← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11061–11100 · переход к 11066.

стр. 11061

عليها منقَطَعًا، ويشهد له قوله في موضع آخر: "وأن يُفقِر ظهرها"، وأما حقّ رقابها، فقيل: أراد به الإحسان إليها، والقيام بعلفها، وسائر مؤنها، وقيل: أراد به الحمل عليها، فعبّر بالرقبة عن الذات. انتهى (١). وأوّله السنديّ بأن المراد: لم ينس شكر الله تعالى لأجل إباحة ظهورها، وتمليك رقابها، وذلك الشكر يتأدّى بالعارية. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: وقد تعلّق أبو حنيفة، ومن يقول بوجوب الزكاة في الخيل بقوله: "ثم لم ينس حقّ الله في رقابها"، قالوا: وحقّ الله هو الزكاة، ولا حجة فيه؛ لأن ذكر الحقّ هنا مُجملٌ غير مفسّر، ثم يقال بموجبه؛ إذ قد يتعيّن فيها حقوق واجبة دئه تعالى في بعض الأوقات، كإخراجها في الجهاد، والحمل عليها في سبيل الله، والإحسان بها الواجب، والصدقة بما يكتسب عليها إن دعت إلى ذلك ضرورة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القرطبيّ ﵀ هو الحقّ، فليس حقّ الله تعالى الواجب محصورًا في الزكاة فقط، فقد يجب في بعض الأحيان غير الزكاة، كما سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء الله تعالى-. (فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ) أي: حجاب من سؤال الغير عند حاجته لركوب فرس، بدليل قوله: "تغنّيًا، وتعفّفًا" أي: عن الناس. (وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: أعدّها لإعلاء كلمة الله تعالى، وأصله من الربط، ومنه الرباط، وهو حبس الرجل نفسه وعُدّته في الثغور تجاه العدوّ، أفاده القرطبيّ ﵀ (٣). وقوله: (لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) فيه إشارة إلى أن المراد به الجهاد، فإن نفعه متعدّ إلى أهل الإسلام. (فِي مَرْجٍ) بفتح الميم، وسكون الراء، آخره جيمٌ: أي: مَرْعًى، قال في "النهاية": هو الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تَمْرُج فيها الدوابّ؛ أي: تُسرَح فيها، والجارّ متعلّق بـ "رَبَطَ"، وقوله: (وَرَوْضَةٍ) عطف تفسير، أو الروضة أخصّ

стр. 11062

من المرج، وفي بعض النسخ: "أو روضة" بـ "أو" التي للشكّ من الراوي. وقال وليّ الدين العراقيّ ﵀: "الْمَرْجُ": الموضع الواسع الذي فيه نبات ترعاه الدوابّ، سُمّي بذلك؛ لأنها تَمْرُج فيه أي: تروح، وتجيء، وتذهب كيف شاءت، و"الرَّوْضة": الموضع الذي يَكثُر فيه الماء، فيكون فيه صنوف النبات، من رياحين البادية وغيرها، فالفرق بين المرج والروضة أن الأول مُعَدٌّ لِرَعْي الدواب، ولذلك يكون واسعًا؛ ليتأتى لها فيه ذلك، والروضة ليست مُعَدَّة لرعي الدواب، وإنما هي للتنزه بها؛ لما فيها من أصناف النبات، هذا هو الذي يتحرر من كلام أهل اللغة، فصحّ عطف الروضة على المرج، وكذا وقع في "صحيح مسلم" عطف الروضة أولًا بالواو، وثانياً بـ "أو"، والظاهر أن الواو أوّلًا بمعنى "أو". انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١). (فَمَا أَكَلَتْ) أي: الخيل، وقوله: (مِنْ ذَلِكَ الْمَرْج، أَوِ الرَّوْضَةِ) بيان مقدّم لقوله: (مِنْ شَئ) أي: من العلف، أو الأزهار، قلّ أَو كثُر (إِلَّا كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول (عَدَدَ مَما أَكَلَتْ) "ما" موصولة، والفعل مبنيّ للفاعل؛ أي: أكلته من العشب وغيره، وقوله: (حَسَنَاتٌ) بالرفع على أنه نائب لـ"كُتِبَ"، و"عدَدَ" منصوب على الظرفيّة، أو بنزع الخافض؛ أي: بعدد ما أكلته. وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: قوله: "كُتِبَ له عددُ ما أكلت حسناتٍ" برفع "عددُ" لنيابته عن الفاعل، ونصب "حسناتٍ" بالكسرة على التمييز، وَيحْتَمِل رفع قوله: "حسنات" على أنه بدل من "عددُ"، أو عطف بيان، وَيحْتَمِل أن يكون هو النائب عن الفاعل، ويكون قوله: "عددَ" منصوبًا نصبَ المصدر العددي. انتهى (٢). وقوله: (وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ) إعرابه كإعراب سابقه، قال في "المرعاة": إنما كُتبت الأرواث، والأبوال حسنات؛ لأن بها بقاء حياتها، مع أن أصلها قبل الاستحالة غالبًا من مال مالكها. انتهى (٣). (وَلَا تَقْطَعُ) أي: تلك الخيل (طِوَلَهَا) بكسر الطاء، وفتح الواو، ويقال:

стр. 11063

"طِيَلَها" بالياء، وكذا في "الموطأ"، والطِّوَلُ، والطِّيَلُ: الحبل الطويل الذي يُرْبَط أحد طرفيه في يد الفرس، والآخر في وَتَد، أو غيره؛ لتدور فيه، وترعى من جوانبها، ولا تذهب لوجهها. (فَاسْتَنَّتْ) بالسين المهملة، والتاء المثناة من فوقُ، والنون المشدَّدة: أي: جَرَت بقوّة من الاستنان، وهو الجريُ، وقال القاري: أي: عَدَتْ، ومَرِجَتْ، ونَشِطَت لِمُرَاحها (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) -بفتح الشين المعجمة، والراء المهملة- وهو العالي من الأرض، وقيل: المراد هنا طَلَقًا، أو طَلَقَيْن، قاله النوويّ، وقال الجزريّ: الشَّرَفُ: الشوط والْمَدَى (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا) أي: بعدد خُطاها (وَأَرْوَاثِهَا) با لفتح: جمع رَوْث -بفتح، فسكون- قال الفيّوميّ: راث الفرس، ونحوه رَوْثًا، من باب قال، والخارج رَوْث، تسمية بالمصدر، والروثة الواحدة منه. انتهى. وقال في "المرعاة": لعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول، أو أسقطه للعلم به منه (١). وقول: (حَسَنَاتٍ) هنا بالنصب، لا غير؛ لأنه مفعول به لـ"كَتَبَ". (وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ) -بسكون الهاء، وفتحها- قال الفيّوميّ ﵀: النَّهْرُ: الماء الجاري الْمُتَّسِعُ، والجمع نُهُرٌ -بضمّتين-، وأنهُرٌ. والنَّهَر -بفتحتين- لغة، والجمع أنهارٌ، مثلُ سبب وأسباب، ثم أُطلق النهر على الأُخدود، مجازًا؛ للمجاورة، فيقال: جرى النهر، وجفّ النهر، كما يقال: جرى الميزاب، والأصل: جرى ماء النهر. انتهى. (فَشَرِبَتْ) الخيل (مِنْهُ) أي: من ذلك النهر، وقوله: (وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا) بفتح أوله، وضمّه، من سقى، وأسقى ثلاثيًّا ورباعيًّا، والجملة حال؛ أي: والحال أن صاحبها لا ينوي أن يسقيها من ذلك النهر. (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ") قال الحافظ وليّ الدين ﵀: هذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا حَصَلت له هذه الحسنات من غير أن يَقْصِد سقيها، فإذا قصده فأولى بإضعاف الحسنات. انتهى (٢).

стр. 11064

وقال الطيبيّ ﵀: فيه مبالغة في اعتداد الثواب؛ لأنه إذا اعتُبر ما تستقذره النفوس، وتنفر عنه الطباع، فكيف بغيرها؟، وكذا إذا احتُسب ما لا نيّة له فيه، وقد ورد: "وإنما لكلّ امرئ ما نوى"، فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه، قال ابن الملك: فالحاصل أنه يُجعل لمالكها بجميع حركاتها، وسكناتها، وفَضَلاتها حسنات. وقال الحافظ: وفيه أن الإنسان يؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قصد أصلها، وإن لم يقصد تلك التفاصيل. انتهى (١). وقال السنديّ ﵀. وهذا لا يخالف حديث "إنما الأعمال بالنيّات"؛ لأن المفروض وجود النيّة في أصل ربط هذه الفرس، وتلك كافية. انتهى (٢). (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْحُمُرُ؟) بضمّتين: جمع حمار؛ أي: ما حكمها؟، قال الحافظ ﵀: لم أقف عدى تسمية السائل صريحًا (قَالَ) ﷺ ("مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ) الاستثناء مفرّغٌ، واسم الإشارة في محلّ رفع على أنه نائب الفاعل و"أُنزل"، و"الآيةُ" مرفوع على أنه بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان، أو نعت له (الْفَاذَّةُ) بالذال المعجمة المشدّدة: أي: المنفردة في معناها، وقيل: القليلة النظير، وقيل: النادرة الواحدة (الْجَامِعَةُ) أي: العامّة المتناولة لكل خير ومعروف، ومعنى ذلك أنه لم ينزل عليّ فيها نصّ بعينها، ولكن نزلت هذه الآية العامة. وقال ابن الملك: يعني: أنه ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ، وجمع معاني الخير والشرّ. وقال الطيبيّ: سُمّيت جامعةً؛ لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع الطاعات، فرائضها، ونوافلها، واسم الشرّ على ما يقابلها، من الكفر والمعاصي: صغيرها وكبيرها. وقال في "الفتح": سمّاها جامعةً لشمولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية، وسمّاها فاذّة؛ لانفرادها في معناها. وقال ابن التين: والمراد أن

стр. 11065

الآية دلّت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصيةً، رأى عقاب ذلك. قال النوويّ ﵀: وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم، وقد يَحتجّ به من قال: لا يجوز الاجتهاد للنبيّ ﷺ ، وإنما كان يحكم بالوحي، ويجاب للجمهور القائلين بجواز الاجتهاد بأنه لم يظهر له فيها شيء. انتهى (١). (﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾) أي: مقدار أصغر نملة (﴿خَيْرًا﴾) منصوب على التمييز لذرة (﴿يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]) أي: في الآخرة ليجازى عليه خيرًا (﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾) [الزلزلة: ٨] أي: ليُجازَى عليه شرًا؛ إذ الجزاء من جنس العمل، وأنشدوا في معنى الآية [من الخفيف]: إِنَّ مَنْ يَعْتَدِي وَيَكْسِبُ إِثْمًا … وَزْنَ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ سَيَرَاهُ وَيُجَازَى بِفِعْلِهِ الشَّرَّ شَرًّا … وَبِفِعْلِ الْجَمِيلِ أَيْضًا جَزَاهُ هَكَذَا قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبِّي … فِي ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وَجَلَّ ثَنَاهُ (٢) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٢٢٩٠ و ٢٢٩١ و ٢٢٩٢ و ٢٢٩٣ و ٢٢٩٤ و ٢٢٩٥] (٩٨٧)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٠٢) و"المساقاة" (٢٣٧١) و"الجهاد والسير" (٢٨٦٠ و ٣٦٤٦) و"التفسير" (٤٥٦٥ و ٤٦٥٩) و (٤٩٦٢ و ٤٩٦٣) و"الأيمان والنذور" (٦٦٣٨) و"الحيل" (٦٩٥٨)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٥٨ و ١٦٥٩)، و (الترمذيّ) في "فضائل الجهاد" (١٦٣٦)، و (النسائيّ) في "الخيل" (٣٥٨٩ و ٣٦٠٩) و"الكبرى" (٤٤٠٢ و ٤٤٠٣ و ٤٤٢٣)، و (ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٨٨)، و (مالك) في "الموطأ" (٩٧٥)،

стр. 11066

و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٤/ ٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٠١ و ٢٦٢ و ٢٧٦ و ٣٨٣ و ٤٢٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢٥٢ و ٢٢٥٣ و ٢٢٩١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٤٥)، و (أبو نعيم) في "مسنده" (٣/ ٦٦ - ٦٩)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الأوسط" (٣/ ١٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٨١ و ١١٩ و ١٣٧ و ١٨٣ و ٣/ ٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٦٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التغليظ في عقوبة منع الزكاة. ٢ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الفضّة والذهب، ولا خلاف فيه، وكذا لا خلاف في باقي المذكورات، من الإبل والبقر، والغنم. ٣ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الإبل، وقد استوفيت بيان ما يتعلّق بزكاتها، واختلاف العلماء فيه في "شرح النسائيّ"، فراجعه (١) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصحّ ما ورد في وجوب الزكاة في البقر، وقد استوفيت البحث فيه في "شرح النسائيّ"، فراجعه (٢) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): بيان وجوب الزكاة في الغنم، وقد استوفيت بيان ما يتعلّق بذلك في "شرح النسائيّ"، فراجعه (٣) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): التنفير من جمع المال، لمن لا يقوم بواجبه، بل يمنع الحقوق الواجبة فيه؛ لما فيه من الوعيد الشديد. ٧ - (ومنها): أنه لا يُقطع لمانع الزكاة بالنار، إن لم يستحلّ ذلك؛ لقوله: "فيرى سبيلهْ إما إلى الجنّة، أو إلى النار"، والله تعالى أعلم بالصواب. ٨ - (ومنها): بيان فضل الخيل.

стр. 11067

٩ - (ومنها): بيان أن الخيل إنما يكون في نواصيها الخير والبركة؛ إذا كان اتخاذها في الطاعة، أو في الأمور المباحة، وإلا فهي مذمومة. ١٠ - (ومنها): أن فيه تحقيقَ إثبات العمل بظواهر العموم، وأنها مُلْزِمة، حتى يدلّ دليلٌ التخصيص. ١١ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى الفرق بين الحكم الخاصّ المنصوص، والعامّ الظاهر، وأن الظاهر دون المنصوص في الدلالة، ومحلّ بحث هذه المسألة فنّ أصول الفقه. ١٢ - (ومنها): أن ابن بطال قال: فيه تعليم الاستنباط والقياس؛ لأنه شبّه ما لم يَذكر الله حكمه في كتابه، وهو الحمر، بما ذكره من عمل مثقال ذرّة من خير أو شرّ؛ إذ كان معناهما واحدًا، قال: وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا فهم عنه. وتعقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن هذا ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلال بالعموم، وإثبات لصيغته، خلافًا لمن أنكر، أو وقف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب حقّ في المال سوى الزكاة: قال المازريّ ﵀ في قوله ﷺ : "ومن حقّها حلبها يوم وردها": يَحْتَمِل أن يكون هذا الحقّ في موضع تتعيّن فيه المواساة، وقال القاضي عياض ﵀: هذه الألفاظ صريحة في أن هذا الحقّ غير الزكاة، قال: ولعلّ هذا كان قبل وجوب الزكاة. وقد اختلف السلف في معنى قول الله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، فقال الجمهور: المراد به الزكاة، وأنه ليس في المال حقّ سوى الزكاة، وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب، ومكارم الأخلاق، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أُثني عليهم بخصال كريمة، فلا يقتضي الوجوب، كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ [الذاريات: ١٧].

стр. 11068

وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه لفظ خبر، فمعناه أمر. قال: وذهب جماعة، منهم: الشعبيّ، والحسن، وطاوسٌ، وعطاءٌ، ومسروقٌ، وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقًّا سوى الزكاة، من فكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة. انتهى (١). وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: إنه مذهب أبي ذرّ، وغير واحد من التابعين (٢). وقال أبو محمد بن حزم ﵀: من قال: إنه لا حقّ في المال غير الزكاة، فقد قال الباطل، ولا برهان على صحّة قوله، لا من نصّ، ولا إجماع، وكلّ ما أوجبه رسول الله ﷺ في الأموال فهو واجب، ونسأل من قال هذا: هل تجب في الأموال كفارة الظهار، والأيمان، وديون الناس، أم لا؟ فمن قولهم: نعم، وهذا تناقض منهم، وأما إعارة الدلو، وإطراق الفحل، فداخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]. انتهى (٣). وهذا المذهب هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀، فإنه رجّح القول بأن في المال حقًّا سوى الزكاة، وذلك مثل صلة الرحم من النفقة الواجبة، وحمل العقل عن المعقول عنه، ومثل إطعام الجائع، وكسوة العاري، وكالإعطاء في النوائب، مثل النفقة في الجهاد، وكذلك قرى الضيف، فهو واجب بالسنة الصحيحة. قال: وهو فرض كفاية، فمن غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيّن عليه. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ بتصرّف (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا القول الأخير الذي اختاره ابن حزم، وابن تيميّة هو الحقّ عندي؟ لظواهر النصوص الدالّة على أن في المال

стр. 11069

حقًّا سوى الزكاة، كأحاديث الباب، وأما قولهم: إنه كان قبل الزكاة، فنسخ بها، فغير صحيح؛ لأن الحديث من رواية أبي هريرة ﵁، وهو متأخّر الإسلام عن وجوب الزكاة بيقين، فإنه أسلم عام خيبر، وفرض الزكاة كان قبل ذلك بزمان، كما تقدّم بيانه. والحاصل أن الصواب وجوب الحقّ في المال سوى الزكاة إذا دعت الحاجة إليه، كفكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة، وتكفين الميت، وتجهيزه، ودفنه؛ إذا لم يوجد من يقوم به، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج الترمذيّ في "جامعه"، وابن ماجه في "سننه" عن فاطمة بنت قيس ﵄، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إن في المال حقًّا سوى الزكاة"، ولفظ ابن ماجه: "في المال حقّ سوى الزكاة"، وفي بعض نسخه: "ليس في المال حقّ سوى الزكاة". وهو ضعيف جدًّا، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن في إسناده أبا حمزة ميمون الأعور القصّاب، قال أحمد: متروك الحديث، وقال الترمذيّ: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعّف، ورَوَى بيانٌ، وإسماعيل بن سالم عن الشعبيّ هذا الحديث قولَهُ، وهذا أصحّ انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٢٢٩١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ إِلَى آخِرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا"، وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْهَا حَقَّهَا"، وَذَكَرَ فِيهِ: "لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا"، وَقَالَ: "يُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ، وَجَبْهَتُهُ، وَظَهْرُهُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.

стр. 11070

٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٣. و"زيد بن أسلم" ذُكر قبله. وقوله: (وَذَكَرَ فِيهِ: "لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا") ظاهره أن هذا ليس في رواية حفص بن ميسرة، وفيه نظر، فقد تقدّم فيها، إلا إذا اختلفت النسخ، فليُحرّر، والله أعلم. [تنبيه]: رواية هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ (١)، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ، فَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا

стр. 11071

إِلَى النَّارِ"، قَالَ سُهَيْلٌ: فَلَا أَدْرِي (١) أَذَكَرَ الْبَقَرَ أَمْ لَا؟ قَالُوا: فَالْخَيْلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا، أَوْ قَالَ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا، قَالَ سُهَيلٌ: أَنَا أَشُكُّ: الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْخَيْلُ ثَلَاَثةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّتى هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيُعِدُّهَا لَهُ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ، مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ، حَتَّى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا، وَلَوِ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ، وَأمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا، فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ (٢)، فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا، وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ، فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ"، قَالُوا: فَالْحُمُرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ فِيهَا شَيْئًا، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْجَامِعَةَ الْفَاذَّةَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] "). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُموِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب الأمويّ البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدّبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٤/ ١٦٧٤. ٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١. والباقيان ذُكرا قبله.

стр. 11072

وقوله: (مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ) قال في "الصحاح": الكنز المال المدفون، وفي "المحكم": أنه اسم للمال، ولما يُخزن فيه، وفي "المشارق": أصله ما أُودع الأرضَ، من الأموال، وفي الحديث: "ما لم يُؤَدِّ زكاتَهُ، وغيّبه عن ذلك"، وقال في "النهاية": الكنز في الأصل: المال المدفون تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب لم يبق كنزًا، وإن كان مكنوزًا، قال: وهو حكم شرعيّ، تُجُوّز فيه عن الأصل. انتهى (١). وقال ابن عبد البرّ: الكنز في لسان العرب: هو المال المجتمع المخزون، فوق الأرض كان، أو تحتها، ذكره صاحب "العين" وغيره بمعناه. انتهى (٢). وقال النوويّ: قال الإمام أبو جعفر الطبريّ ﵀: الكنز كلُّ شيء مجموعٌ بعضه على بعض، سواء كان في بطن الأرض، أم على ظهرها، زاد صاحب "العين" وغيره: وكان مخزونًا. انتهى (٣). [تنبيه]: قد اختُلِف في معنى "الكنز" في هذا الحديث، ونحوه، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤]: قال القاضي عياض ﵀: واختَلَف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن والحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ، فأما ما أخرجت زكاته فليس بكنز، وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة، وقيل: المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك، وقيل: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز، وإن أديت زكاته، وقيل: هو ما فَضَلَ عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الإسلام، وضيق الحال، واتفَق أئمة الفتوى على القول الأول، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته … "، وذكر عقابه، وفي الحديث الآخر: "من كان عنده مالٌ، فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له شجاعًا أقرع"، وفي آخره: "فيقول: أنا كنزك". انتهى.

стр. 11073

وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ ما معناه: اختلف في المراد بالكنز في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، وما في معناه، فالجمهور على أنه ما لم تؤدَّ زكاته، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، ثم ذكر ذلك عن عمر، وابنه عبد الله، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ثم استشهد لذلك بما رواه عن أم سلمة ﵂، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: "ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُهُ، فزُكِّيَ فليس بكنز"، أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن عبد البرّ: وفي إسناده مقال، وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": إسناده جيّد، رجاله رجال الصحيح. قال ابن عبد البرّ: ويشهد لصحّته حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا أَدَّيتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك"، رواه الترمذيّ، وقال حسنٌ غريب، والحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح من حديث المصريين، وذكر العراقيّ أنه على شرط ابن حبّان في "صحيحه". وفي معناه أيضًا حديث جابر مرفوعًا: "إذا أدّيت زكاة مالك، فقد أذهبت عنك شرّه"، رواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه على شرط مسلم، ورجّح البيهقيّ وقفه على جابر، وكذلك ذكره ابن عبد البرّ، وكذا صحح أبو زرعة وقفه على جابر، وذكره بلفظ: "ما أدي زكاته فليس بكنز". وروى البيهقيّ عن ابن عمر، مرفوعًا: "كلّ ما أدّي زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكلّ ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرًا"، وقال البيهقيّ: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه. وفي "سنن أبي داود" عن ابن عباس ﵄: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال للنبيّ ﷺ : يا نبيّ الله، إنه كَبُرَ على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لم يَفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم … " الحديث، وفيه ضعف (١).

стр. 11074

قال ابن عبد البرّ: والاسم الشرعيّ قاضٍ على الاسم اللغويّ، وما أعلم مخالفًا في أن الكنز ما لم تؤدّ زكاته، إلا شيئًا عن عليّ، وأبي ذرّ، والضحّاك، ذهب إليه قوم من أهل الزهد، قالوا: إن في المال حقوقًا سوى الزكاة. أما أبو ذرّ ﵁، فقد ذهب إلى أن كلّ مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش، فهو كنز، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. وأما عليّ ﵁، فروي أنه قال: أربعة آلاف نفقة، فما فوقها فهو كنز. وأما الضّحّاك، فقال: من ملك عشرة آلاف درهم، فهو من الأكثرين الأخسرين إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا. وكان مسروق يقول في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠]: هو الرجل يرزقه الله المال، فيمنع قرابته الحقّ الذي فيه، فيُجعل حيّة يُطَوَّقها. قال ابن عبد البرّ: وهذا ظاهر أنه غير الزكاة، ويحتمل أنه الزكاة. قال: وسائر العلماء، من السلف والخلف على ما تقدّم في الكنز، قال: وما استدلّ به من الأمر بإنفاق الفضل، فمعناه أنه على الندب، أو يكون قبل نزول الزكاة، ونُسِخَ بها، كما نسخ صوم عاشوراء برمضان، وعاد فضيلة بعد أن كان فريضة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم في المسألة السابقة أن الراجح بقاء وجوب الحقّ سوى الزكاة؛ إذا دعت الحاجة إلى ذلك، من مواساة أصحاب الحاجة والضرورة. فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: على أن أبا ذرّ أكثر ما تواتر عنه في الأخبار الإنكارُ على من أخذ المال من السلاطين لنفسه، ومنع منه أهله، فهذا ما لا خلاف عنه في إنكاره، وأما إيجاب غير الزكاة، فمختلف عنه فيه. وتأوّل القاضي عياض ﵀ أيضًا كلام أبي ذرّ على نحو ذلك، فقال:

стр. 11075

الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه. قال النوويّ ﵀: وهذا الذي قاله باطلٌ؛ لأن السلاطين في زمنه أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، وتوفي في زمن عثمان سنة اثنتين وثلاثين. انتهى. قال وليّ الدين ﵀: لعله أراد بالسلاطين بعض نوّاب الخلفاء، كمعاوية، وقد وقع بينه وبين أبي ذرّ بسبب هذه الآية تشاجُر، أوجب انتقال أبي ذرّ إلى المدينة، كان معاوية يقول: هي في أهل الكتاب خاصّةً، وقال أبو ذرّ: هي فينا، وفيهم، على أن عبارة ابن عبد البرّ ليست صريحة في أن الإنكار على السلاطين، كعبارة القاضي عياض، بل هي محتملة لأن يكون المراد الإنكار على الآحاد الذين ياخذون الأموال من السلاطين، وهم غير محتاجين إليها، فيجمعونها عندهم، وقد يؤدّي ذلك إلى منع من هوأحقّ منهم، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تمثيله بمعاوية ﵁ لمن يأخذ من بيت المال ظلمًا، فيه سوء أدب مع صحابيّ جليل، من أصحاب رسول الله ﷺ ، فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: ولما حَكَى ابن العربيّ قول الضحّاك، قال: وإنما جعله أوّل حدّ الكثرة؛ لأنه قيمة النفس المؤمنة، وما دونه في حدّ القلّة، وهو فقه بالغ، وقد رُوي عن غيره، وإني لأستحبّه قولًا، وأصوّبه رأيًا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي أن ما أدّي زكاته فليس بكنز، لكن هذا لا ينافي ما تقدّم من ثبوت الحقّ في المال لحاجة المحتاجين؛ لثبوت الأدلة على ذلك، فمن أنكر ذلك فقد تناقض، فإنه قد ثبت الإجماع على وجوب أنواع الكفارات، من القتل، والظهار، واليمين، والجماع في رمضان، وكذا النذور، وأداء ديون الناس، وغير ذلك من الحقوق، وكلها سوى الزكاة، فمن أوجب هذه الأشياء في المال، وهي سوى الزكاة، فكيف ينكر وجوب صلة ذوي الأرحام، ومواساة الفقراء، وغيرهم من أصحاب الضرورة؟، إن هذا

стр. 11076

لهو العجب العجاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وقوله: (قَالَ: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا) جمع ناصية، وهي الشعر المنسدِل على الجبهة. وقوله: (الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) متعلّقٌ بـ "معقود"، وفهم منه دوام حكم الجهاد إلى يوم المعاد، وهذا الكلام جَمَعَ من أصناف البديع ما يعجز منه كلُّ بليغ، ومن سُهولة الألفاظ ما يعجب، ويُستطاب. قاله أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). وقال النوويّ ﵀: جاء تفسير "الخير" في الحديث الآخر في "الصحيح": بالأجر والمغنم، وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قُبيل القيامة بيسير؛ أي: حتى تأتي الريح الطيبة مِن قِبَلِ اليمن تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، كما ثبت في "الصحيح". انتهى. وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": جاء تفسير الخير المذكور هنا بالأجر والغنيمة، قال: ويزاد العزّة، والجاه بالمشاهدة، فيُحمل ما جاء على التمثيل دون التحديد، أو على بيان أعظم الفوائد المطلوبة، بل على بيان الفائدة المترتّبة على ما خُلق له، وهو الجهاد، والجاه ونحوه حاصل بالاتّفاق، لا بالقصد، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). وقوله: (فَلَا تُغَيِّبُ) بضم أوله، وتشديد الياء، من التغييب، والضمير للخيل. وقوله: (وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ) أي: أسامها في روضة، يقال: رَعَتِ الماشية تَرْعَى رَعْيًا، فهي راعيةٌ: إذاً سَرَحَتْ بنفسها، ورَعَيْتُهَا أرعاها، يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، قاله في "المصباح" (٣)، وما هنا من المتعدّي، ولذا نصب ضمير الخير.

стр. 11077

و "الْمَرْج" بفتح، فسكون: أرضٌ ذات نبات ومَرْعًى، والجمع مُرُوجٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس (١). وقوله: (بِكُلِّ خُطْوةٍ) بضمّ، فسكون: مسافة ما بين الرجلين، وأما الْخَطْوة بالفتح فهي المرّة، قال في "المصباح": خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْواً: مشيتُ، الواحدة خَطْوَةٌ، مثلُ ضَرْب وضَرْبة، والْخُطْوَةُ بالضمّ: ما بين الرِّجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفًظه، مثلُ شَهْوةٍ وشَهَوَاتٍ، وجمع المضموم خُطًى، وخُطُوَات، مثلُ غُرَفٍ وغُرُفَات في وجوهها. انتهى (٢). وقوله: (فِي عُسْرِهَا ويُسْرِهَا) لعله أراد حال نشاطها وقوّتها، وحال ضعفها ومرضها، والمراد جميع أحوالها؛ يعني: أنه يواسي المحتاجين بها في كلّ الأحوال، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَأمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ) وفي نسخة: "وأما الذي هي عليه وزر". وقوله: (فَالذِي يَتَّخِذُهَا أَشَراً وَبَطَراً، وَبَذَخاً وَرِيَاءَ النَّاسِ) قال أهل اللغة: "الأَشَرُ" بفتح الهمزة والشين، وهو الْمَرَحُ واللَّجَاج، وأما "الْبَطَرُ": فالطغيان عند الحقّ، وأما "الْبَذَخُ": فبفتح الباء والذال المعجمة، وهو بمعنى الأشَر والبَطَر، قاله النوويّ ﵀ (٣). والحديث متّفق عليه، وهو بهذا السياق المطوّل من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٣] ( … ) - (وَحَدثنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدرَاوَرْدِي، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدَّم قبل باب.

стр. 11078

٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدرَاوَرْدِيُّ) هو: ابن محمد الجهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يحدّث من كتب غيره فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. و (سُهيل) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن سُهيل هذه ساقها التِّرمذيّ، فقال: (١٦٣٦) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل لثلاثة: هي لرجل أجرٌ، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزرٌ، فأمَّا الذي له أجر، فالذي يتخذها في سبيل الله، فيُعِدّها له، هي له أجر، لا يَغِيب في بطونها شيء، إلا كتب الله له أجرًا"، وفي الحديث قصة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صالِحٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ بَدَلَ "عَقْصَاءُ": "عَضْبَاءُ"، وَقَالَ: "فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ، وَظَهْرُهُ"، وَلَمْ يَذْكُر "جَبِينُهُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ) (١) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (م ت س) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.

стр. 11079

٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ العنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. و"سُهيل" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية روح بن القاسم، عن سُهيل هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٦٧) فقال: (٢٢٢٣) - حدّثنا أبو الحسن سهل بن عبد الله التستريّ، ثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، ثنا يزيد بن زريع (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن العباس قالا: ثنا عمرو بن عليّ، ثنا يزيد بن زريع (ح) وثنا محمد بن أبي إسحاق، ثنا الحسين بن محمد الحرّانيّ، ثنا أبو الخطَّاب زياد بن يحيى، وإسماعيل بن بشر بن منصور قالا: ثنا يزيد بن زريع، ثنا رَوْح بن القاسم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد له مالٌ لا يؤدِّي زكاته إلا جُمِع له يوم القيامة صفايح، يُحْمَى عليه في نار جهنم، فيُكْوَى بها جنبه وظهره، حتى يقضي الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدُّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاته، إلا يجاء بها يوم القيامة، كأحسن ما كانت عليه، ثم يبطح لها بقاع قرقر، ثم تستن عليه، كلما مرت أُخراها رُدّت عليه أولاها، حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم، لا يؤدي زكاته، إلا يجاء بها يوم القيامة وبغنمه، كأكثر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، ليس فيها عَضْبَاءُ، ولا جَدْعاءُ، كلما مَضَت عليه أُخراها رُدّت عليه أولاها، حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدُّون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"، قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل لثلاثة: هي لرجل أجرٌ، وللآخر ستر، ولآخر وزر، فأمَّا التي هي له أجرٌ، فرجل يتخذها، ويُعِدّها في سبيل الله، فما غَيَّبَت في بطونها فهو له أجر، ولو رعاها في مرج، كان له بكلِّ شيء غيبت في بطونها أجر، ولو استنت شَرَفاً أو شَرَفَين كان له بكلِّ خطوة خَطَتْها أجر، ولو عَرَضَ له

стр. 11080

نهر فسقاها منه، كان له بكلِّ قَطْرة غيّبتها في بطونها أجر، حتى إنه ليذكر الأجر في أرواثها وأبوالها، وأما التي هي له سترٌ، فرجل يتخذها تصنفاً (١) وتكرُّماً وتجملاً، ولا ينسى حق ظهورها ولا بطونها في عسره ويسره، وأما التي عليه وزرٌ، فرجل يتخذها أشراً وبَطَراً ورياءً الناس، وبَذَخاً عليهم"، قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: "ما أُنزل عليّ فيها شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ "، لفظ الحديث لزياد بن يحيى، وهو أتمهم لفظًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُون بْن سَعِيدٍ الْأيلِي، حَدَّثَنَا ابْن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْن الْحَارِثِ، أَنَّ بكَيْراً حَدَّثَهُ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ أنَّه قَالَ: "إذَا لَمْ يُؤَدِّ الْمَرْء حَقَّ اللهِ، أَوِ الصَّدَقَةَ فِي إِبِلِهِ"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِنَحْوِ حَدِيثِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارونُ بْن سَعِيدٍ الأيلِيُّ) تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْن وَهْب) هو عبد الله، تقدَّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (عَمْرُو بْنً الْحَارِثِ) تقدَّم قريبًا. ٤ - (بكَيْر) بن عبد الله بن الأشجّ، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية بكير، عن أبي صالح هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٦٩) فقال: (٢٢٢٧) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكيراً حدّثه، عن أبي

стр. 11081

صالح ذكوان، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ ﷺ قال: "إذا لم يؤدِّ المرء حقّ الله، أو الصدقة في إبله بُطِح لها بصعيد قرقر، فوَطِأته بأخفافها، وعَضّته بأفواهها؛ إذا مر آخرها كَرَّ عليه أولها، حتى يَرَى مصدره إما من الجنة وإما من النار، والبقر إذا لم يؤدّ حقّ الله فيها بُطِح له (١) بصعيد قرقر، فوطأته بأظلافها ونطحته بقرونها؛ إذا مَرّ عليه آخرها كَرّ عليه أولها، حتى يرى مصدره إما من الجنة وأما من النار، والغنم كذلك تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، ليس فيها عَقْصَاء، ولا جَمّاء، حتى يرى مصدره إما من الجنة وإما من النار، والخيل لثلاثة: أجر ووزر وستر، فمن اقتناها تعفّفاً وتغنياً كانت له ستراً، ومن اقتناها عُدّةً للجهاد في سبيل الله، كانت له أجرًا، فإن طول لها شَرَفاً أو شَرَفين، كان له في ذلك أجر، ومن اقتناها فخراً ورياءً ونواءً على المسلمين، كانت له وزراً"، قال قائل: يا رسول الله أفرأيت الحمر؟ قال: "لم يأت في الحمر شيء، إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ ". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٦] (٩٨٨) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أنه سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأنصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاع قَرْقرٍ، تَسْتَنُّ عَلَيْهِ بِقَوَائِمِهَا وَأَخْفَافِهَا، وَلَا صَاحِبِ بَقَرٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاع قَرْقَرٍ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِقَوَائِمِهَا، وَلَا صَاحِبِ غَنَم، لَا يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ، وَقَعَدَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقرٍ، تَنْطَحُهُ

стр. 11082

بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ، وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا، وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ، لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَقرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحاً فَاهُ، فَإِذَا إتاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ، فَأنَا عَنْهُ غَنيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ"، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ سَألنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْل عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا حَق الإبِلِ؟ قَالَ: "حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدَّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ) بن همّام، تقدَّم أيضًا قبل باب. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدَّم أيضًا قبل باب. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدَّم قريبًا. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأنصَارِيُّ) ﵄، تقدَّم أيضًا قريبًا. وقوله: (إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا) وكذلك في البقر والغنم، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول بالثاء المثلثة، وقَعَدَ بفتح القاف والعين. [تنبيه]: "قط" فيها لغاتٌ حكاهنّ الجوهريّ، والفصيحة المشهورة "قَطُّ" مفتوحة القاف، مشدّدة الطاء، قال الكسائيّ: كانت قَطُطُ، فلمَّا سُكّن الحرف الثاني للإدغام جُعِل الآخر متحرِّكاً، والثانية: "قُطُّ" بضم القاف؛ إتباعاً للضمة، كقولك: مُد يا هذا، والثالثة: "قَطُ" بفتح القاف، وتخفيف الطاء، والرابعة: "قُطُ" بضم القاف، والطاء المخففة، وهي قليلة، والخامسة: قَطِّ مكسورة

стр. 11083

مشدّدة، حكاها ابن الأعرابيّ (١). هذا إذا كانت بمعنى الدهر، فأمَّا التي بمعنى حسبُ، وهو الاكتفاء فمفتوحة ساكنة الطاء، تقول: ما رأيته إلا مرةَ واحدة فَقَطْ، فإن أضفت قلت: قَطْكَ هذا الشيءُ؛ أي: حسبك، وقَطْنِي، وقَطِي، وقَطْهُ، وقَطْهَا، أفاده في "الصحاح" (٢). وإلى ما ذُكر أشرت بقولي: قَطُّ بِمَعْنَى الدَّهْرِ قُلْ خَمْسُ لُغَهْ … حَقَّقَهَا أَهْلُ اللُّغَاتِ النَّبَغَهْ بِالْفَتْحِ فَالضَّمِّ وَضَمَّتَيْنِ … خَفِّفْ وَشُدَّ الطَّاءَ دُونَ مَيْنِ خَامِسُهَا قَطِّ بِكَسْرِ شُدِّدَا … أَمَّا بِمَعْنَى حَسْبُ سَاكِناَ بَدَا فَقُلْ فَقَطْ فَإِنْ أَضَفْتَ قَطْكَ قُلْ … قَطِي وَقَطْنِي عَنْهُمْ أَيْضاً نَبُلْ وقوله: (وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ … إلخ) تقدَّم أن الأرجح في المراد بالكنز هنا هو كلّ ما وجبت فيه الزكاة، ولم يؤدّ. وقوله: (شُجَاعاً أَقْرَعَ) الشجاع: هو الحية الذكر، والأقرع الذي تَمَعطَ شعره؛ لكثرة سُمِّهِ، وقيل: الشجاع الذي يُواثب الراجل والفارس، ويقوم على ذَنَبِهِ، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى، قاله النوويّ ﵀ (٣). وفي "كتاب أبي عُبيد": سمي أقرع؛ لأن شعر رأسه يتمعّط لجمعه السمّ فيه. وتعقّبه القزّاز بأن الحيّة لا شعر برأسها، فلعله يذهب جلد رأسه. وفي "تهذيب الأزهريّ": سمي أقرع؛ لأنه يَقرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمعّط فروة رأسه، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]: قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَارَ فَرْوَةُ رَأسِهِ … عَنِ الْعَظْمِ صَلَّ قَاتِل اللَّسْعِ مَارِدُهْ وقال القرطبيّ: الأقرع من الحيّات الذي ابيضّ رأسه من السمّ، ومن الناس الذي لا شعر برأسه؛ لتقرّحه، قال: وفي غير كتاب مسلم من الزيادة: "له زبيبتان"، وهما الزبيبتان في جانبي فيه من السمّ، ويكون مثلهما في شِدْقي

стр. 11084

الإنسان عند كثرة الكلام، وقيل: نكتتان على عينيه، وما هو على هذه الصفة من الحيّات هوأشدّ أذى، قال الداوديّ: وقيل: نابان يخرجان من فيه. انتهى (١). وقوله: (خُذْ كَنْزَكَ الذِي خَبَأتهُ) قال في "الفتح": وفائدة هذا القول الحسرة، والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكّم. وقوله: (فَأنَا عَنْهُ غنِيٌّ) قال القرطبيّ ﵀: كذا وقع لنا فيما رأيناه من النسخ، وفي الكلام خرمٌ يتلفّق بتقدير محذوف، وهو فيقول: فأنا عنه غنيّ، وحينئذ يلتئم الكلام، فتأمّله، وكثيراً ما يُحذف القول الذي للحكاية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]؛ أي: يقولون: إنما … إلخ. انتهى (٢). وقوله: (أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ) "أن" هنا مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف؛ أي: أنه لا بدّ من أخذه. وقوله: (سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ) أي: أدخل يده في فم ذلك الشجاع. وقوله: (فَيَقْضَمُهَا) بفتح الضاد، يقال: قَضِمَت الدابةُ شعيرها -بكسر الضاد- تَقْضَمه -بفتحها-، من باب تَعِبَ: إذا كسرته بأطراف أسنانها، وقَضَمَتْ قَضْماً، من باب ضرب لغةٌ، ومنه يقال على الاستعارة: قَضَمْتُ يدهُ: إذا عَضِضْتَهَا، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣). وقال القرطبيّ ﵀: القضم بأطراف الأسنان، والخضم بالفم كلّه، وقيل: القضم أكل اليابس، والخضم أكل الرطب، ومنه قول عمر بن عبد العزيز ﵀: تخضمون، ونقضم، والموعد الله. انتهى. وقوله: (قَضْمَ الْفَحْلِ) مفعول مطلقٌ لـ "يَقْضِمها"؛ أي: مثلما يقَضِمُ الإبل الفحل. وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ وُلد في عهد النَّبيّ ﷺ ، قاله مسلم، وعدّه غيره في كبار التابعين،

стр. 11085

وكان قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته، ومات سنة (٦٨) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٧٣. وقوله: (يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ … إلخ) أي: ما سبق من الحديث، والمعنى أن أبا الزبير سمع هذا الحديث من عُبيد بن عُمير مرسلاً؛ لأن عبيداً تابعيّ، ثم لقي جابر بن عبد الله ﵄، فسأله عنه، فأخبره به، فصار متّصلاً. وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ … إلخ) هذا ظاهر في أن هذا مما سمعه أبو الزبير عن عُبيد مرسلاً، وليس مما سمعه عن جابر ﵁. وقوله: (مَا حَقُّ الإبِلِ؟ … إلخ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا السؤال الجواب أن هذا هو الحقّ المتوعَّد عليه فيما تقدَّم حين ذكر الإبل، وأنَّه كلُّ الحقّ، مع أنه لم يتعرَّض فيه لذكر الزكاة، وفي هذا الظاهر إشكالٌ تُزيله الرواية الأخرى التي ذُكر فيها "من" التي للتبعيض، بل وقد جاء في رواية أخرى مفسراً: "ما من صاحب إبل لا يؤدّي زكاتها"، وكذلك في الغنم، وكأنّ بعض الرواة أسقط في هذه الرواية "من"، وهي مرادة ولا بُدّ. قال: ثم ظاهره أن هذه الخصال واجبةٌ، ولا قائل به مطلقاً، ولعلّ هذا الحديث خرج على وقت الحاجة، ووجوب المواساة، وحال الضرورة، كما كان في أول الإسلام، ويكون معنى الحديث أنه مهما تعيّنت هذه الحقوق ووجبت، فلم تُفْعَل تَعَلَّقَ بالممتنع من فعلها هذا الوعيد الشديد، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد تقدَّم تحقيق هذا، وأن الصواب أن في المال حقّ سوى الزكاة، وذلك عند الحاجة والضرورة، مثل أن يتعيّن مواساة الفقراء والمحتاجين، ونحو ذلك، فإنه يجب على الأغنياء أن يقوموا بسدّ حاجتهم، فتفطّن لذلك، والله تعالى أعلم. وقوله: (حَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ) قال القرطبيّ: ﵀: هو بسكون اللام (٢) على المصدر، وهو الأصل في مصدر ما كان على فَعَلَ يَفْعُلُ، وقد جاء على فَعَلٍ

стр. 11086

بفتح العين في الْحَلَبِ، فأمَّا الْحَلَبُ اسمٌ للّبن، فبالفتح لا غير، وليس هذا موضعه، وخصّ حَلْب الإبل بموضع الماء؛ ليكون أقرب على المحتاج والجائع، فقد لا يقدر على الوصول لغير مواضع الماء. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: فأمَّا حَلْبُها يوم وِرْدها ففيه رِفْقٌ بالماشية، وبالمساكين؛ لأنه أهون على الماشية، وأرفق بها، وأوسع عليها من حلبها في المنازل، وهو أسهل على المساكين، وأمكن في وصولهم إلى موضع الحلب؛ لِيُوَاسَوْا، والله أعلم. انتهى (٢). وقوله: (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا) هو: إناء يُستقى به من البئر (٣)، وتأنيثها أكثر، فيقال: هي الدلو، وفي التذكير يُصغّر على دُليّ، مثل فَلْسٍ وفُلَيْس، وثلاثة أدلٍ، وفي التأنيث دُليّةٌ بالهاء، وثلاثُ أدلٍ، وجمع الكثرة الدِّلاءُ، والدُّلِيّ، والأصل فُعُولٌ، مثلُ فُلُوسٍ (٤). وقوله: (وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا) بفتح، فسكون، الذكر من الحيوان، وجمعه فُحُولٌ، وفُحُولةٌ، وفِحَالٌ (٥). وقوله: (وَمَنِيحَتُهَا) بفتح الميم، وكسر النون: فَعِيلَة بمعنى مفعولة، قال الفيّوميّ ﵀: الْمِنْحَةُ بالكسر في الأصل الشاة، أو الناقةُ يُعطيها صاحبها رجلًا يَشرَب لبنها، ثم يرُدّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومَنَحْتُ مَنْحاً، من بأبي نَفَعَ وضَرَبَ: أعطيته، والاسم الْمَنِيحة. انتهى (٦). وقال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: المنيحة ضربان: [أحدهما]: أن يُعْطي الانسانُ آخرَ شيئًا هِبَةً، وهذا النوع يكون في الحيوان، والأرض، والأَثَاث، وغير ذلك. [الثاني]: أن المنيحة ناقةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ يُنتَفَع بلبنها، ووَبَرها، وصوفها، وشعرها زمانًا، ثم يردها، ويقال: مَنَحَهُ يَمْنَحُهُ بفتح النون في

стр. 11087

المضارع وكسرها. انتهى (١). وقوله: (وَحَمْل عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ") "حَمْلٌ" بفتح، فسكون: مصدر حَمَلَ، من باب ضرب، وهو مرفوع عطفًا على "حَلَبُهَا"، والجارّان متعلّقان به، وتمام شرح الحديث تقدَّم في شرح حديث أبي هريرة ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٢٢٩٦ و ٢٢٩٧] (٩٨٨)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٥٤) و "الكبرى" (٢٢٣٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٦٩ و ٧٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٢٨)، وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غنَم، لَا يُؤَدِّي حَقهَا، إِلَّا أقعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقرٍ، تَطَؤُهُ ذَاتُ الظَّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ، وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: "إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَمْل عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا مِنْ صاحِبِ مَال (٢)، لَا يُؤَدي زَكَاتَهُ، إِلا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أقرَعَ، يَتْبَعُ صاحِبَهُ

стр. 11088

حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أنهُ لَا بُدَّ مِنْهُ (١)، أَدْخَلَ يَدَهُ في فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدَّم قبل باب. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدَّم أيضًا قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ، ثقة [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (إِلَّا أقعِدَ لَهَا) بالبناء للمفعول. وقوله: (جَمَّاءُ) بفتح الجيم، وتشديد الميم: هي التي لا قرن لها. وقوله: (إِلَّا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ) معنى "تحوّل" أي: صار، وفي رواية أخرى: "إلا مُثِّل له"؛ أي: صُوِّر له، وقيل: نُصِب، وأُقيم، من قولهم: مَثَلَ قَائماً، من باب قعد: أي: قام منتصباً، أفاده القرطبيّ ﵀ (٢). [تنبيه]: قوله: (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهَا؟ … إلخ) قال الحافظ العراقيّ ﵀: الظاهر أن قوله: فقلنا: يا رسول الله وما حقّها؟ قال: "إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله" زيادة ليست متّصلةً، وقد بيّن ذلك أبو الزبير في بعض طرق مسلم -يعني: الحديث الماضي- فذكر الحديث دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبوالزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول الله ما حقّ الإبل؟ قال: "حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فَحْلها، ومَنِيحتها، وحَمْل عليها في سبيل الله". قال: فقد تبيّن بهذه الطريق أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من

стр. 11089

عُبيد بن عُمير مرسلةً، لا ذكر لجابر فيها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في الدعوى نظرٌ؛ لأن الانقطاع في طريق لا يستلزم الانقطاع في جميع الطرق، فأبو الزبير سمعه من جابر ﵁، مرفوعًا، وسمعه من عُبيد بن عمير مرسلاً، فحدّث بالطريقين (٢)، وقد نبّه مسلم بإخراجه من كلا الطريقين على أن الإرسال هنا لا يضرّ الاتصال، على أن هذه الزيادة قد صحّت مرفوعة من حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ كما قدّمته قريبًا. والحاصل أن هذه الزيادة صحيحة مرفوعةً، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ بَيَانِ إِرْضاءِ السُّعَاةِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٨] (٩٨٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِى، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ نَاساً (٣) مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأتونَنَا، فَيَظْلِمُونَنَا (٤)، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ"، قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدقٌ، مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ).

стр. 11090

قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف ﵀ أن يؤخّر هذا الحديث عن الأحاديث التي تأتي بعده؛ لأنها من أحاديث الباب الماضي، فإدخاله بينها مما لا يخفى بُعده، وسيأتي هذا الحديث آخر "كتاب الزكاة"، وهو المحلّ المناسب له، فتنبّه، والله تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِي) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصري، ثقة [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ) واسم أبيه راشد السُّلَميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن هلال، وأبي الضّحَى، وعاصم بن عُمير الْعَنَزيّ، وجماعة. ورَوَى عنه الثوريّ، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الله بن نُمير، وعبد الرحيم بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي أسامة، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عُمر، وإسماعيل، ويعرفون ببني أبي إسماعيل، محمد أحبهم إليّ، وقال يحيى بن آدم، عن شريك أنه سئل عن امرأة وَلَدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني إسماعيل أربعة وُلدوا في بطن واحد، وعاشوا، قال البخاريّ: عامتهم محدِّثون، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال البخاريّ: قال يحيى: مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٨٩)، و (٢٥٩٢): "من يُحرَم الرفق يُحرم الخير … "، و (١٠١٧): "من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً … ". ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِي) الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. روى عن جرير، وعنه أبوالضحَى، وتميم بن سَلَمَة، ومحمد بن أبي إسماعيل، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطميّ، ومجالد، وغيرهم.

стр. 11091

قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وفي الطبراني من طريق مجالد عنه قال: بعثني أبي إلى جرير، فسألته. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٩٨٩)، و (١٠١٧): "جاء ناس من الإعراب … "، و (٢٥٩٢): "من يُحرَم الرفق يُحرم الخير … "، كرّره ثلاث مرات. ٥ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥١)، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى فضيل، وعبد الواحد، فبصريان. ٣ - (ومنها): أن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي إسماعيل هذا أول محل ذكرهما من الكتاب، وقد عرفت ما لكلّ منهما من الأحاديث في الكتاب. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليّ ﵁، أنه (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ) بالفتح يريد أهل البادية، وواحد الإعراب أعرابيّ، والفرق بين الأعرابيّ والعربيّ أنّ من نزل البادية وجاور البادِينَ، وظعن بظَعْنِهم، فهو من الإعراب، ومَن نزل بلاد الرِّيفِ، واستوطن الْمُدُن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهو من العرب، وإن لم يكن فصيحاً (إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ ) متعلّقٌ بـ "جاء" (فَقَالُوا: إِن نَاساً) وفي نسخة: "أُناساً"، وهو لغة فيه (مِنَ الْمُصَدّقِينَ) وهو جمع مُصَدّق- بتخفيف الصاد، وتشديد الدال- أي: من السُّعَاة الذين يُرسلون لأخذ الصدقات من الناس (يَأتونَنَا، فَيَظْلِمُونَنَا) وفي نسخة: "يأتونا، فيظلمونا" بنون واحدة في الموضعين.

стр. 11092

قال القرطبيّ ﵀: لا شكّ أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧] ولذلك نَسَبُوا الظلم إلى مصدّقي النبي ﷺ ، وإلى فضلاء أصحابه، فإنه ﷺ ما كان يَستعمل على ذلك إلا أعلم الناس، وأعدلهم؛ لكن لجهل الإعراب بحدود الله ظنّوا أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم ﷺ : "أرضوا مصدّقيكم، وإن ظُلِمتم" أي: على زعمكم وظنّكم، لا أنّ النَّبيّ ﷺ سوّغ للعمّال الظلم، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا على منكرٍ، وإغراءً بالظلم، وذلك مُحالٌ قطعًا، وإنما سلك النَّبيّ ﷺ مع هؤلاء هذا الطريق، دون أن يبيّن لهم أن ذلك الذي أخذه المصدّقون ليس ظلماً؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقريرٍ، وقد لا يَفهَم ذلك أكثرهم. وأيضًا فَلْيَحصُل منهم الانقياد الكلّيّ بالتسليم، وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. انتهى كلام القرطبي ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. (قَالَ) جرير ﵁ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ") أي: ببذل الواجب، وملاطفتهم، وترك مُشاقّتهم، وسيأتي الحديث آخر "كتاب الزكاة" بعد حديث رقم (١٠٧٨) من طريق الشعبيّ، عن جرير ﵁ بلفظ: "إذا آتاكم المصدِّق، فليَصُدر عنكم، وهو عنكم راضٍ". قال النوويّ ﵀: المصدّق الساعي، ومقصود الحديث الوَصَاية بالسعَاة، وطاعةِ وُلاة الأمور، وملاطفتِهِم، وجمعُ كلمة المسلمين، وإصلاح ذات البين. وهذا كلّه ما لم يطلب جَوْراً، فإذا طلب جَوراً، فلا موافقة له، ولا طاعة (٢)؛ لقوله ﷺ في حديث أنس ﵁: "فمن سئلها على وجهها، فليعطها، ومن سئل فوقها، فلا يُعْطِ"، رواه البخاريّ.

стр. 11093

قال: واختَلَفَ أصحابنا في معنى قوله ﷺ : "فلا يُعط" فقال أكثرهم: لا يُعطي الزيادة، بل يعطي الواجب، وقال بعضهم: لا يعطه شيئًا أصلًا؛ لأنه يفسق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا يُعطَى شيئًا، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الأقرب والأظهر عندي، والله تعالى أعلم. وفي حديث بشير ابن الْخَصَاصيّة ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله إن أهل الصدقة يَعْتَدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: "لا"، رواه أبو داود، وفي إسناده مجهول. وفي حديث جابر بن عَتِيك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "سيأتيكم ركب مُبَغّضون، فإذا جاؤوكم، فرحّبوا بهم، وخلّوا بينهم، وبين ما يَبتغون، فإن عَدَلُوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم"، رواه أبو داود أيضًا، وفي إسناده مجهول أيضًا (٢). (قَالَ جَرِيرُ) بن عبد الله ﵁ (مَا) نافية (صَدَرَ عَني مُصَدِّق) أي: ما رجع من عندي سَاعٍ، يقال: صدَرَ عن الموضع صَدْراً، من باب قتل: إذا رجع، قال الشاعر [من البسيط]: وَلَيْلَةٍ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا (٣) (مُنْذُ سَمِعْتُ هَذا) أي: قوله ﷺ : "أرضوا مصدّقيكم" (مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ ، إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ) يعني: أنه ما رجع من عنده ساعٍ بعد سماعه هذا الحديث من رسول الله ﷺ إلا وهو راض عنه؛ لكونه أعطاه ما طلب، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 11094

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٢٩٨ و ٢٢٩٩] (٩٨٩) وسيأتي بعد حديث (١٠٧٨)، و (أبو داود) في "الزكاة" (٦٤٧)، و (التِّرمذيّ) في "الزكاة" (١٨٠٢)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٤٦٠ و ٢٤٦١) و "الكبرى" (٢٢٤٠ و ٢٢٤١)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٦٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٦٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب إرضاء الساعي في الصدقة، وإن ظنّ ربّ المال أنه يظلمه، وهذا محمول على ما إذا كان المصدّق معروفاً بالورع، لا يظلم الناس، ولكنّ صاحب المال لحرصه ظنّ أنه يظلمه، وأما إذا طلب فوق الواجب من دون تأويل، فلا يجب إرضاؤه؛ لما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لَمّا وجهه إلى البحرين: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصدقة التي فَرَض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله ﷺ ، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يُعْطِ … " الحديث. وخلاصة القول: أن نقول: إنه ﷺ عَلِمَ أن عامليه لا يظلمون الناس، ولكنّ أرباب الأموال لشدّة محبّتهم للأموال يَعُدّون ما يأخذونه منهم ظلمًا، فقال لهم: "أرضوا مصدّقيكم"؛ أي: وإن ظلموكم في زعمكم، فليس فيه تقرير للعاملين على الظلم، ولا تقرير للناس على الصبر عليه، وعلى إعطاء الزيادة على ما حدّه الله تعالى في الزكاة. والحاصل أن الجمع بين الحديثين بما ذكر متعيّنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢ - (ومنها): أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يَظُنّ أحياناً المصدّق ظالماً له، ولهذا أمر النَّبيّ ﷺ بإرضاء المصدّق؛ لأنه لا يَظْلِم، حيث إنه ﷺ لا يرسل إلا العالم الورع، ومع ذلك يوصيه بتوقّي كرائم أموال الناس،

стр. 11095

فقد أخرج الشيخان عن ابن عبَّاس ﵄، أنه ﷺ لَمّا بَعَثَ معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال له في جملة وصيّته: "فإن أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم، وتردّ على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم، وتَوَقَّ كرائم أموال الناس"، لكن شدّة حِرْص صاحب المال على ماله، وشحّه به يحمله على اتهامه بذلك، فأرشده ﷺ إلى أن يُعطيه ما طَلَب، وُيرضيه بذلك. ٣ - (ومنها): بيان فضل جرير بن عبد الله، بل وسائر الصحابة ﵃ حيث إنهم إذا سمعوا من النَّبيّ ﷺ أمراً بادروا إلى امتثاله، واستمرّوا عليه حتى يموتوا، فقد قال جرير ﵁ في هذا الحديث: "ما صدر عني مصَدّق منذ سعمتُ هذا من رسول الله ﷺ "، وذلك لصدق إيمانهم، وكمال محبّتهم لله تعالى، ولرسوله ﷺ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٩٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبي إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ) تقدَّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْن سلَيْمَانَ) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٦/ ٨١٧. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ) بندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الثبت الناقد، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.

стр. 11096

٥ - (إسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدَّم في الباب الماضي. ٦ - (أَبوأُسَامَة) حمّاد بن أُسامة، تقدَّم قبل بابين. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ … إلخ) يعني: أن كلّا من عبد الرحيم، ويحيى بن سعيد، وأبي أسامة رووا هذا الحديث عن محمد بن أبي إسماعيل بالسند المذكور. [تنبيه]: أما رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي إسماعيل، فقد ساقها النسائيّ ﵀، فقال: (٢٤٦٠) - أخبرنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ له، قالا: حدّثنا يحيى، عن محمد بن أبي إسماعيل، عن عبد الرحمن بن هلال، قال: قال جرير: أتى النبيَّ ﷺ ناس من الإعراب، فقالوا: يا رسول الله يأتينا ناس من مصدقيك يظلمون، قال: "أرضوا مصدقيكم"، قالوا: وإن ظَلَم؟ قال: "أرضوا مصدقيكم"، ثم قالوا: وإن ظلم؟ قال: "أرضوا مصدقيكم"، قال جرير: فما صدر عني مُصَدِّقٌ، منذ سمعت من رسول الله ﷺ إلا وهو راض. انتهى. وأما رواية عبد الرحيم بن سليمان، وأبي أسامة، فلم أر من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابُ بَيَانِ تَغْلِيظِ عُقُوبَةِ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزكَاةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٠٠] (٩٩٠) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدثنا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُويدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ جَالِس فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "هُمُ الْأَخْسَرُونَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، قَالَ:

стр. 11097

فَجِئْتُ حتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أتقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمي، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمُ الأكثَرُونَ أَمْوَالاً، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيل مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلِ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غنَمٍ، لَا يُؤَدي زَكَاتَهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ، وَأًسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا، كُلمَا نَفِدَتْ (١) أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الناسِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبت عابد، يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُويدٍ) الأسديّ، أبوأميّة الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٩. ٥ - (أَبُو ذَرٍّ) اسمه جندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذي. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى أبي ذرٍّ ﵁، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ.

стр. 11098

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ذو مناقب جمّة، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أقلّت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر"، وهو حديث صحيح (١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) ﵁ أنه (قَالَ: انْتَهَيْتُ) أي: وصلت (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "هُمُ الْأَخْسَرُونَ) يأتي تفسيره بقوله: "الأكثرون أموالاً" (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ") فيه جواز القسم بهذه الصيغة (قَالَ) أبو ذرّ ﵁ (فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أتقَارَّ) أي: لم يمكني القرار والثبات (أَنْ قُمْتُ) "أن" بالفتح مصدريّة؛ أي: من القيام، وفي رواية النسائيّ: "فَقُلْتُ: مَا لِي؟ لَعَلِّي أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ" (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) مبتدأ وخبره (مَنْ هُمْ؟) أي: مَن هؤلاء الذين قلت في حقّهم: "هم الأخسرون"؟ (قَالَ) ﷺ ("هُمُ الأكثَرُونَ أَمْوَالاً) أي: هم الذين كانوا أكثر الناس أموالاً (إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) قال السنديّ ﵀: استثناء من هذا الحكم، وفيه رجوع الضمير إلى الحاضر في الذهن، ثم تفسيره للمخاطب إذا سأل عنه، ومعنى: "إلا من قال هكذا": أي: إلا من تصدق من الأكثرين في جميع الجوانب، وهو كناية عن كثرة التصدّق، فذاك ليس من الأخسرين. وقوله: "قال" إما بمعنى "تصدّق"، وقوله: "هكذا" إشارة إلى حَثْيِهِ في الجوانب الثلاث؛ أي: تصدّق في جميع جهات الخير، تصدّقاً كالحثي في الجهات الثلاث، أو بمعنى "فَعَل" أي: إلا من فَعَلَ بماله فعلًا مثل الحثْيِ في الجهات الثلاث، وهو كناية عن التصدّق العامّ في جهات الخير، وحَثْيُهُ ﷺ بيان للمشار إليه بـ "هكذا"، والعرب تَجْعَل القول عبارة عن جميع الأفعال. انتهى كلام السنديّ ﵀.

стр. 11099

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ ﵀ حسن، إلا قوله: "أو بمعنى فَعَلَ إلخ"، فإنه لا فرق بين المعنى الأول والثاني، بل الثاني نفس الأول، فما الذي دعاه إلى أن يذكره احتمالًا ثانيًا؟، فليُتَأمل، والله تعالى أعلم. (مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) هذا تفسير لاسم الإشارة في قوله: "هكذا إلخ". وإشارته ﷺ إلى قُدّام، ووراء، والجانبين، فمعناه أنه يُنفق في وجوه الخير، ولا يقتصر على نوع واحد من وجوه البرّ، بل يبادر إلى أن ينفق متى حضر أمرٌ مهمّ، أفاده النوويّ (١). (وَقَلِيل مَا هُمْ) مبتدأ مؤخّر، وخبر مقدّم، أو "قليل" مبتدأ، و "هم" فاعل سدّ مسدّ الخبر، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِياً … مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إِذَا الطيْرُ مَرَّتِ (٢) و"ما" زائدة زيدت لتأكيد القلّة. وقال في "الفتح": قوله: "وقليل ما هم": "ما" زائدة مؤكِّدة للقلة، وَيحْتَمِل أن تكون موصوفة، ولفظ "قليل" هو الخبر، و "هم" هو المبتدأ، والتقدير: وهم قليل، وقَدَّم الخبر للمبالغة في الاختصاص. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ضعف كون "ما" موصوفة، بل لا وجه له، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتوكيد (صَاحِبِ إبِلٍ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غنَمٍ، لَا يُؤَدي

стр. 11100

زَكَاتَهَا) هذا صريح في وجوب الزكاة في الإبل، والبقر، والغنم، وقد تقدَّم أن هذا الحديث أصرح ما ورد في زكاة البقر، فتنبّه (إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ) بفتح الطاء، وكسرها (بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا) بالفتح: جمع ظِلْف، وهو الْمُنشَق من القوائم، مختصّ بالبقر، والغنم، والظباء، والخفّ بالإبل، والحافر مختصّ بالفرس، والبغل، والحمار، والقدم للآدميّ، ذكره السيوطيّ في "حاشية التِّرمذيّ" (١). (كلَّمَا نَفِدَتْ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه "نَفِدَت" بالدال المهملة، و "نَفَذَت" بالذال المعجمة، وفتح الفاء، وكلاهما صحيح. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الأول من باب تَعِبَ، يقال: نَفِدَ الشيءُ يَنْفَدُ نَفَاداً: فَنِيَ، وانقَطَعَ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أنفدته: إذا أفنيته، والثاني من باب قعد، يقال: نَفَذَ السَّهْمُ يَنْفُذُ نَفَاذاً: خَرَقَ الرميةَ، وخرج منها، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، أفاده في "المصباح" (٣). وقوله: (أُخْرَاهَا) مرفوع على الفاعليّة لـ "نفدت" (عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى) بالبناء للمفعول (بَيْنَ الناسِ") أي: يمتدّ عليه هذا التعذيب إلى أن يفرغ الله تعالى من الحكم بين الناس في عرصات القيامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرٍّ ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٣٠٠ و ٢٣٠١] (٩٩٠)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٦٠) و "الإيمان والنذور" (٦٦٣٨)، و (التِّرمذيّ) في "الزكاة" (٦١٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٥/ ١٠ و ٢٩)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٧٨٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢٠٨٤٤ و ٢٠٨٩٠ و ٢٠٩٨٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٧١)، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →