← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.

стр. 10886

وقال القاضي عياض ﵀ (١): قوله: "فزوروها" بَيان في نسخ النهي عن زيارة القبور، وفي علّة الإباحة، وهو أن يكون للتذكر والاعتبار، لا للفخر والمباهاة، ولا لإقامة النوح والمآتم عليه، كما قال ﷺ : فزوروها، ولا تقولوا هُجْرًا (٢). [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث وُجِد في رواية أبي العلاء بن ماهان لأهل المغرب، ولم يوجد في روايات بلادنا من جهة عبد الغافر الفارسيّ، ولكنه يوجد في كثير من الأصول في آخر "كتاب الجنائز"، ويُضَبَّب عليه، وربما كتب في الحاشية: رواه أبو داود في "سننه" عن محمد بن سليمان الأنباريّ، عن محمد بن عبيد بهذا الإسناد، ورواه النسائي عن قتيبة، عن محمد بن عبيد، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبيد، وهؤلاء كلهم ثقات، فهو حديث صحيح بلا شك. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٣). وقال الحافظ ﵀ في "النكت الظراف" بعد نقل كلام النوويّ المذكور ما نصّه: قلت: قد ذكره الحميديّ في "الجمع"، من "صحيح مسلم" من طريق الجلوديّ، شيخ عبد الغافر، وكذا سبقه أبو مسعود في "أطراف الصحيحين"، وأخرجه البغويّ في "شرح السنّة" من طريق عبد الغافر الفارسيّ. قال: وأقرب من هذا أن يُجمع بين الكلامين بأنه سقط من النسخ

стр. 10887

المتأخّرة التي تدور على فقيه الحرم محمد الفضل الْفُرَاويّ، وعلى ذلك يُحمل كلام النوويّ، وكان ثابتًا في الأصل من طريق الجلوديّ، وعلى ذلك يُحمل صنيع صاحب "شرح السنّة"، وسائر من أثبته في "صحيح مسلم"، وأخرجه أبو نعيم الأصبهانيّ في "مستخرجه على صحيح مسلم" بأسانيده، وجزم بأن مسلمًا أخرجه، وكتاب مسلم عنده من طريق أبي العلاء بن ماهان التي وقعت لنا. انتهى كلام الحافظ ﵀ باختصار (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن هذا الحديث ثابت في "صحيح مسلم"، ولذا أورده الحافظ المزّيّ ﵀ في "تحفة الأشراف" (١٠/ ٩٢ - ٩٣)، ولم يتكلم فيه بشيء، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٠] (٩٧٧) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، وَهُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ، إِلا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا"، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبِيهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.

стр. 10888

٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارف، رمي بالتشيّع [٩] (١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨. ٤ - (أَبُو سِنَانٍ ضِرَارُ (١) بْنُ مُرَّةَ) الشيبانيّ الأكبر الكوفيّ، ثقة ثبت [٦]. روى عن أبي صالح السمّان، وسعيد بن جبير، ومحارب بن دثار، وغيرهم. وروى عنه شعبة، وشريك، والسفيانان، وهُشيم، ومحمد بن فُضيل، وخالد الواسطىّ، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم. قال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: كان ثقة. وقال أبو طالب، عن أحمد: كوفيّ ثبت. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائيّ: كوفيّ ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، مبرّز، صاحب سنّة، وهو في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن يونس، عن أبي بكر بن عيّاش: حدثنا أبو سنان ضِرَار بن مُرّة، وكان من خيار الناس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، حَفَر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان يأتيه، فيختم فيه القرآن. ونقل ابن خلفون، عن ابن نُمير، أنه وثقه. وقال يعقوب بن سفيان: كان خيارًا ثقة. وفي موضع آخر: ثقة ثقة. وقال الدارقطنيّ: كوفيّ ثقة فاضل. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٣٢) وكذا أرّخه يعقوب بن سفيان، وخليفة، وابن قانع. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد" وأبو داود في "المراسيل"، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وكرّره ثلاث مرّات، و (١١٥١) حديث: "إن الصوم لي، وأنا أجزي به … " الحديث. [تنبيه]: ولهم أبو سنان الشيبانىّ الأصغر، وهو سعيد بن سِنَان الْبُرْجُميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام، وهو أيضًا من الطبقة [٦] وله في هذا الكتاب حديث واحد، وهو حديث: "لا وجدت، إنما بُنيت المساجد … "، وتقدّم في [١٨/ ١٢٦٧] (٥٦٩).

стр. 10889

٥ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٠/ ١٠٦٩. ٦ - (ابْنُ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله بن بُريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. ٧ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب ﵁، تقدّم في الباب الماضي. وأبو بكر بن أبي شيبة ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما ابن المثنّى فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير ابن المثنّى، فبصريّ، وبريدة وابنه فمروزيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الْحُصيب ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَهَيْتُكُمْ) وفي رواية للنسائيّ: أنه كان في مجلسٍ فيه رسول الله ﷺ ، فقال: "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي … " (عَنْ زِيارةِ الْقُبُورِ) قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر أنهم كانوا حديثي عهد بالجاهليّة، وقريبي عهد بعبادة الأوثان، ودعاء الأصنام، فنُهُوا عن زيارة القبور، خشية أن يقولوا، أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفًا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 10890

(فَزُورُوهَا) وفي رواية للنسائيّ: "فمن أراد أن يزورها، فليزرها، ولا تقولوا هُجْرًا"، بضم، فسكون؛ أي: ما لا ينبغي من الكلام، وفي رواية له من طريق زُبيد بن الحارث، عن محارب: "فزوروها ولْتَزدكم زيارتها خيرًا"، وفي رواية له من طريق الزبير بن عديّ، عن ابن بُريدة: "ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة"، وللحاكم من حديث أنس ﵁: "وتُرِقّ القلبَ، وتُدمِع العين، فلا تقولوا هُجْرًا"، وله من حديث ابن مسعود ﵁: "فإنها تزهد في الدنيا"، وفي حديث أبي هريرة ﵁، الماضي عند مسلم: "زوروا القبور، فإنها تذكّر الموت". وفي قوله: "ومن أراد زيارة القبور إلخ" بيان أن الأمر في زيارتها للاستحباب، لا. للوجوب؛ لأنه علّقه بالإرادة، ففيه الردّ على بعض من قال: إن زيارتها واجبة -كابن حزم- مستدلًّا بلفظ الأمر، حيث إنه للوجوب، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: هذا من الأحاديث التي تَجمَع بين الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن زيارتها سنّة، وأما النساء ففيهنّ خلاف لأصحابنا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي أن الراجح هو الجواز للنساء أيضًا؛ لقوة دليله، والله تعالى أعلم. (وَنَهَيْتُكمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِىِّ)؛ أي: عن أكل لحومها (فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ) وفي رواية: "فكلوا، وأطعموا، وادَّخِروا، ما بدا لكم". وسبب نهيه ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، هو ما سيأتي للمصنف ﵀ في "كتاب الأضاحي" (١٩٧١) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دَفّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ادَّخِروا ثلاثًا، ثم تصدقوا بما بقي"،

стр. 10891

فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويَجْمُلون منها الوَدَكَ، فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ "، قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دَفَّت، فكلوا، وادَّخِروا، وتصدقوا". والدّافّة بتشديد الفاء: الجماعة التي تسير سيرًا ليّنًا، وسيأتي تمام ما يتعلّق به هناك -إن شاء الله تعالى-. (وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) فعيل بمعنى مفعول، يقال: نَبَذْته نَبْذًا، من باب ضرب: ألقيتُهُ، فهو منبوذ، وصبيّ منبوذ: مطروح، ومنه سمي النبيذ؛ لأنه يُنبَذ؛ أي: يُترك حتى يشتدّ. قاله في "المصباح". والمعنى نهيتكم عن شرب النبيذ، في الظروف (إِلَّا) حالة كونه (فِي سِقَاءٍ)؛ أي: قِرْبَة، وفي رواية للنسائيّ: "وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدبّاء، والمزفّت، والنقير، والحنتم" (فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا) وفي رواية للنسائيّ: "في الأوعية كلها"، وهو بوزن "الأسقية" ومعناها، قال السنديّ ﵀: أي الظروف، وإلا لا يصحّ المقابلة. انتهى. (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) وفي رواية للنسائيّ: "انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كلّ مسكر". يعني أن الانتباذ في جميع الظروف جائز، وإنما المنهيّ عنه هو شرب المسكر. وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ)؛ أي: محمد بن عبد الله بن نُمير شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) غرض المصنف ﵀ بهذا بيان أن المكنّى في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنّى بـ "ابن بُريدة" هو عبد الله بن بُريدة، كما بيّنه ابن نمير في روايته، وليس سليمان بن بُريدة أخاه، كما يأتي في رواية علقمة بن مرثد. والحاصل أن هذا الحديث مرويّ عن ابني بُريدة: عبد الله، وسليمان، كلاهما عن أبيهما، ولكن رواية محارب بن دثار، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، وكذا رواية عطاء الخراسانىّ، وأما رواية علقمة بن مرثد، فعن سليمان، عن أبيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10892

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث بريدة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٢٦٠ و ٢٢٦١] (٩٧٧)، و (أبو داود) في "الجنائز" (٣٦٩٨)، و (الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٥٤ و ١٥١٠ و ١٨٦٩)، و (النسائيّ) في "الجنائز" (٢٠٣٢ و ٢٠٣٣ و ٤٤٢٩ و ٤٤٣٠ و ٥٦٥١ و ٥٦٥٢ و ٥٦٥٣ و ٥٦٥٤ و ٥٦٥٥ و ٥٦٧٨) و"الكبرى" (١٠٠ و ٢١٥٩ و ٢١٦٠ و ٤٥١٨ و ٤٥١٩)، و (ابن ماجه) في "الجنائز" (٣٤٠٥)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٣٠ و ٥٣١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٦ و ٧٧)، و (الدارقطني) في "سننه" (٤/ ٢٥٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٥/ ٨٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٥٦٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٥/ ٨٢) و"الأوسط" (٣/ ٢١٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٢٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٥٥ و ٣٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان إباحة زيارة القبور، ونسخه بعد أن كان منهيًّا عنه، بشرط أن لا يقولوا منكرًا من القول، وأن لا يفعلوا فعلًا منكرًا أيضًا. ٢ - (ومنها): نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وسيأتي تمام الكلام عليه في موضعه -إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): نسخ النهي عن الانتباذ، إلا في الأسقية، وإباحته في كلّ وعاء، بشرط الاتقاء عن شرب المسكر، وسيأتي تمام الكلام فيه أيضًا في موضعه -إن شاء الله تعالى-. ٤ - (ومنها): بيان جواز النسخ في الشرع، ووقوعه، وهو مجمع عليه عند المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم زيارة القبور: قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد أن أخرج حديث الباب ما

стр. 10893

نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأسًا، وهو قول ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقال أيضًا بعد أن أخرج حديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ لعنَ زَوّارات القبور" ما نصه: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخّص النبيّ ﷺ في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهنّ، وكثرة جزعهنّ. انتهى كلام الترمذيّ ﵀ (١). وقال العلامة القرطبيّ ﵀: قوله: "فزوروها" نصّ في النسخ للمنع المتقدّم، لكن اختلف العلماء، هل هذا النسخ عامّ للرجال وللنساء، أم هو خاصّ للرجال، دون النساء؛ والأول أظهر. وقد دلّ على صحة ذلك أنه ﷺ قد رأى امرأة تبكي عند قبر، فلم يُنكر عليها الزيارة، وإنما أنكر عليها البكاء. وقال أيضًا عند قوله: "فإنها تذكّر الموت" ما نصّه: وتَذَكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرّجه الترمذيّ، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ "لعن زَوّارات القبور"، صححه الترمذيّ على أن في إسناده عُمَر بن أبي سلمة، وهو ضعيف عندهم. ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لأن زوّارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرّج، والشهرة، والتشبّه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولِمَا يُخاف عليها من الصُّرَاخ، وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يُفرّق بين الزائرات، والزوّارات، والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبىّ ﵀، هو الحقّ؛ لقوة دليله، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى. وقال الحافظ ﵀ في "الفتح": قال النوويّ تبعًا للعبدريّ، والحازميّ،

стр. 10894

وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر؛ لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، والشعبىّ الكراهة مطلقًا، حتى قال الشعبيّ: لولا نهي النبي ﷺ لزرت قبر ابنتي. فلعلّ من أطلق أراد بالاتفاق ما استقرّ عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، والله أعلم. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة، ولو مرّة واحدة في العمر، لورود الأمر به. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن الصواب كون الأمر للاستحباب؛ لصحة قوله ﷺ في رواية النسائيّ ﵀: "فمن أراد أن يزور فليزر"، ولعلّ ابن حزم لم يستحضر هذه الرواية حينما قال بالوجوب، والله تعالى أعلم. قال: واختُلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحلّه ما إذا أُمِنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب -يعني حديث أنس ﵁ الذي أورده البخاريّ مستدلًّا على مشروعية زيارة القبور، فقال في "صحيحه": (١٢٨٣) - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: مَرّ النبيّ ﷺ ، بامرأة تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله، واصبري"، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبيّ ﷺ ، فأتت بابَ النبيّ ﷺ ، فلم تجد عنده بَوّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر، عند الصدمة الأولى". وموضع الدلالة منه أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريرُهُ ﷺ حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة ﵂، فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة، أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى النبيّ ﷺ عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى، ثم أمر بزيارتها. وقيل: الإذن خاصّ بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذّب"، واستدلّ بحديث أحمد، والنسائيّ عن

стр. 10895

عبد الله بن عمرو، قال: "بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ ؛ إذ بصر بامرأة … " الحديث، وفيه: قال لها: "ما أخرجك من بيتك، يا فاطمة؟ "، قالت: أتيت أهل هذا الميت، فترحّمت إليهم، وعزيتهم بميتهم، قال: "لعلك بلغت معهم الكُدَى؟ " قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، فقال لها: "لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك". لكن الحديث ضعيف، ضعفّه النسائيّ. وبحديث: "لعن الله زَوّارات القبور"، أخرجه الترمذيّ، وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس، ومن حديث حسان بن ثابت. قال: واختلف من قال بالكراهة في حقّهنّ، هل هي كراهة تحريم، أو تنزيه؟. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح في هذه المسألة هو ما عليه أكثر أهل العلم، من أن زيارة القبور جائزة للرجال والنساء؛ لصحّة الأحاديث بذلك: [فمنها]: حديث الباب، فإن الخطاب، وإن كان للذكور، إلا أنه يشمل النساء بدليل الأحاديث الأخرى. [ومنها]: حديث عائشة ﵂ الذي تقدّم قبل هذا، وفيه: أنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟، قال: "قولي: السلام على أهل الديار، من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا، والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون"، فإنه ﷺ علّمها ما يُشرَع قوله عند زيارة القبور، ولم يمنعها من الزيارة، فدل على جوازه للنساء. [ومنها]: ما أخرجه الحاكم بإسناد صحيح من طريق أبي التيّاح يزيد بن حميد، عن عبد الله بن أبي مليكة: "أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة

стр. 10896

القبور؟ قالت: نعم كان نهى، ثمّ أمر بزيارتها" (١). [ومنها]: حديث أنس ﵁ عند الشيخين، وقد تقدم قريبًا، فإنه ﷺ لم ينكر عليها زيارتها للقبر، وإنما أنكر عليها البكاء، وعدمَ الصبر، ولذلك استدلّ به الإمام البخاريّ على جواز زيارة القبور، ولم يذكر من الأحاديث الدالّة على الجواز في "باب زيارة القبور" غيره، قال الحافظ في "الفتح": وكأنه لم تثبت على شرطه الأحاديث المصرّحة بالجواز. والحاصل أن هذه الأحاديث الصحاح تدلّ دلالة واضحة على جواز زيارة القبور للنساء، ولم يأت المانعون بحجة تُعارض هذه الأحاديث الصحاح، فكلّ ما استدلّوا به من الأحاديث لا يخلو من كلام. [فمنها]: حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم: "أنه ﷺ لعن زَوّارات القبور"، فهو وإن صححه الترمذي، إلا أن في سنده عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والأكثرون على تضعيفه. [ومنها]: حديث حسان بن ثابت ﵁، أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له: "لعن رسول الله ﷺ زوّارات القبور"، وفي سنده عبد الرحمن بن بَهْمان، لم يرو عنه غير عبد الله بن عثمان بن خُثيم، وقال ابن المدينيّ: لا يعرف، ووثقه بعضهم. [ومنها]: حديث ابن عباس ﵁، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، بلفظ: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها السرج"، وفي سنده أبو صالح باذان، أو باذام، مولى أم هانئ ضعفوه، ومنهم من كذّبه. فهذه الأحاديث، وإن قيل: إنها يتقوّى بعضها ببعض، لكنها لا تعارض الأحاديث السابقة الصحيحة، لأمور: (أحدهما): رجحان تلك عليها، من حيث الصحّة. (الثاني): أن الظاهر كون النبيّ ﷺ قالها قبل النسخ، كما بيّنته عائشة ﵂، لما سألها ابن أبي مليكة، كما تقدّم. (الثالث): أنها محمولة على ما إذا كانت زيارتهنّ مشتملة على محظور،

стр. 10897

من النياحة، والجزع، وتجديد الحزن، أو من التبرّج، والتزيّن الذي يتسبب للفتنة. وقد تقدم عن القرطبي ﵀، أن اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يُفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرّج، وما ينشأ من الصياح، وقد يقال: إذا أُمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن؛ لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء. انتهى. قال الشوكانيّ ﵀: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر. انتهى (١). والحاصل أن الصواب جواز زيارة القبور للنساء، لكن بشرط أن يكنّ ملتزمات بحدود الشرع، الذي أوجبه الشرع عليهنّ عند الخروج إلى المساجد، ونحوها، بأن يكنّ محتجبات، غير متطيبات، وغير مُظهرات زينتهنّ، وغير قاصدات للمحظور المذكور، من النياحة، بل لمجرّد السلام، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، والاعتبار بأصحاب القبور، كما بيّن النبيّ ﷺ ذلك حينما أمر بزيارتها، بقوله: "إنها تذكر الآخرة"، وقوله: "تزهد في الدنيا"، و"تُرِقّ القلب، وتُدمع العين"، وأشار ﷺ إلى اجتناب المحظورات بقوله: "فلا تقولوا هُجرًا"، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. [٢٢٦١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِىِّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِيهِ، الشَّكُّ مِنْ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زُهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.

стр. 10898

٣ - (زُبَيْدٌ الْيَامِىُّ) هو: زبيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية زُبيد الياميّ، عن محارب هذه، ساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال: (٤٤٢٩) - أخبرنا عمرو بن منصور، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد، وهو النفيليّ، قال: حدّثنا زهير (ح) وأنبأنا محمد بن معدان بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن أعين، قال: حدّثنا زهير، قال: حدّثنا زُبيد بن الحارث، عن محارب بن دِثَار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن ثلاث: عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا منها، وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أيّ وِعاء شئتم، ولا تشربوا مسكرًا"، ولم يذكر محمد: "وأمسكوا". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [ … ] ( … ) - (ح) وَحَدَّثنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) بن محمد بن سفيان السُّواليّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ ربما خالف [٩] (ت ٢١٥) على الصحيح (ع) وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وقد سبق له أثرٌ واحد في "المقدّمة" ٦/ ٦١. والباقون ذُكروا في الباب الماضي.

стр. 10899

[تنبيه]: رواية سليمان بن بُريدة، عن أبيه هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٥٦) فقال: (٢١٩٢) - حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا قبيصة (١)، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان، عن أبيه (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا الحسين بن محمد بن حماد الحرانيّ، ثنا ابن بشار، والمغيرة بن عبد الرحمن، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد ﷺ في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكر الآخرة". قال: رواه مسلم عن أبي بكر، عن قبيصة، عن سفيان، لفظ قبيصة (٢): "سألت ربي الزيارة لقبر أمي، فأَذن لي، فزاره، فبكى، فلم نَرَ يومًا أكثر باكيًا من يومئذ". انتهى. [تنبيه آخر]: رواية سليمان بن بُريدة، عن أبيه هذه أخرجها المصنّف هنا في "الجنائز" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن قبيصة بن عُقبة، -وفي "الأضاحي" عن حجاج بن الشاعر، عن أبي عاصم الضحّاك بن مَخْلد- كلاهما عن سفيان، عن علقمة بن مَرْثد، عنه به، وأعاده في "الأشربة" عن حجاج بقصّة الظروف، قاله الحافظ المزّيّ ﵀ (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [ … ] ( … ) - (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِي ﷺ كُلُّهُمْ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.

стр. 10900

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدّمة" ٤/ ١٨. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّىّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عَمِي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٦ - (عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِىُّ) هو: عطاء بن أبي مسلم، أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح البلخيّ: نزيل الشام، مولى الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الأزديّ، اسم أبيه عبد الله، ويقال: ميسرة، صدوقٌ يَهِم كثيرًا، ويُرسل، ويدلّس [٥]. رَوَى عن الصحابة مرسلًا، كابن عباس، وعدي بن عدي الكنديّ، والمغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأنس، وكعب بن عجرة، ومعاذ بن جبل، وغيرهم. ورَوَى عنه عثمان ابنه، وشعبة، وإبراهيم بن طهمان، وأبو عبد الرحمن إسحاق بن أسيد الخراساني، وداود بن أبي هند، ومعمر، وابن جريج، والأوزاعي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة صدوق، قلت: يحتج به؟ قال: نعم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه، إلا أنه لم يَلْقَ ابن عباس. وقال أبو داود: ولم يدرك ابن عباس، ولم يره. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: ثنا عطاء الخراسانيّ، وكان نسيًّا. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ، يخطئ، ولا يَعْلَم، فبطل الاحتجاج به. قال ابن القطان: اسم أبيه عبد الله، كذا جزم به، وهذا قول مالك، وكان إبراهيم

стр. 10901

الصائغ يكنيه، وأما الأكثر فقالوا: ابن ميسرة، منهم أحمد، ويحيى بن معين، وقد ترجم البخاري لعطاء الخراساني ترجمتين: أحدهما عطاء بن عبد الله، قال: وهو ابن أبي مسلم، والثاني عطاء بن ميسرة، وقال الخطيب في: "الموضح": هما واحد. وقال ابن سعد: كان ثقة، روى عنه مالك. وقال الطبراني: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أنس. وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: كان يُحيي الليل. وعن عطاء: قال: أوثق أعمالي في نفسي نشر العلم. قال ابنه عثمان بن عطاء: مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقال أبو نعيم الحافظ: كان مولده سنة (٥٠). أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية عطاء الخراسانيّ، عن عبد الله بن بُريدة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال: (٢٢٤٩٦) - حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن عطاء الخراسانيّ، حدّثني عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة، ونهيتكم عن نبيذ الجرّ، فانتبذوا في كل وعاء، واجتنبوا كل مسكر، ونهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا، وتزوّدوا، وادَّخِرُوا". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٢] (٩٧٨) - (حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أُتِى النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ).

стр. 10902

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ (١) الْكُوفِيُّ) أبو جعفر، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية، أبو خيثمة المذكور في الباب الماضي. ٣ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس، تقدّم قريبًا. ٤ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة ﵄، تقدّم قريبًا أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده، وسماك علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِىُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (٢). (بِمَشَاقِصَ) جمع مِشْقَص بكسر الميم، وفتح القاف: هو نَصْلُ السهم؛ إذا كان طويلًا، غيرَ عريض (فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) ولفظ النسائيّ: أن رجلًا قتل نفسه بمشاقص، فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا فلا أصلي عليه". قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يُصلَّى على قاتل نفسه؛ لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، وقال الحسن، والنخعيّ، وقتادة، ومالك، وأبو حنيفة، والشّافعيّ، وجماهير العلماء: يصلَّى عليه، وأجابوا بأن النبيّ ﷺ لم يصلّ عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلّت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبيّ ﷺ في أول الأمر الصلاة على من عليه دَين، زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر

стр. 10903

أصحابه بالصلاة عليه، فقال ﷺ : "صلّوا على صاحبكم". انتهى (١). وقال القاضي عياض ﵀: مذهب العلماء كافّة الصلاة على كل مسلم، ومحدود، ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنى، وعن مالك وغيره أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حدّ، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفُسّاق؛ زجرًا لهم. وعن الزهريّ: لا يصلى على مرجوم، ويصلى على المقتول في قصاص. وقال أبو حنيفة: لا يصلى على محارب، ولا على قتيل الفئة الباغية. وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنى، وعن الحسن لا يصلى على النفساء تموت من زنًا، ولا على ولدها. ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير، واختلفوا في الصلاة على السقط، فقال بها فقهاء المحدثين، وبعض السلف إذا مضى عليه أربعة أشهر، ومنعها جمهور الفقهاء حتى يَسْتَهِلّ، وتُعرَف حياته بغير ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن السقط يُصلّى عليه؛ لما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، عن المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعًا: "والسقط يُصَلَّى عليه، ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة"، وهو حديث صحيح. قال: وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار، فقال مالك، والشافعيّ، والجمهور: لا يُغْسَل، ولا يصلى عليه، وقال أبو حنيفة: يُغْسَل ولا يصلى عليه، وعن الحسن يغسل ويصلى عليه. انتهى كلام القاضي باختصار (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح قول من قال بجواز الصلاة على الشهيد، قال الإمام أحمد ﵀: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلّوا عليه أجزأ، وقال أبو محمد بن حزم ﵀: إن صُلِّي على الشهيد فحسنٌ، وإن لم يصلّ عليه فحسن، وقد حقّقت المسألة بما فيه الكفاية في "شرح النسائيّ" (٣)، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 10904

وقال القرطبيّ ﵀: لعلّ هذا القاتل لنفسه كان مستحلًّا لقتل نفسه، فمات كافرًا، فلم يصلّ عليه لذلك، وأما المسلم القاتل لنفسه فيُصلَّى عليه عند كافّة العلماء. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يردّ قول القرطبىّ: كان مستحلًّا … إلخ قولُهُ ﷺ : "أما أنا فلا أصلي عليه"؛ لأن تقديره: وأما أنتم فصلّوا عليه؛ لأن "أما" للتفصيل، فيكون المراد تفصيل حال المصلين عليه بين من لا يصلّي، وهو النبيّ ﷺ ، وبين من يصلّي، وهم الصحابة ﵃، فدلّ على أنه مسلم، وليس بكافر، وأما تركه ﷺ الصلاة عليه مع كونه مسلمًا؛ زجرًا لغيره؛ لئلّا يتجاسروا بقتل أنفسهم. وقال الإمام ابن المنذر ﵀: واختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، فكان الحسن، والنخعيّ، وقتادة يرون الصلاة عليه، وقال الأوزاعيّ: لا يصلى عليه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لم يُصلّ عليه. قال ابن المنذر ﵀: سَنَّ رسول الله ﷺ الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخل في جملتهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حدّ، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء أحد ممن ذكرناهم، فيُصَلَّى على من قتل نفسه، وعلى من أصيب في أيّ حدّ أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنا، لا يُستثنَى منهم إلا من استثناه النبيّ ﷺ من الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة، وقد ثبت أن نبيّ الله ﷺ صلى على من أصيب في حدّ. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ حسنٌ جدًّا، وهو أن يصَلَّى على جميع المسلمين، إلا من صحّ استثناؤه منهم، كالشهيد، إلا أن للإمام خاصّةً أن لا يصلي على من يَحِيف في الوصيّة (٢)، وعلى من غَلّ، وعلى من عليه دَين، وعلى من قَتَلَ نفسه، إن رأى ذلك؛ لأجل أن ينزجر الناس عن مثل أفعالهم، وقد استوفيت بيان أدلّة ما ذُكر في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصوب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10905

قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة علىّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثامن عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" والمؤذّن يؤذّن لصلاة الظهر يوم الاثنين المبارك (٢٥/ ١/ ١٤٢٨ هـ الموافق ١٣ فبراير - شباط ٢٠٠٧ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. (اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء التاسع عشر مفتتحًا بـ ١٢ - كِتَاب الزكاة، (١) - (بَابُ بَيَانِ مَا تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، وكَمْ مِقْدَارُ ما يُخْرَجُ) رقم الحديث [٢٢٦٣] (٩٧٩). "سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". * * *

стр. 10906

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ليلة الجمعة المباركة ٢٩/ ١/ ١٤٢٨ هـ أول الجزء التاسع عشر من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى، البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى. ١٢ - (كِتَابُ الزَّكَاةِ) أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدّالة على أحكام الزكاة. وإنما ذَكَر "كتاب الزكاة" عقيب "كتاب الصلاة"؛ لأن الزكاة ثالثة الإيمان، وثانية الصلاة في الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣]، وأما السنة فقوله ﷺ : "بُنى الإسلام على خمس … " الحديث (١). مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في بيان ما يتعلّق بلفظ "الزكاة" من حيث اشتقاقها، ومعناها لغةً وشرعًا: قال العلامة ابن الأثير ﵀: قد تكرّر في الحديث ذكر "الزكاة"، و"التزكية"، وأصل "الزكاة" في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكلّ ذلك قد استُعمِل في القرآن، والحديث، ووزنها فَعَلَة كالصدقة، فلما تحركت الواو، وانفتح ما قبلها انقلبت ألفًا، وهي من الأسماء المشتركة بين الْمُخرَج، والفعل، فتُطلَق على العين، وهي الطائفة من المال الْمُزَكَّى بها، وعلى المعنى، وهو التزكية. ومن الجهل بهذا البيان أُتِي من ظَلَم نفسه بالطعن على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ٤] ذاهبًا إلى العين،

стр. 10907

وإنما المراد المعنى الذي هو التزكية، فالزكاة طُهْرة للأموال، وزكاة الفطر طُهرة للأبدان. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: والزكاء بالمدّ: النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والأرض تزكو زُكُوًّا، من باب قعد، وأزكى بالألف مثله، وسُمّي القدرُ الْمُخرَج من المال زكاةً؛ لأنه سبب يُرجى به الزكاءُ، وزكَّى الرجلُ ماله -بالتشديد- تزكيةً، والزكاةُ اسم منه، وأزكى الله المالَ، وزكّاه بالألف، والتثقيل. وإذا نسبت إلى الزكاة وجب حذفُ الهاء، وقلبُ الألف واوًا، فيقال: زكويّ، كما يقال في النسبة إلى حصاة حَصَويّ؛ لأن النسبة تردّ إلى الأصول، وقولهم: زكاتيّةٌ عاميّ، والصواب زكويّة. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀ في "المجموع": قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: الزكاة تطهير للمال، وإصلاح له، وتمييز، وإنماء، كلّ ذلك قد قيل، قال: والأظهر أن أصلها عن الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زَكَاءً ممدود، وكلّ شيء ازداد فقد زكا، قال: والزكاة أيضًا الصلاح، وأصلها من زيادة الخير، يقال: رجلٌ زَكِىٌّ؛ أي: زائد الخير، من قوم أزكياء، وزَكَّى القاضي الشهودَ: إذا بيّن زيادتهم في الخير، وسمي ما يُخرَج من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاةً؛ لأنها تزيد في المال الذي أُخرِجت منه، وتوفّره في المعنى، وتقيه الآفات، هذا كلام الواحديّ. وأما الزكاة في الشرع، فقال صاحب "الحاوي" وآخرون: هو اسم لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة، لطائفة مخصوصة. و [اعلم]: أن الزكاة لفظة عربيّة معروفة قبل ورود الشرع، مستعملة في أشعارهم، وذلك كثير من أن يُستدلّ له، قال صاحب "الحاوي": وقال داود الظاهريّ: لا أصل لهذا الاسم في اللغة، وإنما عُرف بالشرع، قال صاحب "الحاوي": وهذا القول -وإن كان فاسدًا- فليس الخلاف فيه مؤثّرًا في أحكام الزكاة. انتهى كلام النوويّ (٣).

стр. 10908

وقال الحافظ ﵀ في "الفتح": والزكاة في اللغة: النماء، يقال: زكا الزرع: إذا نما، وتَرِد أيضًا في المال، وترد أيضًا بمعنى التطهير. وشرعًا بالاعتبارين معًا. أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أن متعلّقها الأموال، ذات النماء، كالتجارة، والزراعة، ودليل الأول: "ما نقص مالٌ من صدقة" (١)، ولأنها يضاعف ثوابها، كما جاء: "إن الله يربّي الصدقة" (٢). وأما بالثاني: فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب. وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها. وقال ابن العربيّ: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة، والمندوبة، والنفقة، والحقّ، والعفو. وتعريفها في الشرع: إعطاء جزء من النصاب الحوليّ إلى فقير ونحوه، غير هاشميّ، ولا مطّلبيّ. ثم لها ركنٌ، وهو الإخلاص، وشرطٌ، هو السبب، وهو ملك النصاب الحوليّ، وشرطُ من تجب عليه، وهو العقل، والبلوغ، والحرّيّة. ولها حكم، وهو سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الأخرى. وحكمة: وهي التطهير من الأدناس، ورفع الدرجة، واسترقاق الأحرار، فإن الإنسان عبد الإحسان. انتهى. وهو جيّدٌ لكن في شرط من تجب عليه اختلاف. والزكاة أمر مقطوع به في الشرع، يَستغني عن تكلّف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في فروعه، وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٣). وقال العلامة ابن الملقّن ﵀ في كتابه "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام": الزكاة في اللغة: النماء، والتطهير. فمن الأول قولهم: زَكَى الزرعُ؛ أي: نما، فالمال ينمو بإخراج الزكاة من حيث لا يُرى، وإن كان في الظاهر يُحسّ بالنقصان، وقد صحّ أنه ﷺ قال: "ما نقص مال من صدقة". وقد وقع لبعض الصالحين، فوجد وزن ما عنده كما كان قبل الصدقة. وقيل: يزكو عند الله

стр. 10909

أجرها، كما صحّ أن الله تعالى يربّي الصدقة حتى تكون كالجبل. وقيل: لأن متعلقها الأموال ذات النماء، فسميت بالنماء لتعلقها به. ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: طهّرها من دنس المعاصي والمخالفات، دليله قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: أخملها بالمعاصي، فالزكاة تطهّر النفس من رذيلة البخل وغيره. وقد قيل: من أذى زكاة ماله لم يُسَمّ بخيلًا، وتطهّر أيضًا من الذنوب، وتطهّر المال أيضًا من الخبث. وقيل: سميت زكاةً لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحّة إيمانه؛ ولهذا قال ﷺ : "والصدقة بُرهان" رواه مسلم. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وتسمى أيضًا صدقةً؛ كما نصّ عليه القرآن والسنّة؛ لأنها دليل لتصديق صاحبها، وصحّة إيمانه ظاهرًا وباطنًا. وتسمى أيضًا حقَّا، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ونفقةً، قال تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وعفوًا، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فهذه خمسة أسماء. وقوله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤]، وقوله: ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]؛ أي: طاهرًا. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى: ١٤]، وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل: ١٨]؛ أي: يتقرّب. وقيل: يعمل صالحًا. وجاء في القرآن بمعنى الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ [عبس: ٧]. وبمعنى الحلال، قال تعالى: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩]. ومن العجب إنكار داود الظاهريّ وجود الزكاة لغة، وقال: إنما عُرفت بالشرع. وهي في الشرع: اسم لما يُخرج من المال طهارةً له. وشُرعت لمصلحة الدافع طهرةً له، وتضعيفًا لأجره، ولمصلحة الآخذ سدًّا لخلّته. وأفهم الشرع أنها وجبت للمساواة، وأنها لا تكون إلا في مال له بالٌ، وهو النصاب، ثم جعلها في الأموال النامية، وهي العين، والزرع، والماشية. وأجمعوا على أن وجوب الزكاة في هذه الأنواع، واختلفوا فيما سواها كالعروض، والجمهورُ على الوجوب فيها؛ خلافًا لداود، مستدلًّا بحديث:

стр. 10910

"ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة". متفق عليه، وحمله الجمهور على ما كان للقنية. وحدّد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة. فنصاب الفضّة خمس أواق، وهي مائتا درهم بنصّ الحديث. وأما الذهب، فعشرون مثقالًا بنصّ الحديث، والإجماع أيضًا، وإن كان فيه خلاف شاذّ. وأما الزرع والثمار والماشية، فنُصُبُها معلومة. ورتّب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال، فأعلاها، وأقلها تعبًا الركاز، وفيه الخمس؛ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر، فإن سُقي بماء السماء، ونحوه، ففيه العشر، وإلا فنصفه؛ لأن في الأول التعبَ من طرف (١)، والثاني من طرفين، ويليه الذهب والفضة، والتجارة، ففيها ربع العشر؛ لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة، ويليه الماشية، فإنه يدخلها الأوقاص (٢)، بخلاف الأنواع السابقة. فالمأخوذ إذًا: الْخُمُس، ونصفه، وربعه، وثمنه، وهذا من حسن ترتيب الشريعة، وهو التدريج في المأخوذ. انتهى كلام ابن الملقّن (٣). وقال القرطبىّ ﵀: وتسمى الزكاة صدقةً مأخوذة من الصدق؛ إذ هي دليل على صحّة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره. قال: وشرعها الله تعالى مواساة للفقراء، وتطهيرًا للأغنياء من البخل، وإنما تجب على من كان له من المال ما له بالٌ، وأقلّ ذلك النصاب على ما يأتي بيانه. ثم موضوعها الأموال النامية؛ أي: الصالحة للنماء، وهي العين، والحرث، والماشية، ثم هذه الأصول منها ما ينمو بنفسه، كالحرث والماشية، ومنها ما ينو بتغيير عينه وتقليبه كالعين. والإجماع منعقدٌ على تعلّق الزكاة بأعيان هذه المسميات، فأما تعلّق الزكاة بما سواها من العروض، والديون، ففيها ثلاثة أقوال:

стр. 10911

فأبو حنيفة يوجبها على الإطلاق، وداود يُسقطها في ذلك، ومالك يوجبها في عروض التجارة، وفي الديون تفصيل يعرف في كتب الفقه، وسيأتي حجة كل فريق في تضاعيف الكلام. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله القرطبيّ من إيجاب الإمام أبي حنيفة الزكاة في الديون على الإطلاق، ليس كما قال، بل في مذهبه تفصيل، فليُرجَع لكتب مذهبه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في السنة التي فُرضت فيها الزكاة: ذهب الأكثرون إلى أنّ فرضيتها وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية، قبل فرض رمضان، أشار إليه النوويّ في "باب السير" من كتابه "الروضة". وجزم ابن الأثير في "التاريخ" بأن ذلك كان في السنة التاسعة. وهذا -كما قال الحافظ- فيه نظر، فقد ثبت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس، وفي عدّة أحاديث ذكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: "يأمرنا بالزكاة"، لكن يمكن تأويل كلّ ذلك، كما سيأتي في آخر الكلام. وقوّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصّة ثعلبة بن حاطب المطوّلة، ففيها: "لما أنزلت آية الصدقة بعث النبيّ ﷺ عاملًا، فقال: ما هذه إلا جزية، أو أخت الجزية". والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة. لكن الحديث ضعيف، لا يُحتجّ به. وادّعَى ابن خزيمة في "صحيحه" أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتجّ بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصّة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب، قال للنجاشيّ في جملة ما أخبره به عن النبيّ ﷺ : "ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام". انتهى. قال الحافظ: وفي استدلالة بذلك نظرٌ؛ لأن الصلوات الخمس لم تكن فُرضت بعدُ، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشيّ، وإنما أخبره بذلك بعد مدّة، قد وقع فيها ما ذكر،

стр. 10912

من قصّة الصلاة، والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا، فقال: "يأمرنا" بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيدٌ جدًّا. وأولى ما حُمل عليه حديث أم سلمة هذا -إن سَلِمَ من قدح في إسناده- أن المراد بقوله: "يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام"؛ أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول. ومما يدلّ على أن فرض الزكاة كان قبل السنة التاسعة حديث أنس ﵁ في "الصحيح" في قصّة ضمام بن ثعلبة، وفيه قوله: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتردها على فقرائنا؟ وكان قدوم ضمام سنة خمس، كما تقدّم، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمّال لأخذ الصدقات، وذلك يقتضي تقدّم فريضة الزكاة قبل ذلك. ومما يدلّ على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فُرض بعد الهجرة؛ لأن الآية الدّالة على فرضيته مدنيّة بلا خلاف. وثبت عند أحمد، وابن خزيمة أيضًا، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم، من حديث قيس بن سعد بن عُبادة، قال: "أمرنا رسول الله ﷺ الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحنُ نفعله". إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمّار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفيّ، اسمه عَرِيب -بالمهملة المفتوحة- ابن حُميد، وقد وثّقه أحمد، وابن معين، وهو دالٌّ على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة، وهو المطلوب. ووقع في "تاريخ الإسلام": في السنة الأولى فُرِضت الزكاة. وقد أخرج البيهقيّ في "الدلائل" حديث أم سلمة المذكور من طريق "المغازي لابن إسحاق" من طريق يونس بن بُكير، عنه، وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق، لكن من طريق سلمة بن الفضل، عنه، وفي سلمة مقال (١).

стр. 10913

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الراجح أن فرض الزكاة كان بعد الهجرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن تجب عليه الزكاة: قال الإمام محمد بن رُشد ﵀ في كتابه "بداية المجتهد، ونهاية المقتصد": اتفقوا على أنها تجب على كل مسلم حرّ، بالغ، عاقل، مالك للنصاب، ملكًا تامًّا. واختلفوا في وجوبها على اليتيم، والمجنون، والعبيد، وأهل الذّمّة، والناقص الملك، مثل الذي عليه دينٌ، أو له الدين، ومثل المال المحبّس الأصل. فأما الصغار، فإن قومًا قالوا: تجب عليهم الزكاة في أموالهم، وبه قال عمر، وعلىّ، وابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن بن عليّ من الصحابة ﵃، وبه قال جابر بن زيد، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وربيعة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الأمصار. وقال قوم: ليس في مال اليتيم صدقة أصلًا. وبه قال النخعيّ، والحسن، وسعيد بن جبير، من التابعين. وفرّق قوم بين ما تُخرج الأرض، وبين ما لا تُخرجه، فقالوا: عليه الزكاة فيما تُخرجه الأرض، وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك، من الماشية، والنّاضّ (١)، والعُرُوض، وغير ذلك. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه. وفرق آخرون بين النّاضّ وغيره، فقالوا: عليه الزكاة إلا في الناضّ. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة عليه، أو لا إيجابها هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة، والصيام؟ أم هي حقّ واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حقّ واجبٌ للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يَعتَبِر في

стр. 10914

ذلك بلوغًا من غيره، وأما من فرّق بين ما تُخرجه الأرض، أو لا تخرجه، وبين الخفيّ والظاهر، فلا أعلم له مستندًا في هذا الوقت. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الأول عندي هو الأرجح؛ لعموم النصوص الصحيحة في إيجاب الزكاة، ولما روي من آثار عن الصحابة: عمر، وعليّ، وعائشة، وجابر ﵃، رواها أبو عبيد، والبيهقيّ، والدارقطنىّ وغيرهم. والله تعالى أعلم. قال: وأما أهل الذمّة، فإن الأكثر على أن لا زكاة على جميعهم؛ إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب -أعني أن يؤخذ منهم مِثلا ما يؤخذ من المسلمين في كلّ شيء-. وممن قال بهذا: الشافعىّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوريّ، وليس عن مالك في ذلك قولٌ، وإنما صار هؤلاء لهذا لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطّاب بهم، وكأنهم رأوا أن مثل هذا هو توقيفٌ، ولكن الأصول تعارضه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون هذا الذي أُخذ من نصارى بني تغلب زكاة فيه نظرٌ لا يخفى. والله تعالى أعلم. قال: وأما العبيد فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب: فقوم قالوا: لا زكاة في أموالهم أصلًا، وهو قول ابن عمر، وجابر من الصحابة ﵃، ومالك، وأحمد، وأبي عُبيد، من الفقهاء. وقال آخرون: بل زكاة مال العبد على سيده، وبه قال الشافعيّ، فيما حكاه ابن المنذر، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه. وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة، وهو مرويّ عن ابن عمر، من الصحابة، وبه قال عطاء، من التابعين، وأبو ثور من الفقهاء، وأهل الظاهر، وبعضهم (١). وجمهور من قال: لا زكاة في مال العبد هو على أن لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق. وقال أبو ثور: في مال المكاتب زكاة. وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد اختلافهم في هل يملك العبد ملكًا تامًّا أو غير تام؟ فمن رأى أنه لا يملك ملكًا تامًّا، وأن السيّد هو المالك؛ إذ

стр. 10915

كان لا يخلو مال من مالك، قال: الزكاة على السيّد، ومن رأى أنه لا واحد منهما يملكه ملكًا تامًّا، لا السيّد؛ إذ كانت يد العبد هي التي عليه، لا يد السيّد، ولا العبد أيضًا؛ لأن للسيّد انتزاعه منه، قال: لا زكاة في ماله أصلًا. ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرّفها فيه تشبيهًا بتصرّف يد الحرّ قال: الزكاة عليه، لا سيّما من كان عنده أن الخطاب العامّ يتناول الأحرار والعبيد، وأن الزكاة عبادة تتعلّق بالمكلّف لتصرّف اليد في المال. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير هو الظاهر عندي؛ لأن النصوص تعمّ الحرّ والعبد، وظواهر النصوص أن العبد يملك إذا أذن له السيّد في التصرّف. والله تعالى أعلم. قال: وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم، أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال قوم: لا زكاة في مال حَبًّا كان، أو غيره حتى تُخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زُكّي، وإلا فلا. وبه قال الثوريّ، وأبو ثور، وابن المبارك، وجماعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدَّين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما سواها. وقال مالك: الدَّين يمنع زكاة الناضّ فقط، إلا أن يكون له عُروض فيها وفاء من دينه، فإنه لا يَمنع. وقال قوم بمقابل القول الأول، وهو أن الدَّين لا يمنع زكاة أصلًا. والسبب في اختلافهم اختلافُهم: هل الزكاة عبادة، أو حقّ مرتّبٌ في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها حقّ لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدَّين؛ لأن حقّ صاحب الدَّين متقدّم بالزمان على حقّ المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدَّين، لا للذي المالُ بيده، ومن قال: هي عبادة قال: تجب على من بيده مالٌ؛ لأن ذلك هو شرط التكليف، وعلامته المقتضية الوجوب على المكلّف، سواء كان عليه دَينٌ، أو لم يكن؛ وأيضًا فإنه قد تعارض هنالك حقّان: حقّ لله، وحقّ للآدميّ، وحقّ الله أحقّ أن يُقضى. والأشبه بغرض

стр. 10916

الشرع إسقاط الزكاة عن المديون؛ لقوله ﷺ : "صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم … " والمديون ليس بغنيّ. وأما من فرّق بين الحبوب، وغير الحبوب، وبين الناضّ، وغير النّاضّ، فلا أعلم له شبهة بيّنة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأقرب عندي أن من عليه دَين يستغرق ماله، لا زكاة عليه أصلًا، ومن عليه دين لا يستغرق لا زكاة عليه بقدر الدين، ويزكي ما عداه؛ لظاهر النصّ المذكور، فإنه شرط في أخذ الزكاة أن يكون غنيًّا، والمديون لا يسمّى غنيًّا. والله تعالى أعلم. قال: وأما المال الذي هو في الذّمّة -أعني في ذمة الغير- وليس هو بيد المالك، وهو الدَّين، فإنهم اختلفوا فيه أيضًا، فقوم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قُبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له، وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعيّ، وبه قال الليث، أو هو قياس قوله. وقوم قالوا: إذا قبضه زكّاه لما مضى من السنين. وقال مالك: يزكيه لحول واحد، وإن أقام عند المديون سنين إذا كان أصله عن عوض، وأما إذا كان عن غير عوض، مثل الميراث، فإنه يستقبل به الحول. انتهى كلام ابن رشد ﵀ ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أنه إن كان الدَّين عند مقرّ به، أو له عليه بيّنة، فإنه يزكّيه، وإلا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الحول في الزكاة: ذكر ابن رشد ﵀ أن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب والفضّة والماشية الحولَ، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصحابة ﵃ ولانتشار العمل به، ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا يجوز أن يكون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعًا من حديث ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار، وليس فيه في الصدر الأول خلاف، إلا ما روي عن ابن عباس، ومعاوية ﵃، وسبب اختلافهم أنه لم يَرِد في ذلك

стр. 10917

حديث ثابت، قاله ابن رشد ﵀ (١). وقال النووىّ ﵀ ما معناه: هذا الأثر المذكور عن أبي بكر، وعثمان، وعليّ ﵃ صحيح عنهم، رواه البيهقيّ وغيره، وقد روي عن علي، وعائشة ﵄ عن النبىّ ﷺ ، أنه قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". قال: وإنما لم يحتجّ المصنّف -يعني صاحب "المهذّب"- بالحديث؛ لأنه ضعيف، فاقتصر على الآثار المفسّرة. قال البيهقىّ: الاعتماد في اشتراط الحول على الآثار الصحيحة، فيه عن أبي بكر الصدّيق، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم ﵃. قال العبدريّ: أموال الزكاة ضربان: (أحدهما): ما له نماء في نفسه، كالحبوب والثمار، فهذا تجب الزكاة فيه لوجوده. (والثاني): ما هو مُرَصَّدٌ للنماء، كالدراهم، والدنانير، وعروض التجارة، والماشية، فهذا يُعتبر فيه الحول، فلا زكاة في نصابه حتى يحول عليه الحول، وبه قال الفقهاء كافّةً، قال: وقال ابن مسعود، وابن عباس ﵄: تجب الزكاة فيه يوم ملك النصاب، قال: فإذا حال الحول وجبت زكاة ثانية (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهب الجمهور، في اشتراط الحول عندي هو الأرجح؛ للآثار الصحيحة المذكورة، والحديث المذكور صحيح موقوفًا، لكن الموقوف في مثل هذا في حكم المرفوع، وأما رفعه فضعيف. وقد صححه بعض أهل العلم من المعاصرين، وفيه نظر لا يخفى؛ لأن فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعىّ، وهو معروف بالتدليس، وأن جرير بن حازم خالف الثقات في رفعه، فقد رواه الثوريّ، وشريك، وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهم عن أبي إسحاق عن علي موقوفًا (٣). وفيه علّة أخرى، نبّه عليها ابن الموّاق، وهي أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه الحفاظ أصحاب ابن وهب: سحنون،

стр. 10918

وحرملة، ويونس، وبحر بن نصر، وغيرهم عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، والحارث بن نبهان، عن الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، فذكره. ذكره الحافظ في "التلخيص الحبير" (١). وهذه العلة بمفردها تكفي، فإن الحسن بن عمارة متروك الحديث. وقد روي الحديث أيضًا عن ابن عمر، وعائشة ﵃، بأسانيد ضعيفة، لا تصلح للاحتجاج بها، ولا للاستشهاد. والحاصل أن الاعتماد في المسألة على الآثار الصحيحة المتقدّمة، لا على المرفوع، كما نبّه عليه البيهقىّ ﵀، فيما تقدم من كلامه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ بَيَانِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَكَمْ مِقْدَارُ مَا يُخْرَجُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٣] (٩٧٩) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَألتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىّ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ) أبو عثمان البغداديّ، ثم الرّقّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣. ٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن المازنىّ المدنىّ، ثقة [٦] مات بعد (١٣٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤.

стр. 10919

٤ - (أَبُوهُ) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) أو (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيّين غير شيخه، فبغداديّ، ثم رَقّيّ، وسفيان، فكوفيّ، ثم مكيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار، سوى موضعين. ٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن سفيان بن عيينة أنه قال: (سَألْتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ) وفي رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ عند البخاريّ التصريح بسماع عمرو بن يحيى، عن أبيه (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ وفي الرواية الآتية: عن يحيى بن عُمارة قال: "سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول … ". [تنبيه]: ذَكَر ابن عبد البرّ ﵀ عن بعض أهل العلم أن حديث الباب لم يأت إلا من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: وهذا هو الأغلب، إلا أنني وجدته من رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، ومن طريق محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁. انتهى. قال الحافظ: ورواية سُهيل في "الأموال لأبي عبيد"، ورواية محمد بن

стр. 10920

مسلم في "المستدرك"، وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن جابر، وجاء أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وأبي رافع، ومحمد بن عبد الله بن جَحْش، أخرج أحاديث الأربعة الدارقطنيّ، ومن حديث ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو عبيد أيضًا. انتهى (١). (عَنِ النَّبِىّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) وهكذا وقع في رواية الشيخين، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق أبي الْبَخْتَريّ الطائيّ، عن أبي سعيد نحو هذا الحديث، وفيه: "والوسق ستون صاعًا"، وأخرجها أبو داود أيضًا، لكن قال: "ستون مختومًا"، وأخرج أيضًا عن إبراهيم النخعيّ، قال: "الوسق ستون صاعًا مختومًا بالحجّاجيّ"، وأخرج الدارقطنيّ من حديث عائشة ﵂ أيضًا: "والوسق ستون صاعًا". ومعنى قوله: "مختومًا"؛ أي: صاعًا مُعْلَمًا بخاتم في أعلاه، قال أبو عبيد ﵀ في "كتاب الأموال": والمختوم هاهنا الصاع بعينه، وإنما سُمّي مختومًا؛ لأن الأمراء جعلت على أعلاه خاتمًا مطبوعًا؛ لئلا يُزاد فيه، ولا يُنقص منه. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم. [تنبيهان]: (الأول): "الأَوْسُق" جمع قلّة للوَسْق -بفتح الواو، كفَلْس وأَفْلُس، ويجوز كسرها- كما حكاه صاحب "المحكم" وغيره، والأشهر فتح الواو، وجمعه في الكسر أوساق، كحِمْلٍ وأَحمال. وأصله في اللغة: الْحِمْلُ. واختلفوا في اشتقاق الوَسْق، فقال شَمِر: كلّ شيء حَمَلْتَه فقد وَسَقته، يقال: ما أفعلُ كذا ما وَسَقَت عيني الماءَ؛ أي: ما حملته. وقال غيره: الوسق ضمّك الشيء إلى الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] أي: جمع، وضمّ، وذلك أن الليل يضمّ كلّ شيء إلى مأواه، واستوسق الشيءُ: إذا اجتمع وكمل. وقيل: معنى وَسَقَ: علا، وذلك أن الليل يعلو كلّ شيء، ويُجَلِّلُه، ولا يمتنع منه شيء، ويقال للذي يجمع الإبل: وَاسِقٌ، وللإبل نفسها: وَسَقَت، وقد وسقتها، فاستوسقت؛ أي: اجتمعت، وانضمّت. وقال الخطّابيّ: الوسق تمام حِمْل الدوابّ النقّالة، وهو ستون صاعًا.

стр. 10921

وقال غيره: والصاع أربعة أمداد، والمدّ رطل وثلث بالبغداديّ، والرطل البغداديّ اثنا عشر أوقيّة، والأُوقيّة هنا زنة عشرة دراهم، وثلثي درهم، من دراهم عبد الملك بن مروان، فمبلغ زنة الرطل من ذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا. قال الإمام ابن الملقّن: كذا قدّره القرطبىّ، وهو أحد الأوجه عن الشافعيّة، والأصحّ عند الرافعيّ أنه مائة وثلاثون، والأصحّ عند النوويّ أنه مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، فالأوسق الخمسة: ألف وستمائة رطل بالبغداديّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رأيت في كلام الشيخ عبد الله البسّام في كتابه "توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام" ما نصّه: والوسق ستون صاعًا، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والصاع في الموازين الحاضرة ٣٠٠٠ (ثلاثة آلاف غرامًا) وهذا تقدير تقريبىّ احتياطيّ بالحنطة الرزينة، فيكون الثلاثمائة صاع ٩٠٠٠ (تسعة آلاف غرامًا) (١). وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبويّ بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقّن حاسم، وذلك لعدم وجود صاع نبويّ متيقّن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر ونحوها. انتهى (٢). قال ابن الملقّن: وهل هذا التقدير بالأرطال تقريبٌ، أم تحديدٌ؟ وجهان للشافعيّة، أصحّهما أنه تحديد، كسائر النُّصُب، وهو ظاهر الحديث، وقيل: تقريبٌ. ووقع في "شرح مسلم للنوويّ" تصحيحه، وتبعه على ذلك الفاكهيّ، وابن العطار، ورجّحه الشيخ ابن دقيق العيد، فقال: الأظهر أن النقصان اليسير لا يمنع إطلاق الاسم في العرف، ولا يَعبَأُ به أهل العرف أنه يغتفر (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 10922

[التنبيه الثاني]: أنه لم يقع في هذه الرواية بيان الْمَكِيل بالأوسق، لكن وقع في الرواية الآتية من طريق محمد بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عمارة بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوساق، من تمر، ولا حبّ صدقة"، وفي لفظ: "ليس في حبٍّ ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق … "، وفي رواية للنسائيّ بلفظ: "لا يَحُلُّ في البرّ والتمر زكاة حتى تبلغ خمسة أوسق"، والله تعالى أعلم بالصواب. (صَدَقَةٌ)؛ أي: زكاةٌ، والمراد بها العشر، أو نصف العشر، على ما سيأتي، قال الحافظ ﵀: ولفظ "دون" في المواضع الثلاثة بمعنى "أقلّ"، لا أنه نَفَى عن غير الخمس الصدقة، كما زعم بعض من لا يُعتدّ بقوله. انتهى. والمعنى أنه إذا خرج من الأرض أقلّ من ذلك فلا زكاة فيه، وبه أخذ جمهور أهل العلم، وهو الحقّ والصواب، وخالفهم فيه أبو حنيفة، فقال: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيرة الزكاة، وهو قول إبراهيم النخعي، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وخالف أبو يوسف، ومحمد الإمام أبا حنيفة، فقالا بقول الجمهور، وهو الحق الذي تدلّ عليه النصوص الصريحة، وسيأتي تحقيق القول في ذلك مستوفًى قريبًا -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم. (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ) الرواية المشهورة إضافة "خمسِ" إلى "ذود"، وروي بتنوين "خمسٍ"، فيكون "ذود" بدلًا منها، والمعروف الأول، ونقله ابن عبد البرّ، والقاضي عياض عن الجمهور. و"الذَّوْدُ" أصله -كما قال القرطبىّ- من ذاد يذود: إذا دفع شيئًا، فهو مصدرٌ، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه مَعَرَّة الفقر، وشدّة الفاقة والحاجة (١). وهو عند أهل اللغة من الثلاثة إلى العشرة، من الإبل، لا واحد له من لفظه، قالوا: ويقال في الواحد بعير. قالوا: وكذلك النفَرُ، والرَّهْطُ، والقوم، والنساء، وأشباه هذه الألفاظ، لا واحد لها من لفظها. قالوا: وقولهم: "خمس ذود" كقولهم: "خمسة أبعرة"، و"خمسة جِمَال"، و"خمس نُوق"، و"خمس نسوة".

стр. 10923

وقال سيبويه: تقول: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنّثٌ، وليس باسم كُسِّرَ عليه مذكّره. وقال أبو عُبيد: الذود ما بين الثنتين إلى التسع. -وقوله مخالف جمهورَ أهل اللغة- قال: وهو مختصّ بالإناث. وقال الأصمعيّ لما ذكر أن الذود من الثلاث إلى العشرة: الصُّبّة -بالضمّ-: خمسٌ، أو ستٌّ. والصِّرْمَة -بالكسر-: ما بين العشر إلى العشرين، والْعَكَرَةُ -محرّكةً-: ما بين العشرين إلى الثلاثين. والْهَجْمَة -بفتح، فسكون-: ما بين الستين إلى السبعين. والْهُنَيدُ -مصغّرًا-: مائة. والْخِطْرُ -بكسر، فسكون، وتُفتح خاؤه-: نحو المائتين. والْعَرْجُ -بفتح، فسكون- من خمسمائة إلى ألف. وقال أبو عبيد وغيره: الصِّرْمة: من العشرين إلى الأربعين. وقال غير الأصمعىّ: وهِنْد -بكسر، فسكون- غير مصغّر مائتان، وأُمَامة -بالضمّ- ثلاثمائة. وأنكر ابن قُتيبة أن يُراد بالذود الواحد، وقال: لا يصحّ أن يقال خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب. وغلّطه العلماء، بل هذا اللفظ شائع مسموع من العرب، معروف في كتب اللغة، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وليس جمعًا لمفرد، بخلاف الأثواب. قال أبو حاتم السجستانيّ: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود من الإبل، وثلاث ذود، لثلاث من الإبل، وأربع ذود، وعشر ذود، على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة، وأربعمائة، والقياس مئين، ومئات، ولا يكادون يقولونه. وقال القرطبيّ: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه، والأشهر ما قاله المتقدّمون أنه لا يقال على الواحد. [ثم اعلم]: أن رواية الجمهور: "خمس ذود"، ورواه بعضهم "خمسة ذود" وكلاهما لرواية مسلم، ولكن الأول أشهر، وهما صحيحان في اللغة، فإثبات الهاء لإطلاقه على المذكّر والمؤنّث، ومَن حَذَفَها: أراد أن الواحدة منه

стр. 10924

فريضة، قاله الإمام ابن الملقّن ﵀ (١). وقد استوفيت البحث في زكاة الإبل في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ) زاد مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد ﵁: "خمس أواق، من الوَرِق صدقة"، و"أواق" بالتنوين، وبإثبات التحتانيّة، مشدّدًا، ومخفّفًا، جمع أوقيّة -بضمّ الهمزة، وتشديد التحتانيّة- وحكى اللحيانيّ: "وَقيّة" -بحذف الألف، وفتح الواو- ومقدار الأوقيّة في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق. والمراد بالدرهم الخالص من الفضّة، سواء كان مضروبًا، أو غير مضروب، قاله في "الفتح". قال الجامع عفا الله عنه: كون "خمس أواقٍ" في هذا المحلّ بتنوين "أواقٍ" هو الموجود في النسخ التي بين يديّ، لكن قال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله: "وليس فيما دون خمس أواقي صدقة" هكذا وقع في الرواية الأولى "أواقي" بالياء، وفي باقي الروايات بعدها "أواقٍ" بحذف الياء، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: "الأوقيّة" بضم الهمزة، وتشديد الياء، وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها، وأواقٍ بحذفها، قال ابن السِّكِّيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع واحدة مشدّدًا جاز في جمعه التشديد والتخفيف، كالأوقية والأواقي، والسُّرّيّة والسراري، والعُليّة، والأثفيّة، ونظائرها، وأنكر جمهورهم أن يقال في الواحدة وقيّة بحذف الهمزة، وحَكَى اللحياني جوازها بفتح الواو (٢)، وتشديد الياء، وجمعها وَقَايا. وأجمع أهل الحديث والفقه وأئمة أهل اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهمًا، وهي أوقية الحجاز. قال القاضي عياض: ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبيّ ﷺ ، وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات

стр. 10925

والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: وهذا يبيّن أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانيق، قول باطلٌ، وإنما معنى ما نُقِل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعاتٌ من ضرب فارس والروم، وصغارًا وكبارًا، وقطع فضة غير مضروبة، ولا منقوشة، ويمنية، ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنًا واحدًا لا يختلف، وأعيانًا ليُستَغنَى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم، قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كانت تعَلَّق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها، وحقوق العباد، ولهذا كانت الأوقية معلومةً. هذا كلام القاضي. قال النوويّ: وقال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية، ولا الإسلام. انتهى (١). وقال في "الفتح" بعدما نقل معنى كلام القاضي عياض المذكور: وقال غيره: لم يتغيّر المثقال في جاهليّة، ولا إسلام، وأما الدراهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ولم يُخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم، يبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضّة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسيّ، فإنه انفرد بقوله: إن كل أهل بلد يتعاملون بدراهمهم. وذكر ابن عبد البرّ الإجماع، فاعتبر النصاب بالعدد، لا الوزن. وانفرد السرخسيّ من الشافعيّة بحكاية وجهٍ في المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضمّ إليه قيمة الغشّ من نحاس مثلًا لبلغ نصابًا فإن الزكاة تجب فيه، كما نُقل عن أبي حنيفة. واستُدِلّ بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب، ولو
следующие страницы →