داود": "ومن صلّى على جنازة في المسجد، فلا شيء عليه"، ولا حجّة لهم حينئذ فيه.
[الثالث]: أنه لو ثبتٌ الحديث، وثبت أنه قال: "فلا شيء له"، لوجب تأويله على: فلا شيء عليه، ليُجمَع بين الروايتين، وبين هذا الحديث، وحديث سهيل ابن بيضاء، وقد جاء "له" بمعنى "عليه"، كقوله : ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
[الرابع]: أنه محمول على نقص الأجر في حقّ من صلّى في المسجد، ورجع، ولم يشيّعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة، وحضور دفنه (١)، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال أهل العلم، وأدلتهم في حكم الصلاة على الجنازة في المسجد أن المذهب الصحيح، هو ما عليه الجمهور، من أنه جائز، بلا كراهة؛ لأن أدلة المانعين غير صالحة لمعارضة ما صحّ عن النبيّ ﷺ ، وعن الخلفاء الراشدين ﵃، كما سبق تفصيله، وأما حديث أبي داود: "من صلى على جنازة في المسجد، فلا شيء له " فضعيف لا حاجة إلى تأويله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة النساء على الجنائز:
[اعلم]: أن حديث الباب يدلّ على مشروعيّة صلاة النساء على الجنائز، قال الباجيّ ﵀: هذا الذي يقتضيه مذهب مالك، وقال الشافعيّ: لا يصلي النساء على الجنائز، والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصحّ أن يفعلها الرجال، فصحّ أن يفعلها النساء، كصلاة الجماعة، وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز، وإن اختلفا في صفتهما. انتهى.
стр. 10852
وقال ابن قُدامة: يصلّي النساء جماعةً، إمامتهن في وسطهنّ، نَصّ عليه أحمد، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعيّ: يصلين منفردات، لا يسبق بعضهنّ بعضًا، وإن صلين جماعة جاز.
قال: ولنا أنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعةً، كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهنّ بعضًا تَحَكمٌ، لا يصار إليه إلا بنصّ أو إجماع، وقد صلى أزواج النبيّ ﷺ على سعد بن أبي وقاص ﵁. انتهى (١).
وقال في "المرعاة": ويدلّ على صلاة النساء مع الرجال جماعة ما رواه الحاكم أن أبا طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عُمير بن أبي طلحة حين تُوفّي، فأتاهم رسول الله ﷺ ، فصلى عليه في منزلهم، فتقدّم رسول الله ﷺ ، وكان أبو طلحة وراءه، وأم سُليم وراء أبي طلحة، ولم يكن معهم غيرهم، قال الحاكم: حديث صحيحٌ على شرط الشيخين، وسنّة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز، ووافقه الذهبيّ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صحيح، كما قال الحاكم، ووافقه الذهبيّ، ولكنه على شرط مسلم، كما قال الشيخ الألبانيّ (٣)، فإن عمارة بن غزيّة من رجال مسلم، وإنما علّق له البخاريّ، فتنبّه.
والحاصل أن الحقّ جواز صلاة النساء على الجنائز مع الرجال، أو منفردات؛ للأحاديث المذكورة، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَّنهَا (٤) لَمَّا تُوُفَّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النّبِيُّ ﷺ أَنْ
стр. 10853
يَمُرُّوا بِجَنَازَتهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا، فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ، يُصَلِّينَ عَلَيْهِ، أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ، فَبَلَغَهُنَّ أَن النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، عَابُوا عَلَيْنَا أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إِلا فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ السمين، صدوقٌ فاضلٌ ربما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر قليلًا [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيه، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون ذُكروا قبله، و"عبد الواحد" هو ابن حمزة.
وقوله: (لَمَّا تُوُفيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاصٍ)؛ أي: في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وذلك سنة (٥٥) على المشهور، وحُمل إلى المدينة على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في خلافة معاوية ﵁، وكان على المدينة مروان (١).
وقوله: (أَنْ يَمُرُّوا) بالبناء للفاعل؛ أي: يمرّ الناس الذين حملوا جنازته.
وقوله: (فَيُصَلِّينَ عَلَيْهِ) الظاهر أن المراد الصلاة المعهودة على الجنازة، لا الدعاء، كما زعمه القاضي عياض، فتنبّه.
وقوله: (فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَ، يُصَلِّينَ عَلَيْهِ) هذا ظاهرٌ أنهنّ صلّين عليه
стр. 10854
منفردات بأن وُقف به على باب حجرة كلّ واحدة منهنّ، فصلّين عليه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يصلين عليه"؛ أي: يدعون له، وهذا بعد أن صُلي عليه الصلاة الجامعة، ويَحْتَمِل أن تكون هذه الصلاة الجامعة، ويكون معنى قوله: "فوُقف به على حُجَرهنّ" على هذا؟ أي: حُبس بين حُجَرهنّ حتى يجتمع الناس للصلاة عليه، فيُصلّين عليه في جملة الناس.
قال القرطبي: قلت: وظاهره أنهنّ صلّين عليه صلاةً أخرى، وفيه في ليلٌ لمن قال بجواز إعادة الصلاة على الميت، كما تقدّم. انتهى (١).
وقوله: (وَأُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ) فيه أنه كان باب معدّ لخروج الجنائز من المسجد بعدما صلّي عليه، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي ابْنَ عثمَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ عَائِشَةَ، لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقاصٍ، قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأُنكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ، قَالَ مُسْلِم: سُهَيْلُ ابْنُ دَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ، أمُّهُ بَيْضَاءُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل بابًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
стр. 10855
٣ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيلي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٥ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٣ ص ٤٢٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (سُهَيْلٍ، وَأَخِيهِ) تقدّم أن اسم أخيه سهل بن بيضاء.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) صاحب الكتاب ﵀ (سُهَيْلُ ابْنُ دَعْدٍ، وَهُوَ ابْنُ الْبَيْضَاءِ، أَمُّهُ بَيْضَاءُ)، تقدّم أن دعد اسمها، والبيضاء لقبها، ولم أجد ترجمتها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: إسناد هذا الحديث قد تكلّم فيه الدارقطنيّ: ﵀، فقال: قد خالف الضحاكَ حافظان: مالكٌ، وعبد العزيز الماجِشُون، فروياه عن أبي النضر، عن عائشة مرسلًا (١)، وقيل: عن الضحاك، عن أبي النضر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ولا يصح إلا مرسلًا (٢). انتهى كلام الدارقطنيّ.
وقد أجاب النوويّ كعادته عن هذا الاستدراك، فقال: هذه الزيادة التي زادها الضحاك زيادة ثقةٌ، وهي مقبولة؛ لأنه حَفِظَ ما نسيه غيره، فلا تقدح فيه. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: جواب النوويّ ﵀ هذا قد تقدّم تعقّبه بأنه ليس على إطلاقه، بل يحتاج إلى حال المخالفة، هل المخالف ممن يُقبل خلافه أم لا؟ وهنا ليس كذلك؛ لأن الضحاك بن عثمان كما سبق في ترجمته صدوقٌ
стр. 10856
يُخطئ، فمخالفته لمالك والماجشون لا قيمة لها؛ لأنهما إمامان في الحفظ والإتقان، فلو خالف أحدهما لردّت مخالفته، فكيف وهما اثنان؟.
[فإن قيل]: قد ذُكر للضحاك متابع على الوصل، فقد تابعه حماد بن خالد الخيّاط، كما قاله الدارقطنيّ.
[قلت]: إن هذه المتابعة غير معتبرة؛ لأن حماد بن خالد قد خالف أصحاب مالك كلّهم، فقد رووه عنه، عن أبي النضر، عن عائشة، ولم يذكروا فيه أبا سلمة، فتكون روايته شاذة، فلا يصلح لمتابعة الضحّاك، فتفطّن.
والحاصل أن الصحيح هو ما قاله الدارقطنيّ من ترجيح الإرسال على الوصل؛ لما ذُكر (١).
لكن يُجاب عن المصنّف ﵀ بانه إنما أورد رواية الضحّاك من باب المتابعة، فقد أخرج الحديث قبله موصولًا عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂.
وقد تابع عبّاد بن عبد الله بن الزبير حمزة بن عبد الله بن الزبير، أخرجه أحمد، وابن حبّان في "صحيحه".
والحاصل أن الحديث صحيح موصول من الطريقين، فلا تضرّ العلة المذكورة في رواية الضحّاك، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقَالُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَقْبَرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِأَهْلِهَا)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٥] (٩٧٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وبَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ،
стр. 10857
وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ (١) لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيع، فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَّاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهم اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ"، وَلَمْ يُقِمْ (٢) قتيْبَةُ قَوْلَهُ: "وَأَتَّاكُمْ ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، نُسب لجدّه، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق يخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٧ - (عَائِشَةُ) ﵂ تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة.
стр. 10858
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه الأولين، وابن أبي نمر.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ كُلَّمَا) قال الطيبيّ ﵀: "كلما" ظرف فيه معنى الشرط، والعموم، وجوابه قوله: "يَخْرُجُ"، وهو العامل فيه، والجملة خبر "كان"، وهو حكاية معنى قول عائشة، لا لفظها الذي تلفّظت به، والمعنى: كان من عادة رسول الله ﷺ أنه إذا بات عند عائشة ﵂ أن يخرج في آخر الليل إلى البقيع (١).
وقوله: (كَانَ) وفي نسخة: "كانت " (لَيْلَتُهَا) فيه أنه ﷺ يخرج كلّ ليلة من ليالي عائشة ﵂، ولا ينفي ذلك أنه ربما خرج في ليلة غيرها، ولكنها ما رأته، وقال السنديّ في "شرح النسائيّ"؟ أي: في آخر عمره بعد حجة الوداع. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تحديد الوقت بكونه بعد حجة الوداع يحتاج إلى دليل، فالله تعالى أعلم.
وقوله: (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) الجارّ والمجرور متعلق بصفة لـ"ليلتها"، أو بحال منه.
(يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي تبعيّة (إِلَى الْبَقِيعِ)؛ أي: بقيع الغرقد، وفيه فضيلة الدعاء آخر الليل، وفضيلة زيارة قبور البقيع.
(فَيَقُولُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ) "دار" منصوب على النداء، والتقدير: يا أهل دار قوم، فحذف المضَاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: منصوب على الاختصاص، قال صاحب "المطالع": ويجوز جرّه على البدل من الضمير في "عليكم"، وقيل: الدار مقحم.
стр. 10859
وقال الخطابيّ: وفيه أنه سمى المقابر دارًا، فدلّ على أن اسم الدار يقع على المقابر، قال: وهو صحيح، فإن الدار في اللغة يقع على الرَّبْع المسكون، وعلى الخراب غير المأهول، كقول الشاعر:
يَا دَارَ مَيَّةً فَالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ
ثم قال:
أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ (١)
(وَأتَاكُمْ) بالقصر؛ أي: جاءكم، قال ابن الملك: وإنما قال: "أتاكم"؛ لأن ما هو آت كالحاضر. انتهى. أو لتحقّقه كأنه وقع (٢).
وقال القاري: ووقع في بعض نسخ "المشكاة": "وآتاكم" بالمدّ؛ أي: أعطاكم تحقيق لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ الآية [آل عمران: ١٩٤]. انتهى (٣).
(مَا تُوعَدُونَ)؛ أي: ما كنتم توعدون به من الثواب، أوأعمّ منه ومن العذاب، وقوله: (غَداً) متعلّق بما قبله، وَيحْتَمل تعلّقه بما بعده، وهو قوله: (مُؤَجّلُونَ)؛ أي: أنتم مؤخّرون، وممهلون إلى غد باعتبار أجوركم استيفاءً واستقصاءً، فالجملة مستأنفة مبيّنة أن ما جاءهم من الموعود أمور إجماليّة، لا أجور تفصيليَّة.
وقال الطيبيّ ﵀ إعرابه مشكلٌ، وإن حمل على الحال المؤكّدة من واو "توعدون " على حذف الواو والمبتدأ كان فيه شذوذان، قال ابن حجر الهيتميّ: وهو سائغ إذا دلّ عليه السياق كما هنا، قال الطيبيّ: ويجوز حمله على الإبدال من "ما توعدون "؟ أي: أتاكم ما تؤجّلونه أنتم، والأجل الوقت المضروب المحدود في المستقبل؛ لأن ما هو آتٍ بمنزلة الحاضر. انتهى (٤).
وقال القاري بعد ذكره كلام الطيبيّ هذا ما نصّه: وهو كما قال ابن حجر بعيد، تكلّف جدًّا، بل السياق ينبو عنه. انتهى (٥).
стр. 10860
(وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ)؛ أي: يا أهل المقبرة بالخصوص (لَاحِقُونَ) لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، قيل: تُدفن، قاله القارى (١).
[تنبيه]: اختُلف في إتيانه بالاستثناء مع أن الموت لا شكّ فيه على أقوال:
[أحدها]: وهو أظهرها: أنه ليس للشكّ، وإنما هو للِتبرّك، وامتثال أمر الله له بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٣، ٢٤].
قال الحافظ أبو عمر ﵀: الاستثناء قد يكون في الواجب، لا شكًّا، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولا يُضاف الشك إلى الله تعالى.
[والثاني]: أنه عادة المتكلّم، يُحسّن به كلامَهُ.
[والثالث]: أنه عائد إلى اللحوق في هذا المكان، والموتِ بالمدينة.
[والرابع]: أن "إن" بمعنى "إذ".
[والخامس]: أنه راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه.
[والسادس]: أنه كان معه من يظن بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم.
وحكى الحافظ أبو عمر أنه عائد إلى معنى "مؤمنين"؛ أي: لاحقون في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها أحد، ألا ترى قول إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، ولأن نبينا ﷺ مكان يقول: "اللهم اقبضني إليك غير مفتون".
واستبعد الأبيّ الثالث بقوله ﷺ للأنصار: "المحيا محياكم، والممات مماتكم"، قال: إلا أن يكون قال ذلك قبلُ. انتهى.
وقال النووي ﵀ بعد ذكر الأقوال الأربعة الأُوَل ما نصّه: وقيل: أقوال أُخَر ضعيفة جدًّا، تركتها لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها قول من قال:
стр. 10861
الاستثناء منقطع، راجع إلى استصحاب الإيمان. وقول من قال: كان معه ﷺ مؤمنون حقيقة، وآخرون يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين، فهما خطأ ظاهر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو أقرب الأقوال عندي، فالاستثناء للتبرّك، والله تعالى أعلم.
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ") هو موضع بظاهر المدينة، فيه قبور أهلها، قال في "النهاية": هو المكان المتسع، ولا يسمّى بقيعًا إلا وفيه شجر، أوأصولها، والغرقد شجر، والآن بقيت الإضافة، دون الشجر.
وقال النوويّ: سُمّي بقيع الغرقد، لغرقد كان فيه، وهو ما عَظُم من العَوْسج (١)، وفيه إطلاق الأهل على ساكن المكان، من حيّ وميت. انتهى (٢).
وفيه أن الدعوة الإجماليّة على وجه العموم كافية (٣).
وقوله: (وَلَمْ يُقِمْ) يعني أنه لم يذكر في روايته، وفي نسخة: "ولم يقل" (قتيْبَةُ قَوْلَهُ: "وَأتاكُمْ") والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٢٥٥] (٩٧٤)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣/ ٢١٩)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٣٩) و"الكبرى" (٦/ ٢٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٨٥)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ١٠١٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٣)، وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي- إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأَمُرُكَ أَنْ تَأَتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ"، قَالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأَخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ").
رجال هذا الإسناد:
١ - (هَارُونُ بْنُ سعِيدٍ الأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٢٥/ ٢٩.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور، تقدّم قبل باب.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٥ - (عَبْدُ الله بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلبِ) بن أبي وَدَاعة الحارث بن صُبيرة بن سُعيد بن سَعْد بن سَهْم بن عَمرو بن هُصَيص بن كعب بن لُؤيّ بن غالب السهميّ، مقبول [٦].
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد سنة عشرين ومائة، وقال ابن عيينة: رأيت عبد الله أبن كثير سنة (٢٢) وكان قاصّ الجماعة، وذكر البخاريّ قول سفيان هذا في ترجمة عبد الله بن كثير الداريّ.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ) بن مخرمة بن المطّلب بن عبد مناف المطلبيّ، يقال: له رؤية، وقد وثقه أبو داود وغيره، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن النبيّ ﷺ مرسلًا، وعن أبي هريرة، وعائشة، وعن أمه، عن عائشة.
وروى عنه ابنه حكيم، وابن أبي مليكة، على خلاف فيه، وعبد الله بن
стр. 10864
كثير بن المطلب، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعمر بن عبد الرحمن بن مُحيصن، وابن جريج.
قال أبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر العسكريّ أنه أدرك النبيّ ﷺ ، وهو صغير.
أخرج له المصنف، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩٧٤) وحديث (٢٥٧٤).
٦ - (عَائِشَةُ) ﵂، ذُكرت قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ) بن أبي وَدَاعة السهميّ (أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ) المطّلبيّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (تحَدِّثُ) وقوله: (فَقَالَتْ) بيان وتوضيح لمعنى "تُحدِّث" (ألَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنِّي)؛ أي: عن قصتي التي جرت لي معه ﷺ (قُلْنَا: بَلَى)؛ أي: حدّثينا.
وقوله: (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد (وَحَدَّثَنى مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الْأَعْوَرَ) قال الحافظ أبو عليّ الغَسّانيّ الجيانيّ ﵀: هذا الحديث أحد الأحاديث المقطوعة في مسلم، قال: وهو أيضًا من الأحاديث التي وُهِمَ في رواتها، وقد رواه عبد الرزاق في "مصنّفه" عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة، أنه سمع عائشة. انتهى.
قال القاضي عياض ﵀: قوله: إن هذا مقطوع لا يُوافَقُ عليه، بل هو مُسْنَدٌ، وإنما لم يُسَمِّ راويه له، فهو من باب المجهول، لا من باب المنقطع؛ إذ المنقطع ما سقط من رواته راوٍ قبل التابعيّ.
وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ)؛ أي: إن لفظ الحديث لحجاج الأعور، وقوله: (قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) قال القاضي عياض ﵀: هذا إشكال آخر في هذا السند؛ إذ يوهم أن حجاجًا الأعور حدَّث به عن آخر، يقال له: حجاج بن محمد، وليس كذلك، بل حجاج الأعور هو حجاج بن محمد، بلا شكّ، وتقدير كلام مسلم: حدّثني من سمع حجاجاً الأعور، قال هذا المحدث:
стр. 10865
حدّثني حجاج بن محمد، فَحَكَى لفظ المحدِّث. انتهى كلام القاضي ﵀ (١). وهو تحقيق مفيدٌ.
وقال النوويّ ﵀: ولا يقدح رواية مسلم لهذا الحديث عن هذا المجهول الذي سمعه منه، عن حجاج الأعور؛ لأن مسلمًا ذكره متابعة لا متأصلًا مُعتَمَدًا عليه، بل الاعتماد على الإسناد الصحيح قبله. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: سنتكلّم مَن وصل رواية حجاج الأعور في المسألة الثانية -إن شاء الله تعالى-.
(حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) قال: (أخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو عبد الله بن كثير بن المطّلب المذكور في السند الذي قبله، هكذا في هذه الرواية أن شيخ ابن جريج هو عبد الله المذكور، وقد خالف في ذلك يوسف بن سعيد النسائيّ، فقال: عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، وقد رجّح الدارقطنيّ وغيره أن يوسف أخطأ في قوله: "ابن أبي مليكة"، إنما الصواب في هذا عبد الله بن كثير المذكور، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا -إن شاء الله تعالى- (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِب، أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: ألا أُحَدِّثُكُمْ) وفي نسخة: "ألا أخبركم" (عَنِّي وَعَنْ أُمِّي)؛ أيَ: عما جرى بيني وبين أمي من الحديث (قَالَ) عبد الله الراوي عن محمد بن قيس (فَظَنَنَّا أنَّهُ يُرِيدُ أمُّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ) يعني أنه لَمّا قال لهم: عنّي وعن أمي، ظنوا أنه يريد والدته، فإذا هو يريد أمه، وأم جميع المؤمنين عائشة ﵂، كما بيّنه بقوله: (قَالَ) محمد بن قيس (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (ألا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي) "كان" هنا تامّة، فلا تحتاج إلى خبر؛ أي: لما جاءت، وحضرت ليلتي (الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي) تعني ليلة نوبتها (انْقَلَبَ)؛ أي: تحوّل عن فراشه الذي اضطجع عليه، وقال السنديّ ﵀: أي: رجع من صلاة العشاء (فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ)؛ أي: ليمكنه الانتعال عند قيامه للخروج (وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ)؛ أي: نام عليه (فَلَمْ يَلْبَثْ) من باب تَعِب، وجاء في المصدر السكون للتخفيف،
стр. 10866
قاله في "المصباح" (١)؛ أي: لم يتأخر في مكانه (إِلَّا ريثَمَا) بفتح الراء، وإسكان الياء، وبعدها ثاء مثلثة: أي قَدْرَ ما (ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ)؛ أي: نِمْتُ، يقال: رَقَدَ رَقْدًا، من باب نصرَ، ورُقُودًا ورُقادًا: إذا نام ليلًا كان أو نهارًا، وبعضهم يخصُّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، قال المفسّرون: إذا رأيتهم حسبتهم أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتَّحةٌ، وهم نيامٌ (٢). (فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُويدًا)؛ أي: مترفّقًا متمهّلًا؛ لئلا ينَبّهها، وهو مصدر في موضع الحال، قاله القرطبيّ. (وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ) زاد في بعض النسخ: "رُويدًا" (فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رُوَيْدًا)؛ أي: أغلق الباب بلطف؛ لئلَا تَعْلَم بخروجه، وبقائها في الليل وحدها، فتستوحش، وتُذعَرَ. (جَعَلْتُ دِرْعِي)؛ أي: قميصي (فِي رَأسِي، وَاخْتَمَرْتُ)؛ أي: لبست الخِمَار، وهو بكسر الخاء المعجمة: ثوب تُغطِّي به المرأة رأسها، والجمع خُمُرٌ، مثل كتاب، وكُتُب، قاله في "المصباح". (وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي)؛ أي: جعلت إزاري قِنَاعًا، والظاهر أنها تلفَّفت به فوق خمارها.
وقال النوويّ ﵀: قولها: "وتقنّعت إزاري"، هكذا هو في الأصول "إزاري" بغير باء في أوله، وكأنه بمعنى لبست إزاري، فلهذا عُدّي بنفسه. انتهى.
(شُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ)؛ أي: في إثره؛ أي: بعده، يقال: تبعتُهُ في أَثَرِهِ -بفتحتين- وإِثْرِه- بكسر الهمزة، وسكون المثلُثة-؛ أي: تبعته عن قرب، أفاده في "المصباح"، والذي حملها على خروجها خلفه، ومتابعتها لما صنعه المغيرة، ظنّت أنه خرج إلى بعض أزواجه.
(حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ) بفتح الموحّدة، وكسر القاف: هو المكان المعروف بالمدينة، وتقذم البحث فيه في شرح الحديث الماضي. (فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: دعا ثلاث مرّات، رافعًا يديه (ثُمَّ انْحَرَفَ)؛ أي: مال، راجعًا إلى بيته (فَأَنْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ) في المشي (فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ) يقال: هَرْوَل هَرْولةً: أسرع في مشيه، دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي
стр. 10867
والْعَدْو، وجعل جماعة الواو أصلًا، قاله في "المصباح"، وهو أشدّ من الإسراع (فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ فَأَحضَرْتُ) بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، من الإحضار، وهو العَدْوُ، ومثله الْحُضْر بالضمّ؛ أي: عَدَا، فعدوت، يقال: عدا في مشيه عَدْوًا، من باب قال: قارب الْهَرْوَلة، وهو دون الْجَرْي، قاله في "المصباح"؛ أي: زاد في الإسراع أشدّ من الذي قبله، فازددَت أنا فيه (فَسبَقْتُهُ)؛ أي: في الوصول إلى البيت (فَدَخَلْتُ) البيت (فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ)؛ أي: ليس شيءٌ بعد دخول البيت إلا اضطجاعي، فالمؤول بالمصدر خبر "ليس"، واسمها محذوف، كما قدّرناه، أو المؤول اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: واقعًا منّي، وقال السنديّ: أي: فليس بعد الدخول منّي إلا الاضطجاع، فالمذكور اسم "ليس"، وخبرها محذوف. انتهى.
(فَدَخَلَ) البيت (فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَ) بالترخيم، ويجوز فيه فتح الشين، ويسمى لغة من ينتظر الحرف المحذوف للترخيم، وضمها، ويسمى لغة من لا ينتظره، وهما وجهان جاريان في كل المرخمات، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ … فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ
وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا … لَو كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا
فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ يَا … ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّانِي بِيَا
وقوله: (حَشْيَا) منصوب على الحال، وهو بفتح الحاء المهملة، وإسكان الشين المعجمة، مقصورًا؛ أي: مرتفعةَ النَّفَس، متواترتَهُ، كما يحصل للمسرع في المشي، وقال النوويّ: معناه: وقد وقع عليكِ الْحَشَا، وهو الربو، والتهيّج، الذي يَعرِض للمسرع في مشيه، والْمُحْتَدِّ في كلامه، من ارتفاع النفَس، وتواتره، يقال: امرأة حَشْيا، وحَشْيَةٌ، ورجل حَشْيَان، وحَشٍ، قيل: أصله من أصاب الربو حشاه. انتهى.
وقوله: (رَابِيَةً؛ ")؛ أي: مرتفعة البطن (قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ)؛ أي: لم يوجد مني شيء يوجب ذلك، وقال النوويّ ﵀: وقع في بعض الأصول: "لا بي شيء" بباء الجر، وفي بعضها: "لأيّ شيء" بتشديد الياء، وحذف الباء، على الاستفهام، وفي بعضها: "لا شيء"، وحكاها القاضي، قال: وهذا الثالث أصوبها. انتهى.
стр. 10868
وقال القرطبيّ ﵀: قيّد الأسديّ هذا الحرف "لأيّ شيء؛ " بالياء المثناة تحتُ، وخفض "شيء" على الاستفهام؛ تغطيةً لحالها، كأنها تقول: لأيّ شيء تسأل؟، ورواه العذريّ: "لا بي شيءٌ" بالباء الموحّدة، ورفع "شيء"، على أن تكون "لا" بمعنى "ليس "؛ أي: ليس بي شيء، وهي روايتنا، وفي بعض النسخ: "لا شيء"، وهي أقربها. انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ ("لَتُخْبِرِينِي) بفتح اللام وهي اللام الموطئة للقسم، والنون مخفّفة، وفي بعض النسخ مشدّدة؛ أي: والله لتُخبرنّي بما صنعتِ، وقال السنديّ: بفتح لام، ونون ثقيلة، مضارع للواحدة المخاطبة، من الإخبار، فتكسر الراء هنا، وتفتح في الثاني. انتهى.
(أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ")؛ أي: يوحي إليّ بذلك (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأمِّي) متعلق بمحذوف؛ أي: أفديك بأبي وأمي، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، أو "أنت" مبتدأ، والجار والمجرور متعلّق بالخبر المقدّر؛ أي: مَفْديٌّ بأبي وأمي (فَأَخْبَرْتُهُ)؛ أي: خبر ما جرى لها من متابعته ﷺ (قَالَ) ﷺ ("فَأّنتِ السَّوَادُ)؛ أي: الشخص (الَّذِي رَأَيْتُ) وفي نسخة: "رأيته" (أَمَامِي؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً) بفتح الهاء، والدال المهملة؛ أي: دفعني، وضربني بجُمْع كفّه، وفي بعض النسخ: "فلهزني في صدري لهزةً"، بفتح الهاء، والزاي المعجمة، وهما متقاربان، قال النوويّ: قال أهل اللغة: لَهَدَه، ولَهَّدَه -بتخفيف الهاء، وتشديدها- أي: دفعه. ولَهَزَه: إذا ضربه بجُمْعِ كفه في صدره، ويقرب منهما لَكَزَه، وَوَكَزَه. انتهى (٢). وهذا منه ﷺ كان تأديبًا لها من أجل سوء ظنّها به ﷺ (أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: "أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ) (عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ ") ﷺ أي أن يظلماكِ، يقال: حاف يَحيف، حَيْفًا: جار، وظلم، فهو حائف، وجمعه حَافَةٌ، وحُيَّفٌ، أفاده في "المصباح".
وقال السنديّ ﵀: أي بأن يَدخُل الرسول في نوبتك على غيرك، وذكر "الله" لتعظيم الرسول، والدلالةِ على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من الله تعالى، فلو كان منه جور لكان بإذن الله تعالى له فيه، وهذا غير ممكن،
стр. 10869
وفيه دلالة على أن القَسْم عليه واجب؛ إذ لا يكون تركه جورًا إلا إذا كان واجبًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح من أقول العلماء أن القسم ليس واجبًا على النبيّ ﷺ ، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
(قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُم النَّاسُ) "مهما" شرطية، ولذا جُزِم الفعل بعدها، وجوابها قولها: (يَعْلَمْا اللهُ نَعَمْ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع الأصول، وهو صحيح، وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس، يعلمه الله صدّقت نفسها، فقالت: نعم (قَالَ) ﷺ ("فَإَنَّ جِبْرِيلَ) ﵇ (أتانِي حِينَ رَأَيْتِ) مفعوله محذوف؛ أي: ما صنعته من وضع ردائي، فما بعده (فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْك)؛ أي: لئلا تفزعي، وتنزعجي (فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ) لما ذُكر (وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ)؛ أي: إنما ناداني من بعيد، ولم يدن مني؛ لأنه لا يدخل عليك (وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ) بكسر التاء لخطاب المرأة، والجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (وَظنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ)؛ أي: إنما فعلتُ كذلك لظني نومك (فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي) من عطف العلة على المعلول؛ أي: إنما كرهت إيقاظك، خشيةً من استيحاشك (فَقَالَ) جبريل ﵇ (إِن رَبَّكَ يَأَمُرُكَ أَنْ تَأَتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ") قال القرطبيّ ﵀: يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع، واستغفر، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى: "يصلي"، وقد قيل: إنه صلى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيّد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك: "فأصلي عليهم"، ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خاصّ بالنبيّ ﷺ ، والأول أظهر، وهذا محتمل. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيد جداً، ومما يبعده قولها: "ثم رفع يديه ثلاث مرار"، فالصواب أنه استغفر، ودعا لهم، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ) عائشة ﵂ (قُلْتُ: كيْفَ أقولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) المراد أهل القبور مطلقًا، لا خصوص أهل البقيع؛ أي كيف أقول من الذكر والدعاء عند زيارة القبور؟.
стр. 10870
(قَالَ) ﷺ (قُولي: "السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ)؛ أي: القبور، تشبيهًا للقبر بالدار في كونه مسكنًا (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) قال القرطبيّ ﵀ هذا يدلّ على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء؛ خلافًا لمن قال: إن تحية الميت: عليك السلام، بتقديم عليك، تمسكًا بما رُوي أن النبيّ ﷺ سلم رجل عليه، فقال: عليك السلام يا رسول الله، فقال: "لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحيَّة الموتى" (١)، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ﷺ إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى، كما قال شاعرهم:
عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
ومقصوده ﷺ أن سلام المؤمنين على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهليّة تفعله، وتقوله، والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه أخرجه أحمد، وأبو داود في "سننه" والترمذيّ، وصححه، والنسائيّ، وصححه الحاكم، عن أبي تميمة الْهُجَيميّ، عن أبي جُرَيّ -بالجيم، والراء، مصغرًا- قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: "لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى".
وقد اعترض الحافظ ﵀، كون البيت المذكور من شعر أهل الجاهلية، فإن قيس بن عاصم صحابيّ مشهور، عاش بعد النبيّ ﷺ والمرثية المذكورة لمسلم معروف، قالها لما مات قيس، ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجنّ رَثَوا عمر بن الخطاب بأبيات، منها:
عَلَيْكَ سلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ … يَدُ الله فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
وقال ابن العربيّ في السلام على أهل البقيع: لا يعارض النهي في حديث أبي جُرَيّ؛ لاحتمال أن يكون الله أحياهم لنبيّه ﷺ ، فسلم عليهم سلام الأحياء، كذا قال. قال الحافظ: ويردّه حديث عائشة المذكور (٣).
стр. 10871
وقال النوويّ: فيه ترجيح لقول من قال في قوله: "سلام عليكم دار قوم مؤمنين": إن معناه أهل دار قوم مؤمنين، وفيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقًا لا يجوز السلام عليه، والترحّم. انتهى (١).
(وَيرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا)؛ أي: المتقدّمين إلى الآخرة، فالسين والتاء فيه، وفي "المستأخرين" ليستا للطلب، بل زائدتان للتوكيد (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ)؛ أي: المتأخرين في الدنيا، وهم الأحياء، ففيه الدعاء بالرحمة للأحياء والأموات (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ") قد تقدّم في شرح الحديث الماضي بيان اختلاف العلماء في التقييد بهذا الاستئناء، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في ذكر من وصل رواية حجاج بن محمد الأعور التي أبهم المصنّف شيخه فيها:
قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀: هذا الحديث قد رويناه متّصلًا من طريق يوسف بن سعيد بن مسلم، عن حجاج، غير أنه قال: "عن حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن مُليكة"، فجعل بدل "عبد الله بن كثير بن المطّلب" عبد الله بن أبي مُليكة"، فخالف غيره من رُواة حجاج، وحديثهم أصحّ.
قال: أخبرنا حاتم بن محمد التميميّ، قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن فراس بمكة- حرسها الله- وحدّثنا محمد بن عتّاب، وعبد الملك بن زيادة الله التميميّ، قالا: نا المَاضي يونس بن عبد الله، قال: نا أبو عمر
стр. 10872
أحمد بن هلال بن زيد، قال: نا أبو عبيد الله محمد ربيع الْجِيزيّ، قال: نا يوسف بن سعيد بن مسلم، قال: نا حجّاج، عن ابن جُريج قال: أخبرني ابن أبي مُليكة سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تُحدّث، قالت: ألا أحدّثكم عثّي وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بلى، قالت: لَمّا كانت ليلتي التي هو عندي … ، واقتصّ الحديث بلفظ مسلم بن الحجاج.
قال: هكذا رَوَيناه من طريق أبي عبيد الله محمد بن الربيع الجِيزيّ، وكان ثقةً، وجعله في باب ابن أبي مليكة.
وقال أيضًا: أخبرناه أبو عمر النَّمَريّ، نا عبد الله بن محمد بن أسد، نا حمزة الكنانيّ، قال: أنا النسائيّ، قال: أنا يوسف بن سعيد -يعني المصّيصيّ- قال: نا حجاج- هو الأعور- عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي مُليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تقول، فذكر الحديث.
وأخبرنا أبو عمر النَّمَريّ، قال: نا خلف بن القاسم، قال: نا أبو عليّ بن السكن، نا أبو نعيم عبد الملك بن محمد الْجُرْجانيّ، حدّثني يوسف بن سعيد المصّيصيّ، نا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مُليكة، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخرمة.
قال أبو عليّ (١): وقد خُطئ يوسف بن سعيد في قوله: "عبد الله بن أبي مليكة"، ولم يُتابع عليه.
ذكر أبو الحسن الدارقطنيّ: نا أبو بكر النيسابوريّ، عبد الله بن محمد بن زياد، نا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدّثني عمّي، حدّثني ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخْرمة يقول: سمعت عائشة تُحدّث، وذكر الحديث بكماله.
قال أبو الحسن: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، نا يوسف بن سعيد، نا حجاج، عن ابن جريج، نا عبد الله بن أبي مليكة، سمعت محمد بن قيس بن مخرمة، فذكر الحديث.
стр. 10873
قال أبو الحسن: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، نا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله رجل من قريش، أنه سمع محمد بن قيس بن مَخرمة.
قال أبو بكر النيسابوريّ: هذا هو الصواب، وأخطأ يوسف بن سعيد في قوله: "ابن أبي مليكة".
قال الدارقطنيّ: هو عبد الله بن كثير بن المطّلب بن أبي وَدَاعة السهميّ.
قال الدارقطنيّ: وحدّثنا أبو بكر النيسابوريّ، قال: حدّثني أبو أميّة، نا رَوْح، نا ابن جريج، نا من سمع محمد بن قيس بن مخرمة يقول: سمعت عائشة بهذا.
ورواه عبد الرزّاق في "مصنّفه": عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة، أنه سمع عائشة تقول … ، وذكر الحديث.
هكذا رُوي لنا هذا الإسناد من طريق الدَّبَريّ مقطوعًا، لم يُذكر فيه "عبد الله بن كثير". انتهى كلام الحافظ الجيّانيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما ساقه الجيّانيّ، ونقله عن الدارقطنيّ، وأبي بكر النيسابوريّ أن الصواب في هذا الإسناد كون شيخ ابن جريج هو عبد الله بن كثير بن المطّلب، كما هو رواية الأكثرين، وهو عبد الله رجل من قريش، كما وقع في سند المصنّف الثاني، وليس عبد الله بن أبي مليكة، كما هو رواية يوسف بن سعيد المصّيصيّ عند النسائيّ.
والحاصل أن عبد الله رجل من قريش في سند المصنّف الثاني هو عبد الله بن كثير بن المطّلب المذكور في السند الأول، وليس ابن أبي مليكة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٢٥٦] (٩٧٤)، و (الترمذيّ) (٧٣٩)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٣٧ و ٢٠٣٩) وفي "الكبرى" (٢١٦٤) وفي باب "المغيرة" من "عشرة النساء" (٨٩١١ و ٨٩١٢)، و (ابن ماجه) (١٥٤٦)
стр. 10874
و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٧١٢) وقد سقط من سنده "عبد الله بن كثير"، و (أحمد) في "مسنده " (٦/ ٧١ و ١١١ و ٢٢١)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤٥٩٣ و ٤٦١٩ و ٤٧٤٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٣ - ٥٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يقال عند دخول المقبرة، من السلام على الموتى، والدعاء، والاستغفار لهم.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية القَسْم بين الزوجات في المبيت، وغيره.
٣ - (ومنها): بيان ما جُبلت عليه النساء، من المغيرة.
٤ - (ومنها)؛ بيان حسن أخلاق النبيّ ﷺ ، ورأفته بأهل بيته، حيث إنه لم يفعل ما يُدخل على عائشة ﵁ الوحشة، بل تلطّف في الخروج.
٥ - (ومنها): بيان كون الملائكة لا تدخل بيتاً، فيه امرأة وضعت ثيابها.
٦ - (ومنها): بيان رأفة الله تعالى، ورحمته بأهل البقيع حيث أمر نبيّه ﷺ أن يستغفر لهم.
٧ - (ومنها): بيان جواز ترخيم الاسم؛ إذا لم يكن فيه إيذاء للمرخّم.
٨ - (ومنها): بيان مشروعية تأديب الزوج زوجته بالضرب باليد ونحوه، ولو أوجعها ذلك.
٩ - (ومنها): بيان أن رسول الله ﷺ لا يظلم أحدًا؛ لأن الله يكرمه بالوحي، ويرشده إلى ما هو الصواب، فلا يقع في الحيف والظلم.
١٠ - (ومنها): بيان استحباب إطالة الدعاء، وتكريره، ورفع اليدين فيه.
١١ - (ومنها): بيان أن دعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور.
١٢ - (ومنها): بيان جواز زيارة النساء للقبور، وهو الصحيح، وقد تقدم تمام البحث في ذلك، فلا تغفل.
١٣ - (ومنها): أنه استدلّ بعضهم بقوله: "أن يحيف الله عليك، ورسوله" على أن القَسْم واجب على النبيّ ﷺ ، لكن الراجح من أقوال أهل العلم في ذلك عدم وجوب القسم عليه ﷺ -لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ
стр. 10875
مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، ولكنه ﷺ كان يَقسِم لكريم أخلاقه، وحسن عشرته ﷺ ، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه- إن شاء الله تعالى-.
١٤ - (ومنها): استحباب الدعاء المذكور في الحديث عند زيارة القبور.
١٥ - (ومنها): أن في قوله: "على أهل الديار" ترجيح قول من قال في قوله: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين": إن معناه أهل دار قوم مؤمنين.
١٦ - (ومنها): بيان أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقًا لا يجوز السلام عليه والترحّم، قاله النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٧] (٩٧٥) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسَدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ"، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ (٢)، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَل الله (٣) لنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللهِ الْأَسَدِيُّ) هو: أبو أحمد الزبيريّ، تقدّم قبل باب.
стр. 10876
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وله تسعون سنةً (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
٧ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو عبد الله الصحابيّ المشهور، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبيهِ) بريدة بن الْحُصيب ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا)؛ أيَ: خرج الصحابة ﵃ (إِلَى الْمَقَابِرِ)؛ أي: إلى زيارتها، وفي رواية النسائيّ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ قال: السلام عليكم … " (فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ) وقوله: (فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ) بيان لاختلاف شيخيه في لفظ الحديث، فلفظ شيخه أبي بكر بن أبي شيبة: فكان قائلهم يقول: (السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، وَفِي رِوَايَةِ) شيخه (زُهَيْرِ) بن حرب: فكان قائلهم يقول: ("السَّلَامُ عَلَيْكمْ أَهْلَ الدِّيَارِ،) بنصب "أهلَ" على النداء، أو الاختصاص، كما تقدّم بيان ذلك (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ)، وفي بعض النسخ زيادة: "والمسلمات"، وَيحتاج إلى تأكّد صحتها، والله تعالى أعلم.
(وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ) زاد في رواية النسائيّ: "أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ"، ومعنى قوله: "لنا فَرَط" بفتحتين؛ أي: متقدّمون علينا إلى الدار الآخرة، وأصل الفَرَط هو المتقدّم في طلب الماء، يُهَيّئ الدِّلَاء، والأَرْشاء،
стр. 10877
يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطًا، من باب قَعَد: إذا تقدم لذلك، يستوي فيه الواحد، والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ. أفاده في "المصباح" (١).
ومعنى قوله: "وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ"؛ أي: متبعون لكم، وآتون إلى الآخرة بعدكم، فـ"التبع " بفتحتين يستوي فيه الواحد، وغيره، يقال: تَبع زيد عمرًا، من باب تَعِبَ: مشى خلفه، أو مَرَّ به، فمضى معه، والمصلي تبع لإمامه، والناس تبعٌ له، ويكون واحدًا، وجمعًا، ويجوز جمعه على أتباع، مثلُ سبب وأسباب، قاله في "المصباح" أيضًا (٢).
(أَسْأَل اللهَ) وفي نسخة: "نسأل الله" (لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ)؛ أي: محوَ الذنوب عنّا وعنكم، يقال: عفا الله عنك؛ أي: محا ذنوبَك، وعفوتُ عن الحقّ: أسقطتُهُ، كأنك محوتَهُ عن الذي هو عليه، وعافاه الله: محا عنه الأسقام، و"العافية": اسم منه، وهي مصدر جاءت على فاعلة، ومثله ناشئةُ الليل، بمعنى نُشُوء الليل، والخاتمةُ: بمعنى الختم، والعاقبة: بمعنى الْعُقُب، و ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ [الواقعة: ٢]، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة بن الحصيب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٢٥٧] (٩٧٥)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٤٠) و"الكبرى" (٢١٦٧) و"عمل اليوم والليلة" (١٠٩١)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٤٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٥٣ و ٣٥٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٣)، و (ابن السنّيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٤)،
стр. 10878
و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٤) - (بَابُ اسْتِئذَانِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زِيَارةِ قَبْرِ أُمِّهِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٨] (٩٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اسْتَأذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي (١)، فَلَمْ يَأَذَنْ لي، وَاسْتَأَذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لي ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزَّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
стр. 10879
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فبغداديّان، والصحابيّ، فمدنيّ.
٣ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁، رَأسُ المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (اسْتَأَذَنْتُ رَبِّي)؛ أي: طلبت منه الإذن، وكان ذلك عام الفتح (أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي) وفي نسخة: "في أن أستغفر لأمي"؛ أي: أطلب لها أن يغفر ذنوبها (فَلَمْ يَأَذَنْ لِي) بالبناء للفاعل، وفي الرواية التالية: "فلم يؤذن لي" بالبناء للمفعول.
قال ابن الملك ﵀: إنما لم يأذن له؛ لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن الله لا يغفر لهم أبدًا، وقال النووي ﵀: فيه النهي عن الاستغفار للكفّار، وقال الشوكانيّ ﵀: فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام.
وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون هذا الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، ويَحْتَمِل أن يكون بعد ذلك؛ وارتجى خصوصية أمه بذلك، والله تعالى أعلم، وهذا التأويل الثاني أولى. انتهى (١).
(وَاسْتَاذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا) وكان بالأبواء، بين مكة والمدينة.
و"الزيارة" -بكسر الزاي، وتخفيف الياء-: معناه القَصْدُ، يقال: زاره، زِيارةً، وزَوْرًا -بالفتح-: قصده، فهو زائرٌ، وزَوْرٌ -بفتح، فسكون-، وقَوم زَوْرٌ أيضًا، وزُوّارٌ، مثلُ سافرٍ، وسَفْرٍ، وسُفَار، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ،
стр. 10880
وزائرات، والْمَزَار -بفتح الميم- يكون مصدرًا، وموضعُ الزيا رة، والزيَارةُ في الْعُرْف قَصْدُ المزور؛ إكرامًا له، واستئناسًا به، أفاده في "المصباح" (١).
(فَأَذِنَ لِي") بالبناء للفاعل، قال القاضي عياض ﵀: سبب زيارته ﷺ قبرها أنه قصد الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيّده قوله ﷺ في آخر الحديث: "فزوروا القبور، فإنها نها تذكر الموت لا، وقيل: زيارته ﷺ قبرها مع أنها كافرة تعليم منه للأمة حقوق الوالدين، والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٢٥٨ و ٢٢٥٩] (٩٧٦)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٢٣٤)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٣٤) و"الكبرى" (٢١٦١)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٦٩ و ١٥٧٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٤١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣١٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٥)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٣٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز زيارة قبر المشرك.
٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، وقد انقطع الأمل في إسلامهم ففي الحياة أولى؛ لأنه يمكن أن يُدعَوْا إلى الإسلام، ويشرح لهم محاسنه، وتكشف شبهاتهم، ويرغّبون في الدخول فيه، فيُرجَى بذلك إنقاذهم
стр. 10881
من النار، وقد ثبت في "الصحيح" أن غلامًا يهوديًّا كان يخدم النبيّ ﷺ ، فمرض، فعاده النبيّ ﷺ ، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم.
٣ - (ومنها): بيان جواز البكاء عند حضور المقابر؛ لما في الرواية التالية من كونه ﷺ بكى، وأبكى من حوله.
٤ - (ومنها): بيان النهي عن الاستغفار للمشركين.
٥ - (ومنها): بيان تأكُّد بِرِّ الوالدين، وأن إسلامهما ليس شرطًا في وجوب بِرّهما، بل يلزم برّهما ولو كانا مشركين، كما قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال صاحب "المرعاة في شرح المشكاة": الحديث بظاهره يدلّ على أن أمه ﷺ ماتت على غير الإسلام، وهو مذهب جمهور العلماء في شأن أبويه ﷺ ، وقد ترجم النسائيّ، وابن ماجه لهذا الحديث: "باب زيارة قبر المشرك".
قال السنديّ في حاشية النسائيّ: كأنه أخذ ما ذَكَرَ في الترجمة من المنع عن الاستغفار، أو من مجرّد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهليّة، لا من قوله: "فبكى، وأبكى"؛ إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحلّ العذاب، أو الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة، والإسلام أيضًا، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم ثلاث مسالك في ذلك:
مَسلَكُ أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فلعلّ من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصوّر الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شُرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين، وأما من يقول بأنهما أُحييا له ﷺ ، فآمنا به، فيَحمِل هذا الحديث على أنه كان قبل الإحياء، وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهو يقول: بمنع الاستغفار لهما قطعًا، فلا حاجة له إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك، والله تعالى أعلم. انتهى
стр. 10882
كلام السنديّ (١).
قال صاحب "المرعاة": ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف؛ لأن حديث إحياء أبويه ﷺ ضعيف جدًّا حتى حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، كالدارقطنيّ، والجوزقانيّ، وابن الجوزيّ، وابن دحية، وصرّح بضعفه فقط غير واحد، كابن شاهين، والخطيب، وابن عساكر، والسهيليّ، والمحبّ الطبريّ، وابن سيّد الناس، وقد اعترف بضعفه السيوطيّ أيضًا، حيث قال: وروى ابن شاهين حديثًا مسندًا في ذلك، لكن الحديث مضعّف.
وأما الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ فهي مكيّة، وزيارته ﷺ لقبر أمه كانت عام الفتح، وقيل: عام الحديبية، سنة ستّ من الهجرة، وقيل: الآية في حقّ الأمم السالفة السابقة خاصّة، وقيل: المنفيّ فيها عذاب الاستئصال في الدنيا، لا عذاب الآخرة، وقيل: المراد: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بعد مجيء الشرع، من أنواع العبادات والحدود.
وأما القول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهي دعوى مجرّدة، من غير برهان، فلا يُلتفت إليه.
قال النوويّ في شرح حديث أنس ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: "في النار"، قال: فلما قَفَّى دعاه، فقال: "إن أبي وأباك في النار"، ما نصّه: فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم. انتهى كلام النوويّ ﵀.
وهذا يدلّ على أن النوويّ يكتفي في وجوب الإيمان على كلّ أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلًا إليه، وإلى هذا ذهب الْحَلِيميّ، كما صرّح به في "منهاجه".
وقال القاري: الجمهور على أن والديه ﷺ ماتا كافرين، وهذا الحديث أصحّ ما ورد في حقّهما، وقول ابن حجر -يعني الهيتمي-: وحديث إحيائهما
стр. 10883
حتى آمنا به، ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبيّ، والحافظ ابن ناصر الدين (١)، فعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن حجر: حديث صحيح، غير صحيح، وكذا نسبته التصحيح إلى القرطبيّ، وابن ناصر الدين غير صحيحة أيضًا، فقد ذكر السيوطيّ مَن مال إلى القول بإحيائهما، وإيمانهما من العلماء: الخطيبَ، والسهيليّ، والقرطبيّ، والمحب الطبريّ، والعلامة ناصر الدين ابن المنيّر، وغيرهم، وذكر استدلالةم بالحديث المذكور، ثم قال: هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل: إنه موضوع إلى آخر كلامه، والسيوطىّ من أشدّ من حاول في إثبات النجاة لهما، ولكن عمدته في ذلك عموم الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية، وغيرها، والأدلة العقلية، فلو كان أحد من حفاظ الحديث قال بصحة هذا الحديث لذكره، ونصره، وهو مع شدة بحثه للأدلة في المسألة لم يستطع أن يصححه بكل ما أوتيه من العلم، وإنما دافع عن القول بوضعه فقط، ولم يبرهن على ذلك.
وبالجملة، فالحديث ما صححه عالم له عناية بالحديث، وإنما صححه من يَعْتَمِد على الرؤيا المنامية، والطرق الكشفية، التي لم يأذن الله تعالى بها في التشريع، وإنما غايتها إن كانت صحيحة أن يُستأنس بها في تثبيت ما ثبت
стр. 10884
شرعًا، لا في إثبات ما أبطله علماء الحديث، وغيرهم ممن أوجب الله تعالى اتباعهم على الأمة، وجعلهم مرجعًا لها في المعضلات، حيث قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقال القاري ﵀: ومنعوا جوازه أيضًا بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعًا، كما يدلّ عليه الكتاب والسنّة، وبأن الإيمان المطلوب من المكلّف إنما هو الإيمان الغيبيّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٨]. وهذا الحديث الصحيح صريح أيضًا في ردّ ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة، ولا عذاب عليهم، مع اختلاف في المسألة (١).
قال صاحب "المرعاة": واعلم أن هذه المسألة كثر النزاع والخلاف بين العلماء فيها، فمنهم من نصّ على عدم نجاة الوالدين، كما رأيت في كلام النوويّ، والقاري، وقد بسط الكلام في ذلك القاري في "شرح الفقه الأكبر"، وفي رسالة مستقلّة له، ومنهم من شَهِد لهما بالنجاة، كالسيوطيّ، وقد ألّف في هذه المسألة سبع رسائل (٢)، بسط الكلام فيها، وذكر الأدلة من الجانبين، من شاء رجع إليها، والأسلم، والأحوط عندي هو التوقّف، والسكوت. انتهى كلام صاحب "المرعاة".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى، والأسلم الوقوف مع النصوص الصحيحة، كحديث الباب، وحديث مسلم المذكور: "إن أبي وأباك في النار"، مع عدم التوسع والخوض بزيادة ما ليس في النصوص، وأما تصحيح حديث إحياء أبوي النبيّ ﷺ ، كما قال ابن حجر الهيتميّ فمما لا يُلتفت إليه، فإن جلّ الحفّاظ من المحدثين على أنه موضوع، كما أشرت إليه فيما تقدّم.
ثم إن هذه المسألة ما رأيت للمتقدّمين فيها كلامًا، بل إنما أثارها، وتنازع فيها، وخاض غَمْرَتَها المتأخرون، من أمثال السيوطي، ومن سار على دَرْبه فما وَسِع الأولين من السكوت، وعدم الخوض، وترك التنازع، والتخاصم
стр. 10885
هو الصواب لمن كان حريصًا على دينه، فلو كان في هذا الخوض خير لكان المتقدّمون أسبق إليه، وأحرص من المتأخرين عليه، فسلوك سبيلهم فيه السلامة في الدنيا والآخرة، فالواجب الوقوف على ما صحّ عن رسول الله ﷺ ، وعدم التوسّع، ونصبِ الخلاف فيما وراءه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٥٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ (١)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي (٢)، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ) بن أبي أميّة الطنافسيّ الكوفيّ الأحدب، ثقة حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٢/ ٢٣٤.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قال القاضي: بكاؤه ﷺ على ما فاتها من إدراكه، والإيمان به، وقيل: على عذابها، وفيه دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر. انتهى.
وقوله: (فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: "فلم يأذن لي" بالبناء للفاعل.
وقوله: (فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ)؛ أي: وذكرُ الموت يزهّد في الدنيا، ويرغّب في العقبى.
стр. 10886
وقال القاضي عياض ﵀ (١): قوله: "فزوروها" بَيان في نسخ النهي عن زيارة القبور، وفي علّة الإباحة، وهو أن يكون للتذكر والاعتبار، لا للفخر والمباهاة، ولا لإقامة النوح والمآتم عليه، كما قال ﷺ : فزوروها، ولا تقولوا هُجْرًا (٢).
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث وُجِد في رواية أبي العلاء بن ماهان لأهل المغرب، ولم يوجد في روايات بلادنا من جهة عبد الغافر الفارسيّ، ولكنه يوجد في كثير من الأصول في آخر "كتاب الجنائز"، ويُضَبَّب عليه، وربما كتب في الحاشية: رواه أبو داود في "سننه" عن محمد بن سليمان الأنباريّ، عن محمد بن عبيد بهذا الإسناد، ورواه النسائي عن قتيبة، عن محمد بن عبيد، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبيد، وهؤلاء كلهم ثقات، فهو حديث صحيح بلا شك. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣).
وقال الحافظ ﵀ في "النكت الظراف" بعد نقل كلام النوويّ المذكور ما نصّه: قلت: قد ذكره الحميديّ في "الجمع"، من "صحيح مسلم" من طريق الجلوديّ، شيخ عبد الغافر، وكذا سبقه أبو مسعود في "أطراف الصحيحين"، وأخرجه البغويّ في "شرح السنّة" من طريق عبد الغافر الفارسيّ.
قال: وأقرب من هذا أن يُجمع بين الكلامين بأنه سقط من النسخ
стр. 10887
المتأخّرة التي تدور على فقيه الحرم محمد الفضل الْفُرَاويّ، وعلى ذلك يُحمل كلام النوويّ، وكان ثابتًا في الأصل من طريق الجلوديّ، وعلى ذلك يُحمل صنيع صاحب "شرح السنّة"، وسائر من أثبته في "صحيح مسلم"، وأخرجه أبو نعيم الأصبهانيّ في "مستخرجه على صحيح مسلم" بأسانيده، وجزم بأن مسلمًا أخرجه، وكتاب مسلم عنده من طريق أبي العلاء بن ماهان التي وقعت لنا. انتهى كلام الحافظ ﵀ باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن هذا الحديث ثابت في "صحيح مسلم"، ولذا أورده الحافظ المزّيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" (١٠/ ٩٢ - ٩٣)، ولم يتكلم فيه بشيء، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٦٠] (٩٧٧) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وَهُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ، إِلا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا"، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
стр. 10888
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارف، رمي بالتشيّع [٩] (١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٤ - (أَبُو سِنَانٍ ضِرَارُ (١) بْنُ مُرَّةَ) الشيبانيّ الأكبر الكوفيّ، ثقة ثبت [٦].
روى عن أبي صالح السمّان، وسعيد بن جبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وشريك، والسفيانان، وهُشيم، ومحمد بن فُضيل، وخالد الواسطىّ، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: كان ثقة. وقال أبو طالب، عن أحمد: كوفيّ ثبت. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائيّ: كوفيّ ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، مبرّز، صاحب سنّة، وهو في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن يونس، عن أبي بكر بن عيّاش: حدثنا أبو سنان ضِرَار بن مُرّة، وكان من خيار الناس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، حَفَر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان يأتيه، فيختم فيه القرآن. ونقل ابن خلفون، عن ابن نُمير، أنه وثقه. وقال يعقوب بن سفيان: كان خيارًا ثقة. وفي موضع آخر: ثقة ثقة. وقال الدارقطنيّ: كوفيّ ثقة فاضل. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٣٢) وكذا أرّخه يعقوب بن سفيان، وخليفة، وابن قانع.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد" وأبو داود في "المراسيل"، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وكرّره ثلاث مرّات، و (١١٥١) حديث: "إن الصوم لي، وأنا أجزي به … " الحديث.
[تنبيه]: ولهم أبو سنان الشيبانىّ الأصغر، وهو سعيد بن سِنَان الْبُرْجُميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام، وهو أيضًا من الطبقة [٦] وله في هذا الكتاب حديث واحد، وهو حديث: "لا وجدت، إنما بُنيت المساجد … "، وتقدّم في [١٨/ ١٢٦٧] (٥٦٩).
стр. 10889
٥ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٠/ ١٠٦٩.
٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بُريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٧ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب ﵁، تقدّم في الباب الماضي.
وأبو بكر بن أبي شيبة ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما ابن المثنّى فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير ابن المثنّى، فبصريّ، وبريدة وابنه فمروزيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصيب ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَهَيْتُكُمْ) وفي رواية للنسائيّ: أنه كان في مجلسٍ فيه رسول الله ﷺ ، فقال: "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي … " (عَنْ زِيارةِ الْقُبُورِ) قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر أنهم كانوا حديثي عهد بالجاهليّة، وقريبي عهد بعبادة الأوثان، ودعاء الأصنام، فنُهُوا عن زيارة القبور، خشية أن يقولوا، أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفًا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 10890
(فَزُورُوهَا) وفي رواية للنسائيّ: "فمن أراد أن يزورها، فليزرها، ولا تقولوا هُجْرًا"، بضم، فسكون؛ أي: ما لا ينبغي من الكلام، وفي رواية له من طريق زُبيد بن الحارث، عن محارب: "فزوروها ولْتَزدكم زيارتها خيرًا"، وفي رواية له من طريق الزبير بن عديّ، عن ابن بُريدة: "ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة"، وللحاكم من حديث أنس ﵁: "وتُرِقّ القلبَ، وتُدمِع العين، فلا تقولوا هُجْرًا"، وله من حديث ابن مسعود ﵁: "فإنها تزهد في الدنيا"، وفي حديث أبي هريرة ﵁، الماضي عند مسلم: "زوروا القبور، فإنها تذكّر الموت".
وفي قوله: "ومن أراد زيارة القبور إلخ" بيان أن الأمر في زيارتها للاستحباب، لا.
للوجوب؛ لأنه علّقه بالإرادة، ففيه الردّ على بعض من قال: إن زيارتها واجبة -كابن حزم- مستدلًّا بلفظ الأمر، حيث إنه للوجوب، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: هذا من الأحاديث التي تَجمَع بين الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن زيارتها سنّة، وأما النساء ففيهنّ خلاف لأصحابنا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي أن الراجح هو الجواز للنساء أيضًا؛ لقوة دليله، والله تعالى أعلم.
(وَنَهَيْتُكمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِىِّ)؛ أي: عن أكل لحومها (فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ) وفي رواية: "فكلوا، وأطعموا، وادَّخِروا، ما بدا لكم".
وسبب نهيه ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، هو ما سيأتي للمصنف ﵀ في "كتاب الأضاحي" (١٩٧١) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دَفّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ادَّخِروا ثلاثًا، ثم تصدقوا بما بقي"،