← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

صاعاً، لكن على سبيل التبرّع -يعني: أن أبا سعيد، وغيره من الصحابة إنما كانوا يخرجون النصف الآخر تطوّعاً، واختياراً، وفضلاً- تأويل بعيد، لا يخفى تكلّفه. وأما ما يُذكر من الأحاديث المرفوعة في الصاع من القمح، أو في نصفه، فكلّها مدخولة. قال البيهقيّ (٤/ ١٧٠) بعد إيراد أحاديث نصف الصاع من القمح: وقد وردت أخبار عن النبيّ ﷺ في صاع من برّ، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصحّ شيء من ذلك، قد بيّنت علّة كلّ واحد منها في "الخلافيّات". انتهى كلام صاحب "المرعاة" ﵀ باختصار (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره صاحب "المرعاة" ﵀ كلام نفيسٌ جدًّا، وقد اتّضح بما تقدّم أن الصواب كون الطعام في قوله: "صاعاً من طعام" مجملاً، والمعطوفات عليه تفصيلٌ له، وتوضيح للمراد منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في النوع الذي يُجزئ في صدقة الفطر: ذهب الشافعيّة إلى أن جنس الفطرة كل ما يجب فيه العشر. وعن الشافعيّ قولٌ قديم أنه لا يجزئ فيها الحمّص، والعدَسُ، والمذهب المشهور الأول، والصحيح عندهم إجزاء الأقط أيضاً؛ لصحّة الحديث به، قال وليّ الدين: فإن جوّزناه فالأصحّ أن اللبن، والجبن الذي ليس منزوع الزّبد في معناه، والخلاف في إخراج مَنْ قوته الأقط، واللبن، والجبن، ولا يجزئ الدقيق، ولا السويق، ولا الخبز، كما لا تُجزئ القيمة. وقال الأنماطيّ: يجزئ الدقيق، قال ابن عبدان: يقتضي قوله إجزاء السويق، والخبز، وصححه. وفي الواجب من الأجناس المجزئة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعيّ: أصحها عند الجمهور غالب قوت البلد. والثاني: قوت نفسه، وصححه ابن عبدان. والثالث: يتخيّر بين الأجناس، وهو الأصحّ عند القاضي أبي الطيب.

стр. 11027

ثم إذا كان الواجب قوت نفسه، أو البلد، فعدل إلى ما هو دونه لم يجز، دوان عدل إلى أعلى منه جاز. وفيما يعتبر به الأعلى والأدنى وجهان: أصحّهما الاعتبار بزيادة صلاحية الاقتيات. والثاني بالقيمة. وقالت الحنابلة: هو مخيّر بين الخمسة المنصوص عليها، وهي التمر، والشعير، والبرّ، والزبيب، والأقط، قا لوا: والسُّلْت نوع من الشعير، فيجوز إخراجه لدخوله في المنصوص عليه، وهو في بعض طرق حديث ابن عمر. ونصّ أحمد على جواز إخراج الدقيق، وكذلك السويق، ولا يجزئ عندهم الخبز، قالوا: فيتخيّر بين هذه، فيخرج ما شاء منها، وإن لم يكن قوتًا له، إلا الأقط، فإنما يخرجه من هو قوته، أو لم يجد من المنصوص عليه سواه، فإن وجد سواه، ففي إجزائه عندهم روايتان، منشؤهما ورود النصّ به، وكونه غير زكويّ، قا لوا: وأفضلها التمر، وبعده البرّ، وقال بعضهم: الزبيب. قالوا: ولا يجوز العدول عن هذه الأشياء مع القدرة على أحدها، ولو كان المعدول إليه قوت بلده، فإن عجز عنها أجزأه كلّ مقتات، من كلّ حبّة وثمرة. قاله الخرقيّ. قال ابن قُدامة: وظاهره أنه لا يجزئه المقتات من غيرها، كاللحم واللبن. وقال أبو بكر: يُعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها. وقال ابن حامد: يجزئه عند عدمها الإخراج مما يُقتات به، كالذُّرَة، والدُّخْن، ولحوم الحيتان، والأنعام، ولا يُرَدّون إلى أقرب قوت الأمصار. وأما المالكيّة فإن المشهور عندهم أنه جنسيّة المقتات في زمنه ﷺ ، من القَمْح، والشعير، والسُّلْت، والزبيب، والتمر، والأقط، والذُّرَة، والأرز، والدُّخْن، وزاد ابن حبيب: العلس (١)، وقال أشهب: من المستّ الأُوَلِ خاصّة، فلو اقتِيتَ غيره، كالقَطَانيّ (٢)، والتين، والسويق، واللحم، واللبن، فالمشهور

стр. 11028

الإجزاء، وفي الدقيق قولان، ويخرج من غالب قوت البلد، فإن كان قوته دونه لا لشحّ، فقولان. وقال الحنفيّة: يتخيّر بين البرّ، والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير، والدقيقُ أولى من البرّ، والدراهم أولى من الدقيق، فيما يُروى عن أبي يوسف، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر؛ لأنه أدفع للحاجة. وعن أبي بكر الأعمش: تفضيل القمح؛ لأنه أبعد من الخلاف. قال وليّ الدين ﵀: من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، وأما من قال بتعيين غالب قوت البلد، أو قوت نفسه، فإنه حمل الحديث على ذلك، ولم يجعله على ظاهره من التخيير، واقتصر في المشهور من روايات ابن عمر على التمر، والشعير؛ لأنهما غالب ما يُقتات بالمدينة في ذلك الوقت، فإما أن يكون محمولًا على إيجاب التمر على من يقتاته، والشعير على من يقتاته، وإما أن يكون مخيّرًا بينهما؛ لاستوائهما في الغلبة، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، فالمخرِج مخيّر بينهما. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي حمل "أو" على معنى التخيير، وأن المؤدّي لصدقة الفطر مخيّرٌ في إخراج أيّ نوع شاء، مما صحّ ذكره في الحديث، لا من سائر أنواع الحبوب، فإنها لا تجزئ مع وجود المنصوص عليه، وإن لم يوجد شيء من المنصوص عليه أجزأ كلُّ ما كان قوتَ أهل البلد غالبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأجناس المنصوص عليها:

стр. 11029

ذهب الإمامان: مالك، وأحمد إلى اختيار إخراج التمر، قال ابن المنذر: واستحبّ مالك إخراج العجوة منه. وذهب الشافعيّ، وأبو عبيد إلى اختيار إخراج البرّ. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: يَحْتَمِل أن يكون الشافعيّ قال ذلك؛ لأن البرّ كان أعلى في وقته، ومكانه؛ لأن المستحبّ أن يخرج أغلاها ثمنًا، وأنفسها؛ لقول النبيّ ﷺ ، وقد سئل عن أفضل الرقاب؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها"، متّفق عليه. وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداءَ بأصحاب رسول الله ﷺ ، واتباعًا لهم. وروى بإسناده عن أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبرّ أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، وأنا أُحبّ أن أسلكه. وظاهر هذا أن جماعة من الصحابة كانوا يخرجون التمر، فأحبّ ابن عمر موافقتهم، وسلوك طريقتهم، وأحبّ أحمد أيضًا لاقتداء بهم، واتِّبَاعهم. ورَوَى البخاريّ عن ابن عمر، قال: "فرض النبيّ ﷺ صدقة الفطر … " الحديث. وفيه: كان ابن عمر يُعطي التمر، فأعوز أهلُ المدينة من التمر، فأعطى شعيرًا، قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يُخْرَج في صدقة الفطر. وقد روى جعفر الفريابيّ من طريق أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: قد أوسع الله، والبرّ أفضل من التمر، أفلا تُعطي البرّ؟، قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. ويُستَنبَطُ من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يُقتات بها؛ لأن التمر أعلى من غيره، مما ذُكر في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر فَهِمَ منه خصوصيّة التمر بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال ابن قُدامة ﵀: والأفضل بعد التمر البرّ، وقال بعض أصحابنا: الأفضل بعده الزبيب؛ لأنه أقرب تناولًا، وأقلّ كلفة، فأشبه التمر. ولنا أن البرّ أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي قول من فضّل الزبيب على البرّ أرجح؛ لصحّة الحديث به، دون البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 11030

(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في دفع الأقط في صدقة الفطر: (اعلم): أنهم قد اختلفوا في ذلك، فقال مالك بالإجزاء؛ إذا كان من أغلب القوت، وللشافعيّ فيه قولان: أحدهما كقول مالك. والثاني: أنه لا يجزئ، قال الحافظ: وعند الشافعيّة فيه خلاف، وزعم الماورديّ أنه يختصّ بأهل البادية، وأما الحاضرة، فلا يجزئ عنهم بلا خلاف، وتعفبه النوويّ في "شرح المهذّب"، وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع. انتهى. والمذكور في فروع الشافعيّة الإجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج. قال النوويّ في "شرح مسلم": يجزئ الأقط على المذهب. انتهى. وقال الحنفيّة: لا يُجزئ إلا بدلًا عن القيمة. قال الكاسانيّ في "البدائع": أما الأقط، فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلا باعتبار القيمة؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الكاسانيّ، فإن حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا أخرجه الشيخان، وغيرهما، فقوله: "غير منصوص عليه من وجه يوثق به" ينادي عليه بأنه بعيد كلّ البعد عن مراجعة مشاهير الكتب الحديثية، كالصحيحين، فضلًا عن غيرها، مع أنه يعدّ من كبار الفقهاء الحنفية، إن لهو العجب العُجاب. وقال ابن قدامة: يجزئ أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم، وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه، فأما من وجد سواه، فهل يجزئ؟ على روايتين: إحداهما: يجزئه أيضًا؟ لحديث أبي سعيد المذكور في الباب. والثانية: لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلا يجزئ إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها، كاللحم، ويُحمل الحديث على من هو قوت له، أو لم يقدر على غيره. انتهى كلام ابن قدامة باختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الحقّ، وأما القول الثاني، فمخالف للنصوص الصحيحة، فلا يلتفت إليه. فالحق أنه يجزئ إخراج الأقط، مطلقًا، سواء كانوا من أهل الأمصار، أو من غيرهم، قادرين على غيره، من التمر، وغيره، أو لا، وسواء كان قوتًا

стр. 11031

له، أو لا؛ لأن الحديث لم يفرّق، ولم يفصّل شيئًا من ذلك. والحاصل أن الأقط مجزئ مطلقًا؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ المذكور في الباب، حيث قال: "كنّا نخرج في عهد رسول الله ﷺ … " الحديث، فأطلق، ولم يقيّده بشيء، مما ذكروه، فدلّ على أنه يجزئ مطلقًا، كالتمر، والشعير المذكورين معه، حيث لا خلاف في إجزائهما، فكذلك هو، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في إخراج القيمة في صدقة الفطر: ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد -رحمهم الله تعالى- إلى أنه لا يجوز دفع القيمة في صدقة الفطر. وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه -رحمهم الله تعالى- إلى جواز ذلك. قال ابن قدامة: قال أبو داود: قيل لأحمد، وأنا أسمع: أَعطَى دراهم -يعني: في صدقة الفطر- قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنّة رسول الله ﷺ . وقال أبو طالب: قال أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة، قال: يدعون قول رسول الله ﷺ ، ويقولون قال فلان، قال ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ "، وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقال قوم يردّون السنن: قال فلان، قال فلان. وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك، والشافعيّ. وقال الثوريّ، وأبو حنيفة: يجوز. وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وروي عن أحمد مثل قولهم فيما عدا صدقةَ الفطر، وقال أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع ثمر نخلته؟، قال: عشرة على الذي باعه، قيل له: فيخرج ثمرًا، أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمرًا، وإن شاء أخرج من الثمن. وهذا دليل على جواز إخراج القيم. ووجهه قول معاذ لأهل اليمن: "ايتوني بخميس، أو لبيس، آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة". وقال سعيد: حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: لَمّا قدم معاذ

стр. 11032

اليمن، قال: "ائتوني بعرض ثياب، آخذه منكم مكان الذرة، والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة". قال: وحدّثنا جرير، عن ليث، عن عطاء، قال: كان عمر بن الخطّاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم؛ ولأن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر الماليّة باختلاف صور المال. قال ابن قدامة: ولنا قول ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير"، فإذا عدل عن ذلك، فقد ترك المفروض. وقال النبيّ ﷺ : "في أربعين شاةً شاةٌ"، وفي مائتي درهم خمسة دراهم. وهو وارد لبيان مجمل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر للوجوب. انتهى. وقد وافق الإمام البخاريّ في ذلك الحنفيّةَ، فقال بجواز إخراج العروض في الزكاة؛ إذا كانت بقيمتها؛ إذ ترجم بقوله: "باب الْعَرْضِ في الزكاة"، وذكر فيه أثر طاوس المتقدّم، وغيره من الأحاديث. وقد أجاب الجمهور عن جميع ذلك، وقد تقدّم البحث عن ذلك. وقال الشوكانيّ ﵀ في كتابه "السيل الجرّار" في شرح قول صاحب "حدائق الأزهار": "إنما تجزئ القيمة للعذر": أقول هذا صحيح؛ لأن ظاهر الأحاديث الواردة بتعيين قدر الفطرة من الأطعمة أنّ إخراج ذلك مما سمّاه النبيّ ﷺ متعيّنٌ، وإذا عرض مانع من إخراج العين، كانت القيمة مجزئة؛ لأن ذلك هو الذي يمكن مَنْ عليه الفطرة، ولا يجب عليه ما لا يدخل تحت إمكانه. انتهى كلام الشوكانيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ ﵀ هو الأرجح عندي. وحاصله أن دفع عين ما وجب في زكاة الفطر، أو زكاة المال هو المتعيّن، فإن لم يتيسّر جازت القيمة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٦]،

стр. 11033

وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما استطعتم … " الحديث متفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٥] ( … ) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكبِيرٍ، حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ، مِنْ ثَلَاَثةِ أَصْنَافٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ، فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ، تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد مما انتقده الدارقطنيّ على مسلم، فقال: خالف سعيد بن مسلمة معمراً فيه، فرواه عن إسماعيل بن أميّة، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن عياض، قال الدارقطنيّ: والحديث محفوظ عن الحارث. انتهى. وقد أجاب النوويّ، فقال: هذا الاستدراك ليس بلازم، فإن إسماعيل بن أميّة صحيح السماع، عن عياض. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما أجاب به النوويّ حسنٌ، ولا سيّما أن المخالف لمعمر، وهو سعيد بن مسلمة ضعفه الأئمة، فقد قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاريّ: منكر الحديث، فيه نظر، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال الدارقطنيّ: ضعيف يُعتبر به، وقال ابن حبان: فاحش الخطأ، منكر

стр. 11034

الحديث جدًّا، وقال الساجيّ: صدوق منكر الحديث (١). فمخالفة من هذه حاله للإمام الحجة الثبت معمر بن راشد غير مقبولة، فالحقّ أن رواية معمر صحيحة، على أنه لا مانع من أن يكون الطريقان صحيحتين، فيُحمل على أن إسماعيل بن أميّة حدّث به عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن عياض، ثم سمعه من عياض نفسه، فحدّث بالوجهين (٢). والحاصل أن رواية مسلم من طريق معمر هذه صحيحة بلا شكّ، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ) "كان" هنا تامّة؛ أي: حتى جاء وقت خلافته، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، ويُقدّر خبرها؛ أي: حتى كان معاوية خليفةً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَابٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، مِنْ ثَلَاَثةِ أَصْنَافٍ: الْأَقِطِ، وَا لتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (الْحَارِث بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ) هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب الدوسيّ المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٥] (ت ١٤٦) (عخ م مد ت س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٤/ ١٥٢٩.

стр. 11035

والباقون ذُكروا قبله، والحديث تقدّم شرحه، وبيان ما يتعلّق به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ مُعَاوَيةَ لَمَّا جَعَلَ نِصْفَ الصَّاعِ مِنَ الْحِنْطَةِ عَدْلَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ، وَقَالَ: لَا أُخْرِجُ فِيهَا إِلَّا الَّذِي كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠. والحديث سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ الأَمْرِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٨] (٩٨٦) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ").

стр. 11036

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٢ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأزدي مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبي خيثمة، فبغداديّ، نزيل الجزيرة. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وتقدّم الكلام في ابن عمر ﵄. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى) "أن" بالفتح مصدريّة، والمصدر المؤوّل بدل من "زكاةِ الفطر"؛ أي: بأدائها (قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ للشافعيّ والجمهور في أنه لا يجوز تأخير الفطرة عن يوم العيد، وأن الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى المصلّى. انتهى. وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألتين الآتيتين -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٢٨٨ و ٢٢٨٩] (٩٨٦)، و (البخاريّ) في

стр. 11037

"الزكاة" (١٥٠٩)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦١٠)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٧٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٥١ و ١٥٤ و ١٥٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٢١ و ٢٤٢٢ و ٢٤٢٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٣/ ٨ و ٩٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٣٩ و ١٥٢ و ١٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٧٤) و"المعرفة" (٣/ ٣٣٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٦٤ - ٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وقت وجوبها: قال الإمام ابن قُدامة ﵀: فأما وقت وجوبها، فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوّج، أو مَلَك عبدًا، أو وُلِد له ولدٌ، أو أسلم قبل غروب الشمس، فعليه الفطرة، وإن كان بعد الغروب، لم تلزمه، ولو كان حين الوجوب معسرًا، ثمّ أيسر في ليلته تلك، أو في يومه، لم يجب عليه شيء، ولو كان في وقت الوجوب موسرًا، ثمّ أعسر، لم تسقط عنه؛ اعتبارًا بحالة الوجوب، ومن مات بعد غروب الشمس ليلة الفطر، فعليه صدقة الفطر، نصّ عليه أحمد. وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوريّ، وإسحاق، ومالكٌ، في إحدى الروايتين عنه، والشافعيّ في أحد قوليه (١). واحتجّ هؤلاء بما أخرجه أبو داود من حديث ابن عبّاس ﵄: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث … " الحديث، وهو حديث حسن. قالوا: لأنها أضيفت إلى الفطر، فكانت واجبة به، كزكاة المال، وذلك لأن الإضافة دليل الاختصاص، والسبب أخصّ بحكمه من غيره. ووجه ذلك أن الفطر من صوم رمضان، والخروج عنه جملةً يكون بغروب شمس آخر يوم من رمضان. وقال الليث، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد، وهو رواية عن مالك؛ لأنها قربة تتعلّق بالعيد، فلم يتقدّم وقتها يوم العيد،

стр. 11038

كالأضحيّة، ولأن هذا وقت الفطر، لا ما قبله؛ لأنه في كلّ ليلة كان يفطر كذلك، ثم يصبح صائمًا، فإنما أفطر من صومه جملةً صبيحةَ يوم الفطر. وقال ابن حزم: وقت زكاة الفطر الذي لا تجب قبله، وإنما تجب بدخوله، ثم لا تجب بخروجه، فهو إثر طلوع الفجر الثاني، من يوم الفطر ممتدًّا إلى أن تبيضّ الشمس، وتحلّ الصلاة من ذلك اليوم نفسه، ثم استدلّ بحديث الباب، وقال: فهذا وقت أدائها بالنصّ، ثم ذكر في وقت الوجوب مثل المذهب الثاني. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لأنه أقرب إلى المعنى؛ لأن الصدقة مضافة إلى الفطر من رمضان، كما تقدّم، والفطر من رمضان يتحقّق بانسلاخ آخر يوم منه وذلك بغروب شمسه، فليلة العيد ليست منه، بل هي تابعة لما بعدها وهو يوم العيد، وهي وقت الفطر من رمضان، وأولها من غروب الشمس، فيتعلّق الوجوب به، وهذا ظاهر لمن تامّل بإنصاف، فالحقّ أن الوجوب يتعلّق بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، فمن كان من أهل وجوب الفطر حينئذ لزمته، ومن لا فلا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز تأخيرها عن وقتها: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم الفطر، وبه قال الشافعيّة، والحنفيّة، والمالكيّة، وهو المشهور عند الحنابلة. قاله وليّ الدين. وقال ابن قدامة: المستحبّ إخراجها يوم الفطر قبل الصلاة؛ لحديث الباب، وحديث ابن عباس ﵄، مرفوعًا: "من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات"، رواه أبو داود، وتقدّم أنه حديث حسنٌ. قال: فإن أخّرها عن الصلاة ترك الأفضل؛ لما ذكرنا من السنّة، ولأن المقصود منها الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم، فمتى أخّرها لم يحصل إغناؤهم في جميعه، لا سيما وقت الصلاة، ومال إلى هذا القول عطاءٌ، ومالك، وموسى بن وَرْدَان، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال: فإن أخّرها عن يوم العيد أثم، ولزمه القضاء.

стр. 11039

وحَكَى ابن المنذر عن ابن سيرين، والنخعيّ أنهما كانا يرخّصان في تأخيرها عن يوم الفطر، قال: وقال أحمد: أرجو أن لا يكون بذلك بأس (١). وذكر ابن قُدامة أن محمد بن يحيى الكحّال قال: قلت لأبي عبد الله: فإن أخرج الزكاة، ولم يعطها، قال: نعم؛ إذا أعدّها لقوم، قال ابن قُدامة: واتباع السنّة أولى. انتهى (٢). ومما استُدلّ به على أنه لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم العيد ما رواه البيهقيّ في "سننه" (٤/ ١٧٥) من طريق أبي معشر السِّنْدِيّ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم"، وفيه أبو معشر نَجِيح السِّنْديّ المدينيّ، ضعيف. وقال ابن حزم ﵀: إذا تمّ الخروج إلى صلاة الفطر بدخول وقت دخولهم في الصلاة، فقد خرج وقتها، فمن لم يؤدّها حتى خرج وقتها، فقد وجبت في ذمّته وماله لمن هي له، فهي دين لهم، وحقّ من حقوقهم، قد وجب إخراجها من ماله، وحَرُم عليه إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبدًا، فإذا أداها سقط بذلك حقهم، ويبقى حقّ الله تعالى في تضييعه الوقت، لا يَقدِر على جبره إلا بالاستغفار، والندامة. انتهى كلامه ﵀ بتصرّف (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم ﵀ في هذه المسألة أرجح المذاهب؛ لحديث الباب، حيث أَمَرَ رسول الله ﷺ أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، ولا يتوعّد الله بمثل هذا التوعّد إلا على ترك واجب، فثبت بذلك وجوب أدائها قبل الصلاة، فإذا وجب حَرُمَ تأخيرها، ويؤيّد ذلك الحديثُ المتقدّمُ: "من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات"، وهو حديث حسن. والحاصل أنه لا يجوز تأخيرها عن الصلاة؛ لما ذكر، ولكن لا تسقط

стр. 11040

بالتأخير، بل تكون دينًا عليه يجب أداؤها أبدًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز تقديمها عن وقتها: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز تقديم إخراج صدقة الفطر قبل ليلة الفطر، ثم اختلفوا في مقدار التقديم. فاشتهر عن الحنفيّة جواز تعجيلها من أول الحول، وعندهم في ذلك خلافٌ، فحَكَى الطحاويّ عن أصحابهم جواز تعجيلها من غير تفصيل، وذكر أبو الحسن الكرخيّ جوازها يومًا أو يومين، وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة أنه يجوز تعجيلها سنة، وسنتين، وروى هشام عن الحسن بن زياد أنه لا يجوز تعجيلها. وعند المالكية في تقديمها بيوم إلى ثلاثة قولان. وقال الشافعيّة: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأنها حقّ ماليّ وجب بسببين، وهما رمضان، والفطر منه، فيجوز تقديمها على أحدهما، وهو الفطر، ولا يجوز تقديمها عليهما. وعنهم وجهان آخران: أحدهما: يجوز إخراجها بعد طلوع الفجر الأول من رمضان، وبعده إلى آخر الشهر، ولا يجوز في الليلة الأولى؛ لأنه لم يَشرَع بعدُ في الصوم. والثاني: أنه يجوز في جميع السنة، حكاهما النوويّ في "شرح المهذّب". وذهب أكثر الحنابلة إلى أنه لا يجوز تقديمها بأكثر من يومين، وقال بعض الحنابلة يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر، كما يجوز تعجيل أذان الفجر، والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل. وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلًا، ذكر هذا كلّه الحافظ وليّ الدين ﵀، ونقلته بتصرّف (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بجواز تقديمها يومًا، أو يومين، ولا بأس بثلاثة أيام؛ لما أخرجه البخاريّ في

стр. 11041

"صحيحه" من حديث ابن عمر ﵄، قال: "وكانوا يُعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين". وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عبد الوارث، عن أيوب، قلت: "متى كان ابن عمر يُعطي؟ قال: إذا قعد العامل، قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم، أو يومين"، ولمالك في "الموطأ" عن نافع: أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يُجمَع عنده قبل الفطر بيومين، أو ثلاث، وأخرجه الشافعيّ، عنه، وقال: هذا حسن، وأنا أستحبّه -يعني: تعجيلها قبل يوم الفطر- انتهى (١). فقوله: "وكانوا يعطون" دليل على أن هذا عمل الصحابة جميعًا؛ لما تقرّر في علمي الحديث، والأصول، أن قول الصحابيّ: كنا نفعل كذا وكذا حكمه الرفع، وإن لم يقيّد بعصر النبيّ ﷺ على المرجح المختار، قاله الحافظ وليّ الدين ﵀، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفية الحديث"، حيث قال: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي كَذَا أُمِرْنَا وَكَذا كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي ويدلّ على ذلك أيضًا -كما قال الحافظ- ما أخرجه البخاريّ في "كتاب الوكالة"، وغيره، من "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁، قال: "وكّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان … " الحديث، وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليالي، وهو يأخذ من التمر، فإنه يدلّ على أنهم كانوا يعجّلونها، وعكس الجوزقيّ، فاستدلّ به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر، قال الحافظ: وهو محتملٌ للأمرين. انتهى (٢). والحاصل أن الحقّ هو جواز تقديمها على يوم العيد بيوم، أو يومين، كما صحّ ذلك عن الصحابة ﵃، مع أن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك، وتقريره لهم، وهذا هو الدليل الصحيح الواضح، وأما حديث أبي هريرة ﵁ المذكور، فدلالته على مسألتنا محلّ نظر، فليتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11042

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٩] ( … ) - (حَدَّثنا (١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى قَبْلُ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ") (٢). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، و"ابن أبي فُديك" هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك، و"الضحّاك" هو: ابن عثمان بن عبد الله بن خالد الحزاميّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٠] (٩٨٧) - (وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ ذهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفَحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ (٣) أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: "وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ

стр. 11043

قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: "وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمِ، لَا يُؤَدي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: "الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِياءً، وَفَخْرًا، وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا، وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ (١)، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: "مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحَدَثانيّ، هرويّ الأصل، أبو محمد، صدوقٌ في

стр. 11044

نفسه، إلا أنه عَمِيَ، فصار يتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ) نزيل عَسْقلان، أبو عمر، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى سُويد، فحدثانيّ، وحفص، فعسقلانيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁، رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ مولى عمر بن الخطاب ﵁ (أَنَّ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ) السمّان الزيّات (أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا" نافية (مِنْ) زائدة (صَاحِبِ ذَهَبٍ، وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا) قال التوربشتيّ ﵀: ذَكَرَ جنسين من المال، ثم قال: "لا يؤَدّي منهَا حَقَّهَا"؛ ذهابًا إلى أن الضمير إلى معنى الذهب والفضّة دون لفظهما؛ لأن كلّ واحد منهما جملة وافية، ودنانير ودراهم، ويَحْتَمِل أن يراد بها الأموال، ويَحْتَمِل أنه أراد بها الفضّة، واكتفى بذكر أحدهما، كقول الشاعر [من الطويل]: وَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ … فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بهَا لَغَرِيبُ وبمثله ورد التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. أو لكون الفضّة أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذهب، وأشهر في أثمان

стр. 11045

الأجناس، ولذا اكتفى بها في قوله ﷺ : "وليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة". انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لا يؤدّي حقها" كذا صحّت الرواية بـ "ها" التأنيث المفردة، وظاهره أنه عائد على الفضّة، فإنه أقرب مذكور، وهي مؤنّثة، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]، وقد حُمل هذا على الاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر، كما في قول الشاعر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا … عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِ وقيل: أعاد على معنى الكلمات المتقدّمة، وكأنه قال: لا يؤدّي من تلك الأمور المذكورات حقّها، وأشبه من هذه الأوجه أن يقال: إن الذهب والفضّة يقال لهما عين لغةً، فاعاد عليها الضمير، وهي مؤنّثةٌ. قال: وهذا الحديث يدلّ على أن الذهب والبقر فيهما الزكاة، وإن لم يجئ ذكرهما في حديث جابر ﵁ المتقدّم، ولا في كتاب أبي بكر ﵁ في الصدقة، على ما ذكره البخاريّ، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيهما، وإن اختلفوا في نصاب البقر. انتهى (٢). (إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) استثناء من عموم الأحوال (صُفِّحَتْ) بتشديد الفاء مبنيًّا للمفعول؛ أي: جعلت الفضّة ونحوها (لَهُ) أي: لصاحبها (صَفَائِحَ) جمع صَفِيحَة، وهي ما يُطبع مما يتطرّق، كالحديد والنحاس، ورُوي مرفوعًا على أنه نائب فاعل و"صُفّحت"، ومنصوبًا على أنه مفعول ثانٍ لها، وفي الفعل ضمير الذهب والفضّة، وأنّث إما بالتأويل السابق، وإما على التطبيق بينه وبين المفعول الثاني الذي هو "صفائح". وقوله: (مِنْ نَارٍ) يعني: أنه إذا لم يؤدّ صاحب الذهب والفضّة حفها يُجعل له صفائح من نار، أو جُعلت الذهب والفضّة صفائح من نار، وكأنه تنقلب صفائح الذهب والفضّة لفرط إحمائها، وشدّة حرارتها صفائح النار،

стр. 11046

فيكوى بها جبينه … إلخ، وهذا التأويل يوافق ما في التنزيل حيث قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، فجعل عين الذهب والفضّة هي المحمى عليها في نار جهنم، قاله الطيبيّ ﵀ (١). (فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ) ببناء الفعل للمفعول، و"عليها" نائب فاعله؛ أي: أوقد عليها نار ذات حمى وحرّ شديد، من قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ١١]، ففيه مبالغة في "أحميت في نار"، قاله الطيبيّ، والضمير في "عليها" للفضّة، فالفاء تفسيريّةٌ، وقيل: الضمير إلى الصفائح الناريّة؛ أي: تُحمى مرّة ثانيةً في نار جهنّم؛ ليشتدّ حرّها، فالفاء تعقيبيّة. (فَيُكْوَى بِهَا) أي: بتلك الفضّة، أو بتلك الصفائح (جَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ، وَظَهْرُهُ) قيل: إنما خُصّت هذه المواضع بالكيّ دون غيرها من أعضائه؛ لتقطيبة وجهه في وجه السائل، وازْوِرَاره عنه بجانبه، وانصرافه عنه بظهره، قاله القرطبيّ ﵀ (٢). وقال في "المرعاة": قيل: خصّ هذه الأعضاء بالذكر من بين سائر الأعضاء؛ لأنها مجوّفة، فتُسرع الحرارة إليها، أو لأن الكيّ في الوجه أبشع وأشهر، وفي الظهر والجنب أوجع وآلم، وقيل: لأن جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى، والتنعّم بالمطاعم الشهيّة، والملابس البهيّة، وقيل: لأن السائل متى تعرّض للطلب من البخيل أول ما يبدو منه من آثار الكراهية والمنع أنه يُقَطِّبُ في وجهه، ويتكلّح، ويجمع أساريره، فيتجعّد جبينه، ثم إن كرّر الطلب ناء بجانبه عنه، ومال عن جهته، وتركه جانبًا، فإن استمرّ الطلب ولّاه ظهره، واستَقْبَلَ جهةً أخرى، وهي النهاية في الردّ، والغاية في المنع الدالّة على كراهيته للعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي البرّ والإحسالى، وعادة البخلاء بالرفد والعطاء، فلذلك خصّ هذه الأعضاء بالكيّ، قاله الجزريّ في "جامع الأصول" (٣).

стр. 11047

وقال الطيبيّ ﵀: خصّ هذه الأعضاء -أعني الجنب، والجبين، والظهر- لأنه جمع المال، وأمسكه، ولم يصرفه في مصارفه؛ لِيَحْصُلَ به وجاهةٌ عند الناس، وترفّهٌ، وتنعّمٌ في المطاعم والملابس، فيحوي جنبه وظهره المأكولات الهنيّة اللذيذة، فينتفخ، ويقوى منها، وتحويها الثياب الفاخرة، والملابس الناعمة، فيلتذّ جنباه بها، أو لأنه ازْوَرّ عن الفقير في المجلس، وأعرض عنه، وولَّى ظهره، أو لكونها أشرف الأعضاء الظاهرة؛ لاشتمالها على الأعضاء الرئيسيّة التي هي الدماغ، والقلب، والكبد. وقيل: المراد بها الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن، ومآخِره، وجنبتاه. انتهى (١). (كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ) قال القرطبيّ ﵀: كذا رواية السجزيّ، ولكافّة الرواة كلها "رُدّت"، والأول هو الصواب، فتأمّله، فإنه المناسب للمعنى. انتهى (٢). فيكون المعنى على هذا: كلما بردت تلك الصفائح رُدّت إلى نار جهنّم ليُحمى عليها، ويكون على الثاني: كلما رُدّت تلك الصفائح من بدنه إلى النار، أعيد إليه أشدّ ما كانت، والمراد منه استمرار التعذيب، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: هكذا هو في بعض النسخ: "بَرَدَت" بالباء، وفي بعضها: "رُدّت" بحذف الباء، وبضمّ الراء، وذكر القاضي عياض الروايتين، وقال: الأولى هي الصواب، قال: والثانية رواية الجمهور. انتهى (٣). وقال الطيبيّ ﵀: معناه: دوام التعذيب، واستمرار شدّة الحرارة في تلك الصفائح استمرارَها في حديدة مُحماة تُرَدّ إلى الكِير، وتُخرج منها ساعةً، فساعة. انتهى (٤). وقال ابن الملك: يعني: إذا وصل كيّ هذه الأعضاء إلى آخرها أعيد الكيّ إلى أولها حتى وصل إلى آخرها. انتهى.

стр. 11048

وقال القاري: ويَحْتَمِل أن يكون الضمير في "رُدّت" للأعضاء؛ أي: كلما رُدّت الأعضاء بالتبديل بعد الإحراق، والقرب من الإفناء أعيدت الصفائح عليها، فيكون موافقًا لقوله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية [النساء: ٥٦]. انتهى (١). وقوله: (لَهُ) أي: لمانع الزكاة، وهو متعلّقٌ بـ "أُعيدت". (فِي يَوْمٍ) هو يوم القيامة (كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) هذا المقدار على الكافرين، ويطول على بقيّة العاصين بقدر ذنوبهم، وأما المؤمنون فهو على بعضهم كركعتي الفجر (٢)، وإليه أشار بقوله : ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدّثّر: ٩، ١٠]، قاله القاري ﵀. وقال القرطبيّ ﵀: قيل: معناه: لو حاسب غير الله ، وقيل: قدر مواقفهم للحساب، وقيل: يوم القيامة فيه خمسون موطنًا، كل موطن ألف سنة. قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب أن طول ذلك اليوم مقدار خمسين ألف سنة من سنيّ الدنيا، كما هو ظاهر النصّ، فتأمله، والله تعالى أعلم.

стр. 11049

(حَتَّى يُقْضَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يُحكَم، ويُفرغ من حساب الناس (بَيْنَ الْعِبَادِ) قال القاري ﵀: وفيه إشارة إلى أنه في العذاب، وبقيّة الخلق في الحساب، ولذا قيل: الدنيا حلالها حساب، وحرامها عقاب (١). انتهى (٢). وقال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": يمكن أن يؤخذ منه أن مانع الزكاة آخر من يُقضَى فيه، وأنه يُعذّب بما ذُكر حتى يُفرغ من القضاء بين الناس، فيُقضى فيه بالنار، أو الجنّة. ويحتمل أن المراد حتى يُشرع في القضاء بين الناس، ويجيء القضاء فيه، إما في أولهم، أو وسطهم، أو آخرهم على ما يريد الله، وهذا أظهر. انتهى. قال ولده وليّ الدين ﵀: قد يشير إلى الأول قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، ويقال: إنما ذُكر في معرض استيعاب ذلك اليوم بتعذيبه؛ لجواز أن يكون القضاء فيه آخر الناس، وإن احْتَمَل أن يكون فصل أمره في وسطه، والله أعلم. انتهى (٣). (فَيُرَى) بالبناء للمفعول، من الرؤية، أو من الإراءة، وقوله: (سَبِيلَهُ) مرفوع على الأول على أنه نائب الفاعل، ومنصوب على أنه مفعول ثان على الثاني، والنائب عن الفاعل ضمير صاحب المال، وروي بالبناء للفاعل من الرؤية؛ أي: يَرَى هو سبيله، فـ"سبيله" منصوب على المفعوليّة. وقال النوويّ ﵀: ضبطناه بضمّ الياء وفتحها، وبرفع لام "سبيلُهُ " ونصبها. انتهى (٤). وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ مقهور، لا يقدر أن يروح إلى النار فضلاً عن الجنّة حتى يُعيّن له أحد السبيلين (٥).

стр. 11050

(إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ) أي: إن لم يكن له ذنب سواه، وكان العذاب تكفيرًا له (وَإِمَّا إِلَى النَّارِ") إن كان على خلاف ذلك. قال القاري ﵀: وفيه ردّ على من يقول: إن آية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤] مختصّة بأهل الكتاب، ويؤيّده القاعدة الأصوليّة: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أنه لا دلالة في الحديث على خلوده في النار، قال: وبهذا يُعلم ضعف قول ابن حجر -يعني: الْهَيتميّ- أيضًا: "إما إلى الجنة" إن كان مؤمنًا بأن لم يستحلّ ترك الزكاة، "وإما إلى النار" إن كان كافرًا بأن استَحَلّ تركها. انتهى كلام القاري (١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن حجر الهيتميّ ﵀ ليس ببعيد، بل هو محتمل في معنى الحديث، فتأمله، والله تعالى أعلم. (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالابِلُ؟) الفاء متصلة بمحذوف؛ أي: عرفنا حكم الذهب والفضّة، فما حكم الإبل؟ (قَالَ) ﷺ ("وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ) بالجرّ عطفًا على "صاحب ذهب"، فيكون من باب العطف التلقينيّ، أو بالرفع على أنه فاعل لمقدّر؛ أي: ولا يوجد صاحب إبل، وقوله: (لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقِّهَا) في محلّ جرّ صفة لـ"إبل"؛ أي: لا يعطي صاحب الإبل منها حقّها؛ أي: ما يجب عليه فيها للفقراء، من الزكاة، أوأعمّ من ذلك (وَمِنْ حَقِّهَا) أي: المندوب على ما قاله الجمهور، أو الواجب على ما قاله بعضهم، وهو الحقّ على ما يأتي بيانه، قال الطيبيّ ﵀: و"من" للتبعيض؛ أي: بعض حقّها حلبها، وحقّها الأول أعمّ من الثاني، وذكر الثاني للاستطراد، والوعيد مرتّب على الأول، ويَحْتَمِلُ أن يكون التعذيب عليهما معًا تغليظًا. انتهى (٢). (حَلَبُهَا) بفتح اللام على اللغة المشهورة، وحُكي إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس، قاله النوويّ (٣). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ ﵀: غريبٌ ضعيفٌ، ولا أدري من أين أخذه، فإن كتب اللغة أثبتته، ولم تشر إلى ضعفه، قال في

стр. 11051

"المصباح": حَلَبْتُ الناقةَ وغيرها حَلْبًا، من باب قَتَلَ، والْحَلَبُ بفتحتين يُطلَقُ على المصدر أيضًا، وعلى اللبن المحلوب، فيقال: لبنٌ، وحليبٌ، ومحلوبٌ. انتهى (١). وقال في "القاموس": الْحَلْب -أي: بسكون اللام- ويُحَرَّكُ: استخراج ما في الضرع من اللبن، كالْحِلاب بالكسر، والاحتلاب، يَحْلُب، ويَحْلِبُ - أي: من بابى نصر وضرب- والمِحْلَبُ والحِلاب بكسرهما: إناءٌ يُحلب فيه، وقال أيضًا: والْحَلَبُ مُحرّكةً، والحليب: اللبن المحلوب، أو الحليب ما لم يتغيّر طعمه. انتهى (٢). فقد تبيّن بما قاله في "المصباح"، و"القاموس" أن الحلْب بسكون اللام مصدر قياسيّ مستعمل، فدعوى كونه ضعيفًا غير مقبول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (يَوْمَ وِرْدِهَا) -بكسر الواو- أي: إتيانها إلى الماء، أو نوبة الإتيان إلى الماء، فإن الإبل تأتي الماء في كلّ ثلاثة أيام، أو أربعة، وربما تأتي في ثمانية. وفي حديث جابر الآتي: "حَلَبها على الماء"؛ أي: في محلّ سقيها الماء. وإنما خصّ الْحَلْبَ بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاجين من قصد المنازل، وأرفق بالماشية، قاله في "الفتح"، ولأنه حالة كثرة لبنها؛ ولأن الفقراء يحضرون هناك لذلك. وفي هذا دليل لمن يرى في المال حقوقاً غير الزكاة، قاله في "طرح التثريب". وقال الطيبيّ: معناه أن يُسقى ألبانها المارّة، ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل، وقيل: أمر أن يحلبها صاحبها عند الماء ليصيب ذوو الحاجة منه، وهذا مثل نهيه ﷺ عن الجذاذ بالليل، أراد أن يُصرَمَ بالنهار ليحضره الفقراء. انتهى (٣).

стр. 11052

وقال ابن بطّال: يريد حقّ الكَرَم، والمواساة، وشريفِ الأخلاق، لا أن ذلك فرضٌ، قال: وكانت عادة العرب التصدّق باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم، قال: والحقّ حقّان: فرض عين، وغيره، فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق. وقال إسماعيل القاضي: الحقّ المفترض هو الموصوف المحدّد، وقد تحدث أمورٌ لا تُحدّ، فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضعيف مضطرّ، أو جائع، أو عار، أو ميت ليس له من يُواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التي تزول بها الضرورات. وقال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر الحديث يردّ قولَ من قال: إنه من مكارم الأخلاق، وليس من الواجب، وقول من قال بالنسخ، ويدلّ دلالة واضحة لمن يَرَى في المال حقًّا سوى الزكاة على ما سنبيّنه، وهو مذهب غير واحد من التابعين، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في هذا، في المسائل -إن شاء الله تعالى-. [تنبيه]: قال الحافظ العراقيّ ﵀: الظاهر أن قوله: "ومن حقها حلبها يوم وردها" مدرج من قول أبي هريرة، قال: وكأن أبا داود أشار إلى ذلك في "سننه" من غير تصريح، فإنه لما ذكر هذه الزيادة رَوَى بعدها من حديث أبي عُمَر الغدانيّ، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ نحو هذه القصّة، فقال له -يعني: لأبي هريرة-: فما حقّ الإبل؟، قال: تُعطي الكريمة، وتَمنَح الغزيرة، وتُفقر الظهر، وتُطرِق الفحل، وتَسقي اللبن، قال: ففي هذه الرواية أن هذا من قول أبي هريرة ﵁. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الإدراج المذكور عندي محلّ نظر، فإن البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، روى الزيادة فقط من حديث أبي هريرة ﵁، فقال في "كتاب المساقاة" من "صحيحه": (٢٣٧٨) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فُلَيح، قال: حدّثني أبي، عن هلال بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من حق الإبل، أن تُحْلَب على الماء".

стр. 11053

وزاد أبو نعيم في "مستخرجه"، والبرقانيّ في "المصافحة" من طريق المعافى بن سُليمان، عن فُليح: "يوم وُرُودها"، قاله في "الفتح" (١). فهذا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ ﷺ بحيث لا يَحْتَمِلُ الإدراج. والحاصل أن ادّعاء الإدراج لهذه الزيادة في حديث أبي هريرة ﵁ مما لا يخفى بُعده، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) استثناء مفرّغٌ من عموم الأحوال، و"كان" تامّة، بمعنى جاء ووقع (بُطِحَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أُلقي صاحب الإبل على وجهه. وقال النوويّ ﵀: قوله: "بُطِحَ" قال جماعة: معناه أُلقي على وجهه، قال القاضي: قد جاء في رواية البخاريّ: "تَخبِط وجهه بأخفافها". قال: وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البَطْح كونه على الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمدّ، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، ومنه سمّيت بطحاء مكة؛ لانبساطها. انتهى (٢). (لَهَا) أي: لتلك الإبل، وهو متعلّقٌ بـ "بُطِحَ"، قال التوربشتيّ ﵀: ووقع في بعض نسخ "المشكاة" بلفظ "له" بالتذكير، وهو خطأٌ رواية ودرايةً؛ لأن الضمير المرفوع في الفعل لصاحب الإبل، والمجرور للإبل؛ ليستقيم؛ لأن المبطوح المالك، لا الإبل. انتهى. وتعقّبه الطيبيّ، فقال: أما التمسّك بالرواية فمستقيم، وأما بالمعنى فلا، لم لا يجوز أن يذكّر الضمير لإرادة الجنس، أو للتأويل بالمذكور، على أنه يجوز أن يرجع الضمير لصاحب الإبل، ويكون الجارّ والمجرور قائمًا مقام الفاعل، كما في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]. انتهى (٣). (بِقَاعِ قَرْقَرٍ) "القاع": المستوي الواسع من الأرض، يعلوه ماء السماء، فيمسكه، قَال الَهرويّ: وجمعه قِيَعَة، وقِيعان، مثل جار، وجِيَرَة، وجِيران، و"القرقر" -بفتح القافين-: المستوي أيضًا من الأرض الواسعُ، قاله النوويّ،

стр. 11054

وقال في "النهاية": القاع المكان المستوي من الأرض الواسع، والقَرْقَرُ: الأملس. انتهى. فيكون ذكر القرقر بعد القاع تأكيدًا. (أَوْفَرَ مَا كَانَتْ) أي: أكثر عددًا، وأعظم سِمَنًا، وأقوى قُوّةً، قال في "شرح السنّة": يريد كمال حال الإبل التي تطأ صاحبها في القوّة والسِّمَن؛ ليكون أثقل لوطئها، قال الطيبيّ: "أوفر" مضاف إلى "ما" المصدرية، والوقتُ مقدَّر، وهو منصوب على الحال من المجرور في "لها"، إن كان الضمير المجرور للإبل، وجُوِّز وقوعه حالًا، ولا يمنعها إضافته إلى المعرفة؛ لأن الإضافة فيه غير محضة، بدليل قولهم: مررت برجل أفضلِ الناس، وإن كان لصاحب الإبل، فهو خبر مبتدأ محذوف على الاستئناف. انتهى (١). وقوله: (لَا يَفْقِدُ) أيضًا، إما مترادفة إن كان صاحب الحال الضمير في "بُطِحَ"، أو متداخلة إن كان صاحب الحال الضمير المستتر في "كانت" التامّة الراجع إلى الإبل؛ لوجود الضمير في "منها؛ أي: لا يفقد الصاحب المذكور (مِنْهَا) أي: من تلك الإبل (فَصِيلًا) -بفتح الفاء، وكسر الصاد المهملة-: ولد الناقة، سُمّي بذلك؛ لأنه يُفصَل عن أمه، فهو فَعِيلٌ بمعنى مفعول، والجمع فِصْلان بضمّ الفاء وكسرها، وقد يُجمع على فِصَالٍ بالكسر، كأنهم توهّموا فيه الصفة، مثلُ كريم وكِرَامٍ، قاله في "المصباح" (٢). وقوله: (وَاحِدًا) صفة مؤكّدة لـ"فَصِيلًا". (تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا) أي: تضربه، وتدوسه الإبل بأرجلها، والجملة حال مترادفة، أو متداخلة على التقديرين؛ لوجود ضمير المذكّر والمؤنّث، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانيًّا، كأنه لما قيل: بُطِحَ صاحب الإبل لإبله، حال كونها قويّةً تامّة مع جميع فصيلاتها، غير فاقدة منها شيئًا، اتّجَهَ السائل أن يقول: لم بُطِحَ لها؟، فأجيب لتطأه بأخفافها … إلخ، وعلى هذا حكم "كلما" في الحاليّة، والاستئنافيّة؛ أي: تطؤه دائمًا، قاله الطيبيّ ﵀ (٣). (وَتَعَضُّهُ) بفتح العين المهملة، يقال: عَضِضتُ اللُّقْمة، وبها، وعليها

стр. 11055

عَضًّا: إذا أمسكتها بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكن، ومن باب نَفَعَ لغةٌ قليلةٌ، وفي "أفعال ابن القَطّاع": من باب قتل، قاله في "المصباح" (١). وقال في "القاموس": عَضَضْته، وعليه، كسمِعَ، ومَنَعَ عَضًّا، وعَضِيضًا: أمسكته بأسناني، أو بلساني. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أثبت في "المصباح" و"القاموس" مجيء "عَضّ" من الباب الثالث، وهو فتح العين في الماضي والمضارع، وفيه نظرٌ؛ لأن شرط الباب الثالث غير موجود، وقد تعقّب محمد المرتضى شارح "القاموس" ﵀ ذلك، ودونك عبارته: عَضَضْتُهُ مُتعدّيًا بنَفْسه، وعَضِضْتُ عَلَيْه مُتَعَدِّيًا بـ"عَلَى"، وكَذَا عَضضْتُ بِهِ مُتَعَدِّيًا بالبَاءِ، صَرَّح به الجَوْهَرِيُّ، والصّاغَانِيُّ، كسَمِعَ ومَنَعَ، قال شيخُنا: وَزْنُه بمَنَع وَهَمٌ؛ إِذِ الشَّرْطُ غَيْرُ مَوْجُودٍ كما في "القاموس"، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ. انتهى. قُلْتُ (٣): الفَتْحُ نَقَلَه الجَوْهَرِيّ، ونَصُّه: ابنُ السِّكِّيت: عَضَضْتُ باللُّقْمَة فاَنَا أَعَضُّ، وقال أَبو عُبيْدٍ: عَضَضْتُ بالفَتْحِ لُغةٌ في الرِّبابِ، قال ابنُ بَرِّيّ: هذا تَصْحِيفٌ على ابنِ السِّكِّيتِ، والَّذِي ذَكَرَهُ ابن السِّكِّيت في "كِتاب الإِصلاح": غَصِصْتُ باللُّقْمَةِ، فأَنا أَغَصُّ بها غَصَصًا، قال أَبو عُبَيْدة: وغَصَصْتُ لُغَةٌ في الرِّباب، بالصَّاد المُهْمَلَة، لا بالضَّاد المُعْجَمَة. قلتُ: وهكَذا وُجِدَ بخَطِّ أَبي زَكَريّا، وابْن الجَوَاليقيّ في "الإِصْلاح" لابْن السِّكّيت، في باب ما نُطِقَ به بفَعِلْتُ وفَعَلْتُ بالغين والصاد المُهْمَلَة على الصَّواب، وصَرَّحُوا بأَنَّ مَا في "الصّحاح" تَصْحيفٌ، وقد تَبِعَهُ المُصَنِّف (٤) هُنَا، حَيْثُ وَزَنَهُ بمَنَع؛ إِشَارَة إلى قَوْل أَبي عُبَيْدَةَ المَذْكُور، من غَيْر تَنْبيهٍ عليه، وذَكَرَهُ أَيْضًا في الصَّاد على الصّواب، وقد وَقَعَ في هذَا الوَهَمِ أَيْضًا الصّاغَانيُّ في "العُبَاب"، حَيْثُ نَقَلَ قَوْلَ أَبي عُبَيْدَةَ السَّابقَ، وكأَنَّ المُصَنِّفَ حَذَا حَذْوَهُ على عَادَته، مع أَنَّه نَبَّهَ على تَوْهيمِ الجَوْهَريّ في كتَابه "التَّكْملَة"، فَقَالَ ما نَصُّه:

стр. 11056

وقَال الجَوْهَريُّ: عَضِضْتُ باللُّقْمَة، والصَّوابُ غَصِصْتُ، بالغَيْن المُعْجَمَة، وبَصَادَيْن مُهْمَلَتَيْن، ولم يَذْكُرْ قَوْلَ أَبي عُبَيْدَةَ، وكَأن عنده الوَهَمَ في غَصصْت باللُّقْمَة فَقَط، والصَّواب ما نَقَلَه ابنُ بَرّيّ فيما تَقَدَّمَ من القَوْل، فتَأَمّلْ تَرْشُدْ، فالصَّوابُ الَّذي لا مَحيدَ عنه أَنَّهُ من باب سَمِع فَقَط. انتهى كلام محمد المرتضى ﵀ في"شرحه" (١). فتحَصَّل بما ذُكر أن الصواب أن عضّ، من باب سِمَعَ، لا من باب نفع، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِأَفْوَاهِهَا) أي: بأسنانها، متعلّقٌ بـ"تعضّه" (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا) أي: أولى تلك الإبل (رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع الأصول في هذا الموضع، قال القاضي عياض: قالوا: هو تغيير، وتصحيف، وصوابه ما جاء بعده في الحديث الآخر، من رواية سهيل، عن أبيه، وما جاء في حديث المعرور بن سُويد، عن أبي ذَرّ ﵁ "كلما مَرّ عليه أخراها، رُدّ عليه أولاها"، وبهذا ينتظم الكلام. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: هكذا صحّت الرواية، فقيل: هو تغيير وقلبٌ في الكلام، وصوابه كما جاء في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: "كلّما مرّ عليه أُخراها رُدّت عليه أُولاها"، قيل: وهكذا يستقيم الكلام؛ لأنه إنما يريد الأول الذي قد مَرّ قبلُ، وأما الآخر فلم يمرّ بعدُ، فلا يقال فيه: "رُدّت". قال: ويظهر لي أن الرواية الصحيحة ليس فيها تغيير؛ لأن معناها: أنّ أول الماشية كلما وصلت إلى آخر ما تمشي عليه، تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع، فعادت الأخرى أولى، حتى تنتهي إلى آخره، وهكذا إلى أن يقضي الله بين العباد، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٣). وكذا وجّهه الطيبيّ ﵀، فقال: إنّ المراد أن أولاها إذا مرّت عليه تتابع إلى أن تنتهي إلى الأخرى، ثم ردّت الأخرى من هذه الغاية، وتبعها ما كان

стр. 11057

يليها، فما يليها إلى أن تنتهي أيضًا إلى الأولى، حصل الغرض من التتابع والاستمرار. انتهى. فيكون الابتداء في المرّة الأولى من الإبل الأولى، وفي المرّة الثانية من الأخرى، والحاصل أنه يحصل هذا بعد أخرى (١). وقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) تقدّم البحث في هذا قريبًا، فلا تنس (حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُفرغ من الحكم بينهم. وقوله: (فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ") تقدّم البحث فيه مستوفًى، فلا تنس. (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟) تقدّم أن الفاء عاطفة على محذوف؛ أي: هذا حكم الإبل، فما حكم البقر والغنم؟ (قَالَ) ﷺ ("وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ) تقدّم أنه يجوز رفعه، وجرّه (لَا يُؤَدِّي مِنْهَا) أي: مما ذُكر من البقر والغنم (حَقَّهَا) أي: الواجب عليه فيها (إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا) أي: من ذواتها، وصفاتها، كما بيّنه بقوله: (لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ) أي: ملتوية القرنين (وَلَا جَلْحَاءُ) أي: لا قرن لها (وَلَا عَضْبَاءُ) أي: مكسورة قرنها الداخل، ونفي الثلاثة عبارة عن سلامة قرونها؛ ليكون أجرح للمنطوح (٢). قال القاري ﵀: ظاهر الحديث أن هذه الصفات فيها معدومة في العقبى، وإن كانت موجودة لها في الدنيا، وظاهر البعث أن يعيد الله تعالى الأشياء على ما كانت عليه في الحالة الأولى، كما هو مفهوم من الكتاب والسنّة، ولعله يخلقها أولًا كما كانت، ثم يعطيها القرون؛ ليكون سببًا لعذابه على وجه الشدّة، والله تعالى أعلم. انتهى (٣). (تَنْطَحُهُ) بكسر الطاء المهملة، وفتحها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، والكسر أفصح، وهو المعروف في الرواية، قاله النوويّ ﵀، وقال في

стр. 11058

"القاموس": نَطَحَه، كمنعه، وضربه: أصابه بقرنه. انتهى (١). فقوله: (بِقُرُونِهَا) إما تأكيدٌ، وإما تجريد، قاله القاري (٢). (وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا) بالفتح: جمع ظِلْف -بكسر، فسكون-: للبقر، والغنم، والظِّباء، وهو المنشق من القوائم، قاله النوويّ. وقال القرطبيّ: هو الظُّفُر من كلّ دابّة مشقوقة الرجل، ومن الإبل الخفّ، ومن الخيل، والبغال، والحمير: الحافر. انتهى (٣). وقوله: (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا، رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ") تقدّم شرحه مستوفًى. (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: فَالْخَيْلُ؟) أي: ما حكمها؟ (قَالَ) ﷺ ("الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ) قال الطيبيّ ﵀: [فإن قلت]: الجوابان السابقان مطابقان للسؤالين؛ لأن الأسئلة عن حقوق الله تعالى في الأجناس، ووجوب الزكاة فيها، فأين المطابقة في السؤال الثالث؟. [قلت]: هو وارد على الأسلوب الحكيم، وفي التوجيه وجهان: [أحدهما]: على مذهب الشافعيّ ﵀ (٤)؛ أي: دَعْ السؤال عن الوجوب؛ إذ ليس فيه حقّ واجب، ولكن سل عن اقتنائها عما يرجع إلى صاحبها من المضرّة والمنفعة. [وثانيهما]: على مذهب أبي حنيفة ﵀ (٥) أي: لا تسأل عما وجب فيها من الحقوق وحده، بل سل عنه، وعما يتّصل بها من المنفعة والمضرّة إلى صاحبها. [فإن قيل]: كيف استُدلّ على الوجوب بالحديث؟. [قلت]: بعطف الرقاب على الظهور؛ لأن المراد بالرقاب ذواتها؛ إذ ليس

стр. 11059

في الرقاب منفعة عائدة إلى الغير، كالظهور، وبمفهوم الجواب الآتي من قوله ﷺ : "ما أُنزل عليّ في الْحُمُرِ شيءٌ". وأجاب القاضي البيضاويّ عنه بأن معنى قوله: "لم ينس حقّ الله في رقابها" أداء زكاة تجارتها. قال الطيبىّ: وجه هذه الكناية أن الرقاب ربما يُكنى بها عن الانقياد والمملوكيّة، وما يساق للتجارة يقاد بها بما يشدّ على رقابها للجلب، وينصره قوله: "لم ينس"، فإنه لا يستعمل في الوجوب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ الآية [القصص: ٧٧]. وأما الجواب عن السؤال الأخير، فإن الفاء في قوله: "فالْحُمُرُ" جاءت عقب المذكورات، كأنه قيل: عرفنا الوجوب في النقدين، والأنعام، والندب في الخيل، فما حكم الحمير؟. قال: وفي قوله: "فالخيل ثلاثة" جمع وتفريق وتقسيم، فأما الجمع، ففي قوله: "ثلاثة"، وأما التفريق ففي قوله: "هي لرجل وزرٌ … إلخ". انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١). ومعنى قوله: (الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ) أي: ربطها على ثلاثة أنحاء، وفي رواية: "الخيل لثلاثة"، ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل، إما أن يقتنيها للركوب، أو للتجارة، وكلّ منهما، إما أن يقترن به فعل طاعة الله، وهو الأول، أو معصيته، وهو الأخير، أو يتجرّد عن ذلك، وهو الثاني، قاله في "الفتح" (٢). (هِيَ) أي: الخيل (لِرَجُلٍ وِزْرٌ) أي: ثقلٌ وإثمٌ (وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ) بكسر، فسكون: أي: ساترة لحاله في معيشته؛ لحفظه عن الاحتياج والسؤال (وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ) أي: ثواب عظيم، فالتنوين للتعظيم. (فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ) قال القاري: الظاهر أن يقال: فخيل ربطها، أو يقال: فأما الذي هي له وزر، فرجلٌ، والأظهر أن يكون التقدير:

стр. 11060

فخيل رجلٍ (رَبَطَهَا رِيَاءً) بالهمز، ويُبدل؛ أي: ليُري الناس عظمته في ركوبه وحشمته (وَفَخْرًا) أي: ليفتخر بلسانه على من دونه من الناس (وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ) الواو بمعنى "أو"؛ فإن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص، وكلّ واحد منها مذموم على حدته، والنّواء بكسر النون والمدّ: المنازعة والمعاداة، يقال: ناوأته نِواءً، ومنوأةً: إذا عاديته، كأنه ناء إليك، ونأوت إليه، من النوء وهو النهوض، كأن كلّ واحد من المتعاديين ينهض إلى صاحبه بالعداوة (١). والمعنى: أنه ربطها منازعةً ومعاداةً للمسلمين. (فَهِيَ) أي: تلك الخيل (لَهُ) أي: لذلك الرجل (وِزْرٌ) أي: مكسب للإثم، بسبب قصده السيّئ، فالجملة مؤكّدة لما قبلها مشعرة باهتمام الشارع به، والتحذير عنه. (وَأَمَّا الَّتي هِيَ لَهُ سِتْرٌ) بفتح السين، وكسرها؛ أي: ساتر وحجاب له عن ذلّ السؤال، والحاجة إلى الناس (فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ) قيل: معناه: ليجاهد في سبيل الله، والصواب ما قاله الطيبيّ ﵀: إنه لم يُرد به الجهاد، بل النيّة الصالحة؛ لئلا يلزم منه التكرار، قال: ويعضده رواية غيره: "ورجل ربطها تغنّيًا وتعفّفًا"؛ أي: استغناء بها وتعفّفًا عن السؤال، وهو الآن يطلب بنتاجها الغنى والعفّة، أو يتردّد عليها إلى متاجرة ومزارعة، فتكون سترًا له تحجبه عن الفاقة. انتهى (٢). (ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا) أي: بالعارية للركوب، أو الفحل (وَلَا رِقَابِهَا) قال الطيبيّ ﵀: إما تاكيد وتَتِمّةٌ للظهور، وإما دليل لقول من قال بوجوب الزكاة فيها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد استظهر القاري الاحتمال الثاني تأييدًا لمذهبه الحنفيّ الموجب لزكاة الخيل، لكن الراجح عدم الوجوب، كما سيأتي تحقيقه، فتنبّه. وقال الجزريّ في "جامع الأصول": أما حقّ الظهور، فهو أن يَحْمِل

стр. 11061

عليها منقَطَعًا، ويشهد له قوله في موضع آخر: "وأن يُفقِر ظهرها"، وأما حقّ رقابها، فقيل: أراد به الإحسان إليها، والقيام بعلفها، وسائر مؤنها، وقيل: أراد به الحمل عليها، فعبّر بالرقبة عن الذات. انتهى (١). وأوّله السنديّ بأن المراد: لم ينس شكر الله تعالى لأجل إباحة ظهورها، وتمليك رقابها، وذلك الشكر يتأدّى بالعارية. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: وقد تعلّق أبو حنيفة، ومن يقول بوجوب الزكاة في الخيل بقوله: "ثم لم ينس حقّ الله في رقابها"، قالوا: وحقّ الله هو الزكاة، ولا حجة فيه؛ لأن ذكر الحقّ هنا مُجملٌ غير مفسّر، ثم يقال بموجبه؛ إذ قد يتعيّن فيها حقوق واجبة دئه تعالى في بعض الأوقات، كإخراجها في الجهاد، والحمل عليها في سبيل الله، والإحسان بها الواجب، والصدقة بما يكتسب عليها إن دعت إلى ذلك ضرورة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القرطبيّ ﵀ هو الحقّ، فليس حقّ الله تعالى الواجب محصورًا في الزكاة فقط، فقد يجب في بعض الأحيان غير الزكاة، كما سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ) أي: حجاب من سؤال الغير عند حاجته لركوب فرس، بدليل قوله: "تغنّيًا، وتعفّفًا" أي: عن الناس. (وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: أعدّها لإعلاء كلمة الله تعالى، وأصله من الربط، ومنه الرباط، وهو حبس الرجل نفسه وعُدّته في الثغور تجاه العدوّ، أفاده القرطبيّ ﵀ (٣). وقوله: (لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) فيه إشارة إلى أن المراد به الجهاد، فإن نفعه متعدّ إلى أهل الإسلام. (فِي مَرْجٍ) بفتح الميم، وسكون الراء، آخره جيمٌ: أي: مَرْعًى، قال في "النهاية": هو الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تَمْرُج فيها الدوابّ؛ أي: تُسرَح فيها، والجارّ متعلّق بـ "رَبَطَ"، وقوله: (وَرَوْضَةٍ) عطف تفسير، أو الروضة أخصّ

стр. 11062

من المرج، وفي بعض النسخ: "أو روضة" بـ "أو" التي للشكّ من الراوي. وقال وليّ الدين العراقيّ ﵀: "الْمَرْجُ": الموضع الواسع الذي فيه نبات ترعاه الدوابّ، سُمّي بذلك؛ لأنها تَمْرُج فيه أي: تروح، وتجيء، وتذهب كيف شاءت، و"الرَّوْضة": الموضع الذي يَكثُر فيه الماء، فيكون فيه صنوف النبات، من رياحين البادية وغيرها، فالفرق بين المرج والروضة أن الأول مُعَدٌّ لِرَعْي الدواب، ولذلك يكون واسعًا؛ ليتأتى لها فيه ذلك، والروضة ليست مُعَدَّة لرعي الدواب، وإنما هي للتنزه بها؛ لما فيها من أصناف النبات، هذا هو الذي يتحرر من كلام أهل اللغة، فصحّ عطف الروضة على المرج، وكذا وقع في "صحيح مسلم" عطف الروضة أولًا بالواو، وثانياً بـ "أو"، والظاهر أن الواو أوّلًا بمعنى "أو". انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١). (فَمَا أَكَلَتْ) أي: الخيل، وقوله: (مِنْ ذَلِكَ الْمَرْج، أَوِ الرَّوْضَةِ) بيان مقدّم لقوله: (مِنْ شَئ) أي: من العلف، أو الأزهار، قلّ أَو كثُر (إِلَّا كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول (عَدَدَ مَما أَكَلَتْ) "ما" موصولة، والفعل مبنيّ للفاعل؛ أي: أكلته من العشب وغيره، وقوله: (حَسَنَاتٌ) بالرفع على أنه نائب لـ"كُتِبَ"، و"عدَدَ" منصوب على الظرفيّة، أو بنزع الخافض؛ أي: بعدد ما أكلته. وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: قوله: "كُتِبَ له عددُ ما أكلت حسناتٍ" برفع "عددُ" لنيابته عن الفاعل، ونصب "حسناتٍ" بالكسرة على التمييز، وَيحْتَمِل رفع قوله: "حسنات" على أنه بدل من "عددُ"، أو عطف بيان، وَيحْتَمِل أن يكون هو النائب عن الفاعل، ويكون قوله: "عددَ" منصوبًا نصبَ المصدر العددي. انتهى (٢). وقوله: (وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ) إعرابه كإعراب سابقه، قال في "المرعاة": إنما كُتبت الأرواث، والأبوال حسنات؛ لأن بها بقاء حياتها، مع أن أصلها قبل الاستحالة غالبًا من مال مالكها. انتهى (٣). (وَلَا تَقْطَعُ) أي: تلك الخيل (طِوَلَهَا) بكسر الطاء، وفتح الواو، ويقال:

стр. 11063

"طِيَلَها" بالياء، وكذا في "الموطأ"، والطِّوَلُ، والطِّيَلُ: الحبل الطويل الذي يُرْبَط أحد طرفيه في يد الفرس، والآخر في وَتَد، أو غيره؛ لتدور فيه، وترعى من جوانبها، ولا تذهب لوجهها. (فَاسْتَنَّتْ) بالسين المهملة، والتاء المثناة من فوقُ، والنون المشدَّدة: أي: جَرَت بقوّة من الاستنان، وهو الجريُ، وقال القاري: أي: عَدَتْ، ومَرِجَتْ، ونَشِطَت لِمُرَاحها (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) -بفتح الشين المعجمة، والراء المهملة- وهو العالي من الأرض، وقيل: المراد هنا طَلَقًا، أو طَلَقَيْن، قاله النوويّ، وقال الجزريّ: الشَّرَفُ: الشوط والْمَدَى (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا) أي: بعدد خُطاها (وَأَرْوَاثِهَا) با لفتح: جمع رَوْث -بفتح، فسكون- قال الفيّوميّ: راث الفرس، ونحوه رَوْثًا، من باب قال، والخارج رَوْث، تسمية بالمصدر، والروثة الواحدة منه. انتهى. وقال في "المرعاة": لعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول، أو أسقطه للعلم به منه (١). وقول: (حَسَنَاتٍ) هنا بالنصب، لا غير؛ لأنه مفعول به لـ"كَتَبَ". (وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ) -بسكون الهاء، وفتحها- قال الفيّوميّ ﵀: النَّهْرُ: الماء الجاري الْمُتَّسِعُ، والجمع نُهُرٌ -بضمّتين-، وأنهُرٌ. والنَّهَر -بفتحتين- لغة، والجمع أنهارٌ، مثلُ سبب وأسباب، ثم أُطلق النهر على الأُخدود، مجازًا؛ للمجاورة، فيقال: جرى النهر، وجفّ النهر، كما يقال: جرى الميزاب، والأصل: جرى ماء النهر. انتهى. (فَشَرِبَتْ) الخيل (مِنْهُ) أي: من ذلك النهر، وقوله: (وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا) بفتح أوله، وضمّه، من سقى، وأسقى ثلاثيًّا ورباعيًّا، والجملة حال؛ أي: والحال أن صاحبها لا ينوي أن يسقيها من ذلك النهر. (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ") قال الحافظ وليّ الدين ﵀: هذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا حَصَلت له هذه الحسنات من غير أن يَقْصِد سقيها، فإذا قصده فأولى بإضعاف الحسنات. انتهى (٢).

стр. 11064

وقال الطيبيّ ﵀: فيه مبالغة في اعتداد الثواب؛ لأنه إذا اعتُبر ما تستقذره النفوس، وتنفر عنه الطباع، فكيف بغيرها؟، وكذا إذا احتُسب ما لا نيّة له فيه، وقد ورد: "وإنما لكلّ امرئ ما نوى"، فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه، قال ابن الملك: فالحاصل أنه يُجعل لمالكها بجميع حركاتها، وسكناتها، وفَضَلاتها حسنات. وقال الحافظ: وفيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أصلها، وإن لم يقصد تلك التفاصيل. انتهى (١). وقال السنديّ ﵀. وهذا لا يخالف حديث "إنما الأعمال بالنيّات"؛ لأن المفروض وجود النيّة في أصل ربط هذه الفرس، وتلك كافية. انتهى (٢). (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْحُمُرُ؟) بضمّتين: جمع حمار؛ أي: ما حكمها؟، قال الحافظ ﵀: لم أقف عدى تسمية السائل صريحًا (قَالَ) ﷺ ("مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ) الاستثناء مفرّغٌ، واسم الإشارة في محلّ رفع على أنه نائب الفاعل و"أُنزل"، و"الآيةُ" مرفوع على أنه بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان، أو نعت له (الْفَاذَّةُ) بالذال المعجمة المشدّدة: أي: المنفردة في معناها، وقيل: القليلة النظير، وقيل: النادرة الواحدة (الْجَامِعَةُ) أي: العامّة المتناولة لكل خير ومعروف، ومعنى ذلك أنه لم ينزل عليّ فيها نصّ بعينها، ولكن نزلت هذه الآية العامة. وقال ابن الملك: يعني: أنه ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ، وجمع معاني الخير والشرّ. وقال الطيبيّ: سُمّيت جامعةً؛ لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع الطاعات، فرائضها، ونوافلها، واسم الشرّ على ما يقابلها، من الكفر والمعاصي: صغيرها وكبيرها. وقال في "الفتح": سمّاها جامعةً لشمولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية، وسمّاها فاذّة؛ لانفرادها في معناها. وقال ابن التين: والمراد أن

стр. 11065

الآية دلّت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصيةً، رأى عقاب ذلك. قال النوويّ ﵀: وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم، وقد يَحتجّ به من قال: لا يجوز الاجتهاد للنبيّ ﷺ ، وإنما كان يحكم بالوحي، ويجاب للجمهور القائلين بجواز الاجتهاد بأنه لم يظهر له فيها شيء. انتهى (١). (﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾) أي: مقدار أصغر نملة (﴿خَيْرًا﴾) منصوب على التمييز لذرة (﴿يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]) أي: في الآخرة ليجازى عليه خيرًا (﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾) [الزلزلة: ٨] أي: ليُجازَى عليه شرًا؛ إذ الجزاء من جنس العمل، وأنشدوا في معنى الآية [من الخفيف]: إِنَّ مَنْ يَعْتَدِي وَيَكْسِبُ إِثْمًا … وَزْنَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ سَيَرَاهُ وَيُجَازَى بِفِعْلِهِ الشَّرَّ شَرًّا … وَبِفِعْلِ الْجَمِيلِ أَيْضًا جَزَاهُ هَكَذَا قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبِّي … فِي ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وَجَلَّ ثَنَاهُ (٢) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٢٢٩٠ و ٢٢٩١ و ٢٢٩٢ و ٢٢٩٣ و ٢٢٩٤ و ٢٢٩٥] (٩٨٧)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٠٢) و"المساقاة" (٢٣٧١) و"الجهاد والسير" (٢٨٦٠ و ٣٦٤٦) و"التفسير" (٤٥٦٥ و ٤٦٥٩) و (٤٩٦٢ و ٤٩٦٣) و"الأيمان والنذور" (٦٦٣٨) و"الحيل" (٦٩٥٨)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٥٨ و ١٦٥٩)، و (الترمذيّ) في "فضائل الجهاد" (١٦٣٦)، و (النسائيّ) في "الخيل" (٣٥٨٩ و ٣٦٠٩) و"الكبرى" (٤٤٠٢ و ٤٤٠٣ و ٤٤٢٣)، و (ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٨٨)، و (مالك) في "الموطأ" (٩٧٥)،
следующие страницы →