← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

تكون في الحديث، وإنما يصحّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، مثل ما رَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر هذا الحديث، قال: وزاد مالكٌ في هذا الحديث: "من المسلمين". قال: وقد رَوَى أيوب السختيانيّ، وعُبيد الله بن عُمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عُمر، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. وتبعه على ذلك ابن الصلاح في "علوم الحديث". قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ولم ينفرد مالك بقوله: "من المسلمين"، بل قد رواه جماعة ممن يُعتمد على حفظهم، واختُلف على بعضهم في زيادتها، وهم عشرة، أو أكثر (١)، منهم: عمر بن نافع، والضحّاك بن عثمان، وكَثِير بن فَرْقَد، والمعلّى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخوه عُبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، على اختلاف عنهما في زيادتها. فأما رواية عمر بن نافع، عن أبيه، فأخرجها البخاريّ في "صحيحه". وأما رواية الضحّاك بن عثمان، فأخرجها مسلم في "صحيحه". وأما رواية كثير بن فَرْقَد، فرواها الدارقطنيّ في "سننه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: إنه صحيح على شرطهما. وأما رواية المعلّى بن إسماعيل، فرواها ابن حبّان في "صحيحه"، والدارقطنيّ في "سننه". وأما رواية يونس بن يزيد، فرواها الطحاويّ في "بيان المشكل". وأما رواية ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخيه عبيد الله بن عمر التي أتى فيها بزيادة قوله: "من المسلمين"، فرواها الدارقطنيّ في "سننه". وأما رواية أيوب السختيانيّ، فذكرها الدارقطنيّ في "سننه"، وأنها رُويت عن ابن شَوْذَب، عن أيوب، عن نافع. انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى. وقال الحافظ في "الفتح": قال ابن عبد البرّ: لم يَختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أن قتيبة بن سعيد، رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو

стр. 10992

قلابة الرقَاشِيّ، ومحمد بن وضّاح، وابن الصلاح، ومن تبعه أن مالكاَ تفرّد بها، دون أصحاب نافع. وهو متعقّبٌ برواية عمر بن نافع المذكورة في "صحيح البخاريّ". وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق الضحّاك بن عثمان، عن نافع بهذه الزيادة. وقال أبو عوانة في "صحيحه": لم يقل فيه: "من المسلمين" غير مالك، والضحّاك. ورواية عمر بن نافع تردّ عليه أيضاً. وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك، وعمر بن نافع: رواه عبد الله العمريّ، عن نافع، فقال: "على كلّ مسلم". ورواه سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحِيّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، فقال فيه: "من المسلمين". والمشهور عن عبيد الله، ليس فيه "من المسلمين". انتهى. وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق سعيد بن عبد الرحمن المذكورة. وأخرج الدارقطنيّ، وابن الجارود من طريق عبد الله العمريّ. وقال الترمذيّ في "الجامع" بعد رواية مالك: رواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وقال في "العلل" التي في آخر "الجامع": روى أيوب، وعُبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث عن نافع، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. انتهى. وهذه العبارة أولى من عبارته الأولى، ولكن لا يُدرى مَن عَنَى بذلك. وقال النوويّ في "شرح مسلم": رواه ثقتان غير مالك: عمر بن نافع، والضحّاك. انتهى. قال الحافظ: وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما، منهم: كثير بن فَرْقَد، عند الطحاويّ، والدارقطنيّ، والحاكم. ويونسُ بن يزيد عند الطحاويّ. والْمُعَلَّى بن إسماعيل عند ابن حبّان في "صحيحه". وابنُ أبي ليلى عند الدارقطنيّ، أخرجه من طريق عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، وعبيدِ الله بنِ عمر، كلاهما عن نافع. وهذه الطريق تردّ على أبي داود في إشارته إلى أنّ سعيد بن عبد الرحمن تفرّد بها عن عبيد الله بن عمر، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله. وقد اختُلف فيه على أيوب أيضاً، كما اختُلف على عبيد الله بن عمر،

стр. 10993

فذكر ابن عبد البرّ أن أحمد بن خالد ذكر عن بعض شيوخه، عن يوسف القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد، عن أيوب، فذكر فيه "من المسلمين". قال ابن عبد البرّ: وهو خطأٌ، والمحفوظ فيه عن أيوب ليس فيه "من المسلمين". انتهى. وقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عبد الله بن شَوْذَب، عن أيوب، وقال فيه أيضاً: "من المسلمين". قال الحافظ: وذكر شيخنا سراج الدين ابن الملَقّن في "شرحه" تبعاً لمغلطاي أن البيهقيّ أخرجه من طريق أيوب بن موسى، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد، ثلاثتهم، عن نافع، وفيه الزيادة. وقد تتبعّتُ تصانيف البيهقيّ، فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة. وفي الجملة ليس فيمن رَوَى هذه الزيادة أحدٌ مثلُ مالك؛ لأنه لم يُتّفق على أيوب، وعبيد الله في زيادتها، وليس في الباقين مثل يونس، لكن في الراوي عنه، وهو يحيى بن أيوب مقال. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال الحفّاظ أن القول بأن مالكاً ﵀ تفرّد بزيادة "من المسلمين" غير صحيح، فقد تابعه جماعة من الرواة الذين تقدم ذكرهم آنفاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم صدقة الفطر: قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمع عوامّ أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وقال إسحاق -يعني ابن راهويه - هو كالإجماع من أهل العلم، وقال الخطّابيّ: قال به عامّة أهل العلم. وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: فأما قوله في حديث ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ … " فمعناه عند أكثر أهل العلم: أوجب رسول الله ﷺ ، وما أوجبه رسول الله ﷺ ، فبأمر الله أوجبه، وما كان لينطق عن الهوى، فأجمعوا على أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر، ثم اختلفوا في نسخها. فقالت فرقةٌ: هي منسوخة بالزكاة، ورووا عن قيس بن سعد بن عُبَادة: أن رسول الله ﷺ كان يأمر بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا

стр. 10994

بها، ولم ينهنا عنها، ونحن نفعله (١). وقال جمهور من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم: هي فرضٌ واجبٌ على حسب ما فرضها رسول الله ﷺ ، لم ينسخها شيء. وممن قال بهذا: مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه. قال إسحاق: هو الإجماعُ. وقال أشهب: سألت مالكاً عن زكاة الفطر، أواجبة هي؟ قال: نعم. وذكر أبو التَمَّام، قال: قال مالك: زكاة الفطر واجبة. قال: وبه قال أهل العلم كلّهم إلا بعض أهل العراق، فإنه قال: هي سنّة مؤكّدةٌ. قال أبو عمر: اختلف المتأخّرون من أصحاب مالك في وجوبها، فقال بعضهم: هي سنّةٌ مؤكّدة. وقال بعضهم: هي فرضٌ واجبٌ. وممن ذهب إلى هذا أصبغ بن الفَرَج. واختلف أصحاب داود في ذلك على قولين أيضاً: أحدهما: أنها فرض واجبٌ. والآخر أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ. وسائر العلماء على أنها واجبةٌ. انتهى كلام ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (٢). وقال في "التمهيد": وأما قول ابن عمر في هذا الحديث: "فرضَ إلخ" فإنه يحتمل وجهين: أحدهما -وهو الأظهر- فرض بمعنى أوجب، والآخر فرض بمعنى قدّر من المقدار، كما تقول: فرض القاضي نفقة اليتيم؛ أي: قدّرها، وعرف مقدارها. والذي أذهبُ إليه أن لا يزال قوله: فَرَضَ على معنى الإيجاب، إلا بدليل الإجماع، وذلك معدوم في هذا الموضع، وقد فَهِمَ المسلمون من قوله : ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١١]، ونحو ذلك أنه شيء أوجبه، وقدّره، وقضى به، وقال الجميع للشيء الذي أوجبه الله: هذا فرض، وما أوجبه رسول الله ﷺ ، فعن الله أوجبه، وقد فرض الله طاعته، وحذر مخالفته،

стр. 10995

ففَرْضُ الله، وفَرْضُ رسوله سواء، إلا أن يقوم الدليل على الفرق بين شيء من ذلك، فيسلّم للدليل الذي لا مدفع فيه. قال: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجبٌ أيضاً؛ لأنّ القول بانها غير واجبة شذوذ، أو ضرب من الشذوذ. قال: ولعلّ جاهلاً يقول: إن زكاة الفطر لو كانت فريضة، لكُفِّرَ من قال: إنها ليست بفرض، كما لو قال في زكاة المال المفروضة، أو في الصلاة المفروضة: إنها ليست بفرض، كُفِّرَ. فالجواب عن هذا ومثله أنّ ما ثبت فرضه من جهة الإجماع الذي يَقطَعُ العذر، كُفِّرَ دافعه؛ لأنه لا عذر له فيه. وكلّ فرض ثبت بدليل، لم يُكَفَّر صاحبه، ولكنّه يُجَهَّل، ويُخطَّأُ، فإن تمادى بعد البيان له هُجِر، وإن لم يُبئن له عُذِر بالتأويل، ألا ترى أنه قد قام الدليل الواضح على تحريم المسكر، ولسنا نُكَفَّر من قال بتحليله، وقد قام الدليل على تحريم نكاح المتعة، ونكاح السّرّ، والصلاة بغير قراءة، وبيع الدرهم بالدرهمين يدأ بيد … إلى أشياء يطول ذكرها من فرائض الصلاة، والزكاة، والحجّ، وسائر الأحكام، ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليل شيء من ذلك؟ لأن الدليل في ذلك يوجب العمل، ولا يَقطع العذر، والأمر في هذا واضح لمن فهم. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البرّ ﵀ كلام نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن الحقّ ما عليه جمهور أهل العلم، من أن صدقة الفطر فريضة، كفرض زكاة المال، وغيرها من فرائض الله تعالى، ولا ينافي هذا تفاوت درجات فرضيّتها فيما بينها، فإن الفرائض تختلف، فمنها ما يُكفّر جاحده، ومنها ما ليس كذلك، كما بيّنه رحمه الله تعالى آنفاً، ولكن يجمع الكلّ كونها مما فرضه الله تعالى، يجب اعتقاده، والعمل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): لم يُقَيَّد في الحديث افتراض زكاة الفطر باليسار،

стр. 10996

لكن لا بدّ من القدرة على ذلك؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، وقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا شيء على من لا شيء له. انتهى. واختَلَف العلماء في ضابط ذلك، فذكر الشافعيّة، والحنابلة أنّ ضابط ذلك أن يملك فاضلاً عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد، ويومه ما يؤدي في زكاة الفطر، وحكاه العبدريّ عن أبي هريرة، وعطاء، والشعبيّ، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور. انتهى. وغاير ابن المنذر في ذلك بين مذهبي مالك، والشافعيّ، فقال: كان أبو هريرة يراه على الغنيّ، والفقير، وبه قال أبو العالية، والشعبيّ، وعطاء، وابن سيرين، ومالك، وأبو ثور، وقال ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد: إذا فضل عن قوت المرء، وقوت من يجب عليه أن يقوته مقدارُ زكاة الفطر، فعليه أن يؤدّي. انتهى. قال وليّ الدين: وما حكاه ابن المنذر أقرب إلى مذهب مالك، فإن ابن شاس قال في "الجواهر": لا زكاة على معسر، وهو الذي لا يفضل له عن قوت يومه صاع، ولا وجد من يُسلفه إيّاه. انتهى. فقوله: ولا من يُسلفه إياه لا يُوافق عليه الشافعيّ، وأحمد، ثم قال ابن شاس: وقيل: هو الذي يُجحِف به في معاشه إخراجها. وقيل: من يَحلّ له أخذها، ثم قيل فيمن يحلّ له أخذها: إنه الذي يحلّ له أخذ الزكاة. وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها في يومه ذلك. انتهى. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك نصاباً من الذهب أو الفضّة، أو ما قيمته قيمة نصاب، فاضلاً عن مسكنه، وأثاثه الذي لا بدّ منه. قال العبدريّ: ولا يُحفَظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه قال: من كان له خمسون درهماً فهو غنيّ، وإلا فهو فقير. قال: وقال غيره: أربعون درهماً. انتهى. وفي "مسند أحمد" عن أبي هريرة ﵁ في زكاة الفطر: "على كلّ حرّ، وعبد، ذكرٍ، وأنثى، صغير، أو كبير، فقير، أو غنيّ، صاع من تمر، أو نصف

стр. 10997

صاع من قَمْحٍ" (١)، قال معمر: وبلغني أن الزهريّ كان يرويه إلى النبيّ ﷺ . وروى الدارقطنيّ عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَير، عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ قال: "أدّوا صاعاً من قَمح، أو قال: برّ، عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ والمملوك، والغنيّ والفقير، أما غنيّكم، فيزكّيه الله، وأما فقيركم، فيردّ عليه أكثر مما أعطى" (٢). ومال ابن العربيّ المالكيّ إلى مقالة أبي حنيفة في ذلك، فقال: والمسألة له قوئة، فإن الفقير لا زكاة عليه، ولا أمر النبيّ ﷺ بأخذها منه، وإنما أمر بإعطائها له، وحديث ثعلبة لا يُعارض الأحاديث الصحاح، ولا الأصول القويّة، وقد قال: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول"، وإذا لم يكن هذا غنيًّا، فلا تلزمه الصدقة. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: وهو ضعيف، وليس التمسّك في ذلك بحديث ثعلبة، وإنما التمسّك بالعموم الذي في قوله: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس"، وقد ذكر هو في أول كلامه: إلا أنا اعتبرنا القدرة على الصاع؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، فأخرجنا عن ذلك العاجز عنه، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (٣). وقال الشوكانيّ ﵀ في "النيل": قد اختُلف في القدر الذي يُعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة، فقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنه يُعتبر أن يكون المخرج غنيًّا غنى شرعيًّا، واستُدلّ لهم بقوله ﷺ : "إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، أخرجه أحمد، من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعاً، وبالقياس على زكاة المال. ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، كما أخرجه أبو داود. انتهى. وأخرجه البخاريّ أيضاً بهذا اللفظ، وهو مشعر بان النفي في رواية أحمد

стр. 10998

للكمال، لا للحقيقة، فالمعنى: لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى. قال الشوكانيّ: وأما الاستدلال بالقياس، فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ إذ وجوب الفطرة متعلّق بالأبدان، والزكاة بالأموال. وقال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً لقوت يوم وليلة؛ لما روي أنه طهرة للصائم، ولا فرق بين الغنيّ، والفقير في ذلك، ويؤيّد ذلك ما روي من تفسيره ﷺ من لا يحلّ له السؤال بمن يملك ما يُغدّيه، ويعشّيه، وهذا هو الحقّ؛ لأن النصوص أطلقت، ولم تخصّ غنيًّا، ولا فقيراً، ولا مجالَ للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاً له، ولا سيّما والعلّة التي شُرعت لها الفطرة موجودةٌ في الغنيّ والفقير، وهي التطهّر من اللغو، والرفث، واعتبار كونه واجداً لقوت يوم وليلة أمرٌ لا بدّ منه؛ لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم، كما أخرجه البيهقيّ، والدارقطنيّ، عن ابن عمر ﵄، مرفوعاً، وفيه: "أغنوهم في هذا اليوم". وفي رواية للبيهقيّ: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم". وأخرجه أيضاً ابن سعد في "الطبقات" من حديث عائشة، وأبي سعيد ﵄، فلو لم يُعتبر في حقّ المخرِج ذلك لكان ممن أُمرنا بإغنائه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة، وإغناء غيره. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ ﵀ كلام حسنٌ جدًّا. والحاصل أنّ ما ذهب إليه الجمهور من وجوبها على الفقير؛ إذا كان له ما يفضل عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته في ذلك اليوم هو الصواب؛ لعموم قوله ﷺ : "على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر، أو أنثى، صغير، أو كبير". فالفقير داخل في جملة هؤلاء، فيلزمه ما يلزمهم، إلا إذا أتى نصّ صريحٌ يُخرجه من العموم، ولم يوجد ذلك، وأما كونه لا يلزمه شيء إذا لم يفضل عن قوت يومه شيء، فبالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في إيجاب زكاة الفطر على المملوك: استدلّ بظاهر حديث الباب داود بن عليّ الظاهريّ على وجوب إخراج

стр. 10999

العبد صدقة الفطر عن نفسه، قال وليّ الدين العراقيّ: لا نعلم أحداً قال به سواه، ولم يتابعه على ذلك ابن حزم، ولا أحد من أصحابه، ويبطله قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقةٌ، إلا صدقة الفطر في الرقيق"، والاستثناء في "صحيح مسلم" بلفظ: "إلا صدقة الفطر"، وذلك يقتضي أن زكاة الفطر ليست على العبد نفسِهِ، وإنما هي على سيّده. قال ابن المنذر: أجمع عوامّ أهل العلم على أنّ على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر، غير المكاتب، والعبد المغصوب، والآبق، والعبد المشترى للتجارة، وقال ابن قُدامة: لا نعلم فيه خلافاً. انتهى. قال الجامع عفا الثه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، فتجب زكاة الفطر على السيّد عن عبده؛ لصحّة الحديث المتقدّم، وما استدلّ به داود من عموم حديث الباب يُقَدّم عليه خصوص هذا الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنهم اختلفوا في أشياء، من مسألة وجوب زكاة الفطر على السيّد عن عبده، أشار ابن المنذر ﵀ في عبارته السابقة إلى بعضها، فلنذكرها: (فمنها): العبد الغائب، فمذهب الشافعيّ وجوب فطرته، وإن لم تُعلم حياته، بل انقطع خبره، ولم يكن في طاعته، بل كان آبقاً، ولم يكن في يده، بل كان مغصوباً، ولم يعرف موضعه، بل كان ضالًّا، ويجب إخراجها عن هؤلاء في الحال، وفي هذه الصور خلاف ضعيف عندهم، وكذلك مذهب أحمد، إلا في منقطع الخبر، فإنه لم يوجب فطرته، لكنه قال: لو علم بذلك حياته لزمه الإخراج لما مضى، ولم يوجب أبو حنيفة زكاة الآبق، والأسير، والمغصوب المجحود، وعنه رواية بوجوب زكاة الآبق، وفصّل مالك، فأوجب في كلّ من المغصوب، والآبق الزكاة؛ إذا كانت غيبته قريبة، وهو يُرجَى حياته، ورجعته، فإن بعدت غيبته، وأُيس منه سقطت الزكاة عن سيّده. قال ابن المنذر: أكثر من يُحفظ عنه من أهل العلم يرون أن تؤدّى زكاة الفطر عن الرقيق غائبهم، وحاضرهم، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، والكوفيين، وكان ابن عمر يُخرج عن غلمانه الذين بوادي القرى وخيبر.

стр. 11000

قال الجامع عفا الله عنه: هذا المذهب هو الحقّ عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم. ثم حَكَى ابن المنذر الخلاف عن الآبق، فحكى عن الشافعيّ، وأبي ثور وجوبها، دمان لم يعلم مكانه. وعن الزهريّ، وأحمد، وإسحاق وجوبها إذا عُلم مكانه، وعن الأوزاعيّ وجوبها إذا كان في دار الإسلام، وعن عطاء، والثوريّ، وأصحاب الرأي عدم وجوبها، وعن مالك وجوبها إذا كانت غيبة قريبة ترجى رجعته، فهذه خمسة أقوال. (ومنها): المكاتب، فذهب عطاء، ومالك في المشهور عنه، والشافعيّ في قول، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أنها تجب على سيّده. قال الجامع عفا الله عنه: هذا المذهب هو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ، والله تعالى أعلم. وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ في أصح الأقوال عنه، إلى أنها لا تجب عليه، ولا على سيّده. وذهب أحمد، وهو أحد الأقوال للشافعيّ إلى أنها تجب عليه في كسبه، كنفقته. وذهب إسحاق ابن راهويه إلى أن سيّده يعطي عنه إن كان في عياله، وإلا فلا، حكاه ابن المنذر عن إسحاق. وذهب ابن حزم إلى أنّ السيّد يخرج عنه إن لم يؤدّ شيئاً من كتابته، فإن أدّى شيئاً من كتابته، وإن قلّ فهي عليه. (ومنها): العبد المشترى للتجارة، فالجمهور على أنّه يجب على السيّد فطرته كغيره؛ لعموم الحديث، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والليث بن سعد، والأوزاعيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن المنذر، وأهل الظاهر. قلت: وهو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ. وقال أبو حنيفة: لا تجب فطرته؛ لوجوب زكاة التجارة فيه. وحكي عن عطاء، والنخعيّ، والثوريّ. والله تعالى أعلم. (ومنها): العبد المشترك بين اثنين، والجمهور أن الفطرة عليهما، وهو الحقّ. والعبد المرهون، والجمهور على أن الزكاة على مولاه، وهو الحقّ. وقد اختلفوا في أنواع من العبيد غير هؤلاء، كالعبد الموصى برقبته

стр. 11001

لشخص، وبمنفعته لآخر. وعبد بيت المال، والموقوف على مسجد. والعبد العامل في ماشية، أو حائط. وقد فصّل الأقوال في الجميع الحافظُ وليّ الدين العراقيّ ﵀ في "طرح التثريب"، فراجعه تستفد (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في أنّ إخراج زكاة الفطر عن الأنثى على من هو؟: ذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوريّ، وابن المنذر، وداود، وابن حزم، وابن الأشرس من المالكيّة إلى أن على المرأة إخراجَ زكاة الفطر من مال نفسها، سواء كانت متزوّجة، أم غير متزوّجة؛ عملاً بظاهر النصّ. وذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والليث بن سعد إلى أن المتزوّجة تجب فطرتها على زوجها، وفي معناها الرجعيّة، والبائن، إن كانت حاملاً، دون ما إذا كانت حاملاً، فلو نشزت وقت الوجوب سقطت فطرتها عن الزوج. وقال أبو الخطّاب الحنبليّ: لا تسقط. فلو كان الزوج معسراً، فالأصحّ في مذهب الشافعيّ أنه إن كانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على سيّدها، وإن كانت حرّة لم يجب عليها شيء، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ. وفرّقوا بينهما بكمال تسليم الحرّة نفسها، بخلاف الأمة. وأوجبت الحنابلة على الحرّة فطرة نفسها في هذه الصورة. وتمسّك هؤلاء الذين أوجبوها على الزوج بالقياس على النفقة، واستأنسوا بما رُوي عن ابن عمر ﵄ قال: "أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر عن الصغير، والكبير، والحرّ، والعبد، ممن تمونون"، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وقال: إسناده غير قويّ، ورواه البيهقيّ أيضاً من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً، وفي رواية عن عليّ ﵁، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً أيضاً، قال النوويّ في "شرح المهذّب": الحاصل أن هذه اللفظة: "ممن تمونون" ليست بثابتة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن

стр. 11002

إخراج زكاة الفطر على المرأة في مالها، لا على الزوج، هو الصواب؛ لأن الوجوب عليها بنصّ الحديث، فلا يجب الإخراج على غيرها، وهو الزوج، وحجة من أوجب على الزوج هو القياس على النفقة، والقياس في مقابلة النصّ غير صحيح، ومن حجتهم أيضاً الحديث المذكور، وقد عرفت أنه لا يثبت، فلا يصلح للاحتجاج به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في إخراج زكاة الفطر عن الصغير الذي لم يبلغ، هل هي في ماله، إن كان له مالٌ، أو هي على أبيه؟: ذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والجمهور إلى أنها في ماله، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مالٌ، فعلى من عليه نفقته، من أبٍ وغيره. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، ولو كان للصغيًر مالٌ. وقال ابن حزم: هي في مال الصغير، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له شيء سقطت عنه، ولا تجب على أبيه. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على خلافه. وقال ابن العربيّ: لا خلاف بين الناس أن الابن الصغير إذا كان له مالٌ أن زكاة الفطر تُخرج من ماله. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون من أنها تجب في مال الصبيّ، إن كان له مالٌ، وإلا فعلى من تلزمه نفقته هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم. وقال الشافعيّة: لا يختصّ ذلك بالصغير، بل متى وجبت نفقة الكبير بزمانه، ونحوها، وجبت فطرته، فلو كان الابن الكبير في نفقة أبيه، فوجد قُوْتَه ليلة العيد ويومه لم تجب فطرته على الأب؛ لسقوط نفقته عنه في وقت الوجوب، ولا على الابن؛ لإعساره، وكذا الابن الصغير؛ إذا كان كذلك في الأصحّ. وحكوا عن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ أنها لا تجب إلا على من صلّى، وصام. وعن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنها لا تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة. قال الماورديّ: وبمذهبنا قال سائر الصحابة، والتابعين، وجميع الفقهاء. انتهى. ذكره وليّ الدين (١).

стр. 11003

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحكاية المذكورة عن عليّ، وابن المسيّب، والحسن ما أظنها تصحّ، وإن صحّت فلا يُلتفت إليها؛ حيث إنها تصادم صريح النصّ عن رسول الله ﷺ ، بقوله: "على الكبير والصغير" من غير فرق بين من أطاق الصوم والصلاة، ومن لم يطق، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من أغرب ما ذكره ابن حزم في هذه المسألة أنه قال: تجب زكاة الفطر على الجنين، مستدلًّا بذكر الصغير في هذا الحديث، وقال: الجنين يقع عليه اسم صغير، ثم استدلّ بحديث ابن مسعود ﵁ في "الصحيحين": يُجمَع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً … وفيه: ثم ينفخ فيه الروح … الحديث. ثم قال: هو قبل ما ذكرنا موات، فلا حكم على ميت، وأما إذا كان حيًّا، فكلّ حكم وجب على الصغير، فهو واجب عليه، ثم ذكر من رواية بكر بن عبد الله المزنيّ، وقتادة أن عثمان ﵁ كان يُعطي صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أُمّه. وعن أبي قلابة، قال: كان يعجبهم أن يُعطوا زكاة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمّه. قال: وأبو قلابة أدرك الصحابة، وصحبهم، ورَوَى عنهم. وعن سليمان بن يسار أنه سئل عن الحمل؛ أيُزكَّى عنه؟ قال: نعم. قال: ولا يُعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة. انتهى. فتعقّبه الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ" - وأصاب في ذلك - فقال: إنّ استدلالة بما استدلّ به على وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أُمّه في غاية العجب: أما قوله: "على الصغير، والكبير"، فلا يَفهَم عاقلٌ منه إلا الموجودين في الدنيا، أما المعدوم، فلا نعلم أحداً أوجب عليه. وأما حديث ابن مسعود، فلا يَطّلع على ما في الرحم إلا الله، كما قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وربما يُظنّ حملها، وليس بحمل، وقد قال إمام الحرمين: لا خلاف في أنّ الحمل لا يُعلم، وإنما الخلاف في أنه يعامل معاملة المعلوم، بمعنى أنه يؤخّر له ميراث؛ لاحتمال وجوده، ولم

стр. 11004

يختلف العلماء في أنّ الحمل لا يملك شيئاً في بطن أمّه، ولا يُحكم على المعدوم حتى يظهر وجوده. قال: وأما استدلاله بما ذكر عن عثمان وغيره، فلا حجّة فيه؛ لأن أثر عثمان منقطع، فإن بكراً، وقتادة روايتهما عن عثمان مرسلةٌ، والعجب أنه لا يحتجّ بالموقوفات، ولو كانت صحيحة متّصلة. وأما أثر أبي قلابة فَمَنِ الذين يُعجبهم ذلك؟، وهو لو سمّى جمعاً من الصحابة لما كان ذلك حجّة. وأما سليمان بن يسار، فلم يثبت عنه، فإنه من رواية رجل لم يُسمّ، عنه، فلم يثبت فيه خلاف لأحد من أهل العلم، بل قول أبي قلابة: "كان يُعجبهم" ظاهر في عدم وجوبه، ومن تبرعّ بصدقة عن حمل، رجاء حفظه، وسلامته، فليس عليه فيه بأس. وقد نُقِلَ الاتفاقُ على عدم الوجوب قبل مخالفة ابن حزم، فقال ابن المنذر: ذَكَرَ كلُّ من يُحفظ عنه العلم، من علماء الأمصار أنه لا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمّه، وممن حُفظ ذلك عنه: عطاء بن أبي رباحٍ، ومالكٌ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يستحبّ ذلك، ولا يوجبه، ولا يصحّ عن عثمان خلاف ما قلناه. انتهى. وعن أحمد بن حنبل رواية أخرى بوجوب إخراجها عن الجنين (١). وقال ابن عبد البرّ فيمن وُلد له مولود بعد يوم الفطر: لم يختلف قول مالك أنه لا يلزم فيه شيء، قال: وهذا إجماع منه، ومن سائر العلماء، ثم أشار إلى أن ما ذُكر عن مالك، وغيره من الإخراج عمن وُلد في بقيّة يوم الفطر محمول على الاستحباب. وكذا ما حكاه عن الليث فيمن وُلد له مولود بعد صلاة الفطر أن على أبيه زكاة الفطر عنه، قال: وأُحِبّ ذلك للنصرانيّ يُسلم ذلك الوقت، ولا أراه واجباً عليه. قال الحافظ العراقيّ: فقد صرّح الليث فيه بعدم الوجوب، ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيداً؛ لأنه يمتدّ وقت إخراجها إلى آخر يوم الفطر، قياساً على الصلاة، يُدرَك وقت أدائها.

стр. 11005

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: يمتدّ وقت إخراجها قياساً إلخ نظر لا يخفى؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات"، رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن، وهو ظاهر في كون ما بعد الصلاة ليس وقتاً لها، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار. فشْبّه. والله تعالى أعلم. قال: ومع كون ابن حزم قد خالف الإجماع في وجوبها على الجنين، فقد تناقض كلامه، فقال: إن الصغير لا يجب على أبيه زكاة الفطر عنه، إلا أن يكون له مالٌ، فيُخرج عنه من ماله، فإن لم يكن له مالٌ لم يجب عليه حينئذ، ولا بعد ذلك، فكيف لا يوجب زكاته على أبيه، والولد حيّ موجود، ويوجبها، وهو معدوم، لم يوجد؟. فإن قلت: يُحمل كلامه على إذا كان للحمل مالٌ. قلت: كيف يمكن أن يكون له مالٌ، وهو لا يصحّ تمليكه، ولو مات من يرثه الحمل لم نملّكه، وهو جنين، فلا يوصف بالملك إلا بعد أن يولد، وكذلك النفقة الصحيح أنها تجب للأمّ الحامل، لا للحمل، ولو كانت للحمل لسقطت بمضيّ الزمان، كنفقة القريب، وهي لا تسقط. انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب زكاة الفطر على الكافر: [اعلم]: أن زيادة "من المسلمين" في حديث الباب تدلّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر، عن نفسه، وهو متّفقٌ عليه، وهل يُخرجها عن غيره، كمستولدته المسلمة مثلاً؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعيّة، ورواية عن أحمد، وهل يُخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور: لا، خلافاً لعطاء، والنخعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وإسحاق، واستدلُّوا بعموم قوله: "ليس على المسلم في عبده صدقةٌ، إلا صدقة الفطر".

стр. 11006

وأجاب الآخرون بأن الخاصّ يقضي على العامّ، فعموم قوله: "في عبده" مخصوصٌ بقوله: "من المسلمين". وقال الطحاويّ: قوله: "من المسلمين" صفةٌ للمخرجِين، لا للمخرَجِ عنهم. وظاهر الحديث يأباه؛ لأن فيه العبد، والصغير في رواية عمر بن نافع، وهما ممن يُخرَجُ عنه، فدلّ على أنّ صفة الإسلام لا تختصّ بالمخرِجِين. ويؤيّده رواية الضّحّاك عند مسلم، بلفظ: "على كلّ نفسٍ، من المسلمين، حرًّ، أو عبدٍ … " الحديث. وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة، ومن تجب عليه، ولم يقصد فيه بيان من يُخرجها عن نفسه، ممن يُخرجها عن غيره، بل شمل الجميع. ويؤيّده حديث أبي سعيد الآتي (١)، فإنه دالّ على أنهم كانوا يُخرجون عن أنفسهم، وعن غيرهم؛ لقوله فيه: "عن كلّ صغير، وكبير". لكن لا بدّ من أن يكون بين المخرِج، وبين الغير ملابسةٌ، كما بين الصغير ووليّه، والعبد وسيّده، والمرأة وزوجها. وقال الطيبيّ: قوله: "من المسلمين" حال من العبد، وما عُطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضادّ؛ للاستيعاب، لا للتخصيص، فيكون المعنى: فرض على جميع الناس، من المسلمين. وأما كونها فيم وجبت، وعلى من وجبت؟ فيُعلم من نصوص أخرى. انتهى. ونقل ابن المنذر أن بعضهم احتجّ بما أخرجه من حديث ابن إسحاق:

стр. 11007

"حدثني نافع أنّ ابن عمر كان يُخرج عن أهل بيته، حرِّهم، وعبدِهم، صغيرِهم، وكبيرهم، مسلمهم، وكافرهم، من الرقيق". قال: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث. وتعقّب بأنه لو صحّ حُمِل على أنه كان يخرج عنهم تطوّعاً، ولا مانع منه. واستُدلّ بعموم قوله: "من المسلمين" على تناولها لأهل البادية -وهو الحقّ-، خلافاً للزهريّ، وربيعة، والليث في قولهم: إنّ زكاة الفطر تختصّ بالحاضرة. ذكره في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر هو الأرجح عندي؛ عملاً بالحديثين، فيُخصَّصُ عموم قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر" بقوله ﷺ : "من المسلمين" في حديث الباب، فالعمل بهما متعيّنٌ بالوجه المذكور، وإلا أدّى إلى إلغاء أحد النصّين، مع إمكان العمل بهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في مقدار المخرَج في زكاة الفطر: ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف إلى أن الواجب إخراجه في زكاة الفطر صاع، من أيّ جنس أُخرج. وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ، وأبي العالية، وجابر بن زيد، وإسحاق ابن راهويه. قال ابن قُدامة: وروي عن أبي سعيد الخدريّ. انتهى. وقال أبو حنيفة: إنما يُخرِج صاعاً؛ إذا أَخرج تمراً، أو شعيراً، فأما إذا أخرج قَمْحاً، أو دقيقه، أو سويقه، فالواجب نصف صاع، وعنه في الزبيب روايتان: أشهرهما عنه أنه مثل القَمْح، فيُخرج منه نصف صاع. والثانية: أنه كالشعير، فيخرج منه صاعاً، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وأكثر أهل الكوفة، غير أبي حنيفة. قال: وروينا عن جماعة من الصحابة، والتابعين أنه يجزئ نصف صاع من البرّ، روينا ذلك عن

стр. 11008

أبي بكر، وعثمان، وليس يثبت ذلك عنهما، وعن عليّ، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء. وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي قلابة، وعبد الله بن شدّاد، ومصعب بن سعد. واختُلف فيه عن عليّ، وابن عبّاس، والشعبيّ، فروي عن كلّ منهم القولان جميعاً. انتهى. قال وليّ الدين: وهو قول في مذهب مالك أنه يُجزئ من القمح نصف صاع. واحتجّ هؤلاء بما في "سنن أبي داود" عن ثعلبة بن أبي صُعير، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "صاع من قَمْح، على كلّ اثنين" (١). وعن ابن عبّاس ﵄: "فرض رسول الله ﷺ هذه الصدقة، صاعاً من تمر، أو شعير، أو نصف صاع قَمْح". وروى الترمذيّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ ﷺ بعث منادياً في فِجاج مكّة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كلّ مسلم، ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد، صغير، أو كبير، مدّان من قَمْحٍ، أو سواه صاعٌ من طعام. قال الترمذيّ: حسن غريبٌ (٢).

стр. 11009

واحتجّ الأوّلون بأن في بعض طرُق حديث ابن عمر: "صاعاً من بُرّ"، وهذه زيادة يجب الأخذ بها. وروي أيضاً من حديث عليّ، وزيد بن ثابت. وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدريّ ﵀: كنّا نعطيها في زمان رسول الله ﷺ صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السَّمْرَاء، قال: أرى مدًّا من هذا يعدل مدّين. قال ابن عبد البرّ: ولم يختلف مَن ذكر الطعام في هذا الحديث أنه أراد به الحنطة. وثبت في "الصحيحين" في حديث ابن عمر: "أمر النبيّ ﷺ بزكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعجل الناس عدله مدّين من حنطة". وهذا صريح في أنّ إخراج نصف صاع من القَمح لم يكن في زمن النبيّ ﷺ ، وإنما حدث بعده. وأجابوا عن أحاديث نصف الصاع من القمح بأنها لا تثبت عن النبيّ ﷺ . قاله ابن المنذر (١). وقال في "الفتح": وقال ابن المنذر أيضاً: لا نعلم في القَمْح خبراً ثابتاً عن النبيّ ﷺ ، يُعتَمد عليه، ولم يكن البرّ بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمّة، فغير جائز أن يُعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان، وعليّ، وأبي هريرة، وجابر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وأمّه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح. انتهى. وهذا مصيرٌ منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيّة. لكن حديث أبي سعيد دالّ على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة، خلافاً للطحاويّ. وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لَمّا كانت متساويةً في مقدار ما يخرج منها مع ما يُخالفها في القيمة دلّ على أنّ إخراج هذا المقدار من أيّ جنس كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجّة الشافعيّ. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير، فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كلّ زمان، فيختلف

стр. 11010

الحال، ولا ينضبط، وربّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصُعٍ من حنطة، ويدلّ على أنهم لحظوا ذلك ما رَوَى جعفر الفريابيّ في "كتاب صدقة الفطر" أن ابن عبّاس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيّن لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من برّ. قال: فلما جاء عليّ، ورأى رخص أسعارهم، قال: اجعلوها صاعاً من كلِّ. فدلّ على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأحوط أن يُخرج من الحنطة صاعاً، وإن أخرج نصف صاع تبعاً لما نُقل عن جلّ الصحابة، كما تقدّم، فلا مانع؛ لأنه اجتهاد منهم لم يصادم نصًّا صحيحاً؛ إذ لم يصحّ عن النبيّ ﷺ في صاع البر، ولا نصفه شيء يُعتمد عليه. وأما دعوى الإجماع من الصحابة على نصف صاع من برّ، كما زعمه الزيلعيّ وغيره فغير صحيح؛ لصحة مخالفة أبي سعيد الخدريّ، وابن عمر ﵃، فلا إجماع مع مخالفتهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ، أَوْ حُرًّ، صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.

стр. 11011

٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ رَمَضَانَ، عَلَى الْحُرَّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ"، قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ) فاعل "قال" ضمير ابن عمر ﵄.

стр. 11012

وقوله: (فَعَدَلَ النَّاسُ)؛ أي: جعلوه مثله، قال الفيّوميّ ﵀: وعِدْلُ الشيءِ بالكسر مثلُهُ من جنسه، أو مقدارِهِ، قال ابن فارس: والْعِدْلُ: الذي يُعادل في الوزن والقدر، وعَدْلُهُ بالفتح: ما يقوم مقامه من غير جِنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وهو مصدر في الأصل، يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عدْلاً، من باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائماً مقامه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. انتهى (١). قمال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المناسب هنا فتح العين؛ لأنه من غير الجنس، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: المراد بالناس هنا معاويةُ ﵁، ومن تبعه، فقد وقع التصريح به في حديث أيوب، عن نافع، أخرجه الحميديّ، في "مسنده"، عن سفيان بن عُيينة: حدّثنا أيوب، ولفظه: "صدقة الفطر صاع من شعير، أو صاع من تمر"، قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع برّ بصاع من شعير. وهكذا أخرجه ابن خُزيمة في "صحيحه" من وجه آخر عن سفيان، وهو المعتمد، وهو موافق لقول أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي بعد ثلاثة أحاديث، وهو أصرح منه. وأما ما وقع عند أبي داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، قال فيه: فلما كان عمر كثرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء، فقد حكم مسلم في "كتاب التمييز" على عبد العزيز فيه بالوَهَم، وأوضح الردّ عليه، وقال ابن عبد البرّ: قول ابن عُيينة عندي أولى. وزعم الطحاويّ أن الذي عدل عن ذلك عمر، ثم عثمان، وغيرهما، فأخرج عن يسار بن نُمير أن عمر قال له: إني أحلف لا أعطي قوماً، ثم يبدو لي، فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عنّي عشرة مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير. ومن طريق أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان، فقال: أدّوا زكاة الفطر مدّين من حنطة، وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى.

стр. 11013

وقوله: (بِهِ) متعلّق بـ "عَدَل"؛ أي: بما ذُكر من صاع تمر، أو صاع من شعير. وقوله: (نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) يعني أنهم جعلوا نصف صاع من برّ يقوم مقام صاع من تمر، أو شعَير، فيجزئ أداؤه عن صدقة الفطر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨١] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤٣) من رباعيّات الكتاب، فتنبّه. وقوله: (عَدْلَهُ) تقدّم أن المناسب هنا فتح العين المهملة؛ أي: جعلوه مثله. وقوله: (مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ) هو بمعنى قوله الماضي: "نصف صاع"؛ لأن الصاع أربعة أمداد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11014

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَى كُلَّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك المدنيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (الضَّحَّاكُ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد الحِزاميّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٣] (٩٨٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أوأبوأسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيةٌ، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٢ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.

стр. 11015

٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﵄، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا في الباب، وسيأتي شرح الحديث، ومسائله في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرًّ أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِراً، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ، أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ، تَعْدِلُ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَداً مَا عِشْتُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفَرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٤. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤٤) من رباعيّات الكتاب. ٢ - ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى القعنبيّ، كما أخرج له ابن ماجه، وداود عَلَّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى عياض، فمكيّ، والقعنبيّ، مدنيّ، ثم بصريّ.

стр. 11016

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) "إذ" ظرفيّة؛ أي: وقت كون النبيّ ﷺ فينا، وفي رواية للبخاريّ: "كنّا نعطيها في زمان النبيّ ﷺ "، وفي أخرى له أيضاً: "كنّا نُخرج في عهد النبيّ ﷺ ". قال الحافظ: هذا حكمه الرفع؛ لإضافته إلى زمنه ﷺ ، ففيه إشعار باطلاعه ﷺ على ذلك، وتقريرِهِ له، ولا سيّما في هذه الصورة التي توضع عنده، وتُجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها، وتفرقتها. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وإلى كون هذا ونحوه من المرفوع حكماً أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث" حيث قال: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي كَذَا أُمِرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى ثَالِثُهَا إِن كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي وفيه ردٌّ على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي سعيد ليس مسنداً؛ لأنه ليس فيه أن رسول الله ﷺ عَلِم بذلك، وأقرّه. ووجه الردّ أن ألفاظ الحديث تدلّ على أن ذلك كان معلوماً معروفاً على عهد رسول الله ﷺ ، ولا يخفى مثلُ ذلك على رسول الله ﷺ (١). (زَكَاةَ الْفِطْرِ) منصوب على المفعوليّة لـ "نُخرج"، وقوله: (عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ) متعلّق بـ "نُخرِج"، وقوله: (حُر أَوْ مَمْلُوكٍ) مجرور على البدليّة (صَاعماً مِنْ طَعَامٍ) قال السنديّ ﵀ في "حاشية ابن ماجه": يَحْتَمِل أن صاعاً من طعام أريد به صاع من الحنطة، فإن الطعام، وإن كان يعمّ الحنطة وغيرها لغةً، لكن

стр. 11017

اشتَهَرَ في العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيّده المقابلة بما بعده. ويَحْتَمِل أن يكون صاعاً من طعام مجملاً، ويكون ما بعده بياناً له، كانه بيّن أن الطعام الذي كانوا يعطون منه الصاع كان تمراً، وشعيراً، وأَقِطاً، لا حنطةً، ويؤيّده ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد ﵁: "كنّا نُخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر، صاعاً من طعام، وكان طعامنا يومئذ الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر"، وكذا ما رواه ابن خُزيمة عن ابن عمر ﵄، قال: "لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة"، فينبغي أن يتعيّن الحمل على هذا المعنى، بل يُستبعد أن يكون المعلوم فيما بينهم صاعاً من الحنطة، فيتركونه إلى نصفه بكلام معاوية ﵁، بل لا يبقى لقول معاوية: "إن النصف يَعْدِل الصاع" حينئذ وجهٌ، إلا بتكلّف. وبالجملة فمعنى هذا الحديث أنه ما كان عندهم نصّ منه ﷺ في البرّ بصاعٍ، أو بنصفه، وإلا فلو كان عندهم حديث بالصاع لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا إلى القياس، بل حكموا بذلك، ويدلّ على هذا حديث ابن عمر ﵄ في هذا الباب المرويّ في الصحاح. انتهى كلام السنديّ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ ﵀ حسنٌ جدًّا، وسيأتي تمام الكلام عليه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (أَوْ صَاعاً) اختُلف في أنّ "أو" في هذا الحديث لتخيير المؤدَّى من هذه الأشياء، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، فقيل: إنها للتخيير، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: إنها لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة، وهو غالب قوت البلد، وبه قال الأكثرون، فمعنى الحديث على هذا: كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا، ومقتضى أحوالنا، أفاده بعضهم (١)، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (مِنْ أَقِطٍ) - بفتح الهمزة، مع كسر القاف، أو ضمّها، أو فتحها، أو إسكانها، وبكسر الهمزة، مع كسر القاف، وإسكانها، وبضمّ الهمزة، مع إسكان القاف فقط: وهو شيء يُتّخَذ من اللبن الْمَخيض، كأنه نوع من اللبن

стр. 11018

الجافّ، وقيل: هو لبنٌ، مجفّفٌ، يابس، جامد، مستحجرٌ، غير منزوع الزُّبْد، يُطبخ به. وقال في "اللسان": "الأَقِط" -أي بفتح، فكسر- و"الإِقْطُ" -أي بكسر، فسكون- و"الأَقْطُ" -أي بفتح، فسكون- و"الأُقْطُ"- أي بضمّ، فسكون -: شيءٌ يُتّخذ من اللبن الْمَخِيض، يُطبخ، ثمّ يُترك حتىّ يَمْصُل، والقِطْعة منه أَقِطَةٌ. قال ابن الأعرابيّ: هو من ألبان الإبل خاصّة. وقال الجوهريّ: الأقط معروف، قال: وربّما سُكّن في الشعر، وتُنقل حركة القاف إلى ما قبلها، قال الشاعر [من الطويل]: رُوَيْدَكَ حَتَّى يَنْبُتَ الْبَقْلُ وَالْغَضَا … فَيَكْثُرَ إِقْظٌ عِنْدَهُمْ وَحَلِيبُ قال: وَأْتَقَطْتُ: اتّخذتُ الأقِطَ، وهو افتَعَلْتُ، وأَقَطَ الطّعَامَ يَأْقِطُهُ أَقْطاً: عَمِلَهُ بالأَقِطِ، فهو مأْقُوطٌ، وأنشد الأَصْمَعِيٌّ [من الرجز]: وَيَأْكُلُ الْحَيَّةَ وَالْحَيُّوتَا … وَيَدْمُقُ (١) الأَقْفَالَ وَالتَّابُوتَا وَيَخْنُقُ الْعَجُوزَ أَوْ تَمُوتَا … أَوْ تُخْرِجُ الْمَأْقُوطَ وَالْمَلْتُوتَا انتهت عبارة "لسان العرب" باختصار. (أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرِ) - بفتح الشين المعجمة، وكسر العين المهملة-: جنس من الحبوب معروفٌ، واحدته شَعيرةٌ، وبائعه شَعِيريٌّ، قال سيبويه: وليس مما بُني على فاعل، ولا فَعّالٍ، كما يغلب في هذا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِيرٌ، وبِعِيرٌ، ورِغِيفٌ، وما أشبه ذلك -أي بكسر أوله، وثانيه- لتقريب الصوت من الصوت، فلا يكون هذا إلا مع حروف الحلق، ذكره في "اللسان". وقال في "المصباح": الشَّعِير: حَبّ معروف، قال الزّجّاج: أهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يُذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد ما تقدّم عن سيبويه أن الشَّعِير بفتح أوّله، وكسر ثانية، ويجوز كسر أوله أيضاً تبعاً لحركة العين، وهكذا كلّ ما أتي على فَعِيل، وكان عينه حرف حلق، كبَعِير، ورَغِيفٍ، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 11019

(أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ) قال الفيّوميّ ﵀: "التَّمْرُ" من ثمر النخل كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُتْرَك على النخل بعد إرطابه حتى يَجِفّ، أو يقارب، ثم يُقْطَع ويُتْرَك في الشمس حتى يَيْبَسَ، قال أبو حاتم: وربما جُدَّت النخلة، وهي باسرة بعدما أخلت؛ ليُخَفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتترك حتى تكون تمراً، الواحدة تمرةٌ، والجمع تُمُور، وتُمْرَان بالضم. انتهى (١). (أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ) "الزبيب": معروف، وهو اسم جمع يُذكّر ويُؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهو الزبيب، والواحدة زبيبة بالهاء، وزَبّبتُ العِنَبَ جعلته زَبيباً، قاله في "المصباح"، وفي "القاموس": الزّبيب ذَاوِي (٢) العنب والتين. انتهى؛ يعني يابس العنب والتين، وفي "اللسان": الزبيب ذَاوِي العنب، معروفٌ، واحدته زبيبة، وقد أَزَبَّ العنب، وزَبَّبَ فلانٌ عنبه تزبيباً، قال أبو حنيفة -يعني الدينوريّ -: واستَعْمَل أعرابيّ من أعراب السَّرَاة الزبيب في التين، فقال: الْفَيْلَحَانيُّ تِينٌ شديد السواد، جيّد الزبيب -يعني يابسه. انتهى. (فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ)؛ أي: ما ذُكر من صاع طعام، وما ذُكر معه (حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال (عَلَيْنَا مُعَاوَيةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) ﵄، زاد في رواية ابن خزيمة: "وهو يومئذ خليفة"، وقوله: (حَاجًّا) منصوب على الحال من الفاعل (أَوْ مُعْتَمِراً) "أو" للشكّ، وَيحتمل أن يكون من أبِي سعيد، أو ممن دونه (فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ)؛ أي: النبويّ (فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ، أَنْ قَالَ) "أن" بالفتح مصدريّة؛ أي قوله: (إِنِّي أَرَى)؛ أي: أعتقد، وأذهب إليه (أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ)؛ أي: الْقَمْح الشاميّ. قيل: هو الحنطة الجيّدة المعروفة بالشام بالجبليّ، وأُضيفت إلى الشام؛ لكثرتها بها، ولم يكن بالمدينة منها في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير. (تَعْدِلُ) بكسر الدال، من باب ضرب، كما سبق بيانه؛ أي تساوي (صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ)؛ أي: عَمِل أكثر أهل المدينة برأي معاوية ﵁،

стр. 11020

وإلا فبعضهم، كأبي سعيد، وابن عمر ﵃ لم يأخذوا بقوله، كما بيّنه بقوله: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁ (فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ)؛ أي: الصاع من الأصناف المذكورة (كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ)؛ أي: في عهد النبيّ ﷺ (أَبَداً) منصوب على الظرفيّة، قال الفيّوميّ ﵀: الأبد: الدهر، ويقال: الدهر الطويل الذي ليس بمحدود، قال الرُّمّانيّ: فإذا قلت: لا أكلمه أبداً، فالأبد من لدن تكلّمت إلى آخر عمرك، وجمعه آباد، مثلُ سبَبٍ وأسباب. انتهى (١). وقوله: (مَا عِشْتُ) "ما" مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة دوام عيشي؛ أي: طول عمري، فهو مؤكّدٌ لمعنى "أبداً"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٥/ ٢٢٨٣ و ٢٢٨٤ و ٢٢٨٥ و ٢٢٨٦ و ٢٢٨٧] (٩٨٥)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٥٠٥ و ١٥٠٦ و ١٥٠٨ و ١٥١٠)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦١٦ و ١٦١٨)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٧٣)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ٥١ و ٥٢ و ٥٣)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٢٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٢٨٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٤٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٧٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٠٧ و ٢٤٠٨ و ٢٤١٣ و ٢٤١٤ و ٢٤١٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٦٣ - ٦٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٦٣ و ١٦٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم زكاة الفطر من الزبيب: ذهب الجمهور إلى إجزائه، إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن الواجب منه صاع، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد، وهي رواية عن أبي حنيفة، وهو

стр. 11021

الحقّ، لحديث الباب. وفي رواية عنه نصف صاع، كالقَمْح، وهي رواية ضعيفة، لمخالفتها النصوص الصحيحة. وذهب الظاهرية إلى أن الزبيب لا يجزئ، بل الواجب هو التمر أو الشعير، وأجاب ابن حزم عن حديث الباب بوجهين: [أحدهما]: أنه غير مسند - أي مرفوع إلى النبيّ ﷺ لأنه ليس في شيء من طرقه أن رسول الله ﷺ علم بذلك، فأقرّه. [والثاني]: أنه مُضطرَب فيه، فإن في بعض طرقه إثبات الزبيب، وفي بعضها نفيه، وفي بعضها ذكر الدقيق، والسُّلْت. وقد تقدم الجواب عن الوجه الأول. وأما الثاني، فقد أجاب عنه العلّامة أحمد محمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المحلّى" ٦/ ١٢٥، بأن هذا ليس من الاضطراب في شيء، بل إن بعض الرواة يُطيل، وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئاً، ويسهو عن غيره، وزيادة الثقة مقبولة، فالواجب جمع كلّ ما ورد في الروايات الصحيحة؛ إذ لا تعارض بينها أصلاً. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العلّامة أحمد شاكر ﵀ حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحديث صحيح، وأن الأرجح ما قاله الجمهور، من إجزاء الزبيب في صدقة الفطر، وأن مقداره صاع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تعيين المراد بـ "الطعام" في هذا الحديث: قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى في "المعالم" (٢/ ٥٠ - ٥١): زعم بعض أهل العلم أن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه عندهم اسمٌ خاصّ للبرّ، قال: ويدلّ على صحّة ذلك أنه ذكَرَ في الخبر الشعيرَ، والأَقِطَ، والتمر، والزبيب، وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يَذكُر الحنطةَ، وكانت أغلاها، وأفضلها كلّها، فلولا أنه أرادها بقوله: "صاعاً من طعام" لكان يجري ذكرها عند التفصيل، كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات، ولا سيّما حيث

стр. 11022

عُطفت عليها بحرف "أو" الفاصلة (١). وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": وقد كانت لفظة "الطعام" تستعمل في البرّ عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فُهِم منه سوق البرّ، وإذا غلب العرف بذلك نُزِّل اللفظ عليه؛ لأن الغالب أن الإطلاق في الألفاظ على حسب ما يخطر في البال من المعاني، والمدلولات، وما غلب استعمال اللفظ عليه فخطوره عند الإطلاق أقرب، فيُنَزَّل اللفظ عليه، وهذا بناء على أن يكون هذا العرف موجوداً في زمن النبيّ ﷺ . انتهى (٢). قال الخطّابيّ: وزعم آخرون أن هذا جملةٌ قد فُصِّلَت، والتفصيل لا يخالف الجملة، وإنما قال في أول الحديث صاعاً من طعام، ثمّ فصّله، فقال: صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو كذا، أو كذا، واسم الطعام شاملٌ لجميع ذلك. انتهى (٣). وقال القاري: قال علماؤنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعمّ، لا الحنطة بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاصّ على العامّ. قال الحافظ: وقد ردّ ذلك -أي حمل الطعام على البرّ- ابنُ المنذر، وقال: ظنّ بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد: "صاعاً من طعام" حجة لمن قال: صاعاً من حنطة، وهذا غلطٌ منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثمّ فسّره، ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاريّ وغيره: أن أبا سعيد قال: "كنّا نُخرج في عهد النبيّ ﷺ يوم الفطر صاعاً من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر"، وهي ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاويّ نحوه من طريق أخرى، وقال فيه: "ولا يُخرَج غيره"، قال: وفي قوله: "فلمّا جاء معاوية، وجاءت السمراء" دليلٌ على أنها لم تكن قوتاً لهم قبل هذا، فدلّ على أنها لم تكن كثيرة، ولا قوتاً، فكيف يُتوهّم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجوداً؟. انتهى كلامه.

стр. 11023

وأخرج ابن خزيمة، والحاكم في "صحيحيهما" من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم، عن عياض بن عبد الله، قال: قال أبو سعيد، وذكروا عنده صدقة رمضان، فقال: "لا أُخرج إلا ما كنت أُخرج في عهد رسول الله ﷺ : صاع من تمر، أو صاع حنطة، أو صاع شعير، أو صاع أقط، فقال له رجلٌ من القوم: أو مدّين من قَمْح، فقال: لا، تلك قيمة معاوية مطويّة، لا أقبلها، ولا أعمل بها"، قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوَهَمُ؟. وقوله: "فقال له رجلٌ إلخ" دالٌّ على أن ذكر الحنطة في أول القصّة خطأٌ؛ إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها في عهد رسول الله ﷺ صاعاً لَمَا كان الرجل يقول له: أو مدّين من قَمْح، وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه، وقال: إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ، وذكر أن معاوية بن هشام رَوَى في هذا الحديث عن سفيان: "نصف صاع من برّ" وهو وَهَمٌ، وأن ابن عيينة حدّث به عن ابن عجلان، عن عياض، فزاد فيه: "أو صاعاً من دقيق"، وأنهم أنكروا عليه، فتركه، قال أبو داود: وذِكْرُ الدقيق وَهَمٌ من ابن عيينة. وأخرج ابن خزيمة أيضاً من طريق فُضيل بن غَزْوَان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: "لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة"، ولمسلم من وجه آخر، عن عياض، عن أبي سعيد: "كنّا نخرج من ثلاثة أصناف: صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاُ من شعير"، وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلّته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطرق كلّها تدلّ على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيَحْتَمِل أن تكون الذُّرَةَ، فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وهي قوت غالبٌ لهم. وقد روى الجوزقيّ من طريق ابن عجلان، عن عياض في حديث أبي سعيد: "صاعاً من تمر، صاعاً من سُلْت، أو ذُرَة". انتهى كلام الحافظ (١).

стр. 11024

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "فيَحْتَمِل أن تكون الذرة إلخ" فيه نظر، بل الصواب أن الطعام مجملٌ، فسّره ما بعده، كما سبق، والله تعالى أعلم. وأجاب البرماويّ عن رواية حفص بن ميسرة بأن الطعام فيها محمول على معناه اللغويّ الشامل لكلّ مطعوم، قال: فلا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق بالبرّ؛ لأنه قد عطف عليه الشعير، وغيره، فدلّ على التغاير، وهذا كالوعد، فإنه عامّ في الخير والشرّ، وإذا عطف عليه الوعيد خُصّ بالخير، وليس هو من عطف الخاصّ على العامّ، نحو ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاصّ أشرف، وهنا بالعكس. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: قوله: قال أبو سعيد: "وكان طعامنا إلخ" مناف لما تقدّم من قولك: إن الطعام هو الحنطة، ثمّ أجاب بقوله: لا نزاع في أنّ الطعام بحسب اللغة عامّ لكلّ مطعوم، إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير، وسائر الأطعمة، فإن العطف قرينة لإرادة المعنى العرفيّ منه، وهو البرّ بخصوصه. انتهى. قال صاحب "المرعاة": ولا يخفى ما فيه من التكلّف، والظاهر عندي هو قول من قال: إن الطعام في قوله: "صاعاً من طعام" مجملٌ، وما ذُكر بعده بيان له، كما يدلّ عليه طريق حفص بن ميسرة، وحديث ابن عمر عند ابن خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا يُخرجون البرّ في عهده ﷺ ، كما يدلّ عليه رواية النسائيّ، والطحاويّ: "كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، لا نخرج غيره"، وأنّ أبا سعيد ما أخرج البرّ في صدقة الفطر قطّ، لا في زمانه ﷺ ، ولا فيما بعده، لا صاعاً، ولا نصفه، كما يدلّ عليه رواية مسلم: إن معاوية لَمّا جعل نصف الصاع من الحنطة عَدْلَ صاع من تمر، أنكر ذلك أبو سعيد، وقال: "لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ ، صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط"، وفي رواية: قال أبو سعيد: "فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عِشْتُ"، وأن أبا سعيد لَمّا تحقق عنده أن

стр. 11025

الصحابة أخرجوا في زمنه ﷺ صاعاً من جميع ما أخرجوا من الشعير، والأقط، والتمر، والزبيب، وغيرها، ذهب إلى أن المقدار الواجب من كلّ شيء صاع، أو لَمّا رأى أنّ النبيّ ﷺ شرع لهم صاعاً من غير البرّ، ولم يبيّن لهم حال البرّ، فقاس عليه أبو سعيد حال البرّ، ورأى أن الواجب في البرّ أيضاً صاعٌ. وقد روى أبو داود عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد يقول: "لا أخرج أبداً إلا صاعاً - أي: من كلّ شيء - إنا كنّا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاع تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب". وأخرج الطحاويّ في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٤٢) عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد، وهو يُسأل عن صدقة الفطر؟ قال: "لا أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، فقال له رجلٌ: أو مدّين من قَمْحٍ؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية، لا أقبلها، ولا أعمل بها". وأخرجه أيضاً الدارقطنيّ في "سننه" (٢/ ١٤٥ - ١٤٦)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٤١١)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ٨٩ - ٩٠)، والبيهقيّ (٤/ ١٦٦) وزادوا فيه: "أو صاعاً من حنطة" بعد قوله: "صاعاً من تمر". وقد صرّح ابن خزيمة، وأبو داود أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. وأما ما أخرجه الطحاويّ بسنده (٢/ ٤٤) عن أبي سعيد أنه قال: "إنما علينا أن نعطي لكلّ رأس عند كلّ فطر صاعاً من تمر، أو نصف صاع من برّ"، فلا يوازي الروايات المتقدّمة، فلا يُلتفت إليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أي: لأنه ضعيف؛ لأن في سنده الحسن البصريّ، عن أبي سعيد الخدريّ، والحسن لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ (١)، وقد عنعنه، وهو مدلّس، والله تعالى أعلم. قال: والقول بأن حديث الباب يدلّ على أنهم كانوا يُعطون من البرّ

стр. 11026

صاعاً، لكن على سبيل التبرّع -يعني: أن أبا سعيد، وغيره من الصحابة إنما كانوا يخرجون النصف الآخر تطوّعاً، واختياراً، وفضلاً- تأويل بعيد، لا يخفى تكلّفه. وأما ما يُذكر من الأحاديث المرفوعة في الصاع من القمح، أو في نصفه، فكلّها مدخولة. قال البيهقيّ (٤/ ١٧٠) بعد إيراد أحاديث نصف الصاع من القمح: وقد وردت أخبار عن النبيّ ﷺ في صاع من برّ، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصحّ شيء من ذلك، قد بيّنت علّة كلّ واحد منها في "الخلافيّات". انتهى كلام صاحب "المرعاة" ﵀ باختصار (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره صاحب "المرعاة" ﵀ كلام نفيسٌ جدًّا، وقد اتّضح بما تقدّم أن الصواب كون الطعام في قوله: "صاعاً من طعام" مجملاً، والمعطوفات عليه تفصيلٌ له، وتوضيح للمراد منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في النوع الذي يُجزئ في صدقة الفطر: ذهب الشافعيّة إلى أن جنس الفطرة كل ما يجب فيه العشر. وعن الشافعيّ قولٌ قديم أنه لا يجزئ فيها الحمّص، والعدَسُ، والمذهب المشهور الأول، والصحيح عندهم إجزاء الأقط أيضاً؛ لصحّة الحديث به، قال وليّ الدين: فإن جوّزناه فالأصحّ أن اللبن، والجبن الذي ليس منزوع الزّبد في معناه، والخلاف في إخراج مَنْ قوته الأقط، واللبن، والجبن، ولا يجزئ الدقيق، ولا السويق، ولا الخبز، كما لا تُجزئ القيمة. وقال الأنماطيّ: يجزئ الدقيق، قال ابن عبدان: يقتضي قوله إجزاء السويق، والخبز، وصححه. وفي الواجب من الأجناس المجزئة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعيّ: أصحها عند الجمهور غالب قوت البلد. والثاني: قوت نفسه، وصححه ابن عبدان. والثالث: يتخيّر بين الأجناس، وهو الأصحّ عند القاضي أبي الطيب.

стр. 11027

ثم إذا كان الواجب قوت نفسه، أو البلد، فعدل إلى ما هو دونه لم يجز، دوان عدل إلى أعلى منه جاز. وفيما يعتبر به الأعلى والأدنى وجهان: أصحّهما الاعتبار بزيادة صلاحية الاقتيات. والثاني بالقيمة. وقالت الحنابلة: هو مخيّر بين الخمسة المنصوص عليها، وهي التمر، والشعير، والبرّ، والزبيب، والأقط، قا لوا: والسُّلْت نوع من الشعير، فيجوز إخراجه لدخوله في المنصوص عليه، وهو في بعض طرق حديث ابن عمر. ونصّ أحمد على جواز إخراج الدقيق، وكذلك السويق، ولا يجزئ عندهم الخبز، قالوا: فيتخيّر بين هذه، فيخرج ما شاء منها، وإن لم يكن قوتًا له، إلا الأقط، فإنما يخرجه من هو قوته، أو لم يجد من المنصوص عليه سواه، فإن وجد سواه، ففي إجزائه عندهم روايتان، منشؤهما ورود النصّ به، وكونه غير زكويّ، قا لوا: وأفضلها التمر، وبعده البرّ، وقال بعضهم: الزبيب. قالوا: ولا يجوز العدول عن هذه الأشياء مع القدرة على أحدها، ولو كان المعدول إليه قوت بلده، فإن عجز عنها أجزأه كلّ مقتات، من كلّ حبّة وثمرة. قاله الخرقيّ. قال ابن قُدامة: وظاهره أنه لا يجزئه المقتات من غيرها، كاللحم واللبن. وقال أبو بكر: يُعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها. وقال ابن حامد: يجزئه عند عدمها الإخراج مما يُقتات به، كالذُّرَة، والدُّخْن، ولحوم الحيتان، والأنعام، ولا يُرَدّون إلى أقرب قوت الأمصار. وأما المالكيّة فإن المشهور عندهم أنه جنسيّة المقتات في زمنه ﷺ ، من القَمْح، والشعير، والسُّلْت، والزبيب، والتمر، والأقط، والذُّرَة، والأرز، والدُّخْن، وزاد ابن حبيب: العلس (١)، وقال أشهب: من المستّ الأُوَلِ خاصّة، فلو اقتِيتَ غيره، كالقَطَانيّ (٢)، والتين، والسويق، واللحم، واللبن، فالمشهور

стр. 11028

الإجزاء، وفي الدقيق قولان، ويخرج من غالب قوت البلد، فإن كان قوته دونه لا لشحّ، فقولان. وقال الحنفيّة: يتخيّر بين البرّ، والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير، والدقيقُ أولى من البرّ، والدراهم أولى من الدقيق، فيما يُروى عن أبي يوسف، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر؛ لأنه أدفع للحاجة. وعن أبي بكر الأعمش: تفضيل القمح؛ لأنه أبعد من الخلاف. قال وليّ الدين ﵀: من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، وأما من قال بتعيين غالب قوت البلد، أو قوت نفسه، فإنه حمل الحديث على ذلك، ولم يجعله على ظاهره من التخيير، واقتصر في المشهور من روايات ابن عمر على التمر، والشعير؛ لأنهما غالب ما يُقتات بالمدينة في ذلك الوقت، فإما أن يكون محمولًا على إيجاب التمر على من يقتاته، والشعير على من يقتاته، وإما أن يكون مخيّرًا بينهما؛ لاستوائهما في الغلبة، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، فالمخرِج مخيّر بينهما. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي حمل "أو" على معنى التخيير، وأن المؤدّي لصدقة الفطر مخيّرٌ في إخراج أيّ نوع شاء، مما صحّ ذكره في الحديث، لا من سائر أنواع الحبوب، فإنها لا تجزئ مع وجود المنصوص عليه، وإن لم يوجد شيء من المنصوص عليه أجزأ كلُّ ما كان قوتَ أهل البلد غالبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأجناس المنصوص عليها:

стр. 11029

ذهب الإمامان: مالك، وأحمد إلى اختيار إخراج التمر، قال ابن المنذر: واستحبّ مالك إخراج العجوة منه. وذهب الشافعيّ، وأبو عبيد إلى اختيار إخراج البرّ. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: يَحْتَمِل أن يكون الشافعيّ قال ذلك؛ لأن البرّ كان أعلى في وقته، ومكانه؛ لأن المستحبّ أن يخرج أغلاها ثمنًا، وأنفسها؛ لقول النبيّ ﷺ ، وقد سئل عن أفضل الرقاب؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها"، متّفق عليه. وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداءَ بأصحاب رسول الله ﷺ ، واتباعًا لهم. وروى بإسناده عن أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبرّ أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، وأنا أُحبّ أن أسلكه. وظاهر هذا أن جماعة من الصحابة كانوا يخرجون التمر، فأحبّ ابن عمر موافقتهم، وسلوك طريقتهم، وأحبّ أحمد أيضًا لاقتداء بهم، واتِّبَاعهم. ورَوَى البخاريّ عن ابن عمر، قال: "فرض النبيّ ﷺ صدقة الفطر … " الحديث. وفيه: كان ابن عمر يُعطي التمر، فأعوز أهلُ المدينة من التمر، فأعطى شعيرًا، قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يُخْرَج في صدقة الفطر. وقد روى جعفر الفريابيّ من طريق أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: قد أوسع الله، والبرّ أفضل من التمر، أفلا تُعطي البرّ؟، قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. ويُستَنبَطُ من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يُقتات بها؛ لأن التمر أعلى من غيره، مما ذُكر في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر فَهِمَ منه خصوصيّة التمر بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال ابن قُدامة ﵀: والأفضل بعد التمر البرّ، وقال بعض أصحابنا: الأفضل بعده الزبيب؛ لأنه أقرب تناولًا، وأقلّ كلفة، فأشبه التمر. ولنا أن البرّ أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي قول من فضّل الزبيب على البرّ أرجح؛ لصحّة الحديث به، دون البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 11030

(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في دفع الأقط في صدقة الفطر: (اعلم): أنهم قد اختلفوا في ذلك، فقال مالك بالإجزاء؛ إذا كان من أغلب القوت، وللشافعيّ فيه قولان: أحدهما كقول مالك. والثاني: أنه لا يجزئ، قال الحافظ: وعند الشافعيّة فيه خلاف، وزعم الماورديّ أنه يختصّ بأهل البادية، وأما الحاضرة، فلا يجزئ عنهم بلا خلاف، وتعفبه النوويّ في "شرح المهذّب"، وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع. انتهى. والمذكور في فروع الشافعيّة الإجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج. قال النوويّ في "شرح مسلم": يجزئ الأقط على المذهب. انتهى. وقال الحنفيّة: لا يُجزئ إلا بدلًا عن القيمة. قال الكاسانيّ في "البدائع": أما الأقط، فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلا باعتبار القيمة؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الكاسانيّ، فإن حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا أخرجه الشيخان، وغيرهما، فقوله: "غير منصوص عليه من وجه يوثق به" ينادي عليه بأنه بعيد كلّ البعد عن مراجعة مشاهير الكتب الحديثية، كالصحيحين، فضلًا عن غيرها، مع أنه يعدّ من كبار الفقهاء الحنفية، إن لهو العجب العُجاب. وقال ابن قدامة: يجزئ أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم، وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه، فأما من وجد سواه، فهل يجزئ؟ على روايتين: إحداهما: يجزئه أيضًا؟ لحديث أبي سعيد المذكور في الباب. والثانية: لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلا يجزئ إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها، كاللحم، ويُحمل الحديث على من هو قوت له، أو لم يقدر على غيره. انتهى كلام ابن قدامة باختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الحقّ، وأما القول الثاني، فمخالف للنصوص الصحيحة، فلا يلتفت إليه. فالحق أنه يجزئ إخراج الأقط، مطلقًا، سواء كانوا من أهل الأمصار، أو من غيرهم، قادرين على غيره، من التمر، وغيره، أو لا، وسواء كان قوتًا
следующие страницы →