ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة. ذكره الزيلعيّ (٢/ ٣٨٧). وقال ابن عبد البرّ: لم يلق موسى معاذًا، ولا أدركه. انتهى.
والمشهور في ذلك ما رُوي عن عمرو بن عثمان، عن موسى بن طلحة، قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل، عن النبيّ ﷺ أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر، أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨)، والدارقطنيّ (٢/ ٩٦)، والبيهقيّ (٤/ ١٢٩)، وابن حزم في "المحلّى" (٥/ ٢٢٢)، وأبو يوسف في "الخراج" (ص ٦٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا وجادة والوجادة عند المحدّثين منقطعة، فلذا تعقّب صاحب "التنقيح" تصحيح الحاكم، والذهبيّ للحديث بالانقطاع، وقد أصاب في هذا التعقّب.
فاعتراض الشيخ الألباني على صاحب "التنقيح" وتعقّبه، بأن الوجادة حجة على الراجح فيه نظر؛ لأنها وإن كانت حجة للعمل بها إذا صحّت النسخة، لكن الرواية بها منقطعة، كما حرره علماء أصول الحديث، ودونك ما قاله صاحب "التقريب" مع شرحه "التدريب" (٢/ ٦٣): وهي -يعني الوجادة- أن يَقِف على أحاديث بخطّ راويها غير المعاصر له، أو المعاصر، ولم يسمع منه، أو سمع منه ولكن لا يروي تلك الأحاديث الخاصّة عنه بسماع، ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت بخطّ فلان، أو في كتابه .... إلى أن قال: وهو من باب المنقطع. فقد صرّح بأن الوجادة منقطعة.
والحاصل أن تقوية الحديث بهذه الوجادة حتى يكون متّصلًا غير صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ٩٧)، والحاكم (١/ ٤٠١)، والبيهقيّ (٤/ ١٢٩)، والطبرانيّ من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمّه موسى بن طلحة، عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال: "فيما سقت السماء، والْبَعْل، والسيل العشرُ، وفيما سُقي بالنضح نصفُ العشر، وإنما يكون ذلك في التمر، والحنطة، والحبوب، فأما القثّاء، والبطّيخ، والرمّان، والقصب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ "، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، لم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ.
стр. 10957
قلت: هذا التصحيح منهما غير صحيح، فإن إسحاق بن يحيى متروك، تركه أحمد، والنسائيّ، وقال ابن معين: لا يُكتب حديثه، وقال البخاريّ: يتكلّمون في حفظه. وقال يحيى بن سعيد القطّان: شبه لا شيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث (١). وفيه أيضًا الانقطاع المذكور بين موسى ومعاذ بن جبل.
(ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ٩٦)، وأبو يوسف في "الخراج" (ص ٦٥)، من طريق محمد بن عبيد الله العرزميّ، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن عمر بن الخطّاب، قال: إنما سنّ رسول الله ﷺ الزكاة في الأربعة: الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر. وفيه أن العرزميّ متروك أيضًا، وفيه أيضًا الانقطاع المتقدّم.
(ومنها): ما روى ابن ماجه رقم (١٨١٥) من طريق العرزميّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: "إنما سنّ رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الخمسة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة". والعرزميّ هو محمد بن عبيد الله المتروك المتقدّم.
ورواه يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٥٠) من طريق يحيى بن أبي أُنيسة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، مرفوعًا، بلفظ: "أربع ليس فيما سواها شيء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وفيه يحيى بن أبي أُنيسة، قال أحمد، والنسائيّ، والدارقطنيّ: متروك الحديث. وقال عمرو الفلّاس: صدوق كان يَهِم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه إلا من لا يعلم. وقال أخوه زيد بن أبي أُنيسة: إنه كذّاب (٢).
(ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ١٥٠) من حديث جابر ﵁ قال: لم تكن المقاثي (٣) فيما جاء به معاذ، إنما أخذ الصدقة من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس في المقاثي شيء. وفي سنده عديّ بن الفضل متروك الحديث.
стр. 10958
(ومنها): ما روى يحيى بن آدم في "الخراج" عن أبي حمّاد الحنفيّ، عن أبان، عن أنس، قال: لم يَفرِض رسول الله ﷺ الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والأعناب. وفيه أبو حماد، مفضّل بن صدقة الحنفيّ الكوفيّ، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائيّ: متروك.
(ومنها): ما روى يحيى بن آدم في "الخراج" أيضًا، والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن عتاب بن بشير، عن خُصيف، عن مجاهد، قال: "لم تكن الصدقة في عهد رسول الله ﷺ إلا في خمسة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة". وهذا مرسل، وفيه خُصيف، صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخرة، أنكروا عليه أحاديث رواها عنه عتّاب بن بشير. وعتاب أيضًا متكلّم فيه.
(ومنها): ما روى يحيى بن آدم أيضًا (ص ١٤٩)، والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن ابن عُيينة، عن عمرو بن عُبيد، عن الحسن البصريّ، قال: "لم يَفرِض رسول الله ﷺ الصدقة، إلا في عشرة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضّة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". قال ابن عُيينة: أُراه قال: "والذُّرَة". وذكر في رواية للبيهقيّ: "السُّلْت" مكان "الذرة".
وهذا أيضًا مرسل. وقال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح.
وفيه عمرو بن عُبيد قدريّ داعية، متروك الحديث، وكان يَكذِب على الحسن في الحديث.
(ومنها): ما رواه يحيى بن آدم أيضًا (ص ١٤٩)، والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن أبي بكر بن عيّاش، عن الأجلح، عن الشعبيّ، قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن: إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وهذا أيضًا مرسل، وأبو بكر بن عيّاش ثقة إلا أنه لَمّا كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. والأجلح متكلّم فيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث حصر وجوب الصدقة في الأربعة المذكورة كلها ضعافٌ جدًّا، لا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة المتقدّمة، وأَمثَلُها حديث يحيى بن طلحة المتقدّم، وقد عرفت ما فيه
стр. 10959
من العلل، وتصحيح الحاكم لها من تساهلاته، وأما غيره كالذهبيّ، وغيره فقد تابعوه في تساهله.
فالأرجح عندي قول من قال بوجوب الزكاة في كلّ ما أخرجت الأرض من الحبوب الذي يَقتات به الآدميّون، وهذا معنى الحبّ المذكور في الحديث الصحيح: "ليس في حبّ، ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق"، على ما قاله أهل اللغة، وهو المخصّص لعموم آية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، ولعموم حديث: "فيما سقت السماء العشر … " الحديث.
وأما ما قاله ابن حزم في "المحلّى" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١) من أن الحبّ المذكور في الحديث هو الحنطة والشعير، ولا يطلق في لغة العرب على غيرهما، ونقل ذلك عن بعض أهل اللغة، ففيه تقصير، ومن غريب ما اتفق له في ذلك أن بعض ما نقله يردّ عليه، فإنه قد نقل عن أبي حنيفة الدِّينوريّ، عن الكسائيّ، قال: واحد الْحِبّة حَبّة -بفتح الحاء-، فأما الْحَبّ، فليس إلا الحنطة والشعير، واحدها حَبّة -بفتح الحاء-، وإنما افترقتا في الجمع، ثم ذكر أبو حنيفة بعد هذا الفصل إثر كلام ذكره لأبي نصر، صاحب الأصمعيّ كلامًا نصّه: وكذلك غيره من الحبوب، كالأرز، والدخن.
قال ابن حزم: فهذه ثلاثة جموع: الحبّ للحنطة، والشعير خاصّة، والحبّة -بكسر الحاء، وزيادة الهاء في آخرها- لكلّ ما عداهما من البزور خاصّة، والحبوب للحنطة، والشعير، وسائر البزور. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام أبي حنيفة المذكور يدلّ على أن الحبّ يطلق على جميع الحبوب؛ لأن الحبوب جمع للْحَبّ، فتفطّن.
ودونك ما قاله أهل اللغة في هذا الباب:
قال الفيّوميّ ﵀ في "المصباح المنير": والْحَبّ -أي بالفتح-: اسمُ جنس للحنطة، وغيرها، مما يكون في السُّنْبُل، والأَكْمَام، والجمع حُبوب، مثلُ فَلْس وفُلُوس، الواحدة حَبَّة، وتجمع على حبّات على لفظها، وعلى حِبَابٍ، مثل كلبة وكِلاب، والحِبُّ -بالكسر-: ما لا يُقتات، مثل بُزُور
стр. 10960
الرياحين، الواحدة حِبّةٌ. انتهى (١).
وقال ابن منظور ﵀ في "لسان العرب": والْحَبُّ: الزرعُ، صغيرًا كان أو كبيرًا، واحدته حبّةٌ، والحَبُّ معروف، مستعملٌ في أشياء جَمَّةٍ: حَبّةٌ من بُرّ، وحَبّةٌ من شعيرٍ، حتى يقولوا: حَبّةٌ من عِنَب. قال: وقال الجوهريّ: الْحَبّةُ واحدة حَبّ الحنطة، ونحوها، من الحبوب، والْحِبّةُ: بَزْرُ كلّ نبات، ينبت وحده من غير أن يُبْذَر، وكلُّ ما بُذِرَ، فبَزْرُهُ حَبَّةٌ بالفتح. قال: وقال الأزهريّ: ويقال لِحَبِّ الرَّيَاحين: حِبَّةٌ، وللواحدة منها حَبَّةٌ -بالفتح-، والحِبَّةُ حَبُّ الْبَقْل الذي يَنتثِرُ، والْحَبّةُ: حَبَّةُ الطعَام، حَبَّةٌ من بُرّ، وشَعيرٍ، وعَدَسٍ، وأَرُزٍّ، وكلُّ ما يأكله الناس. انتهى المقصود من كلام ابن منظور (٢).
فظهر بهذا ردّ ما ادعاه ابن حزم من أن الحبّ مقصور في لغة العرب على الحنطة، والشعير، فلا تجب الزكاة فيما عدا البرّ، والشعير، والتمر عنده، متمسّكًا بما ذكره.
فالحقّ أن الحبّ كلّ ما يقتات به الناس، من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، والدُّخْن، والأرز، وغيرها من الحبوب. فثبت بالنّصّ وجوب الزكاة في جميع أنواع الحبوب التي يقتات به الآدميّون، وما عدا ذلك، فالأصل عدم وجوب الزكاة فيه؛ لعدم وجود نصّ صحيح في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في اجتماع العشر والخراج في أرض واحدة:
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العشر، أو نصفه إذا بلغ الخارج النصاب، سواء زرعه في أرض له، أو في أرض غيره، عشريّة كانت، أو خراجيّة، سقي بماء العشر، أو بماء الخراج.
قال ابن المنذر ﵀: هو قول أكثر العلماء، وممن قال به عمر بن عبد العزيز، وربيعة، والزهريّ، ويحيى الأنصاريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك،
стр. 10961
والشافعىّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود (١).
فيجتمع عندهم العشر والخراج في أرض واحدة، ولا يمنع أحدهما وجوب الآخر.
وقال أبو حنيفة: لا عشر فيما أُصيب في أرض الخراج، فاشترط لوجوب العشر أن تكون الأرض عشريّة، فلا يجتمع عنده العشر والخراج في أرض واحدة.
واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقول النبيّ ﷺ : "فيما سقت السماء العشر … " الحديث، متّفق عليه، وغيرها من عمومات الأخبار.
قال ابن الجوزيّ في "التحقيق" بعد ذكر هذا الخبر: هذا عامّ في الأرض الخراجيّة وغيرها. وقال ابن المبارك: يقول الله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، ثم يقول: نترك القرآن لقول أبي حنيفة.
واستدلّ الشيخ ابن دقيق العيد في الإمام للجمهور بما روى يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٦٥)، والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٣١) عن سفيان بن سعيد، عن عمرو بن ميمون بن مِهْرَان، قال: سألت عمر بن عبد العزيز عن مسلم يكون في يده أرض خراج، فَيُسألُ الزكاة، فيقول: عليّ الخراجُ؟ قال: فقال: الخراج على الأرض، وفي الحبّ الزكاة، قال: ثمّ سألته مرّة أخرى، فقال مثل ذلك. ورواه أبو عبيد في "الأموال" (ص ٨٨) عن قبيصة، عن سفيان. قال الحافظ في "الدراية" (ص ٢٦٨): وصحّ عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمن قال: إنما عليّ الخراجُ: الخراج على الأرض، والعشر على الحبّ. أخرجه البيهقيّ من طريق يحيى بن آدم. وأخرج أيضًا عن يحيى، ثنا ابن المبارك، عن يونس -وفي "الخراج" ليحيى (ص ١٦٦) "عن معمر" مكان "عن يونس"- قال: سألت الزهريّ عن زكاة الأرض التي عليها الجزية؟ فقال: لم يزل المسلمون على عهد رسول الله ﷺ ، وبعده يُعاملون على الأرض، ويستكرونها، ويؤدّون الزكاة مما خرج منها، فنرى هذه الأرض على نحو ذلك. انتهى. وهذا فيه إرسال.
стр. 10962
وروى يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٦٥)، وأبو عبيد في "الأموال" (ص ٨٨) عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي عوف، عاملِهِ على فلسطين، فيمن كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض منها جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية، قال ابن أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك، ومنّي أخذوا الجزية -يعني خراج الأرض-.
واستدلّ الحنفيّة بما رواه ابن عديّ في "الكامل"، والبيهقيّ من طريقه عن يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم".
وبأن أحدًا من أئمّة العدل وولاة الْجَوْر لم يأخذ من أرض السواد عشرًا إلى يومنا هذا، فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع، فيكون باطلًا. قال صاحب "الهداية": لم يجمع أحدٌ من أئمة العدل والجور بينهما، وكفى بإجماعهم حجة. انتهى.
وأجيب عن الحديث بأنه باطلٌ، لا أصل له. قال البيهقيّ: هذا حديثٌ باطلٌ وَصْلُه، ورَفْعُه، ويحيى بن عنبسة متّهمٌ بالوضع، وقال ابن عديّ: يحيى بن عنبسة منكر الحديث، وإنما يُروَى هذا من قول إبراهيم. وقد رواه أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم قولَهُ، فجاء يحيى بن عنبسة، فأبطل فيه، ووصله إلى النبيّ ﷺ ، ويحيى مكشوف الأمر في ضعفه؛ لروايته عن الثقات الموضوعات. انتهى. وقال ابن حبّان: ليس هذا من كلام النبيّ ﷺ ، ويحيى بن عنبسة دجّالٌ يضع الحديث، لا تحلّ الرواية عنه. وقال الدارقطنيّ: يحيى هذا دجّال يضع الحديث، وهو كذب على أبي حنيفة، ومن بعده إلى رسول الله ﷺ . وذكره ابن الجوزيّ في "الموضوعات". كذا في "نصب الراية" ٣/ ٤٤٢.
وأجيب عن دعوى الإجماع بأنها باطلة جدًّا. قال الحافظ في "الدراية" ردًّا على صاحب "الهداية: ولا إجماعَ مع خلاف عمر بن عبد العزيز، والزهريّ، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما. انتهى. وقال أبو عبيد في "الأموال" (ص ٩٠): لا نعلم أحدًا من الصحابة قال: لا يجتمع عليه العشر
стр. 10963
والخراج، ولا نعلمه من التابعين إلا شيء يُروى عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان، يُكنى أبا المنيب، سمعه يقول ذلك. انتهى.
وقال صاحب "المرعاة" (٦/ ٧٩) بعد ذكر ما تقدّم: وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يقم دليل صحيح، أو سقيم على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلم، بل الآية المذكورة، وحديث: "فيما سقت السماء العشر"، وما في معناه يدلّان بعمومهما على الجمع بينهما، وأثر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وأثر الزهريّ يدلّان على أن العمل كان ذلك في عهد رسول الله ﷺ وبعده، فالحقّ، والصواب في ذلك ما ذهب إليه الجمهور. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله صاحب "المرعاة" ﵀ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣) - (بَابُ بَيَانِ أنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فِي فَرَسِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٣] (٩٨٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ (١) صَدَقَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِىُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] (ت ١٨٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
стр. 10964
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الْهلاليّ المدنىّ، مولى ميمونة، أو أم سلمة، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ) الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، رَوَى بعضهم عن بعض: عبد الله بن دينار، وسليمان بن يسار، وعراك بن مالك، وكلهم مدنيّون.
٥ - (ومنها): أن سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ) خَصّ المسلم، وإن كان الصحيح من أقوال العلماء أن الكافر مكلّف بالفروع؛ لأنه ما دام كافرًا لا تُقبل منه حتى يُسلِم، وإذا أسلم سقطت منه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله (١). (فِي عَبْدِهِ)؛ أي: رقيقه، ذكرًا كان أو أنثى، ونفَى الصدقة في العبد مطلقًا، لكنه مقيّدٌ بما ثبت في الرواية الآتية: "ليس في العبد صدقة، إلا صدقة الفطر"، ولأبي داود: "ليس في الخيل، والرقيق زكاة، إلا زكاة الفطر".
стр. 10965
(وَلَا فَرَسِهِ) وفي نسخة: "ولا في فرسه"، والمراد: الشامل للذكر والأنثى، وجمعه الخيل، من غير لفظه، قال في "القاموس": الْخَيْلُ: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحدة خائلٌ؛ لأنه يختال، جمعه أَخْيَالٌ، وخُيُول، ويُكسرُ، والْفُرْسان، ومنه ما روي: "يا خيل الله اركبي"؛ أي: يا رُكّاب خيل الله. انتهى بزيادة.
وقال في "المصباح": الْخَيْلُ: معروفة، وهي مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُولٌ. قال بعضهم: وتطلق الخيل على العِرَاب، وعلى الْبَرَاذِين، وعلى الفُرْسَان، وسميت خيلًا؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا، ومنه يقال: اختال الرجلُ، وبه خُيَلاءُ، وهو الكبر والإعجاب. انتهى (١).
(صَدَقَةٌ")؛ أي: زكاة، قال في "الفتح" عند قول البخاريّ ﵀: "باب ليس على المسلم في فرسه صدقة": قال ابن رُشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس، والعبد، لا الفرد الواحد؛ إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرّف، والفرس المعدّ للركوب، ولا خلاف أيضًا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين: يؤخذ منها بالقيمة.
ولعلّ البخاريّ أشار إلى حديث عليّ ﵁ مرفوعًا: "قد عفوت عن الخيل، والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَّةِ"، أخرجه أبو داود، وغيره (٢) وإسناده حسن.
والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذُكرانًا وإناثًا نظرًا إلى النسل، فإذا انفردت فعنه روايتان، ثمّ عنده أن المالك يتخيّر بين أن يخرج عن كلّ فرس دينارًا، أو يقوّم، ويُخرج ربع العشر.
واستُدِلّ عليه بهذا الحديث، وأُجيب بحمل النفي فيه على الرقبة، لا على القيمة.
واستَدَلّ به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا، ولو
стр. 10966
كانا للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخصّ به عموم هذا الحديث. انتهى (١).
وتعقّب بعضهم دعوى الإجماع المذكور، فقال: كيف الإجماع مع خلاف الظاهرية؟.
قال: وأجيبوا بأن زكاة التجارة متعلّقها القيمة، لا العين، فالحديث يدلّ على عدم التعلّق بالعين، فإنه لو تعلّقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل لثبتت ما بقيت العين، وليس كذلك، فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة، والعين باقية، وإنما الزكاة متعلّقة بالقيمة بشرط نيّة التجارة.
قال النوويّ ﵀: هذا الحديث أصل في أنّ أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق؛ إذا لم تكن للتجارة.
وبهذا قال العلماء كافّة، من السلف والخلف، إلا أبا حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر، فأوجبوا في الخيل على تفصيل سيأتي قريبًا، قال النوويّ: وليس لهم حجة في ذلك، وهذا الحديث صريحٌ في الرّدّ عليهم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٢٧٣ و ٢٢٧٤ و ٢٢٧٥ و ٢٢٧٦] (٩٨٢)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٦٣ و ١٤٦٤)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٥٩٤ و ١٥٩٥)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٢٨)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٦٧ و ٢٤٦٨ و ٢٤٦٩ و ٢٤٧٠ و ٢٤٧١ و ٢٤٧٢) و"الكبرى" في (٢٢٤٦ و ٢٢٤٧ و ٢٢٤٨ و ٢٢٤٩ و ٢٢٥٠ و ٢٢٥١)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨١٢)، و (أحمد) في "مسند" (٢/ ٢٤٢ و ٢٥٤ و ٤١٠ و ٤٦٩ و ٤٧٠ و ٤٧٧)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٢٧٧)، والله تعالى أعلم.
стр. 10967
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الزكاة في الخيل:
ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا زكاة في الخيل إلا إذا كانت للتجارة.
وذهب أبو حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر فأوجبوا فيها الزكاة؛ إذا كانت إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا، في كلّ فرس دينارًا، وإن شاء قوّمها، وأخرج عن كلّ مائتي درهم خمسة دراهم.
احتجّ الجمهور بحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، وبحديث عليّ ﵁ الآتي بعد باب.
قال أبو عُبيد في "كتاب الأموال" (ص ٤٦٥): إيجاب الصدقة في سائمة الخيل التي يبتغي منها النسل ليس على اتّباع السنّة، ولا على طريق النظر؛ لأن رسول الله ﷺ قد عفا عن صدقتها، ولم يستثن سائمة، ولا غيرها، وبه عملت الأئمة، والعلماء بعده فهذه السنّة.
وأما في النظر فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية؛ تشبيهًا بها؛ لأنها سائمة مثلها، ولم يَصِر إلى واحد من الأمرين، على أن تسمية سائمتها قد جاءت عن غير واحد من التابعين بإسقاط الزكاة منها، ثم روى عن إبراهيم، والحسن، وعمر بن عبد العزيز.
وأجاب الحنفيّة عن حديث أبي هريرة ﵁ بأنه محمول على فرس الركوب، والحمل، والجهاد في سبيل الله؛ لما روي أن زيد بن ثابت ﵁ لما بلغه حديث أبي هريرة ﵁ قال: صدق، إنما أراد رسول الله ﷺ فرس الغازي. ذكره صاحب "الهداية" تبعًا لأبي زيد الدبوسيّ.
قال الحافظ في "الدراية" (ص ١٥٨): تبع صاحب "الهداية" في ذلك أبا زيد الدبوسيّ، فإنه نقله عن زيد بن ثابت بلا إسناد. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الخيل، والرقيق؛ لحديث الباب.
وقد ذكر العلّامة عبيد الله بن محمد المباركفوريّ، صاحب "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" ﵀ أدلة الحنفيّة وناقشها كلها، فأجاد، وأفاد، بما لا تجده في كتاب غيره، فجزاه الله تعالى خيرًا، فإن شئت فراجعه
стр. 10968
في (٦/ ٩٠ - ٩٦) تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ عَمْرٌو: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (أيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الحيض" ١١/ ٧٥٠.
٥ - (مَكْحُولٌ) الشاميّ، أبو عبد الله، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، كثير الإرسال [٥] مات سنة بضع عشرة ومائة (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو: عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ) أشار به إلى بيان اختلاف شيخيه في صيغ الأداء، فقال عمرو الناقد: "عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ "، وقال زهير بن حرب: "عن أبي هريرة يبلغ به"؛ أي: يرفع الحديث إلى النبيّ ﷺ ، وهذه الصيغة من صيغ الرفع حكمًا، وإنما عدل عن الصيغة المعروفة، مثل "سمع"، أو "قال"، أو "عن" مثلًا لكونه نسي الصيغة التي سمعها من شيخه، مع أنه تأكّد من رفعه، فأتى بصيغة تحتمل كلّ الصيغ، وهي قوله: "يبلغ به"، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى غير مرّة، فلا تكن من الغافلين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
стр. 10969
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٥ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٦ - (خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) الغفاريّ المدنيّ، ثقة (١) [٦].
رَوَى عن أبيه، وسليمان بن يسار، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن سعيد القطان، وحماد بن زيد، وسلمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم.
وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العقيليّ: ليس
стр. 10970
به بأس، وقال الأزديّ: منكر الحديث، وقال ابن حزم: لا تجوز الرواية عنه، قال الحافظ: وهي مجازفة صعبة، ولعل مستند من وَهّاه ما ذكره أبو عليّ الكرابيسيّ في "كتاب القضاء": حدثنا سعيد بن زبير، ومصعب الزبيريّ، قالا: استفتى أمير المدينة مالكًا عن شيء، فلم يُفْته، فأرسل إليه: ما منعك من ذلك؟ فقال مالك: لأنك وَلَّيت خُثيم بن عراك بن مالك على المسلمين، فلما بلغه ذلك عزله. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الحافظ الحكاية، ولم يُجب عنها، وعندي أنها لا تكون موجبة لضعف خثيم، كما اعتمده الأزديّ، وابن حزم؛ لأن إنكار مالك توليته للقضاء يَحتمل لأمر آخر، لا صلة له برواية الحديث.
والحاصل أن خثيمًا ثقةٌ كما وثّقه النسائيّ وغيره، وروى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان في "صحيحيهما"، فتنبّه.
ثم رأيت الحافظ أجاب في "الهدي"، وأجاد، فقال: خُثيم بن عراك بن مالك الغفاريّ، وثّقه النسائيّ، وابن حبّان، والعقيليّ، وشذّ الأزديّ، فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم، فاتّبع الأزديّ، وأفرط، فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزديّ ضعيف، فكيف يُقبل منه تضعيف الثقات؟. انتهى (١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٨٢) و (١٥٥٩) و (٢٥١٦).
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية خثيم، عن أبيه هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(١٤٦٤) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن خُثيم بن عِرَاك، قال: حدّثني أبي، عن أبي هريرة ﵁. وحدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا وهيب بن خالد، حدّثنا خُثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "ليس على المسلم صدقة في عبده، ولا في
стр. 10971
فرسه". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِىُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (١) مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ في الْعَبْدِ صَدَقَةٌ، إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكلّم في بعض سماعه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (مَخْرَمَةُ) بن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوق [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٣ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ الْمَخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنىّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
والباقون تقدّموا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ) قال النوويّ ﵀: هذا صريح في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبده، سواءٌ كان للقنية أم للتجارة، وهو مذهب مالك، والشافعىّ، والجمهور، وقال أهل الكوفة: لا يجب في عبيد التجارة، وحُكِيَ عن داود أنه قال: لا تجب على السيد، بل تجب على العبد، ويَلْزَم السيدَ تمكينه من الكسب؛ ليؤديها، وحكاه القاضي عن أبي ثور أيضًا، ومذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء أن المكاتب لا فطرة عليه، ولا على سيده، وعن عطاء، ومالك، وأبي ثور وجوبها على السيد، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعيّ؛ لقوله ﷺ : "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم" (٢)، وفيه وجه أيضًا لبعض أصحابنا
стр. 10972
أنها تجب على المكاتب؛ لأنه كالحرّ في كثير من الأحكام. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: إنها تجب على سيّده هو الحقّ؛ للحديث المذكور، وسيأتي تمام البحث فيه بعد باب -إن شاء الله تعالى-.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه]: فإن قلت: كيف أخرج المصنّف رواية مخرمة عن أبيه، وهي متكلّم فيها؛ لأنها وجادة من كتابه، كما قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما؟.
[قلت]: لم ينفرد بها مخرمة، فقد تابعه جماعة في روايتها عن أبيه، وهم: مكحول، وجعفر بن ربيعة، وموسى بن عقبة. فاما رواية مكحول، فأخرجها ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ٨٢) فقال:
(٢٣٩٦) - حدّثنا محمد بن حكيم، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا أسامة بن زيد، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلم في فرسه، ولا في عبده، ولا وليدته صدقة، إلا صدقة الفطر".
وأخرجه أيضًا الدارقطنيّ في "سننه" (٢/ ١٢٧) فقال:
(٨) - حدّثنا سعيد بن محمد بن أحمد الحناط، ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبوأسامة، عن أسامة بن زيد، أخبرني مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "ليس على المرء المسلم صدقة في فرسه، ولا في عبده، ولا في وليدته"، قال أسامة بن زيد: وثنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ مثله. انتهى.
وأما رواية جعفر بن ربيعة، فأخرجها الدارقطنيّ في "سننه" (٢/ ١٢٧) فقال:
(٧) - حدّثنا محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، ثنا أحمد بن محمد بن رِشدين، نا ابن أبي مريم، ثنا نافع بن يزيد، حدّثني جعفر بن ربيعة،
стр. 10973
عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا صدقة على الرجل في فرسه، ولا في عبده إلا زكاة الفطر".
وقال البيهقيّ في "الكبرى" (٤/ ١٦٠) بعد أن أخرجه من هذا الوجه: ورواه محمد بن سهل بن عسكر، عن ابن أبي مريم، فقال في الحديث: "ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة، إلا صدقة الفطر". انتهى.
وأما رواية موسى بن عقبة، عن عراك، فأخرجها الطبرانيّ في "المعجم الأوسط" (٦/ ٩٠) فقال:
(٥٨٨٧) - حدّثنا محمد بن خُليد العبديّ، قال: نا محمد بن عُبيد المحاربيّ، قال: نا أبي، عن عبد السلام بن مصعب، أبي مصعب المدنيّ، عن موسى بن عقبة، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبيّ قال: "ليس على الرجل في عبده، ولا فرسه صدقة، إلا صدقة الفطر"، لم يرو هذا الحديث عن موسى بن عقبة إلا عبد السلام بن مصعب (١). انتهى.
فتحصّل مما سبق أن الحديث لم ينفرد به مخرمة عن أبيه، بل رواه عنه معه هؤلاء الثلاثة: مكحول، وجعفر بن ربيعة، وموسى بن عقبة، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٣/ ٢٢٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٦٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٦٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٥٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٢٧)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الأوسط" (٦/ ٩٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣١٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٥٢٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 10974
(٤) - (بَابٌ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٧] (٩٨٣) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَليدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ، وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِىُّ بْنُ حَفْصٍ) المدائنيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [٩] (م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٨.
٢ - (وَرْقَاءُ) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ٩٩٩.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعلي بن حفص، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، وابن ماجه.
стр. 10975
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وعلي، فبغداديّان، وورقاء، فمدائنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ) هذا ظاهر في كون الحديث من مسند أبي هريرة ﵁، ووقع عند النسائيّ بلفظ: "وَقَالَ عُمَرُ"، قال في "الفتح": والمحفوظ أنه من مسند أبي هريرة ﵁، وإنما جرى لعمر ﵁ فيه ذكرٌ فقط. انتهى (١).
(عَلَى الصَّدَقَةِ)؛ أي: ساعيًا عليها، وهو مشعر بأنها صدقة الفرض؛ لأن صدقة التطوّع لا يُبعَث عليها السُّعَاةُ.
وهذا هو الصحيح المشهور، نقله القرطبيّ عن الجمهور، وقال ابن القصّار المالكيّ: الأليق أنها صدقة التطوّع؛ لأنه لا يُظنّ بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض.
وتُعُقّب بأنهم ما منعوه كلهم جحدًا، ولا عنادًا، أما ابن جميل، فقد قيل: إنه كان منافقًا، ثم تاب بعد ذلك. كذا حكاه المهلّب، وجزم القاضي حسين في "تعليقه" أن فيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]. انتهى. والمشهور أنها نزلت في ثعلبة.
وأما خالد، فكان متأوّلًا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة، وكذلك العبّاس؛ لاعتقاده ما سيأتي التصريح به، ولهذا عَذَر النبيّ ﷺ خالدًا والعبّاس، ولم يعذر ابن جميل.
وقال ابن الملقّن ﵀: ويبعد أن يراد بها صدقة التطوّع لوجوه:
(أحدها): أن المتبادر إلى الذهن خلافه.
(ثانيها): أنه ﷺ إنما كان يبعث في الزكاة المفروضة، على ما نُقل.
стр. 10976
(ثالثها): قوله: "وأما العبّاس فهي علَيّ"، و"عليّ" من ألفاظ الوجوب. انتهى (١).
(فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ) قائل ذلك عمر ﵁، كما سيأتي في حديث ابن عباس ﵄ في الكلام على قصّة العباس ﵁.
ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عُبيد: "فقال بعض من يَلْمِز"؛ أي: يَعيب.
و"ابن جميل" هذا قال صاحب "التنبيه": قال ابن منده وغيره: لا يُعرف اسمه. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزيّ الشافعيّ، وتبعه الرويانيّ أن اسمه "عبد الله"، ووقع في شرح الشيخ سراج الدين ابن الملقّن أن ابن بزيزة سمّاه "حميدًا"، ولم أر ذلك في كتاب ابن بزيزة، ووقع في رواية ابن جريج "أبو جهم بن حُذيفة" بدل ابن جميل، وهو خطأ؛ لإطباق الجميع على "ابن جميل"، وقول الأكثر: إنه كان أنصاريًّا، وأبو جهم بن حذيفة، قرشيّ، فافترقا، وذكر بعض المتأخّرين أن أبا عبيد ذكر في "شرح الأمثال" له أنه "أبو جهم بن جميل". انتهى.
(وَخَالِدُ بْنُ الْوَليدِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم، سيف الله، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة ﵁، وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرًا على قتال أهل الرّدّة وغيرها من الفتوح، إلى أن مات سنة (٢١ هـ) أو بعدها.
(وَالْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب، وقوله: (عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) بالرفع على البدليّة توفّي العبّاس ﵁ سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنة.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ) -بفتح القاف وكسرها- أي ما يعيب، أو ما يُنكر، أو ما يَكرَه، يقال: نَقَمْتُ عليه أمره، ونَقَمتُ منه نَقْمًا، من باب ضرب، ونُقُومًا، ونَقِمْتُ أَنقَمُ، من باب تَعِبَ لغةٌ: إذا عِبْتَه، وكرِهته أشدّ
стр. 10977
الكراهة؛ لسوء فعله، وفي التنزيل: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] على اللغة الأولى: أي ما تطعَنُ فينا، وتَقْدَحُ. وقيل: ليس لنا عندك ذنب، ولا ركِبنَا مكروهاً، قاله في "المصباح".
وقال في "اللسان": معنى نَقِمتُ: بالغت في كراهية الشيء، وأنشد بعضهم [من الخفيف]:
مَا نَقِمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّا … أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ إِنْ غَضِبُوا
يروى بالفتح والكسر.
وقال الإمام ابن الملقّن ﵀: واختُلف في معناه على ثلاثة أقوال:
(أحدها): يُنكِر.
(وثانيها): يَكرَه.
(وثالثها): يَعيب، وقد فُسّر قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ الآية [المائدة: ٥٩] بـ"يكرهون" و"ينكرون". فإن فسّرناه بـ "ينكر" فإن معناه: أنه لا عُذر له في المنع؛ إذ لم يكن موجبه إلا أن كان فقيراً، فأغناه الله، وذلك ليس بموجب له، فلا موجب البتّة، وهذا من باب قوله [من الطويل]:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
فيقصدون النفي على سبيل المبالغة في الإثبات؛ إذ المعنى أنه لم يكن لهم عيبٌ إلا هذا، وهذا ليس بعيبٍ، فلا عيب فيهم البتّة، وكذلك المعنى هنا إذا لم يُنكر ابن جميل إلا كون الله أغناه بعد فقره، فلم ينكر مُنكَراً أصلاً، فلا عذر له في المنع، وكذلك إن فسّرناه بـ "يَكره"؛ أي: ما يكره إخراج الزكاة على ما تقدّم.
ويقال: نَقِمَ الإنسان: إذا جعله مؤدّياً إلى كفره النعمة، فالمعنى أن غناه أدّاه إلى كفر نعمة الله تعالى بالمنع، فما ينقم؛ أي: ما يكره إلا أن يكفر النعمة، وأما تفسيره بـ "يَعِيبُ" ففيه بُعْدٌ. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ (١).
(إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيراً، فَأَغْنَاهُ اللهُ) زاد في رواية البخاريّ: "ورسوله"، قال في "الفتح": إنما ذكر رسول الله ﷺ نفسه لأنه كان سبباً لدخوله في الإسلام،
стр. 10978
فأصبح غنيًّا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله ﷺ ، وأباح لأمته من الغنائم.
وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يُشبه الذّمّ؛ لأنه إذا لم يكن له عذرٌ إلا ما ذُكر من أن الله أغناه، فلا عُذر له، وفيه التعريض بكفران النعم، والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. انتهى (١).
(وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً) الخطاب للعمّال على الصدقة حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الجند والْعُدّة؛ لأنهم طلبوا منه زكاة أعتاده ظناً منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليّ، فقالوا للنّبيّ ﷺ : إن خالداً منع الزكاة، فقال: "إنكم تظلمون خالداً"؛ لأنه حبسها، ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، ولا زكاة فيها، قاله النوويّ في "شرحه" (٢).
وَيحْتَمِل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاةٌ لأعطاها، ولم يَشحّ بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرّعاً، فكيف يشحّ بواجب عليه؟.
وَيحْتَمِل أنه لم يقفها، بل رفع يده عنها، وخلّى بينها وبين الناس في سبيل الله؛ لا أنه احتبسها وقفاً على التأبيد؛ لأنه صرفها مصرفها حيث تعيّنت للجهاد، وقد جعل الله للجهاد حظاً من الزكاة، فرأى صرفها فيه، فاشترى بها ما يصلح له، كما يفعله الإمام، فلما تحقّق النبيّ ﷺ ذلك، قال: "إنكم تظلمون خالداً"، فإنه صرفها مصرفها، وأجاز له ذلك، وبه جزم القرطبيّ في "شرحه" (٣).
وقيل: يجوز أن يكون ﷺ أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه في سبيل الله، حكاه القاضي عياض (٤).
(قَدِ احْتَبَسَ)؛ أي: وَقَفَ، وَيحْتَمِل أن يكون معناه: إبانة اليد عن الملك لله تعالى كما يفعل المهدي لبيت الله تعالى فيها بالتخلية بينها وبين
стр. 10979
مستحقيها، قال الأصبهانيّ: واحتبس لغة في حَبَسَ (١). (أَدْرَاعَهُ) بفتح الهمزة: جمع دِرْع بكسر، فسكون، ويكون من الحديد وغيره (وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ) "الأَعْتَادُ" -بفتح الهمزة-: جمع عَتَدَ- بفتحتين - ووقع في رواية البخاريّ: "وَأَعتُدَه" - بضمّ المثنّاة - وهو جمعه أيضاً، قيل: هو ما يُعِدُّه الرجل من الدوابّ، والسلاح، وقيل: الخيل خاصّة، يقال: فرسٌ عَتِيد؛ أي: صَلْبٌ، أو مُعَدٌّ للركوب، أو سَريع الوثوب، أقوال. وقيل: إن لبعض رواة البخاريّ: "وأعبُده" - بالموحّدة - جمع "عَبْد"، حكاه عياض، والأول هو المشهور، قاله في "الفتح" (٢).
وقال الإمام ابن الملَقّن ﵀: هذه اللفظة رُويت على أوجه:
(أحدهما): "أعتاده"، وأنكره بعضهم، وهي ثابتة في "صحيح مسلم".
(ثانيها): "أعتُده" بالتاء المثنّاة فوقُ، وحَكَى الدارقطنيّ أن أحمد بن حنبل قال: أخطأ عليّ بن حفص في هذا، وصَحَّفَ، وإنما هو "أعبُده" يعني بالباء الموحّدة، وقال عبد الحقّ في "الجمع بين الصحيحين": وقع في رواية للبخاريّ: "وأعبده"، والصحيح "وأعتُده" بالتاء المثنّاة فوقُ.
قال ابن الملقّن: وهي "الأعتاد" جمع قلّة لعَتَد بفتح العين والتاء، وهو الفرس الصَّلْب، وقيل: الْمُعَدّ للركوب، وقيل: السريع الوَثبِ.
وقال الهرويّ والخطّابيّ: هو ما أعدّه الرجل من سلاح، وآلة، ومركوب للجهاد، وبه جزم الشيخ تقيّ الدين، وعزاه النوويّ إلى أهل اللغة، ولم يذكر غيره.
(ثالثها): "عَتَاده" وُيجمَع على "أعتد" بكسر التاء وضمّها.
(رابعها): "أعبده" بالباء الموحّدة، جمع قلّة للعبد، وهو الحيوان العاقل، هذا هو الظاهر.
قال: وروي "فقد احتبس رقيقه ودوابّه"، وروي "عقاره" بالقاف والراء، وهو الأرض، والضياع، والنخل، ومتاع البيت. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ باختصار (٣).
стр. 10980
(وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا") ولفظ البخاريّ: "وأما العبّاس بن عبد المطّلب، فعمّ رسول الله ﷺ ، فهي عليه صدقةٌ، ومثلها معها"، قال في "الفتح": كذا في رواية شعيب، ولم يقل ورقاء، ولا موسى بن عُقبة: "صدقة"، فعلى هذه الرواية يكون ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون أرفع لقدره، وأَنْبَهَ لذكره، وأنفى للذّمّ عنه، فالمعنى فهي صدقة ثابتة عليه سيتصدّق بها، ويُضيف إليها مثلها كَرَماً، ودلّت رواية مسلم على أنه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه لقوله: "فهي عليّ"، وفيه تنبيه على سبب ذلك، وهو قوله: "إن العمّ صنو الأب"، تفضيلاً له، وتشريفاً.
ويَحْتَمِل أن يكون تحمّل عنه بها، فيُستفاد منه أن الزكاة تتعلّق بالذمّة، كما هو أحد قولي الشافعيّ.
وجمع بعضهم بين رواية "علَيّ" ورواية "عليه" بأن الأصل رواية "علَيّ"، ورواية "عليه" مثلها إلا أن فيها زيادة هاء السكت، حكاه ابن الجوزيّ، عن ابن ناصر.
وقيل: معنى "علَيّ"؛ أي: هي عندي قرض؛ لأنني استسلفت منه صدقة عامين، وقد ورد ذلك صريحاً فيما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث عليّ، وفي إسناده مقال.
وفي الدارقطنيّ من طريق موسى بن طلحة: أن النبيّ ﷺ قال: "إنا كنا احتجنا، فتعجّلنا من العبّاس صدقة ماله سنتين"، وهذا مرسل.
وروى الدارقطنيّ أيضاً موصولاً بذكر طلحة فيه، وإسناد المرسل أصحّ.
وفي الدارقطنيّ أيضاً من حديث ابن عبّاس ﵄: أن النبيّ ﷺ بعث عمر ساعياً، فأتى العبّاسَ، فأغلظ له، فأخبر النبيَّ ﷺ ، فقال: "إن العبّاس قد أسلَفَنا زكاة ماله العام، والعام المقبل"، وفي إسناده ضعف، وأخرجه أيضاً هو، والطبرانيّ من حديث أبي رافع ﵁ نحو هذا، وإسناده ضعيف أيضاً، ومن حديث ابن مسعود ﵁: "أن النبيّ ﷺ تعجّل من العباس صدقة سنتين"، وفي إسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف، ولو ثبت لكان رافعاً للإشكال، ولرجّح به سياق رواية مسلم على بقيّة الروايات، وفيه ردّ لقول من قال: إنّ قصّة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت الذي بعث فيه عمر ﵁ لأخذ الصدقة.
стр. 10981
قال الحافظ ﵀: وليس ثبوت هذه القصّة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق. والله أعلم.
وقيل: المعنى استسلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يُقاصّ به من ذلك، واستُبعد ذلك بأنه لو كان وقع لكان ﷺ أعلم عمرَ بأنه لا يطالب العباس. وليس ببعيد.
ومعنى "عليه" على التأويل الأول: أي لازمة له، وليس معناه أنه يقبضها؛ لأن الصدقة عليه حرام؛ لكونه من بني هاشم.
ومنهم من حمل رواية الباب على ظاهرها، فقال: كان ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، ويؤيّده رواية موسى بن عُقبة، عن أبي الزناد، عند ابن خُزيمة بلفظ: "فهي له"، بدل "عليه".
وقال البيهقيّ: اللام هنا بمعنى "على"؛ لتتّفق الروايات، قال الحافظ: وهذا أولى؛ لأن المخرج واحد، وإليه مال ابن حبّان.
وقيل: معناها فهي له؛ أي: القدر الذي كان يُراد منه أن يُخرجه لأنني التزمت عنه بإخراجه، وقيل: إنه أخّرها عنه ذلك العام إلى عام قابل، فيكون عليه صدقة عامين، قاله أبو عُبيد. وقيل: إنه كان استدان حين فادى عَقيلاً وغيره، فصار من جملة الغارمين، فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار.
وأبعد الأقوال كلها قول من قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزم العبّاس بامتناعه من أداء الزكاة بأن يؤدّي ضعف ما وجب عليه؛ لعظمة قدره، وجلالته، كما في قوله تعالى في نساء النبيّ ﷺ : ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠]، وقد تقدّم بعضه في أول الكلام. انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إنه ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون أرفع لمنزلته، وأنبه لذكره، وأنفى للذّمّ عنه، ثم إنه ﷺ تحمّلها عنه؛ احتراماً له، ومبرّةً وإكراماً، يؤيّد ذلك رواية مسلم: "فهي علَيّ، ومثلها معها"، ثم قال ﷺ : "يا عُمر، أما شَعَرت أن عمّ الرجل صِنو
стр. 10982
أبيه"، فإن في هذه الجملة إشعاراً بما ذُكر، فإن كونه صنو أبيه يناسب تحمّل ما عليه، كما قال ابن دقيق العيدس ﵀ (١).
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ) بفتح العين؛ أي: علمت، يقال: شَعَرتُ بالشيء شُعُوراً، من باب قَعَدَ، وشِعْراً، وشِعْرَةً بكسرهما: إذا عَلِمتَ، وليتَ شِعري؛ أي: ليتني علمتُ، قاله في "المصباح" (٢).
(أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ")؛ أي: يرجع مع أبيه إلى أصل واحد، فيتعيّن إكرامه، كما يتعيّن إكرام الأَب، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الآية [الرعد: ٤]. وأصله في النخلتين، والثلاث، والأربع، التي ترجع إلى أصل واحد، فكلّ واحدة منهنّ صِنْوٌ، والاثنان صِنْوَانِ، والثلاث صِنْوَانٌ برفع النون، فالصنوان جمع صنو، كقنو وقنوان، ويُجمع على أصناء، كأسماء.
وعن ابن الأعرابيّ: أن الصنو المثل؛ أي: مثل أبيه، وذكر ذلك ﷺ لعمر تعظيماً لحقّ العمّ، وهو مقتضٍ، ومناسبٌ لأن يُحمَل قوله: "هي علَيّ" أنه تحمّلها عنه؛ احتراماً، ومبرّةً، وإكراماً حتى لا يتعرّض له بطلبها أحدٌ إذا تحمّلها عنه رسول الله ﷺ . أفاده ابن الملقّن (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٢٧٧] (٩٨٣)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٦٨)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٣٣)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٦١)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٦٤ و ٢٤٦٥) و"الكبرى" (٢٢٤٣ و ٢٢٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٣٢٩ و ٢٣٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده"
стр. 10983
(٢/ ١٤٧)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٣٧٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٦٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١١١)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٢٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٨٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٨٠) و"الأوسط" (١/ ٢٩٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٤١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة بعث الإمام العُمّالَ لجباية الزكاة، وكونهم أمناء، فقهاء، ثقات عارفين، حيث بعث ﷺ عمر ﵁ عليها.
٢ - (ومنها): تنبيه الغافل على ما أنعم الله به عليه من نعمة الغنى بعد الفقر؛ ليقوم بحقّ الله عليه.
٣ - (ومنها): جواز العَتْبِ على من منع الواجب، وذِكْره في غيبته بذلك، ولا يكون من الغيبة المحرّمة.
٤ - (ومنها): تحمُّل الإمام عن بعض رعيّته ما يجب عليه، وجواز اعتذاره عنه بما يسوغ الاعتذار به.
٥ - (ومنها): بيان جواز إعطاء صاحب المال خيار ماله من غير أن يختار المصَدّق، ووجه ذلك أنّ النبيّ ﷺ لَمّا أَخبَر أنّ العباس يدفع صدقته ومثلها معها، وتحمّل عنه ذلك، وقام بالدفع نيابةً عنه، دلّ على أن زيادة المالك في الصدقة باختياره، من غير طلب المصدّق جائز. والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ بقصّة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السلاح، وغيره، من آلات الحرب، والإعانة بها في سبيل الله تعالى؛ بناءً على أنه ﷺ أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه، وهذه طريقة البخاريّ ﵀.
وأجاب الجمهور عنه بأجوبة:
(أحدهما): أن المعنى أنه ﷺ لم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد؛ حملاً على أنه لم يصرّح بالمنع، وإنما نقلوه عنه بناءً على ما فهموه، ويكون قوله ﷺ : "تظلمونه"؛ أي: بنسبتكم إياه إلى المنع، وهو لا يمنع، وكيف يمنع الفرض، وقد تطوّع بتحبيس سلاحه، وخيله؟.
(ثانيها): أنهم ظنّوا أنها للتجارة، فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﷺ بأنه
стр. 10984
لا زكاة عليه فيما حبس، قال الحافظ: وهذا يحتاج لنقل خاصّ، فيكون فيه حجّة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبّسة، ولمن أوجبها في عروض التجارة.
(ثالثها): أنه كان نوى بإخراجها عن ملكه الزكاة عن ماله؛ لأن أحد الأصناف "سبيلُ الله"، وهم المجاهدون، وهذا يقوله من يُجيز إخراج القيم في الزكاة، كالحنفيّة، ومن يُجيز التعجيل، كالشافعيّة.
٧ - (ومنها): استُدلّ بقصة خالد ﵁ أيضاً على مشروعيّة تحبيس الحيوان والسلاح، وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسه.
٨ - (ومنها): جواز إخراج العُرُوض في الزكاة، وهو مذهب الإمام البخاريّ ﵀، حيث قال في "صحيحه": وقال طاوس: قال معاذ ﵁ لأهل اليمن: ائتوني بعَرْضٍ ثيابٍ، خَمِيصٍ، أو لَبِيس، في الصدقة مكان الشعير والذُّرَة، أهون عليكم، وخيرٌ لأصحاب النبيُّ ﷺ بالمدينة، وقال النبيّ ﷺ : "وأما خالد احتبس أدراعه، وأعتده في سبيل الله". انتهى.
قال ابن رُشيد: وافق البخاريُّ في هذه المسألة الحنفيّةَ مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل. انتهى.
قال في "الفتح": وقوله: "في الصدقة": يردّ قول من قال: إن ذلك كان في الخراج.
وحكى البيهقيّ أن بعضهم قال فيه: "من الجزية" بدل الصدقة، فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال، لكن المشهور الأول، وقد رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس: "أن معاذاً كان يأخذ العَرْض في الصدقة".
وأجاب الإسماعيليّ باحتمال أن يكون المعنى: ائتوني به آخذه منكم مكان الشعير والذُّرَة الذي آخذه شرا" بما آخذه، فيكون بقبضه قد بلغ محلّه، ثم يأخذ مكانه ما يشتريه مما هوأوسع عندهم، وأنفع للآخذ، قال: ويؤيّده أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة، وقد أمره النبيّ ﷺ أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم، فيردّها على فقرائهم.
وأجيب بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولّى قسمتها.
стр. 10985
وقد احتجّ به من يُجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وهي مسألة خلافيّة أيضاً.
وقيل في الجواب عن قصّة معاذ: إنها اجتهاد منه، فلا حجّة فيها.
وفيه نظر؛ لأنه كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بيّن له النبيّ ﷺ لما أرسله إلى اليمن ما يَصنَعُ.
وقيل: كانت تلك واقعةَ حال، لا دلالة فيها؛ لاحتمال أن يكون عَلِمَ بأهل المدينة حاجة لذلك، وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفي قوله: "واقعة حال" نظر لا يخفى؛ إذ الظاهر أنها تدلّ على جواز نقلها؛ إذا دعت الحاجة إليه، وقد استوفيت البحث في هذه في "شرح النسائي"، فراجعه (٤٦/ ٢٥٢٢) وبالله تعالى التوفيق.
وقال القاضي عبد الوهّاب المالكيّ: كانوا يُطلقون على الجزية اسمَ الصدقة، فلعلّ هذا منها.
وتُعُقّب بقوله: "مكان الشعير والذرة"، وما كانت الجزية حينئذ من أولئك من شعير، ولا ذُرَة، إلا من النقدين (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنّ أرجح الأقوال في المسألة ما ذهب إليه الإمام البخاريّ ﵀، وهو جواز أخذ الْعَرْض بدل الصدقة إن رأى الْمُصَدِّق ذلك خيراً، وأنفعَ للفقراء، كما عَمِل به معاذ ﵁. والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد، وهو قول العلماء كافّة، خلافًا للشافعيّ في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية.
وتعقّب ابن دقيق العيد بأن القصّة واقعة عين، محتملة لما ذُكر وغيره، فلا ينهض الاستدلال بها على ذلك، وفيه ما مرّ قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 10986
(٥) - (بَابُ بَيَانِ فَرْضِ زَكَاةِ الْفِطْرِ)
قال الجامع عفا الله عنه: يقال: إنما قيل لها: زكاة الفطر؛ لكونها تجب بالفطر من صوم رمضان، فيكون من إضافة الشيء إلى سببه، وقيل: من إضافة الشيء إلى شرطه، كحجة الإسلام (١).
وقد ترجم البخاريّ، وغيره بـ "باب صدقة الفطر"، قال في "الفتح": وأضيفت الصدقة للفطر؛ لكونها تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قُتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة. والأول أظهر، ويؤيّده قوله في بعض طرق الحديث: "زكاة الفطر من رمضان". انتهى (٢).
وقال ابن قدامة ﵀: قال ابن قُتيبة: وقيل لها فطرة؛ لأن الفطرة الخِلْقةُ، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم: ٣٠]؛ أي: جِبِلّته التي جبل الناس عليها، وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن والنفس، كما كانت الأولى صدقة عن المال. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب": يقال: زكاة الفطر، وصدقة الفطر، ويقال للمُخرَج: فِطْرة - بكسر الفاء - لا غير، وهي لفظة مولّدة، لا عربيّةٌ، ولا مُعَرَّبة، بل اصطلاحيّة للفقهاء، وكأنها من الفطرة التي هي الخلقة؛ أي: زكاة الخلقة، وممن ذكر هذا صاحب "الحاوي". انتهى (٤).
وفي "المنهل": وتسمية أوّل يوم من شوّال بيوم الفطر تسمية شرعيّة، لم تُعرَف قبل الإسلام، وفُرضت صدقة الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي في الشرع: اسم لما يُعطَى من المال لمن يستحقّ الزكاة على وجه مخصوص يأتي بيانه. انتهى (٥). والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 10987
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٧٨] (٩٨٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ، قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النّاسِ، صًاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (ع) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب أيضاً.
٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم قبل باب أيضاً.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف ﵀، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة، وهو (١٤٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه يحيى، فما أخرج أبو داود، وابنُ ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﵄ أحد المكثرين السبعة من الصحابة،
стр. 10988
روى (٢٦٣٠) من الأحاديث، وهو أحد العبادلة الأربعة، وهم: ابن عمر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص ﵁، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ)؛ أي: أوجب، وألزم، وما فرضه ﷺ إلا عن أمر من الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. قال الطيبيّ: دلّ قوله: "فَرَض" على أن صدقة الفطر فريضة، والحنفيّة على أنها واجبة، قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل قطعيّ، فهو فرض عمليُّ، لا اعتقاديّ، وقال السنديّ: الحديث من أخبار الآحاد، فمؤدّاه الظنّ، فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه من خصّ الفرض بالقطع، والواجب بالظنّ. انتهى.
وقال ابن حجر الهيتميّ: في الحديث دليلٌ لمذهبنا، ولَمّا رأى الحنفيّة الفرق بين الفرض والواجب بأنّ الأول ما ثبت بدليل قطعيّ، والثاني ما ثبت بدليل ظنّيّ، قالوا: إن المراد بالفرض هنا الواجب، وفيه نظر؛ لأنّ هذا قطعيّ؛ لما علمت أنه مجمع عليه، فالفرض فيه باق على حاله، حتى على قواعدهم، فلا يحتاج لتأويلهم الفرض بالواجب. انتهى.
قال القاري: وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل، وأما أنه على طريق الفرض، أو الواجب بناءً على اصطلاح الفقهاء المتأخّرين، فغير مسلّم، وأما قوله: ووجوبها مجمع عليه، كما حكاه المنذريّ، والبيهقيّ، فمنقوض بأن جمعاً حكوا الخلاف فيها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعيّة ما أمكن هو المتعيّن، وأما حمله على المصطلح الحادث فغير صحيح، فإن الصحابة ﵃ ما كانوا يعرفون هذا الاصطلاح الحادث في الفرق بين الفرض والواجب، كما يقول به الحنفيّة، فعبد الله بن عمر ﵄ حين قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر ما كان يقصد أنه دون فرض زكاة المال، وفرض صوم رمضان، بل كان يعتقد أنه من الفروض التي كَلَّف الله تعالى بها المكلّفين، من غير فرق بين فرض، وفرض، فمن فرض صوم رمضان، هو الذي فرض زكاة رمضان.
стр. 10989
والحاصل أن ما ذهب إليه الأئفة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة هو الحقّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ)؛ أي: الزكاة الواجبة عند الفطر من صوم شهر رمضان، فإضافة الزكاة إلى "الفطر" من إضافة الشيء إلى سببه، كما سبق أوّل الباب.
فـ "زكاة" منصوب على المفعوليّة لـ "فَرَضَ"، وقوله: (عَلَى النَّاسِ) متعلّق بـ "فرَضَ"، قال السنديّ: "على" بمعنى "عن"؛ إذ لا وجوب على العبد، والصغير، كما في بعض الروايات؛ إذ لا مال للعبد، ولا تكليف على الصغير، نعم يجب على العبد عند بعض، والمولى نائبٌ عنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن "على" على بابها، فهي تدلّ على الوجوب على الجميع، فكون الأداء عن الصغير والعبد على الوليّ، والسيّد لا ينافي وجوبها عليهما، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(صَاعاً) منصوب على البدلتة من "زكاةَ الفطر"، أو حال منه، أو "زكاة" منصوب على نزع الخافض؛ أي: في زكاة الفطر، والمفعول "صاعاً"، أفاده السنديّ ﵀، وقال السيوطيّ ﵀: قيل: إن "صاعاً" منصوب على أنه مفعول ثان، وقيل: على التمييز، وقيل: خبر "كان" محذوفاً، وقيل: على سبيل الحكاية. انتهى (١).
وقوله: (مِنْ تَمْرٍ) متعلّق بصفة لـ "صاعاً" (أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ) "أو" هنا للتخيير، فيُخيّر بين أن يخرج صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير (عَلَّى كُلَّ حُرًّ، أَوْ عَبْدٍ) ظاهره إخراج العبد عن نفسه، ولم يقل به إلا داود، فقال: يجب على السيّد أن يمكّن العبد من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يمكّنه من الصلاة، وخالفه أصحابه، والناس، واحتجّوا بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر"، رواه مسلم، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قبل باب، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى) مجرور على البدليّة، وظاهره وجوبها على المرأة،
стр. 10990
سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وابن المنذر، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لأئمة الحديث كلام طويل في هذه اللفظة، سنحققه قريباً - إن شاء الله تعالى - وهو حجة لمن قال: لا تجب زكاة الفطر على سيّد العبد الكافر، وسيأتي أيضاً تحقيق الخلاف فيه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر بهذا متّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٢٧٨ و ٢٢٧٩ و ٢٢٨٠ و ٢٢٨١ و ٢٢٨٢] (٩٨٤)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٥٠٣ و ١٥٠٤ و ١٥٠٧ و ١٥٠٩ و ١٥١١ و ١٥١٢)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦١١ و ١٦١٣ و ١٦١٤)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٧٥ و ٦٧٦ و ٦٧٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٠٠ و ٢٥٠١ و ٢٥٠٢ و ٢٥٠٣ و ٢٥٠٤ و ٢٥٠٥ و ٢٥١٦ و ٢٥٢١) و"الكبرى" (٢٢٧٩ و ٢٢٨٠ و ٢٢٨١ و ٢٢٨٢ و ٢٢٨٣ و ٢٢٨٤ و ٢٢٩٥ و ٢٣٠٠)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٢٥ و ١٨٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦٦ و ١٠٢ و ١٣٧)، و (مالك) في "الموطأ" (٦٢٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٦١ و ١٦٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٦٢)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٦٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤/ ٨٠ و ٨٣ و ٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٠ و ٦١ و ٦٢ و ٦٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٣٩ و ١٤٠ و ١٤٤)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٩٢ و ٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على زيادة "من المسلمين" في هذا الحديث:
[اعلم]: أنه ذَكَرَ غير واحد أن مالكاً تفرّد بها من بين الثقات، فقال الترمذيّ في "العلل" التي في آخر "الجامع": وربّ حديث إنما يُستغرب لزيادة
стр. 10991
تكون في الحديث، وإنما يصحّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، مثل ما رَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر هذا الحديث، قال: وزاد مالكٌ في هذا الحديث: "من المسلمين". قال: وقد رَوَى أيوب السختيانيّ، وعُبيد الله بن عُمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عُمر، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. وتبعه على ذلك ابن الصلاح في "علوم الحديث".
قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ولم ينفرد مالك بقوله: "من المسلمين"، بل قد رواه جماعة ممن يُعتمد على حفظهم، واختُلف على بعضهم في زيادتها، وهم عشرة، أو أكثر (١)، منهم:
عمر بن نافع، والضحّاك بن عثمان، وكَثِير بن فَرْقَد، والمعلّى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخوه عُبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، على اختلاف عنهما في زيادتها.
فأما رواية عمر بن نافع، عن أبيه، فأخرجها البخاريّ في "صحيحه". وأما رواية الضحّاك بن عثمان، فأخرجها مسلم في "صحيحه". وأما رواية كثير بن فَرْقَد، فرواها الدارقطنيّ في "سننه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: إنه صحيح على شرطهما. وأما رواية المعلّى بن إسماعيل، فرواها ابن حبّان في "صحيحه"، والدارقطنيّ في "سننه". وأما رواية يونس بن يزيد، فرواها الطحاويّ في "بيان المشكل". وأما رواية ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخيه عبيد الله بن عمر التي أتى فيها بزيادة قوله: "من المسلمين"، فرواها الدارقطنيّ في "سننه". وأما رواية أيوب السختيانيّ، فذكرها الدارقطنيّ في "سننه"، وأنها رُويت عن ابن شَوْذَب، عن أيوب، عن نافع. انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ في "الفتح": قال ابن عبد البرّ: لم يَختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أن قتيبة بن سعيد، رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو
стр. 10992
قلابة الرقَاشِيّ، ومحمد بن وضّاح، وابن الصلاح، ومن تبعه أن مالكاَ تفرّد بها، دون أصحاب نافع. وهو متعقّبٌ برواية عمر بن نافع المذكورة في "صحيح البخاريّ". وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق الضحّاك بن عثمان، عن نافع بهذه الزيادة. وقال أبو عوانة في "صحيحه": لم يقل فيه: "من المسلمين" غير مالك، والضحّاك. ورواية عمر بن نافع تردّ عليه أيضاً.
وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك، وعمر بن نافع: رواه عبد الله العمريّ، عن نافع، فقال: "على كلّ مسلم". ورواه سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحِيّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، فقال فيه: "من المسلمين". والمشهور عن عبيد الله، ليس فيه "من المسلمين". انتهى.
وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق سعيد بن عبد الرحمن المذكورة. وأخرج الدارقطنيّ، وابن الجارود من طريق عبد الله العمريّ.
وقال الترمذيّ في "الجامع" بعد رواية مالك: رواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وقال في "العلل" التي في آخر "الجامع": روى أيوب، وعُبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث عن نافع، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. انتهى. وهذه العبارة أولى من عبارته الأولى، ولكن لا يُدرى مَن عَنَى بذلك.
وقال النوويّ في "شرح مسلم": رواه ثقتان غير مالك: عمر بن نافع، والضحّاك. انتهى.
قال الحافظ: وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما، منهم: كثير بن فَرْقَد، عند الطحاويّ، والدارقطنيّ، والحاكم. ويونسُ بن يزيد عند الطحاويّ. والْمُعَلَّى بن إسماعيل عند ابن حبّان في "صحيحه". وابنُ أبي ليلى عند الدارقطنيّ، أخرجه من طريق عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، وعبيدِ الله بنِ عمر، كلاهما عن نافع. وهذه الطريق تردّ على أبي داود في إشارته إلى أنّ سعيد بن عبد الرحمن تفرّد بها عن عبيد الله بن عمر، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله.
وقد اختُلف فيه على أيوب أيضاً، كما اختُلف على عبيد الله بن عمر،
стр. 10993
فذكر ابن عبد البرّ أن أحمد بن خالد ذكر عن بعض شيوخه، عن يوسف القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد، عن أيوب، فذكر فيه "من المسلمين". قال ابن عبد البرّ: وهو خطأٌ، والمحفوظ فيه عن أيوب ليس فيه "من المسلمين". انتهى.
وقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عبد الله بن شَوْذَب، عن أيوب، وقال فيه أيضاً: "من المسلمين".
قال الحافظ: وذكر شيخنا سراج الدين ابن الملَقّن في "شرحه" تبعاً لمغلطاي أن البيهقيّ أخرجه من طريق أيوب بن موسى، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد، ثلاثتهم، عن نافع، وفيه الزيادة. وقد تتبعّتُ تصانيف البيهقيّ، فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة.
وفي الجملة ليس فيمن رَوَى هذه الزيادة أحدٌ مثلُ مالك؛ لأنه لم يُتّفق على أيوب، وعبيد الله في زيادتها، وليس في الباقين مثل يونس، لكن في الراوي عنه، وهو يحيى بن أيوب مقال. انتهى كلام الحافظ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال الحفّاظ أن القول بأن مالكاً ﵀ تفرّد بزيادة "من المسلمين" غير صحيح، فقد تابعه جماعة من الرواة الذين تقدم ذكرهم آنفاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم صدقة الفطر:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع عوامّ أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وقال إسحاق -يعني ابن راهويه - هو كالإجماع من أهل العلم، وقال الخطّابيّ: قال به عامّة أهل العلم.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: فأما قوله في حديث ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ … " فمعناه عند أكثر أهل العلم: أوجب رسول الله ﷺ ، وما أوجبه رسول الله ﷺ ، فبأمر الله أوجبه، وما كان لينطق عن الهوى، فأجمعوا على أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر، ثم اختلفوا في نسخها.
فقالت فرقةٌ: هي منسوخة بالزكاة، ورووا عن قيس بن سعد بن عُبَادة: أن رسول الله ﷺ كان يأمر بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا
стр. 10994
بها، ولم ينهنا عنها، ونحن نفعله (١).
وقال جمهور من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم: هي فرضٌ واجبٌ على حسب ما فرضها رسول الله ﷺ ، لم ينسخها شيء.
وممن قال بهذا: مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه. قال إسحاق: هو الإجماعُ.
وقال أشهب: سألت مالكاً عن زكاة الفطر، أواجبة هي؟ قال: نعم. وذكر أبو التَمَّام، قال: قال مالك: زكاة الفطر واجبة. قال: وبه قال أهل العلم كلّهم إلا بعض أهل العراق، فإنه قال: هي سنّة مؤكّدةٌ.
قال أبو عمر: اختلف المتأخّرون من أصحاب مالك في وجوبها، فقال بعضهم: هي سنّةٌ مؤكّدة. وقال بعضهم: هي فرضٌ واجبٌ. وممن ذهب إلى هذا أصبغ بن الفَرَج.
واختلف أصحاب داود في ذلك على قولين أيضاً: أحدهما: أنها فرض واجبٌ. والآخر أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ. وسائر العلماء على أنها واجبةٌ. انتهى كلام ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (٢).
وقال في "التمهيد": وأما قول ابن عمر في هذا الحديث: "فرضَ إلخ" فإنه يحتمل وجهين: أحدهما -وهو الأظهر- فرض بمعنى أوجب، والآخر فرض بمعنى قدّر من المقدار، كما تقول: فرض القاضي نفقة اليتيم؛ أي: قدّرها، وعرف مقدارها.
والذي أذهبُ إليه أن لا يزال قوله: فَرَضَ على معنى الإيجاب، إلا بدليل الإجماع، وذلك معدوم في هذا الموضع، وقد فَهِمَ المسلمون من قوله : ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١١]، ونحو ذلك أنه شيء أوجبه، وقدّره، وقضى به، وقال الجميع للشيء الذي أوجبه الله: هذا فرض، وما أوجبه رسول الله ﷺ ، فعن الله أوجبه، وقد فرض الله طاعته، وحذر مخالفته،
стр. 10995
ففَرْضُ الله، وفَرْضُ رسوله سواء، إلا أن يقوم الدليل على الفرق بين شيء من ذلك، فيسلّم للدليل الذي لا مدفع فيه.
قال: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجبٌ أيضاً؛ لأنّ القول بانها غير واجبة شذوذ، أو ضرب من الشذوذ.
قال: ولعلّ جاهلاً يقول: إن زكاة الفطر لو كانت فريضة، لكُفِّرَ من قال: إنها ليست بفرض، كما لو قال في زكاة المال المفروضة، أو في الصلاة المفروضة: إنها ليست بفرض، كُفِّرَ.
فالجواب عن هذا ومثله أنّ ما ثبت فرضه من جهة الإجماع الذي يَقطَعُ العذر، كُفِّرَ دافعه؛ لأنه لا عذر له فيه. وكلّ فرض ثبت بدليل، لم يُكَفَّر صاحبه، ولكنّه يُجَهَّل، ويُخطَّأُ، فإن تمادى بعد البيان له هُجِر، وإن لم يُبئن له عُذِر بالتأويل، ألا ترى أنه قد قام الدليل الواضح على تحريم المسكر، ولسنا نُكَفَّر من قال بتحليله، وقد قام الدليل على تحريم نكاح المتعة، ونكاح السّرّ، والصلاة بغير قراءة، وبيع الدرهم بالدرهمين يدأ بيد … إلى أشياء يطول ذكرها من فرائض الصلاة، والزكاة، والحجّ، وسائر الأحكام، ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليل شيء من ذلك؟ لأن الدليل في ذلك يوجب العمل، ولا يَقطع العذر، والأمر في هذا واضح لمن فهم. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ كلام نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن الحقّ ما عليه جمهور أهل العلم، من أن صدقة الفطر فريضة، كفرض زكاة المال، وغيرها من فرائض الله تعالى، ولا ينافي هذا تفاوت درجات فرضيّتها فيما بينها، فإن الفرائض تختلف، فمنها ما يُكفّر جاحده، ومنها ما ليس كذلك، كما بيّنه رحمه الله تعالى آنفاً، ولكن يجمع الكلّ كونها مما فرضه الله تعالى، يجب اعتقاده، والعمل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): لم يُقَيَّد في الحديث افتراض زكاة الفطر باليسار،