قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقةُ على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وقاصديه من ضيف، وابن سبيل، ونحوهما، وكذلك صدقاتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف، والله أعلم. انتهى (١).
(فَإِن نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ") أي والنصف الآخر لها، قال وليّ الدين ﵀: ويدلّ لذلك قوله في رواية أبي داود: "فلها نصف أجره"، فحَصَل من مجموع الروايتين أنه بينهما نصفين، ويوافق ذلك ما في "صحيح مسلم" عن عُمير مولى آبي اللحم ﵄ قال: "كنت مملوكًا، فسألت رسول الله ﷺ : أتصدق من مال مواقي بشيء؟ قال: "نعم، والأجر بينكما نصفان".
قال: وهذه المناصفة المذكورة في هذين الحديثين ليست على حقيقتها وظاهرها، بل المراد أن لهذا ثوابًا ولهذا ثوابًا، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، وقوله هنا: "نصفان" معناه قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا مُتُّ كَانَ النَاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ … وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
فإذا أعطى المالك لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها ليوصلها إلى مستحقّ الصدقة على باب داره أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رُمّانةً، أو رغيفًا، ونحوهما حيث ليس له كبير قيمة؛ ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا فيكون مقدار الأجر سواءً، ذكر ذلك النوويّ، ثم قال: وأشار القاضي إلى أنه يَحْتَمِل أيضًا أن يكونا سواءً؛ لأن الأجر فضل من الله تعالى، ولا يُدْرَك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال النوويّ: والمختار الأول.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن ما قاله عياض: ﵀ وجيهٌ، حيث يدلّ له ظاهر النصّ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
стр. 11412
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: المعنى بالمناصفة هاهنا أنهما سواء في المثوبة، كل واحد منهما له أجر كاملٌ، وهما اثنان، فكأنهما نصفان. انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ويدل عليه قوله في بقية حديث عائشة ﵂: "لا ينقص كلُّ واحد منهما من أجر صاحبه شيئًا". انتهى (١).
قال الجامح عفا الله عنه: حمل المناصفة على حقيقة النصف هو الأظهر، فيكون حديث عائشة ﵂ محمولًا على ما إذا أنفقت بإذن الزوج، وحديث أبي هريرة ﵁ على ما إذا أنفقت بدون إذنه، كما هو صريح قوله: "من أمره"، وتقدّم تقريره، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: "فإنه يؤدَّى إليه شطره"؛ أي نصف الأجر، قال في "الفتح": وأغرب الخطابيّ، فحَمَل قوله: "يؤدى إليه شطره " على المال المنفَقِ، وأنه يلزم المرأة إذا أنفقت بغير أمر زوجها زيادةً على الواجب لها أن تَغْرَم القدر الزائد، وأن هذا هو المراد بالشطر في الخبر؛ لأن الشطر يُطْلَق على النصف، وعلى الجزء، قال: ونفقتها معاوضةٌ، فتقدَّر بما يوازيها من الفرض، وترُدُّ الفضل عن مقدار الواجب، وإنما جاز لها في قدر الواجب؛ لقصة هند: "خذي من ماله بالمعروف". انتهى.
ويرد عليه رواية المصنف بلفظ: "فإن نصف أجره له"، قال الحافظ: وقد استَشْعَر الإيرادَ، فحَمَل الحديث الآخر على معنى آخر، وجعلهما حديثين مختلفي الدلالة، والحقّ أنهما حديث واحدٌ رُوِيا بألفاظ مختلفة.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالتنصيف في حديث الباب الحملُ على المال الذي يُعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا أنفقت منه بغير علمه، كان الأجر بينهما، للرجل لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله، كما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره، وللمرأة؛ لكونه من النفقة التي تختص بها، قال الحافظ ﵀: ويؤيد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود عقب حديث أبي هريرة ﵁ هذا قال في المرأة تصدّق من بيت زوجها،
стр. 11413
قال: "لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدّق من مال زوجها إلا بإذنه"، قال أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عقبه: هذا يُضَعِّف حديث همام.
انتهئ ومراده أنه يُضَعِّف حمله على التعميم، أما الجمع بينهما بما دَلّ عليه هذا الثاني فلا.
وأما ما أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، من حديث سعد ﵁، قال: قالت امرأة: يا نبي الله إنّا كَلُّ على آبائنا، وأزواجنا، وأبنائنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: "الرَّطْبُ، تأكلنه، وتهدينه".
وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي أُمامة ﵁ رفعه: "لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذنه"، قيل: ولا الطعام؟ قال: "ذاك أفضل أموالنا"، وظاهرهما التعارض، ويمكن الجمع بأن المراد بالرَّطْب ما يتسارع إليه الفساد، فأَذِن فيه، بخلاف غيره، ولو كان طعامًا.
أنتهى، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٣٧٠] (١٠٢٦)، و (البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٦٦) و"النكاح" (٥١٩٢ و ٥١٩٥ و ٥٣٦٠)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٨٧) و"الصوم" (٢٤٥٨)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٦١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤/ ٣٠٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٢ و ٧/ ١٨٠ و ١٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن صوم المرأة التطوّع، وزوجها حاضر؛ لئلا يتضرّر بذلك.
٢ - (ومنها): أنه تقدّم أن في رواية أبي داود زيادة: "غير رمضان"، وهذا
стр. 11414
لا بد من استثنائه، فلا يحتاج في صوم رمضان إلى إذنه، ولا يمتنع بمنعه، وفي معنى صوم رمضان كلُّ صوم واجب مُضَيَّق، كقضاء رمضان؛ إذا تعدَّت بالإفطار، أو كان الفطر بعذر، ولكن ضاق وقت القضاء بأن لم يبق من شعبان إلا قدر القضاء، أو نَذَرت قبل النكاح، أو بعده بإذنه صيام أيام بعينها، والموسّع كقضاء رمضان؛ إذا كان الفطر بعذر، ولم يضق الوقت، والكفارة، والنذر الذي ليس له وقت معين، فهو كالتطوع في أن له منعها منه، كما صرّح بذلك كله الشافعيّة، كما قاله وليّ الدين.
وقال النوويّ: هذا محمول على صوم التطوع والمنذور الذي ليس له زمن معيّن، قال وليّ الدين: وكذا صوم الكفارة، وقضاء رمضان إذا فات بعذر، ولم يَضِق الوقت كما تقدم.
وقال ابن حزم: تصوم الفروض كلها أَحَبَّ أم كَرِهَ، قال: وصيام قضاء رمضان والكفارات، وكلُّ نذر تقدم لها قبل نكاحها إياه مضموم إلى رمضان؛ لأن الله تعالى افترض كل ذلك كما افترض رمضان، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فأسقط الله- الاختيار فيما قَضَى به، وإنما جَعَل النبيّ ﷺ الاستئذان فيما فيه الخيار، والله أعلم (١).
٣ - (ومنها): قال وليّ الدين ﵀ هذا الحديث ورد في ابتداء الصوم، أما دوامه كما لو نكحها، وهي صائمة، فهل له حقٌّ في تفطيرها، هذه مسألة قَلّ مَن تعَرَّض لها، وقد ذكرها إبراهيم المروزيّ من أصحابنا، وقال: إنه ليس له إجبارها على الإفطار، قال: وفي نفقتها وجهان. انتهى.
٤ - (ومنها): أن في سنن أبي داود ﵀ بيان سبب هذه الجملة الأولى من الحديث، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ ، ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطّل يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرني إذا صُمْتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، فسأله عما قالت … فذكر الحديث، وفيه: وأما قولها:
стр. 11415
يُفَطِّرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابّ فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها" (١).
٥ - (ومنها): أنه قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذب": الأمة المستباحة لسيدها في صوم التطوع كالزوجة، وأما الأمة التي لا تحل لسيدها بأن كانت مَحْرَمًا له، كأخته، أو كانت مجوسيًّة، أو غيرهما، والعبد فإن تضررا بصوم التطوع بضعف أو غيره، أو بنقص لم يجز بغير إذن السيد، بلا خلاف، وإن لم يتضررا ولم ينقصا جاز، وأطلق ابن حزم الظاهريّ أنه لا يجوز لذات السيد أن تصوم تطوعًا إلا بإذنه، وقال: البعل اسم للسيد، وللزوج في اللغة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد ما قاله ابن حزم من إطلاق البعل على الزوج والسيّد لغة قولُهُ في "القاموس" عند تعداد معاني البعل: وربُّ الشيءِ، ومالكه، والزوج. انتهى (٢).
٦ - (ومنها): بيان النهي عن إذن المرأة بالدخول لأيّ شخص في بيت زوجها بغير إذنه.
٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه إشارةٌ إلى أنه لا يُفْتَاتُ على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم، إلا بإذنهم، وهذا
стр. 11416
محمول على ما لا يُعْلَم رضا الزوج ونحوه، فإن علمت المرأة ونحوها رضاه به جاز. انتهى.
٨ - (ومنها): أنه يَحْتَمِل أن يكون المراد الإذن في الدخول عليها، ويَحْتَمِل أن يراد مطلق دخول البيت، وإن لم يكن فيه دخول عليها، بأن أَذِنت في دخول شخص في مكان ليست فيه، إما من حقوق الدار التي هي فيها، وإما في دار أخرى منفردة عن سكنها، وهذا الاحتمال الثاني هو مقتضى اللفظ، فإنه ليس فيه تقييد ذلك بكون الدخول عليها، والله أعلم (١).
٩ - (ومنها): أن في رواية المصنّف تقييد المنع بكون الزوج شاهدًا؛ أي حاضرًا، ومقتضاه أن لها الإذنَ في غيبته من غير استئذانه، ولم يُذكَر هذا القيد في رواية البخاريّ، والأخذ بالإطلاق هنا أولى، فإن غيبته في ذلك كحضوره، بل أولى بالمنع، فقد يَسْمَح الإنسان بدخول الناس منزلة في حضوره، ولا يَسمَح بذلك في غيبته، وحينئذ فذكر القيد في رواية المصنف خرج مخرج الغالب في أن الإذن للضِّيفَان ونحوهم إنما يكون مع حضور صاحب المنزل، أما إذا كان مسافرًا، فالغالب أن لا يُطْرَق منزلُهُ أصلًا، ولو طُرِق لم تأذن المرأة في دخوله، وقد قال ﷺ : "إياكم والدخول على المغيّبات"، وهُنّ اللاتي غاب عنهن أزواجهن، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، كما تقرَّر في علم الأصول.
وقد يقال: هذا القيد معمول به، فإنه إذا حضر يعسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، وقد تدعو الضرورة إلى الدخول عليها، فيباح لها حينئذ ذلك؛ للاحتياج إليه مع عدم الاستئذان؛ لتعذره، والأول أقرب، والله أعلم (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: كذا قال وفي الدين ﵀، وقال القرطبيّ ﵀: تخصيص المنع بحضور الزوج يدلّ على أن ذلك لحقّ الزوج في زوجته؛ إذ قد يكون المأذون له في تلك الحال ممن يشوّش على الزوج مقصوده، وخلوته بها، وعلى هذا تظهر المناسبة بين هذا النهي وبين النهي عن الصوم المتقدّم، وقال بعض الأئمة: إن ذلك مُعلَّلٌ بأن البيت ملك للزوج، وإذنها في دخوله
стр. 11417
تصرّفٌ فيما لا تملك، وهذا فيه بُعدٌ؛ إذ لو كان معلَّلًا بذلك لاستوى حضور الزوج وغيبته، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو أولى وأقرب مما قاله وليّ الدين، فتأمله بالإمعان.
والحاصل أن القيد بحضور الزوج معتبرٌ، وليس مما خرج مخرج الغالب كما قيل، فيكون المنع من الدخول؛ لئلا يتأذّى الزوج بذلك الشخص عند طلب حاجته من زوجته، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): بيان جواز تصدّق المرأة من بيت زوجها من غير أمره الصريح، بل بما جرى به العرف، وذلك مشروط بكونه بالمعروف، بأن يكون شيئًا يسيرًا، ولا يكون إسرافًا، ولا تبذيرًا، كما قيّده في الرواية الأخرى بقوله: "غير مفسدة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٨) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ مَنْ أَنْفَقَ شَيْئَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وبَيَانِ عِظَمِ مَنْزِلَةِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خِصَالٌ مِنَ الْخَيْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧١] (١٠٢٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي الطَّاهِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أنفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَاب الرَّيَّانِ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ اَلْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كلِّهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تكُونَ مِنْهُمْ").
стр. 11418
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقة ثبت عابدٌ فقية [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم القرشيّ، أبو بكر المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه إمام، من كبار [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعئ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁. قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: اتَّفَقَ الرواةُ عن مالك على وصله، إلا يحيى بن بُكير، وعبد الله بن يوسف، فإنهما أرسلاه، ولم يقع عند القعنبيّ أصلًا. انتهى.
قال الحافظ ﵀: أخرجه الدارقطنيّ في "الموطآت" من طريق يحيى بن
стр. 11419
بُكير، موصولًا، فلعله اختُلِف عليه فيه، وأخرجه أيضًا من طريق القعنبيّ، فلعله حدّث به خارج "الموطأ". انتهى.
(أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) زاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعب، عن مالك: "من ماله"، والمراد بالزوجين إنفاق شيئين، من أيّ صنف من أصناف المال، من نوع واحد، والزوج يُطْلَق على الواحد، وعلى الاثنين، وهو هنا على الواحد جزمًا.
وقد جاء توضيح معنى إنفاق الزوج فيما أخرجه الإمام أحمد، والنسائيّ، من حديث أبي ذرّ ﵁، من رواية صَعْصَعَةَ بنِ معاوية، قال: لقيت أبا ذرّ، قال: قلت: حَدِّثني، قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد مسلم، ينفق من كلّ مالٍ له زوجين، في سبيل الله، إلا استقبلته حَجَبَة الجنّة كلّهم يدعوه إلى ما عنده"، قلت: وكيف ذلك؟ قال: "إن كانت إبلًا، فبعيرين، وإن كانت بقرأ، فبقرين".
وفي رواية أحمد: "قلت: وكيف ذاك؟ قال: إن كانت رجالا فرجلين، وإن كانت إبلًا فبعيرين، وإن كانت بقرًا فبقرتين".
وقال القاضي عياض: قال الهرويّ في تفسير هذا الحديث: قيل: وما زوجان؟ قال: فرسان، أو عبدان، أو بعيران، وقال ابن عرفة: كلُّ شيء قُرِن بصاحبه فهو زوج، يقال: زَوَّجت بين الإبل: إذا قَرَنت بعيرًا ببعير، وقيل: درهم ودينار، أو درهم وثوب، قال: والزوج يقع على الاثنين، ويقع على الواحد، وقيل: إنما يقع على الواحد إذا كان معه آخر، ويقع الزوج أيضًا على المصنف، وفُسِّر به قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ [الواقعة: ٧]، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون هذا الحديث في جميع أعمال البر، من صلاتين، أو صيام يومين، والمطلوب تشفيع صدقة بأخرى، والتنبيه على فضل الصدقة، والنفقة في الطاعة، والاستكثار منها. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "من أنفق زوجين في سبيل الله" هكذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم، ووقع في البخاريّ: "من أنفق زوجين من شيء من
стр. 11420
الأشياء في سبيل الله"، وهذا نصّ في عموم كلّ شيء يُخْرَج في سبيل الله، وقيل: يصحّ إلحاق جميع أعمال البرّ بالإنفاق، ويدلّ على صحّة هذا بقيّة الحديث؛ إذ قال فيه: "من كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة" إلى آخره. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "من أنفق زوجين … إلخ" قال التوربشتيّ: فُسّر بدرهمين، أو دينارين، أو مُدّين من طعام، وما يُضاهي تلك الأشياء، وَيحْتَمِل أن يُراد به تكرار الإنفاق مرّةً بعد أخرى؛ أي يتعوّد ذلك، ويتّخذه دَأبًا، نحو قوله تعالى: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، وفي "الغريبين" عن أبي ذرّ ﵁ قيل له: وما زوجان؟ قال: فرسان، أو عبدان، أو بعيران من إبله.
قال الطيبيّ: هذا هو الوجه إذا حُملت التثنية على التكرير؛ لأن القصد من الإنفاق التثبيت من الأنفس بإنفاق كرائم الأموال، والمواظبة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] أي ليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح، وبذله أشقّ شيء على النفس من سائر العبادات الشاقّة. انتهى (٢).
(فِي سَبِيلِ اللهِ) أي تصدّق في سبيل الخير مطلقًا، أو في الجهاد؛ كما هو المتبادر. قاله السنديّ (٣).
وقال القاضي عياضٌ: قيل: هو على العموم في جميع وجوه الخير، وقيل: هو مخصوص بالجهاد، والأول أصحّ وأظهر. انتهى (٤).
وقال في "الفتح" في "كتاب الصوم": اختُلف في المراد به، فقيل: أراد الجهاد.
وقيل: ما هوأعمّ. انتهى (٥) وقال في مناقب الصدّيق ﵁: قوله: "في سبيل الله" أي في طلب ثواب الله، وهو أعمّ من الجهاد وغيره من العبادات. انتهى (٦).
стр. 11421
(نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ) "في" بمعنى "من"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي … وَهْلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي
وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ … ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ
أي من ثلاثة أحوال؛ أي سنين (١).
والمعنى هنا أنه يُنادَى من أبواب الجنّة، يوضّح هذا المعنى ما في رواية النسائيّ، من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، بلفظ: "دعي من أبواب الجنّة".
قال في "الفتح": ومعنى الحديث أن كلّ عامل يُدعَى من باب ذلك العمل، وقد جاء ذلك صريحًا من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁-﵁: "لكلّ عامل بابٌ من أبواب الجنّة، يُدعَى منه بذلك العمل"، أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح. انتهى (٢).
وقد ثبت بيان صيغة دعاء الداعي في الرواية التالية بلفظ: "دعاه خَزَنة الجنّة، كلُّ خزنة بابٍ؛ أي فُلُ هَلُمَّ"، وفي رواية النسائيّ: "دَعَتْهُ خَزَنةُ الجنّة، من أبواب الجنّة، يا فلان هلمّ، فادخل".
(يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ) أي هذا العمل الذي عملته خيرٌ من الخيرات، والتنوين فيه للتعظيم؛ أي خير عظيمٌ، أو المراد: هذا الباب الذي تُدعَى إليه لِتَدْخُل منه خيرٌ؛ أي فيه خيرٌ كثيرٌ، وإنما قيل له هذا تعظيمًا له، وتشريفًا.
وقال في "الفتح": لفظ: "خير" بمعنى فاضل، لا بمعنى أفضل، وإن كان اللفظ قد يوهم ذلك، ففائدته زيادة ترغيب السامع في طلب الدخول من ذلك الباب. انتهى (٣).
وقال النوويّ ﵀: قيل: معناه: لك هنا خيرٌ، وثوابٌ، وغِبْطَةٌ، وقيل: معناه: هذا الباب فيما نعتقده خير لك من غيره من الأبواب؛ لكثرة ثوابه ونعيمه، فتعالَ، فادخل منه، ولا بُدَّ من تقدير ما ذكرناه أَنّ كل منادٍ يعتقد ذلك الباب أفضل من غيره. انتهى (٤).
стр. 11422
(فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصّلَاةِ) المراد تطوّعاتها؛ أي من كان الغالب من أعماله الصلاة النافلة، وهكذا في الجهاد، وما بعده.
وقال القرطبيّ ﵀: أي من كان من المكثرين لصلاة التطوّع، وكذلك غيرها من أعمال البرّ المذكورة في هذا الحديث؛ لأن الواجبات لا بدّ منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنما يُخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنّم، فيستوي في القيام بها المسلمون كلُّهم، وإنما يتفاضلون بكثرة التطوّعات التي بها تحصل تلك الأهليّة التي بها يُنادَون من تلك الأبواب، ولَمّا فَهِمَ أبو بكر ﵁ هذا المعنى قال: "فهل يُدعَى أحدٌ من تلك الأبواب؟ "؛ أي هل يحصُل لأحد من أهل الإكثار من تطوّعات البرّ المختلفة ما يتأهّل به لأن يدعوه خزنةُ الجنّة من كلّ باب من أبوابها؟ فقال له النبيّ ﷺ : "نعم، وأرجو أن تكون منهم"، فإنه ﵁ كان قد جمع خصال تلك الأبواب كلّها، ألا ترى أنه قال ﷺ في الحديث الآتي بعد هذا: "هل فيكم من أطعم اليوم مسكينًا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "هل فيكم من عاد مريضًا؟ " فقال أبو بكر: أنا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو تحقيق مفيدٌ.
(دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ) أي من كان يغلب على عمله الجهاد (دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) أي من كان يغلب على عمله الصدقة (دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) أي من كان الغالب على عمله الصيام (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ") قال النوويّ ﵀: قال العلماء: سُمّي باب الريّان؛ تنبيهًا على أن العطشان بالصوم في الهواجر سَيَرْوَى، وعاقبته إليه، وهو مشتقّ من الريّ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الرَّيّان فَعْلانُ من الريّ على جهة المبالغة، سُمّي بذلك على جهة مقابلة العطشان؛ لأنه جُوزي على عطشه بالريّ الدائم في الجنّة التي يدخل إليها من ذلك الباب. انتهى (٣).
وقال في "العمدة": وزن رَيّان فَعْلانُ، وقد وقعت المناسبة فيه بين لفظه
стр. 11423
ومعناه؛ لأنه مشتق من الرّيّ الكثير الذي هو ضدّ العطش، وسُمِّي بذلك؛ لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، واكتَفَى بذكر الريّ عن الشِّبَعِ؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه، وأُفرد لهم هذا الباب؛ إكرامًا لهم واختصاصًا، وليكون دخولهم الجنة غير متزاحمين، فإن الزحام قد يؤدي إلى العطش. انتهى (١).
وقال القاري: أي من باب الصيام المسمى بباب الرّيّان ضدّ العطشان، قيل: وهو باب يُسْقَى الصائم فيه شرابًا طهورًا قبل وصوله إلى وسط الجنة؛ ليزول عطشه، وقال الطيبيّ: إن كان اسمًا للباب فلا كلام، وإلا فهو من الرُّواء بضم الراء، وهو الماء الذي يُرْوِي، يقال: رَوِيَ يَرْوَى فهو رَيّان؛ أي الصائم بتعطشه في الدنيا يدخل من باب الريّان؛ ليأمن العطش. انتهى (٢).
[تنبيه]: وقع في هذا الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنّة، وقد ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما أن أبواب الجنّة ثمانية، قال الحافظ ﵀: وبقي من الأركان الحجّ، فله باب بلا شكّ، وأما الثلاثة الأخرى:
(فمنها): "باب الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس"، رواه أحمد بن حنبل، عن رَوْح بن عُبادة، عن أشعث، عن الحسن، مرسلًا: "إن لله بابًا في الجنّة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة".
(ومنها): الباب الأيمن، وهو باب المتوكّلين، الذي يدخل منه من لا حساب عليه، ولا عذاب.
وأما الثالث، فلعلّه باب الذكر، فإن عند الترمذيّ ما يومئ إليه، وَيحْتَمِل أن يكون باب العلم، والله أعلم، وَيحْتَمِل أن يكون بالأبواب التي يُدعى منها أبوابٌ من داخل أبواب الجنّة الأصليّة؛ لأن الأعمال الصالحة أكثر عددًا من ثمانية، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الأقرب عندي، والله تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدَيقُ) ﵁ (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ) "ما" نافيةٌ،
стр. 11424
والجارّ والمجرور خبر مقدّم، وقوله: (يُدْعَى) بالبناء للمفعول (مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ) والجملة صفة لـ"أحد"، وقوله: (مِنْ ضَرُورةٍ) "من" زائدة، و"ضرورة" مبتدأ مؤخّز؛ يعني أنه ليس على الشخص الذي يُدعَى من أيّ باب من تلك الأبواب ضررٌ يلحقه أبدًا؛ لأن مآله الفوز بنعيم الجنّة.
وفي الرواية التالية من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁-﵁: "فقال أبو بكر: يا رسول الله ﷺ ، ذاك الذي لا تَوَى عليه"، والتّوَى الضَّيَاع، والخسارة.
وَيحْتَمِل أن يكون المعنى أن من دُعي من باب من تلك الأبواب ليست له حاجةٌ إلى أن يُدعَى من جميع الأبواب؛ إذ الباب الواحد يكفي لدخوله الجنّة، والله تعالى أعلم.
(فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟) لقيامه بالأعمال الموجبة لها (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ) أي نعم يُدعَى من جميع تلك الأبواب، وفي الحديث إشعار بقلّة من يُدعَى من تلك الأبواب كلها، وفيه أيضًا إشارة إلى أن المراد ما يتطوّع به من الأعمال المذكورة، لا واجباتها؛ لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوّعات، فقلّ من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوّعات.
ثم من يجتمع له ذلك إنما يُدْعَى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد، قال الحافظ ﵀: ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه، والله أعلم.
- وأما ما أخرجه مسلم عن عمر ﵁: "من توضّأ، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله … " الحديث، وفيه: "فُتحت له أبواب الجنّة، يدخل من أيها شاء"، فلا ينافي ما تقدّم، وإن كان ظاهره أنه يعارضه؛ لأنه يُحْمَل على أنها تفتح له على سبيل التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه، كما تقدّم، والله أعلم (١).
(وَأَرْجُوأَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ") قال الإمام ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" بعد
стр. 11425
إخراجه الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم: "عَسَى" من الله واجب، و"أرجو" من النبيّ ﷺ حقّ. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قال العلماء: الرجاء من الله تعالى، ومن نبيّه -صلى الله عليه - واقع، وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر.
ووقع في حديث ابن عباس ﵁ عند ابن حبّان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر، ولفظه: "قال: أجل، وأنت هو يا أبا بكر". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁-﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٢٣٧١ و ٢٣٧٢ و ٢٣٧٣] (١٠٢٧)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٨٩٧) وفي "الجهاد" (٢٨٤١) وفي "بدء الخلق" (٣٢١٦) وفي "المناقب"، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٦٧٤)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٢٣٨ و ٢٤٣٩) وفي "الجهاد" (٣١٣٥ و ٣١٨٣ و ٣١٨٤) وفي "الكبرى" في "الزكاة" (٢٥٤٦) وفي "الجهاد" (٤٣٩٢ و ٤٣٩٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١٠٢١)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ١٠٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٨ و ٤٤٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٦٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٨٠)، و (ابن حبان) في "صحيحه" (٣٤١٩ و ٣٤٢٠)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٩٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٩٥ و ٣/ ٢٢٠ و ٦/ ١٤٨)، و"أبو عوانة" في "مسنده" (٤/ ٥٠١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠١)، و (البزّار) في "مسنده" (٩/ ٣٤٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٧١)، والله تعالى أعلم.
стр. 11426
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل من أنفق زوجين من ماله.
٢ - (ومنها): بيان فضل من جمع بين خصال الخير.
٣ - (ومنها): أن من أكثر من شيء عُرِف به.
٤ - (ومنها): أن أعمال البرّ لا تُفْتَح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وإن فتح له في شيء منها حُرِم غيرها في الأغلب، وأنه قد يفتح في جميعها للقليل من الناس، وإن الصدِّيق ﵁ منهم.
٥ - (ومنها): أن الملائكة يحبّون صالحي بني آدم، ويفرحون بهم.
٦ - (ومنها): أن الإنفاق كلما كان أكثر كان أفضل.
٧ - (ومنها): أن تمنّي الخير في الدنيا والآخرة مطلوب.
٨ - (ومنها): بيان منقبة عظيمة لأبي بكر الصدّيق ﵁، حيث اجتمعت له أنواع الخيرات، حتى استحقّ أن يُدعَى من أبواب الجنّة كلها.
٩ - (ومنها): بيان جواز مدح الإنسان في وجهه إذا لم يُخَف عليه فتنةٌ بإعجاب وغيره.
١٠ - (ومنها): أن المهلّب ﵀ قال: في هذا الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال؛ لأن المجاهد يُعطَى أجر المصلي، والصائم، والمتصدّق، وإن لم يفعل ذلك؛ لأن باب الريّان للصائمين، وقد ذكر في هذا الحديث أن المجاهد يُدْعَى من تلك الأبواب كلها بإنفاق قليل المال في سبيل الله. انتهى.
وتعقّبه الحافظ ﵀، فأجاد حيث قال: وما جرى فيه على ظاهر الحديث يردّه ما في رواية أحمد من الزيادة في الحديث، قال فيه: "لكلّ عمل باب يُدعَون بذلك العمل"، وهذا يدلّ على أن المراد بسبيل الله ما هوأعمّ من الجهاد وغيره من الأعمال الصالحات. انتهى (١)، وهو تعقّب جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11427
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٢] ( … ) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بإِسْنَادِ يُونُسَ، وَمَعْنَى حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ بن محمد، أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م في ت ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (أَبُوهُ) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون ذُكروا في الباب وما قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) الضمير لصالح، ومعمر.
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "سننه"، فقال:
(٣١٣٥) - أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، قال: حدّثنا عَمِّي، قال:
стр. 11428
حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن حميد بن عبد الرحمن أخبره، أن أبا هريرة كان يحدِّث أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريّان"، فقال أبو بكر: يا نبي الله ما على الذي يدعى من تلك الأبواب كلِّها من ضرورة، هل يُدْعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم". انتهى.
وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فأخرجها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٧٥٧٧) - حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيّان"، فقال أبو بكر: والله يا رسول الله، ما على أحد من ضرورة من أيِّها دُعي، فهل يُدْعَى منها كلِّها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وإني أرجو أن تكون منهم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ، أَيْ فُلُ هَلُمَّ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَلِكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ").
стр. 11429
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن عُمَر بن درهم الأسديّ، أبو أحمد الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السَّمِين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٤ - (شَبَابَةُ) بن سوّار المدائنيّ، خُرَاسانيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٥ - (شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التميميّ مولاهم، أبو معاوية النحويّ البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٦ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل، أبو نصر الطائيّ مولاهم البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثر [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
و"أبو هريرة" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: (أَيْ فُلُ هَلُمَّ) قال النوويّ ﵀: هكذا ضبطناه "أَيْ فُلُ" بضم اللام، وهو المشهور، ولم يذكر القاضي وآخرون غيره، وضبطه بعضهم بإسكان اللام، والأول أصوب، قال القاضي: معناه: أي فلان، فرُخِّم، ونُقِل إعراب الكلمة على إحدى اللغتين في الترخيم، قال: وقيل: فُلُ لغة في فلان في غير النداء والترخيم. انتهى.
ولفظة "فلُ" بالضمّ، مما يختصّ بالنداء، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَفُلُ بَعْضُ مَا يَخْتَصُّ بِالنِّدَا … لُؤْمَانُ نَوْمَانُ كَذَا وَاطَّرَدَا
فِي سَبِّ الانْثَى وَزْنُ يَا خَبَاثِ … وَالأَمْرُ هَكَذَا مِنَ الثُّلَاثِ
وقيل: إنها ترخيم فلان، وعلى هذا يجوز فتح اللام، وضمها.
وقوله: (لَا تَوَى عَلَيْهِ) بفتح التاء الفوقانيّة، مقصورًا: أي لا هلاك، ولا
стр. 11430
خسارة عليه حيث نجا من النار، وأدخل الجنّة، ففاز فوزًا عظيمًا، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٤] (١٠٢٨) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، يَعْنِي الْفَزَارِيَّ، عَنْ يَزِيدَ، وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أنا، قَالَ: "فَمَنْ تَبعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: "فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: "فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) ابن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أوأبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ الأَشْجَعِيُّ) سلمان الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
و (أبو هُرَيْرَةَ) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
стр. 11431
البخاريّ، وأبو داود، ويزيد بن كيسان، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فعدنيّ، ثم مكيّ، والصحابيّ، فمدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ ") "من" استفهاميّة، و"أصبح" بمعنى صار، وخبره "صائمًا"، أو بمعنى دَخَلَ في الصباح، فتكون تامّةً، و"صائمًا" حال من ضميره (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (﵁: أَنَا) قال القاري ﵀: يوقف عليه بالألف، وأما وقفه بالنون المفتوحة فلحنٌ عاميّ، قال الطيبيّ ﵀: ذكر "أنا" هنا للتعيين في الإخبار، لا للاعتداد بنفسه، كما يُذْكَر في مقام المفاخرة، وهذا هو الذي يُكرَه، وقد جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ [الكافرون: ٤]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، وقوله ﷺ : "أنا سيّد ولد آدم"، وقال: "أنا أول من تنشقّ عنه الأرض"، وقال: "أنا أول شافع، وأول مشفّع"، وقال: "أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحْشَر الناس على قدمي، وأنا العاقب"، إلى غير ذلك من الأحاديث، وكلّها في الصحاح، وقد تلفّظ بها السابق بالخيرات، صدّيق هذه الأمة ﵁ بين يدي رسول الله ﷺ كرّة بعد كرّة، ولم ينكر ﷺ عليه ذلك، فدلّت هذه النصوص كلّها على جواز قول القائل: أنا، فمن كره ذلك فلا حجة له.
[فإن قلت]: أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أتيت النبيّ ﷺ في دَين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: "مَنْ ذا؟ " فقلت: أنا، فقال: "أنا أنا"، كأنه كرهها، فكيف يُجمع بينه وبين هذه النصوص؟.
[قلت]: يُجاب بأنه ﷺ إنما سأله ليُخبر عن نفسه، فيعرف مَن الوارد عليه، فيرتفع الإبهام، فلما قال جابر ﵁: أنا لم يأت بجواب يزيل الإبهام، ويفيد معرفة عينه، بل بقي الإبهام على حاله، فأنكر عليه ذلك؛ للمعنى
стр. 11432
المذكور، لا لتلفّظه بتلك الكلمة، فلو قال جابرٌ: أنا جابرٌ، لم ينكر النبيّ ﷺ عليه ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: ومما يؤيّد ذلك ما وقع في قصّة أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، في "الصحيحين" قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه، فقال: "من هذه؟ " فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: "مرحبا بأم هانئ … "، الحديث، فقد أقرّها ﷺ على قولها: أنا حيث أزالت الإبهام بذكر أم هانئ بنت أبي طالب معه، فدلّ على أن إنكاره ﷺ على جابر ﵁؛ لما مرّ آنفًا، فزال الإشكال، ولله الحمد.
والحاصل أن قول الإنسان: أنا، من حيث هو ليس بمذموم، وإنما هو يُذَمّ باعتبار إخباره بما يُفتَخَر به، كقول إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ونحو ذلك من نحو: أنا العالم، وأنا الزاهد، وأنا العابد، بخلاف: أنا الفقير الحقير العبد المذنب، وأمثال ذلك، فتبصّر (١)، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ ("فَمَنْ تَبعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: "فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، قَالَ: "فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ) أي ما اجتمعت هذه الخصال الأربعة المذكورة على الترتيب المذكور في يوم واحد، قال القاري: كذا قال ابن الملك، وكأن الترتيب أخذه من الفاء التعقيبية، وهو غير لازم؛ إذ يمكن حمل التعقيب على السؤال، كما ذكروا في "ثُمّ" أنه قد يكون للتراخي في السؤال، أو التقدير: إذا ذكرتم هذا فمن فعل هذا.
والحاصل أن هذه الخصال ما وُجِدت وحَصَلت في يوم واحد في امرئ (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ") أي بلا محاسبة، وإلا فمجرد الإيمان يكفي لمطلق الدخول، أو معناه: دخل الجنة من أيّ باب شاء، كما تقدم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11433
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٢٣٧٤] (١٠٢٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٣٠٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل المبادرة إلى فعل خصال الخير.
٢ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر ﵁ حيث خصّه الله تعالى بتوفيقه لتلك الخصال الحميدة، فنال بذلك فضل الجنّة.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من متابعة أصحابه، ومسألتهم عما يتسابقون فيه من خصال الخير، حتى يبيّن للناس السابقون، فيقتدوا بهم.
٤ - (ومنها): أن قوله ﷺ : "وأرجو أن تكون منهم "قال العلماء: الرجاء من الله تعالى، ومن نبيه ﷺ واقع، وبهذا التقرير يَدخُل الحديث في فضائل أبي بكر ﵁، ووقع في حديث ابن عباس ﵁ عند أبن حبان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر ﵁، ولفظه: "قال: أجل، وأنت هو يا أبا بكر".
٥ - (ومنها): أن مَن أكثر من شيء عُرِف به.
٦ - (ومنها): أن أعمال البرّ قَلّ أن تجتمع جميعها لشخص واحد على السواء.
٧ - (ومنها): أن الملائكة يحبون صالحي بني آدم ويفرحون بهم، فإن الإنفاق كلما كان أكثر كان أفضل.
٨ - (ومنها): أن تمني الخير في الدنيا والآخرة مطلوب.
٩ - (ومنها): بيان عظيم فضل الله تعالى على عباده، حيث ييسّر لبعضهم أنواعًا من أبواب الخير حتى ينالوا بذلك الدرجات العلى، ولذا يُثنون عليه في الآخرة بذلك حيث يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، اللهم اجعلنا ممن اهتدى بهداك، وعمل في رضاك آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11434
(٢٩) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الإِنْفَاقِ، وَكَرَاهَةِ الإِحْصَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٥] (١٠٢٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُول اللهِ ﷺ : "أَنْفِقِي، أَوِ انْضِحِي، أَوِ انْضَحِي، وَلَا تُحْصِي، فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (حَفْصُ بْنَ غِيَاثٍ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ) بن الزبير بن الْعَوّام، زوج هشام بن عروة المدنيّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١.
٥ - (أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵄) زوج الزبير بن العوّام، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وحفص، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن زوجته، عن جدّتهما لأبويهما.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة.
стр. 11435
شرح الحديث:
(عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂) أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْفِقِي) بقطع الهمزة، أمر من الإنفاق (أَوِ انْضِحِي، أَوِ انْفَحِي) "أو" في الموضعين للشكّ من الراوي، قال النوويّ ﵀: أما "انفحي"، فبفتح الفاء، وبحاء مهملة، وأما "انضحي" فبكسر الضاد، ومعنى "انفحي"، و"انضحي": أعطي، والنفح والنضح: العطاءُ، ويُطْلق النضح أيضًا على الصبّ، فلعله المراد هنا، ويكون أبلغ من النفح. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فبكسر الضاد"، الذي في "المصباح المنير" أن نضح من بابي ضرب ونفع، فيكون بكسر الضاد وفتحها (٢)، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "انفحي … إلخ" معناه: أعطي، وأصل النفح: الضرب بالعصا، أو بالسيف، وكأن الذي يُنفق يضرب المعطَى له بما يُعطيه، وَيحْتَمل أن يكون من نَفَحَ الطيب: إذا تحرّكت رائحته؛ إذ العطيّة تُستطاب كما تُستطاب الرائحة الطيِّبَةُ، أو من نفحت الريح: إذا هبّت باردةً، فكأنه أمر بعطيّة سهلة كثيرة، وفي حديث أبي ذرّ ﵁: "ونَفَحَ به يمينًا وشمالًا"؛ أي أعطاه في كلّ وجه، وأصل النضح: الرشّ، وكأنه أمر بالصدقة بما تيسّر، وإن كان قليلًا. انتهى (٣).
(وَلَا تُحْصِي) من الإحصاء، وهو معرفة قدر الشيء، أو وزنه، أو عدده (فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ") بالنصب؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
قيل: هذا من مقابلة اللفظ باللفظ، وتجنيس الكلام بمثله في جوابه، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]؛ أي يمنعك كما منعت، ويُقتّر عليك كما قتّرت، ويُمسك فضله عنك كما أمسكته، وقيل: معناه لا تُحصي ما تُعْطِي؛ أي لا تَعُدِّيه، فتستكثريه، فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك (٤)،
стр. 11436
وقيل: قد يراد بالإحصاء والوعي هنا عَدُّه؛ خوفَ أن تزول البركة منه، كما قالت عائشة ﵂: "حتى كِلْناه ففني" (١)، وقيل: إن عائشة ﵂ عَدَّت ما أنفقته فنهاها رسول الله ﷺ عن ذلك (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٣٧٥ و ٢٣٧٦ و ٢٣٧٧، (١٠٢٩)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٣٣ و ١٤٣٤) و"الهبة" (٢٥٩٠ و ٢٥٩١)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥٠ و ٢٥٥١) و"الكبرى" (٢٣٣١ و ٢٣٣٢)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٩٩)، و (الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٦٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٦٦١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٥ و ٣٤٦ و ٣٥٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٩٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٦ و ١٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٢ - ١٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٧ و ٦/ ٦٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الإنفاق في وجوه الخير، والنهي عن الإمساك والبخل، وعن ادّخار المال في الوعاء.
стр. 11437
٢ - (ومنها): كراهة إحصاء الصدقة؛ لئلا يكون سببًا للبخل، وانقطاع فضل الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان أن إحصاء الصدقة سبب لبخل؛ لأن النفس تستكثر ما تتصدّق به، فتبخل.
٤ - (ومنها): أن إحصاء الصدقة سبب لحبس الرزق، وقطع فضل الله تعالى.
٥ - (ومنها): بيان أن الجزاء من جنس العمل.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابيّات من العناية بالسؤال عما يُشكل عليهنّ من أمور دينهنّ.
٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من العناية بتعليم أمته السخاء والجود حتى يُفيض الله عليهم بركاته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ، وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْفَحِي، أَوِ انْضَحِي، أَوْ أَنْفِقِي، وَلَا تُحْصِي، فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي، فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) أبو معاوية الضرير تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ حَمْزَة) بن عبد الله بن الزبير الأسديّ، أخو عبد الله بن حمزة، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن جدة أبيه أسماء بنت أبي بكر، وأختها عائشة أم المؤمنين، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ.
стр. 11438
ورَوَى عنه ابن عم أبيه هشام بن عروة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الزهريّ: كان سخيًّا سَرِيًّا، أحسن الناس وجهًا، له عند مسلم والنسائي حديث: "لا تحصي فيحصي الله عليك".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والنسائيّ (١)، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (وَلَا تُوعِي، فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ) بعين مهملة، من أوعيت المتاعَ في الوعاء أُوعيه: إذا جعلته فيه، ووَعَيتُ الشيءَ: حفظته (٢)، وفي رواية للبخاريّ بلفظ: "لا تُوكي، فيوكَى عليك"، من أوكى يوكي إيكاءً، يقال: أوكى ما في سقائه: إذا شدّه بالوكاء، وهو الخيط الذي يُشَدّ به رأس القِرْبة، وأوكى علينا: أي بَخِل.
وقوله: "فيوكَى عليك" بفتح الكاف على صيغة المجهول، والمعنى: لا توكي مالك عن الصدقة؛ خشيةَ نفاده، فيوكي الله عليك، أو يمنعك، ويقطع مادة الرزق عنك.
وقال المناويّ ﵀: الإيكاء شَدُّ رأس الوعاء بالوكاء، وهو هنا مجاز عن الإمساك، فالمعنى: لا تمسكي المال في الوعاء، وتوكي عليه، فيمسك الله فضله عنك، كما أمسكت فضل ما أعطاك الله، فإن الجزاء من جنس العمل، ومَن عَلِم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب، فحقه أن يعطي ولا يَحْسُب، وفيه النهي عن منع الصدقة خشية النفاد، وأنه أعظم الأسباب لقطع مادة البركة، وأنه تعالى يثيب على العطاء بغير حساب. انتهى (٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11439
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثنا هِشَامٌ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن بشر، عن هشام بن عروة هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده" (٦/ ٣٤٦) فقال:
(٢٦٩٨٠) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أَبِي، ثنا محمد بن بِشْرٍ، قال: ثنا هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عن فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ مُحْصِيَةَ، وَعَنْ عَبَّادِ بن حَمْزَةَ، عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال لها: "أنفقي، أَوِ انضحي، أَوِ انفحي، هَكَذَا وَهَكَذَا، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ الله عَلَيْكِ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ (١)، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ، إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَهَلْ
стр. 11440
عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: "ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ، وَلَا تُوعِي، فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة زُهير بن عبد الله التيميّ المكيّ، ثقة فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٢.
٦ - (عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام، كان قاضي مكة زمن أبيه، وخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الجنائز" ٣٢/ ٢٢٥٢.
و"أسماء" ﵁ ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن جدّته.
شرح الحديث:
(عَنْ أَسْمَاء بنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ﵂ (أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ ) بالنصب مفعولًا لـ"جاء"؛ لأَنه يتعدّى بنفسه، يقال: جئتُ زيدًا: إذا أتيت إليه، ويتعدّى بـ "إلى" أيضًا، فيقال: جئت إليه على معنى ذهبتُ إليه، أفاده في "المصباح"
стр. 11441
(فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ، إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ) بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كِلاب، أبو عبد الله القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، قُتل سنة (٣٦) بعد مُنصَرَفه من وقعة الْجَمَل.
والمعنى: ليس لي مالٌ أتصدّق به على المساكين، إلا الذي أعطاني زوجي الزبير قوتًا، أو أعمّ من ذلك.
(فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ) بضمّ الجيم؛ أي إثمٌ (أَنْ أَرْضَخَ) بفتح الضاد المعجمة: أي أعطي قليلًا. يقال: رَضَختُ له رَضْخًا، من باب نَفَعَ، ورَضِيخًا: أعطيته شيئًا ليس بالكثير، والمال رَضْخٌ، تسميةً بالمصدر، أو فَعْلٌ بمعنى مفعول، مثلُ ضَرْبِ الأمير، وعنده رَضْخٌ من خيرٍ: أي شيءٌ منه، قاله الفيّوميّ. (مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟) أي من المال الذي يُدخِله الزبير عليّ، فحُذف عائد الموصول؛ لكونه فضلة، كما قال في "الخلاصة":
… ... … ... … ... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
(فَقَالَ) ﷺ ("ارْضَخِي) بفتح الضاد المعجمة، بعدها خاء معجمة أيضًا، والهمزة فيه همزة وصل؛ لكونه ثلاثيًّا، كما سبق آنفًا، وهذا محمولٌ على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها، أو مما هو ملك للزبير، ولا يَكرَه الصدقةَ منه، بل يرضى به على عادة غالب الناس، وقد سبق بيان المسألة قريبًا، أفاده النوويّ ﵀ (١). (مَا اسْتَطَعْتِ) قال النوويّ ﵀: معناه مما يَرضَى به الزبير، وتقديره: إنّ لكِ في الرضخ مراتبَ مباحةً، بعضها فوق بعض، وكلّها يرضاها الزبير، فافعلي أعلاها، أو يكون معناه: ما استطعت مما هو ملك لك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير بعيدٌ، يردّه سياق الحديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَلَا تُوعِي) بالعين المهملة، يقال: أوعيتُ المتاع في الوعاء أُوعِيهِ: إذا
стр. 11442
جعلته فيه، وفي رواية النسائيّ: "وَلَا تُوكِي" بالكاف بدل العين، من الإيكاء، وهو شدّ رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يُربط.
(فَيُوعِيَ اللهُ) (عَلَيْكِ") أي يمنعك كما منعت، ويقتّر عليك كما قتّرت، ويمسك فضله عنك، كما أمسكت فضلك عن الفقراء والمساكين، ولفظ النسائيّ: "فيوكي الله عليك" بالكاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٣٧٨] و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٣٤) و"الهبة" (٢٥٩٠)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥١) و"عشرة النساء" من "الكبرى" (٩١٩٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٣)، وفوائده تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٠) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَلَوْ بِالْقَلِيلِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْقَلِيلِ لاحْتِقَارِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٩] (١٠٣٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ").
стр. 11443
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حجة إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (أَبُوهُ) أبو سعيد كيسان المقبريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٤/ ٣٩٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلافهما في صيغتي الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) وكذا هو عند معظم رواة "صحيح البخاريّ"، بإثبات "عن أبيه"، وسقط عند بعضهم، قال في "الفتح": كذا للأكثر، وسقط "عن أبيه" من رواية الأصيليّ وكريمة، وضَبَّب عليه في رواية النسفيّ، والصواب إثباته، وكذا أخرجه الإسماعيليّ، عن محمد بن يحيى، وأبو نعيم، من طريق إسماعيل القاضي، وأبو عوانة عن إبراهيم الحربيّ، كلهم عن عاصم بن عليّ شيخ البخاريّ فيه، ومن طريق شبابة، وعثمان بن عمرو بن المبارك عند الإسماعيليّ، وأخرجه البخاري في "الأدب
стр. 11444
المفرد" عن آدم، كلهم عن ابن أبي ذئب كذلك، وكذلك رواه الليث، عن سعيد، كما سيأتي في "كتاب الأدب"، وأخرجه الترمذيّ من طريق أبي مَعْشَر، عن سعيد، عن أبي هريرة، لم يقل: "عن أبيه"، وزاد في أوله: "تَهَادَوْا، فإن الهدية تُذْهِب وَحَرَ الصدر … " الحديث، وقال: غريب، وأبو معشر يُضَعَّف، وقال الطرقيّ: إنه أخطأ فيه، حيث لم يقل فيه: "عن أبيه"، كذا قال، وقد تابعه محمد بن عجلان، عن سعيد، وأخرجه أبو عوانة، نعم مَن زاد فيه "عن أبيه" أحفظ وأضبط، فروايتهم أولى، والله أعلم (١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) ذكر القاضي عياض ﵀ في إعرابه ثلاثة أوجه:
[أصحها وأشهرها]: نصب النساء، وجَرُّ المسلمات على الإضافة، قال الباجيّ: وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوفِ إلى صفته، والأعمِّ إلى الأخصّ، كمسجد الجامعِ، وجانب الغربيّ، وهو عند الكوفيين جائزٌ على ظاهره، وعند البصريين يقدّرون فيه محذوفًا؛ أي مسجد المكان الجامع، وجانب المكان الغربيّ، ويقدَّر هنا: يا نساء الأنفس المسلمات، أو الجماعات المؤمنات، وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال: هؤلاء رجال القوم؛ أي ساداتهم وأفاضلهم.
[الوجه الثاني]: رفع النساء، ورفع المسلماتُ، على معنى النداء والصفة؛ أي: يا أيتها النساء المسلماتُ، قال الباجيّ: كذا يرويه أهل بلدنا.
[الوجه الثالث]: رفع النساء، وكسر التاء من المسلمات، على أنه منصوب على الصفة على الموضع، كما يقال: "يا زيدُ العاقلَ، برفع زيدُ، ونصب العاقلَ. انتهى (٢).
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: وقال السهيليّ وغيره: جاء برفع الهمزة على أنه منادى مفردٌ، ويجوز في المسلمات الرفع صفةً على اللفظ، على معنى: يا أيها النساء المسلمات، والنصب صفة على الموضع، وكسرة التاء علامة النصب.
стр. 11445
ورُوِيَ بنصب الهمزة، على أنه منادى مضاف، وكسرة التاء للخفض بالإضافة، كقولهم: مسجد الجامع، وهو مما أضيف فيه الموصوف إلى الصفة في اللفظ، فالبصريون يتأولونه على حذف الموصوف، وإقامة صفته مقامه، نحو يا نساء الأنفس المسلمات، أو يا نساء الطوائف المؤمنات؛ أي لا الكافرات، وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال: هؤلاء رجال القوم؛ أي أفاضلهم، والكوفيون يَدَّعُون أن لا حذف فيه، ويكتفون باختلاف الألفاظ في المغايرة.
وقال ابن رُشيد: توجيهه أنه خاطب نساءً بأعيانهنّ، فأقبل بندائه عليهنّ، فصحت الإضافة على معنى المدح لهنّ، فالمعنى يا خيرات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم.
وتُعُقِّب بأنه لم يخصصهنّ به؛ لأن غيرهن يشاركهن في الحكم.
وأجيب بأنهن يشاركنهن بطريق الإلحاق.
وأنكر ابن عبد البر رواية الإضافة، وردّه ابن السيد بأنها قد صَحَّت نقلًا، وساعدتها اللغة، فلا معنى للإنكار.
وقال ابن بطال: يمكن تخريج يا نساء المسلمات على تقدير بعيدٍ، وهو أن يُجْعَل نعتًا لشيء محذوف، كأنه قال: يا نساء الأنفس المسلمات، والمراد بالأنفس الرجال، ووجه بعده أنه يصير مدحًا للرجال، وهو ﷺ إنما خاطب النساء، قال: إلا أن يراد بالأنفس الرجال والنساء معًا، وأطال في ذلك، وتعقبه ابن الْمُنَيِّر، وقد رواه الطبرانيّ من حديث عائشة ﵂ بلفظ: "يا نساء المؤمنين … " الحديث. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أقرب الأوجه أنه من حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه؛ أي يا نساء الأنفس المسلمات، كما هو رأي البصريين، وإلى ترجيح مذهبهم أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
стр. 11446
وأما ما ذكره ابن بطّال، فمما لا يخفى ما فيه من التكلّف والتعسّف، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتهَا) ووقع لأبي ذر في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "لجارةٍ" بدون إضافة، والمتعلَّق محذوف، تقديره: "هديةً مُهداةً" (وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ") بكسر الفاء، والمهملة، بينهما راء ساكنة، وآخره نون: هو عظمٌ قليلُ اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس، ويُطْلَق على الشاة مجازًا، ونونه زائدة، وقيل: أصلية، قاله في "الفتح".
وقال في "العمدة": "الفِرْسن" بكسر الفاء، وسكون الراء، وكسر السين المهملة، وفي آخره نون، قال ابن دريد: هو ظاهر الْخُفّ، والجمع فراسن، وفي "المحكم": هي طَرَف خفّ البعير. انتهى. حكاه سيبويه في الثلاثيّ، ولا يقال في جمعه: فِرْسِنات، كما قالوا: خَنَاصر، ولم يقولوا: خِنْصِرات، وفي "المخصص": هو عند سيبويه فِعْلِنٌ، ولم يَحْك في الأسماء غيره، وقال أبو عبيد: السُّلامَى عظام الْفِرْسِن كلُّها، وفي "الجامع": هو من البعير بمنزلة الظُّفُر من الإنسان، وفي "المغيث": هو عظمٌ قليلُ اللحم، وهو للشاة والبعير بمنزلة الحافر للدابة، وقيل: هو خُفّ البعير، وفي "الصحاح": ربما استعير للشاة، وقال ابن السرّاج: النون زائدة، وقال الأصمعيّ: الفرسن ما دون الرسغ من يد البعير، وهي مؤنثة. انتهى (١).
قال في "الفتح": وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير، وقبوله، لا إلى حقيقة الفِرْسِن؛ لأنه لم تجر العادة بإهدائه؛ أي لا تمنع جارةٌ من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر، وإن كان قليلًا، فهو خير من العدم، وذَكَرَ الفِرْسِن على سبيل المبالغة.
وَيحْتَمِل أن يكون النهي إنما وقع لِلْمُهْدَى إليها، وأنها لا تحتقر ما يُهْدَى إليها، ولو كان قليلًا، وحمله على الأعم من ذلك أولى.
وفي حديث عائشة ﵂ المذكور: "يا نساء المؤمنين، تَهَادَوْا، ولو فِرْسِن شاة، فإنه يُنْبِت المودّة، ويُذْهِب الضغائن". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11447
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٢٣٧٩] (١٠٣٠)، و (البخاريّ) في "الهبة" (٣٥٦٦) و"الأدب" (٦٠١٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٤٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و ٣٠٧ و ٤٣٢ و ٤٩٣ و ٥٠٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٣)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٢٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٧٧ و ٦/ ٦٠ و ١٦٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحضّ على التهادي، ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودّة، وإذهاب الشحناء، ولما فيه من التعاون على أمر المعيشة، والهديةُ إذا كانت يسيرة فهي أدلّ على المودة، وأَسْقَطُ للمؤنة، وأسهل على المهدي؛ لاطِّرَاح التكلّف، والكثيرُ قد لا يتيسر كلَّ وقت، والمواصلة باليسير تكون كالكثير.
٢ - (ومنها): استحباب جلب المودّة، وإسقاط التكلّف.
٣ - (ومنها): شدّة اهتمام النبيّ ﷺ في توجيه أمته رجالًا ونساءً، فليست توجيهاته قاصرةً على الرجال فقط.
٤ - (ومنها): بيان شدّة عناية الشارع على ما يجلب المودّة والمحبّة بين المجتمعات بحيث لا يوجد عندهم شحناء ولا بغضاء، بل يكونون يدًا واحدةً على من سواهم، وهذا معنى قوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضهم بعضًا، ثم شبّك بين أصابعه"، متّفقٌ عليه، وقوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى"، متفق عليه، واللفظ لمسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11448
(٣١) - (بَابُ فَضْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٠] (١٠٣١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِن البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان البصريّ، الإمام الحافظ الناقد الحجة الثبت [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم، عن عائشة على الزهري، عن عروة، عنها [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧، وهو خال عبيد الله الراوي عنه.
٦ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطّاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧، وهو جدّ عبيد الله المذكور لأبيه.
стр. 11449
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه ابن المثنّى، فإنه من مشايخ الستة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من خبيب، وأما زهير فبغداديّ، والباقيان بصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الراوي، عن خالة، عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبيد الله، عن خُبيب، عن حفص.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁، أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، قال في "الفتح": لم تختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك، ورواه مالك في "الموطأ" عن خُبيب، فقال: عن أبي سعيد، أو أبي هريرة على الشك، ورواه أبو قُرّة، عن مالك بواو العطف، فجعله عنهما، وتابعه مصعب الزبيري، وشَذّا في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر أن عبيد الله حفظه؛ لكونه لم يشك فيه، ولكونه من رواية خالة، وجدّه، والله أعلم. انتهى.
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: لم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه، إلا عن أبي هريرة ﵁، إلا ما وقع عند مالك من التردد هل هو عنه، أو عن أبي سعيد، كما قدمناه قبلُ، ولم نجده عن أبي هريرة، إلا من رواية حفص، ولا عن حفص إلا من رواية خبيب، نعم أخرجه البيهقي في "الشعب" من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، والراوي له عن سهيل
стр. 11450
عبدُ الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف، لكنه ليس بمتروك، وحديثه حسن في المتابعات، ووافق في قوله: "تصدق بيمينه"، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، من حديث سلمان الفارسي ﵁ بإسناد حسن موقوفًا عليه، لكن حكمه الرفع، وفي "مسند أحمد" من حديث أنس ﵁ بإسناد حسن مرفوعًا: "إن الملائكة قالت: يا رب هل من خلقك شيء أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: فهل أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالت: فهل أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالت: فهل أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم، يتصدق بيمينه، فيخفيها عن شماله". انتهى (١).
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ) ظاهره اختصاص المذكورين بالثواب المذكور، ووجّهه الكرماني بما مُحَصَّله أن الطاعة إما أن تكون بين العبد وبين الرب، أو بينه وبين الخلق، فالأولى باللسان، وهو الذكر، أو بالقلب، وهو المعلَّق بالمسجد، أو بالبدن، وهو الناشئ في العبادة، والثاني عام، وهو العادل، أو خاص بالقلب، وهو التحابّ، أو بالمال، وهو الصدقة، أو بالبدن، وهو العفة، قال الحافظ: وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل، فيما أنشدناه أبو إسحاق التنوخي إذنًا، عن أبي الهدى أحمد ابن أبي شامة، عن أبيه سماعًا من لفظه، قال [من الطويل]:
وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى إِنَّ سَبْعَةً … يُظِلُّهُمُ اللهُ الْكَرِيمُ بِظِلِّهِ
مُحِبٌّ عَفِيفٌ نَاشِئٌ مُتَصَدِّقٌ … وَبَاكٍ مُصَلٍّ وَالإِمَامُ بِعَدْلِهِ
ووقع في "صحيح مسلم"، من حديث أبي الْيَسَرِ مرفوعًا: "من أنظر معسرًا، أو وضع له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية، فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له، قال الحافظ: وقد ألقيت هذه المسألة على العالم، شمس الدين بن عطاء الرازي، المعروف بالهرويّ، لَمّا قَدِمَ القاهرة، وادَّعَى أنه يحفظ "صحيح مسلم"، فسألته بحضرة الملك المؤيّد عن هذا، وعن غيره، فما استحضر في ذلك شيئًا، ثم تتبعت بعد ذلك الأحاديث الواردة، في مثل ذلك، فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت