← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

وقال غيره: والصاع أربعة أمداد، والمدّ رطل وثلث بالبغداديّ، والرطل البغداديّ اثنا عشر أوقيّة، والأُوقيّة هنا زنة عشرة دراهم، وثلثي درهم، من دراهم عبد الملك بن مروان، فمبلغ زنة الرطل من ذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا. قال الإمام ابن الملقّن: كذا قدّره القرطبىّ، وهو أحد الأوجه عن الشافعيّة، والأصحّ عند الرافعيّ أنه مائة وثلاثون، والأصحّ عند النوويّ أنه مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، فالأوسق الخمسة: ألف وستمائة رطل بالبغداديّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رأيت في كلام الشيخ عبد الله البسّام في كتابه "توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام" ما نصّه: والوسق ستون صاعًا، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والصاع في الموازين الحاضرة ٣٠٠٠ (ثلاثة آلاف غرامًا) وهذا تقدير تقريبىّ احتياطيّ بالحنطة الرزينة، فيكون الثلاثمائة صاع ٩٠٠٠ (تسعة آلاف غرامًا) (١). وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصاع النبويّ بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقّن حاسم، وذلك لعدم وجود صاع نبويّ متيقّن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر ونحوها. انتهى (٢). قال ابن الملقّن: وهل هذا التقدير بالأرطال تقريبٌ، أم تحديدٌ؟ وجهان للشافعيّة، أصحّهما أنه تحديد، كسائر النُّصُب، وهو ظاهر الحديث، وقيل: تقريبٌ. ووقع في "شرح مسلم للنوويّ" تصحيحه، وتبعه على ذلك الفاكهيّ، وابن العطار، ورجّحه الشيخ ابن دقيق العيد، فقال: الأظهر أن النقصان اليسير لا يمنع إطلاق الاسم في العرف، ولا يَعبَأُ به أهل العرف أنه يغتفر (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 10922

[التنبيه الثاني]: أنه لم يقع في هذه الرواية بيان الْمَكِيل بالأوسق، لكن وقع في الرواية الآتية من طريق محمد بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عمارة بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوساق، من تمر، ولا حبّ صدقة"، وفي لفظ: "ليس في حبٍّ ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق … "، وفي رواية للنسائيّ بلفظ: "لا يَحُلُّ في البرّ والتمر زكاة حتى تبلغ خمسة أوسق"، والله تعالى أعلم بالصواب. (صَدَقَةٌ)؛ أي: زكاةٌ، والمراد بها العشر، أو نصف العشر، على ما سيأتي، قال الحافظ ﵀: ولفظ "دون" في المواضع الثلاثة بمعنى "أقلّ"، لا أنه نَفَى عن غير الخمس الصدقة، كما زعم بعض من لا يُعتدّ بقوله. انتهى. والمعنى أنه إذا خرج من الأرض أقلّ من ذلك فلا زكاة فيه، وبه أخذ جمهور أهل العلم، وهو الحقّ والصواب، وخالفهم فيه أبو حنيفة، فقال: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيرة الزكاة، وهو قول إبراهيم النخعي، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وخالف أبو يوسف، ومحمد الإمام أبا حنيفة، فقالا بقول الجمهور، وهو الحق الذي تدلّ عليه النصوص الصريحة، وسيأتي تحقيق القول في ذلك مستوفًى قريبًا -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم. (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ) الرواية المشهورة إضافة "خمسِ" إلى "ذود"، وروي بتنوين "خمسٍ"، فيكون "ذود" بدلًا منها، والمعروف الأول، ونقله ابن عبد البرّ، والقاضي عياض عن الجمهور. و"الذَّوْدُ" أصله -كما قال القرطبىّ- من ذاد يذود: إذا دفع شيئًا، فهو مصدرٌ، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه مَعَرَّة الفقر، وشدّة الفاقة والحاجة (١). وهو عند أهل اللغة من الثلاثة إلى العشرة، من الإبل، لا واحد له من لفظه، قالوا: ويقال في الواحد بعير. قالوا: وكذلك النفَرُ، والرَّهْطُ، والقوم، والنساء، وأشباه هذه الألفاظ، لا واحد لها من لفظها. قالوا: وقولهم: "خمس ذود" كقولهم: "خمسة أبعرة"، و"خمسة جِمَال"، و"خمس نُوق"، و"خمس نسوة".

стр. 10923

وقال سيبويه: تقول: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنّثٌ، وليس باسم كُسِّرَ عليه مذكّره. وقال أبو عُبيد: الذود ما بين الثنتين إلى التسع. -وقوله مخالف جمهورَ أهل اللغة- قال: وهو مختصّ بالإناث. وقال الأصمعيّ لما ذكر أن الذود من الثلاث إلى العشرة: الصُّبّة -بالضمّ-: خمسٌ، أو ستٌّ. والصِّرْمَة -بالكسر-: ما بين العشر إلى العشرين، والْعَكَرَةُ -محرّكةً-: ما بين العشرين إلى الثلاثين. والْهَجْمَة -بفتح، فسكون-: ما بين الستين إلى السبعين. والْهُنَيدُ -مصغّرًا-: مائة. والْخِطْرُ -بكسر، فسكون، وتُفتح خاؤه-: نحو المائتين. والْعَرْجُ -بفتح، فسكون- من خمسمائة إلى ألف. وقال أبو عبيد وغيره: الصِّرْمة: من العشرين إلى الأربعين. وقال غير الأصمعىّ: وهِنْد -بكسر، فسكون- غير مصغّر مائتان، وأُمَامة -بالضمّ- ثلاثمائة. وأنكر ابن قُتيبة أن يُراد بالذود الواحد، وقال: لا يصحّ أن يقال خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب. وغلّطه العلماء، بل هذا اللفظ شائع مسموع من العرب، معروف في كتب اللغة، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وليس جمعًا لمفرد، بخلاف الأثواب. قال أبو حاتم السجستانيّ: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود من الإبل، وثلاث ذود، لثلاث من الإبل، وأربع ذود، وعشر ذود، على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة، وأربعمائة، والقياس مئين، ومئات، ولا يكادون يقولونه. وقال القرطبيّ: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه، والأشهر ما قاله المتقدّمون أنه لا يقال على الواحد. [ثم اعلم]: أن رواية الجمهور: "خمس ذود"، ورواه بعضهم "خمسة ذود" وكلاهما لرواية مسلم، ولكن الأول أشهر، وهما صحيحان في اللغة، فإثبات الهاء لإطلاقه على المذكّر والمؤنّث، ومَن حَذَفَها: أراد أن الواحدة منه

стр. 10924

فريضة، قاله الإمام ابن الملقّن ﵀ (١). وقد استوفيت البحث في زكاة الإبل في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ) زاد مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد ﵁: "خمس أواق، من الوَرِق صدقة"، و"أواق" بالتنوين، وبإثبات التحتانيّة، مشدّدًا، ومخفّفًا، جمع أوقيّة -بضمّ الهمزة، وتشديد التحتانيّة- وحكى اللحيانيّ: "وَقيّة" -بحذف الألف، وفتح الواو- ومقدار الأوقيّة في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق. والمراد بالدرهم الخالص من الفضّة، سواء كان مضروبًا، أو غير مضروب، قاله في "الفتح". قال الجامع عفا الله عنه: كون "خمس أواقٍ" في هذا المحلّ بتنوين "أواقٍ" هو الموجود في النسخ التي بين يديّ، لكن قال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله: "وليس فيما دون خمس أواقي صدقة" هكذا وقع في الرواية الأولى "أواقي" بالياء، وفي باقي الروايات بعدها "أواقٍ" بحذف الياء، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: "الأوقيّة" بضم الهمزة، وتشديد الياء، وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها، وأواقٍ بحذفها، قال ابن السِّكِّيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع واحدة مشدّدًا جاز في جمعه التشديد والتخفيف، كالأوقية والأواقي، والسُّرّيّة والسراري، والعُليّة، والأثفيّة، ونظائرها، وأنكر جمهورهم أن يقال في الواحدة وقيّة بحذف الهمزة، وحَكَى اللحياني جوازها بفتح الواو (٢)، وتشديد الياء، وجمعها وَقَايا. وأجمع أهل الحديث والفقه وأئمة أهل اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهمًا، وهي أوقية الحجاز. قال القاضي عياض: ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبيّ ﷺ ، وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات

стр. 10925

والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: وهذا يبيّن أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانيق، قول باطلٌ، وإنما معنى ما نُقِل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعاتٌ من ضرب فارس والروم، وصغارًا وكبارًا، وقطع فضة غير مضروبة، ولا منقوشة، ويمنية، ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنًا واحدًا لا يختلف، وأعيانًا ليُستَغنَى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم، قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كانت تعَلَّق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها، وحقوق العباد، ولهذا كانت الأوقية معلومةً. هذا كلام القاضي. قال النوويّ: وقال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية، ولا الإسلام. انتهى (١). وقال في "الفتح" بعدما نقل معنى كلام القاضي عياض المذكور: وقال غيره: لم يتغيّر المثقال في جاهليّة، ولا إسلام، وأما الدراهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ولم يُخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم، يبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضّة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسيّ، فإنه انفرد بقوله: إن كل أهل بلد يتعاملون بدراهمهم. وذكر ابن عبد البرّ الإجماع، فاعتبر النصاب بالعدد، لا الوزن. وانفرد السرخسيّ من الشافعيّة بحكاية وجهٍ في المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضمّ إليه قيمة الغشّ من نحاس مثلًا لبلغ نصابًا فإن الزكاة تجب فيه، كما نُقل عن أبي حنيفة. واستُدِلّ بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب، ولو

стр. 10926

حبّة واحد، خلافًا لمن سامح بنقص يسير، كما نقل عن بعض المالكيّة. انتهى (١). [تنبيه]: اختُلف في مقدار النصاب في الذهب والفضّة بالوزن المتعارف في الوقت الحاضر: قد درس الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة" دراسة مطوّلة، قال في آخرها ما حاصله: نصاب الفضّة بالوزن الحديث هو ٩٧٥ و ٢ × ٢٠٠ = ٥٩٥ من الجرامات، ونصاب الذهب هو ٢٥ و ٤ × ٢٠ = ٨٥ جرامًا من الذهب. فمن ملك من الفضّة الخالصة -نقودًا، أو سبائك- ما يزن ٥٩٥ جرامًا وجبت عليه فيه الزكاة: ٥ و ٢ بالمئة. انتهى (٢). وكتب الشيخ أبو بكر الجزائريّ في رسالته "زكاة العُمَل" أن نصاب الذهب بالجرام ٧٠ جرامًا ونصاب الفضة به ٤٦٠ جرامًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: والأول هو الذي عليه غير واحد من المعاصرين، وما قاله الشيخ الجزائريّ أحوط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٢٦٣ و ٢٢٦٤ و ٢٢٦٥ و ٢٢٦٦ و ٢٢٦٧ و ٢٢٦٨ و ٢٢٦٩] (٩٧٩)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٠٥ و ١٤٤٧ و ١٤٥٩ و ١٤٨٤)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٥٥٨ و ١٥٥٩)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٢٦ و ٦٢٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ١٧ و ١٨ و ٣٦ و ٤٠)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٧٩٣)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٢٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٦ و ٤٤ و ٦٠ و ٧٤ و ٧٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٣٣ و ١٦٣٤)، و (ابن

стр. 10927

خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٦٣ و ٢٢٩٣ و ٢٢٩٤ و ٢٢٩٥ و ٢٢٩٨ و ٢٣٠١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٦٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٧ - ٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الزكاة في الإبل، وبيان أقلّ نصاب زكاة الإبل، وهو خمس ذود، وقد استوفيت البحث في زكاة الإبل في "شرح النسائيّ"، فراجعه (١) تستفد علمًا جمًّا. ٢ - (ومنها): بيان أقلّ نصاب الحبوب والثمار، وهو خمسة أوسق، فما كان أقلّ من ذلك لا يجب فيه شئ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم، وهو المذهب الراجح، وخالف فيه أبو حنيفة، وروي عن ابن عباس، وزيد بن عليّ، والنخعيّ، فقالوا: تجب الزكاة في قليل ما أخرجته الأرض، وكثيرة، واستدلوا بقوله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عَثَرِيًّا العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاريّ (٢)، قالوا: هذا عامّ في القليل والكثير. قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: وأجيب عنه بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرج، لا بيان المخرج منه، وهذا فيه قاعدة أصوليّة، وهو أن الألفاظ العامّة بوضع اللغة على ثلاث مراتب: (إحداها): ما ظهر فيه عدم قصد التعميم، ومُثّل بهذا الحديث. (والثانية): ما ظهر فيه التعميم بأن أورد مبتدأً، لا على سبب؛ لقصد تأسيس القواعد. (والثالثة): ما لم تظهر فيه قرينة زائدة تدلّ على التعميم، ولا قرينة تدلّ على عدم التعميم. وقد وقع تنازع من بعض المتأخّرين في القسم الأول في كون المقصود منه عدم التعميم، فطالب بعضهم بالدليل على ذلك، وهذا الطريق ليس بجيّد؛

стр. 10928

لأن هذا أمر يُعرف من سياق الكلام، ودلالة السياق لا يقام عليها دليل، وكذلك لو فُهم المقصود من الكلام، وطولب بالدليل عليه لعسُر، فالناظر يرجع إلى ذوقه، والمناظر إلى دينه وإنصافه. انتهى كلام ابن دقيق العيد (١). وحكى القاضي عياض عن داود أن كلّ ما يدخله الكيل يُراعى فيه خمسة أوسق، وما عداه مما لا يوسق ففي قليله وكثيرة الزكاة، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة قريبًا -إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان أقلّ نصاب الورق، وهو خمسة أواق، وهي مائتا درهم، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان أقوال أهل العلم في حكم زكاة الفضّة، والذهب، والجواهر: قال النووىّ ﵀: تجب الزكاة في الذهب بالإجماع، ودليل المسألة النصوص، والإجماع، وسواء فيهما المسبوك، والتبر، والحجارة منهما، والسبائك، وغيرها من جنسها، إلا الحليّ المباح، على أصحّ القولين. قال: ولا زكاة فيما سوى الذهب، والفضّة من الجواهر، كالياقوت، والفيروز، واللؤلؤ، والمرجان، والزّمرّد، والزبرجد، والحديد، والصفر، وسائر النحاس، والزجاج، وإن حسنت صنعتها، وكثرت قيمتها، ولا زكاة أيضًا في المسك، والعنبر. قال الشافعيّ ﵀ في "المختصر": ولا في حلية بحر. قال أصحابنا: معناه: كلّ ما يستخرج منه، فلا زكاة فيه. ولا خلاف في شيء من هذا عندنا. وبه قال جماهير العلماء، من السلف وغيرهم. وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن البصريّ، وعمر بن عبد العزيز، والزهريّ، وأبي يوسف، وإسحاق ابن راهويه أنهم قالوا: يجب الخمس في العنبر، قال الزهريّ: وكذلك اللؤلؤ. وحكى أصحابنا عن عبد الله بن الحسن العنبريّ أنه قال: يجب الخمس في كلّ ما يخرج من البحر، سوى السمك. وحكى العنبريّ وغيره عن أحمد روايتين:

стр. 10929

إحداهما: كمذهب الجماهير. والثانية: أنه أوجب الزكاة في كلّ ما ذكرنا إذا بلغت قيمته نصابًا حتى في المسك والسمك (١). ودليلنا: الأصل أن لا زكاة إلا فيما ثبت الشرع فيه. وصحّ عن ابن عباس ﵄ قال: ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء دَسَرَه البحر، وهو بدال وسين مهملتين مفتوحتين؛ أي: قذفه ودفعه، فهذا الذي ذكرناه هو المعتمد في دليل المسألة، وأما الحديث المرويّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ : "لا زكاة في حجر". فضعيفٌ جدًّا، رواه البيهقيّ، وبيّن ضعفه (٢). انتهى ما قاله النوويّ (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب ما قاله الجمهور من عدم وجوب الزكاة في غير الذهب والفضّة؛ لما ذكره النوويّ، ولأنه -كما قال ابن قُدامة-: قد كان يُخرَج على عهد رسول الله ﷺ ، وخلفائه، فلم تأت فيه سنّة عنه، ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان أقوال أهل العلم في نصاب الذهب والفضّة: قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن نصاب الفضة مائتا درهم، وأن فيه خمسة دراهم، واختلفوا فيما زاد على المائتين، فقال الجمهور: يُخرج مما زاد بحسابه ربع العشر، قلّت أم كثرت. وممن قال به عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، والنخعيّ، ومالك، وابن

стр. 10930

أبي ليلى، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد. قال: وقال سعيد بن المسيّب، وطاوس، والحسن البصريّ، والشعبيّ، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وأبو حنيفة: لا شيء في الزيادة على مائتين حتى تبلغ أربعين، ففيها درهم. قال ابن المنذر: وبالأول أقول، ودليل الوجوب في القليل والكثير قوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر"، أخرجه البخاريّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبما رجّحه ابن المنذر أقول؛ لوضوح دليله، والله تعالى أعلم. قال النوويّ: وأما الذهب فمذهبنا أن نصابه عشرون مثقالًا، ويجب فيما زاد بحسابه ربع العشر، قلّت الزيادة أم كثرت، وبه قال الجمهور من السلف والخلف. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا، وقيمتها مائتا درهم وجبت فيه الزكاة، إلا ما اختلف فيه عن الحسن، فروي عنه هذا، وروي عنه أنه لا زكاة فيما هو دون أربعين مثقالًا، لا تساوي مائتي درهم. واختلفوا فيما دون عشرين إذا ساوى مائتي درهم، فقال كثير منهم: لا زكاة فيما دون عشرين، وإن بلغت مائتي درهم، وتجب في عشرين، وإن لم تبلغها. وممن قال به عليّ بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، وابن سيرين، وعروة، والنخعيّ، والحكم، ومالك، والثوريّ، والأوزاعىّ، والليث، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد. وقال طاوس، وعطاء، والزهريّ، وأيوب، وسليمان بن حرب: يجب ربع العشر في الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالًا، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعة دنانير. وأما إذا كانت الفضّة تنقص عن مائتي درهم، والذهب ينقص عن عشرين

стр. 10931

مثقالًا نقصًا يسيرًا جدًّا بحيث يروج رواج الوازنة، فلا زكاة في مذهب الشافعيّ، وبه قال إسحاق، وابن المنذر، والجمهور. وقال مالك: تجب. انتهى كلام النوويّ بتصرّف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهب الجمهور عندي أرجح؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): في اختلاف العلماء في ضمّ تكميل نصاب الدراهم بالدنانير، والعكس: قال النوويّ ﵀ أيضًا: مذهبنا أنه لا يكمّل نصاب الدراهم بالذهب، ولا عكسه، حتى لو ملك مائتين إلا درهمًا، وعشرين مثقالًا، إلا نصفًا، أو غيره فلا زكاة في واحد منهما. وبه قال جمهور العلماء (٢). حكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عُبيد. قال ابن المنذر: وقال الحسن، وقتادة، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومالك، وأبو حنيفة، وسائر أصحاب الرأي: يضمّ أحدهما إلى الآخر. واختلفوا في كيفيّة الضمّ: فقال الأوزاعيّ: يخرج ربع عشر كلّ واحد، فإذا كانت له مائة درهم، وعشرة دنانير أخرج ربع عشر كلّ واحد منهما. وقال الثوريّ: يضمّ القليل إلى الكثير. ونقل العبدريّ عن أبي حنيفة، أنه قال: يضمّ الذهب إلى الفضّة بالقيمة، فإذا كانت له مائة درهم، وله ذهب قيمته مائة درهم وجبت الزكاة، قال: وقال مالك، وأبو يوسف، وأحمد: يضمّ أحدهما إلى الآخر بالأجزاء، فإذا كان معه مائة درهم، وعشرة دنانير، أو خمسون درهمًا، وخمسة عشر دينارًا ضمّ أحدهما إلى الآخر، ولو كان له مائة درهم، وخمسة دنانير، قيمتها مائة درهم، فلا ضمّ. قال النوويّ: دليلنا قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق من الورق

стр. 10932

صدقة". انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن مذهب القائلين بعدم الضمّ أرجح؛ لأن الْوَرِق في اللغة يُطلق على الدرهم فقط، ولا يطلق على الدينار، فالحديث المذكور يدلّ على أنه لا يجب فيما دون خمس أواق من الدراهم زكاة، فلو كان الضمّ معتبرًا لبيّنه ﷺ . والحاصل أن الدراهم، والدنانير يعتبر تمام نصاب كلّ منهما بمفرده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في زكاة الوَرَقِ الماليّ: كتب الدكتور يوسف القرضاويّ في هذه المسألة أيضًا بحثًا نفيسًا، قال فيه. لم تُعرف النقود الورقيّة إلّا في العصر الحاضر، فلا نطمع أن يكون لعلماء السلف فيها حكم، وكلّ ما هنالك أن كثيرًا من علماء العصر يحاولون أن يجعلوا فتواهم تخريجًا على أقوال السابقين، فمنهم من نظر إلى هذه النقود نظرة فيها كثير من الحرفيّة والظاهريّة، فلم ير هذه نقودًا؛ لأن النقود الشرعيّة إنما هي الفضّة والذهب، وإذًا لا زكاة فيها. وبهذا أفتى الشيخ عليش مفتي المالكيّة في مصر في عصره، فقد استُفتِي في حكم "الكاغد" -الورق- الذي فيه ختم السلطان، ويُتعامل به كالدراهم والدنانير، فأفتى أن لا زكاة فيه. وكذا أفتى بعض الشافعيّة بأن لا زكاة فيها، حتى تقبض قيمتها ذهبًا، أو فضّة، ويمضي على ذلك حولٌ بناءً على أن المعاملة بها حوالة غير صحيحة شرعًا؛ لعدم الإيجاب والقبول اللفظيين. وفي كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" الذي ألّفته لجنة تمثّل علماء هذه المذاهب في مصر نقرأ ما يأتي: ١ - الشافعيّة قالوا: الورق النقديّ التعامل به من قبيل الحوالة على البنك بقيمته، فيملك قيمته دينًا على البنك، والبنك مليء مُقرٌّ مستعدّ للدفع حاضرٌ،

стр. 10933

ومتى كان المدين بهذه الأوصاف، وجبت زكاة الدين في الحال. وعدم الإيجاب والقبول اللفظيّين في الحوالة لا يبطلها، حيث جرى العرف بذلك. على أن بعض أئمة الشافعيّة قال: المراد بالإيجاب والقبول كلّ ما يُشعر بالرضا من قول أو فعل، والرضا محقّق. ٢ - الحنفيّة قالوا: الأوراق الماليّة -البنكنوت- من قبيل الدين القويّ، إلا أنها يمكن صرفها فضة فورًا، فيجب فيها الزكاة فورًا. ٣ - المالكيّة قالوا: أوراق البنكنوت، وإن كانت سندات دين إلا أنها يمكن صرفها فضّة فورًا، وتقوم مقام الذهب في التعامل، فيجب فيها الزكاة بشروطها. ٤ - الحنابلة قالوا: لا تجب زكاة الورق النقديّ إلا إذا صُرف ذهبًا أو فضةً، ووجدت فيه شروط الزكاة. ومن هذه الأقوال المنسوبة إلى المذاهب، نعلم أن أساسها هو اعتبار هذه الأوراق سندات دين على بنك الإصدار، وأنها يمكن صرف قيمتها فضّة فورًا، فتجب الزكاة فيها فورًا عند المذاهب الثلاثة، وعند الصرف فعلًا على مذهب الحنابلة. ونحن نعلم أن القانون أصبح يُعفي أوراق النقد المصرفيّة "البنكنوت" من أن يلتزم البنك صرفها بالذهب والفضّة، وبهذا ينهار الأساس الذي بني عليه إيجاب الزكاة في هذه الأوراق. هذا، مع أن هذه الأوراق أصبحت هي أساس التعامل بين الناس، ولم يعُدْ يرى الناس العملة الذهبيّة قط، ولا الفضيّة، إلا في المبالغ التافهة، أما عماد الثروات، والمبادلات، فهو هذه العملة الورقيّة. إن هذه الأوراق أصبحت -باعتماد السلطات الشرعيّة إياها، وجريان التعامل بها- أثمان الأشياء، ورؤوس الأموال، وبها يتمّ البيع والشراء، والتعامل داخل كل دولة، ومنها تُصرَف الأجور، والرواتب، والمكافآت، وغيرها، وعلى قدر ما يملك المرء منها يعتبر غناه، ولها قوّة الذهب والفضّة في قضاء الحاجات، وتيسير المبادلات، وتحقيق المكاسب والأرباح، فهي بهذا الاعتبار أموال نامية، أو قابلة للنماء، شأنها شأن الذهب والفضة. صحيح أن الذهب والفضّة لهما قيمة ماليّة ذاتيّة من حيث إنهما معدنان

стр. 10934

نفيسان، حتى لو بطل التعامل بهما نقدين لبقيت قيمتهما الماليّة معدنين، نعم هذا صحيح، ولكن الذي يفهم من روح الشريعة، ونصوصها أنها لم توجب الزكاة في الذهب والفضّة لمحض ماليّتهما؛ إذ لم توجب الزكاة في كلّ مال، بل في المال المعدّ للنماء، والذهب والفضّة إنما اعتبرهما الشارع مالًا معدًّا للنماء من جهة أنهما ثمنان للأشياء، وقِيَمٌ لها، فالثمنيّة مراعاة مع الماليّة أيضًا، ولهذا كان عنوان زكاة الذهب والفضّة في كثير من الكتب "زكاة الأثمان"، أو "زكاة النقدين". ومن أجل هذا لا يسوغ أن يقال للناس: إن بعض المذاهب لا يرى إخراج الزكاة عن هذه الأوراق، وينسب ذلك إلى مذهب أحمد، أو مالك، أو الشافعيّ، أو غيرهم. فالحقّ أن هذا أمر مستحدثٌ، ليس له نظير في عصر الأئمّة المجتهدين ﵃ حتى يقاس عليه، ويُلحق به. والواجب أن يُنظر إليه نظرة مستقلّة في ضوء واقعنا، وظروف حياتنا وعصرنا. وإني لأسجّل بالتقدير هنا ما كتبه، وأفتى به العلّامة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدويّ ﵀ في رسالته "التبيان في زكاة الأثمان"؛ إذ قال معقّبًا على تخريج زكاة الأوراق الماليّة على زكاة الدَّين المعروف عند الفقهاء القدامى، واعتبار هذه الأوراق سند دَين (صكًّا كالكمبيالة) لا تجب تزكيته إلا على مذهب من لا يشترط القبض في تزكية الدَّين إذا كان على مليء مقرّ. قال: ولا يخفى أن تخريج زكاة الأوراق الماليّة على زكاة الدَّين -مع كونه مُجحِفًا بحقّ الفقراء على غير ما ذهب إليه الشافعيّة- مبنيّ على اعتبار القيمة المضمونة بهذه الأوراق كدَين حقيقيّ في ذمة شخص مدين، وأن هذه الأوراق كمستندات ديون حقيقيّة. مع أن هناك فرقًا بين هذه الأوراق، وما هو مضمون بها، وبين الدَّين الحقيقيّ، وسنده المعروف عند الفقهاء، فإن الدَّين ما دام في ذمّة المدين لا ينمو، ولا ينتفع به ربّه، ولا يجري التعامل بسنده رسمًا، ولذا قيل بعدم وجوب زكاته؛ لأنه ليس مالًا حاضرًا مُعدًّا للنماء، بحيث ينتفع به ربّه، بخلاف

стр. 10935

قيمة هذه الأوراق، فإنها نامية، منتفع بها، كما ينتفع بالأموال الحاضرة، وكيف يقال: إن هذه الأوراق من قبيل مستندات الديون، ومستند الدين ما أخذ على المدين للتوثّق، وخشية الضياع، لا لتنمية الدين في ذمّة المدين، ولا للتعامل به؟ أو يقال: لا تجب الزكاة فيها حتى يقبض بدلها نقدًا ذهبًا أو فضّةً، مع أن عدم الزكاة في الدَّين كما علمت إنما هو لكونه ليس معدًّا للنماء، ولا محفوظًا بعينه في خزانة المدين؟. والفقهاء إنما حكموا بعدم زكاة الدَّين ما دام في ذمّة المدين حتى يقبضه المالك، نظرًا لهذه العلّة، واستثنى الشافعيّة دَين الموسر إذا كان حالًّا، فإنه يزكَّى قبل قبضه كالوديعة، نظرًا إلى أنه في حكم الحاضر المعدّ للنماء. فلو فُرض نماؤه كما في بدل الأوراق الماليّة لما كان هناك وجه لتوقّف الزكاة على القبض، ولما خالف في ذلك أحدٌ من العلماء. فالحق أن هذا النوع من الدَّين نوع آخر مُستَحدَثٌ لا ينطبق عليه حقيقة الدَّين، وشروطه المعروفة عند الفقهاء، ولا يجري فيه الخلاف الذي جرى في زكاة الدَّين، بل ينبغي أن يُتّفَق على وجوب الزكاة فيه، لما علمت أنه كالمال الحاضر … إلى أن قال: ولو فُرض أنه ليس في البنك شيء من النقود، ونظر إلى تلك الأوراق في ذاتها بقطع النظر عما يعادلها، وعن التزام التعهّد المرقوم بها، واعتبر وجهة إصدار الحكومة لها، واعتبار العلّة لها أثمانًا رائجةً، لكانت كالنقدين تجب زكاتها على القول بأن الزكاة في النقدين معلولة بمجرّد الثمنيّة، ولو لم تكن خلقيّة كما تقدّم في زكاة الفلوس، وقِطَع الجلود، والكواغد. فتحصّل أن الأوراق الماليّة يصحّ أن تُزكّى باعتبارات أربعة: (الأول): باعتبار المال المضمون بها في ذمّة البنك، وأنه كمالٍ حاضرٍ مقبوضٍ، وإن لم يكن كالدَّين المعروف عند الفقهاء من كلّ وجه. (الثاني): زكاتها باعتبار الأموال المحفوظة بخزانة البنك، وعلى هذين الاعتبارين فالزكاة واجبة فيها اتفاقًا. (الثالث): زكاتها باعتبار قيمتها دَينًا في ذمّة البنك، فتزكّى زكاة الدَّين الحالّ على مليء، كما ذهب إليه الشافعيّ. (الرابع): زكاتها باعتبار قيمتها الوضعيّة عند جريان الرسم بها في

стр. 10936

المعاملات، واتفاق الملّة (١) على اتخاذها أثمانًا للمقوّمات، وعلى ذلك فوجوب الزكاة فيها ثابت بالقياس كزكاة الفلوس والنحاس. انتهى. قال القرضاويّ: هذا الاعتبار الأخير هو الذي يجب أن يُعوّل عليه في حكم النقود الورقيّة الإلزاميّة التي هي عمدة التبادل والتعامل الآن، والتي لم يعد يشترط أن يقابلها رصيد معدنيّ بالبنك، ولا يلتزم البنك صرفها بذهب أو فضّة. وربما كان الخلاف في أمر هذه الأوراق مقبولًا في بدء استعمالها، وعدم اطمئنان الجمهور إليها شأنَ كلّ جديد، أما الآن فالوضع قد تغيّر تمامًا. لقد أصبحت هذه الأوراق النقديّة تحقّق داخل كلّ دولة ما تحقّقه النقود المعدنيّة، وينظر المجتمع إليها نظرته إلى تلك. إنها تُدفع مهرًا، فتستباح بها الفروج شرعًا دون أيّ اعتراض. وتدفع ثمنًا، فتنقل ملكيّة السلعة إلى دافعها بلا جدال. وتدفع أجرًا للجهد البشريّ، فلا يمتنع عاملٌ، أو موظّفٌ من أخذها جزاءً على عمله. وتدفع بها دية في القتل الخطأ، أو شبه العمد، فتبرئ ذمّةَ القاتل، ويرضى أولياء المقتول. وتُسْرَقُ فيستحقّ سارقها عقوبة السرقة بلا مراء من أحد. وتدّخر وتملك، فيعدّ مالكها غنيًّا بقدر ما يملك منها، فكلما كثرت في يده عظم غناه عند الناس، وعند نفسه (٢). ومعنى هذا كلّه أن لها وظائف النقود الشرعيّة، وأهمّيّتها، ونظرة المجتمع إليها، فكيف يسوغ لنا أن نَحرِمَ الفقراءَ والمساكينَ، وسائرَ المستحقّين من الانتفاع بهذه النقود، ووظائفها المتعدّدة الوفيرة؟ أليس الناس كلّ الناس يسعون إلى تحصيلها جاهدين؛ أليس مُلّاكها يعُدّونها نعمة يجب شكرها؟ أليس الفقراء يتطلّعون إليها، ويسيل لعابهم شوقًا إليها؟ أليس يفرحون بها إذا أعطوا القليل منها؟ بلى والله.

стр. 10937

وأختم هذه النقطة بما قرّره أساتذة الاقتصاد أنه يمكن القول بأن النقود هي كلّ ما يُستعمل مقياسًا للقيم، وواسطة للتبادل، وأداة للادخار، فأيّ شيء يؤدّي إلى هذه الوظيفة يعتبر نقودًا، بصرف النظر عن المادّة المصنوع منها، وبصرف النظر عن الكيفيّة التي أصبح بها وسيلة التعامل في مبدأ الأمر، فما دامت هناك مادّة يقبلها كلّ المنتجين في مجتمع ما للمبادلة نظير ما يبيعون، فهذه المادّة نقود. انتهى ما كتبه الدكتور القرضاويّ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وخلاصته إيجاب الزكاة في الأموال الورقيّة المتعارفة الآن على أنها مال صحيح التعامل به بإجماع أهل العصر، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٤] ( … ) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْث (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التُّجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الفقيه الحافظ الثبت الحجة المشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) يعني أن كلًّا من الليث، وعبد الله بن إدريس رويا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري … إلخ.

стр. 10938

[تنبيه]: رواية الليث، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال: (٢٤٤٦) - أخبرنا عيسى بن حماد، قال: أنبأنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". انتهى. وأما رواية عبد الله بن إدريس، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٥] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، وَأَشَارَ النَّبِىُّ ﷺ بِكَفِّهِ بِخَمْسِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم قبل بابين. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ابن جُريج. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن عمرو بن يحيى هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٤/ ١٢٤) فقال: (٧٢٤١) - أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر، أنبأ جدي يحيى بن منصور، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أنبأ ابن جريج، أخبرني عمرو بن يحيى بن عُمارة، عن أبيه يحيى بن عُمارة، قال: سمعت أبا

стр. 10939

سعيد الخدريّ يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول، وأشار النبيّ ﷺ بكفه بخمس أصابع: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٦] ( … ) - (وحَدَّثَني أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلٍ) الرقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٣ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٥. والباقيان ذُكرا قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ، مِنْ تَمْرٍ، وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ").

стр. 10940

رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (وَكِيعٌ) بن الجّرّاح، تقدّم قريبًا. ٤ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم قبل باب. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة الأمويّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح الحاء المهملة- ابن منقذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١٢١) وهو ابن (٧٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ) قال النوويّ: هكذا هو في الأصول خمسة أوساق وهو صحيح، جمعُ وِسْق، بكسر الواو، كحِمْل وأَحْمال، وقد سبق أن الْوَسْق بفتح الواو، وبكسرها. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِىٍّ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِى حَبٍّ، وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.

стр. 10941

٢ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيِّ) الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فِي حَبٍّ، وَلَا تَمْرٍ) هو "تَمْر" بفتح التاء المثنّاة، وإسكان الميم، وفي رواية محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق التالية: "ثَمَر" بفتح الثاء المثلّثة، وفتح الميم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، بِهَذَا الإسنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِىٍّ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكرياء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى بن آدم، عن سفيان الثوريّ هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٤/ ١٢٨) فقال: (٧٢٦٠) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن القاضي، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا سفيان بن سعيد، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عُمارة، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ قال: "لا صدقة في حَبّ، ولا تمر دون خمسة أوسق". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10942

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، وَمَعْمَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ بَدَلَ "التَّمْرِ": "ثَمَرٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية عبد الرّزّاق، عن الثوريّ، ومعمر هذه ساقها عبد الرزاق ﵀ في "مصنّفه" مفرّقة (٤/ ١٤١) فقال: (٧٢٥٤) - عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن يحيى بن عُمارة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في حَبّ ولا في ثمر صدقةٌ، حتى يبلغ خمسة أوسق، وليس فيما دون خمسة أواق صدقةٌ، وليس فيما دون خمس ذود صدقة". (٧٢٥٥) - عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عُمارة، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ نحوه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧١] (٩٨٠) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِىُّ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ، مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ، مِنَ الإبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ").

стр. 10943

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) عن (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠. ٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا. ٤ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن الفِهْريّ المدنيّ، نزيل مصر، فيه لينٌ [٧] (م د س ق) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩٢. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قريبًا. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﵄، تقدّم أيضًا قريبًا. وقوله: (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) قال النووىّ ﵀: قال أهل اللغة: يقال: وَرِقٌ، ووَرْقٌ بكسر الراء وإسكانها، والمراد به هنا الفضة كلُّها مضروبها وغيره، واختَلَف أهل اللغة في أصله، فقيل: يُطْلَق في الأصل على جميع الفضة، وقيل: هو حقيقة للمضروب دراهم، ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازًا، وهذا قول كثير من أهل اللغة، وبالأول قال ابن قتيبة وغيره منهم، وهو مذهب الفقهاء، ولم يأت في "الصحيح" بيان نصاب الذهب، وقد جاءت فيه أحاديث بتحديد نصابه بعشرين مثقالًا، وهي ضعاف، ولكن أَجْمَع من يُعْتَدّ به في الإجماع على ذلك، وكذا اتفقوا على اشتراط الحول في زكاة الماشية، والذهب والفضة، دون المعشَّرات. وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعيّ وموافقيه في الفضة إذا كانت دون مائتي درهم رائجة أو نحوها لا زكاة فيها؛ لقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة"، وقد سبق أن الأوقية أربعون درهمًا، وهي أوقية الحجاز الشرعية، وقال مالك: إذا نقصت شيئًا يسيرًا بحيث تروج رواج الوازنة وجبت الزكاة، ودليلنا أنه يصدق أنها دون خمس أواق. وفيه دليل أيضًا للشافعيّ وموافقيه في الدراهم المغشوشة، أنه لا زكاة

стр. 10944

فيها، حتى تبلغ الفضة المحضة منها مائتي درهم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٢٧١] (٩٨٠)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٧٩٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٩٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ بَيَانِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٢] (٩٨١) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأيْلِىُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أبا الًزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَذْكُرُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ الأنهَارُ، وَالْغَيْمُ، الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠. ٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.

стр. 10945

٣ - (الْوَليدُ بْنُ شُجَاعِ) بن الوليد بن قيس السَّكُونيّ، أبو همّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٣) على الصحيح (م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٧٧/ ٤٠٢. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم، ثم فصّل. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى أبي الزبير، فهو مكيّ، والصحابيّ مدنيّ، والوليد كوفيّ. ٣ - (ومنها): أن صحابيه ابن صحابيّ ﵄، وهو من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أبَا الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يَذْكُرُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (أنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ الأنهَارُ) جمع نَهَر -بفتحتين- قال الفيّوميّ ﵀: النَّهْرُ: الماء الجاري المتّسِعُ، والجمع نُهُرٌ - بضمّتين- وأنهُرٌ، والنَّهَر -بفتحتين- لغةٌ، والجمع أنهارٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب، ثم أطلق النهْرُ على الأُخْدُود مجازًا للمجاورة، فيقال: جرى النهرُ، وجَفّ النهر، كما يقال: جَرَى الميزابُ، والأصل جَرَى ماء النّهر. انتهى (١). (وَالْغَيْمُ) قال النوويّ ﵀: هو هنا بفتح الغين المعجمة، وهو المطر، وجاء في غير "صحيح مسلم" "الْغَيْل" باللام، قال أبو عبيد: هو ما جرى من المياه في الأنهار، وهو سيل دون السيل الكبير، وقال ابن السِّكِّيت هو الماء الجاري على الأرض (الْعُشُورُ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه "العُشُور" بضم العين، جمع عُشْر، وقال القاضي

стр. 10946

عياض: ضبطناه عن عامة شيوخنا بفتح العين جمع، وهو اسم للمخرج من ذلك، وقال صاحب "مطالع الأنوار": أكثر الشيوخ يقولونه بالضم، وصوابه الفتح، وهذا الذي ادّعاه من الصواب ليس بصحيح، وقد اعتَرَف بأن أكثر الرواة رووه بالضم، وهو الصواب، جمع عُشْر، وقد اتفقوا على قولهم: عُشُور أهل الذمة بالضم، وهو الصواب، جمع عُشْر، ولا فرق بين اللفظين. انتهى (١). (وَفِيمَا سُقِيَ) بالبناء للمفعول (بِالسَّانِيَةِ) هو البعير الذي يُستَقَى به الماء من البئر، ويقال له: الناضح، يقال منه: سنا يسنو: إذا أسقى به، ومثله في الحكم البقر، ونحوها، فإن المراد به ما يحتاج في سقيه إلى مؤونة (نِصْفُ الْعُشْرِ") في هذا الحديث وجوب العشر فيما سُقِي بماء السماء والأنهار ونحوها، مما ليس فيه مؤنة كثيرة، ونصف العشر فيما سُقي بالنواضح وغيرها، مما فيه مؤنة كثيرة، وهذا مُتّفق عليه، ولكن اختَلَف العلماء في أنه هل تجب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من الثمار والزروع والرياحين وغيرها إلا الحشيش والحطب ونحوهما، أم يختصّ؟ فعمّم أبو حنيفة، وخصص الجمهور على اختلاف لهم فيما يختص به، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال الخطّابيّ ﵀: إنما كان وجوب الصدقة مختلف المقادير في النوعين؛ لأنّ ما عمّت منفعته، وخفّت مُؤْنته كان أحمل للمواساة، فأُوجِب فيه العشرُ، توسعةً على الفقراء، وجُعل فيما كثُرت مؤونته نصف العشر؛ رِفْقًا بأرباب الأموال. انتهى. وقال ابن قُدامة ﵀ ما حاصله: كلّ ما سُقي بكُلْفة ومُؤنة، من دالية، أو سانية، أو دُولاب، أو ناعورة (٣)، أو غير ذلك، ففيه نصف العشر، وما سُقي بغير مُؤنة ففيه العشر، لا نعلم في هذا خلافًا، وهو قول مالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وغيرهم؛ لما روينا من الخبر، ولأن للكُلْفة تأثيرًا

стр. 10947

في إسقاط الزكاة جُملةً؛ بدليل المعلوفة، فبأن يؤثّر في تخفيفها أولى؛ ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، وللكلفة تأثيرٌ في تقليل النماء، فأثّرت في تقليل الواجب فيها، ولا يؤثّر حفر الأنهار، والسواقي في نقصان الزكاة؛ لأن المؤنة تقلّ؛ لأنها تكون من جملة إحياء الأرض، ولا تتكرّر كلّ عام، وكذلك لا يؤثّر احتياجها إلى ساق يَسقيها، ويُحوّل الماء في نواحيها؛ لأنّ ذلك لا بدّ منه في كلّ سقي بكلفة، فهو زيادة على المؤنة في التنقيص، فجرى مجرى حرث الأرض، وتحسينها، وإن كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الأرض، ويستقرّ في مكان قريب من وجهها، لا يَصْعَدُ إلا بغَرْف، أو دُولاب، فهو من الكلفة المسقطة لنصف الزكاة، على ما مرّ؛ لأن مقدار الكلفة، وقُرب الماء، وبعده لا يُعتبر، والضابط لذلك هو أن يَحتاج في ترقية الماء إلى الأرض بآلة، من غَرْفٍ، أو نَضْحٍ، أو دالية، وقد وُجِد. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ (١)، وسيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى-. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٢٧٢] (٩٨١)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٥٩٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٨٩) و"الكبرى" (٢٢٦٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٤١ و ٣٥٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤/ ٣٧ - ٣٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٥٩)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٩٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٣٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٣٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٦١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يوجب عشر ما خرج من الأرض، وهو ما سقته

стр. 10948

السماء، والأنهار، والعيون، وكذلك ما كان بَعْلًا، وهو ما يشرب بعروقه من الأرض، وما يوجب نصف العشر، وهو ما سُقي بكُلْفة، كالسواني. ٢ - (ومنها): وجوب زكاة الخارج من الأرض. ٣ - (ومنها): رأفة الله تعالى بعباده، حيث خفّف عنهم في محلّ الكلفة، فأوجب عليهم النصف. ٤ - (ومنها): أن فيه بيان الحكمة البالغة في الشريعة السمحة، حيث راعت حقوق جميع المسلمين، أغنيائِهم، وفقرائِهم، فأوجبت على الأغنياء القليل من الكثير مما يمتلكونه؛ لئلا يتضرّروا، وأوجبت للفقراء، في أموال الأغنياء ما يواسونهم به؛ لئلا تنكسر قلوبهم، ويَحْمِلوا على الأغنياء، حِقْدًا، وحَسَدًا، فبهذا تجتمع قلوب الجميع، وتتآلف، ولا يحصل بينهم تحاسدٌ، ولا تباغضٌ، ولا تدابرٌ، ولا تقاطع، بل يكونون إخوانًا متحابّين، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر جسده بالسَّهَر والحمّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): دلّ حديث الباب على وجوب الزكاة في الزروع والثمار، قال ابن قُدامة ﵀: والأصل في ذلك الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] والزكاة تُسمّى نفقةً، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قال ابن عبّاس ﵄: حقّه الزكاة المفروضة. وقال مرّةً: العشر، ونصف العشر. قال: ومن السنة قول النبيّ ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، مُتّفقٌ عليه. وعن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون، وكان عَثَرِيًّا العشرُ، وفيما سُقِي بالنضح نصف العشر"، أخرجه البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ. وعن جابر ﵁ أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: "فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سُقي بالساقية نصف العشر"، أخرجه مسلم، وأبو داود.

стр. 10949

قال: وأجمع أهل العلم على أن الصدقة واجبة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، قاله ابن المنذر، وابن عبد البرّ. انتهى كلام ابن قُدامة (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط النصاب لوجوب زكاة الزروع والثمار: ذهب الجمهور إلى أنه لا تجب الزكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق. وممن قال به عبد الله بن عمر، وجابرٌ، وأبو أُمامة بن سهل، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، ومكحول، والحكم، والنخعيّ، ومالك، وأهل المدينة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، والشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وجمهور أهل العلم (٢). وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يُشترط النصاب لوجوب الزكاة فيما يَخرُج من الأرض، فيجب عنده العشر، أو نصف العشر في كثير الخارج، وقليله، وهو مرويّ عن إبراهيم النخعيّ، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز (٣)، أخرج ذلك عنهم عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في "مصنّفيهما"؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وقوله: ﷺ : "فيما سقت السماء العشر"، قالوا: إن الآية، والحديث عامان، فإن "ما" من ألفاظ العموم، فتشمل ما كان خمسة أوسق، أو أقلّ، أو أكثر، ولأنه لا يُعتبر له حولٌ، فلا يُعتبر له نصابٌ. واحتجّ الجمهور بقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". متفقٌ عليه، قالوا: هذا خاصّ يجب تقديمه على العامّ، فيخصص به عموم ما أوردوه، كما خصصنا بلا خلاف قولَه ﷺ : "في سائمة الإبل الزكاة" بقوله: "ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة"، وقولَه ﷺ : "في الرقة ربع العشر" بقوله:

стр. 10950

"ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، ولأنه مالٌ تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره، كسائر الأموال الزكوية، وإنما لم يُعتبر فيه الحول؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتُبر الحول في غيره؛ لأنه مظنّة لكمال النماء في سائر الأموال، والنصابُ اعتُبر ليبلغ حدًّا يحتمل المواساة منه، فلهذا اعتبر فيه. قاله ابن قدامة ﵀ (١). وقال الإمام ابن القيّم ﵀ في "إعلام الموقّعين" (١/ ٢٨٣): لا تعارض بين الحديثين بوجه من الوجوه، فإن قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" إنما أُريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر، وبين ما يجب فيه نصفه، فذَكَرَ النوعين مُفرِّقًا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبيّنه نصًّا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النّصّ الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دلّ عليه البتّة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يُتعلّق فيه بعمومٍ لم يُقصد، وبيانه بالخاصّ المحكم المبيّن، كبيان سائر العمومات بما يخصّصها من النصوص. انتهى. قال صاحب "المرعاة": ذهب جمهور الأصوليين، وعامّتهم إلى جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد الصحيح، وهو الحقّ، واحتجّ لذلك في "المحصول" بأن العموم، وخبر الواحد دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخصّ من العموم، فوجب تقديمه على العموم. قال الشوكانيّ: وأيضًا يدلّ على جواز التخصيص دلالة بيّنة واضحة ما وقع من أوامر الله باتباع نبيّه ﷺ من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبًا، وإذا عارضه عموم قرآنيّ كان سلوك طريقة الجمع ببناء العامّ على الخاصّ متحتّمًا، ودلالة العامّ على أفراده ظنيّةٌ، لا قطعيّة، فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية. انتهى. ثم قال ابن القيّم ﵀: ويا لله العجب، كيف يخصّون عموم القرآن والسنّة بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون مختلفًا في الاحتجاج به، وهو محلّ اشتباه، واضطرابٍ؛ إذ ما من قياس، إلا وتمكن معارضته بقياس مثله،

стр. 10951

أو دونه، أو أقوى منه، بخلاف السنّة الصحيحة الصريحة، فإنها لا يُعارضها إلا سنّةٌ ناسخةٌ معلومة التأخّر والمخالفة. ثم يقال: إذا خصّصتم عموم قوله: "فيما سقت السماء العشر" بالقصب والحشيش، ولا ذكر لهما في النصّ، فهلّا خصصتموه بقوله: "لا زكاة في حبّ، ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق"، وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس، فهلّا خصّصتم هذا العامّ بالقياس الجليّ الذي هو من أجلى القياس، وأصحّه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة، فإن الزكاة الخاصّة لم يشرعها الله ، ولا رسوله ﷺ في مال إلا وجعل له نصابًا، كالمواشي، والذهب، والفضّة. ويقال أيضًا: هلّا أوجبتم الزكاة في قليل مال، وكثيرة؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وبقوله ﷺ : "ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، لا يؤدّي زكاتها، إلا بُطح له بقاعٍ قَرْقَرٍ … "، وبقوله: "ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لا يؤدّي زكاتها إلا صُفّحت له يوم القيامة صفائح من نار … "، وهلّا كان هذا العموم عندكم مقدّمًا على أحاديث النصب الخاصّة، وهلّا قلتم هناك تعارض مسقطٌ، وموجبٌ، فقدّمنا الموجب احتياطًا، وهذا في غاية الوضوح. انتهى. وقد اتضح بهذا كلّه كلّ الاتضاح أنه يجب تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وحديث ابن عمر ﵄: "فيما سقت السماء العشر … " الحديث، وحديث جابر ﵁: "فيما سقت الأنهار والغيم العشور" بحديث الأوساق السابقة، كما خُصّص قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ بالأخبار التي دلّت على كون الزكاة منحصرة في أشياء مخصوصة، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] بأحاديث النُّصُب الخاصّة، وقوله ﷺ : "في سائمة الإبل الزكاة" بقوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"، وقوله: "في الرّقة ربع العشر" بقوله: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط النصاب، في زكاة الزروع والثمار، وهو خمسة أوسق، هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، كما تقدّم بيانها.

стр. 10952

وقد بالغ صاحب "المرعاة" في تتبّع متمسّكات الحنفيّة في عدم وجوب النصاب، والإجابة عليها بما لا تجده مجموعًا في كتاب غيره، فراجعه في (٦/ ٦٨ - ٧٥) تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الإمام ابن قدامة ﵀ ما حاصله: لا نعلم خلافًا أن العشر يجب فيما سُقي بغير مؤنة، ونصف العشر فيما سُقي بالْمُؤنة. هذا إذا كان السقي المذكور بنوعيه كلّ السّنة، وأما إذا سُقي نصف السنة بكُلفة، ونصفها بغير كلفة، ففيه ثلاثة أرباع العشر. وهذا قول مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأن كلّ واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وُجد في نصفها أوجب نصفه، وإن سُقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتُبر أكثرهما، فوجب مقتضاه، وسقط حكم الآخر؛ أي: كان حكم الأقلّ تبعًا للأكثر، نصّ عليه أحمد، وهو قول عطاء، والثوريّ، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعيّ، وقال ابن حامد: يؤخذ بالقِسْط، وهو القول الثاني للشافعيّ؛ لأنهما لو كانا نصفين أُخذا بالحصّة، فكذلك إذا كان أحدهما أكثر، كما لو كانت الثمرة نوعين. ووجه الأول أن اعتبار مقدار السقي، وعدد مراته، وقدر ما يُشرَب في كلّ سَقْيَة يَشُقّ، وَيتَعَذّر، فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم في الماشية. وإن جُهل المقدار غلّبنا إيجاب العشر احتياطًا، نصّ عليه أحمد، في رواية ابنه عبد الله؛ لأن الأصل وجوب العشر، وإنما يَسقط بوجود الكُلْفة، فما لم يتحقّق المسقط يَبقى على الأصل؛ ولأن الأصل عدم الكلفة في الأكثر، فلا يثبت وجودها مع الشكّ فيه، وإن اختلف الساعي، وربّ المال في أيهما سُقي به أكثر، فالقول قول ربّ المال بغير يمين، فإن الناس لا يُستحلفون على صدقاتهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن قُدامة ﵀ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 10953

(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب: قال أبو إسحاق الشيرازيّ ﵀ في "المهذّب": تجب الزكاة في كلّ ما تُخرجه الأرض، مما يُقتات، ويُدَّخَر، ويُنبته الآدميّون، كالحنطة، والشعير، والدُّخْن، والذُّرَة، والْجَاوَرْس، والأرز، وما أشبه ذلك (١). وقال ابن قدامة في "المغني": وقال مالك، والشافعيّ: لا زكاة في ثمر إلا التمر، والزبيب، ولا في حبّ، إلا ما كان قوتًا في حال الاختيار، إلا في الزيتون على اختلاف (٢). وذهب أبو حنيفة أنها تجب في كلّ ما يُقصد بزراعته نماء الأرض، إلا الحطب، والقصب الفارسيّ، والحشيش، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبي بردة بن أبي موسى وحمّاد، وإبراهيم. واحتجّوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وبعموم قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر". وتُعُقّب بأن عموم ما ذُكر يُخصّ بحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ المتقدّم: "ليس في حبّ، وتمر صدقة … "، فيقيّد عموم "ما أخرجنا لكم"، و"ما سقت السماء" بالحبوب التي يَقتات بها الآدميّون على ما فسّره به أهل اللغة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وإلى قول أبي حنيفة، ومن معه ذهب داود الظاهريّ، إلا أنه قال: إن كلّ ما يدخل فيه الكيل يُراعى فيه النصاب، وما لا يدخل، ففي قليله وكثيرة الزكاة، قال الحافظ: وهذا نوع من الجمع بين الحديثين. وذهب أحمد إلى أنها تجب فيما جمع الكيل، والبقاء، واليبس، من الحبوب، والثمار، مما يُنبته الآدميّون؛ إذا نبت في أرضه، سواء كان قوتًا، كالحنطة، والشعير، والسُّلْت، والأرز، والذّرة، والدُّخْن، أو من الْقِطْنيّات (٣)،

стр. 10954

كالباقلّا، والعَدَس، والماش، ونحوها، أو البزور، كبِزْر الكتّان، والقثّاء، والخيار، ونحوها، أو حبّ البقول، كالفُجْل، والسمسم، وسائر الحبوب. وحُكي عنه لا زكاة إلا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وهو قول موسى بن طلحة، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والشعبيّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، وأبي عُبيد، ورجحه الصنعانيّ، والشوكانيّ. واستُدلّ لهذا القول بأن ما عدا هذه لا نصّ فيها، ولا إجماع، ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها، وكثرة نفعها، ووجودها، فلم يصحّ قياسه عليها، ولا إلحاقه بها، فيبقى على النفي الأصليّ. وأما عموم الآية، والحديث فهو مخصوص بأحاديث الخضروات، وبالأحاديث الواردة بصيغة الحصر في الأقوات الأربعة، قالوا: وهي مرويّة بطرق متعدّدة يقوّي بعضها بعضًا، فتنتهض لتخصيص هذه العمومات. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وتعقّب بأن أحاديث الخضروات، وأحاديث الحصر في الأربعة، لا تصحّ أصلًا، ولا تتقوّى، فلا تُعارض عموم الآية، والحديث المذكور، فقد احتجّوا بأحاديث كثيرة على الحصر في الأشياء الأربعة، ولكنّها كلّها لا تثبت: (فمنها): ما روى الدارقطنيّ (ص ٢٠١) والحاكم (١/ ٤٠١) والبيهقيّ ٤/ ١٢٥ والطبرانيّ من طريق طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ومعاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن، فأمرهما أن يُعَلِّمَا الناس أمر دينهم، وقال: "لا تأخذوا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر". قال الحاكم: إسناد صحيح، ووافقه الذهبيّ، وقال البيهقىّ: رجاله رجال الصحيح، ونقل الحافظ في "التلخيص" ٢/ ٣٢٢ عن البيهقيّ، أنه قال: رواته ثقات، وهو متّصل، وقال في "الدراية" (ص ١٦٤): في الإسناد طلحة بن يحيى مختلف فيه، وهو أمثل ما في الباب. انتهى.

стр. 10955

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تصحيح الحاكم، وموافقة الذهبيّ له، غير صحيح؛ لأن الحديث فيه ثلاث علل: (أحدها): عنعنة سفيان الثوريّ، فإنه معروف بالتدليس، وهذه العلّة بمفردها تكفي في ردّ مثل هذا الحديث الذي ذكروه لمعارضة عموم الأدلّة الصحيحة. (ثانيها): أن طلحة بن يحيى مختلف فيه، فهو وإن وثّقه جماعة، فقد تكلّم فيه آخرون، قال يحيى القطّان: لم يكن بالقويّ. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: لا بأس به، في حديثه لين. وقال ابن حبّان: كان يخطئ. وقال الساجيّ: صدوق لم يكن بالقويّ (١) فتفرُّد مثله بمثل هذا الحديث الذي يعارض الأحاديث الصحيحة محلّ نظر. (ثالثها): أنه اختُلف في رفعه، ووقفه، فقد رواه البيهقيّ (٤/ ١٢٥)، كما سبق، ورواه من طريق الثوريّ أيضًا، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ، ومعاذ بأنهما حين بُعثا إلى اليمن لم يأخذا إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. قال الإمام ابن دقيق العيد في "الإمام": وهذا غير صريح في الرفع. انتهى (٢). والحاصل أن هذا الحديث لا يصحّ، فلا تُعارَض به الأدلّة السابقة. (ومنها): ما روى ابن أبي شيبة، وأبو عُبيد في "الأموال" (ص ٤٦٨)، ويحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٤٨) عن موسى بن طلحة: أمر رسول الله ﷺ معاذًا حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة، والشعير، والنخل، والعنب. وهذا منقطع؛ لأنّ موسى بن طلحة لم يُدرك معاذًا، كما قاله ابن حزم (٥/ ٢٢٢) وقال الحافظ في "التلخيص": فيه انقطاع. وقال أبو زرعة: موسى بن طلحة بن عُبيد الله، عن عمر مرسلة، ومعاذٌ توفّي في خلافة عمر، فرواية موسى بن طلحة عنه أولى بالإرسال. وقال تقيّ الدين في "الإمام": وفي الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر، فقد ذكروا أن وفاة موسى سنة ثلاث

стр. 10956

ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة. ذكره الزيلعيّ (٢/ ٣٨٧). وقال ابن عبد البرّ: لم يلق موسى معاذًا، ولا أدركه. انتهى. والمشهور في ذلك ما رُوي عن عمرو بن عثمان، عن موسى بن طلحة، قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل، عن النبيّ ﷺ أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨)، والدارقطنيّ (٢/ ٩٦)، والبيهقيّ (٤/ ١٢٩)، وابن حزم في "المحلّى" (٥/ ٢٢٢)، وأبو يوسف في "الخراج" (ص ٦٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا وجادة والوجادة عند المحدّثين منقطعة، فلذا تعقّب صاحب "التنقيح" تصحيح الحاكم، والذهبيّ للحديث بالانقطاع، وقد أصاب في هذا التعقّب. فاعتراض الشيخ الألباني على صاحب "التنقيح" وتعقّبه، بأن الوجادة حجة على الراجح فيه نظر؛ لأنها وإن كانت حجة للعمل بها إذا صحّت النسخة، لكن الرواية بها منقطعة، كما حرره علماء أصول الحديث، ودونك ما قاله صاحب "التقريب" مع شرحه "التدريب" (٢/ ٦٣): وهي -يعني الوجادة- أن يَقِف على أحاديث بخطّ راويها غير المعاصر له، أو المعاصر، ولم يسمع منه، أو سمع منه ولكن لا يروي تلك الأحاديث الخاصّة عنه بسماع، ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت بخطّ فلان، أو في كتابه .... إلى أن قال: وهو من باب المنقطع. فقد صرّح بأن الوجادة منقطعة. والحاصل أن تقوية الحديث بهذه الوجادة حتى يكون متّصلًا غير صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ٩٧)، والحاكم (١/ ٤٠١)، والبيهقيّ (٤/ ١٢٩)، والطبرانيّ من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمّه موسى بن طلحة، عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال: "فيما سقت السماء، والْبَعْل، والسيل العشرُ، وفيما سُقي بالنضح نصفُ العشر، وإنما يكون ذلك في التمر، والحنطة، والحبوب، فأما القثّاء، والبطّيخ، والرمّان، والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ "، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، لم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ.

стр. 10957

قلت: هذا التصحيح منهما غير صحيح، فإن إسحاق بن يحيى متروك، تركه أحمد، والنسائيّ، وقال ابن معين: لا يُكتب حديثه، وقال البخاريّ: يتكلّمون في حفظه. وقال يحيى بن سعيد القطّان: شبه لا شيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث (١). وفيه أيضًا الانقطاع المذكور بين موسى ومعاذ بن جبل. (ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ٩٦)، وأبو يوسف في "الخراج" (ص ٦٥)، من طريق محمد بن عبيد الله العرزميّ، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن عمر بن الخطّاب، قال: إنما سنّ رسول الله ﷺ الزكاة في الأربعة: الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر. وفيه أن العرزميّ متروك أيضًا، وفيه أيضًا الانقطاع المتقدّم. (ومنها): ما روى ابن ماجه رقم (١٨١٥) من طريق العرزميّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: "إنما سنّ رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الخمسة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة". والعرزميّ هو محمد بن عبيد الله المتروك المتقدّم. ورواه يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٥٠) من طريق يحيى بن أبي أُنيسة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، مرفوعًا، بلفظ: "أربع ليس فيما سواها شيء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وفيه يحيى بن أبي أُنيسة، قال أحمد، والنسائيّ، والدارقطنيّ: متروك الحديث. وقال عمرو الفلّاس: صدوق كان يَهِم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه إلا من لا يعلم. وقال أخوه زيد بن أبي أُنيسة: إنه كذّاب (٢). (ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ١٥٠) من حديث جابر ﵁ قال: لم تكن المقاثي (٣) فيما جاء به معاذ، إنما أخذ الصدقة من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس في المقاثي شيء. وفي سنده عديّ بن الفضل متروك الحديث.

стр. 10958

(ومنها): ما روى يحيى بن آدم في "الخراج" عن أبي حمّاد الحنفيّ، عن أبان، عن أنس، قال: لم يَفرِض رسول الله ﷺ الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والأعناب. وفيه أبو حماد، مفضّل بن صدقة الحنفيّ الكوفيّ، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائيّ: متروك. (ومنها): ما روى يحيى بن آدم في "الخراج" أيضًا، والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن عتاب بن بشير، عن خُصيف، عن مجاهد، قال: "لم تكن الصدقة في عهد رسول الله ﷺ إلا في خمسة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة". وهذا مرسل، وفيه خُصيف، صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخرة، أنكروا عليه أحاديث رواها عنه عتّاب بن بشير. وعتاب أيضًا متكلّم فيه. (ومنها): ما روى يحيى بن آدم أيضًا (ص ١٤٩)، والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن ابن عُيينة، عن عمرو بن عُبيد، عن الحسن البصريّ، قال: "لم يَفرِض رسول الله ﷺ الصدقة، إلا في عشرة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضّة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". قال ابن عُيينة: أُراه قال: "والذُّرَة". وذكر في رواية للبيهقيّ: "السُّلْت" مكان "الذرة". وهذا أيضًا مرسل. وقال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح. وفيه عمرو بن عُبيد قدريّ داعية، متروك الحديث، وكان يَكذِب على الحسن في الحديث. (ومنها): ما رواه يحيى بن آدم أيضًا (ص ١٤٩)، والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن أبي بكر بن عيّاش، عن الأجلح، عن الشعبيّ، قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن: إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وهذا أيضًا مرسل، وأبو بكر بن عيّاش ثقة إلا أنه لَمّا كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. والأجلح متكلّم فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث حصر وجوب الصدقة في الأربعة المذكورة كلها ضعافٌ جدًّا، لا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة المتقدّمة، وأَمثَلُها حديث يحيى بن طلحة المتقدّم، وقد عرفت ما فيه

стр. 10959

من العلل، وتصحيح الحاكم لها من تساهلاته، وأما غيره كالذهبيّ، وغيره فقد تابعوه في تساهله. فالأرجح عندي قول من قال بوجوب الزكاة في كلّ ما أخرجت الأرض من الحبوب الذي يَقتات به الآدميّون، وهذا معنى الحبّ المذكور في الحديث الصحيح: "ليس في حبّ، ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق"، على ما قاله أهل اللغة، وهو المخصّص لعموم آية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، ولعموم حديث: "فيما سقت السماء العشر … " الحديث. وأما ما قاله ابن حزم في "المحلّى" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١) من أن الحبّ المذكور في الحديث هو الحنطة والشعير، ولا يطلق في لغة العرب على غيرهما، ونقل ذلك عن بعض أهل اللغة، ففيه تقصير، ومن غريب ما اتفق له في ذلك أن بعض ما نقله يردّ عليه، فإنه قد نقل عن أبي حنيفة الدِّينوريّ، عن الكسائيّ، قال: واحد الْحِبّة حَبّة -بفتح الحاء-، فأما الْحَبّ، فليس إلا الحنطة والشعير، واحدها حَبّة -بفتح الحاء-، وإنما افترقتا في الجمع، ثم ذكر أبو حنيفة بعد هذا الفصل إثر كلام ذكره لأبي نصر، صاحب الأصمعيّ كلامًا نصّه: وكذلك غيره من الحبوب، كالأرز، والدخن. قال ابن حزم: فهذه ثلاثة جموع: الحبّ للحنطة، والشعير خاصّة، والحبّة -بكسر الحاء، وزيادة الهاء في آخرها- لكلّ ما عداهما من البزور خاصّة، والحبوب للحنطة، والشعير، وسائر البزور. انتهى كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام أبي حنيفة المذكور يدلّ على أن الحبّ يطلق على جميع الحبوب؛ لأن الحبوب جمع للْحَبّ، فتفطّن. ودونك ما قاله أهل اللغة في هذا الباب: قال الفيّوميّ ﵀ في "المصباح المنير": والْحَبّ -أي بالفتح-: اسمُ جنس للحنطة، وغيرها، مما يكون في السُّنْبُل، والأَكْمَام، والجمع حُبوب، مثلُ فَلْس وفُلُوس، الواحدة حَبَّة، وتجمع على حبّات على لفظها، وعلى حِبَابٍ، مثل كلبة وكِلاب، والحِبُّ -بالكسر-: ما لا يُقتات، مثل بُزُور

стр. 10960

الرياحين، الواحدة حِبّةٌ. انتهى (١). وقال ابن منظور ﵀ في "لسان العرب": والْحَبُّ: الزرعُ، صغيرًا كان أو كبيرًا، واحدته حبّةٌ، والحَبُّ معروف، مستعملٌ في أشياء جَمَّةٍ: حَبّةٌ من بُرّ، وحَبّةٌ من شعيرٍ، حتى يقولوا: حَبّةٌ من عِنَب. قال: وقال الجوهريّ: الْحَبّةُ واحدة حَبّ الحنطة، ونحوها، من الحبوب، والْحِبّةُ: بَزْرُ كلّ نبات، ينبت وحده من غير أن يُبْذَر، وكلُّ ما بُذِرَ، فبَزْرُهُ حَبَّةٌ بالفتح. قال: وقال الأزهريّ: ويقال لِحَبِّ الرَّيَاحين: حِبَّةٌ، وللواحدة منها حَبَّةٌ -بالفتح-، والحِبَّةُ حَبُّ الْبَقْل الذي يَنتثِرُ، والْحَبّةُ: حَبَّةُ الطعَام، حَبَّةٌ من بُرّ، وشَعيرٍ، وعَدَسٍ، وأَرُزٍّ، وكلُّ ما يأكله الناس. انتهى المقصود من كلام ابن منظور (٢). فظهر بهذا ردّ ما ادعاه ابن حزم من أن الحبّ مقصور في لغة العرب على الحنطة، والشعير، فلا تجب الزكاة فيما عدا البرّ، والشعير، والتمر عنده، متمسّكًا بما ذكره. فالحقّ أن الحبّ كلّ ما يقتات به الناس، من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، والدُّخْن، والأرز، وغيرها من الحبوب. فثبت بالنّصّ وجوب الزكاة في جميع أنواع الحبوب التي يقتات به الآدميّون، وما عدا ذلك، فالأصل عدم وجوب الزكاة فيه؛ لعدم وجود نصّ صحيح في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في اجتماع العشر والخراج في أرض واحدة: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العشر، أو نصفه إذا بلغ الخارج النصاب، سواء زرعه في أرض له، أو في أرض غيره، عشريّة كانت، أو خراجيّة، سقي بماء العشر، أو بماء الخراج. قال ابن المنذر ﵀: هو قول أكثر العلماء، وممن قال به عمر بن عبد العزيز، وربيعة، والزهريّ، ويحيى الأنصاريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك،
следующие страницы →