الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقيّة، فمن أين يقع تعميم الحكم؟.
[فالجواب]: أن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف، هو الدّالّ على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب. انتهى (١).
٢ - (ومنها): بيان أن شريعة من قبلنا شريعة لنا؛ إذا لم يأت في شرعنا ما يخالفه، وهذا هو القول الحقّ، وهو مذهب البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، حيث أوردوا حديث الباب للاحتجاج على إجزاء الزكاة إذا دُفعت لغير مستحقّها جهلًا، وسيأتي تمام البحث في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): استحباب إعادة الصدقة إذا لم يقع موقعها، وإن أجزأت.
٤ - (ومنها): أن الحكم للظاهر حتى يتبيّن سواه.
٥ - (ومنها): بركة التسليم والرضا، وذمّ التضجّر والتسخّط بالقضاء، كما قال بعض السلف: لا تقطع الخدمة، ولو ظهر لك عدم القبول.
٦ - (ومنها): فضل صدقة السرّ، وفضل الإخلاص، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة لغنيّ، أو نحوه، ممن لا يستحقّها على ظنّ أنه يستحقّها:
قال العلّامة ابن قُدامة ﵀: إذا أعطى من يظنّه فقيرًا، فبان غنيًّا، فعن أحمد فيه روايتان: إحداهما: يجزئه؛ أي تسقط عنه الزكاة، ولا تجب عليه الإعادة، واختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن، وأبي عُبيد، وأبي حنيفة؛ لأن النبيّ ﷺ أعطى الرجلين الْجَلْدَين، وقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظّ فيها لغنيّ، ولا لقويّ مكتسب"، وقال للرجل الذي سأله الصدقة: "إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك". ولو اعتَبَر حقيقةً لما اكتَفَى لقولهم، ثم ذكر ابن قُدامة حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في هذا الباب.
قال: والرواية الثانية: لا يجزئه، وعليه الإعادة؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقّه، فلم يخرج من عهدته، كما لو دفعها إلى كافر، وهذا قول
стр. 11377
الثوريّ، والحسن بن صالح، وأبي يوسف، وابن المنذر، وللشافعيّ قولان كالروايتين. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول من قولي الإمام أحمد ﵀ هو الأرجح عندي؛ لظهور أدلته التي تقدمت آنفًا.
والحاصل أن من دفع زكاته إلى غنيّ، أو نحوه ممن لا يستحقّها، ظانًّا أنه مستحقّها، ثم ظهر بخلافه، سقطت عنه، ولا يلزمه إعادتها، ولكن لو أعادها، كما أعاد الرجل المذكور في حديث الباب، كان حسنًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان مسألة مهمّة تُستفاد من حديث الباب، وهي مسألة "هل شَرْعُ مَن قبلنا شرع لنا، أم لا؟ "، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، والحقّ- وهو الذي عليه الجمهور، ومنهم الإمام البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ حيث استدلوا بحديث الباب على حكم المسألة- أنه شرع لنا بشرط أن يُنصّ عليه في شرعنا، وأن لا يأتي في شرعنا ما يخالفه.
وقد ذكر العلامة الزركشيّ ﵀ في كتابه "البحر المحيط" في أصول الفقه، الخلاف في ذلك، وهاك ملخّصه:
قال ﵀ ما مختصره-: هل تُعُبّد النبيّ ﷺ بعد النبوّة بشرع من قبله، أم كان منهيًّا عنه؟ فيه أربعة مذاهب:
(الأول): أنه لم يكن متعبَّدًا، بل كان منهيًّا عنها، وعليه أكثر المتكلّمين، وجماعة من الشافعيّة، والحنفيّة، واختاره الغزاليّ، وصححه ابن السمعانيّ، والنوويّ، وابن حزم، وغيرهم.
(الثاني): أنه كان مُتعبّدًا باتباعها، إلا ما نُسخ منها، ونقله ابن السمعانيّ عن أكثر الشافعتة، والحنفيّة، وطائفة من المتكلّمين. وقال ابن القشيريّ: هو الذي صار إليه الفقهاء. وقال سُليم: إنه قول أكثر أصحابنا -الشافعيّة-، واختاره الشيخ أبو إسحاق أوّلًا في "التبصرة"، واختاره ابن بَرْهان، وقال: إنه قول أصحابنا، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن، قال: ولذلك استدلّ بقصّة صالح النبيّ ﷺ ، وقومه في شِرْب الناقة على إجازة المهايأة، وقال الخفّاف في "شرح الخصال": شرائع من قبلنا واجبة علينا إلا في
стр. 11378
خصلتين: أن يكون شرعنا ناسخًا لها، أو يكون في شرعنا ذكر لها، فعلينا اتباع ما كان من شرعنا، وإن كان في شرعهم مقدّمًا، واختاره ابن الحاجب، وقال ابن الرفعة في "المطلب": إن الشافعيّ نصّ عليه في "الأمّ" في "كتاب الإجارة"، وأنه أظهر القولين في "الحاوي"، وقال إمام الحرمين: للشافعيّ ميلٌ إلى هذا، وبَنَى عليه أصلًا من أصوله في "كتاب الأطعمة"، وتابعه معظم الأصحاب، وقال في "النهاية": وقد استأنس الشافعيّ لصحّة الضمان بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، فكان الْحِمْلُ في معنى الجعالة لمن ينادي في العير بالصواع، ولعلّه كان معلومًا عندهم، وتعلّق الضمان به، وقال أيضًا في "كتاب الضمان" فيمن حلف لَيَضربنّ عبده مائة سوط، فضربه بالْعِثْكَال (١): إنه يبرأ؛ لقصّه أيوب-﵇، واتفق العلماء على أن هذه الآية معمول بها في ملّتنا، والسبب فيه أن الملل لا تختلف في موجب الألفاظ، وفيما يقع بِرًّا وحنثًا، وثبت عن ابن عبّاس ﵁ أنه سجد في "سورة ص"، وقرأ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فاستنبط التشريع من هذه الآية. رواه البخاريّ، وأحمد، وسعيد بن منصور (٢).
وقال أبو بكر عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك، وكذا قال القرطبيّ: ذهب إليه معظم أصحابنا، وقال ابن العربيّ في "القبس": نصّ عليه مالك في "كتاب الديات" من "الموطأ"، ولا خلاف عنده فيه.
(الثالث): أنه لم يتعبّد فيها بأمر، ولا نهي، حكاه ابن السمعانيّ.
(الرابع): الوقف. حكاه ابن القشيريّ. انتهى كلام الزركشيّ ﵀ باختصار (٣).
وقد ذكر الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطيّ ﵀ في كتابه "نثر الورود، شرح مراقي السعود" عند قول الناظم:
وَلَمْ يَكُنْ مُكَلّفًا بِشَرْعِ … صلي عليه الله قَبْلَ الْوَضْعِ (٤)
стр. 11379
وَهُوَ وَالأمَّةُ بَعْدُ كلِّفَا … إِلَّا إِذَا التَّكْلِيفُ بِالنَّصِّ انْتَفَى
وَقِيلَ لَا وَالْخُلْفُ فِيمَا شُرِعَا … وَلَمْ يَكُنْ دَاعٍ إِلَيْهِ سُمِعَا
ما حاصله: يعني أن النبيّ ﷺ ، وأمته بعد نزول الوحي مكلّفون بشرع من قبلهم، خلافًا للشافعيّ، ومحلّ الخلاف فيما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم يثبت في شرعنا أنه شرع لنا.
قال: وهذه المسألة هي مسألة: هل شرعُ من قبلنا شرعٌ لنا؟. وتحقيق المقام فيها أن لها ثلاث حالات:
(الأولى): يكون شرع من قبلنا فيها شرعًا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لمن كان قبلنا، ثمّ نصّ لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص؛ لأن الله بَيّن أنه كان شرعًا لمن قبلنا بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، ونصّ على أنه شرع لنا أيضًا في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨].
(الثانية): ليس شرعًا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين:
(إحداهما): ما لم يثبت بشرعنا أصلًا، ولو زعموا أنه من شرعهم.
(والأخرى): ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، ونُصّ لنا على أنه ليس شرعًا لنا، كالآصار، والأثقال التي شُرعت على من قبلنا، كإيجابه على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم توبةً من عبادة العجل المنصوص في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٤]، فإن هذه الآصار رُفعت عنّا، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وثبت في "صحيح مسلم": "أنّ النبيّ ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله: قد فعلت".
(الثالثة): هي محلّ الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم ينصّ في شرعنا على أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرعٌ لنا؛ خلافًا للشافعيّ (١).
стр. 11380
وحجة الجمهور أنه ما ذُكر لنا في شرعنا إلا للاعتبار، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وثمرة الاعتبار العمل، وقد حضّ تعالى في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.
ومما استدلّ به الجمهور أن الله لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال للنبيّ ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، والأصحّ أن الأمر للوجوب، وأنّ الأمّة تدخل تحت الخطاب الخاصّ به ﷺ .
واستدلّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] وبقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٦].
واحتجّ الإمام الشافعيّ على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، وقال: إن الْهُدَى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدينَ في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ المراد بهما العقائد، دون الفروع العمليّة، بدليل الآية المذكورة.
والحقّ أنه لا يختصّ بذلك؛ لما في "صحيح البخاريّ" عن مجاهد أنه سأل ابن عبّاس ﵁ من أين سجدتَّ؟ -يعني في ﴿ص﴾ - فقال: أوَ ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكان داود ممن أُمر نبيّكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها رسول الله ﷺ .
فهذا نصّ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبيّ ﷺ في "صحيح البخاريّ" على أنّ سجود التلاوة داخل في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم الاختصاص بالعقائد.
وأجاب الجمهور عن احتجاج الشافعيّ بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بأن المراد بها نسخ بعض ما كان مشروعًا، أو زيادةُ ما لم يكن مشروعًا، وكلاهما ليس من محلّ النزاع.
ولم يزل العلماء يستدلّون على الأحكام بالقصص الماضية، كاستدلال المالكيّة، وغيرهم على أن القرينة الجازمة ربما تكفي عن البينة بجعل شاهد يوسف قرينةَ شقّ القميص من دبر مقتضية صدقَ يوسف ﵇، وكذب امرأة العزيز المنصوص في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٢٨] ولذا صارت القرينة
стр. 11381
تكفي عن البيّنة في أمور كثيرة، كقول مالك: إن مَن استُنكِهَ، فَشُمّ من نكهته رائحة الخمر أنه يُجلد جلدَ شارب الخمر. وكمسيس الزوجة التي زُفّت إليه مع نساء لا تُثبت شهادتهنّ عينَ الزوجة؛ اعتمادًا على القرينة. وكالضيف يأتيه الصبيّ، أو الوليدة بالطعام، فيباح له أكله من غير بيّنة؛ اعتمادًا على القرينة. وكأخذ المالكيّة، وغيرهم أيضًا أن القرينة تُبطلها قرينة أقوى منها، من قصة يعقوب، وأولاده حيث جعلوا دم السخلة على قميص يوسف؛ ليكون الدم قرينة لهم على صدقهم في أنّ يوسف أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شقّ القميص، فقال: سبحان الله، متى كان الذئب حليمًا كيّسًا، يقتل يوسف، ولا يشقّ قميصه (١). كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ الآية [يوسف: ١٨].
وكأخذ المالكيّة وغيرهم جوازَ ضمان الغُرْم من قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
وكأخذ بعض الشافعية جواز ضمان الوجه المعروف عندهم بالكفالة، من قصّة يعقوب وأولاده المنصوص في قوله: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ الآية [يوسف: ٦٦].
وكاخذ الحنابلة جواز طول مدّة الإجارة من قوله في قصّة موسى وشُعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
وكأخذ المالكيّة وجوب الإعذار للخصم بـ "أَبَقِيَ لَكَ حُجّةٌ؟ " من قوله في قصّة سليمان في الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ [النمل: ٢١].
وكأخذهم أيضًا أن التلوّم للخصم بعد انقضاء الآجال ثلاثةُ أيّام، من قوله تعالى في قصّة صالح ﵇ وقومه: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية [هود: ٦٥].
وكأخذ العلماء جواز وقوع كرامات الأولياء من قوله تعالى في قصّة مريم: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ٣٧].
стр. 11382
وأمثال هذا كثيرة جدًّا. انتهى ما كتبه الشيخ الشنقيطيّ رحمه الله تعالى في كتابه المذكور (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
إذا علمت ما سبق من التحقيق، فقد تبيّن لك أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أيضًا منصوص للإمام الشافعيّ، من أنّ شرع من قبلنا؛ إذا قصّه الله تعالى في كتابه، أو قصّه النبيّ ﷺ فيما صحّ عنه، ولم يَرِد في شرعنا ما يخالفه، فإنه يكون شرعًا لنا.
ومن الأدلة القوية لذلك ما أخرجه البخاري ﵀ في "الصحيح" من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يَلْهَث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: "نعم في كل ذات كبد رطبة أجر".
ومحل الشاهد قول الصحابة ﵃: "وإن لنا … إلخ" حيث فهموا من ذكر النبي ﷺ هذا القصّة أنهم لو عملوا بمثل عمله يؤجرون مثل أجره، فاستثبتوا ذلك منه ﷺ ، فأقرّهم على فهمهم، وأوضح لهم بأن لهم في كل حيوان ذات كبد رطبة أجرًا، وإلا لقال لهم: إن هذه الحكاية ليست لكم، وإنما هي لمن كان قبلكم فقط، فليُتنبه، والله تعالى أعلم.
وقد نظمت ما سبق من التحقيق في "التحفة المرضيّة" بقولي:
اعْلَمْ بِأَنَ دِينَ الَانْبِيَاءِ … مُتَّفِقٌ لِيْسَ بِهِ تَنَاءِ
دِينُهُمُ التَّوْحِيدُ وَالْعِبَادَةُ … لِلَّهِ وَحْدَهُ لَهُ الْعِنَايَةُ
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتِ الشَّرَائِعُ … بِحِكْمَةِ الْمَوْلَى يَكُونُ الْوَاقِعُ
وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا مُتَّبِعَا … دِينَ قُرَيْشٍ قَبْلَ بَعْثٍ فَاقْطَعَا
بَلْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ … نَوْعُ الْعِبَادَةِ فَصَوِّبْ مَنْ سَكَت
وَشَرْعُ مَنْ قَبْلُ ثَلَاثَةً يُرَى … شَرْعٌ لَنَا بِلَا خِلَافٍ قَدْ جَرَى
الْمُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُنْفِذُ (١)، وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا، مُوَفرًا، طيِّبةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (ابْنُ نُمّيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٥ - (أَبُو أسَامَةَ) حمّاد بن اسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٦ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٧ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٨ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ المشهور، مات ﵁-سنة (٥٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وأبي عامر، كما أسلفته آنفًا.
стр. 11385
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵁، وقد أثنى النبيّ ﷺ على حسن قراءته، وقال له: "يا أبا موسى، لقد أُوتيت مِزمارًا من مزامير آل داود"، أخرجه الشيخان، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّ الْخَازِنَ) لفظ هذا الحديث عند النسائيّ، من طريق الثوريّ، عن بُريد: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يَشُدّ بعضه بعضًا، وقال: الخازن الأمين الذي يُعطي ما أُمر به طيبًا بها نفسُهُ أحد المتصدقين".
والمراد بالخادم هنا الذي يَخدُم غيره، أعمّ من أن يكون مملوكًا، أوأجيرًا، أو متبرعًا بالخدمة، قاله في "العمدة" (١).
(الْمُسْلِمَ) قيّده به لإخراج الكافر؛ لأنه لا نيّة له (الْأَمِينَ) قيَّده به لإخراج الخائن؛ لأنه مأزور، لا مأجور (الّذِي يُنْفِذُ) بالذال المعجمة، وهو بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإنفاذ، فيكون من باب الإفْعال، وفي بعض النسخ: "يُنَفذ" بتشديد الفاء، فيكون من باب التفعيل، وهو الإمضاء؛ أي يُمضي ما أَمَرَه به الآمر (وَرُبَّمَا قَالَ) يَحْتَمِل أن يكون القائل هو النبيّ ﷺ ، وَيحْتَمِل أن يكون مَن دونه، والله تعالى أعلم (يُعْطِي مَا أمِرَ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي ما أمره به صاحب المال (فَيُعْطِيهِ) الضمير المنصوب لـ "ما أمر به"؛ أي يُعطي الشيء الذي أُمر بإعطائه لمستحقّه (كَامِلًا، مُوَفَّرًا) المراد أنه يعطي من غير نقص شيء منه بهواه، وإنما رتّب الأجر على إعطائه ما أمر به غير ناقص؛ لأنه إذا خالف شيئًا من ذلك يكون خائنًا، فلا يستحقّ الأجر، وقوله: (طَيبَةً) بتاء التأنيث؛ لأنه مسند إلى "نفس"، وهي مؤنّثة، ووقع في رواية النسائيّ: "طيّبًا" بالتذكير،
стр. 11386
ويوجَّه بأن تأنيثها مجازيّ، ولأنه مفصول بالجارّ والمجرور، وهو منصوب على الحاليّة من "الخازن" (بِهِ) أي بالشيء المعطَى، وفي رواية النسائيّ: "بها" أي بالصدقة، وقوله: (نَفْسُهُ) مرفوع على الفاعليّة بـ "طيّبة"؛ يعني أن نفسه تكون راضيةً بذلك، وإنما قيّده به تنبيهًا على تحقّق النيّة؛ لأنّ بعض الناس، من أصحاب النفوس المريضة بالبخل لا يَرْضَى بخروج شيء من يده، وإن كان ملكًا لغيره، فربما يُخرِجها كارهًا بلا نيّة، فيفقد الأجر.
وقوله: (فَيَدْفَعُهُ إِلَى الّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ) تأكيدٌ لما سبق، وإنما أكّد به إشارة إلى أن هذه الأوصاف لا بدّ من اعتبارها كلّها في تحصيل أجر الصدقة للخازن، فإنه إن لم يكن مسلمأ لم يصحّ منه التقرّب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة؟، وإن لم يَطِب بذلك نفسًا لم يكن له نيّةٌ، فلا يؤجر، أفاده القرطبيّ ﵀ (١).
وقال المظهر ﵀: شَرَط في الحديث أربعة أشياء (٢): الإذن، وعدم نقصان ما أُمر به، وطيب النفس بإعطاء ما أُمِر به، فإن البخيل كلَّ البخيل مَن بَخِل بمال الغير، وأن يُعطي مَن أُمر بالدفع إليه، لا إلى غيره. انتهى (٣).
وقوله: (أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ،) خبر "الخازن"؛ يعني أنه يشارك صاحبَ المال في الصدقة، فيصيران متصدّقَين، ويكون هوأحَدَهُما، وهذا على أن الرواية بفتح القاف، وهو الذي صرّحوا به، قال في "العمدة": هو بلفظ التثنية كما يقال: "القلمُ أحدُ اللسانين"، و"الخالُ أحد الأبوين"؛ مبالغةً؛ أي الخادم والمتصدق بنفسه متصدقان، لا ترجيح لأحدهما على الآخر في أصل الأجر، قالوا: ولا يلزم منه أن يكون مقدار ثوابهما سواءً؛ لأن الأجر فضل من الله يؤتيه من يشاء. انتهى (٤).
وقال في "الفتح": ضُبِطَ في جميع الروايات بفتح القاف. انتهى. وقال
стр. 11387
القرطبيّ ﵀: لم نَرْوِهِ إلا بالتثنية، ومعناه أنه بما فَعَلَ متصدّق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدّقٌ آخر، فهما متصدّقان. ويصحّ أن يقال على الجمع، ويكون معناه: أنه متصدّقٌ من جملة المتصدّقين. انتهى (١).
والحاصل أن الروايات صحّت بضبط "المتصدِّقَين" بالتثنية، فتتعيّن، وإن كان المعنى يستقيم على الجمع أيضًا بالمعنى المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٢٣٦٣] (١٠٢٣)، و (البخاريّ) في "الصلاة" (٤٨١) و"الزكاة" (١٤٣٨) و"الإجارة" (٢٢٦٠) و"الوكالة" (٢٣١٩) و"المظالم" (٢٤٤٦) و"الأدب" (٦٠٢٧)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٨٤)، و (الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٢٨)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٦٠) وفي "الكبرى" (٢٣٤١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٣٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٦٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٤ و ٤٠٤ و ٤٠٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٦٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٥٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أجر الخازن إذا تصدّق بإذن المالك.
٢ - (ومنها): بيان أن حصول الأجر للخازن مشروط بهذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث، فمهما اختلّ منها شرط لا يحصل له الأجر، فينبغي أن يَعتَنِي بها، ويُحافِظ عليها.
قال في "العمدة": قَيَّدَ فيه قيودًا:
стр. 11388
[الأول]: أن يكون خازنًا؛ لأنه إذا لم يكن خازنًا لا يجوز له أن يتصدق من مال الغير.
[الثاني]: أن يكون مسلمًا، فأخرج به الكافر؛ لأنه لا نية له.
[الثالث]: أن يكون أمينًا، فأخرج به الخائن؛ لأنه مأزورٌ.
[الرابع]: أن يكون مُنَفِّذًا؛ أي مُنَفِّذًا صدقةَ الآمر، وهو معنى قوله: "الذي ينفذ".
[الخامس]: أن تكون نفسه بذلك طَيِّبةً؛ لئلا يَعْدَم النية، فيفقدَ الأجر، وهو معنى قوله: "طيبة به نفسه".
[السادس]: أن يكون دفعه الصدقة إلى الذي امِر له به؛ أي إلى الشخص الذي أَمَر الآمر بالدفع له، فإن دفع إلى غيره يكون مخالفًا، فيَخْرُج عن الأمانة، وهذه القيود شرط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يُعْتَنَى بها، ويُحافَظَ عليها. انتهى (١).
٣ - (ومنها): بيان أن ثواب الصدقة لا يقتصر على المالك فقط، بل كلّ من تسبب في إيصالها إلى مستحقّها بنيّة خالصة مع بقيّة الشروط حصل له ثوابها، وهذا من فضل الله تعالى على من لا يجد مالًا للتصدّق به، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الفضل العظيم.
٤ - (ومنها): بيان فضل الأمانة، وسخاوة النفس، وطيب النفس في فعل الخير، والإعانة على فعل الخير.
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: معنى هذه الأحاديث أن المشارِكَ في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجرٌ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، والمراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب، ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أَعْطَى المالكُ لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها؛ ليوصلها إلى مستحق الصدقة على باب داره، أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه
стр. 11389
رُمّانةً، أو رغيفًا، ونحوهما، مما ليس له كثيرُ قيمةٍ ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا، فيكون مقدار الأجر سواءً. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ.
٦ - (ومنها): حثّ الإسلام على تحقّق التناصح، والتناصر، والتعاضد في المسلمين، حتى يكون المجتمع مجتمع خير، وبركة، يسوده الإخاء والمحبّة، ويكونَ يدًا واحدةً على أعدائه، فشبّهه النبيّ ﷺ ، وهو في تلك الحالة بالبنيان الذي يقوّي بعض أجزائه بعضه، كما شبّهه في حديثه الآخر بالجسد الواحد، فقد أخرج الشيخان من حديث النعمان بن بشير ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عضو، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى".
وأخرجا أيضًا من حديث عبد الله بن عمر ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسْلِمُهُ، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فَرّج عن مسلم كربة، فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة".
وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخذُلُه، ولا يحقره، التقوى ها هنا" -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- "بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٤] (١٠٢٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
стр. 11390
عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أنفَقَتِ الْمَرْأةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أنفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كسَبَ، وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تّقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ الإمام، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٦ - (شَقِيقُ) بن سَلَمَة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٧ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع الْهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ خضرمٌ [٢] (ت ٦ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
٨ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ﵁، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵁ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أنفَقَتِ) أي تصدّقت، كما في رواية أخرى، ففي رواية للترمذيّ: "إذا تصدقت المرأة"، وفي رواية أخرى له: "إذا أعطت المرأة من بيت زوجها" (الْمَرْأةُ مِنْ طَعَامِ
стр. 11391
بَيْتِهَا) أي من طعام زوجها الذي في بيتها المتصرّفة هي فيه، وإنما خصّ الطعام بالذكر؛ لغلبة المسامحة به عادة، وإلا فغيره مثله؛ إذ الغرض أن المالك أذن لها في ذلك صريحًا أو دلالة (١).
وقال في "العمدة": قيّد بالطعام؛ لأنه يُسْمَح به عادةٌ، بخلاف الدراهم والدنانير، فإن إنفاقها منها لا يجوز إلَّا بالإذن. انتهى (٢).
وقوله: (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) منصوب على الحال من "المرأة"؛ أي غير مسرفة في التصدّق بأن لا تتعدّى إلى الكثرة المؤدّية إلى النقص الظاهر، وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحًا، أو دلالة، وقيل: هذا جارٍ على عادة أهل الحجاز، فإن عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخَدَمهم بأن يُضيفوا الأضياف، ويُطعموا السائل والمسكين والجيران، فحرّض رسول الله ﷺ أمته على هذه العادة الحسنة، والخصال المستحسنة، وهذا الحديث ليس فيه دلالة صريحة على جواز تصدّق المرأة من مال الزوج بغير إذنه، قال البغويّ ﵀: عامّة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدّق من مال زوجها بغير إذنه، وكذا الخادم، والحديث الدالّ على الجواز أُخرج على عادة أهل الحجاز؛ لأنهم يُطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدّق والإنفاق مما حَضَر في البيت عند حضور السائل، ونزول الضيف، كما قال ﷺ : "لا توعي، فيوعي الله عليك". انتهى (٣).
وقال الخطّابيّ ﵀ في "المعالم": هذا الكلام خارج على عادة الناس بالحجاز، وبغيرها من البلدان في أنّ ربّ البيت قد يأذن لأهله، ولعياله، وللخادم، مما يكون في البيت، من طعام، وإدام، ونحوه، ويطلق أمرهم في الصدقة منه؛ إذا حضرهم السائل، ونزل بهم الضيف، فحضّهم رسول الله ﷺ على لزوم هذه العادة، واستدامة ذلك الصنيع، ووعدهم الأجر والثواب عليه، وأفرد كلّ واحد منهم باسمه، ليتسارعوا إليه، ولا يتقاعدوا عنه. انتهى كلام الخطّابيّ ﵀ (٤).
стр. 11392
(كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أنفَقَتْ) أي بسبب إنفاقها غير مفسدة، فالباء سببئة (وَلزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ) أي بسبب كسبه وتحصيله (وَللْخَازِنِ) أي الشخص الذي يكون بيده حفظ الطعام المتصدّق منه، من خادم، وقَهْرمان، وقيّم لأهل المنزل، والمراد به المسلم، كما تقدّم تقييده في حديث أبي موسى الماضي، حيث قال: "إن الخازن المسلم … " (مِثْلُ ذَلِكَ) أي مثل أجرها.
وقال في "الفتح": قوله: "وللخازن مثل ذلك" أي بالشروط المذكورة في حديث أبي موسى ﵁، وظاهره يقتضي تساويهم في الأجر، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة، وإن كان أجر الكاسب أوفر، لكن التعبير في حديث أبي هريرة ﵁ بقوله: "فلها نصف أجره" (١)، يشعر بالتساوي، قال: والمراد بقوله: "لا ينقص بعضهم أجر بعض" عدم المساهمة، والمزاحمة في الأجر، وَيحْتَمِل أن يراد مساواة بعضهم بعضًا والله أعلم. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": المعنى أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، ومعنى المشارك أن له أجرًا كما لصاحبه أجرٌ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، أو المراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون بعكسه. انتهى (٣).
(لَا يَنْقُصُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر (بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ) أي من أجر بعضهم، فهو منصوب بنزع الخافض، وقوله: (شَيْئًا") منصوب على أنه مفعول "يَنقُص"، وَيحْتَمل أن يكون "أجرَ" مفعولًا أول و"ينقص"، و"شيئًا" مفعوله الثاني، وذلك لأن نقص ضدّ زاد، وهو يتعدّى إلى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠].
قال القاري ﵀: قوله: "شيئًا" أي من النقص، أو من الأجر، والمراد
стр. 11393
أنهم في أصل الأجر سواء، وإن اختَلَف قدره. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٢٣٦٤ و ٢٣٦٥ و ٢٣٦٦ و ٢٣٦٧] (١٠٢٤)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٥ و ١٤٣٧ و ١٤٣٩ و ١٤٤٠ و ١٤٤١) و "البيوع" (٢٠٦٥)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٨٥)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٧٢)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٣٩) و"الكبرى" (٥/ ٣٧٩)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٧٢٧٥ و ١٦٦١٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٤٥٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١٣٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٤ و ٩٩)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ١٨٧ و ٩٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز صدقة المرأة من بيت زوجها، وهذا محمول على ما إذا أذن لها الزوج، إما صريحًا، أو دلالةً.
٢ - (ومنها): ترغيب المرأة في التصدّق مما في بيتها؛ إذا أذن لها أو بما جرى به العرف.
٣ - (ومنها): ترغيب الخادم في التصدّق من مال سيّده إذا أذن له، أو بما جرى به العرف أيضًا.
٤ - (ومنها): حَثُّ الرجل على أن يَسْمَح لأهل بيته بالتصدّق على الفقراء والمساكين، وأن له بذلك الأجر والثواب، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تصدّق المرأة من بيت زوجها:
стр. 11394
قال الإمام البغويّ ﵀: العمل على هذا عند عامّة العلماء أن المرأة ليس لها أن تتصدّق بشيء من مال الزوج دون إذنه، وكذلك الخادم، ويأثمان، إن فعلا ذلك، وحديث عائشة ﵂ خارج على عادة أهل الحجاز أنهم يُطلقون الأمر للأهل، والخادم في الإنفاق، والتصدّق، مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل، أو نزل بهم الضيف، فحضّهم على لزوم تلك العادة، كما قال ﷺ لأسماء ﵂: "لا توعي، فيوعي الله عليك"، وعلى هذا يُخرّج ما روي عن عُمير مولى آبي اللحم، قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول الله ﷺ : أتصدّق من مال مواليّ بشيء؟، قال: "نعم، والأجر بينهما نصفان" (١). انتهى (٢).
وقال في "الفتح": قال ابن العربيّ: اختَلَفَ السلفُ فيما إذا تصدّقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه، لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له، ولا يظهر به النقصان.
ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج، ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاريّ، ولذا قيّد الترجمة بالأمر به، حيث قال: "باب أجر الخادم؛ إذا تصدّق بأمر صاحبه، غير مفسد"، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك محمولًا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتّفقٌ عليه.
ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة، والعبد، والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على ربّ البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن.
ومنهم من فرّق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حقّ في مال الزوج، والنظرِ في بيتها، فجاز لها أن تتصدّق، بخلاف الخادم، فليس له تصرّف في متاع مولاه، فيمثشرط الإذن فيه.
وهو متعقّبٌ بأن المرأة إذا استوفت حقّها، فتصدّقت منه، فقد تخصّصت به، وإن تصدّقت من غير حقّها رجعت المسألة كما كانت، والله أعلم. انتهى (٣).
стр. 11395
وذكر الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ" حديث أبي أمامة الباهليّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: "لا تُنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها"، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: "ذلك أفضل أموالنا"، رواه الترمذيّ، وابن ماجه.
وما رواه أبو داود، عن أبي هريرة ﵁ في المرأة تصدّق من بيت زوجها، قال: "لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدّق من مال زوجها إلا بإذنه".
وما رواه ابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: لَمَّا فَتح رسول الله ﷺ مكة قام خطيبًا، فقال في خطبته: "لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها".
وما رواه أبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها، كان لها أجرٌ، ولزوجها مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك، ولا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئًا، له بما كسب، ولها بما أنفقت".
وما رواه الأئمة الخمسة عن أسماء، أنها جاءت النبيّ ﷺ ، فقالت: يا نبي الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل عليّ الزبيرُ فهل عليَّ جُنَاح أن أَرْضَخَ مما يُدْخِل عليّ؟ فقال: "ارضخي ما استطعت، ولا توعي فيوعي الله عليك"، لفظ مسلم، وهو أتمّ.
وما رواه الأئمة الستة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أعطت المرأة من بيت زوجها، بطيب نفس، غير مفسدة، فإن لها مثل أجره، لها ما نوت حسنًا، وللخازن مثل ذلك"، لفظ الترمذيّ.
وما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها، غير مفسدة، عن غير أمره، فلها نصف أجره".
وما رواه أبو داود، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما بايع رسول الله ﷺ النساء، قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مُضَر، فقالت: يا نبيّ الله إنا كَلّ على آبائنا وأبنائنا- قال أبو داود: وأرى فيه: وأزواجنا-، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: "الرّطب تأكلنه وتُهْدِينه".
стр. 11396
قال أبو داود: الرَّطْبُ: الخبز، والْبَقْلُ، والرُّطَب (١).
ثم قال العراقيّ ﵀: أحاديث الباب منها ما يدلّ على منع المرأة أن تُنفق من بيت زوجها إلا بإذنه، وهو حديث أبي أمامة، وحديث أبي هريرة الأول، وحديث عبد الله بن عمرو، ومنها ما يدل على الإباحة، وهو حديث عائشة الأول، وحديث أسماء، ومنها ما قُيِّد فيه الترغيب في الإنفاق بكونه بطيب نفس منه، وبكونها غير مفسدة، وهوأصحها، ومنها ما هو مقيد بكونها غير مفسدة، وإن كان من غير أمره، وهو حديث أبي هريرة الثاني، ومنها ما قُيِّد الْحِلّ فيه بكونه رَطْبًا، وهو حديث سعد بن أبي وقاص.
قال العراقيّ ﵀: وكيفية الجمع بينها أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد، وباختلاف حال الزوج في مسامحته بذلك، وكراهته له، وباختلاف الحال في الشيء الْمُنْفَق بين أن يكون شيئًا يسيرًا يتسامح به، وبين أن يكون له خَطَرٌ في النفس يُبْخَلُ بمثله، وبين أن يكون رَطْبًا يُخْشَى فساده إن تأخر، وبين أن يكون يُدَّخَر، ولا يخشى عليه الفساد.
فقال الخطابيّ في "المعالم" عقب حديث عائشة ﵂: هذا الكلام خارج على مذهب الناس بالحجاز وبغيرها من البلدان في أن رب البيت قد يأذن لأهله، وعياله، وللخادم في الإنفاق، مما يكون في البيت، من طعام، وإدام، ونحوه، وُيطْلِق أمرهم في الصدقة منه؛ إذا حضرهم السائل، ونزل بهم الضيف، فحَضهم رسول الله ﷺ على لزوم هذه العادة، واستدامة ذلك الصنيع، ووعدهم الأجر والثواب عليه، وأَفْرَد كلَّ واحد منهم باسمه؛ ليتسارعوا إليه، ولا يتقاعدوا عنه، قال: وليس ذلك بأن تفتات المرأة، والخازن على رب البيت بشيء، لم يُؤذن لهما فيه، ولم يُطْلَق لهما الإنفاق منه، بل يخاف أن يكونا آثمين إذا فعلا ذلك، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة، وأقوال أهل العلم أن تصدّق المرأة، والخادم من مال الرجل جائز، لكن بشرطين:
стр. 11397
(أحدهما): الإذن صريحًا، أو دلالة، وذلك بأن يجري العرف في التصدّق بمثله، فيجري ذلك مجرى الإذن الصريح.
(والثاني): عدم الإفساد، وهذا مجمعٌ عليه، وبهذا تجمع الأدلّة دون أن تتعارض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[٢٣٦٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: "مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضِ) بن مسعود التيميّ، أبو عليّ الزاهد المشهور، أصله من خُراسان، وسكن مكة، ثقةٌ عابدٌ إمامٌ [٨] (ت ١٨٧) أو قبلها (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
و"منصورٌ"- وهو: ابن المعتمر- ذُكر قبله.
وقوله: ("مِنْ طَعَامِ زَوْجهَا") أي من طعام زوجها الذي هو في بيتها، كما صُرّح به في الرواية الأخرى (١).
[تنبيه]: رواية فضيل عن منصور هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأةُ مِن بَيْتِ زوْجِهَا، غيْرَ مفسِدَةٍ، كانَ لَهَا أجْرُهَا، وَلهُ مِثْلهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أنفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا").
стр. 11398
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في جميع النسخ "شيئًا" بالنصب، فيُقَدَّر له ناصبٌ، فيَحْتَمِل أن يكون تقديره: من غير أن ينقص الله من أجورهم شيئًا، ويَحْتَمِل أن يقدّر: من غير أن ينقص الزوجُ من أجر المرأة، والخازنُ شيئًا، وجَمَعَ ضميرهما مجازًا، على قول الأكثرين: إن أقل الجمع ثلاثة، أو حقيقةً، على قول من قال: أقل الجمع اثنان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن أقل الجمع اثنان هو الحقّ، كما حقّقته بأدلّته في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير ذُكر في أول الباب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، وأبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، ساقها الإمام ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال:
(٢٢٩٤) - حدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدّثنا أبي وأبو معاوية،
стр. 11399
عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أنفقت المرأة -وقال أبي في حديثه: إذا أطعمت المرأة- من بيت زوجها، غير مفسدة، كان لها أجرها، وله مثله بما اكتسب، ولها بما أنفقت، وللخازن مثل ذلك، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا (١) ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٢٧) - (بَابُ مَا أنفَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْمَرْأةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٨] (١٠٢٥) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ ابْن نمَيْرٍ: حَدَّثنَا حَفْصٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ: كنْتُ مَمْلُوكًا، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَأَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالي بِشَيْءٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَالْأَجْز بَيْنكمَا نِصْفَانِ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيه تغيّر في الآخر قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٢ - (محَمَّد بْن زَيْدِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٣ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ) الغفاريّ، صحابيّ شَهِدَ فتح خيبر مع مواليه، ورَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن مولاه، ورَوَى عنه محمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويزيد بن أبي عُبَيد، وغيرهم، وعاش إلى نحو السبعين، أخرج له المصنّف والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
стр. 11400
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كلاحقه، وهو (١٤٨) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ، وعمير، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون، سوى الصحابيّ، ومحمد بن زيد، فمدنيّان.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة سوى ثلاثة أحاديث، هذا الحديث عند المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وحديث في الاستسقاء عند أبي داود، وحديث شهوده خيبر عند الأربعة، راجع: "تحفة الأشراف" (٧/ ٤٢٢ - ٤٢٤)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُمَيْرٍ) بالتصغير (مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ) بهمزة ممدودة، وكسر الباء، وإنما قيل له: آبي اللحم؛ لأنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: لا يأكل ما ذُبِح للأصنام، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: خلف، وقيل: الحويرث الغفاريّ، وهو صحابيّ رَوَى عن النبيّ ﷺ حديثًا واحدًا في الاستسقاء، وروى عنه عمير مولاه، قيل: استُشْهِد يوم حنين (١).
(قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَأتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَاليَّ) بفتح الميم، وتشديد الياء: جمع مولى (بِشَيْءٍ؟) أي قليل، أو مأذون فيه عادةً (قَالَ) ﷺ ("نَعَمْ) أي لك أن تتصدّق به (وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ") قال النوويّ ﵀: هذا محمول على ما سَبَقَ أنه استأذن في الصدقة بقدر يَعْلَم رضا سيده به. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ فيه نظرٌ لا يخفى، فكيف يسأل النبيّ ﷺ بعد أن أذِن له مولاه بالصدقة؟ بل الظاهر أنه لم
стр. 11401
يستأذن، فسأل هل التصدّق بغير إذن الموالي جائزٌ أم لا؟، فتأمل.
والحاصل أن تصدّق العبد بما جرى به العرف من الأشياء الخفيفة، مما لا يكون تبذيرًا جائزٌ، وإن لم يأذن له سيّده، كما هو ظاهر حديث عمير الآتي بعد هذا، فتبصّر، والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وسيأتي الكلام على مسائله في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-.
وقال النوويّ ﵀: معنى قوله: "نصفان": قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر:
إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ … وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
وأشار القاضي إلى أنه يَحْتَمِل أيضًا أن يكون سواء؛ لأن الأجر فضلٌ من الله تعالى، يؤتيه من يشاء، ولا يُدرك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال النوويّ: والمختار الأول. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله القاضي هو المختار؛ لما ذَكَره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٦٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أقَدِّدَ لَحْمًا (٢)، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ، فَضَرَبَنِي، فَأتيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: "لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ "، فَقَالَ: يُعْطي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمرَهُ، فَقَالَ: "الْأَجْرُ بَيْنكُمَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ٥٠.
стр. 11402
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
و"عمير" ﵁ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، وهو (١٤٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ، يَعْني ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ) الظاهر أن العناية هنا وفيما قبله من المصنّف ﵀ (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ) جملة في محلّ نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ على قول من يرى "سمع" من أخوات "ظنّ" (أَمَرَنِي مَوْلَايَ) بفتح الياء؛ لأن القاعدة أن ياء المتكلّم تُفتح إذا أُضيف إليها اسم مقصور، كعصاي، وفتاي، وهذا عند جمهور العرب، وفي لغة هُذيل تُقلب ألف المقصور ياء، وتُدغم في ياء المتكلّم، وتفتح ياء المتكلّم، ومنه قول الشاعر:
سَبَقُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ … فَتُخُرِّمُوا وِلكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وإلى قاعدة إضافة الاسم إلى ياء المتكلّم عمومًا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَـ "رَامٍ" وَ"قَذَى"
أَوْ يَكُ كَـ "ابْنَيْنِ" و"زيدِينَ" فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ … هُذَيْلٍ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
стр. 11403
(أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا) بضم الهمزة، وكسر الدال المشدّدة، من التقديد، وهو الشقّ طولًا، قال في "القاموس": القَدّ: القطع المستأصل، أو المستطيل، أو الشقّ طولًا، كالاقتداد، والتقديد في الكلّ. انتهى (١).
ووقع في بعض النسخ: "أن أَقْدِر لحمًا"، بفتح أوله، وضمّ الدال المخفّفة وكسرها، قال ابن الأثير ﵀: أي أطبُخ قِدْرًا من لحم. انتهى (٢).
وقال في "اللسان": قَدَرَ القِدرَ يَقْدِرُها -أي من باب ضرب- ويَقْدُرُها- أي من باب نصر- قَدْرًا: طَبَخَهَا، واقتدر أيضًا بمعنى قَدَرَ، مثلُ طَبَخَ واطَّبَخَ، ومرَقٌ مقدورٌ، وقَدِيرٌ: أي مطبوخٌ، والقَدِيرُ: ما يُطبَخ في القِدْر. انتهى (٣).
(فَجَاءَنِي مِسْكِين، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ) أي أعطيته من ذلك اللحم (فَعَلِمَ) بالبناء للفاعل (بِذَلِكَ) أي بإطعامي ذلك المسكين من ذلك اللحم (مَوْلَايَ) مرفوع على الفاعليّة بـ "عَلِمَ" (فَضَرَبَنى) أي تأديبًا حيث أساء بذلك الإطعام في نظره (فَأتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) أي ضرب مولاه له لما ذُكر (فَدَعَاهُ) أي طلب النبيّ ﷺ آبي اللحم أن يحضر عنده حيث شكاه عبده (فَقَالَ) ﷺ ("لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ "، فَقَالَ: يُعْطي طَعَامِي) أي إنما ضربته لإساءته بإعطائه طعامي للمسكين (بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ) أي بغير إذني له بذلك (فَقَالَ) ﷺ ("الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا") تعليل لمحذوف؛ أي لا تضربه بذلك؛ لأن الأجر الحاصل بتصدّقه بمالك كائن بينهما.
وقال في "المرعاة": أي إن رضيت بذلك يحلّ له إعطاء مثل هذا، مما يجري فيه المسامحة، وتؤجران معًا. قال الطيبيّ أخذًا عن التوربشتيّ: لم يرد به إطلاق يد العبد، بل كره صنيع مولاه في ضربه على أمر تبيّن رشده فيه، فحثّ السيّد على اغتنام الأجر، والصفح عنه، فهذا تعليم، وإرشاد لآبي اللحم، لا تقرير لفعل العبد. انتهى.
وقال النوويّ: هذا محمول على أن عميرًا تصدّق بشيء ظنّ أن مولاه يَرْضَى به، ولم يرض به مولاه، فلعمير أجرٌ؛ لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنيّة
стр. 11404
الطاعة، ولمولاه أجرٌ؛ لأن ماله أُتلف عليه، وقوله: "الأجر بينكما": أي لكلّ منكما أجرٌ، وليس المراد أنّ أجر نفس المال يتقاسمانه، فهذا الذي ذكرته من تأويله هو المعتمد، وقد وقع في كلام بعضهم ما لا يُرتضى من تفسيره.
وقال قبل ذلك: وقوله ﷺ : "الأجر بينكما": ليس معناه أن الأجر الذي لأحدهما يزدحمان فيه، بل معناه أن هذه الصدقة التي أخرجها الخازن، أو المرأة، أو المملوك، ونحوهم بإذن المالك يترتّب على جملتها ثوابٌ على قدر المال والعمل، فيكون ذلك مقسومًا بينهما، لهذا نصيبٌ بماله، ولهذا نصيبٌ بعمله، فلا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله.
(واعلم): أنه لا بدّ للعامل، وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذن أصلًا، فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزرٌ بتصرّفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان؛ أحدهما: الإذن الصريح في النفقة، والصدقة، والثاني: الإذن المفهوم من اطّراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها، مما جرت العادة به، واطّرد العرف فيه، وعُلم رضاء الزوج، والمالك به، فإذنه في ذلك حاصلٌ، وإن لم يتكلّم، وهذا إذا عُلم رضاه لاطّراد العرف، وعُلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك، والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشُكّ في رضاه، أو كان شخصًا يشحّ بذلك، وعُلم من حاله ذلك، أو شكّ فيه، لم يجز للمرأة، وغيرها التصدّق من ماله إلا بصريح إذنه. انتهى (١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمير مولى آبي اللحم ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٣٦٨ و ٢٣٦٩] (١٠٢٥)، و (النسائيّ) في
стр. 11405
"الزكاة" (٢٥٣٧) وفي "الكبرى" (٢٣١٧)، و (ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز تصدّق العبد من مال سيّده بغير إذنه، وهذا كما تقدم، محمول على ما جرى به العرف، من الطعام، ونحوه.
٢ - (ومنها): أن العبد والسيّد يؤجران به، السيد بماله، والعبد بعمله.
٣ - (ومنها): جواز تأديب السيّد عبده إذا أساء، فإن النبيّ ﷺ ما لام مولى عُمير على ضربه مطلقًا، وإنما أرشده أن فعله هذا لا يستحقّ الضرب، حيث إنه مأذون له شرعًا؛ نظرًا لما جرى به العرف، وأنه يؤجر عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٠] (١٠٢٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَصُمِ الْمَرْأةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ، اِلَّا بِإذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاهِدٌ، إِلَّا بِإذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَإنَّ نِصْفَ أجْرِهِ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القُشَيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقة حافظٌ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّف مشهور، عَمِيَ في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُرْوة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبت فاضل، من كبار [١٠] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
стр. 11406
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل اليمن.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المضعَّف، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى مجموع الأَحاديث التي ساقها همّام مساقًا واحدًا، وكلّها بإسناد واحد، وهو سند المصنّف هنا، فاسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: (مَا) موصولة؛ أي الذي (حَدَّثَنَا) حُذف منه العائد؛ أي حدّثناه (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللهِ ﷺ ) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير همّام (أَحَادِيثَ) وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) فهو مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه ("لَا تَصُمِ الْمَرْأةُ) هكذا عند المصنّف بصيغة النهي، فـ "لا" ناهية، والفعل مجزوم بها، ووقع عند غيره بالرفع، قال وليّ الدين ﵀: لفظه خبر، ومعناه النهي، ووقع في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "لا يحل للمرأة أن تصوم"، وهو صريح في تحريم ذلك، وبه صرّح الشافعية، كما حكاه النوويّ عنهم، قال: وقال بعض أصحابنا: يكره، والصحيح الأول، قال: فلو صامت بغير إذن زوجها صحّ باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرأمًا؛ لأن تحريمه لمعنى آخر، لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، فهو كالصلاة في دار مغصوبة.
стр. 11407
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تصحّ، كما هو مرويّ عن الإمام أحمد وغيره، فكذا هنا؛ لأن صيغة "لا يحلّ" واضحٌ في التحريم، وهو يقتضي الفساد، وقد استوفيت البحث في هذا في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فلتراجعه، والله تعالى أعلم.
قال: وقال صاحب "البيان": قبوله إلى الله تعالى، قال النوويّ: ومقتضى المذهب في نظائرها الجزم بعدم الثواب، كما في الصلاة في دار مغصوبة. انتهى.
ومن قال بالكراهة احتاج إلى تأويل قوله: "لا يحلّ " على أن معناه ليس حلالًا مستوي الطرفين، بل هو راجح الترك مكروه، وهو تأويل بعيدٌ مستنكرٌ، ولو لم يرد هذا اللفظ، فلفظ النهي الذي عند مسلم هنا بلفظ: "لا تصم المرأة" ظاهر في التحريم، وكذا لفظ رواية: "لا تصوم"؛ لأن استعمال لفظ الخبر يدلّ على تأكيد النهي، وتأكدُهُ يكون بحمله على التحريم، أفاده وليّ الدين ﵀ (١).
(وَبَعْلُهَا) بفتح، فسكون: أي زوجها، قال الفيّوميّ ﵀: "البَعْلُ": الزوج، يقال: بَعَلَ يَبْعَلُ، من باب قَتَلَ بُعُولةً: إذا تزوّج، والمرأة بَعْلٌ أيضًا، وقد يقال فيها: بَعْلَةٌ بالهاء، كما يقال: زوجةٌ؛ تحقيقًا للتأنيث، والجمع: الْبُعُولةُ، قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": رواية "وبعلها" أفيد من رواية "وزوجها"؛ لأن ابن حزم نقل عن أهل اللغة أن البعل اسم للزوج والسيد، فإن ثبت، وإلا أُلْحِق السيد بالزوج؛ للاشتراك في المعنى. انتهى (٣).
(شَاهِدٌ) أي حاضر في البلد، قال وليّ الدين ﵀: قَيَّد النهي عن الصوم بأن يكون بعلها؛ أي زوجها شاهدًا؛ أي حاضرًا مقيمًا في البلد، ومفهومه أن لها صوم التطوع في غيبته، وهو كذلك بلا خلاف، كما ذكره النوويّ في "شرح المهذب"، وهو واضحٌ؛ لزوال معنى النهي.
قال: وما المراد بغيبته هنا؟ هل المراد الغيبة المعتبرة في أكثر المسائل
стр. 11408
الشرعية، وهي أن يكون على مسافة القصر، أو المراد أن يكون فوق مسافة الْعَدْوَى، أو المراد مطلق الغيبة عن البلد، ولو قَلَّت المسافةُ، وقَصُرَت مدّتها؟ مقتضى إطلاق الحديث ترجيح هذا الاحتمال الثالث، لكن لو ظنت قدومه في بقية اليوم بسبب من الأسباب، فينبغي تحريم صوم ذلك اليوم، وهذا لا يختص بهذا الاحتمال، بل يجري على الاحتمالات كلها، فمتى ظنت قدومه في يوم حَرُم عليها صومه، ولو بعدت بلد الغيبة، وطالت مدتها، وَيحْتَمِل أن لا يحرم استصحابًا للغيبة، والأصل استمرارها. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: وسبب هذا التحريم أن للزوج حقّ الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور، فلا يفوته بالتطوع، ولا واجب على التراخي.
[فإن قيل]: فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك، وُيفسد صومها.
[فالجواب]: أن صومها يمنعه من الاستمتاع بها في العادة؛ لأن المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإفساد. انتهى (٢).
قال في "الفتح": لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد، يقتضي جواز التطوع لها؛ إذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت، وقَدِمَ في أثناء الصيام، فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الْغَيْبة أن يكون مريضًا، بحيث لا يستطيع الجماع، وحَمَل المهلب النهي المذكور على التنزيه، فقال: هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إذنه ما لا يضرّه، ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يبطل شيئًا من طاعة الله؛ إذا دخلت فيه بغير إذنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المهلّب مما لا يُلتفت إليه؛ لمصادمته ظاهر النصّ، وهو مخالفٌ لقول أكثر العلماء من أن النهي هنا للتحريم، كما سبق بيانه في كلام النوويّ ﵀، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا بإِذْنِهِ) وهل المراد إذنه صريحًا، أو يكفي ما يقوم مقامه، من
стр. 11409
احتفاف قرائنَ، تدلّ على رضاه بذلك؟ الظاهر أن احتفاف القرائن، واطّراد العادة يقوم مقام الإذن الصريح، قاله وليّ الدين ﵀.
وقال في "الفتح": قوله: "إلا بإذنه" يعني في غير صيام أيام رمضان، وكذا في غير رمضان من الواجب إذا تضيّق الوقت. انتهى.
(وَلَا تَأْذَنْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، قال في "القاموس": أَذِنتُ له في الشيء، كسَمِعَ إِذْنًا بالكسر، وأَذِينًا: أباحه له، واستأذنه: طلب منه الإذن. انتهى (١).
يعني أنه لا يجوز للمرأة أن تأذن في بيت زوجها، لا لرجل، ولا لامرأة يكرهها زوجها؛ لأن ذلك يوجب سوء الظن، وَيبْعَث على الْغَيْرة التي هي سبب القطيعة (٢).
وقال وليّ الدين ﵀: قوله: "ولا تأذن … إلخ" هو في روايتنا بالرفع، كقوله: "لا تصوم"، لفظه خبر، ومعناه النهي، وفي رواية مسلم بالجزم على النهي الصريح، كقوله في روايته: "لا تصم". انتهى (٣).
(فِي بَيْتِهِ) المراد ببيت زوجها سكنه، سواء كان ملكه أم لا (٤). (وَهُوَ شَاهِدٌ) أي حاضرٌ، قال في "الفتح": هذا القيد لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب، وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته، بل يتأكد حينئذ عليها المنع؛ لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على الْمُغِيبات؛ أي مَن غاب عنها زوجها.
وَيحْتَمِل أن يكون له مفهوم، وذلك أنه إذا حَضَر تيسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه؟ لتعذره.
ثم هذا كله فيما يتعلق بالدخول عليها، أما مطلق دخول البيت، بأن تأذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن سكنها، فالذي يظهر أنه مُلتَحِق بالأول. انتهى (٥).
стр. 11410
وقال في "العمدة" بعد ذكر ما تقدّم، ما نصّه: وأما عند الداعي للدخول عليها للضرورة، كالإذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن مسكنها، أو الإذن لدخول موضع مُعَدّ للضيفان فلا حرج عليها في الإذن بذلك؛ لأن الضرورات مستثناة في الشرع. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُفتات على الزوج بالإذن في بيته إلا بإذنه، وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به، أما لو علمت رضا الزوج بذلك، فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعًا مُعَدًّا لهم، سواء كان حاضرًا أم غائبًا، فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاصّ لذلك، وحاصله أنه لا بُدّ من اعتبار إذنه تفصيلًا أو إجمالًا. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ ﵀ تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي الصريح، قال في "الفتح": وهل يقوم ما يقترن به علامةُ رضاه مقام التصريح بالرضا؟ فيه نظرٌ. انتهى.
(وَمَا) موصولة مبتدأ (أَنْفَقَتْ) حُذف منه العائد؛ أي الذي أنفقته المرأة (مِنْ كَسْبِهِ) أي مما كسبه الزوج (مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ) قال النوويّ ﵀: معناه: من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعيَّن، ولا ينفي ذلك وجود إذن سابق عامّ يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح، وإما بالعرف، قال: ويتعيّن هذا التأويل؛ لأنه ﷺ جعل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم أنها إذا أنفقت من ماله بغير إذنه لا الصريح، ولا المأخوذ من العرف، لا يكون لها أجرٌ، بل عليها وزرٌ، فيتعين تأويله.
قال: واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يُعْلَم رضا المالك به عرفًا، فإن زاد على ذلك لم يجز، ويؤيده قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ السابق: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة … "، فأشار ﷺ إلى أنه قدرٌ يُعْلَم رضا الزوج به في العادة، قال: ونبّه بالطعام أيضًا على ذلك؛ لأنه مما يُسْمَح به عادةً، بخلافّ النقدين في حقّ كثير من الناس، وكثير من الأحوال.
стр. 11411
قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقةُ على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وقاصديه من ضيف، وابن سبيل، ونحوهما، وكذلك صدقاتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف، والله أعلم. انتهى (١).
(فَإِن نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ") أي والنصف الآخر لها، قال وليّ الدين ﵀: ويدلّ لذلك قوله في رواية أبي داود: "فلها نصف أجره"، فحَصَل من مجموع الروايتين أنه بينهما نصفين، ويوافق ذلك ما في "صحيح مسلم" عن عُمير مولى آبي اللحم ﵄ قال: "كنت مملوكًا، فسألت رسول الله ﷺ : أتصدق من مال مواقي بشيء؟ قال: "نعم، والأجر بينكما نصفان".
قال: وهذه المناصفة المذكورة في هذين الحديثين ليست على حقيقتها وظاهرها، بل المراد أن لهذا ثوابًا ولهذا ثوابًا، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، وقوله هنا: "نصفان" معناه قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا مُتُّ كَانَ النَاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ … وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
فإذا أعطى المالك لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها ليوصلها إلى مستحقّ الصدقة على باب داره أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رُمّانةً، أو رغيفًا، ونحوهما حيث ليس له كبير قيمة؛ ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا فيكون مقدار الأجر سواءً، ذكر ذلك النوويّ، ثم قال: وأشار القاضي إلى أنه يَحْتَمِل أيضًا أن يكونا سواءً؛ لأن الأجر فضل من الله تعالى، ولا يُدْرَك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال النوويّ: والمختار الأول.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن ما قاله عياض: ﵀ وجيهٌ، حيث يدلّ له ظاهر النصّ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
стр. 11412
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: المعنى بالمناصفة هاهنا أنهما سواء في المثوبة، كل واحد منهما له أجر كاملٌ، وهما اثنان، فكأنهما نصفان. انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ويدل عليه قوله في بقية حديث عائشة ﵂: "لا ينقص كلُّ واحد منهما من أجر صاحبه شيئًا". انتهى (١).
قال الجامح عفا الله عنه: حمل المناصفة على حقيقة النصف هو الأظهر، فيكون حديث عائشة ﵂ محمولًا على ما إذا أنفقت بإذن الزوج، وحديث أبي هريرة ﵁ على ما إذا أنفقت بدون إذنه، كما هو صريح قوله: "من أمره"، وتقدّم تقريره، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "فإنه يؤدَّى إليه شطره"؛ أي نصف الأجر، قال في "الفتح": وأغرب الخطابيّ، فحَمَل قوله: "يؤدى إليه شطره " على المال المنفَقِ، وأنه يلزم المرأة إذا أنفقت بغير أمر زوجها زيادةً على الواجب لها أن تَغْرَم القدر الزائد، وأن هذا هو المراد بالشطر في الخبر؛ لأن الشطر يُطْلَق على النصف، وعلى الجزء، قال: ونفقتها معاوضةٌ، فتقدَّر بما يوازيها من الفرض، وترُدُّ الفضل عن مقدار الواجب، وإنما جاز لها في قدر الواجب؛ لقصة هند: "خذي من ماله بالمعروف". انتهى.
ويرد عليه رواية المصنف بلفظ: "فإن نصف أجره له"، قال الحافظ: وقد استَشْعَر الإيرادَ، فحَمَل الحديث الآخر على معنى آخر، وجعلهما حديثين مختلفي الدلالة، والحقّ أنهما حديث واحدٌ رُوِيا بألفاظ مختلفة.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالتنصيف في حديث الباب الحملُ على المال الذي يُعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا أنفقت منه بغير علمه، كان الأجر بينهما، للرجل لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله، كما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره، وللمرأة؛ لكونه من النفقة التي تختص بها، قال الحافظ ﵀: ويؤيد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود عقب حديث أبي هريرة ﵁ هذا قال في المرأة تصدّق من بيت زوجها،
стр. 11413
قال: "لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدّق من مال زوجها إلا بإذنه"، قال أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عقبه: هذا يُضَعِّف حديث همام.
انتهئ ومراده أنه يُضَعِّف حمله على التعميم، أما الجمع بينهما بما دَلّ عليه هذا الثاني فلا.
وأما ما أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، من حديث سعد ﵁، قال: قالت امرأة: يا نبي الله إنّا كَلُّ على آبائنا، وأزواجنا، وأبنائنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: "الرَّطْبُ، تأكلنه، وتهدينه".
وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي أُمامة ﵁ رفعه: "لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذنه"، قيل: ولا الطعام؟ قال: "ذاك أفضل أموالنا"، وظاهرهما التعارض، ويمكن الجمع بأن المراد بالرَّطْب ما يتسارع إليه الفساد، فأَذِن فيه، بخلاف غيره، ولو كان طعامًا.
أنتهى، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٣٧٠] (١٠٢٦)، و (البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٦٦) و"النكاح" (٥١٩٢ و ٥١٩٥ و ٥٣٦٠)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٨٧) و"الصوم" (٢٤٥٨)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٦١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤/ ٣٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢ و ٧/ ١٨٠ و ١٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن صوم المرأة التطوّع، وزوجها حاضر؛ لئلا يتضرّر بذلك.
٢ - (ومنها): أنه تقدّم أن في رواية أبي داود زيادة: "غير رمضان"، وهذا
стр. 11414
لا بد من استثنائه، فلا يحتاج في صوم رمضان إلى إذنه، ولا يمتنع بمنعه، وفي معنى صوم رمضان كلُّ صوم واجب مُضَيَّق، كقضاء رمضان؛ إذا تعدَّت بالإفطار، أو كان الفطر بعذر، ولكن ضاق وقت القضاء بأن لم يبق من شعبان إلا قدر القضاء، أو نَذَرت قبل النكاح، أو بعده بإذنه صيام أيام بعينها، والموسّع كقضاء رمضان؛ إذا كان الفطر بعذر، ولم يضق الوقت، والكفارة، والنذر الذي ليس له وقت معين، فهو كالتطوع في أن له منعها منه، كما صرّح بذلك كله الشافعيّة، كما قاله وليّ الدين.
وقال النوويّ: هذا محمول على صوم التطوع والمنذور الذي ليس له زمن معيّن، قال وليّ الدين: وكذا صوم الكفارة، وقضاء رمضان إذا فات بعذر، ولم يَضِق الوقت كما تقدم.
وقال ابن حزم: تصوم الفروض كلها أَحَبَّ أم كَرِهَ، قال: وصيام قضاء رمضان والكفارات، وكلُّ نذر تقدم لها قبل نكاحها إياه مضموم إلى رمضان؛ لأن الله تعالى افترض كل ذلك كما افترض رمضان، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فأسقط الله- الاختيار فيما قَضَى به، وإنما جَعَل النبيّ ﷺ الاستئذان فيما فيه الخيار، والله أعلم (١).
٣ - (ومنها): قال وليّ الدين ﵀ هذا الحديث ورد في ابتداء الصوم، أما دوامه كما لو نكحها، وهي صائمة، فهل له حقٌّ في تفطيرها، هذه مسألة قَلّ مَن تعَرَّض لها، وقد ذكرها إبراهيم المروزيّ من أصحابنا، وقال: إنه ليس له إجبارها على الإفطار، قال: وفي نفقتها وجهان. انتهى.
٤ - (ومنها): أن في سنن أبي داود ﵀ بيان سبب هذه الجملة الأولى من الحديث، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ ، ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطّل يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرني إذا صُمْتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، فسأله عما قالت … فذكر الحديث، وفيه: وأما قولها:
стр. 11415
يُفَطِّرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابّ فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها" (١).
٥ - (ومنها): أنه قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذب": الأمة المستباحة لسيدها في صوم التطوع كالزوجة، وأما الأمة التي لا تحل لسيدها بأن كانت مَحْرَمًا له، كأخته، أو كانت مجوسيًّة، أو غيرهما، والعبد فإن تضررا بصوم التطوع بضعف أو غيره، أو بنقص لم يجز بغير إذن السيد، بلا خلاف، وإن لم يتضررا ولم ينقصا جاز، وأطلق ابن حزم الظاهريّ أنه لا يجوز لذات السيد أن تصوم تطوعًا إلا بإذنه، وقال: البعل اسم للسيد، وللزوج في اللغة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد ما قاله ابن حزم من إطلاق البعل على الزوج والسيّد لغة قولُهُ في "القاموس" عند تعداد معاني البعل: وربُّ الشيءِ، ومالكه، والزوج. انتهى (٢).
٦ - (ومنها): بيان النهي عن إذن المرأة بالدخول لأيّ شخص في بيت زوجها بغير إذنه.
٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه إشارةٌ إلى أنه لا يُفْتَاتُ على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم، إلا بإذنهم، وهذا