← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهذا ليس منه حكم رسول الله ﷺ ، فإن الله أوجب اتباعه في كل ما يقول، وليس العمل فيما أمر به، أو نهى عنه داخلًا تحت التقليد المذموم اتفاقًا، وأما من دونه، ممن اتبعه في قول قاله، واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به، فهو المقلّد المذموم، بخلاف ما لو اعتقد ذلك في خبر الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإنه يكون ممدوحًا. وأما احتجاجهم بأن أحدًا لا يدري قبل الاستدلال، أيّ الأمرين هو الهدى، فليس بمسلم، بل من الناس من تطمئن نفسه، وينشرح صدره للإسلام من أول وهلة، ومنهم من يتوقف على الاستدلال، فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني، فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ويجب على كل من استرشده أن يرشده، ويبرهن له الحق، وعلى هذا مضى السلف الصالح، من عهد النبي ﷺ وبعده. وأما من استقرت نفسه إلى تصديق الرسول، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقًا من الله وتيسيرًا، فهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥]، وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم، ولا لرؤسائهم، لأنهم لو كَفَر آباؤهم، أو رؤساؤهم لم يتابعوهم، بل يجدون النفرة عن كل من سمعوا عنه ما يخالف الشريعة، وأما الآيات والأحاديث، فإنما وردت في حق الكفار، الذين اتبعوا من نُهُوا عن اتباعه، وتركوا اتباع من أُمِروا باتباعه، وإنما كلفهم الله الإتيان ببرهان على دعواهم، بخلاف المؤمنين، فلم يَرِد قط أنه أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان، وكل من خالف الله ورسوله، فلا برهان له أصلًا، وإنما كلف الإتيان بالبرهان، تبكيتًا وتعجيزًا، وأما من اتبع الرسول ﷺ فيما جاء به، فقد اتبع الحق الذي أمر به، وقامت البراهين على صحته، سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان، أم لا. وقول من قال منهم: إن الله ذكر الاستدلال، وأمر به مُسَلَّم، لكن هو فعل حسن مندوب لكل من أطاقه، وواجب على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، كما تقدم تقريره. وبالله التوفيق. وقال غيره: قول من قال: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم،

стр. 142

ليس بمستقيم؛ لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف، هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها، بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله، وأما قولهم في العلم، فزادوا في التعريف: عن ضرورة، أو استدلال، وتعريف العلم انتهى عند قوله: "عليه"، فإن أبوا إلا الزيادة، فليزدادوا: "عن تيسير الله له ذلك، وخلقه ذلك المعتقد في قلبه"، وإلا فالذي زادوه هو محل النزاع، فلا دلالة فيه، وبالله التوفيق. وقال أبو المظفر بن السمعاني ﵀: تعقب بعض أهل الكلام قول من قال: إن السلف من الصحابة والتابعين، لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد، بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات في أحكام الحوادث، وقد قبل الفقهاء ذلك، واستحسنوه، فَدَوَّنوه في كتبهم، فكذلك علم الكلام، ويمتاز علم الكلام، بأنه يتضمن الردّ على الملحدين، وأهل الأهواء، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ، ويثبت اليقين لأهل الحق، وقد علم الكل أن الكتاب لم تعلم حقيته، والنبي ﷺ لم يثبت صدقه، إلا بأدلة العقل. وأجاب: أما أوّلًا، فإن الشارع والسلف الصالح نَهَوا عن الابتداع، وأَمَرُوا بالاتباع، وصح عن السلف أنهم نَهَوْا عن علم الكلام، وعدُّوه ذريعة للشك والارتياب، وأما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها، إلا من ترك النص الصحيح، وقدم عليه القياس، وأما من اتبع النص، وقاس عليه، فلا يحفظ عن أحد من أئمة السلف إنكار ذلك؛ لأن الحوادث في المعاملات لا تنقضي، وبالناس حاجة إلى معرفة الحكم، فمن ثَمَّ تواردوا على استحباب الاشتغال بذلك، بخلاف علم الكلام. وأما ثانيًا: فإن الدين كمل؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا كان أكمله وأتمه، وتلقاه الصحابة عن النبي ﷺ ، واعتقده من تلقى عنهم، واطمأنت به نفوسهم، فأيُّ حاجة بهم إلى تحكيم العقول،

стр. 143

والرجوع إلى قضاياها، وجعلها أصلًا، والنصوص الصحيحة الصريحة تُعرَض عليها، فتارة يُعْمَلُ بمضمونها، وتارة تحرف عن مواضعها؛ لتوافق العقول، وإذا كان الدين قد كَمُل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصانًا في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك. وقد توسط بعض المتكلمين، فقال: لا يكفي التقليد، بل لا بد من دليل ينشرح به الصدر، وتحصل به الطمأنينة العلمية، ولا يشترط أن يكون بطريق الصناعة الكلامية، بل يكفي في حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه. انتهى. والذي تقدم ذكره من تقليد النصوص، كافٍ في هذا القدر. وقال بعضهم: المطلوب من كل أحد التصديق الجزميّ، الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى، والإيمان برسله، وبما جاؤوا به، كيفما حصل، وبأي طريق إليه يوصل، ولو كان عن تقليد محض، إذا سلم من التزلزل. وقال القرطبي ﵀: هذا الذي عليه أئمة الفتوى، ومن قبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة، وبما تواتر عن النبي ﷺ ، ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب، ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام، من غير إلزام بتعلم الأدلة، وإن كان كثير منهم إنما أسلم لوجود دليل مّا، فأسلم بسبب وضوحه له، فالكثير منهم قد أسلموا طوعًا من غير تقدم استدلال، بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب، بأن نبيًّا سيبعث، وينتصر على من خالفه، فلما ظهرت لهم العلامات في محمد ﷺ ، بادروا إلى الإسلام، وصدّقوه في كل شيء قاله ودعاهم إليه، من الصلاة، والزكاة، وغيرهما، وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه، من رعاية الغنم وغيرها، وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم، فلا يزالون يزدادون إيمانًا ويقينًا. وقال أبو المظفر ابن السمعاني أيضًا ما مُلَخَّصه: إن العقل لا يوجب شيئًا، ولا يحرم شيئًا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم، ما وجب على أحد شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وغير ذلك من الآيات، فمن زعم أن دعوة رسول الله ﷺ ، إنما

стр. 144

كانت لبيان الفروع، لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول، ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالًا، ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك، حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه، مع قطع النظر عن السمعيات؛ لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب، والأحاديث الصحيحة، التي تواترت، ولو بالطريق المعنويّ، ولو كان كما يقول أولئك، لبطلت السمعيات، التي لا مجال للعقل فيها، أو أكثرها، بل يجب الإيمان بما ثبت من السمعيات، فإن عقلناه فبتوفيق الله، وإلا اكتفينا باعتقاد حقيته، على وفق مراد الله . انتهى. ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس، أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : أَنْشُدُك الله، آلله أرسلك أنّ نشهد أن لا إله إلا الله، وأن ندع اللَّات والعزَّى، قال: نعم، فأسلم، وأصله في "الصحيحين" في قصة ضمام بن ثعلبة، وفي حديث عمرو بن عَبَسَةَ عند مسلم أنه أتى النبي ﷺ فقال: ما أنت؟ قال: "نبي الله"، قلت: آلله أرسلك؟ قال: "نعم"، قلت: بأي شيء؟ قال: "أوحد الله لا أشرك به شيئًا … " الحديث، وفي حديث أسامة بن زيد، في قصة قتله الذي قال: لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبي ﷺ ، وحديث المقداد في معناه، وكلاهما في "الصحيح"، وفي كتب النبي ﷺ إلى هرقل وكسرى، وغيرهما من الملوك، يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي، الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين، على أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قَبِلَ منه، سواء كان إذعانه عن تقدم نظر، أم لا، ومن توقف منهم، نَبَّهَه حينئذ على النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يُذعِن أو يستمرّ على عناده. وقال البيهقي في "كتاب الاعتقاد": سلك بعض أئمتنا في إثبات الصانع، وحدوث العالم طريق الاستدلال، بمعجزات الرسالة، فإنها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه النبي ﷺ ، وعلى هذا الوجه وقع إيمان الذين استجابوا للرسل، ثم ذكر قصة النجاشي، وقول جعفر بن أبي طالب له: بعث الله إلينا رسولًا، نعرف صدقه، فدعانا إلى الله، وتلا علينا تنزيلًا من الله، لا يشبهه

стр. 145

شيء، فصدقناه، وعرفنا أن الذي جاء به الحق … الحديث بطوله، وقد أخرجه ابن خزيمة في "كتاب الزكاة" من "صحيحه" من رواية ابن إسحاق، وحاله معروفة، وحديثه في درجة الحسن. قال البيهقي: فاستدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي، فآمنوا بما جاء به، من إثبات الصانع، ووحدانيته، وحدوث العالم، وغير ذلك، مما جاء به الرسول ﷺ في القرآن وغيره، واكتفاء غالب من أسلم بمثل ذلك مشهور في الأخبار، فوجب تصديقه في كل شيء ثبت عنه بطريق السمع، ولا يكون ذلك تقليدًا، بل هو اتباع. والله أعلم. وقد استدل من اشترط النظر بالآيات، والأحاديث الواردة في ذلك، ولا حجة فيها؛ لأن من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر، بالطرق الكلامية، إذ لا يلزم من الترغيب في النظر، جعله شرطًا. واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلًا، لمن قلد في قدم العالم، ولمن قلد في حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين، وهذا إنما يتأتى في تقليد غير النبي ﷺ ، وأما تقليده ﷺ ، فيما أخبر به عن ربه، فلا يتناقض أصلًا. واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبي ﷺ ، والصحابة بإسلام من أسلم من الأعراب، من غير نظر، بأن ذلك كان لضرورة المبادئ، وأما بعد تقرر الإسلام، وشهرته، فيجب العمل بالأدلة، ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار. والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام، ينكرون التقليد، وهم أول داعٍ إليه، حتى استقر في الأذهان، أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها، فهو مبتدع، ولو لم يفهمها، ولم يعرف مأحذها، وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول ﵊، في معرفة الله تعالى، والقولِ بإيمان من قلدهم، وكفى بهذا ضلالًا، وما مَثَلهم إلا كما قال بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سَفرًا، فوقعوا في فلاة، ليس فيها ما يقوم به البدن، من المأكول والمشروب، ورأوا فيها طرقًا شتى، فانقسموا قسمين: فقسم وجدوا من قال لهم: أنا عارف بهذه الطرق، وطريق النجاة منها

стр. 146

واحدة، فاتبعوني فيها، تنجوا، فتبعوه فنجوا، وتخلفت عنه طائفة، فأقاموا، إلى أن وقفوا على أمارة ظهر لهم أن في العمل بها النجاة، فعملوا بها فنجوا، وقسم هجموا بغير مرشد ولا أمارة فهلكوا، فليس نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من أخذ بالأمارة، إن لم تكن أولى منها. قال الحافظ: ونَقَلْتُ من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي: يمكن أن يُفَصَّل، فيقال: من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلًا، وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك، أو لنور يقذفه الله في قلبه، فإنه يكتفى منه بذلك، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة، لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه، وتكفي الأدلة المجملة، التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه، قال فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع لا حاجة لنا إليه أصلًا؛ لأن إيجاب النظر على أيّ أحد قولٌ بلا دليلٌ، فتنبّه. قال: وأما من غلا، فقال: لا يكفي إيمان المقلد، فلا يلتفت إليه، لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا من غلا أيضًا، فقال: لا يجوز النظر في الأدلة؛ لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر. انتهى ملخصًا (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لما يلزم منه من أن أكابر السلف إلخ": هذا هو الواقع، فلم يُنقل من الصحابة، فمن بعدهم أنهم استعملوا شيئًا من أدلة المتكلّمين، فمن ادّعى ذلك فقد افترى عليهم، بل السلف الذين حدث في عصرهم علم الكلام، كالشافعيّ، وأحمد، وغيرهما قد أنكروه، وحرّموه، ونفّروا الناس عنه، فأين السلف الذين تعلّموا علم الكلام، فكانوا من أهل النظر، حاشا وكلّا، ثم حاشا وكلّا. والحاصل أن الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا يجوز لأحد أن يخالفه، أن الإيمان هو معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله ﷺ عن طريق النقل، لا عن طريق

стр. 147

علم الكلام، فمن أبي هذا فهو ضالٌّ مضلّ، اللهمّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. هذا ما أردت نقله من كلام المحققين، وإنما أطلت في النقول؛ لما رأيت من انهماك كثير ممن ينتسب إلى العلم بتصويب آراء الخلف المخالفة لهدي رسول الله ﷺ الذي أتى ليهدي الناس إلى ربهم بأقوم طريق وأحسنه، وأبينه وأسهله وأيسره، وما ذاك إلا لبعدهم عما كان عليه السلف من التحذير عن بدع المتكلمين، وحثّهم الناس بالتمسّك بهدي الكتاب والسنة الذي بهما الكفاية في هداية الخلق أجمعين، رزقنا الله تعالى التمسّك بهما، والاكتفاء بهديهما، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم القدريّة، ونحوهم من أهل الأهواء. قد حقّق شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى هذا الموضوع تحقيقًا بالغًا أحببت إيراده هنا لكونه مستوعبًا شرح مذاهبهم، وحكم أهل العلم في كلّ طائفة منهم: سئل ﵀ عن قوله ﷺ : "تفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة" ما الفِرَق؟ وما معتقد كلّ فرقة من هذه الصنوف؟ فأجاب رحمه الله تعالى: الحمد لله، الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد، كسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، ولفظه: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدةً، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدةً، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدة"، وفي لفظ: "على ثلاث وسبعين ملّةً"، وفي رواية: قالوا: يا رسول الله من الفرقة الناجية؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، وفي رواية قال: "هي الجماعة، يد الله على الجماعة".

стр. 148

ولهذا وَصَفَ الفرقةَ الناجيةَ بأنها أهل السنّة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم. وأما الفِرَقُ الباقية، فإنهم أهل الشذوذ، والتفرّق، والبدع، والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبًا من مبلغ الفرقة الناجية فضلًا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلّة، وشعار هذه الفِرَق مفارقة الكتاب والسنّة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة. وأما تعيين هذه الفِرَق، فقد صنّف الناس فيهم مصنّفات، وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة (١) هي إحدى الثنتين والسبعين لا بدّ له من دليل، فإن الله حرّم القول بلا علم عمومًا، وحرّم القول عليه بلا علم خصوصًا، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأيضًا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظنّ والهوى، فيجعل طائفته، والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنّة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحقّ والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ ، فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدع والفرقة - كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين، وغير ذلك - كان من أهل البدع والضلال والتفرّق. وبهذا يتبيّن أن أحقّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث

стр. 149

والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباعها، تصديقًا، وعملًا، وحبًّا، وموالاة لمن والاها، ومعاداةً لمن عاداها، الذين يروون (١) المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، وجُمَلِ كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ﷺ ، بل يجعلون ما بُعث به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه، ويعتمدون عليه، وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردّونه إلى الله ورسوله ﷺ ، ويُفسّرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل الفرق والاختلاف، فما كان معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان مخالفًا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظنّ، وما تَهوَى الأنفس، فإن اتّباع الظنّ جهل، واتّباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم، وجماعُ الشرّ الجهل والظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى آخر السورة، وذكر التوبة لعلمه أنه لا بدّ لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم، ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائمًا يتبتن له من الحقّ ما كان جاهلًا به، ويرجع عن عمل كان ظالمًا فيه، وأدناه ظلمه لنفسه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]. ومما ينبغي أيضًا أن يُعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة. ومن يكون قد ردّ على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه فيكون محمودًا فيما ردّه من الباطل، وقاله من الحقّ، لكن يكون قد جاوز

стр. 150

العدل في ردّه بحيث جحد بعض الحقّ، وقال بعض الباطل، فيكون قد ردّ بدعةً كبيرة ببدعة أخفّ منها، وردّ باطلًا بباطل أخفّ منه (١)، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه، ويعادون عليه كان من نوع الخطأ، والله يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنّة، بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرّق بين جماعة المسلمين، وكفّر، وفسّق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحلّ قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرّق والاختلاف. ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون، وقد صحّ الحديث في الخوارج عن النبيّ ﷺ من عشرة أوجه، خرّجها مسلم في "صحيحه"، وخرّج البخاريّ منها غير وجه، وقد قاتلهم أصحاب النبيّ ﷺ مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفّين؛ إذ كانوا في ذلك ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف أمسكوا عن القتال وقعدوا، وجاءت النصوص بترجيح هذه الحال. فالخوارج لَمّا فأرقوا جماعة المسلمين، وكفّروهم، واستحلّوا قتالهم جاءت السنّة بما جاء فيهم، كقول النبيّ ﷺ : "يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة". وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله ﷺ ، فلما رأى قسمة النبي ﷺ قال: يا محمد اعدِل، فإنك لم تعدل، فقال له النبي ﷺ : "لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل"، فقال له بعض أصحابه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا

стр. 151

المنافق، فقال: "إنه يخرُج من ضِئضئ هذا أقوامٌ يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم … " الحديث. فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظنّ والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه. وأما تعيين الفِرَق الهالكة، فأقدم من بلغنا أنه تكلّم في تضليلهم يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدريّة، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهميّة؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهميّة. وهذا الذي قاله اتّبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إن الجهميّة كفّار، فلا يدخلون في الاثنين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يُبطنون الكفر، ويُظهرون الإسلام، وهم الزنادقة. وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهميّة داخلون في الاثنين والسبعين فرقةً، وجعلوا أصول البدعٍ خمسةً، فعلى قول هؤلاء يكون كلّ طائفة من المبتدعة الخمسة اثنا عشر فرقة، وعلى قول الأولين يكون كل طائفة من المبتدعة الأربعة ثمانية عشر فرقة. وهذا ينبني على أصل آخر، وهو تكفير أهل البدع، فمن أخرج الجهميّة منهم لم يُكفّرهم، فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفسّاق والعُصاة، ويجعل قوله: "هم في النار" مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]. ومن أدخلهم فيهم، فهم على قولين: منهم من يكفّرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو المتكلّمين، وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضِّلَة، ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفّر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حَكَى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء

стр. 152

وغيرهم خلافًا عنه، أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة. ومنهم من لم يكفّر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفّرون أحدًا بذنب، فكذلك لا يكفّرون أحدًا ببدعة. والمأثور عن السلف، والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهميّة المحضة الذين يُنكرون الصفات، وحقيقة قولهم: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى، ولا يباين الخلق، ولا له علم، ولا قدرة، ولا سمغ، ولا بصرٌ، ولا حياةٌ، بل القرآن مخلوقٌ، وأهل الجنّة لا يرونه كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات. وأما الخوارج، والروافض، ففي تكفيرهم نزاعٌ وتردّد عن أحمد وغيرهم. وأما القدريّة الذين يَنفُون الكتابة والعلم، فكفّروهم، ولم يكفّروا من أثبت العلم، ولم يُثبت خلق الأفعال. وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين: [أحدهما]: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا، فإن الله منذ بعث محمدًا ﷺ ، وأنزل عليه القرآن، وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن به، وكافرٌ به مظهر الكفر، ومنافقٌ مستخف بالكفر، ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة، ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتين في الكفّار، وبضع عشرة آيةً في المنافقين، وقد ذكر الله الكفّار والمنافقين في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥]، وعطفهم على الكفّار ليميّزهم عنهم بإظهار الإسلام، وإلا فهم في الباطن شرّ من الكفّار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وكما قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٤]، وكما قال: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٣ - ٥٤].

стр. 153

وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر هذا في الروافض والجهميّة، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهّم، فإن أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنيّة المتفلسفة، وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم. ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنًا وظاهرًا، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، وقد يكون مخطئًا متأولًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين. [والأصل الثاني]: أن المقالة تكون كفرًا، كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب، وكذا (١) لا يكفر به جاحده، كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يُحكم بكفره، بجحد شيء مما أنزل على الرسول ﷺ إذا لم يعلم أنه أُنزل على الرسول ﷺ . ومقالات الجهميّة هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الربّ تعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتُغلّظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه: [أحدهما]: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنّة والإجماع كثيرة جدًّا مشهورة، وإنما يردّونها بالتحريف. [الثاني]: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يَعلَم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله، فأصل الكفر الإنكار لله. [الثالث]: أنهم يخالفون ما اتّفقت عليه الملل كلّها، وأهل الفطر السليمة كلها، لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى

стр. 154

يظنّ أن الحقّ معهم؛ لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا، وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفّارًا قطعًا، بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطئ المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه. وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهميّة والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبغض، كما قال النبيّ ﷺ : "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان"، وحينئذٍ فتتفاضل ولاية الله، وتتبعّض بحسب ذلك. وإذا عُرف أصل البدع، فأصل قول الخوارج أنهم يكفّرون بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتّباع الكتاب دون السنّة التي تخالف ظاهر الكتاب، وإن كانت متواترةً، ويكقرون من خالفهم، ويستحلّون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلّونه من الكافر الأصليّ، كما قال النبيّ ﷺ فيهم: "يقتلون أهل الإسلام، ويدَعُون أهل الأوثان"، ولهذا كفّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما، وكفّروا أهل صفّين الطائفتين في نحو ذلك من المقالات الخبيثة. وأصل قول الرافضة أن النبيّ ﷺ نصّ على عليّ نصًّا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النصّ، وكفروا با لإمام المعصوم، واتّبعوا أهواءهم، وبدّلوا الدين، وغيّروا الشريعة، وظلموا، واعتدوا، بل كفروا إلا نفرًا قليلًا، إما بضعه عشر، أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا، ثم كفروا، وأكثرهم يكفّر من خالف قولهم، ويُسمّون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفّارًا، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تُظهَر فيها أقوالهم دار رِدّة أسوأ حالًا من مدائن المشركين والنصارى، ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين، ومعاداتهم ومحاربتهم، كما عُرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين. ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنة وأمثالهم،

стр. 155

ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنّة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السنيّ إلا الرافضيّ، فإذا قال أحدهم: أنا سنّيّ، فإنما معناه لست رافضيّا، ولا ريب أنهم شرّ من الخوارج، لكن الخوارج كان لهم في مبدئ الإسلام سيف على أهل الجماعة، وموالاتهم الكفّار أعظم من سيوف الخوارج، فإن القرامطة والإسماعيليّة ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة، وهم منتسبون إليهم، وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق، والروافض معروفون بالكذب، والخوارج مَرَقُوا من الإسلام، وهؤلاء نابذوا الإسلام. وأما القدريّة المحضة، فهم خير من هؤلاء بكثير، وأقرب إلى الكتاب والسنّة، لكن المعتزلة وغيرهم من القدريّة هم جهميّة أيضًا، وقد يكفّرون من خالفهم، ويستحلّون دماء المسلمين، فيقربون من أولئك. وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلّظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدُّون إلا من أهل السنّة حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلّظة. ولَمّا كان قد نُسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متَّبَعون تكلّم أئمة السنة المشاهير في ذمّ المرجئة المفضّلة تنفيرًا عن مقالتهم، كقول سفيان الثوريّ: مَن قدّم عليًّا على أبي بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وما أدري يصعد له إلى الله عمل مع ذلك، ونحو هذا القول، قاله لما نُسب إلى تقديم عليّ بعضُ أئمة الكوفيين، وكذلك قول أيوب السختيانيّ: من قدّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين، وقد روي أنه رجع عن ذلك، وكذلك قول الثوريّ ومالك والشافعيّ وغيرهم في ذمّ المرجئة لما نُسب إلى الإرجاء بعض المشهورين. وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جارٍ على كلام من تقدّم من أئمة الهدى، ليس له قولٌ ابتدعه، ولكن أظهر السنة وبيّنها، وذبّ عنها، وبيّن حال مخالفيها، وجاهد عليها، وصبر على الأذى فيها لَمّا أُظهرت الأهواء والبدع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]، فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك

стр. 156

قُرنت باسمه الإمامة في السنة ما شُهر به، وصار متبوعًا لمن بعده، كما كان تابعًا لمن قبله. وإلا فالسنّة هي ما تلقَّاه الصحابة عن رسول الله ﷺ ، وتلقّاه عنهم التابعون ثم تابعوهم إلى يوم القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم، وعليها أصبر. والله أعلم وأحكم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام شيخ الإسلام هذا تحقيق نفيس، وبحث أنيس، فتمسّك به، فإنك لا تجده مجموعًا محقّقًا في كلام غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل الذي سبق في أول الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال: [١٠٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاق، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: لَمَّا تَكَلَّمَ مَعْبَدٌ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي شَأْنِ الْقَدَر، أنكَرْنَا ذَلِكَ، قَالَ: فَحَجَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَجَّةً … وَسَاقُوا الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ وَإِسْنَادِه، وَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ). رجال هذا الاسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) - بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة المفتوحة - هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف السين المهملة - الْبصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) ٢/ ٤. ٢ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فضيل بن حسين بن طلحة، أبو كامل البصريّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) ٥/ ٥٦. ٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [١٠].

стр. 157

رَوَى عن حماد بن زيد، ويزيد بن زُريع، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه الجماعة إلا البخاري، ورَوَى عنه في غير "الجامع"، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال: ثقة، وابن خزيمة، وأبو القاسم البغوي، وعِدّة. وقال النسائي: ثقة. وفي موضع آخر: لا بأس به. وتكلم فيه ابن خراش، فلم يَلتَفِت إليه أحد للمذهب. وذكر ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في رمضان سنة (٢٤٥). وله في هذا الكتاب (٣٢) حديثًا. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) ٣/ ٢٦. ٥ - (مَطَرٌ الْوَرَّاقُ) هو: مَطَر - بفتحتين - ابن طهمان الورّاق، أبو رجاء الخراسانيّ السُّلَميّ، مولى عليّ، سكن البصرة، صدوقٌ، كثير الخطإ، وحديثه عن عطاء ضعيفٌ [٦]. رَوَى عن أنس، يقال مرسل، وروى عن عكرمة، وعطاء، وحميد بن هلال، وزَهْدَم الجرمي، وبكر بن عبد الله الْمُزَنِيّ، ورجاء بن حيوة، ومعاوية بن قُرّة، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم بن طهمان، وأبو هلال الراسبي، والحمادان ومعمر، وهشام الدستوائيّ، وهمام، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وحسين بن واقد، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن مطر الورَّاق؟ فقال: كان يحيى بن سعيد يُشَبِّه حديث مطر الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ، قال: فسألت أبي؟ فقال: ما أقربه من ابن أبي ليلى في عطاء خاصة، وقال: مطر في عطاء ضعيف، قال عبد الله: وقلت ليحيى بن معين: مطر؟ فقال ضعيف في حديث عطاء، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالح، وقال أبو زرعة: صالح، وروايته عن أنس مرسلة، لم يسمع منه، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: سمع من حفصة؟ فقال: هو أكبر من حفصة، وقال أيضًا: سألت أبي عنه فقال: هو

стр. 158

صالح الحديث، أحب إليّ من سليمان بن موسى، وكان أكبر أصحاب قتادة، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن سعد: كان فيه ضعفٌ في الحديث، وقال العجليّ: بصريّ صدوق، وقال مرةً: لا بأس به، قيل له: تابعيّ؟ قال: لا، وقال أبو بكر البزار، ليس به بأس، رأى أنسًا، وحَدَّث عنه بغير حديث، ولا نعلم سمع منه شيئًا، ولا نعلم أحدًا ترك حديثه، وقال الآجري عن أبي داود: ليس هو عندي بحجة، ولا يُقطَع به في حديث إذا اخْتُلِفَ، وقال الساجيّ: صدوق يَهِمُ، ولَمّا ذكره ابن حبان، قال: ربما أخطأ، وكان مُعْجَبًا برأيِهِ. وقال ابن حبان في "الثقات": مات قبل الطاعون سنة خمس وعشرين ومائة، ويقال: إنه مات سنة تسع، وقال عمرو بن عليّ: مات سنة تسع، وذكره البخاري في "باب التجارة في البحر" من "الجامع"، فقال: وقال خليفة: لا بأس به، قال الحافظ: وقع في روايته اختلافٌ، هل هو مطرٌ، أو مطرِّفٌ؟ لكن ذُكِر في موضع آخر من "التوحيد" في أواخر الكتاب، فقال: وقال مطر الوراق: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، قال: هل من طالب علم، فيعانَ عليه، وقد بينت مَن وَصَلَ الموضعين في "تغليق التعليق"، وذكره الحاكم فيمن أخرج لهم مسلم في المتابعات، دون الأصول. وقال الحافظ أيضًا: وقرأت في "تذكرة ابن حمدون" أن المنصور قتله، فعلى هذا يكون تأخرت وفاته إلى قرب الأربعين ومائة. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف في المتابعات، والأربعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَسَاقُوا الْحَدِيثَ) الضمير لشيوخه الثلاثة: محمد بن عبيد، وأبي كامل، وأحمد بن عبدة. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ كَهْمَسٍ) يعني أن حديثهم موافق لمعنى حديثه، لا للفظه، فإن فيه مخالفةً، كما يشير إليه قوله: "وفيه بعض زيادة إلخ". وقوله: (وَإِسْنَادِهِ) أي إسناد كهمس، وهو عن عبد الله بن بُريدة إلخ، وهذا من باب الإيضاح، وإلا فقد كان يكفيه عن هذا سوقه إسنادهم، فتنبّه. والله تعالى أعلم.

стр. 159

وقوله: (وَفِيهِ) أي في حديثهم (بَعْضُ زِيادَةٍ) أي على حديث كهمس (وَنُقْصَانُ أَحْرُفٍ) أي إسقاط بعض جُمَل من حديث كهمس، فالأحرف المراد بها هنا الجمل. [تنبيه]: قد ذكر الإمام ابن منده ﵀ في "كتاب الإيمان" ما قاله المصنّف هنا، ولفظه: وروى هذا الحديث مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، فزاد فيه وقدّم وأخّر بعض الحديث، ثم أخرجه من طريق سليمان بن حرب، ومسدد عن حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: لَمّا تكلم معبد الجهني بما تكلم فيه بالبصرة من القدر، حججت أنا وحميد بن عبد الرحمن، فلما قضينا حجنا قلت: لو مِلْنا إلى المدينة، فَلَقِينا مَن بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألناهم عما جاء به معبد الجهني، فذهبنا ونحن نؤم عبد الله بن عمر، وأبا سعيد الخدري، فلما دخلنا إذا نحن بابن عمر قاعدٌ، فاكتنفناه، فقدّمني حميد للمنطق، وكنت أجرأ على المنطق منه، فقلت: أبا عبد الرحمن إن قومًا نشؤوا قِبَلنا بالعراق، قرأوا القرآن، وتفقهوا في الإسلام، يقولون: لا قدر، قال: فأبلغهم أن عبد الله بن عمر بريء منهم، وأنهم منه براء، والله لو أن لأحدهم جبالُ الأرض ذهبًا، فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. أخبرني عمر ﵁ أن آدم وموسى ﵇ اختصما إلى الله في ذلك، فقال له موسى: أنت آدم الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة، فقال له: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وأنزل عليك التوراة، فهل وجدته قدَّره عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، قال فحج آدم موسى ﵇. قال: وحدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ﷺ إِذْ دخل عليه رجل، هيأته هيئة مسافر، وثيابه ثياب مقيم، أو ثيابه ثياب مقيم، وهيأته هيئة مسافر، فقال: يا رسول الله، أدنو منك؟ فقال: "نعم"، قال: فأقبل حتى وضع يديه على ركبتيه، فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "تُسلم وجهك - يعني لله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان"، وذكر عُرَى الإسلام، قال: فإذا فعلتُ ذلك فأنا مسلم؟ قال: "نعم"، قال: صدقت،

стр. 160

قال: قلنا: انظروا كيف يسأله؟ وانظروا كيف يصدقه؟ قال: يا رسول الله فما الإحسان؟ قال: "أن تخشى الله كأنك تراه، فإلا تكن تراه فإنه يراك"، قال: صدقت، قال: قلنا: انظروا كيف يسأله؟ وكيف يصدقه؟ قال: يا رسول الله فما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر كله"، قال: صدقت، قال: قلنا: انظروا كيف يسأله؟ وانظروا كيف يصدقه؟ قال: وحدثني شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، أنه قال: يا رسول الله، فمتى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، قال: صدقت صدقت صدقت، ثم ذهب، فقال رسول الله ﷺ : "عليّ بالرجل"، فنُظِرَ، فلم يوجد، فقال رسول الله ﷺ : "جبريل جاء يعلم الناس دينهم". قال ابن منده: أخرجه مسلم بن الحجاج، عن أبي كامل الجحدري، ثنا محمد بن محمد بن يوسف (١)، ثنا محمد بن نصر (٢)، ثنا أبو كامل، وقال: نحو حديث كهمس، وألفاظها متقاربة، وهذا خلاف حديث كهمس، واختلف أصحاب حماد عليه في اللفظ، وجعل آخر الحديث، عن شهر بن حوشب، وَتَرْكُهُ أولى، وإن كان مطر محله الصدق. انتهى كلام ابن منده رحمه الله تعالى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار الحافظ ابن منده ﵀ إلى أن رواية مطر هذه غير صحيحة؛ لمخالفته كهمسًا، وهو وإن كان محلّه الصدق، إلا أن كهمسًا أوثق منه، فتقدّم روايته، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام مسلم ﵀، حيث ساق السند متابعة في أصل الرواية، وأشار إلى الخلاف المذكور، وأن الصحيح رواية كهمس. والحاصل أن مطرًا تابع كهمسًا في أصل الرواية، إلا أنه خالفه بزيادة

стр. 161

قصّة آدم وموسى ﵉، ونقص آخر الحديث، وهو السؤال عن الساعة، فجعله عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁، فيكون معنى قول مسلم رحمه الله تعالى: "وفيه بعض زيادة، ونقصان أحرف" أنه غير مصيب في الزيادة والنقص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل الذي سبق في أوائل الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال: [١٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةً، عَنْ يَحْيَىَ بْنِ يَعْمَرَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، قَالَا: لَقِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيه، فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، كَنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، أبو عبد الله الْقَطِيعيُّ المعروف بالسَّمِين، مَرْوزيُّ الأصل، سكن بغدَاد، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ، وكان فاضلًا [١٠]. رَوَى عن وكيع، وابن عيينة، وابن علية، وبهز بن أسد، ويحيى القطان، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعمرو بن شَبَّة، وغيرهم. قال أحمد بن محمد الجعفي: سمعت ابن معين يقول: محمد بن حاتم بن ميمون كذَّاب. وقال عمرو بن عليّ: ليس بشيء. وقال عبد الله بن علي بن المديني: قلت لأبي: شيءٌ رواه ابن حاتم، عن ابن مهدي، عن شعبة، عن سالم، عن قَبِيصة بن هُلْب، عن أبيه، مرفوعًا: "لا يأتي أحدكم بشاة لها يَعار"، قال: هذا كَذِبٌ، إنما رَوَى هذا أبو داود. قال ابن قانع: صدوق. وقال ابن عديّ، والدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: استَخْرَج كتابًا في التفسير، كَتَبَهُ الناس، وكان يَنْزِل قَطِيْعَة الربيع. قال

стр. 162

موسى بن هارون، وغير واحد: مات في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين. وقال ابن قانع: قيل: إنه مات في أول سنة (٢٣٦)، وقال ابن حبان: مات سنة (٢٣٥)، أو (٢٣٦). [تنبيه]: ذكر في "تهذيب التهذيب" نقلًا عن "الزهرة" أن مسلمًا رَوَى عنه ثلاثمائة حديث. انتهى. لكن الذي في برنامج الحديث أنه روى عنه (٢١٤) حديثًا، والظاهر أن ما في البرنامج هو الصواب؛ لأنه أوضح الأحاديث كلها مسلسلة بأرقامها. والله تعالى أعلم. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثقة الثبت الْجِهْبِذ الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ١/ ٣٨٩. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الياء، آخره ثاءٌ مثلّثةٌ - الراسبيّ، ويقال: الزهرانيّ البصريّ، ثقة، رُمي بالإرجاء [٦]. رَوَى عن أبي عثمان النَّهْدي، وأبي الشعثاء، جابر بن زيد، وأبي السَّلِيل ضُرَيب بن نُقَير، وعبد الله بن بريدة، وأبي نَعَامة الحنفي، وأبي نَضْرة العبدي، وغيرهم. ورَوى عنه شعبة، والقطان، ووكيع، وخالد بن الحارث، وابن المبارك، وغيرهم. قال البخاري، عن علي بن المديني: له نحو عشرة أحاديث. وقال أحمد: ثقة، كان يَرَى الإرجاء. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة وقال أبو حاتم: صدوق. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى - يعني القطان - يقول: عند عثمان بن غِيَاث كُتُبٌ عن عكرمة، فلم يُصَحِّحها لنا. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يُضَعِّف حديثه في التفسير. وقال العجلي: بصري ثقة. وذكره الآجري، عن أبي داود في مُرْجئة أهل البصرة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الحافظ: وقال البخاري في "الحج" من "صحيحه": قال أبو كامل: ثنا أبو معشر البراء، ثنا عثمان بن غِيَاث، ثنا عكرمة، عن ابن عباس في صفة الحج، وقد رواه الإسماعيلي، عن القاسم بن زكريا، عن أبي كامل، فسماه

стр. 163

عثمان بن سعيد، وكذا رواه أبو نعيم، عن أبي أحمد الحافظ، عن القاسم، ورواه مسلم بن الحجاج في "الجامع" عن أبي كامل، كما علقه البخاريّ، فالله أعلم (١). روى له البخاريُّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٩) و (٤٤١٦) حديث: "افْتَحْ، وبشره بالجنة … "، و (٤٨٧٥) حديث: "ألا أدلّك على كلمة من كنوز الجنة … ". والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: "عن يحيى بن يعمر، وحُميد بن عبد الرحمن"، هذه الرواية صريحة في أن عبد الله بن بريدة يروي عن يحيى وحميد كليهما، وقد تابع شيخ المصنّف مسدّد بن مسرهد عند ابن منده ١/ ١٣٨، وتابع يحيى القطان أبو معشر البراء عنده أيضًا ١/ ١٣٩. وقال الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح": وحميدٌ له في الرواية المشهورة ذكرٌ، لا رواية. انتهى (٢). وقوله: (فَذَكَرْنَا الْقَدَرَ)، أي ذكرت أنا وحميد بن عبد الرحمن لابن عمر القدر، أي سألناه عن حكم الإيمان به (وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ) أي وذكرنا ما يقول القدريّة، معبد وأصحابه من نفي القدر. وقوله: (فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الضمير لشيخه محمد بن حاتم، أي رواه على وجهه (كَنَحْوِ حَدِيثِهمْ) الضمير لمشايخه الخمسة المتقدّمين في الأسانيد السابقة (عَنْ عُمَرَ ﵁) أي عن مسنده، لا عند مسند ابنه عبد الله، كما جعله من مسنده سليمان بن بريدة، كما بيّنّاه سابقًا. وقوله: (وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ زِيَادَةٍ، وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا)، أشار به إلى أن رواية محمد بن حاتم، وإن كانت موافقة في المعنى لروايات المشايخ الآخرين، إلا أن فيها مخالفة في اللفظ، حيث يزيد بعض الألفاظ، وينقص بعضًا. [تنبيه]: رواية عثمان بن غياث التي أشار إليها المصنف رحمه الله تعالى ساقها الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى في كتاب "الإيمان"، من طريق مسدد بن مسرهد، ثنا يحيى بن القطان، ثنا عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، عن

стр. 164

يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن قال: لقينا عبد الله بن عمر، فذكرنا له شأن القدر، وما يقولون فيه، فقال: إذا رجعتم إليهم، فقولوا لهم: إن ابن عمر منكم بريء، وأنتم منه براء، ثلاث مرات، ثم قال: أخبرني عمر بن الخطاب، أنهم بينما هم جلوس عند النبي ﷺ جاء رجل حسن الوجه، حسن الشعر، عليه ثياب بياض فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا، ولا هذا صاحب سفر، ثم قال: يا رسول الله أسألك؟ قال: "نعم"، قال: فوضع ركبتيه عند ركبتيه، ويديه على فخذيه، فقال: ما الإسلام؟ فقال: "الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، قال: "فما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته، والجنة والنار، والبعث بعد الموت، والقدر كله"، قال: فما الإحسان؟ قال: "تعمل لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، قال: فمتى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، قال: فما أشراطها؟ قال: "إذا العُرَاةُ الحُفَاةُ العَالَةُ رِعَاءُ الشاء تطاولوا في البنيان، وولدت الإماء أربابها"، ثم قال: "عليَّ بالرجل"، فطلبوه، فلم يروا شيئًا، فلبث يومًا، أو ثلاثًا ثم قال: "يا ابن الخطاب أتدري من السائل عن كذا وكذا؟ "، قال: الله ورسوله أعلم، قال: "ذاك جبريل ﵇ جاء يعلمكم دينكم". قال: وسأله رجل من جهينة، أو مزينة، فقال: يا رسول الله فيم العمل؟ في أمر قد خلا، أو مضى، أو شيء مستأنف؟ قال: "في شيء قد خلا، أو مضى"، فقال رجل، أو بعض القوم: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال: "إن أهل الجنة ميسَّرون لعمل الجنة، وأهل النار ميسَّرون لعمل أهل النار". انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الزيادة في هذه الرواية هي قوله: "وسأله رجل من جهينة إلخ". وأما النقص فقد ترك من أوله قوله: "كان أول من قال في القدر بالبصرة إلى قوله: "فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ". [قاعدةٌ مهمّةٌ]: في الفرق بين قولهم عند إحالة المتون: "نحوه"، أو

стр. 165

"مثله"، أو "بنحوه"، أو "بمثله"، كما فعله الإمام مسلم رحمه الله تعالى هنا، بل قد أكثر منه في هذا الكتاب. قال في "التقريب"، مع "شرحه التدريب": ولو روى حديثًا بإسناد له، ثم أتبعه بإسناد آخر، وحذف متنه، وأحاله على المتن الأول، وقال في آخره: "مثله"، فأراد السامع لذلك منه رواية المتن الأول بالإسناد الثاني فقط، فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وأجازه سفيان الثوري، وابن معين، إذا كان الراوي مُتَحَفِّظًا ضابطًا مُمَيِّزًا بين الألفاظ، ومَنَعَاه إن لم يكن كذلك، وكان جماعة من العلماء إذا رَوَى أحدهم مثل هذا ذكر الإسناد، ثم قال: مثل حديث قبله، مَتْنُهُ كذا، واختار الخطيب هذا، وأما إذا قال: "نحوه"، فأجازه الثوري أيضًا كـ "مثله"، ومنعه شعبة، وابن معين. قال الخطيب: فَرْقُ ابنِ معين بين "مثله"، و"نحوه" يصح على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق. قال الحاكم: يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يُفَرِّق بين "مثله" و"نحوه"، فلا يحل أن يقول: "مثله" إلا إذا عَلِم أنهما اتّفقا في اللفظ، ويحل أن يقول: "نحوه" إذا كان بمعناه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله لحاكم من أن "مثله" لما اتَّفَقَ في اللفظ محل نظر؛ لأني وجدتُ كثيرًا فيما يقوله فيه مسلم: "مثله" مَرْوِيًّا بالمعنى، بل وجدت حديثًا قال فيه مسلم: "مثله" قال فيه البخاري: "نحوه"، فالظاهر أن هذه القاعدة التي ذكرها الحاكم ليست متفقًا عليها على أنه يحتمل أن يقع الاختلاف بعد مسلم رحمه الله تعالى، فليُتَنَبَّهُ لهذه الدقيقة، فإني لم أر من تكلم عليها، والله تعالى أعلم. وأما إذا ذكر الإسناد، وبعض المتن، ثم قال: "وذكر الحديث"، ولم يتمه، أو قال: "بطوله"، أو "الحديث"، وأضمر "وذَكَرَ"، فأراد السامع روايته عنه بكماله، فهو أولى بالمنع من مسألة "مثله"، و"نحوه" السابقة؛ لأنه إذا مُنِعَ هناك مع أنه قد ساق فيها جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر، فَلأَنْ يُمْنَع هنا، ولم يَسُق إلا بعض الحديث من باب أولى، وبذلك جزم قوم، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وأجازه الإسماعيلي، إذا عَرَف المحدث والسامع ذلك

стр. 166

الحديث، قال: والاحتياط أن يَقتصِر على المذكور، ثم يقول: قال: وذكر الحديث، وهو هكذا، أو وتمامُهُ كذا، ويسوقه بكماله، وفَصل ابنُ كثير، فقال: إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو غيره جاز، وإلا فلا، وإذا جُوِّز إطلاقُهُ فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية الأكيدة من جهات عَدِيدة فيما لم يذكره الشيخ، فجاز لهذا، مع كونِ أوله سماعًا إدراجُ الباقي عليه، ولا يفتقر إلى إفراده بالإجازة. انتهى (١). وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" حيث قال: وَلَوْ رَوَى بِسَنَدٍ مَتْنًا وَقَدْ … جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْنٌ لَمْ يُعَدْ بَلْ قَال فِيهِ "نَحْوَهُ" أَوْ "مِثْلَهُ" … لَا تَرْوِ بِالثَّانِي حَدِيثًا قَبْلَهُ وَقِيلَ جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ … ذَا مَيْزَةٍ وَقِيلَ لَا فِي "نَحْوِه" الْحَاكِمُ اخْصُصْ "نَحْوَهُ" بِالْمَعْنَى … وَ"مِثْلَهُ" بِاللَّفْظِ فَرْقٌ سُنَّا وَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ خَبَرِ … قَبْلُ وَمْتْنُهُ كَذَا فَلْيَذْكُرِ وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْلِهِ … "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ" أَوْ "بِطُولِهِ" فَلَا تُتِمَّهُ وَقِيلَ جَازَا … إِنْ يَعْرِفَا وَقِيلَ إِنْ أَجَازَا وَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ "قَال وَذَكَرْ … حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا" وَائْتِ الْخَبَرْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل الذي سبق في أوائل الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال: [١٠٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيه، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيِثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) ٤/ ٤٠.

стр. 167

٢ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن مسلم البغداديّ، أبو محمد الحافظ الْمُؤَدِّبُ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن داود بن أبي الْفُرَات، وسفيان بن عبد الرحمن، ونافع بن عُمَر الْجُمَحيّ، وفُليح والحمادين، وحرب بن ميمون، والليث بن سعد، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وأحمد، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وعبد الله الْمُسْنَديّ، وأبو خيثمة، وحجاج بن الشاعر، ومجاهد بن موسى، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أحمد بن الخليل الْبُرْجُلانيُّ: ثنا يونس بن محمد الصدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في صفر سنة سبع ومائتين، وكذا قال أبو حسان الزياديّ، وقال خليفة، وابن سعد، ومطين، وغيرهما: مات سنة ثمان. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. [تنبيه]: يونس بن محمد هذا هو الْمُؤَدِّب غير يونس الصدوق، فالمؤدّب ثقة ثبت، كما مرّ آنفًا، وأما الصدوق، فكذّاب، وإنما قيل له: الصدوق على سبيل التهكّم، وقد غلِطَ من وحّدهما، وقد نبّه على ذلك في "تهذيب التهذيب" في باب الألقاب آخر الكتاب، فراجعه (١). والله تعالى أعلم. ٣ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، قيل: يُلقَّب بالطُّفيل، ثقة، من كبار [٩١]. رَوَى عن أبيه، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبيد الله بن عمر العمريّ، وكهمس بن الحسن، وأيوب، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وهو أكبر منه، وابن المبارك، وهو من أقرانه، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وعبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، وبونس بن محمد الْمُؤَدِّب، وغيرهم.

стр. 168

قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال عمر بن عليّ، عن معاذ بن معاذ: سمعت قُرَّة بن خالد يقول: ما معتمرٌ عندنا دون سليمان التيميّ. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وعن يحيى بن سعيد القطان: قال: إذا حدّثكم المعتمر بشيء، فاعرِضُوه، فإنه سيء الحفظ. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أحمد يقول: ما كان أحفظ مُعَتمر بن سليمان، قَلَّما كُنّا نسأله عن شيء إلا عنده فيه شيء. وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ يُخطئ من حفظه، وإذا حَدّث من كتابه فهو ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وُلد سنة مائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة ست، أو سبع، ومات سنة سبع، أو ثمان وثمانين ومائة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا. ٤ - (أبوه) سليمان بن طَرْخَان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تَيْم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) ٣/ ٩. والباقون تقدموا قريبًا. وقوله: "بنحو حديثهم"، أي ذكر حجاج بن الشاعر الحديث كحديث المشايخ الستة الماضين، فالضمير لمشايخه المذكورين في الأسانيد السابقة. [تنبيه]: هذه الرواية أخرجها ابن منده في "كتاب الإيمان"، ولفظه من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة فيه زَهْوٌ، وكان يتوثب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفرض الفرائض، وقَصَّ على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زَعَم أن العلم أُنُف، من شاء عَمِل خيرًا، ومن شاء عمل شرًّا، قال: فلقيت أبا الأسود الدِّيليَّ، فذكرت ذلك له، فقال: كَذَبَ ما رأينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا يُثْبِت القدر، إني حججت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري، فلما قضينا حجنا قال: قلنا: نأتي المدينة فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ فنسألهم عن القدر، قال: فلما أتيت المدينة لقينا إنسانًا من الأنصار، فلم نسأله، قلنا: حتى نلقى ابن عمر وأبا سعيد الخدري، قال: فلقينا

стр. 169

ابن عمر كفه عن كفه (١) قال: فقمت عن يمينه، وقام عن شماله، قال: قلت: تسأله أم أسأله؟ قال: لا، بل تسأله؛ لأني كنت أبسط لسانًا منه، قال: قلنا: يا أبا عبد الرحمن إن ناسًا عندنا بالعراق قد قرؤوا القرآن، وفرضوا الفرائض، وقَصُّوا على الناس يزعمون أن العمل أُنُفٌ، من شاء عمل خيرًا، ومن شاء عمل شرًّا، قال: فإذا لقيتم أولئك فقولوا: يقول ابن عمر: هو منكم بريء، وأنتم منه براء، ابن عمر منكم بريء، وأنتم منه براء، فوالله لو جاء أحدهم من العمل مثل أُحد ما تُقُبِّلَ منه حتى يؤمن بالقدر، ولقد حدثني عمر عن رسول الله ﷺ : "أن موسى لقي آدم ﵇، فقال: يا آدم أنت خلقك الله بيده، وأسجد لك الملائكة، وأسكنك الجنة، فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحدٌ من ذريتك النار، قال: فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، تلومني فيما قد كان كُتِب عليّ قبل أن أُخْلَق، فاحتجا إلى الله ، فحج آدم موسى ﵈، فاحتجّا إلى الله ، فحجَّ آدم موسى ﵈، فاحتجّا إلى الله ، فحجَّ آدم موسى ﵈" (٢). لقد حدثني عمر أن رجلًا في آخر عمر رسول الله ﷺ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: "نعم" قال: فجاء حتى وضع يده على ركبته، فقال: ما الإسلام؟ قال: "تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: فجعل الناس يتعجبون منه، ويقولون انظروا يسأله ثم يصدقه، قال: فما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك"، قال: فإذا فعلت ذلك، فقد أحسنت؟ قال: "نعم"، قال صدقت، قال: فجعل الناس يتعجبون، ويقولون: انظروا إليه، يسأله ويصدقه، قال: فما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والنبيين، والكتاب، والجنة والنار، والبعث بعد الموت، والقدر كله"، قال: فإذا فعلت ذلك، فقد آمنت؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: فجعل القوم يتعجبون، يقولون: انظروا كيف يسأله؟ ثم يصدقه، قال: فمتى الساعة؟ قال: "ما

стр. 170

المسئول أعلم بها من السائل"، قال: فما أعلامها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة الصم البكم ملوكًا، يتطاولون في البنيان"، ثم انصرف، فلقي رسول الله ﷺ عمر بعد ذلك، فقال: أتدري من الرجل الذي أتاكم؟ قال: فإنه جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم دينكم". انتهى (١). وأخرج ابن حبّان في "صحيحه"، وابن منده أيضًا واللفظ له من طريق آخر عن يونس بن محمد، عن المعتمر، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إنّ قومًا يزعمون أن ليس قدرٌ، قال: هل عندنا منهم أحدٌ؟ قلت: لا، قال: فأبلغهم عني إذا لقيتهم، أن ابن عمر بريء إلى الله منكم، وأنتم منه براء، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ في أناس، إذا جاء رجل ليس عليه سَحْنَاءُ السفر (٢)، وليس من أهل البلد، فتَخَطّى حتى وَرَكَ (٣) بين يدي رسول الله ﷺ كما يجلس الرجل في الصلاة، ثم وَضَع يده على ركبتي رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتُتِمّ الوضوء، وتصوم رمضان"، قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالجنة والنار، والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: فإذ فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: يا محمد ما الإحسان؟ قال: "أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك"، قال: فإذا فعلت هذا فأنا محسن؟ قال: "نعم"، قال: صدقت، قال: فمتى الساعة؟ قال: "سبحان الله ما المسئول بأعلم من السائل"، قال: "إن شئت أنبأتك بأشراطها"، قال: أجل، قال: "إذا رأيت العالة الحفاة العراة يتطاولون في البناء، وكانوا ملوكًا"، قالوا: ما العالة الحفاة

стр. 171

العراة؟ قال: الْعُرَيب"، وإذا رأيت الأمة تلد ربتها، فذلك من أشراط الساعة" قال: صدقت. ثم نَهَضَ فوَلَّى، قال رسول الله ﷺ : "عليَّ بالرجل"، فطلبناه، فلم نقدر عليه، فقال رسول الله ﷺ : "هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم دينكم، فخذوا عنه"، فوالذي نفسي بيده ما شُبِّهَ عليّ منذ أتاني قبل مَرّتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى". قال ابن حبّان بعد إخراجه: تفرّد سليمان بقوله: "خذوا عنه"، وبقوله: تعتمر، وتغتسل، وتُتمّ الوضوء" انتهى (١). وقال ابن منده: هكذا حدث به يونس بن محمد المؤدب بلفظين مختلفين، وفي كل واحد من الخبرين ألفاظ ليست في الآخر، من الزيادات، وعلى هذا رَوَى عنه حجاج الشاعر، كما رواه ابن المنادي، فأما الخبر الأول فوافقه محمد بن أبي يعقوب الكرماني، وهو أحد الثقات، ممن رَوَى عنه محمد بن إسماعيل البخاري في "الجامع"، واعتمده، ووثقه، وأما الخبر الثاني فرواه يوسف بن واضح الهاشمي البصري وغيره، عن المعتمر بن سليمان، من نحو رواية يونس بن محمد، وذكر فيه الزيادات التي ذكرها يونس في الخبر الأخير. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل الذي سبق في أوائل الكتاب إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى قال: [١٠٥] (٩) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاس، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِيمَان؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلَائِكَتِه، وَكِتَابِه، وَلِقَائِه، وَرُسُلِه، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا

стр. 172

الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ الله وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةَ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأعْلَمَ مِنْ السَّائِل، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُؤُوسُ النَّاس، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِي الْبُنْيَان، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ"، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ)، هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ الكوفيّ، الواسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) ١/ ١. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور أول الباب. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسَم المعروف بابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقة حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) ١/ ٣. ٤ - (أَبُو حَيَّانَ) - بمهملة، وتحتانيّة - يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ، من تَيْمِ الرَّبَاب، الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعمه يزيد بن حيان، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، والشعبي، والضحاك ابن المنذر، وعباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب السختياني، ومات قبله، والأعمش، وهو من أقرانه، وشعبة، والثوري، ووهيب، وابن علية، وهشيم، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن فضيل، وغيرهم.

стр. 173

قال الْخُرَييّ: كان أبو حيان عند سفيان الثوري - يعني كان يُعَظِّمه، ويُوَثِّقُه، وقال محمد بن عمران الأخنسي، عن محمد بن فُضيل: ثنا أبو حيان التيميّ، وكان صدوقًا، وقال ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: ثقةٌ صالحٌ مُبَرِّزٌ، صاحب سنة. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وكان من المتهجدين، مات سنة خمس وأربعين ومائة. وقال مسلم: كوفيّ، من خيار الناس. وقال النسائيّ: ثقة ثبت. وقال الفلاس: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مأمون. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٥ - (أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِير) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِمٌ، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو، قاله النسائيّ، وقيل: جرير، قاله الواقدي، ثقة [٣]. رَأى عليًّا، وروى عن جده، وأبي هريرة، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثابت بن قيس النخعي، وخَرَشة بن الْحُرّ، وعبد الله بن يحيى الحضرمي، وأرسل عن عمر بن الخطاب، وأبي ذر. وروى عنه عمه إبراهيم بن جرير، وحفيداه: جرير، ويحيى ابنا أيوب بن أبي زرعة، وابن عمه جرير بن زيد، وإبراهيم النخعي، وأبو حيان التيمي، وأبو التياح، وغيرهم. قال الواقديّ: كان لجرير ابن يقال له: عَمرو، وبه كان يُكنى، هلك في إمارة عثمان، فوَلَد عمرو ابنًا سماه جريرًا باسم أبيه، وغَلَبَ عليه أبو زرعة، رَأَى عليًّا، وكان انقطاعه إلى أبي هريرة، وسمع من جده أحاديث، وكان من علماء التابعين، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق ثقة. وقال جرير، عن عُمارة بن القعقاع: قال لي إبراهيم: إذا حدثتني فحدثني عن أبي زرعة، فإني سألته عن حديثٍ، ثم سألته عنه بعد ذلك بسنة، أو سنتين، فما أخرم منه حرفًا. وقال البخاري في "تاريخه": هَرِمٌ أبو زرعة سمع ثابتَ بن قيس، وعنه الحسن بن عبيد الله، وقال في "الأوسط": قال لي علي بن عبد الله: هرم أبو زرعة هذا ليس هو عمرو بن جرير، إنما أبو زرعة آخر، قال بعضهم: إنه غَلابي. وقال ابن عساكر: فرَّق ابن المديني بين أبي

стр. 174

زرعة بن عمرو بن جرير، وبين هرم أبي زرعة صاحب أبي قيس. وذكر ابن حبان في "الثقات" أبا زرعة بن عمرو بن جرير، فيمن اسمه هَرِم، ثم قال: ويقال: اسمه كنيته. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير ﵁ ١/ ٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وابن عليّة، فبصريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى. ٥ - (ومنها): أن فيه قول المصنّف: "قال زهير: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم"، إشارة إلى الاختلاف الواقع بين شيخيه: أبي بكر، وزهير في روايتهما عن ابن عليّة، فأبو بكر لم يصرّح بالتحديث، ولم يسمّه باسمه، وإنما ذكره بكنيته "ابن عليّة"، وهي أمه، وكان يَكره النسبة إليها، إلا أنه لاشتهاره يذكرونه بها، كما قال في "ألفيّة الحديث": وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ وأما شيخه زهير فقد صرّح بالتحديث، وسمّاه باسمه، ونسبه إلى أبيه، وهذا من احتياطات المصنّف ﵀، حيث يراعي اختلاف ألفاظ شيوخه في صيغ الأداء، ونحوها، وهذا هو الذي امتاز به عن غيره، حتى عن البخاريّ رحمه الله تعالى، كما أشار إلى ذلك من قال، وأحسن في المقال [من الطويل]: تَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمٍ … لأَيِّهِمَا فِي الْفَضْلِ كَانَ التَّقَدُّمُ فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً … كَمَا قَالَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.

стр. 175

شرح الحديث: (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) يحيى بن سعيد التيميّ، وسيأتي بَعْدُ من رواية جرير بن عبد الحميد، عن عُمَارة بن القعقاع، ورواه بو داود، والنسائي من حديث جرير أيضًا عن أبي فَرْوَة ثلاثتهم عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، زاد أبو فروة: "وعن أبي ذرّ" أيضًا، وساق حديثه عنهما جميعًا، وفيه فوائد زوائد، سنشير إليها - إن شاء الله تعالى - قال الحافظ ﵀: ولم أر هذا الحديث من رواية أبي هريرة إلا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير هذا عنه. انتهى (١). (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجليّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "عن النبيّ ﷺ " (يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ) أي: ظاهرًا لهم بالبَرَاز، وهو الفضاء من الأرض، ومنه قوله : ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩١]، وقوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، ومنه المبارزة في القتال، والبروز لصلاة العيد، والاستسقاء. يعني أنه كان غير محتجب عنهم، ولا ملتبس بغيره، وقد وقع في رواية أبي فَرْوة التي أشرنا إليها بيانُ ذلك، فإن أوله: "كان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يدري أَيُّهُم هو، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دُكّانًا من طين، كان يجلس عليه". انتهى. واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعًا إذا احتاج لذلك؛ لضرورة تعليم، ونحوه. (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) أي: ملكٌ في صورة رجل، وفي رواية للبخاريّ: "إذ أتاه رجل يمشي"، ولأبي فَرْوة: "فإنا لجلوس عنده، إذ أقبل رجلٌ أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس"، وقد سبق تمام البحث في هذا في شرح الحديث الماضي. (فَقَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ)، ووقع في رواية أبي فروة المذكورة: "حتى

стр. 176

سَلَّم من طَرَف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇ … " الحديث، فدلّ على أن هذه الرواية فيها اختصار من الراوي، وليس كما ظنّ بعضهم أنه إنما ترك السلام مبالغة في التعمية، فتنبه. وأما قوله: "يا رسول الله"، وفي رواية: "يا محمد"، فالظاهر أنه من تصرّفات الرواة، فإنه ناداه باسمه تعميةً، وعبّر الراوي بـ "يا رسول الله" تعظيمًا، وجمع الحافظ بأنه بدأ أوّلًا بندائه باسمه للتعمية، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله، والذي سَبَقَ أشبه، والله تعالى أعلم. (مَما الإِيمَانُ؟)، قيل: قَدَّمَ السؤال عن الإيمان؛ لأنه الأصل، وثَنَّى بالإسلام؛ لأنه يُظهِر مِصْدَاق الدعوى، وثَلَّث بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما، وفي رواية عمارة بن القعقاع التالية بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثَنَّى بالإيمان؛ لأنه بالأمر الباطن، ورجح هذا الطيبيّ؛ لما فيه من التَّرَقِّي. ولا شك أن القصة واحدةٌ، اختَلَف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق، فإنه بدأ بالإسلام، وثَنّى بالإحسان، وثلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمر واحدٌ، والتقديم والتأخير وقع من الرواة. قاله الحافظ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ﷺ (أَنْ تُؤْمِنَ باللهِ) وفي رواية البخاريّ: "قال: الإيمان أن تؤمن بالله"، قال في "الفتح": دلَّ الجواب أنه علم أنه سأله عن متعلِّقاته، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: الإيمان التصديق، وقال الطيبيّ: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: "أن تؤمن بالله" مُضَمَّنٌ معنى أن تَعترف به، ولهذا عداه بالباء، أي: أن تُصَدِّق معترفًا بكذا. وتعقّبه الحافظ بأن التصديق أيضًا يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين، وقال الكرمانيّ: ليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعيّ، ومن الحدّ الإيمان اللغوي. قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ "الإيمان"؛ للاعتناء بشأنه؛ تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، يعني أن قوله: "أن تؤمن يَنْحَلّ منه الإيمانُ، فكأنه قال: الإيمان الشرعيّ تصديقٌ مخصوصٌ، وإلا لكان الجواب الإيمان التصديق.

стр. 177

والإيمان بالله هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، مُنَزّه عن صفات النقص (ومَلَائِكَتِهِ) أي: أن تصدّق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقَدَّم الملائكةَ على الكتب والرسل؛ نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول (وَكِتَابِهِ) مفرد مضافٌ، فيعمّ، وفي رواية البخاريّ: "وكتبه" بالجمع، أي: تُصدّق بأنه كلام الله تعالى، وأن ما تضمّنه حقّ (وَلقَائِهِ) كذا وقع هنا وفي الرواية التالية بين الكتاب والرسل، وكذا هو عند البخاريّ، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنه مكررٌ؛ لأنه داخلٌ في الإيمان بالبعث، والحقّ أنه غير مكرر، فقيل: المراد بالبعث القيام من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق المتقدّمة، فإن فيها: "وبالموت، وبالبعث بعد الموت"، كذا في حديث أنس ﵁ عند البزّار وغيره، وابن عباس وعيهما عند أحمد، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي. وتعقّبه النووي بأن أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بم يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان. وأجيب بأن المراد بالإيمان بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إذ جعلت من قواعد الإيمان. (وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أنس وابن عباس ﵃: "والملائكة، والكتاب، والنبيين"، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير بـ "النبيين" يشمل الرسل من غير عكس، والإيمان بالرسل التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى. (وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ) إنما أعاد لفظ "وتؤمن" هنا للإشارة إلى أنه نوع آخر مما يُؤُمَن به؛ لأن البعث سيوجد بعدُ وما ذُكر قبله موجود الآن، وللتنويه بذكره؛ لكثرة من كان ينكره من الكفار، ولهذا كَثُر تكراره في القرآن (١).

стр. 178

وقوله: (الْآخِرِ") بكسر الخاء، قيل: هو تأكيدٌ، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود أو من بطون الأمهات بعد النطفة والعقلة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد بالإيمان به التصديق بما يقع فيه، من الحساب، والميزان، والجنة والنار، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التيمي المتقدّمة، وفي حديث ابن عباس ﵄ أيضًا. زاد في الرواية التالية: "قال: صدقت"، وفي رواية النسائيّ: "قال: فإذا فعلت ذلك، فقد آمنتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ". [تنبيهٌ]: ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لا يُطْلَق إلا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، ولا يخالف هذا ما ثبت عند الفقهاء من اكتفائهم بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى ورسوله ﷺ ؛ لأن المراد بالإيمان برسول الله ﷺ هو الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه ، فيدخل جميع ما ذُكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم (١). (قَالَ) الرجل السائل (يَا رَسُولَ الله، مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) أي: توحّده بلسانك على وجه يُعتدُّ به، فشَمِل الشهادتين، فيوافق هذا الحديث حديث عمر ﵁ السابق، وكذا حديث: "بُني الإسلام على خمس … " الآتي، وجملة (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) للتأكيد (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ) أي: المفروضة (وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ)، زاد في رواية النسائيّ: "وتَحُجّ البيت". قال النوويّ في "شرحه": أما تقييد الصلاة بالمكتوبة، فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقد جاء في أحاديث وصفها بالمكتوبة، كقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، و"أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، و"خمس صلوات كتبهن الله".

стр. 179

وأما تقييد الزكاة بالمفروضة، وهي المقدَّرة، فقيل: احترازٌ من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة، وليست مفروضة، وقيل: إنما فَرّق بين الصلاة والزكاة في التقييد؛ لكراهة تكرير اللفظ الواحد، ويحتمل أن يكون تقييد الزكاة بالمفروضة، للاحتراز عن صدقة التطوع، فإنها زكاة لغوية. وأما معنى إقامة الصلاة، فقيل: فيه قولان: [أحدهما]: أنه إدامتها، والمحافظة عليها. [والثاني]: إتمامها على وجهها، قال أبو عليّ الفارسيّ: والأول أشبه. قال النوويّ: وقد ثبت في "الصحيح": أن رسول الله ﷺ قال: "اعتدلوا في الصفوف، فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة"، ومعناه - والله أعلم - من إقامتها المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا يرجح القول الثاني، والله أعلم انتهى (١). (وَتَصُومَ رَمَضَانَ") زاد في الرواية التالية: "قال: صدقت"، وفي رواية النسائيّ: "قال: إذا فعلت ذلك، فقد أسلمتُ؟ قال: نعم، قال: صدقتَ، فلما سمعنا قول الرجل: صدقتَ، أنكرناه". وقوله: "تصوم رمضان"، فيه حجة لمذهب الجماهير، وهو المختار الصواب، أنه لا كراهة في قول "رمضان" من غير تقييد بالشهر، خلافًا لمن كرهه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في "كتاب الصيام" - إن شاء الله تعالى - بدلائله، وشواهده. (قَالَ) الرَّجُلُ (يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: "قال: يا محمد" (مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ) ﷺ : ("أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ)، هكذا الرواية بإثبات ألف "تراه"، وكان حقّه أن تُحذف للجازم، كما قال في "الخلاصة": وَأَيُّ فِعْلٍ آخِرٌ مِنْهُ أَلِفْ … أَوْ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ فَمُعْتَلًّا عُرِفْ فَالأَلِفَ انْوِ فِيهِ غَيْرَ الْجَزْمِ … وَأَبْدِ نَصْبَ مَا كـ "يَدْعُو" "يَرْمِي" وَالرَّفْعَ فِيهِمَا انْوِ وَاحْذِفْ جَازِمَا … ثَلَاثَهُنَّ تَقْضِ حُكْمًا لَازِمَا وقال أبو البقاء الْعُكبريّ في "إملائه": كذا وقع في هذه الرواية "تراه"

стр. 180

بالألف، والوجه حذفها، لأن "إن" لا تحتمل هنا من وجه "إن" المكسورة إلا الشرطيّة، وهي جازمة، وعلى هذا يمكن تأويل هذه الرواية على أنه أُشبع فتحة الراء، فنشأت الألف، وليست من نفس الكلمة، ويجوز أن يكون جعل الألف في الرفع عليها حركة مقدّرة، فلما دخل الجازم حذف تلك الحركة، فبقيت الألف ساذَجَةً من الحركة، كما يكون الحرف الصحيح ساكنًا في الجزم، وعلى هذين الوجهين حُمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء على قراءة ابن كثير، وكذا قول الشاعر [من الرجز]: إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ … وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ فأثبت الألف في "ترضاها". انتهى (١). وقال السيوطيّ في "العقود" بعد كلام أبي البقاء: وقال ابن هشام في "تذكرته": جاء في باب الجوازم إهمال "إن" حملًا على "إذا"، نحو قراءة طلحة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ﴾ [مريم: ٢٦] حكاه في "المحتسب"، ومن هذا الحديثُ، وقال ابن مالك في "توضيحه" في حديث البخاريّ في قوله أبي جهل - لعنه الله - لصفوان: "متى يراك الناس قد تخلّفت، وأنت سيّد أهل الوادي تخلّفوا معك": تضمّن هذا الكلام ثبوت ألف "يراك" بعد: متى "الشرطيّة، وكان حقّها أن تُحذف، فيقال: متى يَرَكَ"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ﴾ [الكهف: ٣٩]. وفي ثبوتها أربعة أوجه: [إِحداها]: أن يكون مضارع راء بمعنى رأى، كقول الشاعر [من الطويل]: إِذَا رَاءَنِي أَبْدَى بَشاشَةَ وَاصِلٍ … وَيَأْلَفُ شَنْأَنِي إِذَا كُنْتُ غَائِبًا ومضارعه يراءُ، فجُزم، فصار يَرَأ، ثم أبدلت همزته ألفًا، فثبتت في موضع الجزم، كما ثبتت الهمزة التي هي بدل منها، ومثله (أم ينبا) في وقف حمزة وهشام. [الثاني]: "أن تكون "متى" شُبّهت بـ "إذا"، فأُهملت، كما شُبّهت "إذا" بـ "متى"، فأُعملت، كقول النبيّ ﷺ لعليّ وفاطمة ﵄: "إذا أخذتما
следующие страницы →