← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.

стр. 11306

[والثاني]: حصول التبذّل في اللباس، والهيئة، بالشعث والإغبار، وهو أيضًا من المقتضيات لإجابة الدعاء، كما في الحديث المشهور، عن النبيّ ﷺ "رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمْرين، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه" (١). ولما خرج النبيّ ﷺ للاستسقاء خرج متبذّلًا متواضعًا متضرّعًا (٢)، وكان مطرِّف بن عبد الله قد حُبس له ابن أخ فلبس خُلْقان ثيابه، وأخذ عُكّازًا بيده، فقيل له: ما هذا؟ قال: أَستكين لربي، لعله أن يُشَفِّعني في ابن أخي. [الثالث]: مَدُّ يديه إلى السماء، وهو من آداب الدعاء التي يُرْجَى بسببها إجابته، وفي حديث سلمان ﵁، عن النبيّ ﷺ : "إن الله تعالى حَييٌّ كَرِيم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صِفْرًا خائبتين"، خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه (٣)، وروي نحوه من حديث أنس، وجابر، وغيرهما. وكان النبيّ ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء، حتى يُرَى بياض إبطيه (٤)، ورفع يديه يوم بدر، يستنصر الله على المشركين، حتى سقط رداؤه عن منكبيه (٥). وقد رُوي عن النبيّ ﷺ في صفة رفع يديه في الدعاء أنواعٌ متعددةٌ، فمنها أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر (٦)، وفَعَله لَمّا رَكِب راحلته (٧). وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه، منهم الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق ابن راهويه، وقال

стр. 11307

ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء، وقال ابن سيرين: إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة. ومنها أنه عفيم رفع يديه، وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة، وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه، وقد رُويت هذه الصفة عن النبيّ ﷺ في عاء الاستسقاء (١)، واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة، منهم الجوزجانيّ، وقال بعض السلف: الرفع على هذا الوجه تضرُّع. ومنها: عكس ذلك، وقد رُوي عن النبيّ ﷺ في الاستسقاء أيضًا (٢)، وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك، وقال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارة بالله، واستعاذة به، منهم ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة ﵃. ورُوي عن النبيّ ﷺ أنه كان إذا استعاذ رفع يديه على هذا الوجه (٣). ومنها: رفع يديه، وجعل كفيه إلى السماء، وظهورهما إلى الأرض، وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله في غير حديثٍ، وعن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن سيرين، أن هذا هو الدعاء، والسؤال لله . ومنها: عكس ذلك، وهو قَلْبُ كفيه، وجَعْلُ ظهورهما إلى السماء، وبطونهما إلى ما يلي الأرض، وفي "صحيح مسلم" عن أنس ﵁: "أن النبيّ ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء"، وخرّجه الإمام أحمد ﵀، ولفظه: "فبسط يديه، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء"، وخرّجه أبو داود، ولفظه: "استسقى هكذا" يعني: النبيّ ﷺ مَدّ يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض. وخرّج الإمام أحمد، من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: كان

стр. 11308

النبيّ ﷺ واقفًا بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال ثُنْدويه (١)، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض، وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبيّ ﵃ يديه بعرفة، وروي عن ابن سيرين أن هذا هو الاستجارة، وقال الحميديّ: هذا هو الابتهال. [والرابع]: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يُطلب به إجابة الدعاء، وخرّج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين ﵄ مرفوعًا: "إذا قال العبد يا رب أربعًا، قال الله: لبيك عبدي سل تعطه" (٢). وخرّج الطبرانيّ وغيره من حديث سعد بن خارجة: أن قومًا شكوا إلى النبيّ ﷺ قُحُوط المطر، فقال: "اجثُوا على الرُّكَب، وقولوا: يا رب يا رب، وارفعوا السبابة إلى السماء"، فسُقُوا حتى أحبوا أن يُكْشَف عنهم (٣). وفي "المسند" وغيره عن الفضل بن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "الصلاة مثنى مثنى، وتَشَهَّدُ في كل ركعتين، وتَضَرَّع، وتَخشع، وتمسكن، وتُقْنِع يديك -يقول: ترفعهما- إلى ربك، مستقبلًا بهما وجهك، وتقول: يا رب يا رب، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج" (٤). وقال يزيد الرَّقَاشيّ، عن أنس، مرفوعًا: "ما من عبد يقول: يا رب يا رب يا رب، إلا قال له ربه: لبيك لبيك". ورُوي عن أبي الدرداء، وابن عباس ﵄ كانا يقولان: اسم الله الأكبر: رب رب. وعن عطاء قال: ما قال عبد: يا رب يا رب ثلاث مرات، إلا نظر الله إليه، فذُكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ

стр. 11309

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩١ - ١٩٥] ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبًا تُفتتح باسم الرب، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، ومثل هذا في القرآن كثير. وسئل مالك، وسفيان عمن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقال: ألا يقول: يا رب، زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم. وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار ﷺ إلى أنه التوسع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذيةً، وفي حديث ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال لسعد: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" (١). فأكلُ الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء. وروى عكرمة بن عمار، حدثنا الأصفر، قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: ما رفعت إلى فمي لقمة، إلا وأنا عالم من أين مجيئها؟ ومن أين خرجت؟. وعن وهب بن منبه قال: من سره أن يستجيب الله دعوته، فليطيب

стр. 11310

طعمته، وعن سهل بن عبد الله قال: من أكل الحلال أربعين صباحًا أجيبت دعوته، وعن يوسف بن أسباط قال: بلغنا أن دعاء العبد يُحبَس عن السماوات بسوء المطعم. وقوله ﷺ : "فأَنَّى يُستجاب لذلك؟ " معناه كيف يستجاب له؟ فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام، والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات، كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبًا لاستجابة الدعاء، ولهذا لَمّا توسل الذين دخلوا الغار، وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى، ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم. وقال وهب بن منبه: مثل الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وَتَر، وعنه قال: العمل الصالح يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: بالورع عما حرّم الله يُقبَل الله الدعاء والتسبيح. وعن أبي ذرّ ﵁ قال: يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي مع الطعام من الملح. وقال محمد بن وأسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسير، وقيل لسفيان: لو دعوت الله؟ قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. وقال الليث: رأى موسى ﵊ رجلًا رافعًا يديه، وهو يسأل الله مجتهدًا، فقال موسى ﵇: أي رب عبدك دعاك حتى رحمتُهُ، وأنت أرحم الراحمين، فما صنعت في حاجته؟ فقال: يا موسى لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته، حتى ينظر في حقي. وخرّج الطبراني بإسناد ضعيف، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا معناه. وقال مالك بن دينار: أصاب بني إسرائيل بلاءٌ، فخرجوا مخرجًا،

стр. 11311

فأوحى الله تعالى إلى نبيّه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إليّ أَكُفًّا قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتدّ غضبي عليكم، ولن تزدادوا مني إلا بُعْدًا. وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سَدَدتَ طرقها بالمعاصي، وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى، فقال [من الخفيف]: نَحْنُ نَدْعُو الإِلَهَ فِي كُلِّ كَرْبٍ … ثُمَّ نَنْسَاهُ عِنْدَ كَشْفِ الْكُرُوب كَيْفَ نَرْجُو إِجَابَةً لِدُعَاءٍ … قَدْ سَدَدْنَا طَرِيقَهَا بِالذُّنُوبِ (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٠) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الصَّدَقَةَ وِقَايَة مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٧] (١٠١٦) - (حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ) الهاشميّ مولاهم، أبو جعفر الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ) أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخرة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ اختلط بآخرة [٣] (ت ١٢٩) تقدم في "المقدمة" (ع) ٣/ ١١.

стр. 11312

٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلِ) (١) بن مُقَرِّن المزنيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، وعليّ، وابن مسعود، وثابت بن الضحاك، وكعب بن عُجْرة، وعديّ بن حاتم، وسالم مولى أبي حذيفة. وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وعبد الملك بن عُمير، ويزيد بن أبي زياد، وعبد الرحمن بن الأصبهانيّ، وعبد الله بن السائب الكنديّ، وزياد بن أبي مريم، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وغيرهم. قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار التابعين، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة بضع وثمانين بالبصرة، وقال البخاريّ في "تاريخه": قال لي أحمد: أنا عبد الله، أنا يونس، عن أبي إسحاق، قال: خرجنا سنة (٨٨)، فجعل عبد الله بن مَعْقِل في ذلك البعث، ثم إن الحجاج أخرجهم مع عتبة بن أبي عقيل، فمات ابن معقل بأنقرة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠١٦)، وحديث (١٢١٠) وأعاده بعده، و (١٥٤٩) وأعاده بعده. ٥ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِم) بن عبد الله بن سعد الْحَشْرج الطائيّ، أبو طَرِيف الصحابيّ الشهير، وكانَ ﵁ ممن ثبت على الإسلام في الردّة، وحضر فتوح العراق، وحروب عليّ ﵁، ومات سنة (٦٨) وهو ابن (١٢٠) سنة، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الجمعة" ١٥/ ٢٠١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فإنه من أفراده. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.

стр. 11313

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) ﵁ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِق تَمْرَةٍ) -بكسر المعجمة-: أي: نصفها، أو جانبها؛ أي: ولو كان الاتّقاء بالتصدّق بشِقّ تمرة واحدة، فإنه يفيد (فَلْيَفْعَلْ) أي: ليتصدّق بها حتى يستر نفسه من النار، وفيه الحثّ على الصدقة، وأنه لا يمتنع منها لقلّتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار (١). وفي رواية البخاريّ: "اتقوا النار، ولو بشقّ تمرة"، وفي رواية الطبرانيّ من حديث فضالة بن عُبيد ﵁، مرفوعًا: "اجعلوا بينكم وبين النار حجابًا، ولو بشِقّ تمرة"، ولأحمد من حديث أبن مسعود ﵁، مرفوعًا أيضًا، بإسناد صحيح: "ليَتَّقِ أحدكم وجهه النار، ولو بشقّ تمرة"، وله من حديث عائشة ﵂، بإسناد حسن: "يا عائشة استتري من النار، ولو بشقّ تمرة، فإنها تَسُدُّ من الجائع مَسدَّها من الشبعان"، ولأبي يعلى من حديث أبي بكر ﵁ نحوه، وأتمّ منه، بلفظ: "تقع من الجائع موقعها من الشبعان"، وكأنّ الجامع بينهما في ذلك حلاوتها، قاله في "الفتح" (٢). [تنبيه]: هذا الحديث مختصر من حديث عديّ بن حاتم ﵁ الطويل، وقد ساقه البخاريّ ﵀ في "كتاب المناقب" من "صحيحه" بطوله، فقال: ٣٥٩٥ - حدثني محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعد الطائي، أخبرنا مُحِلّ بن خليفة، عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي ﷺ ؛ إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي هل رأيت الْحِيرَة؟ " قلت: لم أرها، وقد أُنبئت عنها، قال: "فإن طالت بك حياة، لَتَرَيَنَّ الظعينةَ ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله" -قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار طَيِّئٍ الذين قد سَعّرُوا البلاد- "ولئن طالت بك حياة، لتُفتَحَنّ كنوز كسرى"، قلت:

стр. 11314

كسرى بن هُرْمُز؟، قال: "كسرى بن هُرْمُز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يُخرِج مِلْءَ كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدًا يقبله منه، ولَيَلْقَيَنَّ الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فليقولنّ له: ألم أَبْعَث إليك رسولًا، فيبلغك؟، فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا، وأُفْضِل عليك؟، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلا جهنم"، قال عديّ: سمعت النبيّ ﷺ ، يقول: "اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة، فبكلمة طيبة"، قال عديّ: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هُرْمُز، ولئن طالت بكم حياة، لَتَرَوُنَّ ما قال النبيّ أبو القاسم ﷺ : "يخرج ملء كفه". انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، والمسائل المتعلّقة به ستأتي في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"، زَادَ ابْنُ حُجْرٍ: قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: "وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"، وقَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.

стр. 11315

٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام مشهور [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٣ - (عَلِي بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥. ٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي عيسى الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف-﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، وهو السماع من لفظهم مع غيره، ولذا قال: "حدثنا"، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة تحمّلهم، فابن حجر سمع من عيسى بن يونس مع غيره، ولذا قال: "حدّثنا"، والآخران سمعا قارئًا يقرأ على عيسى، ولذا قالا: "أخبرنا". ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيوخه، كما أسلفته آنفًا في تراجمهم. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيوخه، فإنهم مروزيّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ خَيْثَمَةَ) -بفتح المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها مثلثة- ابن عبد الرحمن الجعفيّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) الطائيّ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ) ظاهر الخطاب للصحابة ﵃، وَيلتحق بهم المؤمنون كلهم، سابقهم ومُقصِّرهم، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة ﵀ (١). (مِنْ أَحَدٍ)

стр. 11316

"من" زائدة لتفيد استغراق النفي (إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ) في رواية وكيع، عن الأعمش، عند ابن ماجه: "سيكلمه ربه" (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ) أي: بين الله تعالى وبين الأحد (تُرْجُمَان) قال في "القاموس": الترجمان بضمّ التاء والجيم، وبفتحهما، وبفتح التاء، وضمّ الجيم: هو المفسّر للسان، وقد ترجمه، وعنه، والفعل يدلّ على أصالة التاء. انتهى (١). وقال في "المصباح": وتَرْجَم فلانٌ كلامه: إذا بيّنه، وأوضحه، وترجم كلام غيره: إذا عَبَّر عنه بلغةٍ غيرِ لغة المتكلم، واسم الفاعل تَرْجُمان، وفيه لغات: أجودها فتح التاء، وضم الجيم، والثانية ضمهما معًا بجعل التاء تابعةً للجيم، والثالثة فتحهما بجعل الجيم تابعةً للتاء، والجمع: تَرَاجِم، والتاء والميم أصليتان، فوزن ترجم فَعْلَلَ، مثل دحرج، وجعل الجوهري التاء زائدة، وأورده في تركيب رَجَمَ، ويوافقه ما في نسخة من "التهذيب" من باب رَجَمَ أيضًا، قال اللِّحيانيّ: وهو التَّرْجُمَانُ، والتُّرْجُمَانُ، لكنه ذكر الفعل في الرباعيّ، وله وجه، فإنه يقال: لسانٌ مِرْجَمٌ: إذا كان فصيحًا قوّالًا، لكن الأكثر على أصالة التاء. انتهى (٢). [تنبيه]: لم يُذْكَر في هذه الرواية ما يقول، وبَيَّنه في رواية البخاريّ في "الزكاة" من طريق مُحِلّ بن خَلِيفة، عن عديّ بن حاتم ﵁ بلفظ: "ثم لَيَقِفَنّ أحدكم بين يدي الله، ليس بينه وبينه حجابٌ، ولا ترجمان يُترجِم له، ثم ليقولنّ له: "ألم أوتك مالًا؟، فيقولنّ: بلى، ثم ليقولنّ: ألم أرسل إليك رسولًا؟، فليقولنّ بلى … " الحديث، وفي رواية له في "المناقب": "وليلقينّ الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، فيقولنّ له: ألم أبعث إليك رسولًا، فيبلّغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُعطك مالًا، وأُفضل عليك؟ فيقول: بلى … " (٣). (فَيَنْظُرُ) ذلك الأحد (أَيْمَنَ مِنْهُ) أي: في الجانب الذي على يمينه (فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ) أي: من أعماله الصالحات، وللترمذيّ من رواية أبي معاوية

стр. 11317

بلفظ: "فلا يرى شيئًا إلا شيئًا قدمه"، وفي رواية مُحِلّ بن خليفة: "فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا النار، وينظر عن شماله، فلا يرى إلا النار"، قال في "الفتح": وهذه الرواية مختصرةٌ، ورواية خيثمة مفسَّرة، فهي المعتمدة في ذلك. انتهى. وقوله: "أيمن"، و"أشأم" بالنصب فيهما على الظرفية، والمراد بهما اليمين والشمال، قال ابن هبيرة ﵀: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل؛ لأن الإنسان من شأنه إذا دَهَمه أمر أن يلتفت يمينًا وشمالًا، يطلب الغوث. قال الحافظ ﵀: وَيحْتَمِل أن يكون سبب الالتفات أنه يَتَرَجَّى أن يجد طريقًا يذهب فيها؛ ليحصل له النجاة من النار، فلا يرى إلا ما يُفضي به إلى النار، كما وقع في رواية مُحِلّ بن خليفة. انتهى. (وينْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ) أي: من أعماله السيّئات (وينْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) أي: في محاذاته، ومقابل وجهه، وفي رواية البخاريّ: "ثم ينظر بين يديه، فتستقبله النار"، وفي رواية له: "ينظر تلقاء وجهه، فتستقبله النار". قال ابن هبيرة ﵀: والسبب في ذلك أن النار تكون في مَمَرِّه، فلا يمكنه أن يحيد عنها؛ إذ لا بدّ له من المرور على الصراط. انتهى. (فَاتَّقُوا النَّارَ) أي: احترزوا منها بالتقوى التي هي تجنّب المخالفات؛ لئلا يصيبكم، ويواقعكم عذابها (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ") أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقة، وعمل البرّ، ولو بشيء يسير. وقال الطيبيّ ﵀: المعنى: إذا عرفتم أنه لا ينفعكم في ذلك اليوم شيء إلا الأعمال الصالحة، وأن أمامكم النار، فاجعلوا الصدقة جُنّةً بينكم وبينها، ولو بشقّ تمرة. ونقل الطيبيّ قبل ذلك عن المظهر أن المعنى: إذا عرفتم ذلك، فاحذروا من النار، ولا تظلموا أحدًا، ولو بشقّ تمرة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد ما قاله المظهر، بل الظاهر ما قاله الطيبيّ. وقوله: (زَادَ ابْنُ حُجْرٍ) أي عليّ بن حُجر شيخه الأول؛ أي: فهو

стр. 11318

موصول بالسند الماضي (قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ مِثْلَهُ) غرض المصنّف ﵀ بيان أن شيخه عليّ بن حجر قال في روايته عن عيسى بن يونس قال: قال الأعمش: وحدّثني عمرو بن مرّة، وقد صرّح بالتحديث، عن خيثمة بن عبد الرحمن، مثل الحديث الماضي. وحاصل المعنى: أن الأعمش ﵀ روى هذا الحديث عن خيثمة بن عبد الرحمن بلا واسطة، ورواه أيضًا عنه بواسطة عمرو بن مرّة، وكلا الطريقين صحيح. قال الإمام ابن حبّان في "صحيحه": سمع هذا الخبرَ الأعمشُ عن خيثمة، وسمعه عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، رَوَى هذا الخبر أبو معاوية، وهو من أعلم الناس بحديث الأعمش بعد الثوريّ، وكذلك وكيع في وصله عن الأعمش، عن خيثمة، وروى قطبة بن عبد العزيز، وجرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، فالطريقان جميعًا صحيحان. انتهى (١). وقوله: (وَزَادَ فِيهِ) أي في الحديث؛ يعني: أن الأعمش زاد في روايته عن عمرو بن مرّة قوله: (وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيبَةٍ) أي التي فيها تطييب قلب إنسان إذا كانت مباحةً، أو طاعةً، وفيه أن الكلمة الطيّبة سبب للنجاة من النار، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال المناويّ-﵀: قوله: "فبكلمة طيّبة": أي: فاتقوا النار بكلمة طيبة، تُطَيِّب قلب السائل، مما يُتَلَطَّف به في القول والفعل، فإن ذلك سبب للنجاة من النار، وقيل: الكلمة الطيبة ما يدلّ على هُدًى، أو يَرُدّ عن رَدى، أو يصلح بين اثنين، أو يفصل بين متنازعين، أو يَحُلّ مشكلًا، أو يكشف غامضًا، أو يدفع تأثيرًا، أو يُسَكِّن غضبًا. قال: واستدلّ الشافعية بهذا الخبر على أنه لو قال: لزيد عندي شيءٌ، وفسّره بما لا يُتَمَوَّل، كحبة بُرّ، وشِقّ تمرة قُبِلَ. انتهى (٣).

стр. 11319

وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ) غرضه منه بيان أن شيخه إسحاق ابن راهويه قال في روايته عن عيسى بن يونس، قال: قال الأعمش: عن عمرو بن مرّة، عن خيثمة؛ يعني: أنه عنعنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٣٤٨ و ٢٣٤٩ و ٢٣٥٠] (١٠١٦)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٣ و ١٤١٧)، و"المناقب" (٣٥٩٥)، و"الأدب" (٦٠٢٣)، و"الرقاق" (٦٥٣٩ و ٧٥١٣) و"التوحيد" (٧٥١٢)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥٢ و ٢٥٥٣)، وفي "الكبرى" (٢٣٣٣ و ٢٣٣٤)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٠٣٦ و ١٠٣٧ و ١٠٣٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١١٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٥٦ و ٢٥٨ و ٢٥٩ و ٣٧٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٢ - ٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٣ و ٣٣٠٠ و ٧٣٧٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٢٢٠)، و (ابن السنّيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٣٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الصدقة، ولو بالقليل. ٢ - (ومنها): أن الصدقة تُقبَل، ولو قلّت، لكن بشرط أن تكون طيّبة؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ " "أيها الناس، إن الله طيب، لا يقبل إلا طيبًا … " الحديث تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ومنها): عدم احتقار القليل من الصدقة، وغيرها؛ لأنها تربو عند الله حتى تكون كالجبل، كما دلّ عليه حديثُ أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق بعدل تمرة، من كسبِ طيِّبٍ … " الحديث المذكور في الباب الماضي أيضًا.

стр. 11320

٤ - (ومنها): أن الكلمة الطيّبة تكون وِقايةً عن النار كصدقة المال، وقد ثبت كونها صدقة، فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ سُلامَى من الناس، عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، وُيعين الرجل على دابته، فيحمله عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويُمِيط الأذى عن الطريق صدقة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّارَ، فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: "اتّقُوا النَّارَ"، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، حَتَّى ظنَنَّا أنَّهُ كَأنّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طيِّبَةٍ"، وَلَمْ يَذْكُرْ (٢) أَبُو كُرَيْبٍ: كَأنَّمَا، وَقَالَ: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدثنَا الْأَعْمَشُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الايمان" ٤/ ١١٧. ٤ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابد، رُمي بالإرجاء [٥] (١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢. والباقيان ذُكرا قبله.

стр. 11321

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما في التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فمن مشايخ الجماعة، بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمرو، عن خيثمة. شرح الحديث: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطائيّ) ﵁ أنه (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّارَ، فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ) -بشين معجمة، وحاء مهملة-: أي: أظهر الْحَذَر منها، قال الخليل: أشاح بوجهه عن الشيء: نَحَّاه عنه، وقال الفرّاء: الْمُشِيح: الْحَذِرُ، والْجادّ في الأمر، والْمُقبِلُ في خطابه، المانع لما وراء ظهره، فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني: أي: حَذِرَ النارَ، كأنه ينظر إليها، أو جَدَّ على الوصيّة باتّقائها، أو أقبل على أصحابه في خطابه بعد أن أعرض عن النار لَمَّا ذكرها. انتهى (١). وحكى ابن التين: أنّ معنى "أشاح" صَدّ، وانكمش، وقيل: صرف وجهه كالخائف أن تناله. انتهى. (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("اتقُوا النَّارَ"، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، حَتَّى ظنَنَّا أَنَّهُ كَأنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا) وفي رواية شعبة التالية: "أنه ذكر النار، فتعوّذ منها، وأشاح بوجهه ثلاث مرار" (ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقَ تَمْرَةٍ) أي: اجعلوا بينكم وبين النار وِقَاية، من الصدقة، وعَمَلِ البرّ، ولو بشيء يسير (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي: ما يتصدّق به من المال اليسير (فَبِكَلِمَةٍ طيبَةٍ") أي: فتصدّقوا بكلمة طيّبة، وهي الكلمة التي تُطيّب قلب سامعها؛ لكونها موافقة لغرضه، مع كونها طاعة، أو مباحةً.

стр. 11322

وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) وفي نسخة: "لم يذكر" بحذف العاطف (أَبُو كُرَيْب: كَأنَّمَا) يعني: أنه قال: (حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها). وقوله: (وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ) يعني: أن أبا كريب قال في روايته: "حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش"، فصرّح بالتحديث في الموضعين، بخلاف أبي بكر بن أبي شيبة، فرواه بالعنعنة، والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٥٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، ثَلَاثَ مِرَارٍ (١)، ثُمَّ قَالَ: "اتقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طيِّبةٍ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: كلهم تقدّموا قبل باب، سوى خيثمة، والصحابيّ، فقد ذُكرا في السند الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ حَثِّ الإمَام النّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٥١] (١٠١٧) - (حَدَّثَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ،

стр. 11323

عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَارِ، أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ، وَأقَامَ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وَالْآيةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ (١) وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨]، "تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِه، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ"، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأنصَارِ بِصُرَّةٍ، كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تتابَعَ النّاسُ، حَتَّى رَأيتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجهَ رَسُول اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ، كأنّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزمِنُ البصريّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١. ٤ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٨/ ١١٢٤.

стр. 11324

٥ - (الْمُنْذِرُ بْنُ جَرِيرٍ) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، ثقة (١) [٣]. روى عن أبيه، وعنه عبد الملك بن عُمير، وعون بن أبي جُحَيفة، وأبو إسحاق السبيعيّ، والضحّاك بن المنذر، وأبو حيّان التيميّ، على خلاف فيه. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، روى له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. ٦ - (أَبُوهُ) جرير بن عبد الله بن جابر البجليّ الصحابي المشهور ﵁ المتوفّى سنة (٥١ هـ) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى المنذر، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ) وفي رواية أبي أسامة، ومعاذ العنبري الآتية قالا: "حدّثنا شعبة، حدّثني عون بن أبي جُحيفة، قال: سمعت المنذر بن جرير … " (عَنْ أَبِيهِ) جرير بن عبد الله البجليّ ﵁ أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ ﷺ ) وفي رواية عبد الملك بن عُمير، عن المنذر الآتية: "كنت جالسًا عند النبيّ ﷺ ، فأتاه قوم … " (فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أي: في أوله (قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ) وفي الرواية

стр. 11325

الآتية من طريق عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير بن عبد الله قال: "جاء ناسٌ من الأعراب إلى رسول الله ﷺ ، عليهم الصوف … ". (حُفَاةٌ) بالضمّ صفة لـ "قومٌ"، وهو: جمع حَافٍ، اسم فاعل، من حَفِي الرجلُ يَحْفَى، من باب تَعِبَ حَفَاءً، مثل سَلَامٍ: إذا مَشَى بغير نَعْلٍ، ولا خُفٍّ. (عُرَاةٌ) بالضمّ، صفة لـ "قوم" بعد صفة، وهو: جمع عَارٍ، والمراد أنهم لم يلبسوا الثيابَ المعتادَ لبسُهَا، وإنما أوّلناه بهذا؛ لأن في رواية عبد الرحمن بن هلال الآتية: أنّ عليهم الصوفَ، فهم لابسو الصوفِ، ولقوله أيضًا: (مُجْتَابِي النِّمَارِ) اسم فاعل من اجتابَ الشيءَ: إذا خَرَقه، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]. أي: خَرَقوا النِّمَار، وقَوَّرُوا وسطها، و"النمار" -بكسر النون -جمع نَمِرَة- بفتح النون: وهي ثياب من صوف، فيها تنمير. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "مجتابي النمار" هو بالجيم، وبعد الألف باء موحّدة، و"النمار": جمع نَمِرة، وهي كساء من صوف مُخطّط، ومعنى مُجتابيها: لابسوها، وقد خرقوها في رؤوسهم. انتهى (١). وقوله: (أَوِ الْعَبَاءِ) "أو" للشكّ من الراوي، و"العباء" بفتح العين، والمدّ، جمع عَبَاءة، وعَبَاية، لغتان، وهي أكسيةٌ غِلَاظٌ مُخَطَّطة (٢). (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) بالإضافة: أي: معلّقي السيوف على أعناقهم، ووقع في نسخة من النسائيّ: "متقلّدين السيوف"، بلا إضافة، وعليه فـ "السيوف" منصوبٌ على المفعوليّة (عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ) أي: غالبهم من قبيلة مضر -وهو بضمّ الميم، وفتح الضاد المعجمة، آخره راء- ابن نزار، وهو الشعب المعروف الذي تُنسب إليه قريش وغيرها، وهو وربيعة بن نِزَار صريح ولد إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- لا خلاف في ذلك، قاله في "اللباب" (٣). وقوله: (بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ) هذا إضرابٌ إلى التحقيق، فقوله: "عامّتهم"

стр. 11326

كان عن عدم تحقيق، واحتمال أن يكون بعضهم من غير مضر، أوّلَ الوَهْلَة، ثمّ تبيّن له أنّ كلهم من مضر، فأخبر به، فـ "بل" للإضراب الانتقاليّ، تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه، وتنقل الحكم إلى ما بعدها، كما هو مقرّرٌ في محلّه من كتب النحاة. وقال الطيبيّ ﵀: والعطف في "بل كلّهم" للحصر، وهو من قصر الموصوف على الصفة؛ أي: لا يتجاوزون عن مضر إلى غيرهم، وكذا العطف في "بل قد عَجَزَت"، وفائدته التأكيد، ورفع توهّم التجوّز. انتهى (١). (فَتَمَعَرَ) بالعين المهملة: أي: تغيّر، قال ابن الأثير ﵀: أصل التمعّر قلّة النضارة، وعدم إشراق اللون، من قولهم: مكان أمعر، وهو الْجَدْبُ الذي لا خِصْب فيه. انتهى (٢). (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى) بكسر اللام، و"ما" مصدريّة؛ أي: لرؤيته، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام، وتشديد الميم، وهي "لَمَّا" الحينيّة؛ أي: حين رأى (بِهِمْ) أي: بهؤلاء القوم الذين جاءوه (مِنَ الْفَاقَةِ) أي: الفقر والحاجة (فَدَخَلَ) أي: دخل ﷺ بيته، ولعلّه لاحتمال أن يجد ما يدفع به فاقتهم (ثُمَّ خَرَجَ) لعله لم يجد في البيت شيئًا (فَأَمَرَ بِلَالًا) ﵁ ومفعوله محذف؛ أي: بالأذان (فَأَذنَ) أي: لصلاة الظهر، كما سيأتي في رواية عبد الملك بن عمير الآتية (وَأقَامَ، فَصَلَّى) النبيّ ﷺ صلاة الظهر إمامًا للناس (ثُمَّ خَطَبَ) وفي رواية عبد الملك بن عمير الآتية: "فصلّى الظهر، ثم صَعِد منبرًا صغيرًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله تعالى أنزل في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية". وإنما قرأ ﷺ في خطبته أول سورة النساء؛ تذكيرًا لهم أنهم كلَّهم من أصل واحد، فينبغي لهم أن يَعطِف بعضُهم على بعض (فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾) أمر الله تعالى خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده، لا شريك له، ونبههم على قدرته التي خلقهم بها ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾) وهي آدم ﵇. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] أراد بالتلاوة من هذه الآية قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]؛

стр. 11327

أي: اتقوا الله الذي خلقكم، واتقوا الله الذي تتناشدون به، واتّقوا الأرحام، فلا تقطعوها، وقد آذن الله تعالى حيث قرن الأرحام باسمه إلى أن صلتها منه بمكان، ومنزلة عظيمة. انتهى. وقولى: (إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) أي: قرأ الآية إلى آخرها، ونصّ تمام الآية: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. فقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حوّاء ﵇ خُلقت من ضِلْعه الأيسر من خلفه، وهو نائمٌ، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه. وفي الحديث الصحيح: "إن المرأة خُلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضلَع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمعت بها، وفيها عوج" ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: وذَرَأَ من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتقوه بطاعتكم إياه ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ حيث تقولون: أسألك بالله ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب أي: واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها، بل برّوها، وصِلُوها، وقرأ بعضهم: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجرّ عطفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾؛ أي: تساءلون بالله، وبالأرحام. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] بدل من "الآية" محكيّ لقصد لفظه، ومعناه: مراقب لجميع أحوالكم، وأعمالكم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]. وفي الحديث الصحيح: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك"، وهذا إرشاد، وأمر بمراقبة الرقيب، ولهذا ذكر تعالى أنّ أصل الخلق من أَبٍ واحدٍ، وأمّ واحدة؛ لِيُعَطِّفَ بعضَهُم على بعض، ويحثّهم على ضعفائهم (١)، وهذا هو سبب قراءة النبيّ ﷺ لهذه الآية في هذه المناسبة، حيث إنها أبلغ في تثبيت الأخوّة بين المؤمنين، وقوّة ترابطهم جنسًا، وعقيدةً، المقتضي لعطف بعضهم على بعض، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَالآيةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ) بنصب "الآيةَ" عطفًا على قوله: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 11328

النَّاسُ اتَّقُوا﴾ من حيث المعنى، على تأويل "قال" بـ "قرأ"؛ أي: قرأ هذه الآية، والآيةَ التي في سورة الحشر، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾ من حيث المعنى، على تأويل "قال" بـ "قرأ"؛ أي: قرأ هذه الآية، والآيةَ التي في سورة الحشر، وقوله: (﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾) يَحْتَمل أن يكون منصوبًا على البدليّة من "الآيةَ"، محكيًّا، ويَحْتَمل أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: هي. ووقع في بعض النسخ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَمْرٌ من الله تعالى للمؤمنين بتقواه، وهو يَشْمَل فعل ما به أَمَر، وترك ما عنه زَجَر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]) زاد في رواية الطبرانيّ: "إلى قوله: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠]. والمعنى: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وانظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم، وعَرْضكم على ربّكم. وسبب قراءته ﷺ هذه الآية كونها أبلغ في الحثّ على الصدقة، كما أن الآية المتقدّمة أبلغ في الترابط بين أجناس بني آدم، والله تعالى أعلم. ("تَصَدَّقَ رَجُل مِنْ دِينَارِهِ) أي: ليتصدّق رجل من ديناره، فهو خبر بمعنى الأمر، وفي رواية الطبرانيّ: "تَصَدَّقُوا قبل أَنْ لا تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقَ رَجُل من دِينَارِهِ، تَصَدَّقَ رَجُل من دِرْهَمِهِ، تَصَدَّقَ رَجُل من بُرِّهِ، تَصَدَّقَ رَجُلٌ من تَمْرِهِ، من شَعِيرِهِ، لا تَحْقِرَنَ شيئًا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلَوْ بشِقِّ تَمْرَةٍ … ". [تنبيه]: قال أبو البقاء الْعُكبَريّ ﵀ في "إعراب الحديث": قوله: "تصدّق رجل" يَحْتَمِلُ وجهين: [أحدهما]: أن يكون أراد الشرط؛ أي: إن تصدّق رجلٌ، ولو بشيء حقير من ماله أُثيب، وحُذف حرف الشرط وجوابه للعلم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] تقديره: إن أقمتَ على الطاعة. [والوجه الثاني]: أن يكون الكلام محمولًا على الدعاء، فكانّه قال: رَحِم الله امرءأ تصدّق، كما قالوا: امرءًا اتَّقَى اللهَ؛ أي: رَحِمَ اللهُ، وجعل الفاعل، وهو قوله: "رجلٌ" مفسّرًا للمنصوب المحذوف. ويَحْتَمِل وجهًا ثالثًا: وهو أن يكون على الخبر؛ أي: تصدّق رجلٌ من

стр. 11329

غيركم بكذا وكذا، فأُثيب، والغرض منه حثّهم على الصدقة، وأنّ غيرهم تصدّق بمثل ذلك، فأُثيب، فحكمهم كحكمه. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها العكبريّ فيها بعذ، وتكلّفٌ لا يخفى. وقيل: هو مجزومٌ بلام أمر مقدّرة، أصله ليتصدّق، وهذا الحذف مما جوّزه بعض النحاة. وفيه أنّ حقّه حينئذ أن يكون يتصدّق -بياء تحتيّة، بعدها تاء فوقيّةٌ - ولا وجه لحذفها. فالصواب عندي أنّ صيغته صيغة خبرٍ ومعناه الأمر، ولا يقال: إن كونه خبرًا لا يساعده قوله: "ولو بشقّ تمرة"؛ لأنّنا نقول: إنّما يتوجّه ذلك لو كان خبرًا معنًى أيضًا، وأما إذا كان أمرًا معنًى فلا يتوجّه هذا الاستشكال. والحاصل أنّ هذا خبر بمعنى الأمر؛ أي: ليتصدّق، وإنما عبّر بصيغة الخبر؛ حثًّا للمخاطبين على امتثاله، وترغيبًا لهم في حصوله منهم، وكونه بصيغة الماضي أبلغ في ذلك، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر ابن مالك ﵀ نحو هذا الإعراب في كتابه "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" في أَثَرِ عمر بن الخطّاب-﵁: "إذا وسّع الله، فأوسعوا، صَلّى رجلٌ في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميصٍ، في إزارٍ وقباء"، قال: تضمّن هذا الحديث فائدتين: [إحداهما]: ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر، وهو "صَلّى رجلٌ"، والمعنى: ليصلّ رجلٌ، ومثله في كلام العرب: اتّقى الله امرؤٌ فعل خيرًا يُثبْ عليه. والمعنى: ليتّق، وليفعل. ولكونه بمعنى الأمر جيء بعده بجواب مجزوم، كما يُجاء بعد الأمر الصريح، وأكثر مجيء الماضي بمعنى الطلب في الدعاء، نحو: نصر الله من والاك، وخَذَل من عاداك. [والفائدة الثانية]: حذف حرف العطف، فإن الأصل: صَلَّى رجلٌ في

стр. 11330

إزار ورداء، أو في إزار وقميص، أو في إزار وقباء، فحذف حرف العطف مرّتين؛ لصحّة المعنى بحذفه. ونظير هذا الحديث في تضمّن الفائدتين قول النبيّ ﷺ : "تصدّق امرؤٌ من ديناره، من درهمه، من صاع برّه، من صاع تمره". انتهى كلام ابن مالك ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: أنكر ابن القيّم ﵀ كتابه "بدائع الفوائد" كون الكلام المذكور ونحوه مما حُذف منه حرف العطف (٢)، وعندي أن ما ذهب إليه ابن مالك ﵀ هو الأظهر والأقرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "رجلٌ" نكرة وُضعت موضع الجمع المعرّف، فأفاد الاستغراق في أفراده، وإن لم يكن في سياق النفي، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]، فإن ﴿شَجَرَةٍ﴾ وقعت موقع الأشجار، فأفادت الاستغراق، ومن ثَمَّ كَرّر "من" في الحديث مرارًا، ولم يعطف. انتهى (٣). وقوله: (مِنْ دِرْهَمِهِ) معطوفٌ بحرف عطف مقدّر، كما بيّنه ابن مالك ﵀ في كلامه المذكور آنفًا، وكذا ما بعده. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "من درهمه" "من" يَحْتَمل أن تكون تبعيضيّة منصوبة المحلّ، و"ديناره"، و"درهمه" جنس؛ أي: ليتصدّق ببعض ما عنده من هذا الجنس، ويَحْتَمِل أن تكون ابتدائيّةً متعلّقة بالفعل، فالإضافة في "ديناره"، و"درهمه" بمعنى اللام؛ أي: ليتصدّق بما هو مختصّ به، وهو مفتقر إليه، على نحو قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر: ٩]. انتهى (٤). (مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ) النبيّ ﷺ (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ") أي: ليتصدّق، ولو كانت صدقته قليلةً، كشِقّ تمرة؛ أي: نصفها.

стр. 11331

(فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأنصَارِ) لا يُعرف اسمه، كما قاله صاحب "التنبيه" (١). (بِصُرَّةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الراء: وِعَاءُ الدراهم، والدنانير، جمعها صُرَرٌ، مثلُ غُرْفَة وغُرَفِ (كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا) بكسر الجيم، من باب ضَرَب، وعَجِزَ -بكسر الجيم- يَعْجَز -بفتحها- عَجَزًا- بفتحتين- من باب تَعِبَ، لغةٌ لبعض قَيسِ عَيْلَانَ، ذكرها أبو زيدٍ، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد رَوَى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يُقال: عَجِزَ الإنسان -بالكسر- إلا إذا عَظُمت عَجِيزَته، ذكره في "المصباح" (٢). (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ) "بل" في مثل هذا للإضراب الإبطاليّ، أَخْبَرَ أوّلًا بأنّ كفّ الرجل قاربت العجز، ثم تبيّن له أنها عجزت حقيقةً، فأخبر به، والمراد أن الرجل تصدّق بمال كثير. (ثُمَّ تتَابَعَ النَّاسُ) أي: تبع بعضهم بعضًا في المجيء بالصدقة (حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ) بفتح الكاف، وضمّها، قال القاضي عياض-﵀: ضبطه بعضهم بالفتح، وبعضهم بالضمّ، قال ابن السراج: هو بالضمّ اسم لما كُوِّمَ، وبالفتح المرّة الواحدة، قال: والكُومة -بالضمّ-: الصُّبْرة، والكُوم العظيم من كلّ شيء، والكوم المكان المرتفع، كالرابية، قال القاضي: فالفتح هنا أولى؛ لأنّ مقصوده الكثرة، والتشبيه بالرابية. انتهى (٣). (مِنْ طَعَام وَثيَاب) بيان للكوم (حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُول اللهِ ﷺ -يتَهَلَّلُ) أي: يَستنير فرَحًا وسُرورًا. وقوله: (كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ) قال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: [أحدهما]: وهو المشهور، وبه جزم القاضي، والجمهور "مُذْهَبة" بذال معجمة، وفتح الهاء، وبعدها باءٌ موحّدة. [والثاني]: - ولم يذكر الحُمَيديّ في "الجمع بين الصحيحين" غيره -"مُدْهُنَة"- بدال مهملة، وضم الهاء، وبعدها نون- وشرحه الحميديّ في كتابه "غريب الجمع بين الصحيحين"، فقال: هو وغيره ممن فسّر هذه الرواية، إن صحّت: الْمُدهُن: الإناء الذي يُدهَن فيه، وهو أيضًا اسمٌ للنُّقْرة في الجبل التي

стр. 11332

يُستَنْقَع فيها ماءُ المطر، فشبّه صفاء وجهه الكريم ﷺ بإشراق السرور بصفاء هذا الماء الْمُستَنقع في الحجر، أو بصفاء الدُّهْن والْمُدْهُن. وقال القاضي عياض في "المشارق" وغيره من الأئمّة: هذا تصحيفٌ، وهو بالذال المعجمة، والباء الموحّدة، وهو المعروف في الروايات، وعلى هذا ذكر القاضي وجهين في تفسيره: [أحدهما]: معناه فضة مُذهبة، كما قال الشاعر: كَأنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ ويعني به: تشبيه إشراق وجهه وتنويره، فهو أبلغ في ذلك. [والثاني]: شبّهه في حسنه، ونوره بالْمُذْهَبَة من الجلود، والسُّرُوج، والأقداح، وغير ذلك، وجمعها مذاهب، وهي شيءٌ كانت العرب تصنعه من جلود، وتَجعَل فيها خطوطًا مُذْهَبَة، يُرَى بعضها إثرَ بعض. وأما سبب سروره ﷺ ، فهو الفرح بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذلِ أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ﷺ ، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البرّ والتقوى، فينبغي للإنسان إذا رأى شيئًا من هذا القبيل أن يفرح، ويُظهر سروره، ويكون فرحه لما ذكرناه. انتهى كلام النووي ﵀ في "شرحه"، بزيادة من "المفهم" (١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً) أي: مَن أَتَى بطريقة مرضيّة، يُقتَدَى به فيها، كما فعل هذا الأنصاريّ الذي أَتَى بصُرّة، يقال: سنّ الطريقةَ: إذا سار فيها، كاستسنّها، قاله في "القاموس". والسنة الحسنة هي: الطريقة المحمودة، التي يدلّ عليها الكتاب والسنّة (فَلَهُ أَجْرُهَا) قال الطيبئ ﵀: الضمير للسنّة، والإضافة يكفي في استقامتها أدنى ملابسة، فإن السنّة الحسنة لَمّا كانت سببًا في ثبوت أجر عاملها أضيف الأجر إليها بهذا، كما إذا رأيت بناءً رفيعًا، فقلت: هذا بناء الأمير، أو أن المضاف محذوف؛ أي: فله أجر عملها، فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول. انتهى (٢).

стр. 11333

(وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ) ظاهره أنّه يَحْصُل له الأجر، ولو لم ينو المبتدئ أن يُتّبع فيها، ففيه ثبوت الأجر مع عدم نيّة الفاعل، فيكون مُخَصِّصًا لحديث "إنما الأعمال بالنيّات"، والله تعالى أعلم. (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْءٌ) "نقص" يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، يقال: نَقَصَ المالُ نَقْصًا، وانتقَصَ: إذا ذهب منه شيء بعد تمامه، فهو لازم، ويقال: نقصته، فهو متعدٍّ، وهذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ الآية [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعذى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدًا حقّه، وانتقصته مثله، أفاده الفيّوميّ. قال الجامع عفا الله عنه: إذا عرفت هذا، فما هنا من اللازم، ولهذا رُفع قوله: "شئٌ" على الفاعليّة، ووقع في رواية النسائيّ بنصب "شيئًا"، فيكون من المتعدّي، فتنبّه، والله تعالى أعلى أعلم. (وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً) أي: مَن فَعَل فعلًا قبيحًا، فاقتُدِي به. والسنّة السيّئة هي الطريقة المذمومة، وهي التي تُبتدَع بعد تمام الدين على أنها منه، وهي الْمَعْنِيّة بقوله ﷺ : "كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار" (كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا) -بكسر، فسكون-: الإثم، والثِّقَل، يقال: وَزَرَ يَزِرُ، من باب وَعَدَة إذا حَمَلَ الإثمَ، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [الإسراء: ١٥]. والجمع أوزارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأحمالِ. أي: عليه إثم فعلها (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ) أي: ومثل وزر مَن عَمِل بها، وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] لأنّ هذا فعله، لا فعل غيره، وذلك لأنه ابتدأ هذه السنّة السيّئة، وتبعه عليها غيره، فصار سببًا في الشرّ، فالإثم جاءه من تسبّبه، والله تعالى أعلم. (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ") يعني: أنهم يتحمّلون أوزار عملهم السيّئ كاملة، وهو يتحمّل وزر تسبّبه في ذلك. قال النوويّ ﵀: وسبب هذا الكلام في هذا الحديث، أنه قال في أوّله: "فجاء رجل بِصُرَّة، كادت كفّه تَعْجِزُ عنها، ثمّ تتابع الناس"، وكان

стр. 11334

الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير، والفاتحِ لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث تخصيص قوله ﷺ : "كلّ مُحْدَثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة"، وأن المراد به المحدثات الباطلة، والبدع المذمومة، قال: والبدع خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرّمة، ومكروهة، ومباحة. انتهى كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام النوويّ هذا فيه نظرٌ من وجهين: [الأول]: دعواه التخصيص المذكور، فإنه غير صحيح، بل قوله ﷺ : "كلّ محدثة بدعة إلخ" باق على عمومه، فإن المراد بالبدعة هي البدعة الشرعيّة، وهي التى ابتُدِعت بعد إكمال الله تعالى الدينَ بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية [المائدة: ٣]، فلا يَشْهَد لها كتابٌ، ولا سنّة، كما بيّن ذلك النبيّ ﷺ فيما أخرجه الشيخان، بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه" الحديث، فقد بيّن أن إحداث ما دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس من البدعة شرعًا، وإن كان يسمّى بها لغة. والحاصل أن البدعة اللغويّة أعمّ من البدعة الشرعيّة، حيث إنها تُطْلَق على ما يدلّ عليه النصّ، وما لا يدلّ عليه، بخلاف الشرعيّة، فإنها لا تطلق إلا على ما لا يدلّ عليه دليل، فكلّ بدعة شرعيّة بدعة لغويّة، ولا عكس، فقوله: "كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة" لا يُخَصّ منه شيء، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. [والثاني]: أن تقسيمه لمطلق البدعة إلى خمسة أقسام غير صحيح، فإن هذا التقسيم للبدعة اللغويّة، لا للشرعيّة، فإنها قسم واحد مذموم. والحاصل أن الذي يقبل التقسيم المذكور هو اللغويّ، ومنه قول عمر بن الخطّاب ﵁: نعمت البدعة لصلاة التراويح، فإنه محمول على المعنى اللغويّ، وكذلك ما نُقل عن الشافعيّ ﵀، وغيره من تقسيمهم البدعة إلى محمودة ومذمومة، أو بدعة حسنة، وبدعة غير حسنة محمول على هذا المعنى، فتبصّر، ولا تتحيّر، وقد بسطت الكلام على هذا في "شرح سنن ابن ماجه"، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 11335

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٣٥١ و ٢٣٥٢ و ٢٣٥٣ و ٢٣٥٤] (١٠١٧)، و (الترمذيّ) في "العلم" (٢٦٧٥)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥٤)، وفي "الكبرى" (٢٣٣٥)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٢٠٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٩٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (٥١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٣ - ٩٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢/ ٣٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة تحريض الإمام الناس على الصدقة إذا دعت الحاجة لذلك. ٢ - (ومنها): بيان كمال رحمة النبيّ ﷺ لأمته، وشدة رأفته بهم، كما وصفه الله تعالى بذلك في كتابه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٣ - (ومنها): استحباب جمع الناس للأمور المهمّة، ووعظهم، وحثّهم على مصالحهم، وتحذيرهم من القبائح. ٤ - (ومنها): الحثّ على الابتداء بالخيرات، وسَنّ السنن الحسنات. ٥ - (ومنها): التحذير من البِاَع والخرافات التي لا يؤيّدها دليلٌ شرعيّ، بل يردّها، ولبطلها. ٦ - (ومنها): أن بعض الأفعال لا ينقطع ثوابها، وكذا لا ينتهي وزرها، وهي التي تكون سببًا للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون مفتاحًا للخير، لا مفتاحًا للشرّ، جعلنا الله تعالى من عباده الذين جعلهم مفتاحًا للخيرات، ومِغْلاقًا للشرّ والسيّئات، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 11336

وبالسند المئصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٥٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثنا أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ ﷺ صَدْرَ النَّهَارِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَفي حَدِيثِ ابْنِ مُعَاذٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ خَطَبَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٧/ ٣. ٣ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية أبي أسامة، ومعاذ بن معاذ، كلاهما عن شعبة هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٥٣] ( … ) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كامِلٍ، وَمُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُموِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النبِيِّ ﷺ ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِقِصَتِهِ، وَفيهِ: فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ مِنْبَرًا صَغِيرًا، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثنَى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: "أما بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ أنزَلَ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية [النساء: ١] ").

стр. 11337

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن الحسين الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافط [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارب، واسمه عبد الله بن أبي عثمان البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٦/ ٥١٦. ٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ) بن سُويد اللَّخْميّ الفَرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقية تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَسَاقُوأ الْحَدِيثَ) الضمير لشيوخه الثلاثة: عبيد الله بن معاذ، وأبي كامل، ومحمد بن عبد الملك. وقوله: (ثُمَّ صَعِدَ مِنْبَرًا صَغِيرًا) الظاهر أن هذا المنبر غير المنبر النبويّ المعروف. [تنبيه]: رواية عبد الملك بن عُمير، عن المنذر بن جرير هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٤/ ١٧٦) فقال: (٧٥٣١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو بن أبي جعفر، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عُمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: كنت جالسًا عند النبيّ ﷺ ، فأتاه قوم مُجتابي النِّمَار، متقلدي السيوف، وليس عليهم أُزُرٌ، ولا شيءٌ غيرها، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بهم من الْجَهْد والْعُرْي والجوع، تغير وجهه، ثم قام، فدخل بيته، ثم راح إلى المسجد، فصلى الظَهر، ثم صَعِدَ منبره منبرًا صغيرًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فإن الله أنزل في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 11338

النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠]، تَصَدَّقوا قبل أن لا تَصَّدّقوا، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة، تَصَدَّق امرؤ من ديناره، من درهمه، من بُرّه، من شعيره، ولا يحقرن أحدكم شيئًا من الصدقة، ولو بشق تمرة، فقام رجل من الأنصار بِصُرَّة في كفه، فناولها رسول الله ﷺ ، وهو على منبره، فقبضها رسول الله ﷺ يُعْرَف السرور في وجه رسول الله ﷺ ، وقال: مَن سَنَّ سنةً حسنةً، فعُمِل بها، كان له أجرها، ومثل أجر مَن عَمِل بها، لا يَنْقُص من أجورهم شيءٌ، ومَن سَنَّ سنةً سيئة، فعُمِل بها كان عليه وزرها، ومثل وزر مَن عَمِلَ بها، لا يَنقُص من أوزارهم شيءٌ"، فقام الناس، فتفرقوا، فمِنْ ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي، قال: فاجتمع، فقسمه بينهم. انتهى. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٥٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي الضُّحَىً، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ ، عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ، قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَة، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٤ - (مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) الأنصاريّ الْخَطْميّ -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة- الكوفيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن أبيه، وأمه بنت حذيفة، وأبي حُميد الساعديّ، وعن امرأة من بني عبد الأشهل، لها صحبةٌ، وعن عبد الرحمن بن هلال العبسيّ،

стр. 11339

وعبد الرحمن بن أبي قتادة، وعبد الرحمن بن بشير بن مسعود الأنصاريّ، وعن امرأة من بني أسد، ورَوَى أيضًا عن سليمان بن صُرَدٍ أنه رآه يتكلم في أذانه، وقد عَلَّق البخاريّ هذه القصة، ووصلها ابن أبي شيبة وغيره. ورَوَى عنه ابنه عمر، والأعمش، ومنصور، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى، ومِسْعَر بن كِدَام، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم. قال ابن معين، والعجليّ، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". علّق له البخاريّ الأثر المذكور، وأخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده في "كتاب العلم". ٥ - (أَبُو الضُّحَى) مُسلم بن صُبيح -بالتصغير- الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضل [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِي) -بالموحّدة- الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م د س ق) تقدم في "الزكاة" ٨/ ٢٢٩٨. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن هلال، عن جرير ﵁ هذه ساقها المصنّف في "كتاب العلم"، فقال: (١٠١٧) - حدّثني زهير بن حرب، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، وأبي الضُّحَى، عن عبد الرحمن بن هلال الْعَبْسيّ، عن جرير بن عبد الله، قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ ، عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحَثّ الناس على الصدقة، فأبطئوا عنه، حتى رُئي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بِصُرَّة من وَرِقٍ، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا، حتى عُرِف السرور في وجهه، فقال رسول الله ﷺ : "مَن سَنّ في الإسلام سنة حسنةً، فعُمِل بها بعده، كُتب له مثلُ أجر مَن عَمِل بها، ولا ينقص من أجورهم شيءٌ، ومَن سَنَّ في الإسلام سنة سيئةً، فعُمِل بها بعده، كُتب عليه مثلُ وِزْر مَن عَمِل بها، ولا

стр. 11340

ينقص من أوزارهم شيءٌ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٢) - (بَابُ الْحَمْلِ بِأُجْرةٍ يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَالنَّهْيِ الشَّدِيدِ عَنْ لَمْزِ الْمُتَصَدِّقِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٥٥] (١٠١٨) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ، قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاع، قَالَ: وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، وَلَمْ يَلْفِظْ بِشْرٌ بِالْمُطَوِّعِينَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بن عَوْن الْغَطَفَانيّ مولاهم، أبو زكريا البغداديّ، ثقةٌ حافظ مشهور، إمام الْجَرْح والتعديل [١٠] (ت ٢٣٣) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤. ٢ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) الْعَسْكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْربُ [١٠] (ت ٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ٢٠٠. ٣ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرم ثقة [٢] (ت ٨٢) عن مائة سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٤ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.

стр. 11341

والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"سليمان": هو الأعمش. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه بشر، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريّين، سوى ابن معين، فبغداديّ، ونصفه الثاني مسلسل بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ ﵁ أنه (قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ) ولفظ البخاريّ في "الزكاة": "لما نزلت آية الصدقة، كنّا نُحامل … ". قال في "الفتح": كأنه يشير إلى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية. انتهى. وقال في "العمدة": قوله: "لما نزلت آية الصدقة" هي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]. قوله: (كنا نحامل) جواب: "لَمَّا"، ومعناه كنا نتكلف الحمل بالأجرة؛ لنكتسب ما نتصدق به، وفي رواية لمسلم: "كنا نحامل على ظهورنا"، ومعناه نحمل على ظهورنا بالأجرة، ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلِّها. [فإن قلت]: "نُحَامِل" من باب المفاعلة، وهي لا تكون إلا بين اثنين. [قلت]: قد يجيء هذا الباب بمعنى فَعَلَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ أي: أسرعوا، ونحامل كذلك بمعنى نَحْمِل. وقال صاحب "التلويح": قوله: "نُحامِل" قال ابن سِيدَهْ: تحامل في الأمر: تكلفه على مشقة وإعياء، وتحامل عليه كلّفه ما لا يطيق، وفيه نظر؛ لأن هذا المعنى لا يناسب هاهنا. انتهى (١).

стр. 11342

قال الجامع عفا الله عنه: كون ما هنا مِن تحامَلَ في الأمر: إذا تكلّفه واضح، قال في "القاموس": وتحامل في الأمر وبه: تكلّفه على مشقّة، وعليه كلّفه ما لا يُطيق. انتهى (١). فقوله: "فيه نظرٌ"، فيه نظز لا يخفى، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو مسعود ﵁ (كُنَّا نُحَامِلُ) وفي الرواية الثانية: "كنا نحامل على ظهورنا"، ومعناه: نَحْمِل على ظهورنا بالأجرة، ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلِّها، ففيه التحريض على الاعتناء بالصدقة، وأنه إذا لم يكن له مال يتوصل إلى تحصيل ما يَتَصَدَّق به، من حمل بالأجرة، أو غيره من الأسباب المباحة (٢). (قَالَ) أبو مسعود ﵁ (فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ) اسم أبي عَقِيل هذا -وهو بفتح أوّله- حَبْحَاب- بمهملتين، بينهما موحّدة ساكنة، وآخره مثلها- ذكر عبد بن حُميد، والطبريّ، وابن منده من طريق أبي عروبة، عن قتادة، قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩]، قال: "جاء رجل من الأنصار، يقال له: الحبحاب، أبو عَقِيل، فقال: يا نبيّ الله بِتُّ أجُرُّ الجرير (٣) على صاعين من تمر، فأما صاعٌ، فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا، فقال المنافقون: إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عَقيل، فنزلت". وهذا مرسل، ووصله الطبرانيّ، والباورديّ، والطبريّ من طريق موسى بن عُبيدة، عن خالد بن يسار، عن ابن أبي عَقيل، عن أبيه بهذا، ولكن لم يسمّوه، وذكر السهيليّ أنه رآه بخظ بعض الحفّاظ مضبوطًا بجيمين. وروى الطبرانئ في "الأوسط"، وابن منده من طريق سعيد بن عثمان البلويّ، عن جدّته بنت عديّ، أن أمها عميرة بنت سهل بن رافع، صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون خرج بزكاته، صاع تمر، وبابنته عميرة إلى

стр. 11343

النبيّ ﷺ ، فدعا لهما بالبركة، وكذا ذكر ابن الكلبيّ أن سهل بن رافع، هو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون. وروى عبد بن حميد من طريق عكرمة، قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]: هو رفاعة بن سهل، ووقع عند ابن أبي حاتم: رفاعة بن سعد، فَيَحْتَمِل أن يكون تصحيفًا، وَيحْتَمِل أن يكون اسم أبي عَقيل سهل، ولقبه حبحاب، أو هما اثنان. وفي الصحابة أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلويّ بدريّ، لم يسمّه موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق، وسماه الواقديّ: عبد الرحمن، قال: واستُشهِد باليمامة، وكلام الطبريّ يدلّ على أنه هو صاحب الصاع عنده، وتبعه بعض المتأخّرين، قال الحافظ: والأول أولى. وقيل: هو عبد الرحمن بن سمحان (١)، وقد ثبت في حديث كعب بن مالك في قصّة توبته، قال: "وجاء رجل يزول به السراب، فقال النبيّ ﷺ : "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة"، وهو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، واسم أبي خيثمة هذا عبد الله بن خيثمة، من بني سالم، من الأنصار. قال الحافظ: فهذا يدلّ على تعدّد من جاء بالصاع، ويؤيّد ذلك أن أكثر الروايات فيها أنه جاء بصاع، وكذا وقع عند البخاريّ في "الزكاة": "فجاء رجل، فتصدّق بصاع"، وفي حديث الباب: "فجاء أبو عقيل بنصف صاع". وجزم الواقديّ بأن الذي جاء بصدقة ماله هو زيد بن أسلم العجلانيّ، والذي جاء بالصاع هو عُلَيّة بن زيد المحاربيّ. وسمّي من الذين قالوا: إن هذا مُرَاءٍ، وإن الله غنيّ عن صدقة هذا: مُعَتّب بن قُشَير، وعبد الله بن نَبْتَل، وأورده الخطيب في "المبهمات" من طريق الواقديّ، وفيه: عبد الرحمن بن نَبْتَل- وهو بنون، ثمّ موحّدة، ثمّ مثنّاة، ثم لام بوزن جعفر- وسيأتي أيضًا ما يدلّ على تعدّد من جاء بأكثر من ذلك. (قَالَ) أبو مسعود (وَجَاءَ إِنْسَان بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ) أي: مما جاء به أبو

стр. 11344

عَقيل، وفي رواية البخاريّ في "الزكاة": "وجاء رجل بشيء كثير". وروى البزّار من طريق عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "تصدّقوا، فإني أريد أن أبعث بعثًا"، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسول الله عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربّي، وألفين أمسكهما لعيالي، فقال: "بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت"، قال: وبات رجل من الأنصار، فأصاب صاعين من تمر … الحديث. قال البزّار: لم يُسنده إلا طالوت بن عبّاد، عن أبي عوانة، عن عمر، قال: وحدّثناه أبو كامل، عن أبي عوانة، فلم يذكر أبا هريرة فيه، وكذلك أخرجه عبد بن حُميد، عن يونس بن محمد، عن أبي عوانة، وأخرجه ابن أبي حاتم، والطبريّ، وابن مردويه من طرق أخرى، عن أبي عوانة، مرسلًا، وذكره ابن إسحاق في "المغازي" بغير إسناد، وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد، عن قتادة، وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، والمعنى واحد، قال: "وحثّ رسول الله ﷺ على الصدقة -يعني: في غزوة تبوك- فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، فقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بنصفها، فقال: "بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت"، وتصدّق يومئذ عاصم بن عديّ بمائة وسقٍ من تمر، وجاء أبو عَقِيل بصاع من تمر … " الحديث، وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الْعَوْفيّ، عن ابن عبّاس نحوه، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: "جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب" بمعناه، وعند عبد بن حميد، وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس، قال: "جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقيّة من ذهب، فقال: إن لي ثمانمائة أوقيّة من ذهب … " الحديث، وأخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، فقال: "ثمانية آلاف دينار"، ومثله لابن أبي حاتم من طريق مجاهد. وحكى عياض في "الشفا" أنه جاء يومئذ بتسعمائة بعير. وهذا اختلاف شديدٌ في القدر الذي أحضره عبد الرحمن بن عوف، وأصحّ الطرق فيه ثمانية آلاف درهم، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أو غيره، والله أعلم.

стр. 11345

ووقع في "معاني الفرّاء" أن النبيّ ﷺ حثّ على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وعثمان بصدقة عظيمة، وبعض أصحاب النبيّ ﷺ -يعني: عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء أبو عَقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عَقِيل، فإنما جاء بصاعه ليذكّر بنفسه، فنزلت، ولابن مردويه من طريق أبي سعيد: "فجاء عبد الرحمن بن عوف بصدقته، وجاء المطّوّعون من المؤمنين … " الحديث، ذكره في "الفتح" (١). (فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا) أي: عن صدقة أبي عَقِيل (وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ) بالرفع بدلًا من اسم الإشارة، وعَنَوا به الإنسان الذي جاء بمال كثير، وقد تقدّم الخلاف فيه آنفًا (إِلَّا رِيَاءً) أي: إلا إظهارًا لصدقته للناس، لِيَرَوه، ويَظُنّوا به خيرًا، ويحمدوه عليها. (فنزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أي: يعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ قرأ الجمهور بتشديد الطاء، والواو، وأصله المتطوعين، فأدغمت التاء في الطاء، وهم الذين يغزون بغير استعانة برزق من سلطان، أو غيره (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) بيان للمطّوعين (﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾) متعلق بيلمزون (﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾) معطوف على "المطّوّعين"، وأخطأ من قال: إنه معطوف على ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾؛ لاستلزامه فساد المعنى، وكذا من قال: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه يُفْهَم منه أن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ ليسوا بمؤمنين؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فكأنه قيل: الذين يلمزون المطّوّعين من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدون إلا جهدهم، فكأن الأولين مُطّوّعون مؤمنون، والثاني مطّوّعون غير مؤمنين، وليس بصحيح، فالحقّ أنه معطوف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، ويكون من عطف الخاصّ على العامّ، والنكتة فيه التنويه بالخاصّ؛ لأن السخريّة من المقلّ أشدّ من المكثر غالبًا، والله أعلم. قاله في "الفتح". قال أهل اللغة: الْجُهْد بالضم: الطاقة، والْجَهْد بالفتح: المشقة، وقال الشعبيّ: الْجُهْد هو القدرة، والْجَهْد في العمل (٢).
следующие страницы →