رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بْنِ يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
"أبو هريرة" ذُكر قبله.
وقوله: (حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ إلخ) قال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: أجودهما، وأشهرهما "يُهِمّ" بضم الياء، وكسر الهاء، ويكون "ربَّ المال" منصوبًا مفعولًا، والفاعلُ "مَنْ"، وتقديره: يُحْزنُه، وَيهْتَمّ له.
والثاني: "يَهُمّ" بفتح الياء، وضم الهاء، ويكون "ربَّ المال" مرفوعًا فاعلًا، وتقديره: يَهُمّ ربُّ المال من يقبل صدقته؛ أي: يقصده، قال أهل اللغة: يقال: أهمه: إذا أحزنه، وهَمَّهُ: إذا أذابه، ومنه قولهم: هَمَّكَ ما أَهمَّك؛ أي: أذابك الشيءُ الذي أحزنك، فأذهب شحمك، وعلى الوجه الثاني هو من هَمَّ به إذا قَصَدَهُ. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام النوويّ أن همّ ثلاثيًّا لا يأتي بمعنى "أحزن"، وإنما هو بمعنى "قصد" فقط، وليس كذلك، فقد ذكر أهل اللغة أنه يأتي بمعنى أحزن، قال الفيّوميّ ﵀: والْهَمّ الحزن، وأهمّني الأمر بالألف: أقلقني، وهَمّني هَمًّا، من باب قَتَل مثلُهُ. انتهى (٢).
وقال المجدّ ﵀: "الْهَمّ": الْحُزن، جمعه هُمُومٌ، وما هَمَّ به في نفسه، وهَمَّهُ الأمر هَمًّا: ومَهَمَّةً: حَزَنَهُ، كأهمّه، فاهتمّ. انتهى (٣).
стр. 11272
وقوله: (وَيُدْعَى إِلَيْه الرَّجُلُ) ببناء الفعل للمفعول، والضمير المجرور للصدقة، بتأويل المال.
وقوله: (لَا أَرَبَ لِي فِيهِ) بفتحتين، ويقال فيه: الإِرْبةُ بالكسر، والْمَأرُبةُ بفتح الراء، وضمّها: الحاجة، والجمع المآرب، والأَرَبُ في الأصل مصدر، من باب تَعِبَ، يقال: أَرِبَ الرجلُ إلى الشيء: إذا احتاج إليه، فهو آربٌ، على فاعلٍ، والإِرْبُ بالكسر يُستعمل في الحاجة، وفي العضو، والجمعُ آرابٌ، مثلُ حِمْل وأحمال، وفي الحديث: "وكان أملككم لإِرْبِهِ"؛ أي: لنفسه عن الوقوع في الشهوة، قاله الفيّوميّ ﵀ (١).
وذكر في "القاموس" من معنى الإِرْب بالكسر الحاجةَ، كالإرْبة بالكسر، والضمّ، والأَرَب محرّكةً، والْمَأرِبة مثلّثة الراء (٢).
وقوله: (لا أَرَبَ لي فِيهِ) أي: لا حاجة لي في المال بمعنى الصدقة.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤١] (١٥١٣) - (وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ، وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (تَقِيءُ الْأَرْضُ أفلَاذَ كَبِدِهَا، أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِق، فَيَقُولُ: في هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ، فَلَا يَأخُدُونَ مِنْهُ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٧.
стр. 11273
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ) هو: محمد بن يزيد بن محمد بن كثير بن رِفَاعة بن سَمَاعة العِجْليّ، أبو هشام الرِّفاعيّ الكوفيّ، قاضي المدائن، ليس بالقويّ، من صغار [١٠].
روى عن عبد الله بن إدريس، وعبد الله بن نمير، وحفص بن غياث، وأبي أسامة، ومحمد بن فضيل، وأبي بكر بن عياش، ومعاذ بن هشام، وسعيد بن عامر الضبعيّ، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وعثمان بن خُرّزاذ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي خيثمة، وأحمد بن عليّ الأَبّار، وابن أبي الدنيا، وابن خزيمة، وغيرهم.
وذكر ابن عديّ أن البخاريّ روى عنه (١)، قال ابن محرز: سألت ابن معين، فقال: ما أرى به بأسً، وقال العجليّ: كوفيّ لا بأس به، صاحب قرآن، قرأ على سُلَيم، وولي قضاء المدائن، وقال البخاريّ: رأيتهم مجتمعين على ضعفه، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال الحسين بن إدريس: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو هشام الرفاعيّ رجل حسن الخلق، قارئ للقرآن، قال: ثم سألت عثمان وحدي عن أبي هشام الرفاعيّ، فقال: لا تخبر هؤلاء، إنه يَسْرِق حديث غيره فيرويه، قلت: أعَلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟، فقال: كيف يكون تدليسًا، وهو يقول: حدَّثنا؟، وقال ابن عقدة، عن محمد بن عبد الله الحضرميّ: أَلْقَيتُ على ابن نُمير حديثًا، فقال: أَلْقِه على أهل الكوفة كلِّهم، ولا تُلْقِه على أبي هشام فيسرقه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت ابن نمير عنه، فقال: كان أضعفنا طلبًا، وأكثرنا غرائب، وقال ابن عديّ: سمعت عبدان يقول: كنا مع أبي بكر بن أبي شيبة في جنازة، فأقبل أبو هشام، فقلت: يا أبا بكر ما تقول فيه؟ فقال: انظر إليه، ما أحسن خضابه؟
стр. 11274
وقال أحمد بن عليّ الآبار: سألوا عبد الله بن عمر؛ يعني: ابن أبان، عن أبي هشام، فلم يعجبه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ضعيف، يتكلمون فيه، هو مثل مسروق بن المرزبان، وقال طلحة بن محمد بن جعفر: استُقضي أبو هشام الرفاعي في سنة اثنتين وأربعين، وهو رجل من أهل القرآن والعلم والفقه والحديث، قرأ علينا ابن صاعد أكثر كتابه في القراءات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف، وقال الْبَرْقانيّ: ثقة، أمرني الدارقطنيّ أن أخرج حديثه في الصحيح.
قلت: وقال أبو عمرو الدانيّ: أخذ القراءات عن جماعة، وله عنهم شذوذ كثير، فارق فيه أصحابه، قال ابن عديّ: أُنكِر على أبي هشام أحاديثُ عن ابن إدريس، وأبي بكر، وغيرهما مما يطول ذكره، وقال الدارقطنيّ: تكلم فيه أهل بلده، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم، وقال مسلمة: لا بأس به. قال ابن حبان: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين في سلخ شعبان، وقال طلحة بن محمد: مات سنة تسع، وقال الخطيب: الأول أصحّ.
روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠١٣)، وحديث (١٥٧): "لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على القبر، فيتمرغّ عليه … ".
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأكثرين على تضعيف أبي هاشم الرفاعي، فيُعتذر عن المصنّف في روايته عنه بأنه إنما روى عنه حديثين فقط متابعة، فقد روى عنه هنا مع واصل بن عبد الأعلى، وأبي كريب، وروى عنه (١٥٧) حديث: "لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على القبر، فيتمرغّ عليه … " مع عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح مُشكدانة، فتنبّه.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غزوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٤ - (أَبُوهُ) فُضَيل بن غَزْوان بن جرير الضّبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٥.
٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
стр. 11275
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاقهم في التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: واصل، والرفاعيّ، كما أسلفت آنفًا، وأما أبو كُريب فمن شيوخ الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَقِيءُ) مضارع قاء؛ أي: تلقي (الأَرْضُ أفلَاذَ كَبِدِهَا) -بفتح الهمز-: جمع الْفِلْذة، وهي القطعة المقطوعة طولًا، وسُمِّي ما في الأرض كَبِدًا تشبيهًا بالكبد التي في بطن البعير؛ لأنها أحبّ ما هو مُخَبَّأ فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور، وأحبه إلى العرب، وإنما قلنا في بطن البعير؛ لأن ابن الأعرابيّ قال: الْفِلْذ لا يكون إلا للبعير، فالمعنى تُظْهِر كنوزها وتخرجها من بطونها إلى ظهورها، قاله في "المرقاة" (١).
وقال في "المشارق": قيل: معادنها، وقيل: كنوزها، وما خُبِئ فيها، وكَبِدها بطونها، وعَبَّر عمّا تُخرجه من ذلك بفِلْذَة الكَبِد، وهي القطعة منه. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ: الْفِلْذة: بالذال المعجمة: القِطعة من الشيء، والجمع فِلَذٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وفَلَذْتُ له من الشيء فَلْذاً، من باب ضرب: قطعتُ. انتهى (٣).
وقال ابن السِّكِّيت: الْفِلْذ: القطعة من كَبِد البعير، وقال غيره: هي القطعة من اللحم، ومعنى الحديث التشبيه: أي: تُخْرِج ما في جوفها من الْقِطَع
стр. 11276
المدفونة فيها (١).
وقال الطيبيّ: قوله: "أفلاذ كبدها" استعارة مكنيّة مستلزمة للتخييليّة، شَبَّهَ الأرضَ بالحيوان، ثم خيّل لها ما يُلازم الحيوان من الكبد، فأضاف إليها الكبد على التخييليّة؛ لتكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقية، ثم فرعّ على الاستعارة القيء ترشيحًا. انتهى (٢).
(أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ) بضم الهمزة والطاء، وهو جمع أُسْطوانة، وهي السارية، والعمود، وشَبّهَهُ بالأسطوان؛ لِعِظِمه وكثرته (٣). وقال القاري: وفي نسخة صحيحة -يعني: نسخة "المشكاة"- "الأسطوانة"، فهي واحدة، والأوّل جنس، وهو الأنسب بجمع الأمثال. انتهى.
وقوله: (مِنَ الذَّهَب وَالْفِضَّةِ) بيان لـ "أفلاذ كبدها"، وقال القاضي البيضاويّ: معناه: أن الأَرضَ تُلقي من بطنها ما فيه من الكنوز، وقيل: ما رسخ فيها من العروق المعدنيّة، ويدلّ عليه قوله: "أمثال الأسطوان"، وشبّهها بأفلاذ الكبد؛ لأنها أحبّ ما هو مخبّأ فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور، وأحبّه إلى العرب، وشبّهها بأفلاذ الكبد هيئةً وشكلًا، كأنها قطعة الكبد المقطوعة طولًا. انتهى (٤).
قال القاريّ: ولعل الحديث فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ١، ٢] (٥).
(فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ) أي: قاتل النفس ظلمًا (فَيَقُولُ: فِي هَذَا) أي: في طلب هذا الغرض، ولأجل تحصيل هذا المقصود، قال الطيبيّ ﵀: المشار إليه ليس عين ما قيل فيه، بل هو من جنسه، فيكون في الكلام تشبيهٌ، نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥] (٦).
стр. 11277
(قَتَلْتُ) أي: من قلت من النفس (وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ) أي: قاطع الرحم (فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ) بالبناء للفاعل (رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي) بصيغة المجهول، قال القاري ﵀: ولو رُوِيَ معلومًا لكان له وجهٌ؛ أي: تسببتُ لقطع يدي (ثُمَّ يَدَعُونَهُ) بفتح أوله وثانيه: أي: يتركون ما قاءت الأرض، من الكنز، أو المعدن (فَلَا يأخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا") أي: لعدم رغبتهم في جمع المال، حيث إن الساعة اقتربت، وانقطعت الآمال في البقاء في الدنيا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٣٤١] (١٠١٣)، و (الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٠٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٦٩٧)، وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(١٩) -) بَابُ بَيَانِ قَبُول اللهِ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٢] (١٠١٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أنَّهُ سَمِعَ إبا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطيِّبَ، إِلا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ فَصِيلَهُ").
стр. 11278
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥ (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان الْمَقْبريّ، أبو سعد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٤ - (سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقةٌ متقنٌ [٣] (ت ١١٧) أو قبلها بسنة (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٥/ ١٦١٤.
٥ - (؟ لو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلانيّ، والليث فمصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا) نافيةٌ (تَصَدَّقَ أَحَدٌ) قال الراغب الأصفهانيّ ﵀: الصدقة ما يُخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب، وقيل: يُسمّى الواجب صدقة إذا تحرّى صاحبه الصدق في فعله. انتهى (١).
(بِصَدَقَةٍ) الباء يكثر زيادتها بعد "ما" النافية، و"ليس"، و"كان" المنفيّة بـ "لم"، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
стр. 11279
وَبَعْدَ "مَا" وَ "لَيْسَ" جّرَّ الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْي "كَان" قَدْ يُجَرْ وقوله: (مِنْ طَيِّبٍ) أي: حلالٍ، وقد يطلق الطيّب عَلى المستلَذّ بالطبع، والمراد هنا هو الحلال.
وفي رواية الشيخين: "مَن تصدّق بِعَدْل تمرة من كسب طيّب": أي: بقيمتها؛ لأنه بالفتح: المثل، وبالكسر: الِحْمل بكسر المهملة، هذا قول الجمهور، وقال الفرّاء: بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة، وبالكسر في النظر، وأنكر البصريّون هذه التفرقة، وقال الكسائيّ: هما بمعنى، كما أنّ لفظ المثل لا يختلف، وضُبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح. انتهى (١).
وقوله: "من كسب طيّب" أي: صناعة، أو تجارة، أو زراعة، أو غيرها، ولو إرثًا، أو هبة، قال الحافظ ﵀: معنى الكسب: المكسوبُ، والمراد به ما هوأعمّ من تعاطي التكسّب، أو حصول المكسوب بغير تعاط، كالميراث، وكأنه ذكر الكسب؛ لكونه الغالب في تحصيل المال، والمراد بالطيّب الحلال؛ لأنه صفة الكسب.
وقال القرطبيّ ﵀: والكسب الطيّب في هذا الحديث الحلال، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] وغيره، وأصل الطيّب المستلَذّ بالطبع، ثمّ أُطلق على المطلق بالشرع. انتهى (٢).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "من كسب طيّب" صفة مميّزة لـ"عدل تمرة"؛ ليمتاز الكسب الخبيث الحرام. انتهى (٣).
(وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ) جملة معترضةٌ بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفيه دليل على أن الحلال مقبول. وقال الطيبيّ ﵀: هذه الجملة معترضة واردة على سبيل الحصر بين الشرط والجزاء تأكيدًا، وتقريرًا للمطلوب من النفقة، ولَمّا قيّد الكسب بالطيّب أتبعه اليمين؛ لمناسبةٍ بينهما في الشرف،
стр. 11280
ومن ثَمَّ كانت يده ﷺ لطهوره. انتهى (١).
وقال السنديّ ﵀: هذه الجملة معترضة لبيان أنه لا ثواب في غير الطيّب، لا أن ثوابه دون هذا الثواب؛ إذ قد يتوهّم من التقييد أنه شرط لهذا الثواب بخصوصه، لا لمطلق الثواب، فمطلق الثواب يكون بدونه أيضًا، فذُكِرَت هذه الجملة دفعًا لهذا التوهّم. ومعنى عَدَم قبوله أنه لا يُثيب عليه، ولا يرضى به. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ومعنى عدم القبول إلخ" فيه نظر؛ لأن هذا لازم لمعنى القبول، لا أنه مَعنَى القبول، والصواب أن القبول على ظاهر معناه على الوجه اللائق بالله ، كما يدلّ عليه قوله: "إلا أخذها الرحمن إلخ"، كما سيأتي بيانه قريبًا.
وقال القرطبيّ ﵀: وإنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدّق، وهو ممنوعٌ من التصرّف فيه، والتصدّق به تصرّف فيه، فلو قُبلت منه لزم أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتُحرَم الرّقّة، والإخلاص، فلا تقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يُقبل؛ لأنه ليس بطيّب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيّب بذاته. انتهى.
(إِلأ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بيَمِينِهِ) فيه إثبات اليمين لله ، على ما يليق بجلاله، وهذا المذهب الحقَّ الذي عليه سلف هذه الأمة، وسيأتي تمام الكلام عليه في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً) قال السنديّ ﵀: و"إن" وصليّةٌ؛ أي: ولو كانت الصدقة شيئًا حقيرًا. انتهى. (فَتَرْبُو) أي: تزيد تلك الصدقة (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) فيه إثبات الكفّ لله تعالى أيضًا على ما يليق بجلاله (حَتَّى تَكُونَ) تلك الصدقة القليلة (أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ) أي: في الثقل، وفي الرواية التالية: "حتى تكون مثل الجبل أوأعظم"، وفي رواية ابن جرير: "حتى يُوَافَى بها يوم
стр. 11281
القيامة، وهي أعظم من أحد"؛ يعني: التمرة، ولفظ الترمذيّ: "حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد"، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٤]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٤]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وفي رواية ابن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من كلام أبي هريرة، وزاد في رواية عبد الرزّاق: "فتصدّقوا".
قال الحافظ ﵀: والظاهر أن المراد بعِظَمها أن عينها تعظم لتَثقُلَ في الميزان، وَيحْتَمِل أن يكون ذلك مُعَبَّرًا به عن ثوابها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الصواب، وأما الثاني، فيُبعِده سياق الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ) هذا التشبيه متعلّق بمحذوف: أي: يربيها الرحمن تربية، مثلَ تربية أحدكم إلخ، ويدلّ عليه رواية الشيخين، وغيرهما بلفظ: "ثم يُرتيها لصاحبها، كما يربّي أحدكم إلخ" (فَلُوَّهُ) - بفتح الفاء، وضمّ اللام، وفتح الواو المشدّدة-: أي: مُهْرَهُ، وهو بضمّ، فسكون: وَلَدُ الفرس، حين يُفلَى؛ أي: يُفْطَم، وقيل: هو كلّ فَطِيم، من ذوات حافر، والجمع أفلاء، كعدُوّ وأعداء، والأنثى فَلُوّةٌ بالهاء، والْفِلْوُ وزان حِمْل لغة فيه، وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شدّدت الواو، وإذا كسرتها سكّنت اللام، كجِرْوٍ.
وقال الطيبيّ ﵀: وضَرَبَ المثل بالفُلُوّ الذي هو من كرائم النتاج، وأنه يُفتلى؛ أي: يُفطَم، وأنه أقبل للتربية من سائر النتاج؛ لأن الكسب الطيّب من أفضل أكساب الإنسان، وأنه أقبل للمزيد والمضاعفة، والخبيث الذي هو الحرام على عكسه، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]. انتهى (٢).
وقال في "المرعاة": وضرب المثلَ بالفُلُوّ؛ لأنه يزيد زيادة بيّنة، فإن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده، ويتولّى تربيته، ولأن الصدقة نتاج عمله،
стр. 11282
وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن القيام، والعناية به انتهى إلى حدّ الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لا سيّما الصدقة التي يُجاذبها الشحّ، ويتشبّث بها الهوى، ويقتفيها الرياء، ويكذرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى الله تعالى إلا موسومة بنقائص، لا يجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا تصدّق العبد من كسب طيّب، مستعدًّا للقبول، فُتِحَ دونها بابُ الرحمة، فلا يزال نظر الله يُكسبها نعت الكمال، ويوفيها حصّة الثواب حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبةُ بينه وبين ما قَدّم من العمل وقوعَ المناسبة بين التمرة والجبل، كذا قال التوربشتيّ (١).
(أَوْ فَصِيلَهُ") "أو" هنا للشكّ من الراوي، و"الفصيل"-بالفتح-: ولد الناقة، سُمّي به؛ لأنه يُفصَل عن أمّه، فهو فعيل بمعنى مفعول، والجمع فُصلان، بضمّ الفاء، وكسرها، وقد يُجمع على فِصال، بالكسر، قاله في "المصباح".
ووقع في الرواية التالية: "فَلُوّه، أو قَلُوصه"، وهي التاقة الفتيّة، وللترمذيّ: "فلوّه، أو مُهْره"، ولعبد الرزاق: "مُهره، أو فَصيله"، وفي رواية البزّار:، مهره، أو رَضيعه، أو فَصيله"، ولابن خزيمة: "فلوّه، أو قال: فصيله"، وهذا يشعر بأن "أو" للشكّ، أفاده في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٩/ ٢٣٤٢ و ٢٣٤٣ و ٢٣٤٤ و ٢٣٤٥] (١٠١٤)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٠)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٦١ و ٦٦٢)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٢٥)، وفي "الكبرى" (٢٣٠٤)، و (ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٤٢)، و"مالك" في "الموطّأ" (٢/ ٩٩٥) و (الشافعيّ) في "مسنده"
стр. 11283
(١/ ٢٢١ - ٢٢٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١١٥٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣١ و ٤١٨ و ٤٣١ و ٥٣٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٧٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٠)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٢٢٦)، (البيهقيّ) في "الكبرى" ٤/ ١٩٠ - ١٩١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٣١ و ١٦٣٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): بيان الحثّ على الصدقة من الطيّب، وهو الحلال؛ لأن الله تعالى طيّب، لا يتقبل إلا طيّبا.
٢ - (ومنها): إثبات الوصف لله تعالى بأنه طيّب، قال القرطبيّ ﵀: أي: منَزّه عن النقائص، والخبائث، فيكون بمعنى القدّوس، وقيل: طيّب الثناء، ومُستَلَذّ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا فطيّبٌ من أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنّة، كالجميل، والنظيف، على قول من رواه، ورآه. انتهى (١).
٣ - (ومنها): فضل الصدقة من المال الحلال، حيث إن الرحمن يتقبَّلها بقبول حسنٍ.
٤ - (ومنها): إثبات صفة القبول لله تعالى على ما يليق بجلاله سبحانه، ولا يقال: إنه بمعنى الرضا والمثوبة؛ لأن هذا تفسير باللازم، ولا حاجة إلى العدول إلى التأويل؛ إذ ليس نصّ يدلّ عليه، بل القبول على ظاهره، ولا يلزم من إثباته تشبيه بالمخلوق؛ إذ القبول الثابت له تعالى غير القبول الثابت للمخلوق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
٥ - (ومنها): إثبات صفة اليمين لله تعالى على ما يليق بجلاله أيضًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
٦ - (ومنها): إثبات الكفّ لله تعالى كذلك.
٧ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى للمتصدّق من مال طيّب، حيث يربّيها
стр. 11284
له حتى تكون التمرة الواحدة من عِظَمِها مثل الجبل، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في آيات الصفات، وأحاديثها:
(اعلم): أنّ الحق الذي دَرَجَ عليه الصحابة ﵃، والتابعون، ومن تبعهم بإحسان هو إثبات ما دلّت عليه آيات الصفات، وأحاديثها الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ على ظاهرها من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل ولا تأويل، بل على ما يليق بجلاله، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد أن أورد حديث الباب ما نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الربّ ﵎، كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويُؤمَن بها، ولا يُتَوَهَّم، ولا يقال: كيفَ. هكذا رُوي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا "كيف"، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنّة والجماعة.
وأما الجهميّة، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله تبارك تعالى في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهميّة هذه الآيات، وفسّروها على غير ما فسّر به أهلُ العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد القوّة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه؛ إذا قال: يدٌ كيدٍ، أو مثلُ يدٍ، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمعٌ كسمع، أو مثلُ سمعٍ، فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يدٌ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيفَ، ولا يقول: مثلُ سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] انتهى كلام الترمذيّ ﵀ (١)، وهو كلام منوَّر، وبحثٌ محرَّر.
стр. 11285
وأخرج الإمام البيهقيّ ﵀ في "السنن الكبرى" -بعد أن أخرج حديث: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا … " الحديث- عن الوليد بن مسلم، أنه قال: سُئل الأوزاعيّ، ومالكٌ، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيفيّة.
وأخرج أيضًا عن أبي داود الطيالسيّ، أنه قال: كان سفيان الثوري، وشعبة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وشريك، وأبو عوانة لا يَحِدُّون، ولا يُشبّهون، ولا يمثّلون، يَرْوُون الحديث، ولا يقولون: كيفَ، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر.
قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزنيّ، يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله ﷺ من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدّقه، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، والنزول، والمجيء صفتان منفيّتان عن الله تعالى من طريق الحركة، والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله تعالى، بلا تشبيه، جلّ الله تعالى عمّا تقول المعطّلة لصفاته، والمشبّهة بها علوًّا كبيرًا. انتهى كلام البيهقيّ ﵀ (١)، وهو كلام منقّح، وبحثٌ مصحَّح.
وقال الإمام المفسّر المحدّث البغويّ ﵀-في "شرح السنّة" بعد أن أخرج حديث النار، وفيه: "حتى يضع ربّ العزّة قدمه"، وفي لفظ: "رجله"، ما نصّه: قلت: والقدم، والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله المنزّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كلّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب والسنّة، كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها وأجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغٌ، والمنكر معطّلٌ، والمكيّفُ مشبِّهٌ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى كلام البغويّ ﵀ (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحرير أنيسٌ.
وقال الحافظ الذهبيّ-﵀ في كتابه العلوّ للعليّ الغفّار" بعد أن ذكر عدّة
стр. 11286
آيات من آيات الاستواء والعلوّ، ما نصّه: فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فَقِفْ مع نصوص القرآن والسنّة، ثم انظر ما قاله الصحابة، والتابعون، وأئمّة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف … إلى أن قال: فإننا على اعتقادٍ صحيحٍ، وعقدٍ متينٍ من أن الله تعالى، تقدّس اسمه، لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدّسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري، ونميّز ذاته المقدّسة عن الأشباه، من غير أن نعقل الماهيّة، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها، ونتعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نكيّفها، أو نمثّلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. انتهى المقصود من كلام الحافظ الذهبيّ ﵀ (١)، وهو بحث محرّر، وتحقيق محبّر.
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح": قال شهاب الدين السهرورديّ في كتاب العقيدة له: أخبر الله في كتابه، وثبت عن رسوله ﷺ الاستواء، والنزول، والنفس، واليد، والعين، فلا يُتصرّف فيها بتشبيه، ولا تعطيل؛ إذ لولا إخبار الله، ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى.
قال الطيبيّ: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح.
وقال غيره: لم ينقل عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، ولا المنع من ذكره، ومن المحال أن يأمر الله نبيّه ﷺ بتبليغ ما أُنزل إليه من ربّه، ويُنْزِل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم يترك هذا الباب، فلا يميّز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز، مع حضّه على التبليغ عنه بقوله: "ليبلّغ الشاهد الغائب"، حتى نقلوا أقواله، وأفعاله، وأحواله، وصفاته، وما فُعل بحضرته، فدلّ على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده الله منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم، فقد خالف سبيلهم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى ما ذكره الحافظ في "الفتح" (٢)، وهو كلام في غاية
стр. 11287
التحقيق، والإنصاف، ولا تلتفت إلى ما سواه من التأويل والانحراف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من نصوص هؤلاء الأئمة الأعلام أن الحقّ هو إثبات صفات الله على ما جاءت به نصوص الكتاب، والسنّة الصحيحة، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله ، وهذا هو الذي أجمع عليه السلف، ومن سار على طريقتهم، وسلك سبيلهم، من أهل العلم بالكتاب والسنّة.
وأما ما نقله في "الفتح" عن المازريّ، والقاضي عياض، والزين ابن المنيّر، وغيرهم من تأويلهم حديث الباب بالتأويلات التي ياباها ظاهر النصّ، وتخالف ما كان عليه السلف، مما تقدم من إثباتهم الصفات كما وردت على المعنى اللائق به ، وعدم الخوض بالتأويل فأقوال لا يلتفت إليها؛ لكونها مما أحدثه المتأخّرون، مخالفين لهدي سلفهم الذي هو الحقّ الحقيق بالقبول والاتباع ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، ولقد أحسن من قال:
وَكُلُّ خَيْبرٍ فِي اتِّبَاع مَنْ سَلَفْ … وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهمّ أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهمّ فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم آمين، آمين، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ (١)، مِنْ كَسْب طيِّبٍ، إِلَّا أَخَذَهَا اللهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ قَلُوصَهُ، حَتَّى تكُون مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ أَعْظَمَ").
هذا الإسناد بعينه تقدّم في الباب الماضي.
стр. 11288
وقوله: (أَوْ قَلُوصهُ) "أو" للشكّ من الراوي، و"الْقَلُوصُ" بفتح اللام، وضمّ اللام، وهي الناقة الْفَييّة، ولا يُطلق على الذكر، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: القَلُوص من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، وهي الشابّة، والجمع قُلُصٌ بضمّتين، وقِلَاصٌ بالكسر، وقَلَائِصُ. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٤] ( … ) - (وحَدَّثَنِي أمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثنَا يَزِيدُ، يَعْنى ابْنَ زُريعٍ، حَدَّثنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ (ح) وَحَدّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَوْديُّ، حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدّثَنى سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، فِي حَدِيثِ رَوْحٍ: "مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، فَيَضَعُهَا: في حقِّهَا"، وَفي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: "فَيَضَعُهَا: في مَوْضِعِهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ العَنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٤ - (أَحْمَدُ بنُ عُثْمَانَ الْأَوْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [١١]. روى عن أبيه وعمّه علي بن حكيم، وخالد بن مخلد، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، والمصنف، والنسائي، وابن ماجه وأبو حاتم، وابن خزيمة في "صحيحه".
قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: كان ثقة عدلًا. وقال العقيلي والبزار: ثقة.
стр. 11289
قال مطيّن وغيره: مات في المحرم سنة (٢٦١)، وقيل غير ذلك.
٥ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الهيثم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
و"سهيلٌ" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية رَوْحِ بن القاسم، عن سُهيل هذه ساقها أبو نعيم ﵀: في "مستخرجه" (٣/ ٩٠) فقال:
(٢٢٦٩) - وثناه محمد بن إسحاق، ثنا الحسين بن محمد الحرانيّ، ثنا الحسين بن يحيى الأرزيّ، ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا روح بن القاسم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إن العبد لا يتصدق بالتمرة من الكسب الطيب، فيضعها في حقها، فيقبلها الله بيمينه، ثم لا يبرح يربيها أحسن ما ربى أحدكم فَلُوّه، حتى يكون مثل الجبل العظيم".
وأما رواية سليمان بن بلال، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أبو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ، عَنْ سُهَيْلٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ المدنيّ، صدوق له أوهام، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٣.
٤ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
стр. 11290
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٩١) فقال:
(٢٢٧١) - حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أحمد بن عيسى، ثنا ابن وهب، ثنا هشام بن سعد، حدّثني زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن كريب، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا أحمد بن سعيد، ثنا ابن وهب، أنبأ هشام بن سعد، حدّثني زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ما يَصَّدَّق أحد بصدقة، من كسب طيب، إلا يقبلها الله منه بيمينه، فَغَذَاها كما يَغْذُو أحدكم فَلوّه، أو فَصِيله، حتى تكون التمرة مثل الجبل". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٦] (١٠١٥) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كرَيْبٍ محَمَّد بْن الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبو أسَامَةَ، حَدَّثنا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزوقٍ، حَدَّثَني عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ، لَا يَقْبَلُ (١) إِلَّا طَيبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ، أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ) الأغرّ الرّقَاشيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٧] مات في حدود (١٦٠) (ي م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٦/ ١٤٣٠.
стр. 11291
٢ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٤] (١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"أبو أسامة": هو حماد بن أسامة، وأبو حازم: هو سلمان الأشجعيّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى فُضيل بن مرزوق، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، إلا الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أيُّهَا) بحذف حرف النداء؛ أي: يا أيها (النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ) أي: منزه عن النقائص والعيوب، ومُتَّصِفٌ بالكمالات من النعوت.
وقال الإمام ابن رجب ﵀: قوله ﷺ : "إن الله طيِّبٌ" هذا قد جاء أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إن الله طيّب يحب الطيب، نظيفٌ يحب النظافة، جوادٌ يحبّ الجود"، أخرجه الترمذيّ، وفي إسناده مقال (١)، والطيِّب هنا معناه: الطاهر، والمعنى أن الله مُقَدَّسٌ منزهٌ عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الآية [النور: ٢٦]، والمراد المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها. انتهى (٢).
стр. 11292
(لَا يَقْبَلُ) وفي نسخة: "ولا يقبل" بواو العطف (إِلَّا طَيِّبًا) أي: لا يقبل من الصدقات ونحوها من الأعمال إلا طيبًا أي: منزهًا عن العيوب الشرعية، والأغراض الفاسدة في النيّة.
قال القاضي البيضاويّ ﵀: الطيِّب ضد الخبيث، فإذا وُصف به الله تعالى أُريد به أنه مُنَزَّه عن النقائص، مُقَدَّس عن الآفات والعيوب، وإذا وُصف به العبد مطلقًا أُريد به أنه المتَعَرِّي عن رذائل الأخلاق، وقبائح الأعمال، والمتحلِّي بأضداد ذلك، وإذا وُصف به الأموال أُريد به كونه حلالًا، من خيار الأموال.
ومعنى الحديث أنه تعالى مُنَزَّه عن العيوب، فلا يَقْبَل، ولا ينبغي أن يُتَقَرَّب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم الحلال، كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٢]. انتهى (١).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: قوله: "لا يقبل إلا طيبًا" قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظه: "لا يتصدق أحدٌ بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبًا"، متّفقٌ عليه، والمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبًا حلالًا.
وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: "لا يقبل إلا طيبًا" أعمّ من ذلك، وهو أنه لا يَقْبَل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلها، كالرياء، والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا، فإن الطيب يوصف به الأعمال، والأقوال، والاعتقادات، وكل هذه تنقسم إلى طيب وخبيث.
وقد قيل: إنه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٠]، هذا كله، وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤]، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقال تعالى:
стр. 11293
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الآية [فاطر: ١٠]، ووصف الرسول ﷺ بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث.
وقد قيل: إنه يدخل في ذلك الأقوال، والأعمال، والاعتقادات أيضًا، ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب، بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ الآية [النحل: ٣٢]، وإن الملائكة تقول عند الموت: "اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب"، وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم الجنة، يقولون لهم: ﴿طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقد ورد في الحديث أن المؤمن إذا زار أخاه في الله، تقول له الملائكة: "طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا" (١). فالمؤمن كله طيّبٌ، قلبه، ولسانه، وجسده، بما يسكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه، فهذه الطيبات كلها يقبلها الله .
ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمال للمؤمن طِيبُ مطعمه، وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عمله.
قال: وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنه لا يُقبَلُ العملُ، ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله، فإنه قال بعد تقريره: "إن الله لا يقبل إلا طيبًا": "وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الآية [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢] ".
والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما كان الأكل حلالًا، فالعمل الصالح مقبول، فإذا كان الأكل غير حلال، فكيف يكون العمل مقبولًا؟ وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع
стр. 11294
التغذية بالحرام. انتهى (١).
(وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ) "ما" موصولة، والمراد بها أكل الحلال، وتحسين الأموال (فَقَالَ) ابتداءً بما خَتَمَ به؛ رعايةً لتقديم المرسلين، وتقدمهم على المؤمنين وجودًا ورتبةً ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]) قال القاري ﵀: هذا النداء خطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا بذلك دَفْعَةً واحدةً؛ لأنهم أُرسلوا في أزمنة مختلفة، على أن كلًّا منهم خوطب به في زمانه، ويمكن أن يكون هذا النداء يوم الميثاق؛ لخصوص الأنبياء، أو باعتبار أنه تعالى ليس عنده صباح ولا مساء، وفيه تنبيهٌ نبيهٌ على أن إباحة الطيبات شرع قديم، واعتراض على الرّهبانية في رفضهم اللذات، وإماءٌ إلى أن أكل الطيب مُورث للعمل الصالح، وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى. انتهى (٢).
(وَقَالَ) (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا﴾) الأمر للإباحة، أو للوجوب، كما لوأشرف على الهلاك، أو للندب، كموافقة الضيف، والاستعانة به على الطاعة (﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾) أي: حلالاته، أو مستلذاته، وتتمته: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
وفيه إشارة إلى أن الله تعالى خَلَق الأشياء كلها لعبيده، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وأنه خلق عبيدة لمعرفته وعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧].
(ثُمَّ ذَكَرَ) النبيّ ﷺ (الرَّجُلَ) بالنصب على المفعولية، قال القاريّ ﵀: وفي نسخة (٣) بالرفع على أنه مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة في محل النصب على المفعولية.
قال الطيبيّ ﵀: قوله: "ثم ذَكَرَ الرجلَ" يريد الراوي أن رسول الله ﷺ عَقَّب كلامه بذكر الرجل الموصوف؛ استبعادًا أن الله تعالى يقبل دعاء آكل
стр. 11295
الحرام؛ لبغضه الحرام، وبُعد مناسبته عن جنابه الأقدس، فأوقع فعله على "الرجل" ونصبه، ولو حَكَى لفظ الرسول ﷺ رفع "الرجل" بالابتداء والخبرُ "يُطِيل"، ونحوه أنشد في "الكشّاف":
وَجَدْنَا فِي كِتَابِ بَنِي تَمِيمٍ … أَحَقَّ الْخَيْلِ بِالرَّكْضِ الْمُعَارِ
فإن قوله: "أحقَّ الخيل" إن رُفِع كان على الحكاية، وإن نُصب كان مفعولًا لـ "وَجَدَ".
قال: وقوله: "أشعث، وأغبر" حالان مترادفان من فاعل "يَمُدّ" أي: يمد يديه قائلًا: يا رب، وقوله: "ومطعمه، ومشربه، وملبسه، وغُذِي" حال من فاعل "قائلًا"، وكلُّ هذه الحالات دالّة على غاية استحقاق الداعي للإجابة، ودلّت تلك الخيبة على أن الصارف قويّ، والحاجز مانع شديدٌ. انتهى (١).
وتعقّبه القاري في قوله: "وكل هذه الحالات … إلخ " بأنه توسع؛ لخروج مطعمه إلخ، فإنها حالات دالة على استحقاق الداعي عدم الإجابة، كما قال: "فَأنَّى يُستجاب له" (٢).
(يُطِيلُ السَّفَرَ) أي: زمانه، ويُكثر مباشرته، في العبادات، كالحجّ، والعمرة، والجهاد، وتعلم العلم، وسائر وجوه الخيرات.
فجملة: "يُطيل السفر" محلها نصب صفة لـ "الرجل"؛ لأن المعرّف بـ "أل" الجنسيّة بمنزلة النكرة، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وكقوله [من الوافر]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقوله: (أَشْعَثَ أَغْبَرَ) حالان متداخلان، أو مترادفان من فاعل "يُطيل"، وما يتلوهما من الأحوال كلّها متداخلات، فقوله: (يَمُدُّ) بفتح أوله، وضم ثالثه، من المذ ثلاثيًّا حال من ضمير "أشعث" (يَدَيْهِ) أي: حال كونه مادًّا يديه، رافعًا لهما (إِلَى السَّمَاءِ) وقوله: (يَا رَبِّ، يَا رَبِّ) مكرّرًا، حال من فاعل "يمُدّ"؛ أي: يمُدّ يديه قائلًا: يا ربّ يا ربّ.
стр. 11296
وفيه إشارة إلى أن الدعاء بلفظ الرب مؤثِّر في الإجابة؛ لإيذانه بالاعتراف بأن وجوده فائض عن تربيته، وإحسانه، وجوده، وامتنانه ولذا حُكي عن بعضهم أنه قال: مَن حَزَبَهُ أمر، فقال خمس مرات: ربنا، نجّاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد؛ لأن الله تعالى حَكَى في "آل عمران" عن أولي الألباب أنهم قالوا: ربنا خمس مرَّات، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٥] (١).
(وَمَطْعَمُهُ) مصدر ميميّ بمعنى مفعول، أو اسم مكان، أو زمان طعامه، وهو مبتدأ خبره قوله: (حَرَامٌ) والجملة حالٌ من فاعل "قائلًا"، وكذا قوله: (وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ) -بضم الغين، وكسر الذال المعجمة المخففة- كذا ضبطه النوويّ ﵀، قال القاري ﵀: وفي نسخ "المصابيح" وقعت مُقَيَّدةً بالتشديد، كذا ذكره الطيبيّ ﵀، وهو كذلك في بعض نسخ "المشكاة".
والمعنى رُبِّي بالحرام؛ أي: من صغره إلى كبره، قال الأشرف ﵀: ذكر قوله: "وغُذِيَ بالحرام" بعد قوله: "ومطعمه حرام"، إما لأنه لا يلزم من كون المطعم حرامًا التغذية به، وإما تنبيهًا به على استواء حالتيه، أعني كونه منفِقًا في حال كبره، ومنفَقًا عليه في حال صغره، في وصول الحرام إلى باطنه، فأشار بقوله: "ومطعمه حرام" إلى حال كبره، وبقوله: "وغُذِي بالحرام" إلى حال صغره، وهذا دالّ على أن لا ترتيب في الواو.
وذهب المظهر ﵀ إلى الوجه الثاني، ورجح الطيبيّ ﵀ الوجه الأوّل، قال القاري: ولا مانع من الجمع، فيكون إشارةً إلى أن عدم إجابة الدعوة إنما هو لكونه مُصِرًّا على تلبّس الحرام، والله تعالى أعلم.
(فَأنَّى) أي: فكيف، أو فمن أين (يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ") والاستفهام لاستبعاد
الاستجابة، قال الطيبيّ ﵀: قوله: "لذلك" يحتمل أن تكون الإشارة إلى
الرجل، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٤]، والمعنى كيف
يستجاب لذلك الرجل المتلبّس بتلك المحرّمات؟ ويحتَمِل أن تكون إلى كون
стр. 11297
مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه حرامًا، والمعنى أنى يُستجاب له لما ذُكر من تلبّسه بالمحرّمات.
وقال الأشرف ﵀: وفيه إيذان بأن حِلّ المطعم والمشرب مما تتوقف عليه إجابة الدعاء، ولذا قيل: إن للدعاء جناحين: أكل الحلال، وصدق المقال (١).
وقال ابن رجب ﵀: معنى "فأَنَّى يُستجاب لذلك": كيف يستجاب له؟ فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية (٢).
وقال التوربشتيّ ﵀: أراد بالرجل الحاجّ الذي أثّر فيه السفر، وأخذ منه الجهد، وأصابه الشعث، وعلاه الغبرة، فطَفِقَ يدعو الله على هذه الحالة، وعنده أنهما من مظانّ الإجابة، فلا يستجاب له، ولا يعبأ ببؤسه وشَقَائه؛ لأنه متلبِّس بالحرام، صارف النفقة من غير حلها.
قال الطيبيّ ﵀: فإذا كان حال الحاجّ الذي هو في سبيل الله هذا، فما بال غيره؟ وفي معناه أمر المجاهد في سبيل الله؛ لقوله ﷺ : "طوبى لعبد أخذ بعِنَان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه". انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
[تنبيه] هذا الحديث صحيح، كما هو صنيع المصنّف ﵀، ورجاله ثقات، رجال الشيخين، غير فضيل بن مرزوق، فإنه من رجال مسلم، والأكثرون على توثيقه، فقد وثّقه سفيان الثوريّ، وابن معين، في أصحّ الروايات عنه، والعجليّ، ويعقوب بن سُفيان، وابن خراش، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيرًا، وقال البخاريّ: مقارب الحديث، ووثّقه مسلم، حيث احتجّ به
стр. 11298
في "صحيحه"، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال ابن رجب: وفضيل بن مرزوق ثقةٌ وسطٌ، خرَّج له مسلم دون البخاريّ (١).
وإنما ضعّفه النسائيّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وفي "المجروحين"، وقال أبو حاتم: صدوقٌ صالح الحديث يَهِمُ كثيرًا، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأكثرين على توثيق فضيل بن مرزوق، ومن أغرب ما يُرى أن بعض من كتب في هامش "صحيح مسلم" (٢) أشار إلى الطعن في صحّة هذا الحديث، حيث قال: أخرجه مسلم، والبخاريّ في "جزء رفع اليدين"، والترمذيّ، وأحمد، من طريق فُضيل بن مرزوق، وهو ضعيف، ثم ذكر قول من ضعّفه، فقط، ولم يذكر أحدًا ممن وثّقه، وهذا عجيب، وجراءة على "صحيح مسلم".
والحقّ أن الحديث صحيحٌ، كما هو رأي المصنّف؛ لأن الأكثرين على توثيق فضيل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٣٤٦] (١٠١٥)، و (البخاريّ) في "جزء رفع اليدين" (٩١)، و (الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٨٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥/ ٢٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢٨)، و (إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٤١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان قبول الصدقة من الكسب الطيّب.
٢ - (ومنها): بيان الحثّ على كسب الحلال، واجتناب الحرام.
٣ - (ومنها): بيان أن الصدقة من المال الحرام غير مقبولة، وكذا الصلاة في الثوب المغصوب أو المسروق، والحجّ بالمال الحرام، وغير ذلك من
стр. 11299
العبادات التي تؤدّى بالمال الحرام، وسيأتي تفصيل ذلك في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
٤ - (ومنها): بيان أنه لا يُقبل العمل، ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله.
٥ - (ومنها): بيان أن الله تعالى فضّل المؤمنين، ورفع قدرهم حيث خاطبهم بما خاطب به المرسلين، وأمرهم بما أمرهم به، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ الآية [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
٦ - (ومنها): بيان أن الدعاء محجوب عمن يأكل الحرام.
٧ - (ومنها): الإشارة إلى أهمّ آداب الدعاء، حيث قال: "ثم ذكر الرجل يطيل السفر إلخ" على ما يأتي بيانه في المسألة السادسة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الحجّ بالمال الحرام، وكذا الصلاة، والصدقة، ونحوها:
قال الإمام ابن رجب ﵀: قد اختَلَف العلماء في حَجّ مَن حج بمال حرام، ومن صلى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرض الصلاة والحج بذلك؟ وفيه عن الإمام أحمد ﵀ روايتان، وهذه الأحاديث المذكورة تدلّ على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يراد به الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة، والمباهاة به، وقد يراد به حصول الثواب، والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة، فإن كان المراد هاهنا القبول بالمعنى الأول، أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة، كما ورد أنه لا تُقْبَل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخطٌ، ولا من أتى كاهنًا، ولا من شرب خمرًا أربعين يومًا، والمراد -والله أعلم- نفي القبول بالمعنى الأول، أو الثاني، وهو المراد -والله أعلم- من قوله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم، فخافوا أن لا يكونوا من المتقين الذين يتقبل الله منهم.
стр. 11300
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "نفي القبول إلخ" وعندي أن نفي القبول بمعنى سقوط الفرض هو الأقرب؛ لأنه الموافق لظواهر النصوص، ولا يعدل عن ظواهرها إلا لدليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: وسئل أحمد عن معنى ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ فيها، فقال: يتقي الأشياء فلا يقع فيما لا يحل.
وقال أبو عبد الله النباجيّ الزاهد ﵀: خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله ، ومعرفة الحقّ، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل، وذلك إذا عرفت الله ، ولم تعرف الحقّ لم تنتفع، وإذا عرفت الحقّ ولم تعرف الله لم تنتفع، وإن عرفت الله وعرفت الحقّ، ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت الله، وعرفت الحقّ، وأخلصت العمل، ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمّت الأربع، ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع (١).
وقال وهب بن الورد: لو قمت مقام هذه السارية، لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك، حلال أم حرام؟ (٢).
وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة، كما في "صحيح مسلم" عن ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ : "لا يقبل الله صلاةً بغير طُهُور، ولا صدقةً من غُلول"، وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "ما تصدق عبد بصدقة من مال طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه … "، وذكر الحديث.
وفي "مسند الإمام أحمد" ﵀ عن ابن مسعود ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "لا يكتسب عبد مالًا من حرام، فينفق منه، فيبارَك فيه، ولا يتصدق به فيتقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" (٣).
ويروى من حديث دَرّاج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة ﵁، عن
стр. 11301
النبيّ ﷺ قال: "من كسب مالًا حرامًا، فتصدق به، لم يكن له فيه أجرٌ، وكان إصرُهُ عليه"، خرَّجه ابن حبان في "صحيحه" (١)، ورواه بعضهم موقوفًا على أبي هريرة ﵁.
وفي مراسيل القاسم بن مُخَيمرة، قال رسول الله ﷺ : "من أصاب مالًا من مأثم، فوصل به رحمه، وتصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعًا، ثم قذف به في نار جهنم".
ورُوي عن أبي الدرداء، ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مَثَلَ من أصاب مالًا من غير حِلِّه، فتصدق به مثلَ من أخذ مال يتيم، وكسا به أرملةً.
وسئل ابن عباس ﵄ عمن كان على عمل، فكان يظلم، ويأخذ الحرام، ثم تاب، فهو يحجّ، وُيعتق، ويتصدق منه، فقال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث، وكذا قال ابن مسعود ﵁: إن الخبيث لا يكفر الخبيث، ولكن الطيب يكفر الخبيث، وقال الحسن: أيها المتصدق على المسكين ترحمه ارحم من قد ظلمت. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم وأدلّتهم أن الطاعة التي أدّيت بمال الحرام لا تُقبل، وأن الذي يظهر ترجيح القول بأنها لا تُسقط الفرض؛ لظواهر النصوص، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم فيمن تصدّق بالمال الحرام:
قال الإمام ابن رجب ﵀: (اعلم): أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:
[أحدهما]: أن يتصدق به الخائن، أو الغاصب، ونحوهما عن نفسه، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه؛ يعني: أنه لا يؤجر عليه، بل يأثم بتصرفاته في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصل للمالك بذلك أجر؛ لعدم قصده ونيّته، كذا قال جماعة من العلماء، منهم ابن عقيل من الحنابلة.
وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي، أنه سأل
стр. 11302
سعيد بن المسيب، قال: وجدت لقطة، أفأتصدق بها؟ قال: لا تؤجر أنت، ولا صاحبها، ولعل مراده إذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب.
ولوأخذ السلطان، أو بعض نوابه من بيت المال مالًا يستحقه، فتصدق منه، أو أعتق، أو بنى به مسجدًا، أو غيره، مما ينتفع به الناس، فالمنقول عن ابن عمر ﵄ أنه كالغاصب؛ إذا تصدق بما غصبه، كذلك قال لعبد الله بن عامر أمير البصرة، وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته، وهم يُثنون عليه ببره وإحسانه، وابن عمر ساكت، فطلب منه أن يتكلم، فروى له حديث: "لا يقبل الله صدقة من غُلُول"، ثم قال له: وكنت على البصرة.
وقال أسد بن موسى في "كتاب الورع": حدثنا الفضيل بن عياض، عن منصور، عن تميم بن سلمة، قال: قال ابن عامر لعبد الله بن عمر: أرأيت هذا العقاب التي نُسَهِّلها، والعيون التي نُفَجِّرها، ألنا فيها أجر؟ فقال ابن عمر: أما علمتَ أن خبيثًا لا يكفر خبيثًا قط.
حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بن مِهْران، قال: قال ابن عمر لابن عامر، وقد سأله عن العتق، فقال: مَثَلُك مَثَلُ رجل سَرَق إبل حاجّ، ثم جاهد بها في سبيل الله، فانظر هل يقبل منه؟.
وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع، كطاوس، ووهيب بن الورد يَتَوَقَّون الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك.
وأما الإمام أحمد ﵀ فإنه رَخّص فيما فعلوه من المنافع العامة، كالمساجد، والقناطر، والمصانع، فإن هذه يُنفَق عليها من مال الفيء، اللهم إلا أن يُتَيَقَّن أنهم فعلوا أشياء من ذلك بمال حرام، كالمكوس، والغصوب، ونحوهما، فحينئذ يُتَوَقَّى الانتفاع بما عُمِل بالمال الحرام، ولعل ابن عمر ﵄ إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال لأنفسهم، ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ذلك فهو صدقة منهم، فإن هذا شبيه بالمغصوب، وعلى مثل هذا يُحْمَل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد.
قال أبو الفرج ابن الجوزيّ ﵀: رأيت بعض المتقدمين يسأل عمن كَسَبَ حلالًا أو حرامًا من السلاطين والأمراء، ثم بَنَى الأربطة والمساجد، هل له ثواب؟ فأفتى بما يوجب طيب قلب المنفق، وأن له في إيقاف ما لا يملكه
стр. 11303
نوع سَمْسَرَة؛ لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين، فيردَّ عليهم، قال: فقلت: واعجبًا من متصدرين للفتوى، لا يعرفون أصول الشريعة، ينبغي أن يُنْظَر في حال هذا المنفق أوّلًا، فإن كان سلطانًا، فما يخرج من بيت المال فقد عُرِفت وجوه مصارفه، فكيف يَمنع مستحقيه، ويَشغله بما لا يفيد، من بناء مدرسة، أو رباط؟، وإن كان من الأمراء، أو نواب السلاطين، فيجب أن يَرُدّ ما يجب رده إلى بيت المال، وإن كان حرامًا، أو غصبًا، فكل تصرّف فيه حرام، والواجب ردُّه على من أُخذ منه، أو ورثته، فإن لم يُعْرَف رَدّه إلى بيت المال، يُصْرَف في المصالح، أو في الصدقة، ولم يَحْظَ آخذه بغير الإثم. انتهى.
وإنما كلامه في السلاطين الذين عهِدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم، ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملّاك ببناء ما يبنونه إليهم من المدارس، والأربطة، ونحوهما، مما قد لا يحتاج إليه، ويَخصّ به قومًا دون قوم، فأما لو فُرض إمام عادل، يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني لهم ما يَحتاجون إليه من مسجد، أو مدرسة، أو مارستان، ونحو ذلك، كان ذلك جائزًا، فلو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بَنَى بما أخذ منه بناءً محتاجًا إليه في حال، فيجوز البناء فيه من بيت المال، لكنه ينسبه إلى نفسه، فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا ردّ المال إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة، هل يبرأ بذلك أم لا؟.
وهذا كله إذا بنى على قدر الحاجة، من غير سرف، ولا زخرفة، وقد أمر عمر بن عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من بيت المال، ونهاهم أن يتجاوزوا ما تصدَّع منه، وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقًّا.
ورُوي عنه أنه قال: لا حاجة للمسلمين فيما أضرّ ببيت مالهم.
(واعلم): أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفًا على إجازة مالكه، فإن أجاز تصرفه فيه جاز، وقد حَكَى بعض أصحاب أحمد ﵀ عنه أن من أخرج زكاته من مال مغصوب، ثم أجازه المالك جاز، وسقطت عنه الزكاة، وكذلك خرَّج ابن أبي الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبدَ غيره عن نفسه ملتزمًا ضمانه في ماله، ثم أجازه المالك جاز، ونفذ عتقه، وهو خلاف نّصّ أحمد.
стр. 11304
وحُكِي عن الحنفية أنه لو غصب شاةً، فذبحها لمتعته وقرانه، ثم أجازه المالك أجزأت عنه.
[الوجه الثاني] من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق به عن صاحبه؛ إذا عجز عن ردّه إليه، وإلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء، منهم: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم.
قال ابن عبد البرّ: ذهب الزهريّ، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، إلى أن الغالّ إذا تفرق أهل العسكر، ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خُمُسهُ، ويتصدق بالباقي، رُوي ذلك عن عبادة بن الصامت، ومعاوية، والحسن البصريّ، وهو يُشبه مذهب ابن مسعود، وابن عباس ﵄ أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يَعْرِف صاحبه، قال: قد أجمعوا في اللُّقَطَة على جواز الصدقة بها بعد التعريف، وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيَّرًا بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب. انتهى.
ورُوي عن مالك بن دينار، قال: سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام، ولا يَعْرِف أربابه، ويريد الخروج منه، قال: يتصدق به، ولا أقول: إن ذلك يجزي عنه، قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحب إليّ من وزنة ذهب.
وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يردُّه إليهم، فإن لم يقدر عليهم يتصدق به كفه، ولا يأخذ رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئًا ممن تكره معاملته لشبهة ماله، قال: يتصدق بالثمن، وخالفه ابن المبارك، وقال: يتصدق بالربح خاصّة، وقال أحمد: يتصدق بالربح، وكذا قال فيمن ورث مالًا من أبيه، وكان أبوه يبيع ممن يكره معاملته، أنه يتصدق منه بمقدار الربح، ويأخذ الباقي.
وقد رُوِي عن طائفة من الصحابة ﵃ نحو ذلك، منهم: عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن يزيد الأنصاريّ ﵁، والمشهور عن الشافعيّ ﵁ في الأموال الحرام أنها تُحْفَظ، ولا يُتَصَدَّق بها حتى يظهر مستحقها، وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يُعرَف أربابه أنه يُتلفه، ويُلقيه في البحر، ولا يَتصدق به، وقال: لا يُتقرَّب إلى الله إلا بالطيب، والصحيح
стр. 11305
الصدقة به؛ لأن إتلاف المال وإضاعته منهيّ عنه، وإرصاده أبدًا تعريض له للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقةُ به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربًا منه بالخبيث، وإنما هي صدقة عن مالكه؛ ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال أهل العلم وأدلّتهم أن الأرجح قول من قال: إن من كان عنده مالٌ حرام، ولم يعرف مالكه، ولا ورثته يتصدّق به عنه؛ تخلّصًا منه، لا طمعًا في ثوابه، ولا يتركه عنده حتى يَتلَف، ويفسُد؛ لأن الله تعالى نهَى عن إضاعة المال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قوله: "ثم ذَكَرَ الرجل، يُطيل السفرَ، أشعث، أغبر، يَمُدّ يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأَنَّى يُستجاب لذلك؟ ".
قال الإمام ابن رجب ﵀: هذا الكلام أشار فيه ﷺ إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته، وإلى ما يَمنَع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعةً:
[أحدها]: إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء، كما في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "ثلاثُ دعوات مستجابات، لا شك فيهنّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده"، خرّجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذيّ (٢)، وعنده: "دعوة الوالد على ولده"، ورُوي مثله عن ابن مسعود ﵁ من قوله.
ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل المشاقّ، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
стр. 11306
[والثاني]: حصول التبذّل في اللباس، والهيئة، بالشعث والإغبار، وهو أيضًا من المقتضيات لإجابة الدعاء، كما في الحديث المشهور، عن النبيّ ﷺ "رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمْرين، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه" (١).
ولما خرج النبيّ ﷺ للاستسقاء خرج متبذّلًا متواضعًا متضرّعًا (٢)، وكان مطرِّف بن عبد الله قد حُبس له ابن أخ فلبس خُلْقان ثيابه، وأخذ عُكّازًا بيده، فقيل له: ما هذا؟ قال: أَستكين لربي، لعله أن يُشَفِّعني في ابن أخي.
[الثالث]: مَدُّ يديه إلى السماء، وهو من آداب الدعاء التي يُرْجَى بسببها إجابته، وفي حديث سلمان ﵁، عن النبيّ ﷺ : "إن الله تعالى حَييٌّ كَرِيم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفْرًا خائبتين"، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه (٣)، وروي نحوه من حديث أنس، وجابر، وغيرهما.
وكان النبيّ ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء، حتى يُرَى بياض إبطيه (٤)، ورفع يديه يوم بدر، يستنصر الله على المشركين، حتى سقط رداؤه عن منكبيه (٥).
وقد رُوي عن النبيّ ﷺ في صفة رفع يديه في الدعاء أنواعٌ متعددةٌ، فمنها أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر (٦)، وفَعَله لَمّا رَكِب راحلته (٧).
وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه، منهم الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق ابن راهويه، وقال
стр. 11307
ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء، وقال ابن سيرين: إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة.
ومنها أنه عفيم رفع يديه، وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة، وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه، وقد رُويت هذه الصفة عن النبيّ ﷺ في عاء الاستسقاء (١)، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة، منهم الجوزجانيّ، وقال بعض السلف: الرفع على هذا الوجه تضرُّع.
ومنها: عكس ذلك، وقد رُوي عن النبيّ ﷺ في الاستسقاء أيضًا (٢)، وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارة بالله، واستعاذة به، منهم ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة ﵃.
ورُوي عن النبيّ ﷺ أنه كان إذا استعاذ رفع يديه على هذا الوجه (٣).
ومنها: رفع يديه، وجعل كفيه إلى السماء، وظهورهما إلى الأرض، وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله في غير حديثٍ، وعن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن سيرين، أن هذا هو الدعاء، والسؤال لله .
ومنها: عكس ذلك، وهو قَلْبُ كفيه، وجَعْلُ ظهورهما إلى السماء، وبطونهما إلى ما يلي الأرض، وفي "صحيح مسلم" عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء"، وخرّجه الإمام أحمد ﵀، ولفظه: "فبسط يديه، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء"، وخرّجه أبو داود، ولفظه: "استسقى هكذا" يعني: النبيّ ﷺ مَدّ يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض.
وخرّج الإمام أحمد، من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: كان
стр. 11308
النبيّ ﷺ واقفًا بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال ثُنْدويه (١)، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض، وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبيّ ﵃ يديه بعرفة، وروي عن ابن سيرين أن هذا هو الاستجارة، وقال الحميديّ: هذا هو الابتهال.
[والرابع]: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يُطلب به إجابة الدعاء، وخرّج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين ﵄ مرفوعًا: "إذا قال العبد يا رب أربعًا، قال الله: لبيك عبدي سل تعطه" (٢).
وخرّج الطبرانيّ وغيره من حديث سعد بن خارجة: أن قومًا شكوا إلى النبيّ ﷺ قُحُوط المطر، فقال: "اجثُوا على الرُّكَب، وقولوا: يا رب يا رب، وارفعوا السبابة إلى السماء"، فسُقُوا حتى أحبوا أن يُكْشَف عنهم (٣).
وفي "المسند" وغيره عن الفضل بن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "الصلاة مثنى مثنى، وتَشَهَّدُ في كل ركعتين، وتَضَرَّع، وتَخشع، وتمسكن، وتُقْنِع يديك -يقول: ترفعهما- إلى ربك، مستقبلًا بهما وجهك، وتقول: يا رب يا رب، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج" (٤).
وقال يزيد الرَّقَاشيّ، عن أنس، مرفوعًا: "ما من عبد يقول: يا رب يا رب يا رب، إلا قال له ربه: لبيك لبيك".
ورُوي عن أبي الدرداء، وابن عباس ﵄ كانا يقولان: اسم الله الأكبر: رب رب.
وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا رب يا رب ثلاث مرات، إلا نظر الله إليه، فذُكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
стр. 11309
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٥]
ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبًا تُفتتح باسم الرب، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، ومثل هذا في القرآن كثير.
وسئل مالك، وسفيان عمن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقال: ألا يقول: يا رب، زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.
وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار ﷺ إلى أنه التوسع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذيةً، وفي حديث ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال لسعد: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" (١).
فأكلُ الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء.
وروى عكرمة بن عمار، حدثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: ما رفعت إلى فمي لقمة، إلا وأنا عالم من أين مجيئها؟ ومن أين خرجت؟.
وعن وهب بن منبه قال: من سره أن يستجيب الله دعوته، فليطيب
стр. 11310
طعمته، وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحًا أجيبت دعوته، وعن يوسف بن أسباط قال: بلغنا أن دعاء العبد يُحبَس عن السماوات بسوء المطعم.
وقوله ﷺ : "فأَنَّى يُستجاب لذلك؟ " معناه كيف يستجاب له؟ فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام، والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات، كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبًا لاستجابة الدعاء، ولهذا لَمّا توسل الذين دخلوا الغار، وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى، ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم.
وقال وهب بن منبه: مثل الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وَتَر، وعنه قال: العمل الصالح يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بالورع عما حرّم الله يُقبَل الله الدعاء والتسبيح.
وعن أبي ذرّ ﵁ قال: يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي مع الطعام من الملح.
وقال محمد بن وأسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسير، وقيل لسفيان: لو دعوت الله؟ قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء.
وقال الليث: رأى موسى ﵊ رجلًا رافعًا يديه، وهو يسأل الله مجتهدًا، فقال موسى ﵇: أي رب عبدك دعاك حتى رحمتُهُ، وأنت أرحم الراحمين، فما صنعت في حاجته؟ فقال: يا موسى لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته، حتى ينظر في حقي.
وخرّج الطبراني بإسناد ضعيف، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا معناه.
وقال مالك بن دينار: أصاب بني إسرائيل بلاءٌ، فخرجوا مخرجًا،