ذلك في قوله: "لا يَقُلْ أحدكم أطعم ربّك، وضّئ ربّك، واسق ربّك، ولا يقُل أحدكم: ربّي، وليقُل: سيّدي ومولاي" (١).
[والجواب]: أن هذا من باب التشديد والمبالغة، قال في "الفتح": يُجمَع بينهما بأن اللفظ هنا خرج على سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي عنه متأخر، أو مختص بغير الرسول ﷺ . انتهى (٢).
وقال التوربشتيّ: فسَّرَ هذا القول كثير من العلماء على أن السبي يكثر بعد اتّساع رُقعة الإسلام، فيستولد الناس إماءهم، فيكون الولد كالسيّد لأمه؛ لأن ملك الأمة راجع في التقدير إلى الولد، وذَكَره بلفظ التأنيث، وأراد به النسمة؛ ليشمل الذكور والإناث، أو كَرِه أن يقول: ربّها؛ تعظيمًا لجلال ربّ العباد، أو أراد البنت، وإذا كانت هكذا، فالابن أولى.
وقال القاضي ناصر الدين: وتأنيث "ربتها"، وإضافتها إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه وَلَد ربّها، أو مولاها بعد الأب، وذلك إشارة إلى قوّة الإسلام؛ لأن كثرة السبي والتسرّي دليل على استعلاء الدين، واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات؛ لأن قوّته، وبلوغ أمره غايته منذر بالترجع، والانحطاط المؤذن بأن القيامة ستقوم.
وقال الطيبيّ: وأقول - والعلم عند الله -: الكلام فيه صعب، بل هو مقام دحضٌ، قلما تثبت فيه الأقدام الراسية في البيان، وكان قلما يلتفت الخاطر إلى معرفته، وما تكلّم فيه العلماء لم يكن يشفي العليل إلى أن تصدّيتُ لأمر هذا
стр. 107
الخطب الجليل، فالواجب أوّلًا تعيين المقام؛ لأن بيده زمام حكم الكلام، ولا ارتياب أن أمارات الساعة وأشراطها من عظائم الشؤون، وجلائل الخطوب، فيجب حينئذ تأويل القرينتين، أعني قوله: "أن تلد الأمة ربتها"، وقوله: "وأن ترى الْحُفاة الْعُراةَ - إلى قوله -: يتطاولون في البنيان" بما ينبئ عن ذلك النبإ العظيم من تغيير الزمان، وانقلاب أحوال الناس، بحيث لم يُشاهَد قبله، ولم يُرَ مثلُهُ، وكيف ولفظة "تَرَى" تنبئ عن ذلك؛ لأنها من الخطاب العامّ على الاستغراق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، يعني بلغ الخطب في العظم والفخامة بحيث لا يختصّ برؤية راءٍ واحدٍ، بل كلّ من يتأتّى منه الرؤية فهو مخاطبٌ به.
فإذا تقرّر بيان اقتضاء المقام، فنَثْنِي العِنَانَ إلى بيان الأساليب التي يُستعان بها على تطبيق القرينتين على ما يقتضيه المقام، من المطابقة المعنويّة، والكناية الزبديّة، والإدماج المسمّى بإشارة النصّ.
فنقول: القرينة الثانية دلّت بالكناية الزبديّة التي لا يُنظر فيها إلى مفردات التركيب، لا حقيقةً، ولا مجازًا، بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع على أن الأذلّة من الناس ينقلبون أعزّةً، ملوك الأرض، فينبغي أن تُؤَوَّل القرينة السابقة بما يقابلها؛ ليطابقا في أن يصير الأعزّة أذلّةً، ومعلوم أن الأمّ مربّيةٌ للولد، ومدبّرةُ أمره، فإذا صار الولد ربًّا، ومالكًا لها، لا سيّما إذا كانت بنتًا ينقلب الأمر، هذا هو الْمَعْنِيّ بالتشديد والمبالغة الموعود بهما، ثم وضع الأمة، ووصفها بالولادة موضع الأمّ إشعارٌ بمعنى الاسترقاق والاستيلاء، وأن أولئك الضَّعَفَةَ الأذلّةَ الذين فُهِموا من القرينة الثانية هم الذين يتعدّون، ويتسلّطون، ويفتحون البلاد، ويسترقّون كرائم النساء، وَشَرَائِفَهُنَّ، وَيسْتَوْلدوهنَّ، فتلد الأمة ربّتها.
فالحاصل أن قوله: "أن تَلِدَ الأمة ربتها" دلَّ بعبارته على المقصود، وبإشارته على معنى آخر، وهو كثرة المستولدات، وإنما وصف النساء بالشرف والكرامة؛ ليفيد المعنى المقصود، وكان الواقع كذلك، ألا ترى إلى الملكة حُرَقة بنت النعمان حين سُبيت، وأُحضرت بين يدي سعد بن أبي وقّاص ﵁ كيف أنشدت [من الطويل]:
стр. 108
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصرَّفُ
وإلى قول أبي الطيّب [من الطويل]:
تَبَكَّى عَلَيْهِنَّ الْبَطَارِيقُ فِي الدُّجَى … وَهُنَّ لَدَيْنَا مُلْقَيَاتٌ كَوَاسِدُ
وفي معناه أنشد [من الطويل]:
إِذَا ذَلَّ فِي الدُّنْيَا الأَعَزُّ وَاكْتَسَى (١) … أَعِزَّتُهَا ذُلًّا وَسَادَ مَسُودُهَا
هُنَاكَ فَلَا جَادَتْ سَمَاءٌ بِضَوْئِهَا … وَلَا أَشْرَقَتْ أَرْضٌ وَلَا اخْضَرَّ عُودُهَا
قال: وفي القرينتين إيذان بنصرة المؤمنين، وفتحهم البلاد مشارقها ومغاربها، كما ورد: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها"، رواه مسلم من حديث ثوبان ﵁. انتهى كلام الطيبيّ (٢).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بلفظ: "إذا ولدت الأمة ربها"، بالتذكير، قال في "الفتح": وزاد في رواية محمد بن بشر: "يعني السراري"، وفي رواية عمارة بن القعقاع: "إذا رأيت المرأة تلد ربها"، ونحوه لأبي فَرْوَة، وفي رواية عثمان بن غياث: "الإماء أربابهن" بلفظ الجمع، والمراد بالرب: المالك، أو السيد.
وقال أيضًا: "التعبير بـ"إذا" للإشعار بتحقق الوقوع، ووقعت هذه الجملة بيانًا للأشراط، نظرًا إلى المعنى، والتقدير: ولادةُ الأمة، وتطاوُلُ الرُّعَاة.
[فإن قيل]: الأشراط جمع، وأقله ثلاثة على الأصح، والمذكور هنا اثنان، أجاب الكرماني بأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة، إنما هو في النكرات، لا في المعارف، أو لفقد جمع الكثرة للفظ "الشرط".
قيل: وفي جميع هذه الأجوبة نظر لا يخفى، ولو أُجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان، لَمَا بَعُدَ عن الصواب، والجواب
стр. 109
المرضيّ أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها؛ لأنه في حديث عمر هنا، وفي حديث أبي هريرة الآتي ذكر الولادة، والتطاول، وفي رواية محمد بن بشر عن أبي حيان التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة في "صحيحه"، ومن طريقه أبو نعيم في "المستخرج" لفظها، ذكر الثلاثة، وكذا في "مستخرج الإسماعيلي"، من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عُمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك في حديث عمر ﵁، في رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة، ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذُكِرت في حديث ابن عباس، وأبي عامر ﵃ (١).
وسيأتي اختلاف العلماء في معنى "أن تلد الأمة ربتها" في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى.
(تنبيهٌ): قال النوويّ رحمه الله تعالى: ليس في هذا الحديث دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا منع بيعهنّ، وقد استدَلَّ إمامان من كبار العلماء به على ذلك، فاستدل أحدهما على الإباحة، والآخر على المنع، وذلك عجب منهما، وقد أُنكِر عليهما، فإنه ليس كلُّ ما أخبر ﷺ بكونه من علامات الساعة يكون مُحَرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاول الرِّعاء في البنيان، وفُشُوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهن قَيِّمٌ واحد ليس بحرام بلا شكّ، وإنما هذه علامات، والعلامة لا يُشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشرّ، والمباح والمحرم، والواجب غيره. انتهى (٢).
وعبارة القاضي عياض ﵀: قال الخطابيّ: قد يَحتجّ بهذا الحديث من يرى بيع أمهات الأولاد، ويحتجّ بأنهنّ لم يُبعنَ بعد موت السيّد؛ لأنهنّ يصرن في التقدير ملكًا لأولادهنّ، فيُعتقن.
قال القاضي: ولا حجّة له في هذا؛ إذ ليس في الحديث شيء يدلّ عليه، بل قد نُوزع في استدلاله.
وقال أبو زيد المروزيّ: وهو ردّ على من يرى بيعهنّ لإنكار النبي ﷺ أن
стр. 110
تلد الأمة من يملكها، وجعله ذلك من أشراط الساعة، ومعناه عنده أن يبيع أمه آخر الزمان.
وليس ما قال بشيء؛ لأن كلّ ما أُخبر عنه أنه من أشراط الساعة لا تُحَرِّمه الشريعة، ألا ترى أن تطاول الرِّعاء في البنيان ليس بحرام، ولا أن يكون اللُّكَع أسعد الناس بالدنيا ليس مما يُحرّمها عليه، ولا فشُوّ المال جملة مما يُحرّمه، ولا أن يكون لجماعة النساء القيّم الواحد مما يُحرّم ذلك.
وليس في الكلام دليل على إنكار النبيّ ﷺ ، كما زَعَم، ولا فيه غيرُ إخبارٍ عن حال تكون. وأما قوله: إن معناه أن يبيع الولد أمه آخر الزمان، فليس فيه دليلٌ على منع بيعها قبل ملك ابنها؛ إذ من يُجوّز بيعها من أهل الظاهر يوافق الجماعة في أنها لا تباع ما دامت حاملًا، ولا إذا تصير ملكًا لابنها بميراث، أو غيره. انتهى (١).
(وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ) بالضمّ: جمع حاف، وهو الذي لا يلبس في رجله نعلًا أو غيرها (الْعُرَاةَ) بالضمّ أيضًا جمع عار: وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا (الْعَالَةَ) بتخفيف اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والْعَيلة: الفقر، يقال: عال الرجل يَعِيل عَيْلةً: إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا كثُر عياله (رِعَاءَ الشَّاءِ) بالكسر: جمع راع، وأصل الرعي: الحفظ، و"الشاء": جمع شاة، وهو من الجمع الذي يفرّق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كان خِلْقةً لله تعالى، كشجرة وشجر، وثمرة وثمر، وإنما خصّ رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. قاله القرطبيّ (٢).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "إذا رأيت الرِّعَاء البهم"، وعند البخاريّ: "وإذا تطاول رعاة الإبل البهم".
وزاد في رواية ابن حبّان: "قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: الْعُرَيب".
(يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ") أي يتفاخرون في طول بيوتهم، ورفعتها، من تَطَاوَلَ الرجل إذا تكبّر، يعني من علامات القيامة أن ترى أهل البادية ممن ليس لهم لباسٌ، ولا نعلٌ، بل كانوا رعاء الإبل والشاء يتوطّنون البلاد، ويتّخذون العقار، ويبنون الدور والقصور المرتفعة. قاله المظهر.
стр. 111
وقال في "المرقاة": أي يتفاضلون في ارتفاعه، وكثرته، ويتفاخرون في حسنه وزينته، وهو مفعول ثانٍ إن جَعَلْتَ الرؤيةَ فعلَ البصيرة، أو حال إن جَعَلْتَها فعلَ الباصرة، ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة تبسط لهم الدنيا مِلْكًا أو مُلْكًا، فيتوطنون البلاد، ويبنون القصور المرتفعة ويتباهون فيها، فهو إشارة إلى تغلب الأراذل، وتذلّل الأشراف، وتولي الرئاسة من لا يستحقّها، وتعاطي السياسة من لا يُحْسِنُهَا، كما أن قوله: "أن تلد الأمة ربتها" إشارة إلى عكس ذلك.
وقيل: كلاهما إشارة إلى اتساع دين الإسلام، فيتناسب المتعاطفان في الكلام، ولعلّ تخصيصهما لجلالة خطبهما، ونباهة شأنهما، وقرب وقوعهما.
ويحتمل أن تكون الأولى إيماء إلى كثرة الظلم، والفسق، والجهل، وبلوغها مبلغ العليا، والثانية إلى غلبة محبة الدنيا، ونسيان منازل العقبى، ويقال: تطاول الرجل: إذا تكبّر، فلا يرد ما ذكره ابن حجر (١) من قوله: التفاعل فيه بين أفراد الْعُراة الموصوفين بما ذُكر، لا بينهم وبين غيرهم مما كان عزيزًا فَذَلَّ، خلافًا لمن وَهِمَ فيه، وقال: المعنى أن أهل البادية العارين عن القيام بالديانة يسكنون البلاد، ويتّخذون القصور الرفيعة، ويتكبّرون على العباد والزُّهّاد.
وحاصل الكلام أن انقلاب الدنيا من النظام يؤذن بأن لا يتناسب فيها المقام، فلا عيش إلا عيش الآخرة عند العقلاء الكرام، كما أنشدت الملكة الْحُرَقَة بنت النعمان بن المنذر لَمّا سُبيت، وأُحضرت عند سعد بن أبي وقّاص ﵁[من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصرَّفُ
فهنيئًا لمن جَعَل الدنيا كساعة، واشتغل فيها بالطاعة، قيامًا بأمر الحبيب، فإن كلّ ما هو آتٍ قَريب، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
стр. 112
مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ [الأنبياء: ١ - ٢]. انتهى (١).
(قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب ﵁ (ثُمَّ انْطَلَقَ) أي الرجل السائل (فَلَبِثْتُ) بكسر الباء الموحّدة: أي مكثتُ، يقال: لبِث بالمكان لَبَثًا، من باب تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثة بالفتح: المرّة، وبالكسر: الهيئة، والنوع، والاسم: اللُّبْث بالضمّ، واللَّبَاث. قاله في "المصباح".
وقال النوويّ في "شرحه": قوله: "فَلَبثَ مليًّا" هكذا ضبطناه "لَبِثَ" آخرُهُ ثاءٌ مثلّثةٌ، من غير تاء، وفي كثير من الأَصول المحقّقة "لَبِثْتُ" بزيادة تاء المتكلّم، وكلاهما صحيح. انتهى (٢).
(مليًّا) بتشديد الياء: أي وقتًا طويلًا، وفي رواية النسائيّ: "فلبِثتُ ثلاثًا"، وفي رواية أبي داود، والترمذيّ أنه قال ذلك بعد ثلاث، وفي "شرح السنّة" للبغويّ: "بعد ثالثة"، وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة ﵁ بعد هذا: "ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : رُدُّوا عليّ الرجلَ، فأخذوا ليردّوه، فلم يروا شيئًا، فقال النبيّ ﷺ : هذا جبريل" … الحديث.
فيحتمل الجمع بينهما أن عمر ﵁ لم يحضر قولَ النبيّ ﷺ لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبيّ ﷺ الحاضرين في الحال، وأخبر عمرَ ﵁ بعد ثلاث، إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين. والله تعالى أعلم (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع هو الأحسن، وسيأتي وجه آخر في الجمع في "عبارة الفتح" قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا عُمَرُ أَتَدْرِي) أي أتعلم (مَنِ السَّائِلُ؟ ")، ولأبي نعيم في "المستخرج": "ثم ذهب، فقال عمر: ولَبِثَ مليًّا، ثم لقيتُ رسول الله ﷺ قال: يا عمر هل تُخبروني عن السائل؟ "، (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهُ
стр. 113
جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، قَالَ) ﷺ : (فَإِنَّهُ) أي السائل (جِبْرِيلُ) ولأبي نعيم: "ذلك جبريل ﵇" (أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) وفي رواية النسائيّ: "ليعلّمكم أمر دينكم": أي قواعد دينكم، أو كلّيّات دينكم. وفي حديث أبي هريرة ﵁ الآتي: "هذا جبريل جاء ليعلّم الناس دينهم".
وللإسماعيلي: "أراد أن تعلموا، إذ لم تسألوا"، وفي رواية للنسائيّ: "والذي بعث محمدًا بالحق، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل"، وفي حديث أبي عامر: "ثم وَلَّى، فلما لم نرَ طريقه، قال النبي ﷺ : سبحان الله، هذا جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة"، وفي رواية سليمان التيمي: "ثم نَهَض، فوَلَّى، فقال رسول الله ﷺ : عليَّ بالرجل، فطلبناه كُلَّ مَطْلَبٍ، فلم نَقْدِر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل، أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده، ما شُبِّه عليّ منذ أتاني، قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى"، قال ابن حبان تفرد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه".
قال الحافظ: وهو من الثقات الأثبات، وفي قوله: "جاء ليعلم الناس دينهم": إشارة إلى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح.
وإسناد التعليم إلى جبريل مجازيّ؛ لأنه كان السبب في الجواب، فلذلك أمر بالأخذ عنه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: واتفقت هذه الروايات - يعني روايات أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ - على أن النبي ﷺ ، أخبر الصحابة ﵃ بشأنه، بعد أن التمسوه، فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم، وغيره، من حديث عُمَر ﵁ في رواية كهمس - يعني هذا الرواية -: "قال: ثم انطلق، فلبثت مليًّا، ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل إلخ".
فقد جَمَع بين الروايتين بعضُ الشراح بأن قوله: "فلبثت مليًّا": أي زمانًا بعد انصرافه، فكأن النبي ﷺ أعلمهم بذلك، بعد مضيّ وقت، ولكنه في ذلك المجلس، لكن يَعْكُرُ على هذا الجمع قوله في رواية النسائي، والترمذي:
стр. 114
"فلبثت ثلاثًا"، لكن ادَّعَى بعضهم فيها التصحيف، وأن "مليًّا" صُغّرت ميمها، فأشبهت "ثلاثًا"، لأنها تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة: فلبثنا ليالي، فلقيني رسول الله ﷺ ، بعد ثلاث"، ولابن حبان: "بعد ثالثة"، ولابن منده: "بعد ثلاثة أيام".
وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر ﵁، لم يحضر قول النبي ﷺ ، في المجلس، بل كان ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عَرَض له، فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر، إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: "فقال لي: يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن (١).
[تنبيه]: دلت الروايات التي تقدّم ذكرها، على أن النبي ﷺ ، ما عَرَف أنه جبريل، إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل، حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع في رواية النسائي، من طريق أبي فروة، في آخر الحديث: "وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي"، فإن قوله: "نزل في صورة دحية الكلبي"، وَهَمٌ؛ لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر ﵁: ما يعرفه منا أحد، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في "كتاب الإيمان" له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: "فإنه جبريل، جاء ليعلمكم دينكم"، فَحَسْبُ، وهذه الرواية هي المحفوظة؛ لموافقتها باقي الروايات. قاله في "الفتح" (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا من أفراد مسلم، وقد تقدّم سبب عدم إخراج البخاريّ له، فلا تغفل.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
стр. 115
أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا في "الإيمان" (١/ ١٠١) عن أبي خيثمة زهير بن حرب، عن وكيع - (ح) وعن عبيد الله بن معاذ العنبريّ، عن أبيه - كلاهما عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، حدثني أبي عمر بن الخطاب، فذكره.
و (١/ ١٠٢) عن محمد بن عُبيد الْغُبَريّ، وأبي كامل الْجَحْدريّ، وأحمد بن عبدة - ثلاثتهم عن حماد بن زيد، عن مطر الورّاق، عبد الله بن بُريدة به، و (١/ ١٠٣) عن حجاج بن الشاعر، عن يونس بن محمد، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر به.
و (١/ ١٠٤) عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد القطّان، عن عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، وحُميد بن عبد الرحمن كلاهما عن ابن عمر به.
وأخرجه (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧) عن وكيع - وفي (١/ ٥١) (٣٦٧) عن محمد بن جعفر، ويزيد بن هارون - و (١/ ٥٢) (٣٦٨) عن عبد الله بن يزيد - و (أبو داود) في "سننه" (٤٦٩٥) عن عُبيد الله بن معاذ، عن أبيه - و (ابن ماجه) (٦٣) عن عليّ بن محمد، عن وكيع - و (الترمذيّ) في "جامعه" (٢٦١٠) عن أبي عمّار الحسين بن حُريث الْخُزاعيّ، عن وكيع - (ح) وعن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك - (ح) وعن محمد بن المثنّى، عن معاذ بن معاذ - و (النسائيّ) في "سننه" (٨/ ٩٧) عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل - و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٠٤) عن أبي موسى محمد بن المثنّى، عن حسين بن الحسن - ثمانيتهم (وكيع، ومحمد بن جعفر، ويزيد، وعبد الله بن يزيد، ومعاذ، وعبد الله بن المبارك، والنضر، وحسين) عن كهمس بن الحسن -.
و (البخاريّ) في "خلق أفعال العباد" (٢٦) عن أبي النعمان، عن حمّاد بن زيد، عن مطر الورّاق - كلاهما (كهمس، ومطر) عن عبد الله بن بريدة به.
و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٧٤ و ٧٥ و ٧٦ و ٧٧ و ٧٨ و ٧٩ و ٨٠ و ٨١ و ٨٢ و ٨٣ و ٨٤).
و (ابن خزيمة) (٣٠٦٥) قال: عن أبي يعقوب يوسف بن واضح الهاشميّ، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر به،
стр. 116
وفيه: … قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحجّ البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تُتمّ الوضوء، وتصوم رمضان، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم، قال: صدقت … " الحديث.
وأخرجه (أحمد) (١/ ٢٧) (١٨٤) و (المصنّف) (١/ ١٠٣) عن محمد بن حاتم - و (أبو داود) (٤٦٩٦) عن مسدّد، ثلاثهم (أحمد، ومحمد، ومسدّد) عن يحيى بن سعيد القطّان، عن عثمان بن غياث، قال: حدّثني عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، فذكره.
وزاد فيه: "سأل رجلٌ من جهينة، أو مزينة، فقال: يا رسول الله، فيم نعمل، أفي شيء قد خلا أو مضى، أو في شيء يُستأنف الآن؟ قال: في شيء قد خلا، أو مضى، فقال رجل، أو بعض القوم: يا رسول الله، فيم نعمل؟ قال: أهل الجنّة ييسّرون لعمل أهل الجنّة، وأهل النار ييسّرون لعمل أهل النار" (١). والله تعالى أعلم.
стр. 117
(المسألة الثالثة): في فوائده.
١ - (منها): ما ساقه المصنّف رحمه الله تعالى من أجله، وهو بيان شرح الإسلام، والإيمان، والإحسان، وغير ذلك، ولذا يَصْلُح، أن يقال هذا الحديث أُمُّ السنة؛ لما تضمنه من جُمَل علم السنة، كما سُمّيت الفاتحة أم الكتاب؛ لِمَا تضمّنته من جُمل معاني القرآن. قاله القرطبيّ، وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي، كتابيه "المصابيح"، و"شرح السنة"؛ اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالًا.
وقال القاضي عياض: قد اشتمل هذا الحديث، على جميع وظائف
стр. 118
العبادات، الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، ابتداءً، وحالًا، ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه. قال: وعلى هذا الحديث، وأقسامه الثلاثة، ألّفنا كتابنا الذي سمّيناه بـ"المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان"، إذ لا يشذّ شيء من الواجبات، والسنن، والرغائب، والمحظورات، والمكروهات عن أقسامه الثلاثة. انتهى.
٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: في جملة هذا الحديث إنكار صدر هذه الأمة مقالة أهل القدر، وأنها محدثةٌ وبدعة، كما جاء في الحديث: أول من تكلم به معبد بالبصرة.
٣ - (ومنها): أن فيه فَزَعَ السلف في الأمور الطارئة عليهم في الدين إلى ما عند أصحاب النبيّ ﷺ ؛ إذ هم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، ولمَا عندهم عنه ﷺ في ذلك من علم وأثر، ولهذا نَقَل مالك ﵀ في "جامعه" من قول الصحابة ﵃ في هذا ما نَقَل.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على استحباب تحسين الثياب والهيئة، والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك، فإن جبريل ﵇ أتى معلّمًا للناس، كما أخبر به النبيّ ﷺ ، فيكون تعليمه بحاله ومقاله.
٥ - (ومنها): ابتداء الداخل بالسلام على جميع من دخل عليه، وإقباله على رأس القوم، فإنه قال: السلام عليكم، فعمّ، ثم قال: يا محمد، فخصّ (١).
٦ - (ومنها): أن فيه أن المَلَكَ يجوز أن يتمثل لغير النبي ﷺ ، فيراه، ويتكلم بحضرته، وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أنه كان يسمع كلام الملائكة.
٧ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الله تعالى مكّن الملائكة من أن يتمثّلوا فيما شاؤوا من صُور بني آدم، كما نصّ الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وقد كان جبريل ﵇ يتمثّل للنبيّ ﷺ في
стр. 119
صورة دحية بن خليفة الكلبيّ ﵁، وقد كان لجبريل صورة خاصّة، خُلق عليها، لم يره النبيّ ﷺ عليها غير مرّتين، كما صحّ الحديث بذلك (١).
٨ - (ومنها): جواز الاستئذان في القرب من الإمام مرارًا، وإن كان الإمام في موضع مأذون في دخوله.
٩ - (ومنها): ترك الاكتفاء بالاستئذان مرّة، أو مرّتين على جهة التعظيم، والاحترام.
١٠ - (ومنها): جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لضرورة التعليم، أو غيره؛ لما يأتي في حديث الباب التالي: "فبنينا له دكّانًا من طين، كان يجلس عليه".
١١ - (ومنها): أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجةً إلى مسألة، لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها؛ ليحصل الجواب للجميع.
١٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل، ويُدنيه منه؛ ليتمكّن من سؤاله، غير هائب، ولا منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله.
١٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا سئل عما لا يعلم، أن يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون ذلك دليلًا على مزيد ورعه. قاله النوويّ رحمه الله تعالى.
١٤ - (ومنها): ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال، عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات، والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذُكر هنا، حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة، ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها، ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته، مما لا يمكن.
١٥ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر رحمه الله تعالى: في قوله: "يعلمكم دينكم"، دلالة على أن السؤال الحسن، يُسَمَّى علمًا وتعليمًا؛ لأن جبريل ﵇
стр. 120
لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه النبيّ ﷺ معلمًا، وقد اشتهر قولهم: "حُسنُ السؤال نصف العلم"، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انْبَنَتْ على السؤال والجواب معًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في إتمام البحث المتعلّق بتفسير الإحسان.
قال في "الفتح": دل سياق الحديث، على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وأما رؤية النبي ﷺ ، فذاك لدليل آخر، وقد صرح مسلم في روايته، من حديث أبي أُمامة ﵁ بقوله ﷺ : "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رؤية النبيّ ﷺ لربه يَقَظَةً ببصره مسألة اختُلف فيها، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في محلّه، مع ترجيح القول بعدمها؛ لقوة أدلته. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح البخاريّ": وأما الإحسان ففسّره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان، ومراتبه، ولتفاوت المؤمنون، والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتًا كثيرًا بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان، وقد أشار النبيّ ﷺ إلى ذلك ههنا بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قيل: المراد أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربّه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه، وشقّ عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه، ويطلع على سرّه وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. وقد وصّى النبيّ ﷺ طائفة من أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه، منهم ابن عمر، وأبو ذرّ ﵃، ووصّى معاذًا ﵁ أن يستحيي من الله كما يستحي من رجل ذي هيبة من أهله.
قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، فهذان مقامان:
[أحدهما]: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه، واطّلاعه عليه، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله تعالى، فيراقبه في حركاته،
стр. 121
وسكناته، وسرّه، وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.
[والثاني]: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله، ويُشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين، وحديث حارثة ﵁ هو من هذا المعنى (١)، فإنه قال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوَوْن فيها، فقال النبيّ ﷺ : "عرفت، فالزم، عبدٌ نوّر الله الإيمانَ في قلبه". وهو حديث مرسلٌ، وقد روي مسندًا بإسناد ضعيف.
وكذلك قول ابن عمر لعروة لَمّا خطب إليه ابنته في الطواف، فلم يَرُدّ عليه، ثم لقيه، فاعتذر إليه، وقال كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض: يقول الله: ما أنا مطّلع على أحبابي إذا جنّهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومَثَلتُ نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلّموني على حضوري.
وبهذا فُسّر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
قال أبيّ بن كعب وغيره من السلف: مثل نوره في قلب المؤمن. فمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربّه، وأَنِس به في خلوته، وتنعّم بذكره ومناجاته ودعائه، حتى ربما استوحش من خلقه، كما قال بعضهم: عجبت للخليقة كيف أَنَسَتْ بسواك؟ بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. وقيل لآخر: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش، وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟ وقيل
стр. 122
لآخر: أما تستوحش وحدك؟ قال: ويستوحش مع الله أحد؟ وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته، ويقول: من لم تقرّ عينه بك، فلا قرّت عينه، ومن لم يأنس بك، فلا أَنِس. وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه. وقال معروف لرجل: توكّل على الله حتى يكون جليسك، وأنيسك، وموضع شكواك. وقال ذو النون: علامة المحبّين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلبَ حبُّ الله أنس بالله؛ لأن الله أجلّ في صدور العارفين أن يُحبّوا غيره.
وقوله ﷺ : "اعبد الله كأنك تراه" إشارةٌ إلى أن العابد يتخيّل ذلك في عبادته، لا أنه يراه حقيقة ببصره، ولا بقلبه.
وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانًا، كما تراه الأبصار في الآخرة، كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفيّة، فهو زعم باطلٌ، فإن هذا المقام هو الذي قال من قال من الصحابة، كأبي ذرّ، وابن عباس، وغيرهما، ورُوي عن عائشة أيضًا أنه حصل للنبيّ ﷺ مرّتين.
وروي في ذلك أحاديث مرفوعة أيضًا، وكذا قال جماعة من التابعين: إنه رآه بقلبه، منهم الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم التيميّ، فلو كان هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين الأنبياء وغيرهم، لم يكن في تخصيص النبيّ ﷺ بذلك مزيّة، له، لا سيما وإنما قالوا: إنها حصلت له مرّتين؛ فإن هؤلاء الصوفيّة يزعمون أن رؤية القلب تصير حالًا، ومقامًا دائمًا، أو غالبًا لهم، ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على الأنبياء، ويتفرّع على ذلك أنواع من الضلالات، والمحالات، والجهالات، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فهذه المقامات الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان، يشملها اسم الدين، فمن استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار، وإن دخلها بذنوبه، ومن استقام على الإحسان إلى الموت، وصل إلى الله ، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقد فسّر النبيّ ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله، أخرجه مسلم من حديث صهيب ﵁. انتهى كلام
стр. 123
الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى وهو بحث نفيس (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ : "أن تلد الأمة ربتها".
قال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا، في معنى ذلك، قال ابن التين: اختلف فيه على سبعة أوجه: فذكرها، لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل، فإذا هي أربعة أقوال:
[الأول]: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام، واستيلاد أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها، كان الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولد سيدها. قال النووي، وغيره: إنه قول الأكثرين.
قال الحافظ: لكن في كونه المرادَ نظرٌ؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودًا، حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، واتخاذهم سراريّ، وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع، مما سيقع قرب قيام الساعة، وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه، بأخصّ من الأول، قال: أن تلد العجم العرب، ووجهه بعضهم بأن الإماء يلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وهذا لإبراهيم الحربي، وقَرَّبَهُ بأن الرؤساء في الصدر الأول، كانوا يستنكفون غالِبًا من وطء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر، ولا سيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية: "ربتها" بتاء التأنيث، قد لا تساعد على ذلك، ووجهه بعضهم بأن إطلاق ربتها على ولدها مجاز؛ لأنه لما كان سببًا في عتقها بموت أبيه، أطلق عليه ذلك، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر، فقد يُسبَى الولد أولًا، وهو صغير، ثم يُعتَق، ويكبر، ويصير رئيسًا، بل ملكًا، ثم تُسبى أمه فيما بعدُ، فيشتريها عارفًا بها، أو وهو لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها، أو يتخذها موطوءة، أو يُعتقها ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات: "أن تلد الأمة بَعْلها"، وهي عند مسلم، فتُحمل على هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل المالك، وهو أولى؛ لتتفق الروايات.
стр. 124
[الثاني]: أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الْمُلّاك المستولدة، حتى يشتريها ولدها، ولا يشعر بذلك، وعلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، أو الاستهانة بالأحكام الشرعية.
[فإن قيل]: هذه المسألة مختلف فيها، فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل، ولا استهانة عند القائل بالجواز.
[قلنا]: يصلح أن يحمل على صورة اتفاقية، كبيعها في حال حملها، فإنه حرام بالإجماع.
[الثالث]: وهو من نمط الذي قبله، قال النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يُتصور في غيرهن، بأن تلد الأمة حُرًّا من غير سيدها، بوطء شمبهة، أو رقيقًا بنكاح، أو زنًا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي، حتى يشتريها ابنها، أو ابنتها، ولا يُعَكِّرُ على هذا تفسير محمد بن بشر، بأن المراد السراري، لأنه تخصيص بغير دليل.
[الرابع]: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه، معاملة السيد أمته، من الإهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأُطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة.
قال الحافظ: وهذا أَوْجَهُ الأَوْجُه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال، مستغربةً.
ومُحَصَّله الإشارة إلى أن الساعة، يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير الْمُرَبَّى مُرَبّيًا، والسافل عالِيًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: "أن تصير الْحُفَاة ملوكَ الأرض". انتهى "فتح" ١/ ١٦٧ - ١٦٨ وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في تكميل ما سبق من مباحث القدر.
قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه": (واعلم): أن مذهب أهل الحقّ إثباتَ القدر، ومعناه أن الله ﵎ قَدّرَ الأشياء في القِدَم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قَدَّرَها ، وأنكرت القدرية هذا،
стр. 125
وزعمت أنه لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مُسْتَأنفَةُ العلم، أي إنما يعلمها بعد وقوعها، وكَذَبُوا على الله نسبحانه وتعالى وجلّ عن أقوالهم الباطلة عُلُوًّا كبيرًا، وسُمِّيت هذه الفرقة قدرية، لإنكارهم القدر.
قال أصحاب المقالات من المتكلمين: وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل، ولم يَبْقَ أحدٌ من أهل القبلة عليه، وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد إثبات القدر، ولكن يقولون: الخير من الله، والشر من غيره، تعالى الله عن قولهم.
وقد حَكَى أبو محمد بن قتيبة في كتابه "غريب الحديث"، وأبو المعالي، إمام الحرمين في كتابه "الإرشاد" في أصول الدين أن بعض القدرية قال: لسنا بقدرية، بل أنتم القدرية؛ لاعتقادكم إثبات القدر، قال ابن قتيبة، والإمام: هذا تمويهٌ من هؤلاء الجهلة، ومباهتة، وتواقُحٌ، فإن أهل الحق يُفَوِّضون أمورهم إلى الله ، ويُضِيفون القدر والأفعال إلى الله ، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم، ومُدَّعِي الشيء لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن يُنسَب إليه، ممن يعتقده لغيره وينفه عن نفسه.
قال الإمام: وقد قال رسول الله ﷺ : "القدرية مجوس هذه الأمة"، شَبَّهَهم بهم؛ لتقسيمهم الخير والشر في حكم الإرادة، كما قَسَّمَت المجوس، فصرفت الخير إلى "يزدان"، والشر إلى "أهرمن"، ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية، هذا كلام الإمام، وابن قتيبة.
وحديث: "القدريةُ مجوسُ هذه الأمة"، رواه أبو حازم، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ ، أخرجه أبو داود في "سننه"، والحاكم، أبو عبد الله في "المستدرك على الصحيحين"، وقال: صحيح على شرط الشيخين، إن صحّ سماع أبي حازم، من ابن عمر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أبو حازم لم يسمع من ابن عمر ﵄، قال ولده ليحيى بن صالح: من حدّثك أن أبي سمع من أحد الصحابة، غير سهل بن سعد ﵁ فقد كذب، قاله في "التهذيب" (١).
стр. 126
وعليه فالحديث منقطع، لكن أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق حميد الطويل، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أمتي لا يردان الحوض، ولا يدخلون الجنة: القدريّة، والمرجئة"، وفي لفظ: "القدريّة، والمرجئة مجوس هذه الأمة، فإن مَرِضُوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم".
وقد حسّنه الشيخ الألباني ﵀، وأحسن في ذلك، راجع: "السلسلة الصحيحة" ٦/ ٥٦٣ - ٥٦٤ رقم (٢٧٤٨).
والحاصل أن الحديث صحيح لغيره، والله تعالى أعلم.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: إنما جعلهم ﷺ مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين: النورِ والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشرّ من فعل الظلمة، فصاروا ثُنَوِيّةً، وكذلك القدرية يُضيفون الخير إلى الله تعالى، والشرّ إلى غيره، والله خالق الخير والشر جميعًا، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه خلقًا وإيجادًا، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلًا واكتسابًا. والله أعلم.
وقال الخطابيّ ﵀ أيضًا: وقد يَحسبَ كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله العبدَ وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدّم علم الله بما يكون من اكتساب العبد، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها، خيرِها وشرّها، قال: والقدر اسم لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عن فعل القادر، يقال: قَدَرتُ الشيءَ، وقَدَّرته بالتخفيف والتثقيل، بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]: أي خلقهنّ.
قال النوويّ ﵀: وقد تظاهرت الأدلة القطعيات، من الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأهل الْحَلِّ والْعَقْد، من السلف والخلف على إثبات قدر الله ، وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه، ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد، كتابُ الحافظ الفقيه أبي بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى، وقد قَرَّر أئمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير، بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية، والله أعلم. انتهى (١).
стр. 127
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقد روي عن مالك ﵀ أنه فسّر مذهب القدريّة بنحو ذلك (١)، وهذا المذهب هو الذي وقع لأهل البصرة، وهو الذي أنكره ابن عمر ﵄، ولا شكّ في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه جَحْدُ معلوم من الشرع ضرورةً، ولذلك تبرّأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تُقبل منهم أعمالهم، ولا نفقاتهم، وأنهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٥٤].
وهذا مذهب طائفة منهم تُسمّى السُّكبيّة (٢)، وقد تُرك اليوم، فلا يُعرف من يُنسب إليه من المتأخّرين، من أهل البدع المشهورين.
والقدريّة اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، ومعنى القدر عند القائلين به اليوم أن أفعال العباد مقدورةٌ لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أَخفّ من المذهب الأول، وأما المتأخرون منهم، فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد؛ فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إن سَلَّم القدريُّ العلمَ خُصِم - يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم -، فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل لِلَّه، تعالى الله عن ذلك. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ أيضًا: والإيمان بالقدر: هو التصديق بما تقدّم ذكره، وحاصله هو ما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافّات: ٩٦]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله:
стр. 128
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإجماع السلف والخلف على صدق قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقوله ﷺ : "كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس". رواه مسلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في "العقيدة الواسطيّة": وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشرّه، والإيمان بالقدر على درجتين، كلّ درجة تتضمّن شيئين:
فالدرجة الأولى بأن الله تعالى عليم بالخلق، وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإنسان لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام، وطُويت الصحف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢]، وهذا التقدير التابع لعلمه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا التقدير قد كان ينكره غُلاة القدريّة قديمًا، ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله ، لا يكون في ملكه ما لا يُريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات، والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه ، لا خالق غيره، ولا ربّ سواه، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو يحبّ المتّقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا
стр. 129
وعملوا الصالحات، ولا يُحبّ الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبّ الفساد، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن، والكافر، والبرّ، والفاجر، والمصلّي، والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وقدرَتهم، وإرادَتَهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
وهذه الدرجة من القدَر يُكَذّب بها عامّة القدريّة الذين سمّاهم النبيّ ﷺ مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته، واختياره، ويخرجون عن أفعال الله، وأحكامه حكمها، ومصالحها. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة):
(اعلم): أن هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ، ودليلٌ عميمٌ، يقطع دابر أهل الأهواء المضلّة، وأرباب السَّفَه والذِّلّة من المعتزلة، والمتكلّمين الذين هم أذناب الفلاسفة الْجَهَلَة، أرباب الغواية السَّفَلَة، الذين لا يرون المؤمن مؤمنًا إلا الذي آمن بالقواعد التي أسّسوها، ودسّوها بين أهل الإسلام، وأوهموا أنها المعنيّة بنصوص الكتاب والسنّة، وأن من لم يسلك سبيلها فقد ضلّ ضلالًا بعيدًا، وهذا زور وبهتان، وكذب وافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ ، وقد قام المحقّقون من المتقدّمين والمتأخرين من أهل السنة بتفنيد آرائهم الزائفة، ودحض حُجَجِهِمْ الكاسفة، وألقموهم الحجر الْجُلْمُود، ونَبَزُوهم بأنهم أهل الضلال والجحود، وأنا أذكر - بعون الله تعالى - خلاصة أقوالهم، ولباب أَفْهَامِهِمْ التي دلّ عليها الكتاب وصحاح السنّة، وعرفها وحققها العقلاء، وإن جحدها ونبذها الجهلاء - اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، آمين -.
قال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى: مذهب السلف وأئمة الفتوى من الخلف، أن من صدّق بهذه الأمور تصديقًا جزمًا، لا ريب فيه ولا تردّد، ولا توقّف، كان مؤمنًا حقيقة، وسواء كان ذلك عن براهين ناصعة، أو عن
стр. 130
اعتقادات جازمة، على هذا انقرضت الأعصار الكريمة، وبهذا صرّحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة، حتى حدثت مذاهب المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنه لا يصحّ الإيمان الشرعيّ إلا بعد الإحاطة بالبراهين العقليّة والسَّمْعِيَة، وحصول العلم بنتائجها ومطالبها، ومن لم يحصُل إيمانه كذلك فليس بمؤمن، ولا يجزئ إيمانه بغير ذلك، وتبعهم على ذلك جماعة من متكلّمي أصحابنا، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وأبي المعالي في أول قوليه، والأول هو الصحيح؛ إذ المطلوب من المكلّفين ما يقال عليه: إيمان، كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ١٣]، والإيمان هو التصديق لغةً وشرعًا، فمن صدّق بذلك كلّه، ولم يجوّز نقيض شيء من ذلك، فقد عمل بمقتضى ما أمره الله تعالى به على نحو ما أمره الله تعالى، ومن كان كذلك، فقد تَفَصَّى عن عهدة الخطاب؛ إذ قد عمل بمقتضى السنّة والكتاب؛ ولأن رسول الله ﷺ وأصحابه بعده حكموا بصحّة إيمان كلّ من آمن وصدّق بما ذكرناه، ولم يفرّقوا بين من آمن عن برهان، أو غيره؛ ولأنهم لم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلّة تصديقهم، ولا أرجأوا إيمانهم حتى ينظروا، وتحاشوا عن إطلاق الكفر على أحد منهم، بل سمَّوهم المؤمنين، والمسلمين، وأجروا عليهم أحكام الإيمان والإسلام؛ ولأن البراهين التي حرّرها المتكلّمون، ورتّبها الجدليّون، إنما أحدثها المتأخّرون، ولم يَخُض في شيء تلك الأساليب السلف الماضون، فمن المحال والْهَذَيَان أن يُشترط في صحّة الإيمان ما لم يكن معروفًا ولا معمولًا به لأهل ذلك الزمان؟ وهم من هم؟ فهمًا عن الله تعالى، وأخذًا عن رسول الله ﷺ ، وتبليغًا لشريعته، وبيانًا لسنّته وطريقته. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو نفيسٌ جدًّا (١).
وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" عند شرح حديث بَعْثِ معاذ ﵁ إلى اليمن، فقال عند قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله، فإذا عرفوا ذلك … " الحديث، ما نصّه: وقد تمسك به من قال: أول واجبٍ المعرفةُ، كإمام الحرمين، واستَدَلّ بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من
стр. 131
المأمورات على قصد الامتثال، ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على قصد الانزجار، إلا بعد معرفة الآمر والناهي.
واعتُرِض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال، وهو مقدمة الواجب، فيجب، فيكون أول واجبٍ النظرُ، وذهب إلى هذا طائفة كابن فورك.
وتُعُقّب بأن النظر ذو أجزاء، يترتب بعضًا على بعض، فيكون أول واجب جزأ من النظر، وهو محكيّ عن القاضي أبي بكر بن الطيب، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيّ: أول واجب القصد إلى النظر، وجمع بعضهم بين هذه الأقوال، بأن من قال: أول واجب المعرفة، أراد طلبًا وتكليفًا، ومن قال: النظر، أو القصد أراد امتثالًا؛ لأنه يُسَلّم أنه وسيلة إلى تحصيل المعرفة، فيدل ذلك على سبق وجوب المعرفة.
قال: وقد ذكرتُ في "كتاب الإيمان" من أعرض عن هذا من أصله، وتَمَسَّكَ بقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وحديث: "كلُّ مولود يولد على الفطرة … "، فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة، وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص؛ لقوله ﷺ : "فأبواه يُهَوّدانه، وينصرانه".
وقد وافق أبو جعفر السمناني، وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا، وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري، من مسائل المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك. انتهى.
قال: وقرأت في جزء من كلام شيخ شيخنا الحافظ صلاح الدين العلائي ما ملخصه: إن هذه المسألة مما تناقضت فيها المذاهب، وتباينت بين مُفَرِّط، ومُفْرِط، ومتوسط:
فالطرف الأول: قول من قال: يكفي التقليد المحض في إثبات وجود الله تعالى، ونفي الشريك عنه، وممن نسب إليه إطلاق ذلك عبيد الله بن الحسن العنبري، وجماعة من الحنابلة، والظاهرية، ومنهم من بالغ، فَحَرَّم النظر في الأدلة، واستند إلى ما ثبت عن الأئمة الكبار، من ذم الكلام كما سيأتي بيانه.
стр. 132
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا المذهب هو الحقّ الذي كان عليه السلف الصالح، كما سبق في كلام القرطبيّ، ويأتي أيضًا، فليس فيه تفريط، كما يدلّ عليه كلام العلائيّ هذا، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بتقليد ذوي الاعتساف، ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
قال: والطرف الثاني: قول من وقَفَ صحة إيمان كل أحد على معرفة الأدلة، من علم الكلام، ونُسب ذلك لأبي إسحاق الإسفرايينيّ، وقال الغزالي: أسرفت طائفة، فكَفَّروا عوامّ المسلمين، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية، بالأدلة التي حرّروها، فهو كافر، فضيّقوا رحمة الله الواسعة، وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين، وذكر نحوه أبو المظفر ابن السمعانيّ، وأطال في الرد على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لا يجوز أن تكلف العوامّ اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن في ذلك من المشقة أشدّ من المشقة في تعلم الفروع الفقهية.
قال: وأما المذهب المتوسط، فذكره، وسأذكره مُلَخَّصًا بعد هذا.
وقال القرطبي في "المفهم" في شرح حديث: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"، وهو في أوائل "كتاب العلم" من "صحيح مسلم": هذا الشخص الذي يبغضه الله، هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشُّبَه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين، المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شُبَهٌ، ربما يَعجِز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم، لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة، لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها، لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء المتكلّمين قد ارتكبوا أنواعًا من المحال، لا يرتضيها الْبُلْهُ ولا الأطفال، لَمَّا بحثوا عن تَحَيُّز الجواهر، والأكوان، والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عنه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم بحثٌ واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي
стр. 133
الذات أو غيرها؟ وفي الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؟ وعلى الثاني، هل ينقسم بالنوع، أو الوصف؟ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور، مع كونه حادثًا؟ ثم إذا انعدم المأمور، فهل يبقى ذلك التعلق؟ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا، هو نفس الأمر لعمرو بالزكاة؟ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة، التي لم يأمر الشارع بالبحث عنها، وسكت عنها الصحابة ﵃ ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف، لا يتعدّاه، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات، وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حُجِب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز.
وغاية علم العلماء، وإدراك عقول الفضلاء، أن يقطعوا بوجود فاعل لهذه المصنوعات، منزه عن الشبيه، مقدس عن النظير، متصف بصفات الكمال.
ثم متى ثبت النقل أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه، وما لم يتعرّضوا له، سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه، وهذه طريقة السلف، وما سواها مَهَاوٍ وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين، ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من جعل دينه غَرَضًا للخصومات، أكثر الشغل، والدين قد فُرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه. وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ليس هذا الجدال من الدين في شيء، وقال: كان يقال: لا تُمَكِّنْ زائغَ القلب من أُذُنك، فإنك لا تدري ما يَعلق من ذلك. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لأن يُبتلَى العبد بكلّ ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام، وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمّى، أو غير المسمّى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يُضربُوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنّة، وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: لا يُفلح صاحب الكلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن
стр. 134
عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة ﵃ ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضِيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئسما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير منهم إلى الإلحاد، وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع، وتطلبهم حقائق الأمور من غيره، وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها، ولو لم يكن في الجدال إلا أن النبيّ ﷺ قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خَرَّجَهُ الترمذيّ: "ما ضلّ قوم بعد هُدًى كانوا عليه إلا أوتوا الْجَدَل"، وقال: إنه صحيح (١).
قال: وقد رجع كثير من أئمة المتكلّمين عن الكلام، بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لَمّا لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام المتكلّمين أبو المعالي إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ)، فقد حَكَى عنه الثقات أنه قال: لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغُصت في كل شيء، نَهَى عنه أهل العلم رغبةً في طلب الحق، وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكلّ إلى كلمة الحقّ، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الْجُوَينيّ.
وفي رواية عنه أنه قال عند موته: لقد خُضتُ البحر الخِضَمّ، وخلّيتُ أهل الإسلام وعلومهم، ودخلتُ فيما نَهَوْني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالوليل لابن الجوينيّ، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: عقيدة عجائز نيسابور.
وقال لأصحابه عند موته: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغتُ، ما تشاغلت به (٢).
وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسيّ خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتَتَّهِموني؟ قالوا:
стр. 135
لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحقّ معهم.
وقال أبو الوفاء ابن عَقِيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عُدتُ القهقرى إلى مذهب المكتب.
وهذا الشهرستاني، صاحب "نهاية الإقدام في علم الكلام" وَصَفَ حاله فيما وصل إليه من علم الكلام، وما ناله، فتمثّل بما قاله [من الطويل]:
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا … وَصَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ … عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارعٍ سِنَّ نَادِمِ
ثم قال: عليكم بدين العجائز، فإنه أسنى الجوائز.
ولقد أجاد الإمام الصنعانيّ محمد بن إسماعيل صاحب "سبل السلام" ﵀ حيث ردّ عليه فقال [من الطويل]:
لَعَلَّكَ أَهْمَلْتَ الطَّوَافَ بِمَعْهَدِ الرْ … رَسُولِ وَمَنْ وَالَاهُ مِنْ كُلِّ عَالِم
فَمَا حَارَ مَنْ يَهْدِي بِهَدْيِ مُحَمَّدِ … وَلَسْتَ تَرَاهُ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ (١)
قال الجامع عفا الله عنه: لو قال: وَوَاللهِ أَهْمَلْتَ إلخ، لكان أولى من "لعلّك" كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
وهذا أبو حامد الغزاليّ مع فَرْط ذكائه وتألّهه، ومعرفته بالكلام والفلسفة، وسُلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوّف، ينتهي في هذه المسائل إلى الوَقْف والْحَيْرة، ويُحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث، وصنّف "إلجام العوامّ عن علم الكلام" (٢).
وقال الفخر الرازيّ في كتابه الذي صنّفه في أقسام اللَّذَّات، وقد ذكر أنواعها وأن أشرفها لذّة العلم والمعرفة، وأشرف العلوم العلم الإلهي لشرف معلومه، وشدّة الحاجة إليه، وأنه على ثلاثة أقسام: العلم بالذات، وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الوجود هل هو الماهيّة، أو زائد عليها، والعلم بالصفات، وعليه عُقْدَةٌ، وهي أن الصفات هل هي أمور وجوديّة زائدة على ذات
стр. 136
الموصوف، أم ليست بزائدة على الذات؟ والعلم بالأفعال، وعليه عُقْدَةٌ، وهي هل الفعل مقارن للفاعل، أو متراخٍ عنه؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب؟ ثم أنشد [من الطويل]:
نِهَايَةُ أَقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ … وَأَكْثَرُ سَعْي الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا … وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا … سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا … رِجَالٌ فَمَاتُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ
لقد تأملتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتها تَشْفِي عَلِيلًا، ولا ترْوي غَليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، واقرأ في النفي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، و ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ثم قال: ومَنْ جرّب مثل تجربتي عَرَف مثل معرفتي.
قال الإمام ابن القيّم ﵀ بعد نقل كلام الرازيّ هذا ما نصّه: فليتأمّل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من الْعِبَر، فإنه لم يأت في المتأخّرين من حصّل من العلوم العقليّة ما حصّله، ووقف على نهاية أقدام العقلاء، وغايات مباحث الفضلاء، وضرب بعضها ببعض، ومَخَضَها أشدّ الْمَخْض، فما رآها تشفي علّة داء الجهالة، ولا تروي غُلّة ظمإ الشوق والطلب، وأنها لم تَحُلّ عنه عُقْدة واحدة من هذه العُقَد الثلاث التي عقدها أرباب المعقولات على قافية القلب، فلم يستيقظ لمعرفة ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله، وصدق والله، فإنه شاكّ في ذات ربّ العالمين هل له ماهيّة غير الوجود المطلق يختصّ بها أم ماهيّته نفس وجوده الواجب؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاكّ في صفاته، هل هي أمور وجوديّة، أم نِسَبٌ إضافيّة عدميّة؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، وشاكّ في أفعاله، هل هي مقارنة له أزلًا وأبدًا لم تزل معه أم الفعل متأخّر عنه تأخّرًا لا نهاية لأمده، فصار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا؟ ومات ولم تنحلّ له عقدتها، فننظر في كتبه الكلاميّة قول المتكلّمين، وفي كتبه الفلسفيّة قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء،
стр. 137
وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهم حائرًا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وكذلك أفضل أهل زمانه ابن أبي الحديد (١)، فإنه مع بحثه ونظره وتصدّيه للردّ على الرازيّ حتى يقول في قصيدة له [من الطويل]:
وَحَقِّكَ لَوْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ قُلْتُ لِلْـ … لَذِينَ بِهَا قَدْ كُنْتُ مِمَّنْ أُحِبُّهُ
وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي فُنُونٍ دَقِيقَةٍ … وَمَا بُغْيَتِي إِلَّا رِضَاهُ وَقُرْبُهُ
أَمَا قُلْتُمُ مَنْ كَانَ فِينَا مُجَاهِدًا … سَيُكْرَمُ مَثْوَاهُ وَيَعْذُبُ شُرْبُهُ
أَمَا رَدَّ شَكَّ ابْنِ الْخَطِيبِ وَزَيْفَهُ … وَتَمْوِيهَهُ فِي الدِّينِ إِذْ حَلَّ خَطْبُهُ
يعترف بأن المعقولات لم تُعطه إلا حَيْرةً، وأنه لم يَصِل منها إلى يقين، ولا علم حيث يقول [من المديد]:
فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ … ضَاعَ دَهْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي
سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا … رَبحَتْ إِلَّا أَذَى السَّفَرِ
قَاتَلَ اللهُ الأُولَى زَعَمُوا … أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ
كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا … خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَرِ
وقال بعض الطالبين من المتأخّرين، وقد سافر في طلب ربه على هذه الطريق فلم يزدد إلا حيرةً وبُعْدًا من مطلبه حتى قيّض الله له من أخذ بيده، وسلك به على الطريق التي سلك عليها الرسل وأتباعهم، فجعل يَهْتِف بصوته لأصحابه هلمّوا فهذه والله الطريق، وهذه أعلام مكة والمدينة، وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياح، ولم تُزلها الأهوية، ثم قال [من الطويل]:
وَكُنْتُ وَصَحْبِي فِي ظَلَامِ مِنَ الدُّجَى … نَسِيرُ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَلَا نَدْرِي
وَكُنَّا حَيَارَى فِي الْقِفَارِ وَلَمْ يَكُنْ … دَلِيلٌ لَنَا نَرْجُوا الْخَلَاصَ مِنَ القَفْرِ
ظِمَاءُ إِلَى وِرْدٍ يَبُلُّ غَلِيلَنَا … وَقَدْ قَطَعَ الأعْنَاقَ مِنَّا لَظَى الْحَرِّ
стр. 138
فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَبَدَّى لِنَاظِرِي … سَنَا بَارِقٍ يَبْدُو كَخَيْطٍ مِنَ الْفَجْرِ
فَقُلْتُ لِصحْبِي هَلْ تَرَوْنَ الَّذِي أَرَى … فَقَالُوا اتَّئِدْ ذَاكَ السَّرَابُ الَّذِي يَجْرِي
فَخَلَّفْتُهُمْ خَلْفِي وَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ … فَأَوْرَدَنِي عَيْنَ الْحَيَاةِ لَدَى الْبَحْرِ
فَنَادَيْتُ أَصْحَابِي فَمَا سَمِعُوا النِّدَا … وَلَوْ سَمِعُوهُ مَا اسْتَجَابُوا إِلَى الْحَشْرِ
فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سيرهم بما أفادتهم الأدلّة العقليّة من ضدّ اليقين، ومن الحيرة والشّكّ، فمن الذي شكا من القرآن والسنّة، والأدلّة اللفظيّة هذه الشكاية؟ ومن الذي ذكر أنها حيّرته ولم تهده؟ أو ليس بها هَدَى الله أنبياءه ورسله وخِيرةَ خلقه؟ قال تعالى لأكمل خلقه وأوفرهم عقلًا: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ الآية [سبأ: ٥٠].
فهذا أكمل الخلق عقلًا صلوات الله وسلامه عليه يُخبر أن اهتداءه بالأدلة اللفظيّة التي أوحاها الله إليه، وهؤلاء المتهوّكون المتحيّرون يقولون: إنها لا تفيد يقينًا ولا علمًا، ولا هدى، وهذا موضع المثَل المشهور: "رمتني بدائها وانسلّت". انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، وهو شافٍ كافٍ لمن أراد الهدى والرشاد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال القرطبي ﵀: ولو لم يكن في الكلام شيء يُذمُّ به إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقًا بالذمّ، وجديرًا بالذكر:
[إحداهما]: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر، وإليه أشار الإمام بقوله: ركبت البحر.
[والثانية]: قول جماعة منهم إنّ من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرّقوها، والأبحاث التي حرّروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر، فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين، من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أبيه وأسلافه، حتى لقد أُورد على بعضهم أن هذا يلزم منه تكفير أبيك وأسلافك وجيرانك، فقال: لا تُشَنِّع علي بكثرة أهل النار. قال: وقد رَدّ بعض من لم يقل بهاتين المسألتين من المتكلّمين على من قال بهما، بطريق من النظر
стр. 139
والاستدلال؛ بناء منهم على أن هاتين المسألتين نظريّتان، وهذا خطأ فاحشٌ، فالكلّ يُخَطِّئون: الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروريّ، ومن شكّ في تكفير من قال: إن الشكّ في الله تعالى واجب، وأن معظم الصحابة والمسلمين كفّار، فهو كافر شرعًا، أو مُختلّ العقل وضعًا، إذ كلّ واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعيّة الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعيّة، وإن لم يكن كذلك، فلا ضروريّ يُصار إليه في الشرعيّات، ولا العقليّات، عصمنا الله تعالى من بِدَع المبتدعين، وسلك بنا طرُق السلف الماضين.
وإنما طوّلت في هذه المسألة الأنفاس لما قد شاعَ من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغترّ كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب عليّ من النصيحة، والله تعالى يتولّى إصلاح القلوب الجريحة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ (١).
وقال الآمدي في "أبكار الأفكار": ذهب أبو هاشم من المعتزلة، إلى أن من لا يعرف الله بالدليل، فهو كافر؛ لأن ضد المعرفة النكرةُ، والنكرة كفرٌ، قال: وأصحابنا مجمعون على خلافه، وإنما اختلفوا فيما إذا كان الاعتقاد موافقًا، لكن عن غير دليل، فمنهم من قال: إن صاحبه مؤمن عاصٍ بترك النظر الواجب، ومنهم من اكتفى بمجرد الاعتقاد الموافق، وإن لم يكن عن دليل، وسماه علمًا، وعلى هذا فلا يلزم من حصول المعرفة بهذا الطريق، وجوب النظر، وقال غيره: من منع التقليد، وأوجب الاستدلال، لم يرد التعمق في طرق المتكلمين، بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين، من الاستدلال بالمصنوع على الصانع، وغايته أنه يحصل في الذهن، مقدمات ضرورية، تتألف تألفًا صحيحًا، وتنتج العلم، لكنه لو سُئل كيف حصل له ذلك: ما اهتدى للتعبير به، وقيل: الأصل في هذا كله المنع من التقليد، في أصول الدين، وقد انفصل بعض الأئمة عن ذلك، بأن المراد بالتقليد أخذ قول الغير بغير حجة، ومن قامت عليه حجة بثبوت النبوة، حتى حصل له القطع
стр. 140
بها، فمهما سمعه من النبي ﷺ ، كان مقطوعًا عنده بصدقه، فإذا اعتقده لم يكن مقلدًا؛ لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة، وهذا مستند السلف قاطبة، في الأخذ بما ثبت عندهم من آيات القرآن، وأحاديث النبي ﷺ ، فيما يتعلق بهذا الباب، فآمنوا بالمحكم من ذلك، وفوّضوا أمر المتشابه منه إلى ربهم، وإنما قال من قال: إن مذهب الخلف أحكم بالنسبة إلى الرد على من لم يثبت النبوة، فيحتاج من يريد رجوعه إلى الحق أن يقيم عليه الأدلة إلى أن يُذعن فيسلم، أو يعاند فيهلك، بخلاف المؤمن، فإنه لا يحتاج في أصل إيمانه إلى ذلك، وليس سبب الأول إلا جعل الأصل عدم الإيمان، فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة، وإلا فطريق السلف أسهل من هذا، كما تقدم إيضاحه من الرجوع إلى ما دلت عليه النصوص، حتى يحتاج إلى ما ذكر من إقامة الحجة على من ليس بمؤمن، فاختلط الأمر على من اشترط ذلك، والله المستعان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رَدّ من لم يُثبِتِ النبوّة لا يكون بما سلكه المتكلّمون من النظر، وإنما يكون بما جاء عن رسول الله ﷺ ، واقتدى به في ذلك أصحابه ﵃ ومن تبعهم بإحسان، من إقامة الحجة على من لم يُثبت نبوته ﷺ ، فليس هذا النفي جديدًا في الأمة، وإنما هو من أول ما جاء الإسلام، فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية [الرعد: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ الآية [الفرقان: ٤١]، إلى غير ذلك من الآيات، فالطريق الذي سلكه ﷺ في إقناع هؤلاء ونحوهم، وإلزامهم الحجج القاهرة لهم، هو الطريق الصحيح، وأما طريق المتكلمين، فضلالٌ مبين، فتنبّه لهذا هداني الله وإياك إلى الصراط المستقيم.
واحتج بعض من أوجب الاستدلال، باتفاقهم على ذم التقليد، وذكروا الآيات، والأحاديث الواردة في ذم التقليد، وبأن كل أحد قبل الاستدلال، لا يدري أيّ الأمرين هو الهدى؟ وبأن كل ما لا يصح إلا بالدليل، فهو دعوى لا يُعْمَل بها، وبأن العلم اعتقاد الشيء على ما هو عليه، من ضرورة، أو استدلال، وكل ما لم يكن علمًا فهو جهل، ومن لم يكن عالمًا فهو ضالّ.
والجواب عن الأول أن المذموم من التقليد أخذ قول الغير بغير حجة،
стр. 141
وهذا ليس منه حكم رسول الله ﷺ ، فإن الله أوجب اتباعه في كل ما يقول، وليس العمل فيما أمر به، أو نهى عنه داخلًا تحت التقليد المذموم اتفاقًا، وأما من دونه، ممن اتبعه في قول قاله، واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به، فهو المقلّد المذموم، بخلاف ما لو اعتقد ذلك في خبر الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإنه يكون ممدوحًا.
وأما احتجاجهم بأن أحدًا لا يدري قبل الاستدلال، أيّ الأمرين هو الهدى، فليس بمسلم، بل من الناس من تطمئن نفسه، وينشرح صدره للإسلام من أول وهلة، ومنهم من يتوقف على الاستدلال، فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني، فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ويجب على كل من استرشده أن يرشده، ويبرهن له الحق، وعلى هذا مضى السلف الصالح، من عهد النبي ﷺ وبعده.
وأما من استقرت نفسه إلى تصديق الرسول، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقًا من الله وتيسيرًا، فهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥]، وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم، ولا لرؤسائهم، لأنهم لو كَفَر آباؤهم، أو رؤساؤهم لم يتابعوهم، بل يجدون النفرة عن كل من سمعوا عنه ما يخالف الشريعة، وأما الآيات والأحاديث، فإنما وردت في حق الكفار، الذين اتبعوا من نُهُوا عن اتباعه، وتركوا اتباع من أُمِروا باتباعه، وإنما كلفهم الله الإتيان ببرهان على دعواهم، بخلاف المؤمنين، فلم يَرِد قط أنه أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان، وكل من خالف الله ورسوله، فلا برهان له أصلًا، وإنما كلف الإتيان بالبرهان، تبكيتًا وتعجيزًا، وأما من اتبع الرسول ﷺ فيما جاء به، فقد اتبع الحق الذي أمر به، وقامت البراهين على صحته، سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان، أم لا.
وقول من قال منهم: إن الله ذكر الاستدلال، وأمر به مُسَلَّم، لكن هو فعل حسن مندوب لكل من أطاقه، وواجب على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، كما تقدم تقريره. وبالله التوفيق.
وقال غيره: قول من قال: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم،
стр. 142
ليس بمستقيم؛ لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف، هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها، بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله، وأما قولهم في العلم، فزادوا في التعريف: عن ضرورة، أو استدلال، وتعريف العلم انتهى عند قوله: "عليه"، فإن أبوا إلا الزيادة، فليزدادوا: "عن تيسير الله له ذلك، وخلقه ذلك المعتقد في قلبه"، وإلا فالذي زادوه هو محل النزاع، فلا دلالة فيه، وبالله التوفيق.
وقال أبو المظفر بن السمعاني ﵀: تعقب بعض أهل الكلام قول من قال: إن السلف من الصحابة والتابعين، لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد، بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات في أحكام الحوادث، وقد قبل الفقهاء ذلك، واستحسنوه، فَدَوَّنوه في كتبهم، فكذلك علم الكلام، ويمتاز علم الكلام، بأنه يتضمن الردّ على الملحدين، وأهل الأهواء، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ، ويثبت اليقين لأهل الحق، وقد علم الكل أن الكتاب لم تعلم حقيته، والنبي ﷺ لم يثبت صدقه، إلا بأدلة العقل.
وأجاب: أما أوّلًا، فإن الشارع والسلف الصالح نَهَوا عن الابتداع، وأَمَرُوا بالاتباع، وصح عن السلف أنهم نَهَوْا عن علم الكلام، وعدُّوه ذريعة للشك والارتياب، وأما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها، إلا من ترك النص الصحيح، وقدم عليه القياس، وأما من اتبع النص، وقاس عليه، فلا يحفظ عن أحد من أئمة السلف إنكار ذلك؛ لأن الحوادث في المعاملات لا تنقضي، وبالناس حاجة إلى معرفة الحكم، فمن ثَمَّ تواردوا على استحباب الاشتغال بذلك، بخلاف علم الكلام.
وأما ثانيًا: فإن الدين كمل؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا كان أكمله وأتمه، وتلقاه الصحابة عن النبي ﷺ ، واعتقده من تلقى عنهم، واطمأنت به نفوسهم، فأيُّ حاجة بهم إلى تحكيم العقول،
стр. 143
والرجوع إلى قضاياها، وجعلها أصلًا، والنصوص الصحيحة الصريحة تُعرَض عليها، فتارة يُعْمَلُ بمضمونها، وتارة تحرف عن مواضعها؛ لتوافق العقول، وإذا كان الدين قد كَمُل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصانًا في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك.
وقد توسط بعض المتكلمين، فقال: لا يكفي التقليد، بل لا بد من دليل ينشرح به الصدر، وتحصل به الطمأنينة العلمية، ولا يشترط أن يكون بطريق الصناعة الكلامية، بل يكفي في حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه. انتهى.
والذي تقدم ذكره من تقليد النصوص، كافٍ في هذا القدر.
وقال بعضهم: المطلوب من كل أحد التصديق الجزميّ، الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى، والإيمان برسله، وبما جاؤوا به، كيفما حصل، وبأي طريق إليه يوصل، ولو كان عن تقليد محض، إذا سلم من التزلزل.
وقال القرطبي ﵀: هذا الذي عليه أئمة الفتوى، ومن قبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة، وبما تواتر عن النبي ﷺ ، ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب، ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام، من غير إلزام بتعلم الأدلة، وإن كان كثير منهم إنما أسلم لوجود دليل مّا، فأسلم بسبب وضوحه له، فالكثير منهم قد أسلموا طوعًا من غير تقدم استدلال، بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب، بأن نبيًّا سيبعث، وينتصر على من خالفه، فلما ظهرت لهم العلامات في محمد ﷺ ، بادروا إلى الإسلام، وصدّقوه في كل شيء قاله ودعاهم إليه، من الصلاة، والزكاة، وغيرهما، وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه، من رعاية الغنم وغيرها، وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم، فلا يزالون يزدادون إيمانًا ويقينًا.
وقال أبو المظفر ابن السمعاني أيضًا ما مُلَخَّصه: إن العقل لا يوجب شيئًا، ولا يحرم شيئًا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم، ما وجب على أحد شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وغير ذلك من الآيات، فمن زعم أن دعوة رسول الله ﷺ ، إنما
стр. 144
كانت لبيان الفروع، لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول، ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالًا، ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك، حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه، مع قطع النظر عن السمعيات؛ لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب، والأحاديث الصحيحة، التي تواترت، ولو بالطريق المعنويّ، ولو كان كما يقول أولئك، لبطلت السمعيات، التي لا مجال للعقل فيها، أو أكثرها، بل يجب الإيمان بما ثبت من السمعيات، فإن عقلناه فبتوفيق الله، وإلا اكتفينا باعتقاد حقيته، على وفق مراد الله . انتهى.
ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس، أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : أَنْشُدُك الله، آلله أرسلك أنّ نشهد أن لا إله إلا الله، وأن ندع اللَّات والعزَّى، قال: نعم، فأسلم، وأصله في "الصحيحين" في قصة ضمام بن ثعلبة، وفي حديث عمرو بن عَبَسَةَ عند مسلم أنه أتى النبي ﷺ فقال: ما أنت؟ قال: "نبي الله"، قلت: آلله أرسلك؟ قال: "نعم"، قلت: بأي شيء؟ قال: "أوحد الله لا أشرك به شيئًا … " الحديث، وفي حديث أسامة بن زيد، في قصة قتله الذي قال: لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبي ﷺ ، وحديث المقداد في معناه، وكلاهما في "الصحيح"، وفي كتب النبي ﷺ إلى هرقل وكسرى، وغيرهما من الملوك، يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي، الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين، على أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قَبِلَ منه، سواء كان إذعانه عن تقدم نظر، أم لا، ومن توقف منهم، نَبَّهَه حينئذ على النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يُذعِن أو يستمرّ على عناده.
وقال البيهقي في "كتاب الاعتقاد": سلك بعض أئمتنا في إثبات الصانع، وحدوث العالم طريق الاستدلال، بمعجزات الرسالة، فإنها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه النبي ﷺ ، وعلى هذا الوجه وقع إيمان الذين استجابوا للرسل، ثم ذكر قصة النجاشي، وقول جعفر بن أبي طالب له: بعث الله إلينا رسولًا، نعرف صدقه، فدعانا إلى الله، وتلا علينا تنزيلًا من الله، لا يشبهه
стр. 145
شيء، فصدقناه، وعرفنا أن الذي جاء به الحق … الحديث بطوله، وقد أخرجه ابن خزيمة في "كتاب الزكاة" من "صحيحه" من رواية ابن إسحاق، وحاله معروفة، وحديثه في درجة الحسن.
قال البيهقي: فاستدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي، فآمنوا بما جاء به، من إثبات الصانع، ووحدانيته، وحدوث العالم، وغير ذلك، مما جاء به الرسول ﷺ في القرآن وغيره، واكتفاء غالب من أسلم بمثل ذلك مشهور في الأخبار، فوجب تصديقه في كل شيء ثبت عنه بطريق السمع، ولا يكون ذلك تقليدًا، بل هو اتباع. والله أعلم.
وقد استدل من اشترط النظر بالآيات، والأحاديث الواردة في ذلك، ولا حجة فيها؛ لأن من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر، بالطرق الكلامية، إذ لا يلزم من الترغيب في النظر، جعله شرطًا.
واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلًا، لمن قلد في قدم العالم، ولمن قلد في حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين، وهذا إنما يتأتى في تقليد غير النبي ﷺ ، وأما تقليده ﷺ ، فيما أخبر به عن ربه، فلا يتناقض أصلًا.
واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبي ﷺ ، والصحابة بإسلام من أسلم من الأعراب، من غير نظر، بأن ذلك كان لضرورة المبادئ، وأما بعد تقرر الإسلام، وشهرته، فيجب العمل بالأدلة، ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار.
والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام، ينكرون التقليد، وهم أول داعٍ إليه، حتى استقر في الأذهان، أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها، فهو مبتدع، ولو لم يفهمها، ولم يعرف مأحذها، وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول ﵊، في معرفة الله تعالى، والقولِ بإيمان من قلدهم، وكفى بهذا ضلالًا، وما مَثَلهم إلا كما قال بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سَفرًا، فوقعوا في فلاة، ليس فيها ما يقوم به البدن، من المأكول والمشروب، ورأوا فيها طرقًا شتى، فانقسموا قسمين: فقسم وجدوا من قال لهم: أنا عارف بهذه الطرق، وطريق النجاة منها