في المسجد، وصلى صُهيب على عمر في المسجد بمحضر كبار الصحابة، وصدر السلف، من غير نكير، وما أعلم من يُنكر ذلك إلا ابن أبي ذئب.
ورويت كراهية ذلك عن ابن عبّاس من وجوه لا تصحّ، ولا تثبت، وعن بعض أصحاب مالك، ورواه عن مالك، وقد رُوي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة، وغيرهم، وقد قال في المعتكف: لا يخرج إلى جنازة، فإن اتصلت الصفوف به في المسجد، فلا يصلي عليها مع الناس.
وعن مالك قال: لا يعجبني أن يُصَلَّى على أحد في المسجد، قال: ولو فَعَل ذلك فاعل ما كان ضيّقًا، ولا مكروهًا، فقد صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن بيضاء في المسجد، وصلّى عمر على أبي بكر في المسجد، وصلى صُهيب على عمر في المسجد.
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، والثوريّ، عن هشام بن عروة، قال: رأى أبي الناس يخرجون من المسجد ليصلّوا على جنازة، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ ما صُلِّي على أبي بكر إلا في المسجد.
[فإن قيل]: إن الناس الذين أنكروا على عائشة ﵂ أن يُمَرَّ عليها بجنازة سعد بن أبي وقّاص في المسجد، هم الصحابة، وكبار التابعين، لا محالة؟.
أقيل لهم،: ما رأت عائشة إنكارهم بكبير، ورأت الحجّةَ في رسول الله ﷺ ؛ إذ هو الأسوة الحسنة، والقدوة، وأين المذهب، والرغبة عن سنته ﷺ ، ولم يأت عنه ما يخالفها من وجه معروف، ولو لم تكن في هذا الباب سنّة ما وجب أن يُمنَع عن ذلك؛ لأن الأضل الإباحة حتى يرد المنع والحظر، فكيف، وفي إنكار ذلك جهل السنّة، والعملِ القديم بالمدينة.
ألا ترى أن قول عائشة ﵂: "ما أسرع الناس" تريد إلى إنكارها ما يعلمون، وترك السؤال عما يجهلون. وقد روي: "ما أسرع ما ينسى الناس"، وليس من نَسِيَ علمًا حجة على من ذكره، وعَلِمَه.
стр. 10850
وقد احتجّ بعض من تُعميه نفسه من المنتسبين إلى العلم في كراهية الصلاة على الجنائز في المسجد؟ لأن رسول الله ﷺ نَعَى للناس النجاشيّ، وخرج بهم إلى المصلى، فصفّهم، وكبّر أربع تكبيرات، قال: ولم يصلّ عليه في المسجد، وفي احتجاجه هذا ضروب من الإغفال.
[منها]: أنه لا يرى الصلاة على الغائب، وصلاة النبي ﷺ على النجاشيّ خصوص له عنده.
[ومنها]: أنه ليس في صلاة رسول الله ﷺ على الجنازة في موضع، ولا صلاة العيد في موضع دليلٌ على أن صلاة العيد، وصلاة الجنائز لا تجوز إلا في ذلك الموضع، والمسلمون في كلّ أفق لهم مصلى في العيد، يخرجون إليه، ويُصلّون فيه، ولا يقول أحد من علمائهم: إن الصلاة لا تجوز إلا فيه. وكذلك صلاتهم في المقابر على جنائزهم، ليس فيه دليل على أنه لا يُصلّى على الجنائز إلا في المقبرة، وما لم يَنْهَ عنه الله ، ورسوله ﷺ ، فمباح فعله، فكيف بما فعله رسول الله ﷺ . انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر ﵀ ببعض تصرّف (١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ.
وقال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث دليل للشافعيّ، والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد، وممن قال به أحمد، وإسحاق، قال ابن عبد البرّ: ورواه المدنيّون في "الموطأ" عن مالك، وبه قال ابن حبيب المالكيّ، وقال ابن أبي ذئب، وأبو حنيفة، ومالك في المشهور عنه: لا تصحّ الصلاة عليه في المسجد بحديث في "سنن أبي داود": "من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له". ودليل الشافعيّ، والجمهور حديث سهيل ابن بيضاء. وأجابوا عن حديث "سنن أبي داود" بأجوبة:
[أحدها]: أنه ضعيف، لا يصحّ الاحتجاج به، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف، تفرّد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف.
[الثاني]: أن الذي في النسخ المشهورة المحقّقة المسموعة من "سنن أبي
стр. 10851
داود": "ومن صلّى على جنازة في المسجد، فلا شيء عليه"، ولا حجّة لهم حينئذ فيه.
[الثالث]: أنه لو ثبتٌ الحديث، وثبت أنه قال: "فلا شيء له"، لوجب تأويله على: فلا شيء عليه، ليُجمَع بين الروايتين، وبين هذا الحديث، وحديث سهيل ابن بيضاء، وقد جاء "له" بمعنى "عليه"، كقوله : ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
[الرابع]: أنه محمول على نقص الأجر في حقّ من صلّى في المسجد، ورجع، ولم يشيّعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة، وحضور دفنه (١)، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال أهل العلم، وأدلتهم في حكم الصلاة على الجنازة في المسجد أن المذهب الصحيح، هو ما عليه الجمهور، من أنه جائز، بلا كراهة؛ لأن أدلة المانعين غير صالحة لمعارضة ما صحّ عن النبيّ ﷺ ، وعن الخلفاء الراشدين ﵃، كما سبق تفصيله، وأما حديث أبي داود: "من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له " فضعيف لا حاجة إلى تأويله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة النساء على الجنائز:
[اعلم]: أن حديث الباب يدلّ على مشروعيّة صلاة النساء على الجنائز، قال الباجيّ ﵀: هذا الذي يقتضيه مذهب مالك، وقال الشافعيّ: لا يصلي النساء على الجنائز، والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصحّ أن يفعلها الرجال، فصحّ أن يفعلها النساء، كصلاة الجماعة، وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز، وإن اختلفا في صفتهما. انتهى.
стр. 10852
وقال ابن قُدامة: يصلّي النساء جماعةً، إمامتهن في وسطهنّ، نَصّ عليه أحمد، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيّ: يصلين منفردات، لا يسبق بعضهنّ بعضًا، وإن صلين جماعة جاز.
قال: ولنا أنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعةً، كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهنّ بعضًا تَحَكمٌ، لا يصار إليه إلا بنصّ أو إجماع، وقد صلى أزواج النبيّ ﷺ على سعد بن أبي وقاص ﵁. انتهى (١).
وقال في "المرعاة": ويدلّ على صلاة النساء مع الرجال جماعة ما رواه الحاكم أن أبا طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عُمير بن أبي طلحة حين تُوفّي، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فصلى عليه في منزلهم، فتقدّم رسول الله ﷺ ، وكان أبو طلحة وراءه، وأم سُليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم، قال الحاكم: حديث صحيحٌ على شرط الشيخين، وسنّة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز، ووافقه الذهبيّ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صحيح، كما قال الحاكم، ووافقه الذهبيّ، ولكنه على شرط مسلم، كما قال الشيخ الألبانيّ (٣)، فإن عمارة بن غزيّة من رجال مسلم، وإنما علّق له البخاريّ، فتنبّه.
والحاصل أن الحقّ جواز صلاة النساء على الجنائز مع الرجال، أو منفردات؛ للأحاديث المذكورة، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَّنهَا (٤) لَمَّا تُوُفَّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النّبِيُّ ﷺ أَنْ
стр. 10853
يَمُرُّوا بِجَنَازَتهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ، يُصَلِّينَ عَلَيْهِ، أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ، فَبَلَغَهُنَّ أَن النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ فاضلٌ ربما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر قليلًا [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيه، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون ذُكروا قبله، و"عبد الواحد" هو ابن حمزة.
وقوله: (لَمَّا تُوُفيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاصٍ)؛ أي: في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وذلك سنة (٥٥) على المشهور، وحُمل إلى المدينة على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في خلافة معاوية ﵁، وكان على المدينة مروان (١).
وقوله: (أَنْ يَمُرُّوا) بالبناء للفاعل؛ أي: يمرّ الناس الذين حملوا جنازته.
وقوله: (فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ) الظاهر أن المراد الصلاة المعهودة على الجنازة، لا الدعاء، كما زعمه القاضي عياض، فتنبّه.
وقوله: (فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَ، يُصَلِّينَ عَلَيْهِ) هذا ظاهرٌ أنهنّ صلّين عليه
стр. 10854
منفردات بأن وُقف به على باب حجرة كلّ واحدة منهنّ، فصلّين عليه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يصلين عليه"؛ أي: يدعون له، وهذا بعد أن صُلي عليه الصلاة الجامعة، ويَحْتَمِل أن تكون هذه الصلاة الجامعة، ويكون معنى قوله: "فوُقف به على حُجَرهنّ" على هذا؟ أي: حُبس بين حُجَرهنّ حتى يجتمع الناس للصلاة عليه، فيُصلّين عليه في جملة الناس.
قال القرطبي: قلت: وظاهره أنهنّ صلّين عليه صلاةً أخرى، وفيه في ليلٌ لمن قال بجواز إعادة الصلاة على الميت، كما تقدّم. انتهى (١).
وقوله: (وَأُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ) فيه أنه كان باب معدّ لخروج الجنائز من المسجد بعدما صلّي عليه، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي ابْنَ عثمَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ عَائِشَةَ، لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاصٍ، قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأُنكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ، قَالَ مُسْلِم: سُهَيْلُ ابْنُ دَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ، أمُّهُ بَيْضَاءُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل بابًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
стр. 10855
٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيلي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٥ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٣ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ) تقدّم أن اسم أخيه سهل بن بيضاء.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) صاحب الكتاب ﵀ (سُهَيْلُ ابْنُ دَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ، أَمُّهُ بَيْضَاءُ)، تقدّم أن دعد اسمها، والبيضاء لقبها، ولم أجد ترجمتها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: إسناد هذا الحديث قد تكلّم فيه الدارقطنيّ: ﵀، فقال: قد خالف الضحاكَ حافظان: مالكٌ، وعبد العزيز الماجِشُون، فروياه عن أبي النضر، عن عائشة مرسلًا (١)، وقيل: عن الضحاك، عن أبي النضر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ولا يصح إلا مرسلًا (٢). انتهى كلام الدارقطنيّ.
وقد أجاب النوويّ كعادته عن هذا الاستدراك، فقال: هذه الزيادة التي زادها الضحاك زيادة ثقةٌ، وهي مقبولة؛ لأنه حَفِظَ ما نسيه غيره، فلا تقدح فيه. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: جواب النوويّ ﵀ هذا قد تقدّم تعقّبه بأنه ليس على إطلاقه، بل يحتاج إلى حال المخالفة، هل المخالف ممن يُقبل خلافه أم لا؟ وهنا ليس كذلك؛ لأن الضحاك بن عثمان كما سبق في ترجمته صدوقٌ