والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"سليمان": هو الأعمش.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه بشر، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريّين، سوى ابن معين، فبغداديّ، ونصفه الثاني مسلسل بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريّ ﵁ أنه (قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ) ولفظ البخاريّ في "الزكاة": "لما نزلت آية الصدقة، كنّا نُحامل … ". قال في "الفتح": كأنه يشير إلى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية. انتهى.
وقال في "العمدة": قوله: "لما نزلت آية الصدقة" هي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]. قوله: (كنا نحامل) جواب: "لَمَّا"، ومعناه كنا نتكلف الحمل بالأجرة؛ لنكتسب ما نتصدق به، وفي رواية لمسلم: "كنا نحامل على ظهورنا"، ومعناه نحمل على ظهورنا بالأجرة، ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلِّها.
[فإن قلت]: "نُحَامِل" من باب المفاعلة، وهي لا تكون إلا بين اثنين.
[قلت]: قد يجيء هذا الباب بمعنى فَعَلَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ أي: أسرعوا، ونحامل كذلك بمعنى نَحْمِل.
وقال صاحب "التلويح": قوله: "نُحامِل" قال ابن سِيدَهْ: تحامل في الأمر: تكلفه على مشقة وإعياء، وتحامل عليه كلّفه ما لا يطيق، وفيه نظر؛ لأن هذا المعنى لا يناسب هاهنا. انتهى (١).
стр. 11342
قال الجامع عفا الله عنه: كون ما هنا مِن تحامَلَ في الأمر: إذا تكلّفه واضح، قال في "القاموس": وتحامل في الأمر وبه: تكلّفه على مشقّة، وعليه كلّفه ما لا يُطيق. انتهى (١).
فقوله: "فيه نظرٌ"، فيه نظز لا يخفى، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو مسعود ﵁ (كُنَّا نُحَامِلُ) وفي الرواية الثانية: "كنا نحامل على ظهورنا"، ومعناه: نَحْمِل على ظهورنا بالأجرة، ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلِّها، ففيه التحريض على الاعتناء بالصدقة، وأنه إذا لم يكن له مال يتوصل إلى تحصيل ما يَتَصَدَّق به، من حمل بالأجرة، أو غيره من الأسباب المباحة (٢).
(قَالَ) أبو مسعود ﵁ (فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ) اسم أبي عَقِيل هذا -وهو بفتح أوّله- حَبْحَاب- بمهملتين، بينهما موحّدة ساكنة، وآخره مثلها- ذكر عبد بن حُميد، والطبريّ، وابن منده من طريق أبي عروبة، عن قتادة، قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩]، قال: "جاء رجل من الأنصار، يقال له: الحبحاب، أبو عَقِيل، فقال: يا نبيّ الله بِتُّ أجُرُّ الجرير (٣) على صاعين من تمر، فأما صاعٌ، فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا، فقال المنافقون: إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عَقيل، فنزلت".
وهذا مرسل، ووصله الطبرانيّ، والباورديّ، والطبريّ من طريق موسى بن عُبيدة، عن خالد بن يسار، عن ابن أبي عَقيل، عن أبيه بهذا، ولكن لم يسمّوه، وذكر السهيليّ أنه رآه بخظ بعض الحفّاظ مضبوطًا بجيمين.
وروى الطبرانئ في "الأوسط"، وابن منده من طريق سعيد بن عثمان البلويّ، عن جدّته بنت عديّ، أن أمها عميرة بنت سهل بن رافع، صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون خرج بزكاته، صاع تمر، وبابنته عميرة إلى
стр. 11343
النبيّ ﷺ ، فدعا لهما بالبركة، وكذا ذكر ابن الكلبيّ أن سهل بن رافع، هو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون.
وروى عبد بن حميد من طريق عكرمة، قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]: هو رفاعة بن سهل، ووقع عند ابن أبي حاتم: رفاعة بن سعد، فَيَحْتَمِل أن يكون تصحيفًا، وَيحْتَمِل أن يكون اسم أبي عَقيل سهل، ولقبه حبحاب، أو هما اثنان.
وفي الصحابة أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلويّ بدريّ، لم يسمّه موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق، وسماه الواقديّ: عبد الرحمن، قال: واستُشهِد باليمامة، وكلام الطبريّ يدلّ على أنه هو صاحب الصاع عنده، وتبعه بعض المتأخّرين، قال الحافظ: والأول أولى.
وقيل: هو عبد الرحمن بن سمحان (١)، وقد ثبت في حديث كعب بن مالك في قصّة توبته، قال: "وجاء رجل يزول به السراب، فقال النبيّ ﷺ : "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة"، وهو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، واسم أبي خيثمة هذا عبد الله بن خيثمة، من بني سالم، من الأنصار.
قال الحافظ: فهذا يدلّ على تعدّد من جاء بالصاع، ويؤيّد ذلك أن أكثر الروايات فيها أنه جاء بصاع، وكذا وقع عند البخاريّ في "الزكاة": "فجاء رجل، فتصدّق بصاع"، وفي حديث الباب: "فجاء أبو عقيل بنصف صاع".
وجزم الواقديّ بأن الذي جاء بصدقة ماله هو زيد بن أسلم العجلانيّ، والذي جاء بالصاع هو عُلَيّة بن زيد المحاربيّ.
وسمّي من الذين قالوا: إن هذا مُرَاءٍ، وإن الله غنيّ عن صدقة هذا: مُعَتّب بن قُشَير، وعبد الله بن نَبْتَل، وأورده الخطيب في "المبهمات" من طريق الواقديّ، وفيه: عبد الرحمن بن نَبْتَل- وهو بنون، ثمّ موحّدة، ثمّ مثنّاة، ثم لام بوزن جعفر- وسيأتي أيضًا ما يدلّ على تعدّد من جاء بأكثر من ذلك.
(قَالَ) أبو مسعود (وَجَاءَ إِنْسَان بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ) أي: مما جاء به أبو
стр. 11344
عَقيل، وفي رواية البخاريّ في "الزكاة": "وجاء رجل بشيء كثير".
وروى البزّار من طريق عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "تصدّقوا، فإني أريد أن أبعث بعثًا"، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسول الله عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربّي، وألفين أمسكهما لعيالي، فقال: "بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت"، قال: وبات رجل من الأنصار، فأصاب صاعين من تمر … الحديث. قال البزّار: لم يُسنده إلا طالوت بن عبّاد، عن أبي عوانة، عن عمر، قال: وحدّثناه أبو كامل، عن أبي عوانة، فلم يذكر أبا هريرة فيه، وكذلك أخرجه عبد بن حُميد، عن يونس بن محمد، عن أبي عوانة، وأخرجه ابن أبي حاتم، والطبريّ، وابن مردويه من طرق أخرى، عن أبي عوانة، مرسلًا، وذكره ابن إسحاق في "المغازي" بغير إسناد، وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد، عن قتادة، وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، والمعنى واحد، قال: "وحثّ رسول الله ﷺ على الصدقة -يعني: في غزوة تبوك- فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، فقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بنصفها، فقال: "بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت"، وتصدّق يومئذ عاصم بن عديّ بمائة وسقٍ من تمر، وجاء أبو عَقِيل بصاع من تمر … " الحديث، وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الْعَوْفيّ، عن ابن عبّاس نحوه، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: "جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب" بمعناه، وعند عبد بن حميد، وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس، قال: "جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقيّة من ذهب، فقال: إن لي ثمانمائة أوقيّة من ذهب … " الحديث، وأخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، فقال: "ثمانية آلاف دينار"، ومثله لابن أبي حاتم من طريق مجاهد. وحكى عياض في "الشفا" أنه جاء يومئذ بتسعمائة بعير.
وهذا اختلاف شديدٌ في القدر الذي أحضره عبد الرحمن بن عوف، وأصحّ الطرق فيه ثمانية آلاف درهم، وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أو غيره، والله أعلم.
стр. 11345
ووقع في "معاني الفرّاء" أن النبيّ ﷺ حثّ على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وعثمان بصدقة عظيمة، وبعض أصحاب النبيّ ﷺ -يعني: عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء أبو عَقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عَقِيل، فإنما جاء بصاعه ليذكّر بنفسه، فنزلت، ولابن مردويه من طريق أبي سعيد: "فجاء عبد الرحمن بن عوف بصدقته، وجاء المطّوّعون من المؤمنين … " الحديث، ذكره في "الفتح" (١).
(فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا) أي: عن صدقة أبي عَقِيل (وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ) بالرفع بدلًا من اسم الإشارة، وعَنَوا به الإنسان الذي جاء بمال كثير، وقد تقدّم الخلاف فيه آنفًا (إِلَّا رِيَاءً) أي: إلا إظهارًا لصدقته للناس، لِيَرَوه، ويَظُنّوا به خيرًا، ويحمدوه عليها.
(فنزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أي: يعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ قرأ الجمهور بتشديد الطاء، والواو، وأصله المتطوعين، فأدغمت التاء في الطاء، وهم الذين يغزون بغير استعانة برزق من سلطان، أو غيره (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) بيان للمطّوعين (﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾) متعلق بيلمزون (﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾) معطوف على "المطّوّعين"، وأخطأ من قال: إنه معطوف على ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾؛ لاستلزامه فساد المعنى، وكذا من قال: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه يُفْهَم منه أن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ ليسوا بمؤمنين؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فكأنه قيل: الذين يلمزون المطّوّعين من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدون إلا جهدهم، فكأن الأولين مُطّوّعون مؤمنون، والثاني مطّوّعون غير مؤمنين، وليس بصحيح، فالحقّ أنه معطوف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، ويكون من عطف الخاصّ على العامّ، والنكتة فيه التنويه بالخاصّ؛ لأن السخريّة من المقلّ أشدّ من المكثر غالبًا، والله أعلم. قاله في "الفتح".
قال أهل اللغة: الْجُهْد بالضم: الطاقة، والْجَهْد بالفتح: المشقة، وقال الشعبيّ: الْجُهْد هو القدرة، والْجَهْد في العمل (٢).
стр. 11346
وقوله: (وَلَمْ يَلْفِظْ بِشْرٌ بِالْمُطَّوِّعِينَ) أشار به إلى أن شيخه بشر بن خالد خالف يحيى بن معين في ذكر لفظة "المطّوّعين"، هذا هو ظاهر ما دلّ عليه كلامه، ولكن لم يظهر لي وجهه، فإن الحديث أخرجه البخاريّ، والنسائيّ عن بشر، وفيه لفظ "المطوّعين"، ودونك نصّ البخاريّ في "كتاب التفسير"، قال ﵀: (٤٦٦٨) - حدّثني بشر بن خالد أبو محمد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، قال: لما أُمِرنا بالصدقة، كنا نتحامل، فجاء أبو عَقِيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاءً، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٣٥٥ و ٢٣٥٦] (١٠١٨)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٥ و ١٤١٦)، و"الإجارة" (٢٢٧٣)، و"التفسير" (٤٦٦٨ و ٤٦٦٩)، و (النسائيّ) في الزكاة" (٢٥٣٠)، وفي "الكبرى" (٢٣٠٩)، و (ابن ماجه) في "الزهد" (٤١٥٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٥)، و (ابن أبي حاتم) في "تفسيره" (٦/ ١٨٥٠)، و (ابن جرير الطبريّ) في "تفسيره" (٨/ ٢١٥ و ١٠/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضلِ صدقةِ قليلِ المال.
٢ - (ومنها): مشروعيّة حثّ الإمام الناسَ على الصدقة لإزالة فاقة المحتاجين.
стр. 11347
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃، من المسارعة إلى الخيرات، كل على حسب حاله، فالغنيّ يجود بالكثير، والفقير بقدر استطاعته.
٤ - (ومنها): بيان أخلاق المنافقين، وسوء طويّتهم، وأنهم لا يَسْلَم من لَمْزهم وغَمْزهم أحدٌ من المؤمنين في جميع الأحوال، لا الأغنياء، ولا المقلّون، فإن تصدّق أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُرَاءٍ، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغنيّ عن صدقة هذا.
وبالجملة فهم يتّهمون المؤمنين المخلصين بما هم بريئون منه، بل هو من صفات المنافقين أنفسِهِم، فإن الرياء والسمعة، وحُبّ المحمدة بما لم يفعلوا، ونحوها من الأخلاق المذمومة هي بضاعتهم، وفيها تجارتهم، ولقد جازاهم الله تعالى على هذا الخلُق الذميم، كما أخبر بذلك في قوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٦] ( … ) - (وَحَدَّثنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَني سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، كلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وفى حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو زيد الْهَرَويّ البصريّ، ثقة من صغار [٩] أقدم شيخ للبخاريّ وفاةً (ت ٢١١) (خ م ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٠/ ١٤٥٠.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقة ثبث [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
стр. 11348
٤ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية سعيد بن الربيع، عن شعبة هذه، ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٨/ ١٢٧) فقال:
(٣٣٣٨) - أخبرنا عُمَرُ بن محمد بن بُجَير الْهَمْداني بالصُّغْد، حدّثنا محمد بن بشار، حدثنا سعيد بن الربيع، حدّثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا وائل، عن ابن مسعود، قال: كنا نتحامل على ظهورنا، فيجيء الرجل بالشيء، فيتصدق به، فجاء رجل بنصف صاع، وجاء آخر بشيء كثير، فقالوا: إن الله غَنِيّ عن صدقة هذا، وهذا مُرَاءٍ، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]. انتهى.
وأما رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، فساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٤/ ١٧٧) فقال:
(٧٥٣٧) - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود (ح) وأخبرنا أبو صالح ابن بنت يحيى بن منصور القاضي، أنبأ جَدِّي، ثنا أحمد بن سلمة، أنبأ إسحاق بن منصور، أنبأ أبو داود، ثنا شعبة، عن الأعمش، قال: سمعت أبا وائل يحدِّث عن أبي مسعود، قال: كنا نتحامل، فيتصدق الرجل بالصدقة العظيمة، فيقال: هذا مرائي، ويتصدق الرجل بنصف صاع، فيقال: إن الله لغني عن هذا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ إلي ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠]، لفظ حديث أبي صالح، وفي رواية أبي بكر قال: عن أبي مسعود البدريّ قال: كنا نتحامل، فيجيء الرجل بالصدقة العظيمة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11349
(٢٣) - (بَابُ فَضْلِ الْمَنِيحَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٧] (١٠١٩) - (حَدَّثَنَا (١) زُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ: "ألَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً، تَغْدُو بِعُسٍّ، وَتَرُوحُ بِعُسٍّ، إِن أَجْرَهَا لَعَظِيمٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ) الإمام الكوفيّ، ثم المكيّ الحافظ الحجة الثبت، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقية [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقية [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، ثم بغداديّ، وسفيان، فكوفيّ، ثمّ مكيّ.
٤ - (ومنها): أنه فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة.
стр. 11350
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁ على بعض الأقوال.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ) معناه: يبلغ به النبيّ ﷺ ، فكأنه قال: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يمنح"، ولا فرق بين هاتين الصيغتين باتفاق العلماء، قاله النوويّ ﵀، وقد مضى البحث في هذا مستوفًى غير مرّة.
("أَلَا رَجُلٌ) مبتدأ خبره جملة "إن أجرها لعظيم" (يَمْنَحُ) أي: يُعطي، يقال: مَنَحته الشيء مَنْحًا، من بابي نَفَعَ، وضَرَبَ: إذا أعطيته، والاسم المنيحة بفتح الميم، وكسر النون، والْمِنْحَةُ بكسر الميم، وسكون النون، والْمِنْحة في الأصل: هي الشاة، أو الناقة يُعطيها صاحبها رجلًا يشرب لبنها، ثمّ يرُدّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، أفاده الفيّوميّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "يَمْنَحُ" بفتح النون: أي: يعطيهم ناقةً يأكلون لبنها مُدّةً، ثم يردُّونها إليه، وقد تكون المنيحة عَطِيَّةً للرقبة بمنافعها مؤبَّدةً، مثل الهبة. انتهى (٢).
وقوله: (أَهْلَ بَيْتٍ) مفعول أول، وقوله: (نَاقَةً) مفعول ثانٍ، والجملة في محلّ رفع صفة لـ"رجلٌ"، و"الناقةُ": هي الأنثى من الإبل، قال أبو عُبيدة: ولا تُسمّى ناقةً حتى تُجْذِعَ (٣)، والجمع أَيْنُقٌ، ففيه القلب المكانيّ، حيث قُدّمت عين الكلمة على فائها (٤)، وقوله: (تَغْدُو بِعُسٍّ) صفة لـ"ناقةً"، ومعنى "تغدو" أي: تأتي وقت الغدوّ، يقال: غدا غُدُوًّا، من باب قعد: ذهب غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمع الْغُدْوة غُدى، مثلُ مُدْيةٍ ومُدى، هذا أصله، ثمّ كثُرَ، حتى استُعْمِل في الذهاب والانطلاق أيَّ وقت كان، ومنه
стр. 11351
حديث: "واغْدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (١)، قاله الفيّوميّ (٢).
و"الْعُسّ" -بضم العين، وتشديد السين المهملة-: هو الْقَدَحُ الكبير، قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه، ورُوي "بعشاء" بشين معجمة ممدودة، قال القاضي: وهذه رواية أكثر رواة مسلم، قال: والذي سمعناه من متقني شيوخنا: "بِعُسٍّ"، وهو القَدَحُ الضَّخْم، قال: وهذا هو الصواب المعروف، قال: ورُوي من رواية الحميديّ في غير مسلم: "بعساء" بالسين المهملة، وفسَّره الحميديّ بالْعُسّ الكبير، وهو من أهل اللسان، قال: وضبطنا عن أبي مروان بن سراج بكسر العين وفتحها معًا، ولم يقيده الجيانيّ، وأبو الحسن بن أبي مروان عنه، إلا بالكسر وحده، هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: ووقع في كثير من نسخ بلادنا، أو أكثرها، من "صحيح مسلم": "بِعَسَاء" بسين مهملة ممدودة، والعين مفتوحة. انتهى (٣).
(وَتَرُوحُ) أي: ترجع، يقال: راح يَرُوح رَوَاحًا، وتَرَوَّحَ مثله، يكون بمعنى الغُدو، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]؛ أي: ذهابها ورجوعها، وقد يَتَوَهَّم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح، والْغُدُوّ عند العرب يستعملان في المسير أَيَّ وقت كان من ليل أو نهار، قاله الأزهري وغيره (٤). (بِعُسٍّ) متعلّق بـ "تروح"، وقوله: (إِنَّ أَجْرَهَما لَعَظِيمٌ") بكسر همزة "إنّ" لوقوعها في الابتداء، والجملة خبر المبتدأ، كما أسلفته.
[تنبيه]: هذا الحديث لفظه عند البخاريّ: قال رسول الله ﷺ : "نعم الصدقة اللّقْحَة الصَّفِيّ مِنْحَةً، والشاةُ الصَّفِيّ مِنحةً، تغدو بإناء، وتروح بآخر".
قال في "الفتح": والمنيحة بالنون والمهملة، وزن عظيمة، هي في الأصل العَطِيّة، قال أبو عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أحدهما: أن يعطي الرجلُ صاحبه صِلَةً، فتكون له، والأخر أن يعطيه ناقةً، أو شاة ينتفع بحلبها،
стр. 11352
ووبرها زمنًا ثم يَرُدّها، وقال القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقةً أو شاةً، والأول أعرف.
وقوله: "نعم المنيحة اللَّقْحَة الصَّفِيَ مِنْحَةً"، اللقحة: الناقةُ ذات اللبن القريبة العهد بالولادة، وهي مكسورة اللام، ويجوز فتحها، والمعروف أن اللقحة -بفتح اللام- المرة الواحدة من الْحَلْب، والصَّفِيّ بفتح الصاد، وكسر الفاء: أي: الكريمة الغزيرة اللبن، ويقال لها: الصفية أيضًا، كذا رواه يحيى بن بكير.
وذكر البخاريّ بعده أن عبد الله بن يوسف، وإسماعيل بن أبي أويس روياه بلفظ: "نعم الصدقة اللقحة الصفي منحةً"، وهذا هو المشهور عن مالك، وكذا رواه شعيب، عن أبي الزناد.
قال ابن التين: من روى "نعم الصدقة" روى أحدهما بالمعنى؛ لأن المنحة العطية، والصدقة أيضًا عطية.
فتعقّبه الحافظ بان لا تلازم بينهما، فكل صدقة عطية، وليس كل عطية صدقة، وإطلاق الصدقة على المنحة مجاز، ولو كانت المنحة صدقةً لَمَا حَلَّت للنبيّ ﷺ ، بل هي من جنس الهبة والهدية.
وقوله: "منحةً" منصوب على التمييز، قال ابن مالك: فيه وقوع التمييز بعد فاعل "نِعْمَ" ظاهرًا، وقد منعه سيبويه إلا مع الإضمار، مثل: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] وجوَّزه المبرد، وهو الصحيح.
وقال أبو البقاء: "اللقحة" هي المخصوصة بالمدح، و"منحةً" منصوب على التمييز توكيدًا، وهو كقول الشاعر:
فَنِعْمَ الزَّادُ زَادُ أَبِيكَ زَادَا
وقوله: "تغدو بإناء، وتروح بإناء"؛ أي: من اللبن؛ أي: تُحْلَب إناءً بالغداة، وإناءً بالعشيّ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11353
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٣٥٧] (١٠١٩)، و (البخاريّ) في "الهبة" (٢٦٢٩) و"الأشربة" (٥٦٠٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٥٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٦)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٧٨)، و (الطبرانئ) في "مسند الشاميين" (٤/ ٢٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل المنيحة، وهي أن تكون له ناقة، أو بقرةٌ، أو شاة ذات لبن، فيدفعها إلى مَن يَشْرَب لبنها مدةً، ثم يردها إليه.
٢ - (ومنها): الحثّ على إيصال النفع إلى المسلمين بأيّ وجه وبأيّ طريق كان.
٣ - (ومنها): مشروعيّة هبة المنافع دون تمليك الرقبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٨] (١٠٢٠) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو، عَنْ زيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ نَهَى، فَذَكَرَ خِصَالًا، وَقَالَ: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً (١)، غَدَتْ بِصَدَقَةٍ، وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ، صَبُوحَهَا وَغَبُوقَهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السّلميّ، أبو عبد الله البغداديّ الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٢.
стр. 11354
٢ - (زَكَرِياءُ بْنُ عَدِيِّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٨٨.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الجَزَريّ الرقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيه ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٧٩) سنةً (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٩٦.
٤ - (زيدُ) بن أبي انيسة، أبو أسامة الْجزريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٩) أو (١٢٤) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٩٦.
٥ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
٦ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٢٤.
و"أبو هريرة" ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ نَهَى) يَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير النبيّ ﷺ ، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، وضمير "أنه" للشأن؛ أي: أن الأمر والشأن نُهِي عن أشياء كثيرةً، كما أشار إليه بقوله: (فَذَكَرَ) أي: النبيّ ﷺ ، ويَحْتَمِل أن يكون الضمير لأبي هريرة ﵁، والأول أشبه، ويؤيّده عطف قوله: "وقال: من منح إلخ"؛ إذ فاعل "قال" ضمير النبيّ ﷺ (خِصَالًا) أي: أمورًا عديدة من المنهيّات.
стр. 11355
[تنبيه]: الخصال التي أبهمها المصنّف ﵀ هنا قد ذكرها الحافظ أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٣/ ٢٦١) فقال:
(٤٨٩٧) - حدّثني هلال بن العلاء، حدثنا أبي (ح) وحدثنا الصغانيّ، حدثنا زكريا بن عديّ، قالا: ثنا عبيد الله بن عَمْرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عديّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ نَهَى أن يُتَلَقَّى الْجَلَبُ، وأن يَستام الرجل على سوم أخيه، ونَهَى عن التصرية، ونَهَى عن أن يُتناجَش، ونَهَى أن يتلقى الجلب، ونَهَى أن تسأل المرأة طلاق أختها، ونَهَى أن يُباع الماءُ مخافةَ أن يُرْعَى الكلأ، ونَهَى أن يبيع حاضر لباد، وقال: "ومن منح منيحةً غَدَت وراحت بصدقة، صَبوحها وغَبُوقها". انتهى.
وأخرجه أيضًا أبو يعلى في "مسنده" (١١/ ٤٧) فقال:
(٦١٨٧) - حدّثنا هاشم بن الحارث، حدّثنا عبيد الله بن عَمْرو، عن زيد بن أبي أُنيسة، عن عديّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ نَهَى أن يُساوم الرجل على سوم أخيه، ونَهَى عن التناجش، ونَهَى أن يُتَلَقَّى الجلَبُ، ونَهَى أن تسأل المرأة طلاق أختها، ونَهى أن يُمنَع الماءُ مخافةَ أن يُرْعَى الكلأ، وَنَهَى أن يبيع حاضر لباد، ومَن منح منحةً غَدَت بصدقة، وراحت بصدقة، صَبُوحها وغَبُوقها. انتهى.
(وَقَالَ: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً) قال النوويّ ﵀: وقع في بعض النسخ "مَنِيحة"، وبعضها "مِنْحَةً" بحذف الياء، قال أهل اللغة: المنحة بكسر الميم، والمنيحة بفتحها مع زيادة الياء: هي العطية، وتكون في الحيوان، وفي الثمار، وغيرهما، وفي "الصحيح": "أن النبيّ ﷺ مَنَحَ أُمَّ أيمن عِذاقًا" أي: نخيلًا، ثم قد تكون المنيحة عطيةً للرقبة بمنافعها، وهي الهبة، وقد تكون عطية اللبن، أو الثمرة مُدّةً، وتكون الرقبة باقية على ملك صاحبها، ويردُّها إليه إذا انقضى اللبن، أو الثمر المأذون فيه.
فقوله: "مَنْ مَنَحَ مَنِيحةً" "من" موصولة، أو شرطيّة مبتدأ، خبرها جملة "غدت بصدقة"، والضمير الراجع إلى الموصول محذوف، تقديره: غدت له بصدقة؛ أي: غدت تلك المنيحة له ملتبسة بصدقة، وقيل: "غَدَت" صفة لمنيحة، والخبر محذوف: أي: جمع أجرًا جزيلًا، والوجه الأول أقرب.
وقال القرطبيّ ﵀: "من" شرطيّة في موضع رفع بالابتداء، جوابه:
стр. 11356
"غدت بصدقة، وراحت بصدقة"، وهو خبر المبتدأ على قول، والصحيح أن خبرها ما بعدها؛ لأن "مَن" الشرطيّة لا تحتاج إلى صلة، بل هي اسم تامّ، وإنما لم يتمّ الكلام بما بعدها لما تضمّنته من معنى الشرط، فتدبّره، فإنه الصحيح.
قال: والمَنِيحة، والْمِنْحة: عطيّة ذوات الألبان؛ لينتفع المعطَى له باللبن، ثم يردّ المحلوب.
ومعنى الكلام: أن مَن مَنَحَ مَنِيحةً كان للمانح صدقةً كلّما غدت أو راحت؛ لأجل ما ينال منها في الصباح والمساء، والغُدُوّ: البُكْرة، والرواح: العشيّ. انتهى (١).
(كَدَتْ) أي: تلك المنيحة لمانحها (بِصَدَقَةٍ) أي: بثواب صدقة عظيمة، فالتنوين للتعظيم، كما دلّ عليه الحديث الماضي: "إن أجرها لعظيم" (وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ) وقوله: (صَبُوحَهَا وَغَبُوقَهَا") منصوبان على الظرفيّة، أو مجروران على البدليّة من قوله: "صدقةٍ"، و"الصبوح" بفتح الصاد: الشرب أول النهار، و"الغبوق" بفتح الغين: الشرب أول الليل، قاله القاضي عياض ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الصَّبُوح: شرب الصباح، والْغَبُوق: شرب العشيّ، والجاشريّة: شرب نصف النهار. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٣٥٨] (١٠٢٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٦٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٢٦)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٤٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11357
(٢٤) - (بَابُ بَيَانِ مَثَلِ الْمُنْفِقِ، وَالْبَخِيلِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٥٩] (١٠٢١) - (حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مًثَلُ الْمُنْفِقِ، وَالْمُتَصَدَّقِ، كمَثَلِ رَجُل، عَلَيْهِ جُبّتَانِ، أَوْ جُنَّتَانِ، مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ -وَقَالَ الْآخَرُ-: فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يَتَصَدَّقَ، سَبَغَتْ عَلَيْهِ، أَوْ مَرَّتْ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ، قَلَصَتْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ"، قَالَ: فَقَالَ أَبو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ: يُوَسَّعُهَا فَلَا (١) تَتَّسِعُ).
رجال هذا الإسناد: ثماينة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، أبو الوليد، وأبو خالد الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يُدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٣ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ) بن يَنّاق (٢) المكيّ، ثقة [٥] مات بعد المائة بقليل (خ م د س ق) تقدم في "صلاة العيدين" ١/ ٢٠٤٤.
٤ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة ثبت فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 11358
والباقون تقدّموا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، بالنسبة للإسناد الأول، ومن سداسيّاته بالنسبة للثاني.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والحسن بن مسلم، فما أخرج له الترمذيّ.
(ومنها): أن الأول مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغداديّ، وسفيان فمكيّ، والثاني مسلسل بالمكيين غير شيخه أيضًا، وطاوس فيمني، وأبي هريرة فمدنيّ، والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره.
[تنبيه]: قوله: "قال عمرو" من كلام المصنّف ﵀؛ يعني به: شيخه عمر الناقد، وقوله: "قال: وقال ابن جريج" فاعل "قال" الأول ضمير ابن عيينة، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ: "وقال ابن جريج" بالواو، وهي صحيحة مَلِيحة، وإنما أتى بالواو؛ لأن ابن عيينة قال لعمرو: قال ابن جريج كذا، فإذا رَوَى عمرٌ والثانيَ من تلك الأحاديث أتى بالواو؛ لأن ابن عيينة قال في الثاني: وقال ابن جريج كذا، وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات في أول الكتاب. انتهى (١).
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة: حدّثنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن حدّثه، أنه سمع أبا هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ ، وفي رواية النسائيّ: عن طاوس، قال: سمعت أبا هريرة، وقال البخاريّ تعليقًا: "وقال حنظلة: سمعت طاوسًا، سمعت أبا هريرة" (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَثَلُ الْمُنْفِقِ، وَالْمُتَصَدِّقِ) هكذا وقع هذا الحديث
стр. 11359
في جميع النسخ من رواية عَمْرو: "مثلُ المنفق والمتصدق"، قال القاضي عياضٌ وغيره: هذا وَهَمٌ، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات: "مثل البخيل والمتصدق"، وتفسيرهما آخر الحديث يُبَيِّن هذا، وقد يَحْتَمِل أن صحة رواية عمرو هكذا أن تكون على وجهها، وفيها محذوف، تقديره: مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما، وهو البخيل، وحُذِف "البخيل"؛ لدلالة المنفق والمتصدّق عليه، كقول الله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ﴾ الآية [النحل: ٨١]: أي: "والبرد"، وحُذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال الحافظ ﵀: قد رواه الحميديّ، وأحمد، وابن أبي عمر، وغيرهم في "مسانيدهم" عن ابن عيينة، فقالوا في رواياتهم: "مثل المنفق، والبخيل"، كما في رواية شعيب، عن أبي الزناد، وهو الصواب. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض ﵀ في "شرحه": وقع في هذا الحديث أوهام كثيرة من الرواة، وتصحيفٌ، وتحريفٌ، وتقديم وتأخيرٌ، ويُعرف صوابه من الأحاديث التي بعده، فمنه: "مثلُ المنفق والمتصدق"، وصوابه: المتصدق والبخيل، ومنه: "كمثل رجل"، وصوابه: رجلين عليهما جنتان، ومنه قوله: "جنتان أو جبتان" بالشك، وصوابه: جنتان بالنون بلا شك، كما في الحديث الآخر بالنون بلا شك، والجنة الدرع، ويدل عليه في الحديث نفسه قوله: "فأخذت كل حلقة موضعها"، وفي الحديث الآخر: "جنتان من حديد"، ومنه قوله: "سَبَغَت عليه، أو مَرّت"، كذا هو في النسخ "مَرَّت" بالراء، قيل: إن صوابه مُدَّت بالدال، بمعنى سَبَغَت، وكما قال في الحديث الآخر: "انبَسَطَت"، لكنه قد يَصِحّ "مَرَّت" على نحو هذا المعنى، والسابغُ: الكاملُ، وقد رواه البخاريّ: "مَادَتْ" بدال مخففة، من مَادَ: إذا مال، ورواه بعضهم "مَارَتْ"، ومعناه: سألت عليه، وامتدت، وقال الأزهريّ: معناه: تَرَدَّدت وذهبت وجاءت؛ يعني: لكمالها.
ومنه قوله: "وإذا أراد البخيل أن يُنفق قَلَصَت عليه، وأَخَذت كلُّ حَلْقة
стр. 11360
موضعها، حتى تُجِنّ بنانه، وتَعْفُوَ أثره"، قال: فقال أبو هريرة: "يوسعها فلا تتسع"، وفي هذا الكلام اختلال كثيرٌ؛ لأن قوله: "حتى تُجِنّ بَنَانَهُ، وتَعْفُو أَثَرَه" إنما جاء في المتصدق، لا في البخيل، وهو على ضدّ ما هو وصف البخيل في قوله: "قَلَصَت كلُّ حلقة موضعها"، وقوله بعد هذا: "يوسعها فلا تتسع"، وهذا من وصف البخيل، فأدخله في وصف المتصدق، فاختلّ الكلام، وتناقض، وقد ذُكِر في الأحاديث على الصواب.
ومنه رواية بعضهم في موضع "تُجنّ": "تحزّ" بالحاء والزاي، وهو وهم، والصواب رواية الجمهور "تُجِنّ " بالجيم والنون؛ أي: تستتر.
ومنه رواية بعضهم: "ثيابه" بالثاء المثلثة، وهو وَهَمٌ، والصواب: "بنانه" بالنون، وهو رواية الجمهور، كما قال في الحديث الآخر: "أنامله".
ومعنى "تَقَلَّصت": انقبضت، ومجنى "تعفو أثره" أي: تمحو أثر مشيه بسبوغها وكمالها، وهو تمثيل لنماء المال بالصدقة والإنفاق، والبخل بضدّ ذلك، وقيل: هو تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، وتَعَوَّدَ ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادةً له، وفي الحديث الترغيب في الصدقة وفضلها.
وقيل: معنى "تعفو أثره" أي: تذهب بخطاياه، وتمحوها، وقيل في البخيل: "قَلَصت ولَزِمَت كلُّ حلقة مكانها" أي: يُحْمَى عليه يوم القيامة، فيُكْوَى بها، والصواب الأول، والحديث جاء على التمثيل، لا على الخبر عن كائن، وقيل: ضُرِب المثل بهما؛ لأن المنفق يستره الله تعالى بنفقته، ويستر عوراته في الدنيا والآخرة، كستر هذه الْجُنَّة لابسها، والبخيل كمن لَبِس جُبّة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفًا بادي العورة، مُفتضَحًا في الدنيا والآخرة. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ ببعض تصرّف، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا (١).
وقوله: (كَمَثَلِ رَجُلٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في الأصول كلّها "كمثل رجل" بالإفراد، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وصوابه: "كمثل رجلين". انتهى.
стр. 11361
(عَلَيْهِ جُبَّتَانِ) بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة، تثنية جُبّة، وهو ثوب مخصوص (أَوْ جُنَّتَانِ) بالنون بدل الباء الموحّدة، وهي الدرع، وهذا شكّ من الراوي، وصوّبوا النون؛ لقوله: "من حديد"، وقوله: "واتسعت عليه الدرع"، وغير ذلك، ذكره النوويّ. وأفاد في "الفتح" أن المحفوظ في هذه الرواية بالموحّدة، ومَن رواه فيها بالنون، فقد صحّف، قال: ورُجّحت رواية النون لقوله: "من حديد"، والجنّة في الأصل الحصن، وسمّيت بها الدرع؛ لأنها تُجِنّ صاحبها؛ أي: تحصنه، والجبّة -بالموحّدة- ثوب مخصوص، ولا مانع من إطلاقه على الدرع. انتهى (١).
وقال السنديّ ﵀: نعم إطلاق الجبّة -بالباء- على الجنّة -بالنون- مجازًا غير بعيد، فينبغي أن تكون الجنّة -بالنون- هي المرادة في الروايتين. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ما أشار إليه السنديّ ﵀ من تصحيح الروايتين حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا) "من" ابتدائيّة متعلّق بحال محذوف؛ أي: حال كون الجبّتين، أو الجنّتين كائنتين من ثُديّهما.
قال النوويّ: ﵀: قوله: "من لدن ثُدِيّهما" هكذا هو في كثير من النسخ المعتمدة، أو أكثرها "ثُدِيّهما" بضم الثاء، وبياء واحدة مشددة على الجمع، وفي بعضها "ثَدْيَيْهِمَا" بالتثنية. انتهى (٣).
و"الثُّدِيُّ "-بضمّ المثلّثة، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء - جمع ثَدْي - بفتح، فسكون- كفلس، وفُلُوس، وأصله ثُدُويٌ، اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون الأصليّ، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء، كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
===
стр. 11362
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
قال في "المصباح": الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابن السّكّيت. ويُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثَّديُ، والجمع أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُل، وفُعُولٌ، مثل أفلُسٍ، وفُلُوسٍ، وربّما جُمع على ثِدَاءٍ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَام. انتهى (١).
وفي "القاموس": " الثَّدْيُ -أي: بالفتح -ويُكسر، وكالثَّرَى: خاصّ بالمرأة، أو عامّ، ويؤنّث، وجمعه أَثْدٍ، وثُدِيٌ، كَحُليٍّ. انتهى. قال الشارح المرتضى: قوله: "كحليّ" أي: بالضمّ على فُعُولٍ، كما في "الصحاح"، قال: و"ثِدِيّ" أيضًا بكسر الثاء إتباعًا. انتهى.
(إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح المثنّاة الفوقيّة، وقاف، جمع تَرْقُوة -بفتح المثنّاة، وسكون الراء، وفتح الواو-: هما العظمان المشرفان في أعلى الصدر.
قال في "المصباح": التَّرْقُوَة: وزنُهَا فَعْلُولَة -بفتح الفاء، وضمّ اللام- وهو العظم الذي بين ثُغْرَة النَّحْر والعاتق من الجانبين، والجمع: التَرَاقِي، قال بعضهم: ولا تكون التَّرْقُوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان. انتهى (٢).
وهذا إشارة إلى ما جُبل عليه الإنسان من الشحّ، ولذا جمع بين البخيل، والجواد فيه.
(فَإذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ) وقوله: (وَقَالَ الآخَرُ) أراد به أحد شيخي ابن عيينة: أبا الزناد، وابن جريج؛ يعني: أحدهما قال: "فإذا أراد المنفق"، وقال الآخر: (فَإذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّق أَنْ يَتَصَدَّقَ، سَبَغَتْ) أي: امتدّت، وغطّت (عَلَيْهِ) أي: المتصدّق، وفي رواية النسائيّ: "فإذا أراد المنفق أن يُنفق اتّسعت عليه الدرع"، وقوله: (أَوْ مَرَّتْ) أي: جازت ذلك المحلّ، و"أو" للشكّ من بعض الرواة.
(وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ، قَلَصَتْ عَلَيْهِ) -بفتح القاف، واللام، والصاد المهملة-: أي: انقبضت. يقال: قَلَصَتْ شَفَتُهُ تَقْلِصُ، من باب ضرب: انزَوَتْ، وتقلَّصَت مثله، وقَلَصَ الظلُّ: ارتفع، وقَلَصَ الثوبُ: انزوَى بعد غَسْلِهِ، قاله الفيّوميّ (وَأَخَذَتْ) وفي رواية البخاريّ: "إلا لَزِقت"، للنسائيّ:
стр. 11363
"وَلَزِمَتْ" (كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا) يعني: اشتدّت، والتصقت الحلقة بعضها ببعض.
قال الفيّوميّ ﵀: حَلْقَةُ الباب بسكون اللام، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم الذين يجتمعون مستديرين، والحَلْقَة السّلاحُ كلُّهُ بالسكون، والجمعُ حَلَقٌ بفتحتين، على غير قياس، وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَقٌ بكسر، ففتح، مثلُ قَصْعَة وقِصَعٍ، وبَدْرَةٍ وبِدَرٍ، وحَكَى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أنّ الحَلَقَة بفتح اللام لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياسٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ، وجَمَعَ ابنُ السّرّاج بينهما، وقال: فقالوا: حَلَقٌ بفتحتين، ثمّ خفَّفُوا الواحد حين ألحقوه الزيادة، وغُيِّرَ المعنى، قال: وهذا لفظ سيبويه. انتهى كلام الفيّوميّ ببعض تصرّف (١).
وقال المجد اللغويّ ﵀: وحَلْقَةُ الباب، والقومِ، وقد تُفتحُ لامهما، وتُكسرُ، أو ليس في الكلام حَلَقَةٌ، محرَّكَةً، إلّا جَمْعَ حالق، أو لغةٌ ضعيفة، جمعه حَلَقٌ، محرَّكَةً، وكَبِدَرٍ، وحَلَقَاتٌ، محرّكةً، وتكسر الحاء. انتهى (٢).
قمال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل من مجموع ما ذُكر أن "الْحَلْقَة" يجوز في حائه الفتح، والكسر، وفي لامه السكون، وهو الأفصح، والفتح، وهو قليل، وذَكَرَ في "تاج العروس" عن "العُباب" كسر اللام، قال: نقله الفرّاء، والأمويّ، وقالا: هي لغة بلحرث بن كعب.
وأما جمعه فحَلَقٌ محرّكةً، وحِلَق، بكسر، ففتح، وحَلَقَات، محرّكةً، وتكسر حاؤه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ") قد تقدّم في كلام عياض ﵀ أن هذا وَهَمٌ؛ لأنه من وصف المنفق، وليس من وصف البخيل، فتنبّه.
(حَتى تُحن) -بضمّ أوّله، وكسر الجيم، وتشديد النون- من أجنّ الشيءَ: إذا ستره؛ أي: تستر (بَنَانَهُ) بالنصب مفعول "تُجِنّ" وهو -بفتح الموحّدة، ونونين خفيفتين- قال الفيّوميّ ﵀: البَنَانُ: الأصابع. وقيل: أطرافها،
стр. 11364
الواحدة بَنَانَةٌ. قيل: سمّيت بَنَانًا؛ لأنّ بها صلاحَ الأحوال التي يستقرّ بها الإنسان؛ لأنه يقال: أَبَنَّ بالمكان: إذا استقرّ به. انتهى.
(وَتَعْفُوَ أثَرَهُ) أي: تمحوَ أثر مشيه بسبوغها، وكمالها، يقال: عفا المنزلُ عَفْوًا، وعَفَاءً -بالفتح، والمدّ-: دَرَسَ، وعَفَتْهُ الريحُ، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، ومنه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣]؛ أي: محا ذنوبك، وعفوتُ الحقّ: أسقطته، كأنّك محوته عن الذي هو عليه، وعافاه الله: محا عنه الأسقام، قاله الفيّوميّ.
والمناسب هنا المتعدّي، ولذا نَصَبَ "أثرَهَ". والمعنى: أن الصدقة تستر خطاياه، كما يغطّي الثوبُ الذي يُجَرُّ على الأرض أثرَ صاحبه؛ إذا مشى بمرور الذيل عليه، قاله في "الفتح".
(قَالَ) الراوي، وهو الأعرج، أو طاوس (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (فَقَالَ) أي: أخذ ﷺ ، ففيه إطلاق القول على الفعل، وقد تقدّم غير مرّة (يُوَسِّعُهَا) أي: الْجُنّةَ (فَلَا) وفي نسخة بالواو (تَتَّسِعُ) وفي الرواية التالية: "قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبَعه في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تتّسع"، ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق، عن أبي الزناد في الحديث: "وأما البخيل، فإنها لا تزداد عليه إلا استحكامًا".
وحاصل المعنى: أنه يحاول في توسيعها، ولكنّها لا تقبل التوسيع؛ لاستحكام تقلّصها، وثبوتها في مكانها.
قال التوربشتيّ ﵀: معنى الحديث أنّ الجواد الموفّق إذا همّ بالصدقة اتّسع لذلك صدره، وطاوعته نفسه، وانبسطت بالبذل والعطاء يداه، كالذي لبس درعًا، فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه، فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه، فأجنّته، وحصنته، وأنّ البخيل إذا أراد الإنفاق حَرِجَ به صدره، واشمأزّت عنه نفسه، وانقبضت عنه يداه، كالذي أراد أن يستجنّ بالدرع، وقد غُلّت يداه إلى عنقه، فحال ما ابتُلي به بينه وبين ما يبتغيه، فلا يزيده لبسها إلا ثقلًا، ووبالًا، والتزامًا في العنق، والتواءً، وأَخْذًا بالترقوة. انتهى.
стр. 11365
وقال في "الفتح": قال الخطّابيّ وغيره: وهذا مثلٌ ضربه النبيّ ﷺ للبخيل والمتصدّق، فشبّههما برجلين أراد كلّ واحد منهما أن يلبس درعًا، يستتر به من سلاح عدوّه، فصبّها على رأسه ليلبسها، والدرعُ أول ما تقع على الصدر، والثديين إلى أن يُدخل الإنسان يديه في كمّيها، فجَعَلَ المنفقَ كمن لبس درعًا سابغةً، فاستَرسَلَت عليه، حتّى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: "حتّى تعفوَ أثره": أي: تستر جميع بدنه. وجَعَلَ البخيلَ كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، كلّما أراد لبسها، اجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوتَهُ، وهذا معنى قوله: "قلَصَت": أي: تضامّت، واجتمعت.
والمراد أنّ الجواد إذا هَمَّ بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسّعت في الإنفاق -أي: وطاوعت يداه بالعطاء-. والبخيل إذا حدّث نفسه بالصدقة شحّت نفسه، فضاق صدره، وانقبضت يداه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. انتهى.
وقال الطيبيّ: أوقع المتصدّق مقابل البخيل، والمقابل الحقيقيّ السخيّ، إيذانًا بأنّ السخاء ما أَمَرَ به الشرع، وندب إليه من الإنفاق، لا ما يتعاناه المبذّرون، وخصّ المشبّه بهما بلبس الجبّتين من الحديد، إعلامًا بأنّ الشّحّ، والقبض من جبلّة الإنسان، وخلقته، وأنّ السخاء من عطاء الله تعالى، وتوفيقه، يمنحه من يشاء من عباده المفلحين، وخصّ اليد بالذكر؛ لأنّ السخيّ، والبخيل يوصفان ببسط اليد وقبضها، فإذا أريد المبالغة في البخل قيل: مغلولة يده إلى عنقه، وثديه، وتراقيه. وإنما عدل عن الغُلّ إلى الدرع لتصوّر معنى الانبساط والتقلّص. والأسلوبُ من التشبيه المفرّق، شبّه السخيّ الموفّق؛ إذا قصد التصدّق، يسهل عليه، ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع، ويده تحت الدرع، فإذا أراد أن يُخرجها منها، وينزعها يسهل عليه، والبخيل على عكسه. انتهى.
وقال المنذريّ: شبّه ﷺ نِعَمَ الله تعالى، ورزقه بالْجُنَّة، وفي رواية بالْجُبَّة، فالمنفق كلّما أنفق اتّسعت عليه النعم، وسَبَغَت، ووَفَرَت حتّى تستره سَتْرًا كاملًا شاملًا، والبخيل كلّما أراد أن يُنفق منعه الشحّ، والحرص، وخوف النقص، فهو بمنعه يطلب أن يزيد ما عنده، وأن تتّسع عليه النعم، فلا تتّسع،
стр. 11366
ولا تستر منه ما يروم ستره. والله سبحانه، وتعالى أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٢٣٥٩ و ٢٣٦٠ و ٢٣٦١] (١٠٢١)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٢٥٢) وفي "الجهاد والسير" (٢٧٠١) وفي "اللباس" (٥٣٥١)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٧ و ٢٥٤٨) وفي "الكبرى" (٢٣٢٧ و ٢٣٢٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠٦٤ و ١٠٦٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٦ و ٥٢٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٣٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٦ - ٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٦) و"المعرفة" (٣/ ٣٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): بيان صفة البخيل في الصدقة، فقد مثّله في الحديث بالمثل السَّوْء، والمراد منه التنفير عن البخل، وأنه صفة اللؤماء.
٢ - (ومنها): بيان صفة السخيّ في الصدقة، وأن السخاء من صفات الكرماء المفلحين الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
٣ - (ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال؛ لتوضيح المقال، حتّى يتّضح للسامع أتمّ الاتضاح، فيحصُرَه، ويستقرّ في ذهنه غاية الاستقرار، فيستحضره.
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: وفي هذا دليل على لباس القميص، وكذا ترجم عليه البخاريّ: ﵀: "باب جيب القميص من عند الصدر"؛ لأنه المفهوم من لباس النبيّ ﷺ في هذه القصّة، مع أحاديث أخرى صحيحة، وردت في ذلك. انتهى (٢).
стр. 11367
قال ابن بطّال ﵀: وموضع الدلالة منه أنّ البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها، وهو الثدي، والتراقي، وذلك في الصدر، قال: فبان أنّ جيبه ﷺ كان في صدره؛ لأنه لو كان في يده لم تضطرّ يداه إلى ثدييه، وتراقيه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٠] ( … ) - (حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو عَامِرٍ، يَعْنِي الْعَقَدِيَّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصّدِّقِ، كمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطُرَّتْ (١) أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيهِمَا، وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ، حَتَّى تُغَشِّيَ أنَامِلَهُ، وَتَعْفُوَ أثَرَهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ، وَأَخَدَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، قَالَ: فَأَنا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ بِإصْبَعِهِ فِي جَيْبِهِ، فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَوَسَّعُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ أَبُو أيُّوبَ الْغَيْلَانيُّ) المازنيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٦ أو ٢٤٧) (م س) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٧٧.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) المخزوميّ، أبو إسحاق المكيّ، ثقة حافظ [٧] (ع).
رَوَى عن الحسن بن مسلم بن يَنّاق، وابن أبي نَجِيح، وكثير بن كثير، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعدّة.
стр. 11368
وروى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، وأبو عامر العَقَديّ، وأبو نعيم، وخلاد بن يحعص، ويحيي بن أبي بُكَير.
قال ابن عيينة: كان حافظًا، وقال ابن مهديّ: كان أوثق شيخ بمكة، وقال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وفي "مسند يعقوب بن شيبة": قال وكيع: كان إبراهيم يقول بالقدر، وقال يعقوب: وكان أحمد يُطْريه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٠٢١) و (١٢١١) و (٢٠٧٧) و (٢٠٨٥) و (٢١٢٣).
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جُنَّتَانِ) هنا وفي الرواية التالية بالنون بلا شكّ ولا خلاف.
وقوله: (قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا) بالبناء للمفعول، ووقع في بعض النسخ بالبناء للفاعل، قال القسطلّانيّ ﵀ في "شرح البخاريّ": قوله: "اضطرّت أيديهما" بفتح الطاء، ونصب التحتانيّة الثانية، من "أيديهما" عند أبي ذرّ على المفعوليّة، ولغيره بضمّ الطاء، وسكون التحتيّة، مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل.
وقال القاري: بضمّ الطاء: أي: شُدّت، وضُمّت، والتَصَقَت. وفي نسخة بفتح الطاء، ونصب "أيديهما" على أنّ ضمير الفعل إلى جنس الْجُنّة المفهوم من التثنية. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنّ في اضطرّ ضبطين: أحدهما: البناء للفاعل، وعليه فالفاعل ضمير يعود إلى الجنّة المفهومة من ذكر الجنتين، و"أيديَهُما" منصوب على المفعوليّة، والثاني البناء للمفعول، وعليه و"أيديهما" نائب عن الفاعل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (انْبَسَطَتْ عَنْهُ) الفاعل ضمير الجنّة.
стр. 11369
وقوله: (حَتى تُغَشَّيَ) بضمّ أوله، من التغشية، وهو التغطية.
وقوله: (وَجَعَلَ الْبَخِيلُ) أي: طفِق، وشرع.
وقوله: (كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ) أي: قصد أن يتصدّق.
وقوله: (يَقُولُ) فيه إطلاق القول على الفعل.
وقوله: (وَلَا تَوَسَّعُ) أصله تتوسّع بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ للتخفيف، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦١] ( … ) - (وَحَدّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ وُهَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدَّقِ، مَثَلُ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، إِذَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى تُعَفيَ (١) أثَرَهُ، وَإِذَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ، تَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ، وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، وَانْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا"، قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "فَيَجْهَدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا، فَلَا يَسْتَطِيعُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ) أبو إسحاق البصريّ، ثقة حافظ [٩] (ت ٢١١) (م د ت س) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤/ ١٦٠٩.
стр. 11370
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمَة" ٤/ ١٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَيَجْهَدُ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع جَهَدَ، يقال: جَهَدَ في الأمر، من باب نَفَعَ: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب (١)، والفاعل ضمير البخيل.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٢٥) - (بَابُ ثبوتِ أَجْرِ الْمُتَصَدِّقِ، وَإِنْ وَقَعَتِ الصَّدَقَةُ في يَدِ فَاسِقٍ وَنَحْوِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٢] (١٠٢٢) - (حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: لَأتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِي، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لأتصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أمّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَل الْغَنيَّ يَعْتَبِرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ").
стр. 11371
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثَانيّ، أبو محمد صدوقٌ، لكنه عَمِي، فتلقّن [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيةٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١)، أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"أبو الزناد": هو عبد الله بن ذكوان، و"الأعرج": هو عبد الرحمن بن هُرمُز.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، وشيخ شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه؛ أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ) ﵁ ووقع عند النسائيّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، قال: "حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مِمَّا ذَكَر أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ بِهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه، ووقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة، عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل. انتهى؛ أي قال في نفسه، أو قال لبعض أصحابه، أو في ندائه حال دعائه، قاله القاري (١). (لأتَصَدَّقَنَّ) اللام فيه هي الْمُوَطّئة للقسم، والقسم فيه مقدّر؛ أي والله لأتصدّقن، وهو من باب الالتزام كالنذر، فصارت الصدقة واجبة، فصحّ
стр. 11372
الاستدلال به في صدقة الفرض، وهذا الاستدلال مبنيّ على أنّ شرع من قبلنا شَرْع لنا، ما لم يظهر نسخه، وإنكاره في شرعنا، وهو المذهب الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بما قبله (بِصَدَقَةٍ) قال القاري ﵀: أي بصدقة عظيمة واقعة موقعها؛ ليتعلق بها قبول عظيم. انتهى.
(فَخَرَجَ) أي من بيته (بِصَدَقَتهِ) أي التي نَوَى أن يَضَعَها في يد مستحقّها (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) امرأة (زَانِيَةٍ) أي لعدم علمه بكونها زانيةً (فَأَصْبَحُوا) أي القوم الذين كان فيهم ذلك المتصدّق، وقوله: (يَتَحَدَّثُونَ) في موضع نصب خبر "أصبحوا"؛ أي يُحدّث بعضهم بعضًا؛ تعجّبًا واستنكارًا (تُصُدِّقَ اللّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بما قبله (عَلَى زَانِيَةٍ) ببناء الفعل للمفعول، وهو إخبارٌ بمعنى التعجّب، أو الإنكار، قاله السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ".
(قَالَ) ذلك المتصدّق (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ) أي على تصدّقي على امرأة زانية؛ يعني أنه ليس في ذلك اختيار؛ حيث وقعت صدقتي بيد من لا يستحقّها، فلك الحمد؛ إذ كان ذلك بإرادتك، لا بإرادتي، فإن إرادتك كلها جميلة، ولا يُحمَد على المكروه سواك، وقدّم الخبر على المبتدأ في قوله: "لك الحمد" لإفادة الحصر.
وقال الطيبيّ: لما جَزَمَ بوضعها في موضعها بدلالة التنكير في "بصدقةٍ"، وأبرز كلامه في معرض القسم تأكيدًا، أو قطعًا للقبول بها، جُوزي بوضعها في يد سارق، فحمد الله، وشكره على أنه لم يقدر أن يتصدّق على من هوأسوأ حالًا منه؛ أي لك الحمد لأجل وقوع الصدقة في يده دون من هو أشدّ حالًا منه، أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يُتعجّب منه تعظيمًا لله؛ يعني أنه ذَكَرَ الحمد في موضع التعجّب، كما يُذكر التسبيح في موضعه، فلما تعجّبوا من فعله تعجّب هوأيضًا، فقال: اللهم لك الحمد على سارق. انتهى.
قال الحافظ: لا يخفى بُعْدُ هذا الوجه، وأما الذي قبله، فأبعد منه، والذي يظهر الأول، وأنه سَلّم، وفوّض، ورَضِي بقضاء الله، فحمد الله على تلك الحال؛ لأنه المحمود على جميع الحال، لا يُحمد على المكروه سواه.
стр. 11373
وقد ثبت أن النبيّ ﷺ كان إذا رأى ما لا يُعجبه، قال: "اللهمّ لك الحمد على كل حال". انتهى (١).
(لأَتصَدَّقَن بِصَدَقَةٍ) أي صدقة أخرى على مستحقّها (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) رجل (غَنِيٍّ، فَاَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ) بالبناء للمفعول أيضًا (عَلَى غَنِىٍّ، قَالَ) ذلك المتصدّق (اللَهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ) أي على تصدّقي على رجل غنيّ حيث كان بإرادتك، لا بإرادتي، قال المتصدّق أيضًا: (لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) رجل (سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ) بالبناء للمفعول أيضًا (عَلَى سَارِقٍ) وفي رواية أبي أُميّة: "تصدّق الليلةَ على سارق"، وفي رواية ابن لهيعة: "تُصُدّق الليلة على فلان السارق"، قال الحافظ ﵀: ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصَدَّق عليهم (٢).
(فَقَالَ: اللَهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ) أي حيث كان كله بإرادتك، فأنت المحمود في جميع أفعالك؛ حيث كان كلّها جميلًا.
وقال القرطبيّ ﵀: وقول المتصدّق: "اللهم لك الحمد على زانية" إشعار بألم قلبه؛ إذ ظنّ أن صدقته لم توافق محلّها، وأن ذلك لم ينفعه، ولذلك كرّر الصدقة، فلما علم الله صحّة نيّته تقبّلها منه، وأعلمه بفوائد صدقاته. انتهى.
(فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي أتاه آتٍ في منامه، ففي رواية الطبرانيّ في "مسند الشاميين" عن أحمد بن عبد الوهّاب، عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة بهذا الإسناد: "فساءه ذلك، فأُتي في منامه". وأخرجه أبو نُعيم في "المستخرج" عنه، وكذا الإسماعيليّ من طريق عليّ بن عيّاش، عن شعيب، وفيه تعيين أحد الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره، قال الكرمانيّ: قوله: "أُتي" أي أُرِي في المنام، أو سمع هاتفًا، أو غيره، أو أخبره نبيّ، أو أفتاه عالم، وقال غيره: أوأتاه ملك، فكلّمه، فقد كانت الملائكة تكلّم بعضهم في بعض الأمور.
стр. 11374
قال الحافظ ﵀: وقد ظهر بالنقل الصحيح أنها كلّها لم تقع، إلا النقل الأول. انتهى.
وقال السنديّ ﵀: ورؤيا غير الأنبياء، وإن كان لا حجة فيها، لكن هذه الرؤيا قد قرّرها النبيّ ﷺ ، فحصل الاحتجاج بتقريره ﷺ . انتهى (١).
(فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ) بالبناء للمفعول، وفي رواية الطبرانيّ: "إن الله قد قَبِلَ صدقتك" (أمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ) أي تمتنع، يقال: عفّ عن الشيء يَعِفُّ، من باب ضَرَبَ عِفَّة بالكسر وعَفًّا بالفتح: امتَنَعَ عنه، فهو عَفِيفٌ، واستَعَفَّ عن المسألة مثلُ عَفَّ، ورجل عَفّ، وامرأةٌ عَفّة بفتح العين فيهما، وتعفّف كذلك، ويتعدّى بالألف، فيقال: أعفّه الله إعفافًا، وجمعُ العفيف أَعِفة، وأَعِفاءُ، قاله الفيّوميّ (٢).
(بِهَا) أي بسبب صدقتك (عَنْ زِنَاهَا) بالقصر، ويجوز مدّه عند بعضهم، قال الفيّوميّ ﵀: زَنَى يَزْنِي زِنًا، مقصورٌ، فهو زانٍ، والجمع زُناةٌ، مثل قاضٍ وقضاةٍ، وزاناها مُزاناةً، وزِناءً، مثلُ قاتل مُقاتلةً، وقتالًا، ومنهم من يَجعل المقصور والممدود لغتين في الثلاثيّ، ويقول: المقصور لغة الحجاز، والممدود لغة نجد. انتهى (٣).
(وَلَعَلَّ الْغَنيَّ يَعْتَبِرُ) أي يتّعِظ، ويتذكّر (فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ) فيه أن بعض الناس يترك فعل الخير غفلةً، وذُهُولًا، فينبغي أن يُذَكَّر بذلك، كي يتنبّه، ويفعله.
(وَلَعَل السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ) أي يمتنع (بِهَا) أي بسبب صدقتك (عَنْ سَرِقَتِهِ) فيه إيماء إلى أنّ الغالب في السارق، ومثله الزانية أنهما يرتكبان المعصية للحاجة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11375
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٢٣٦٢] (١٠٢٢)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢١)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٢٣) وفي " الكبرى" (٢٣٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢٢ و ٣٥٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٤٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢ و ٧/ ٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقّها، ظانًّا استحقاقه سقطت عنه، قال القرطبيّ ﵀: يستفاد من الحديث صحّة الصدقة، وإن لم توافق محلًّا، مرضيًّا؛ إذا حسنت نيّة المتصدّق، فأما لو عَلِم المتصدّق أن المتصدَّق عليه يستعين بتلك الصدقة على معصية الله لحرم عليه ذلك، فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان. انتهى (١).
وقال في "الفتح": ولا دلالة في الحديث على الإجزاء، ولا على المنع، ومن ثمّ ترجم البخاريّ على هذا الحديث بلفظ الاستفهام، فقال: "باب إذا تصدّق على غنيّ، وهو لا يعلم"، ولم يجزم بالحكم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله نظر من وجهين:
(الأول): أن قوله: "بلفظ الاستفهام" غير صحيح، بل إنما هو بلفظ الشكّ، ولم يذكر جوابه اتكالًا على كونه معلومًا من نصّ الحديث، حيث قال: "أما صدقتك، فقد تقبّلت"، كما في رواية مسلم، وغيره.
(الثاني): قد تقدّم أن وجه الاستدلال به على الإجزاء في الصدقة الواجبة أن قوله: "لأتصدّقنّ" من باب الالتزام، كالنذر، فصارت الصدقة واجبة عليه، وقد قرّر النبيّ ﷺ رؤيا المتصدّق في قبول صدقته، فصحّ الاستدلال به في إجزاء زكاة الفرض، والله تعالى أعلم.
قال في "الفتح": [فإن قيل]: إن الخبر إنما تضمّن قصّة خاصّة، وقع
стр. 11376
الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقيّة، فمن أين يقع تعميم الحكم؟.
[فالجواب]: أن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف، هو الدّالّ على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان أن شريعة من قبلنا شريعة لنا؛ إذا لم يأت في شرعنا ما يخالفه، وهذا هو القول الحقّ، وهو مذهب البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، حيث أوردوا حديث الباب للاحتجاج على إجزاء الزكاة إذا دُفعت لغير مستحقّها جهلًا، وسيأتي تمام البحث في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): استحباب إعادة الصدقة إذا لم يقع موقعها، وإن أجزأت.
٤ - (ومنها): أن الحكم للظاهر حتى يتبيّن سواه.
٥ - (ومنها): بركة التسليم والرضا، وذمّ التضجّر والتسخّط بالقضاء، كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول.
٦ - (ومنها): فضل صدقة السرّ، وفضل الإخلاص، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة لغنيّ، أو نحوه، ممن لا يستحقّها على ظنّ أنه يستحقّها:
قال العلّامة ابن قُدامة ﵀: إذا أعطى من يظنّه فقيرًا، فبان غنيًّا، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: يجزئه؛ أي تسقط عنه الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة، واختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن، وأبي عُبيد، وأبي حنيفة؛ لأن النبيّ ﷺ أعطى الرجلين الْجَلْدَين، وقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظّ فيها لغنيّ، ولا لقويّ مكتسب"، وقال للرجل الذي سأله الصدقة: "إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك". ولو اعتَبَر حقيقةً لما اكتَفَى لقولهم، ثم ذكر ابن قُدامة حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في هذا الباب.
قال: والرواية الثانية: لا يجزئه، وعليه الإعادة؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقّه، فلم يخرج من عهدته، كما لو دفعها إلى كافر، وهذا قول
стр. 11377
الثوريّ، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، وابن المنذر، وللشافعيّ قولان كالروايتين. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول من قولي الإمام أحمد ﵀ هو الأرجح عندي؛ لظهور أدلته التي تقدمت آنفًا.
والحاصل أن من دفع زكاته إلى غنيّ، أو نحوه ممن لا يستحقّها، ظانًّا أنه مستحقّها، ثم ظهر بخلافه، سقطت عنه، ولا يلزمه إعادتها، ولكن لو أعادها، كما أعاد الرجل المذكور في حديث الباب، كان حسنًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان مسألة مهمّة تُستفاد من حديث الباب، وهي مسألة "هل شَرْعُ مَن قبلنا شرع لنا، أم لا؟ "، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، والحقّ- وهو الذي عليه الجمهور، ومنهم الإمام البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ حيث استدلوا بحديث الباب على حكم المسألة- أنه شرع لنا بشرط أن يُنصّ عليه في شرعنا، وأن لا يأتي في شرعنا ما يخالفه.
وقد ذكر العلامة الزركشيّ ﵀ في كتابه "البحر المحيط" في أصول الفقه، الخلاف في ذلك، وهاك ملخّصه:
قال ﵀ ما مختصره-: هل تُعُبّد النبيّ ﷺ بعد النبوّة بشرع من قبله، أم كان منهيًّا عنه؟ فيه أربعة مذاهب:
(الأول): أنه لم يكن متعبَّدًا، بل كان منهيًّا عنها، وعليه أكثر المتكلّمين، وجماعة من الشافعيّة، والحنفيّة، واختاره الغزاليّ، وصححه ابن السمعانيّ، والنوويّ، وابن حزم، وغيرهم.
(الثاني): أنه كان مُتعبّدًا باتباعها، إلا ما نُسخ منها، ونقله ابن السمعانيّ عن أكثر الشافعتة، والحنفيّة، وطائفة من المتكلّمين. وقال ابن القشيريّ: هو الذي صار إليه الفقهاء. وقال سُليم: إنه قول أكثر أصحابنا -الشافعيّة-، واختاره الشيخ أبو إسحاق أوّلًا في "التبصرة"، واختاره ابن بَرْهان، وقال: إنه قول أصحابنا، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن، قال: ولذلك استدلّ بقصّة صالح النبيّ ﷺ ، وقومه في شِرْب الناقة على إجازة المهايأة، وقال الخفّاف في "شرح الخصال": شرائع من قبلنا واجبة علينا إلا في
стр. 11378
خصلتين: أن يكون شرعنا ناسخًا لها، أو يكون في شرعنا ذكر لها، فعلينا اتباع ما كان من شرعنا، وإن كان في شرعهم مقدّمًا، واختاره ابن الحاجب، وقال ابن الرفعة في "المطلب": إن الشافعيّ نصّ عليه في "الأمّ" في "كتاب الإجارة"، وأنه أظهر القولين في "الحاوي"، وقال إمام الحرمين: للشافعيّ ميلٌ إلى هذا، وبَنَى عليه أصلًا من أصوله في "كتاب الأطعمة"، وتابعه معظم الأصحاب، وقال في "النهاية": وقد استأنس الشافعيّ لصحّة الضمان بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، فكان الْحِمْلُ في معنى الجعالة لمن ينادي في العير بالصواع، ولعلّه كان معلومًا عندهم، وتعلّق الضمان به، وقال أيضًا في "كتاب الضمان" فيمن حلف لَيَضربنّ عبده مائة سوط، فضربه بالْعِثْكَال (١): إنه يبرأ؛ لقصّه أيوب-﵇، واتفق العلماء على أن هذه الآية معمول بها في ملّتنا، والسبب فيه أن الملل لا تختلف في موجب الألفاظ، وفيما يقع بِرًّا وحنثًا، وثبت عن ابن عبّاس ﵁ أنه سجد في "سورة ص"، وقرأ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فاستنبط التشريع من هذه الآية. رواه البخاريّ، وأحمد، وسعيد بن منصور (٢).
وقال أبو بكر عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك، وكذا قال القرطبيّ: ذهب إليه معظم أصحابنا، وقال ابن العربيّ في "القبس": نصّ عليه مالك في "كتاب الديات" من "الموطأ"، ولا خلاف عنده فيه.
(الثالث): أنه لم يتعبّد فيها بأمر، ولا نهي، حكاه ابن السمعانيّ.
(الرابع): الوقف. حكاه ابن القشيريّ. انتهى كلام الزركشيّ ﵀ باختصار (٣).
وقد ذكر الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطيّ ﵀ في كتابه "نثر الورود، شرح مراقي السعود" عند قول الناظم:
وَلَمْ يَكُنْ مُكَلّفًا بِشَرْعِ … صلي عليه الله قَبْلَ الْوَضْعِ (٤)
стр. 11379
وَهُوَ وَالأمَّةُ بَعْدُ كلِّفَا … إِلَّا إِذَا التَّكْلِيفُ بِالنَّصِّ انْتَفَى
وَقِيلَ لَا وَالْخُلْفُ فِيمَا شُرِعَا … وَلَمْ يَكُنْ دَاعٍ إِلَيْهِ سُمِعَا
ما حاصله: يعني أن النبيّ ﷺ ، وأمته بعد نزول الوحي مكلّفون بشرع من قبلهم، خلافًا للشافعيّ، ومحلّ الخلاف فيما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم يثبت في شرعنا أنه شرع لنا.
قال: وهذه المسألة هي مسألة: هل شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا؟. وتحقيق المقام فيها أن لها ثلاث حالات:
(الأولى): يكون شرع من قبلنا فيها شرعًا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لمن كان قبلنا، ثمّ نصّ لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص؛ لأن الله بَيّن أنه كان شرعًا لمن قبلنا بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، ونصّ على أنه شرع لنا أيضًا في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
(الثانية): ليس شرعًا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين:
(إحداهما): ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، ولو زعموا أنه من شرعهم.
(والأخرى): ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، ونُصّ لنا على أنه ليس شرعًا لنا، كالآصار، والأثقال التي شُرعت على من قبلنا، كإيجابه على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم توبةً من عبادة العجل المنصوص في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٤]، فإن هذه الآصار رُفعت عنّا، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وثبت في "صحيح مسلم": "أنّ النبيّ ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: قد فعلت".
(الثالثة): هي محلّ الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينصّ في شرعنا على أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرعٌ لنا؛ خلافًا للشافعيّ (١).
стр. 11380
وحجة الجمهور أنه ما ذُكر لنا في شرعنا إلا للاعتبار، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وثمرة الاعتبار العمل، وقد حضّ تعالى في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.
ومما استدلّ به الجمهور أن الله لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال للنبيّ ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، والأصحّ أن الأمر للوجوب، وأنّ الأمّة تدخل تحت الخطاب الخاصّ به ﷺ .
واستدلّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] وبقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٦].
واحتجّ الإمام الشافعيّ على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، وقال: إن الْهُدَى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدينَ في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ المراد بهما العقائد، دون الفروع العمليّة، بدليل الآية المذكورة.
والحقّ أنه لا يختصّ بذلك؛ لما في "صحيح البخاريّ" عن مجاهد أنه سأل ابن عبّاس ﵁ من أين سجدتَّ؟ -يعني في ﴿ص﴾ - فقال: أوَ ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكان داود ممن أُمر نبيّكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها رسول الله ﷺ .
فهذا نصّ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبيّ ﷺ في "صحيح البخاريّ" على أنّ سجود التلاوة داخل في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم الاختصاص بالعقائد.
وأجاب الجمهور عن احتجاج الشافعيّ بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بأن المراد بها نسخ بعض ما كان مشروعًا، أو زيادةُ ما لم يكن مشروعًا، وكلاهما ليس من محلّ النزاع.
ولم يزل العلماء يستدلّون على الأحكام بالقصص الماضية، كاستدلال المالكيّة، وغيرهم على أن القرينة الجازمة ربما تكفي عن البينة بجعل شاهد يوسف قرينةَ شقّ القميص من دبر مقتضية صدقَ يوسف ﵇، وكذب امرأة العزيز المنصوص في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٢٨] ولذا صارت القرينة