وأما ما ذكره ابن بطّال، فمما لا يخفى ما فيه من التكلّف والتعسّف، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتهَا) ووقع لأبي ذر في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "لجارةٍ" بدون إضافة، والمتعلَّق محذوف، تقديره: "هديةً مُهداةً" (وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ") بكسر الفاء، والمهملة، بينهما راء ساكنة، وآخره نون: هو عظمٌ قليلُ اللحم، وهو للبعير موضع الحافر للفرس، ويُطْلَق على الشاة مجازًا، ونونه زائدة، وقيل: أصلية، قاله في "الفتح".
وقال في "العمدة": "الفِرْسن" بكسر الفاء، وسكون الراء، وكسر السين المهملة، وفي آخره نون، قال ابن دريد: هو ظاهر الْخُفّ، والجمع فراسن، وفي "المحكم": هي طَرَف خفّ البعير. انتهى. حكاه سيبويه في الثلاثيّ، ولا يقال في جمعه: فِرْسِنات، كما قالوا: خَنَاصر، ولم يقولوا: خِنْصِرات، وفي "المخصص": هو عند سيبويه فِعْلِنٌ، ولم يَحْك في الأسماء غيره، وقال أبو عبيد: السُّلامَى عظام الْفِرْسِن كلُّها، وفي "الجامع": هو من البعير بمنزلة الظُّفُر من الإنسان، وفي "المغيث": هو عظمٌ قليلُ اللحم، وهو للشاة والبعير بمنزلة الحافر للدابة، وقيل: هو خُفّ البعير، وفي "الصحاح": ربما استعير للشاة، وقال ابن السرّاج: النون زائدة، وقال الأصمعيّ: الفرسن ما دون الرسغ من يد البعير، وهي مؤنثة. انتهى (١).
قال في "الفتح": وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير، وقبوله، لا إلى حقيقة الفِرْسِن؛ لأنه لم تجر العادة بإهدائه؛ أي لا تمنع جارةٌ من الهدية لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر، وإن كان قليلًا، فهو خير من العدم، وذَكَرَ الفِرْسِن على سبيل المبالغة.
وَيحْتَمِل أن يكون النهي إنما وقع لِلْمُهْدَى إليها، وأنها لا تحتقر ما يُهْدَى إليها، ولو كان قليلًا، وحمله على الأعم من ذلك أولى.
وفي حديث عائشة ﵂ المذكور: "يا نساء المؤمنين، تَهَادَوْا، ولو فِرْسِن شاة، فإنه يُنْبِت المودّة، ويُذْهِب الضغائن". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11447
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٢٣٧٩] (١٠٣٠)، و (البخاريّ) في "الهبة" (٣٥٦٦) و"الأدب" (٦٠١٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٤٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و ٣٠٧ و ٤٣٢ و ٤٩٣ و ٥٠٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٣)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٢٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٧٧ و ٦/ ٦٠ و ١٦٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحضّ على التهادي، ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودّة، وإذهاب الشحناء، ولما فيه من التعاون على أمر المعيشة، والهديةُ إذا كانت يسيرة فهي أدلّ على المودة، وأَسْقَطُ للمؤنة، وأسهل على المهدي؛ لاطِّرَاح التكلّف، والكثيرُ قد لا يتيسر كلَّ وقت، والمواصلة باليسير تكون كالكثير.
٢ - (ومنها): استحباب جلب المودّة، وإسقاط التكلّف.
٣ - (ومنها): شدّة اهتمام النبيّ ﷺ في توجيه أمته رجالًا ونساءً، فليست توجيهاته قاصرةً على الرجال فقط.
٤ - (ومنها): بيان شدّة عناية الشارع على ما يجلب المودّة والمحبّة بين المجتمعات بحيث لا يوجد عندهم شحناء ولا بغضاء، بل يكونون يدًا واحدةً على من سواهم، وهذا معنى قوله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضهم بعضًا، ثم شبّك بين أصابعه"، متّفقٌ عليه، وقوله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى"، متفق عليه، واللفظ لمسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11448
(٣١) - (بَابُ فَضْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٠] (١٠٣١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِن البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان البصريّ، الإمام الحافظ الناقد الحجة الثبت [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم، عن عائشة على الزهري، عن عروة، عنها [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧، وهو خال عبيد الله الراوي عنه.
٦ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطّاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧، وهو جدّ عبيد الله المذكور لأبيه.
стр. 11449
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ، وأما شيخه ابن المثنّى، فإنه من مشايخ الستة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من خبيب، وأما زهير فبغداديّ، والباقيان بصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الراوي، عن خالة، عن جدّه.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبيد الله، عن خُبيب، عن حفص.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁، أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، قال في "الفتح": لم تختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك، ورواه مالك في "الموطأ" عن خُبيب، فقال: عن أبي سعيد، أو أبي هريرة على الشك، ورواه أبو قُرّة، عن مالك بواو العطف، فجعله عنهما، وتابعه مصعب الزبيري، وشَذّا في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر أن عبيد الله حفظه؛ لكونه لم يشك فيه، ولكونه من رواية خالة، وجدّه، والله أعلم. انتهى.
[تنبيه]: قال الحافظ ﵀: لم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه، إلا عن أبي هريرة ﵁، إلا ما وقع عند مالك من التردد هل هو عنه، أو عن أبي سعيد، كما قدمناه قبلُ، ولم نجده عن أبي هريرة، إلا من رواية حفص، ولا عن حفص إلا من رواية خبيب، نعم أخرجه البيهقي في "الشعب" من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، والراوي له عن سهيل
стр. 11450
عبدُ الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف، لكنه ليس بمتروك، وحديثه حسن في المتابعات، ووافق في قوله: "تصدق بيمينه"، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، من حديث سلمان الفارسي ﵁ بإسناد حسن موقوفًا عليه، لكن حكمه الرفع، وفي "مسند أحمد" من حديث أنس ﵁ بإسناد حسن مرفوعًا: "إن الملائكة قالت: يا رب هل من خلقك شيء أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: فهل أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالت: فهل أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالت: فهل أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم، يتصدق بيمينه، فيخفيها عن شماله". انتهى (١).
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَةٌ) ظاهره اختصاص المذكورين بالثواب المذكور، ووجّهه الكرماني بما مُحَصَّله أن الطاعة إما أن تكون بين العبد وبين الرب، أو بينه وبين الخلق، فالأولى باللسان، وهو الذكر، أو بالقلب، وهو المعلَّق بالمسجد، أو بالبدن، وهو الناشئ في العبادة، والثاني عام، وهو العادل، أو خاص بالقلب، وهو التحابّ، أو بالمال، وهو الصدقة، أو بالبدن، وهو العفة، قال الحافظ: وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل، فيما أنشدناه أبو إسحاق التنوخي إذنًا، عن أبي الهدى أحمد ابن أبي شامة، عن أبيه سماعًا من لفظه، قال [من الطويل]:
وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى إِنَّ سَبْعَةً … يُظِلُّهُمُ اللهُ الْكَرِيمُ بِظِلِّهِ
مُحِبٌّ عَفِيفٌ نَاشِئٌ مُتَصَدِّقٌ … وَبَاكٍ مُصَلٍّ وَالإِمَامُ بِعَدْلِهِ
ووقع في "صحيح مسلم"، من حديث أبي الْيَسَرِ مرفوعًا: "من أنظر معسرًا، أو وضع له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية، فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له، قال الحافظ: وقد ألقيت هذه المسألة على العالم، شمس الدين بن عطاء الرازي، المعروف بالهرويّ، لَمّا قَدِمَ القاهرة، وادَّعَى أنه يحفظ "صحيح مسلم"، فسألته بحضرة الملك المؤيّد عن هذا، وعن غيره، فما استحضر في ذلك شيئًا، ثم تتبعت بعد ذلك الأحاديث الواردة، في مثل ذلك، فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت
стр. 11451
منها سبعة، وردت بأسانيد جياد، ونظمتها في بيتين، تذييلًا على بيتي أبي شامة، وهما:
وَزِدْ سَبْعَةً إِظْلَالَ غَازٍ وَعَوْنَهُ … وَإِنْظَارَ ذِي عُسْرٍ وَتَخْفِيفَ حَمْلِهِ
وَإِرْفَادَ ذِي غُرْمٍ وَعَوْنَ مُكَاتَبٍ … وَتَاجِرُ صِدْقٍ فِي الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ
فأما إظلال الغازي، فرواه ابن حِبّان وغيره، من حديث عمر ﵁، وأما عون المجاهد، فرواه أحمد، والحاكم، من حديث سهل بن حُنيف ﵁، وأما إنظار المعسر، والوضيعة عنه، ففي "صحيح مسلم" كما ذكرنا، وأما إرفاد الغارم، وعون المكاتب، فرواهما أحمد، والحاكم، من حديث سهل بن حُنيف ﵁ المذكور، وأما التاجر الصدوق، فرواه البغويّ في "شرح السنة" من حديث سلمان ﵁، وأبو القاسم التيمي، من حديث أنس ﵁، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: ونظمته مرة أخرى، فقلت في السبعة الثانية:
وَتَحْسِينُ خُلْقٍ مَعْ إِعَانَةِ غَارِمٍ … خَفِيفُ يَدٍ حَتَّى مُكَاتَبُ أَهْلِهِ
وحديث تحسين الخلق أخرجه الطبراني، من حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد ضعيف، ثم تتبعت ذلك، فجمعت سبعة أخرى، ونظمتها في بيتين آخرين، وهما:
وَزِدْ سَبْعَةً حُزْنٌ وَمَشْيٌ لِمَسْجِدِ … وَكُرْهُ وُضُوءٍ ثُمَّ مُطْعِمُ فَضْلِهِ
وَآخِذُ حَقٍّ بَاذِلٌ ثُمَّ كَافِلُ … وَتَاجِرُ صِدْقٍ فِي الْمَقَالِ وَفِعْلِهِ
ثم تتبعت ذلك، فجمعت سبعة أخرى، ولكن أحاديثها ضعيفة، وقلت في آخر البيت:
تَرْبَعُ بِهِ السَّبْعَاتِ مِنْ فَيْضِ فَضْلِهِ
وقد أوردت الجميع في "الأمالي"، وقد أفردته في جزء سميته "معرفة الخصال، الموصلة إلى الظلال". انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
[تنبيه]: ذِكْرُ الرجال في هذا الحديث، لا مفهوم له، بل يشترك النساء
стр. 11452
معهم فيما ذُكر، إلا إن كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال، فتعدل فيهم، وتخرج خصلة ملازمة المسجد؛ لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهنّ، حتى الرجل الذي دعته المرأة، فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلًا، فامتنعت خوفًا من الله تعالى، مع حاجتها، أو شابّ جميل دعاه ملك إلى أن يزوجه ابنته مثلًا، فخشي أن يرتكب منه الفاحشة، فامتنع مع حاجته إليه، قاله في "الفتح" (١).
(يُظِلُّهُمُ) بضمّ أوله، من الإظلال (اللهُ) (فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) وفي رواية النسائيّ (٢): "يظلهم الله في ظلّه يوم القيامة، يوم لا ظلّ إلا ظلّه"، فـ"يوم" الثاني بدل من الأول.
وقوله: "في ظلّه" قال عياض: إضافة الظلّ إلى الله تعالى إضافة ملك، وكلّ ظلّ فهو ملكه، كذا قال، وكان حقّه أن يقول: إضافة تشريف؛ ليحصل امتياز هذا على غيره، كما قيل للكعبة: بيت الله، مع أن المساجد كلها ملكه، وقيل: المراد بظله كرامته، وحمايته، كما يقال: فلان في ظل الملك، وهو قول عيسى بن دينار، وقَوّاه عياض، وقيل: المراد ظل عرشه، ويدل عليه حديث سلمان ﵁ عند سعيد بن منصور، بإسناد حسن: "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه … " فذكر الحديث، وإذا كان المراد ظل العرش، استلزم ما ذُكر من كونهم في كنف الله، وكرامته، من غير عكس، فهو أرجح، وبه جزم القرطبيّ.
قال الحافظ: ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة، كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهو عند البخاريّ في "كتاب الحدود"، وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى، أو ظل الجنة؛ لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أن
стр. 11453
المراد ظل العرش، وروى الترمذي وحسّنه، من حديث أبي سعيد، مرفوعًا: "أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسًا، إمام عادل".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الصحيح كون المراد بقوله: "إلا ظلّه" ظل العرش؛ لأن خير ما فُسّر به الوارد هو الوارد، كما أشار إليه السيوطيّ في "ألفية الحديث" بقوله:
وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أوْ … عَنِ الصَحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
الأول: (الْإمَامُ الْعَادِلُ) وهو اسم فاعل من العدل، وذكر ابن عبد البرّ، أن بعض الرواة عن مالك، رواه بلفظ: "العدل"، قال: وهو أبلغ؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلًا، والمراد به صاحب الولاية العظمى، وَيلتحق به كل من وَليَ شيئًا من أمور المسلمين، فعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، رفعه: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا"، وأحسن ما فُسّر به العادل: أنه الذي يَتَّبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه، من غير إفراط، ولا تفريط، وقدّمه في الذكر؛ لعموم النفع به.
(وَ) الثاني (شَابٌّ) خَصَّ الشاب؛ لكونه مظنة غلبة الشهوة؛ لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة، مع ذلك أشدُّ، وأدل على غلبة التقوى (نَشَأَ) أي نبت، وابتدأ؛ أي لم يكن له صبوة، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: "يَعْجَبُ ربّك من صبيّ، ليست له صَبْوة" (١)، رواه أحمد، وإنما كان ذلك لغلبة التقوى التي بسببها ارتفعت الصبوة (٢). (بعِبَادَةِ اللهِ) ، ولفظ البخاريّ: "في عبادة ربه"، زاد حماد بن زيد، عن عبيد الله بن عمر: "حتى تُوُفّي على ذلك"، أخرجه الجوزقي، وفي حديث سلمان ﵁: "أفنى شبابه، ونشاطه في عبادة الله".
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "وشابّ نشأ بعبادة الله" كذا الرواية بالباء، وهذه الباء هي باء المصاحبة، كما تقول: جاء زيد بسلاحه؛ أي مصاحبًا له،
стр. 11454
وَيحْتَمِلُ أن تكون بمعنى "في"، كما قد تكون "في" بمعنى الباء في مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. انتهى (١).
(وَ) الثالث (رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ) أي يحبّ الكون فيها للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وهذا إنما يكون ممن استغرقه حبّ الصلاة، والمحافظة عليها، وشُغِف بها (٢).
قال في "الفتح": وظاهره أنه من التعليق، كأنه شبّهه بالشيء المعلَّق في المسجد، كالقنديل مثلا؛ إشارةً إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: "كأنما قلبه معلق في المسجد"، وَيحْتَمِل أن يكون من العَلاقة، وهي شدّة الحب، ويدل عليه رواية أحمد: "معلق بالمساجد"، وكذا رواية سلمان: "من حبها"، ولفظ الحموي والمستملي: "مُتَعَلِّق" بزيادة مثناة بعد الميم، وكسر اللام، زاد سلمان: "من حبها"، وزاد مالك في روايته التالية: "إذا خرج منه حتى يعود إليه".
(وَ) الرابع (رَجُلَانِ تَحَابَّا) بتشديد الباء، وأصله تحاببا: أي اشتركا في جنس المحبة، وأحبّ كل منهما الآخر حقيقةً، لا إظهارًا فقط، ووقع في رواية حماد بن زيد: "ورجلان قال كل منهما للآخر: إني أحبك في الله، فصدرا على ذلك"، ونحوه في حديث سلمان.
(فِي اللهِ) أي لأجل الله ، لا لغرض دنيويّ، وكلمة "في" سببيّة.
(اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) أي على الحب المذكور، والمراد أنهما داما على المحبة الدينية، ولم يقطعاها بعارض دنيويّ، سواءٌ اجتمعا حقيقةً، أم لا، حتى فرّق بينهما الموت، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ: أي داما على المحبّة الصادقة الدينيّة المبرّأة عن الأغراض الدنيويّة، ولم يقطعاها بعارض في حال اجتماعهما، ولا حال افتراقهما. انتهى (٣).
стр. 11455
ووقع في الجمع للحميديّ: "اجتمعا على خير"، قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من نسخ "الصحيحين"، ولا غيرهما من "المستخرجات"، وهي عندي تحريف.
[تنبيه]: عُدّت هذه الخصلة واحدة، مع أن متعاطيها اثنان؛ لأن المحبة لا تتم إلا باثنين، أو لما كان المتحابان بمعنى واحد، كان عدّ أحدهما مغنيًا عن عدّ الآخر؛ لأن الغرض عدّ الخصال، لا عدّ جميع من اتصف بها.
(وَ) الخامس (رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ) أي عَرَضت نفسها عليه للفاحشة بها، و"المنصب" -بكسر الصاد المُهملة-: الأصل، أو الشرف، وفي رواية مالك: "دعته ذات حسب"، وهو يطلق على الأصل، وعلى المال أيضًا، وقد وصفها بأكمل الأوصاف، التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه، وهو المنصب الذي يستلزمه الجاه والمال مع الجمال، وقلّ من يجتمع ذلك فيها من النساء، قاله في "الفتح".
وقال النوويّ: وخصّ ذات الجمال؛ لكثرة الرغبة فيها، وعسر حصولها، وهي جامعة للمنصب والجمال، لا سيما وهي داعية إلى نفسها طالبة لذلك، قد أغنت عن مشاقّ التوصل إلى مراودة ونحوها، فالصبر عنها لخوف الله تعالى، وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب والجمال من أكمل المراتب، وأعظم الطاعات، فرتّب الله تعالى عليه أن يُظلّه، وذات المنصب هي ذات الحسب، والنسب الشريف. انتهى (١).
ومُتعلَّق "دعته" محذوف في رواية المصنّف، وقد ذكره في رواية النسائيّ بقوله: "إِلَى نَفْسِهَا"، وفي رواية البيهقي في "الشعب"، من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: "فعرضت نفسها عليه"، والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرطبي، ولم يحك غيره، وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن تكون دعته إلى التزوج بها، فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقها؛ لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها، والأول أظهر، ويؤيده وجود الكناية في قوله: "إلى نفسها"، ولو كان المراد التزويج لصرّح به، والصبر عن الموصوفة بما ذُكر من أكمل المراتب؛ لكثرة الرغبة في مثلها، وعسر تحصيلها،
стр. 11456
لا سيما وقد أغنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها، قاله في "الفتح".
وقال النوويّ: ومعنى قوله: "دعته": أي دعته إلى الزنا بها، هذا هو الصواب في معناه، وذكر القاضي فيه احتمالين: أصحّهما هذا، والثاني: أنه يَحْتَمِل أنها دعته لنكاحها، فخاف العجز عن القيام بحقّها، أو أن الخوف من الله تعالى شغله عن لذّات الدنيا، وشهواتها. انتهى (١).
(فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ) ، زاد في رواية كريمة للبخاريّ: "فقال: إني أخاف الله رب العالمين"، والظاهر أنه يقول ذلك بلسانه، إما ليزجرها عن الفاحشة، أو ليعتذر إليها، ويَحْتَمِل أن يقوله بقلبه.
قال القرطبي ﵀: وقول المدعوّ في مثل هذا: "إني أخاف الله"، وامتناعه لذلك دليل على عظيم معرفته بالله تعالى، وشدّة خوفه من عقابه، ومتين تقواه، وحيائه من الله تعالى، وهذا هو المقام اليوسفيّ. انتهى (٢).
(وَ) السادس (رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ) نَكّرها ليشمل كل ما يُتصدق به من قليل، وكثير، وظاهره أيضًا يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النوويّ عن العلماء، أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ: هذه صدقة التطوّع في قول ابن عبّاس، وأكثر العلماء، وهو حضّ على الإخلاص في الأعمال، والتستّر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البرّ التطوّعيّة، فأما الفرائض، فالأولى إشاعتها، وإظهارها؛ لتنحفظ قواعد الدين، ويجتمع الناس على العمل بها، فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام، وتُعْلَم حدوده، وأحكامه، والإخلاص واجبٌ في جميع القُرَب، والرياء مفسدٌ لها. انتهى (٣).
(فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ) يجوز فيه الرفع، والنصب، على تقدير كونه حالًا، أو مستقبلًا؛ لأن "حتى" إذا وقع المضارع بعدها، فإن كان مستقبلًا، كقولك: سرتُ حتى أدخلُ البلد، وكان قولك قبل الدخول وجب رفعه، وإن قلته، وأنت داخل، أو بعد الدخول، وقصدت به حكاية تلك الحال وجب نصبه، وإلى ذلك أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
стр. 11457
وَتِلْوَ "حَتَّى" حَالًا اوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
و"تعلم" يَحْتَمِل الوجهين، فلذا جاز فيه وجهان.
(يَمِينُهُ مَما تُنْفِقُ شِمَالُهُ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في جميع نسخ مسلم في بلادنا وغيرها، وكذا نقله القاضي عن جميع روايات نسخ مسلم: "لا تعلم يمينه ما تنفق شماله"، والصحيح المعروف: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، هكذا رواه مالك في "الموطأ"، والبخاري في "صحيحه"، وغيرهما من الأئمة، وهو وجه الكلام؟ لأن المعروف في النفقة فعلها باليمين، قال القاضي: ويشبه أن يكون الوهم فيها من الناقلين عن مسلم، لا من مسلم بدليل إدخاله بعده حديث مالك ﵀، وقال: بمثل حديث عبيد الله، وبَيَّن الخلاف في قوله: "وقال: رجل مُعَلَّق بالمسجد؛ إذا خرج منه حتى يعود"، فلو كان ما رواه مخالفًا لرواية مالك لَنَبَّهَ عليه، كما نَبَّه على هذا. انتهى (١)، وسيأتي الكلام في البحث في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
وفي رواية البخاريّ: "ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه".
وقوله: (فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ) مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (مَا تُنفق يَمِينُهُ) منصوب على المفعوليّة، وإنما ذكر اليمين، والشمال؛ للمبالغة في الإخفاء والإسرار بالصدقة، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال، ولملازمتهما، ومعناه: لو قُدّرت الشمال رجلًا متيقّظًا لَمَا عَلِمَ صدقة اليمين لمبالغته في الإخفاء. وقيل: المراد مَن على شماله من الناس، قاله في "العمدة" (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: هذا مبالغة في إخفاء الصدقة، وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك أن يتصدّق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له درهمًا مثلًا في شيء يُساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة، والحقيقة صدقة، وهو اعتبارٌ حسن. انتهى (٣).
стр. 11458
وقال في "الفتح": المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة، بحيث إن شماله مع قربها من يمينه، وتلازمهما لو تُصُوِّر أنها تعلم لَمَا عَلِمَت ما فَعَلت اليمين؛ لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه، ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجوزقي: "تصدق بصدقة، كأنما أخفى يمينه من شماله".
ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، والتقدير: حتى لا يعلم ملك شماله، وأَبعَدَ من زَعَمَ أن المراد بشماله نفسه، وأنه من تسمية الكل باسم الجزء، فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه.
وقيل: هو من مجاز الحذف، والمراد بشماله مَنْ على شماله من الناس، كأنه قال: مجاور شماله.
وقيل: المراد أنه لا يرائي بصدقته، فلا يكتبها كاتب الشمال.
وحَكَى القرطبيّ عن بعض مشايخه أن معناه أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته أو رفع قيمتها واستحسنه، وفيه نظر، إن كان أراد أن هذه الصورة مراد الحديث خاصة، وإن أراد أن هذا من صور الصدقة المخفية فمسلّم، والله أعلم. انتهى (١).
(وَ) السابعِ (رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ) أي بقلبه من التذكر، أو بلسانه من الذكر، حال كونه (خَالِيًا) أي من الخلق؛ لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء، أو المراد: خاليًا من الالتفات إلى غير الله تعالى، ولو كان في ملأ، ويؤيّده رواية البيهقيّ: "ذكر الله بين يديه"، ويؤيّد الأول رواية ابن المبارك، وحماد بن زيد: "ذكر الله في خلاء": أي في موضع خال، وهي أصحّ، قاله في "الفتح" (٢).
(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ") أي فاضت الدموع من عينيه، وأسند الفيض إلى العين مبالغةً، كأنها هي التي فاضت، قال القرطبيّ ﵀: وفيض العين بكاؤها وهو على حَسَب حال الذاكر، وبحسب ما يُكْشَف له، من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه، فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف له جماله وجلاله، فبكاؤه عن محبّة وشوق، وهكذا يتلوّن الذاكرون بتلوّن ما يُذْكَر من الأسماء والصفات. انتهى (٣).
стр. 11459
قال الحافظ: قد خص في بعض الروايات بالأول، ففي رواية حماد بن زيد عند الجوزقي: "ففاضت عيناه من خشية الله"، ونحوه في رواية البيهقي، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "من ذكر الله، ففاضت عيناه من خشية الله، حتى يصيب الأرض من دموعه، لم يُعَذَّب يوم القيامة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٢٣٨٠ و ٢٣٨١] (١٠٣١)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٦٠) و"الزكاة" (١٤٢٣) و"الرقاق" (٦٤٧٩) و"الحدود" (٦٨٠٦)، و (الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٩١)، و (النسائيّ) في "آداب القضاة" (٥٣٨٢) و"الكبرى" (٥٩٢١)، و (مالك) في "الموطّأ" (١٧٧٧)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٣٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٥٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠/ ٣٣٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦٥ و ٤/ ١٩٠ و ١٠/ ٨٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الإمام العادل.
٢ - (ومنها): فضل من سَلِمَ من الذنوب، واشتغل بطاعة ربّه طول عمره.
٣ - (ومنها): فضيلة ملازمة المسجد للصلاة فيها مع الجماعة؛ لأن المسجد بيت الله، وحقيق على المزور أن يكرم زائره، فكيف بأكرم الأكرمين.
٤ - (ومنها): الحثّ على التحابّ في الله ، وبيان عظيم فضله، وهو من المهمّات، فإن الحبّ في الله، والبغض في الله من الإيمان، وهو بحمد الله تعالى كثير، يوفّق له أكثر الناس، أو من وُفّق له، قاله النوويّ ﵀.
٥ - (ومنها): فضيلة الخوف من الله ، ودفع شهوة النفس؛ خوفًا منه،
стр. 11460
قال الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقال : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
٦ - (ومنها): فضل صدقة السرّ، قال الله : ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
٧ - (ومنها): فضيلة البكاء من خشية الله ، وفضل طاعة السرّ؛ لكمال الإخلاص فيها.
٨ - (ومنها): فضيلة ذكر الله في الخلوات، مع فيضان الدمع من عينيه، فقد أخرج أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، والحاكم بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "لا يلج النار رجلٌ بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنّم في منخري مسلم أبدًا".
وبالجملة فالحديث عظيم الفائدة، جسيم العائدة، قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث جدير بأن يُنْعَم فيه النظر، ويُستخرَج ما فيه من اللطائف، والعِبَر، والله الموفّق الملهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الرواية في قوله: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، كما هو عند الشيخين: قال في "الفتح": هكذا وقع في معظم الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره، ووقع في "صحيح مسلم" مقلوبًا: "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله"، وهو نوع من أنواع علوم الحديث، أغفله ابن الصلاح، وإن كان أفرد نوع المقلوب، لكنه قصره على ما يقع في الإسناد، ونبه عليه شيخنا -يعني البلقينيّ- في "محاسن الاصطلاح"، ومثّل له بحديث: "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل"، وقد قدمنا الكلام عليه في "كتاب الأذان"، وقال شيخنا: ينبغي أن يسمى هذا النوع: المعكوس. انتهى.
стр. 11461
قال الحافظ: والأولى تسميته مقلوبًا، فيكون المقلوب تارة في الإسناد، وتارة في المتن كما قالوه في المدرج سواء، وقد سمّاه بعض من تقدم مقلوبًا، قال عياض: هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من "صحيح مسلم"، وهو مقلوب، والصواب الأول، وهو وجه الكلام؛ لأن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين، وقد ترجم عليه البخاري في "الزكاة": "باب الصدقة باليمين"، قال: ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم، بدليل قوله في رواية مالك، لَمّا أوردها عقب رواية عبد الله بن عمر، فقال بمثل حديث عبيد الله، فلو كانت بينهما مخالفة لبيّنها، كما نبّه على الزيادة في قوله: "ورجل قلبه مُعَلَّق بالمسجد؛ إذا خرج منه حتى يعود إليه". انتهى.
قال الحافظ: وليس الوهم فيه ممن دون مسلم، ولا منه، بل هو من شيخه، أو من شيخ شيخه يحيى القطان، فإن مسلما أخرجه، عن زهير بن حرب، وابن نمير كلاهما عن يحيى، وأشعر سياقه بأن اللفظ لزهير، وكذا أخرجه أبو يعلى في "مسنده" عن زهير، وأخرجه الجوزقي في "مستخرجه" عن أبي حامد ابن الشرقي، عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن يحيى القطان كذلك، وعَقّبَه بأن قال: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: يحيى القطان عندنا واهم في هذا، إنما هو: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
قال الحافظ: والجزم بكون يحيى هو الواهم فيه نظر؛ لأن الإمام أحمد، قد رواه عنه على الصواب، وكذلك أخرجه البخاري هنا، عن محمد بن بشار، وفي "الزكاة" عن مسدد، وكذا أخرجه الإسماعيلي، من طريق يعقوب الدَّوْرقي، وحفص بن عمر، وكلهم عن يحيى، وكأن أبا حامد لَمّا رأى عبد الرحمن، قد تابع زهيرًا، ترجح عنده أن الوهم من يحيى، وهو مُحْتَمِل بان يكون منه لَمّا حدَّث به هذين خاصة، مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه.
وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة، وليس بجيد؛ لأن المخرج مُتّحد، ولم يختلف فيه على عبيد الله بن عمر، شيخ يحيى فيه، ولا على شيخه خُبيب، ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه.
وأما استدلال عياض على أن الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية
стр. 11462
مالك: مثل عبيد الله، فقد عكسه غيره، فواخذ مسلمًا بقوله: مثل عبيد الله؛ لكونهما ليستا متساويتين، والذي يظهر أن مسلمًا لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ والترتيب، بل هو في المعظم؛ إذا تساويا في المعنى، والمعنى المقصود من هذا الموضع، إنما هو إخفاء الصدقة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر الحافظ ﵀، وحاصل ما قرّره أن القلب وقع من شيخ المصنّف، أو من شيخ شيخه، ولا يخفى بعده، والذي يظهر لي أن ما قاله القاضي عياضٌ ﵀ هو الأقرب، بل الأولى أن تقول: إن القلب وقع من المصنّف سهوًا، أو ممن بعده، لا ممن قبله، كشيخه، وشيخ شيخه، وأقوى دليل على ذلك أن المصنّف أورد رواية مالك بعد هذا، ثم بيّن أنها مثلُ رواية عُبيد الله إلا في قوله: "ورجلٌ معلّق بالمسجد؛ إذا خرج منه حتى يعود إليه"، فلو كان هذا القلب واقعًا ممن فوقه لكان هوأشدّ حاجة إلى التنبيه عليه من قوله: "ورجل … إلخ"، وكيف ينبّه على ما لا اختلاف فيه في المعنى، ويترك التنبيه على الاختلاف الذي يتغيّر به المعنى؟ وهذا من البعد بمكان.
وأما تقوية الحافظ ما ذهب إليه بأن مسلمًا لا يقصر لفظ المثل على المساوي … إلخ، فمما لا يخفى تكلّفه، سلّمنا أنه لا يقصر ذلك على المساوي، ولكن لماذا يعدل عن التنبيه على الخطأ إلى التنبيه إلى ما لا خطأ فيه؟ وهذا أمر بعيد كلّ البعد، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ
стр. 11463
أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ، وَقَالَ: "وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، اِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ت) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (أبو سعيد الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان ﵁، تقدّم في "شرح المقدّمة" ٢/ ٤٧٠.
والباقون ذُكرُوا قبله.
[تنبيه]: رواية مالك، عن خبيب هذه ساقها في "الموطّأ"، فقال:
(١٥٠١) - وحدّثني عن مالك، عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد الخدريّ، أو عن أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سبعة يُظِلّهم الله في ظلّه يوم لا ظِلّ إلا ظله: إمامٌ عادلٌ، وشابّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه مُعَلَّق بالمسجد؛ إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا على ذلك، وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه، ورجل دعته ذات حسب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ صَدَقَةُ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٢] (١٠٣٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ،
стр. 11464
تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
٣ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، أو عمرو، أو غير ذلك، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسميته، وَيحْتَمِل أن يكون أبا ذرّ ﵁، ففي "مسند أحمد" عنه، أنه سأل: أيّ الصدقة أفضل؟، لكن في الجواب: "جُهْدٌ من مُقِلّ، أو سرٌّ إلى فقير"، وكذا رواه الطبرانيّ من حديث أبي أُمامة، أنّ أبا ذرّ سأل، فأُجيب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال مما لا يخفى بُعْده؛ لاختلاف الجوابين، فالظاهر أن السائل هنا غير أبي ذرّ ﵁، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟) مبتدأٌ وخبره، وفي رواية ابن فُضيل، عن عُمارة التالية: "أيُّ الصدقة أعظم أجرًا"، وفي رواية عبد الواحد، عن عُمارة الآتية: "أيُّ الصدقة أفضل".
(فَقَالَ) ﷺ ، وفي رواية ابن فُضيل: "أما وأبيك لتُنبّأنّه" ("أَنْ تَصَدَّقَ) يَحْتَمِل أن يكون بتشديد الصاد المهملة، وأصله: تتصدّق، فأدغمت التاء بعد
стр. 11465
قلبها في الصاد، وَيحْتَمِل أن يكون بتخفيف الصاد، وحذف إحدى التاءين، وأصله تتصدّق، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ
وهو في تأويل المصدر خبر لمحذوف؛ أي هي صدقتك، أو مبتدأ خبره محذوفٌ: أي صدقتك، وأنت صحيح … إلخ أفضل أنواع الصدقة، والله تعالى أعلم.
(وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال؛ أي والحال أنك صحيح، والمراد بالصحيح في هذا الحديث من لم يدخل في مرض مخوف، كذا قيل.
(شَحِيحٌ) صفة لـ"صحيحٌ"، أو خبر بعد الخبر؛ أي من شأنه الشّحّ للحاجة إلى المال، وقال ابن الملك: قوله: "شحيح" تأكيد، وبيانٌ لـ"صحيحٌ"؛ لأن الرجل في حال صحّته يكون شحيحًا، وفي رواية للبخاريّ في "الوصايا": "وأنت صحيحٌ حريصٌ".
قال في "القاموس": الشحّ -مثلّثة-: البخل والحرص. انتهى.
وقال في "اللسان": الشُّحُّ -أي بالضمّ- والشَّحّ -أي بالفتح-: البُخْلُ، والضمّ أعلى. وقيل: هو البخل مع الحرص، وفي الحديث: "إيّاكم والشّحّ" (١)، والشحّ أشدّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل، وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها، والشحّ عامّ، وقيل: البخل بالمال، والشحّ بالمال
стр. 11466
والمعروف. انتهى. وقال في "المصباح": شَحَّ يَشُحُّ، من باب قتل، وفي لغة من بابي ضرب، وتَعِبَ، فهو شَحِيحٌ، وقومٌ أشحّاءُ، وأشحّة. انتهى.
وقال في "الفتح": قال صاحب "المنتهى": الشّحّ: بُخلٌ مع حرص، وقال صاحب "المحكم": "الشّحّ " مثلّثٌ الشين، والضمّ أعلى، وقال صاحب "الجامع": كأنّ الفتح في المصدر، والضمّ في الاسم. انتهى (١).
وقال الخطابيّ ﵀: الشحُّ أعمّ من البخل، وكأن الشحّ جنس، والبخل نوعٌ، وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور، والشح عامّ، كالوصف اللازم، وما هو مِن قِبَل الطبع، قال: فمعنى الحديث: أن الشح غالب في حال الصحة، فإذا شَحَّ فيها، وتصدّق كان أصدق في نيته، وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت، وأَيِسَ من الحياة، ورأى مصير المال لغيره، فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشحّ رجاءَ البقاء، وخوف الفقر. انتهى (٢).
(تَخْشَى الْفَقْرَ) بإخراج المال من يدك، والجملة خبر بعد خبر، أو حالٌ بعد حال، أو مستأنفةٌ، سيقت لبيان حال الصحيح، والمراد أن تقول في نفسك: لا تتلف مالك كيلا تصير فقيرًا، فتحتاج إلى الناس.
(وَتَأْمُلُ الْغِنَى) أي ترجوه، وتطمع فيه، وتقول: أترك مالي في بيتي؛ لأكون غنيًّا، ويكون لي عزّ عند الناس بسببه.
قال في "القاموس": الأَمَلُ، كجَبَلٍ، ونَجْمٍ، وشِبْرٍ: الرجاء، جمعه آمالٌ، وأَمَلَهُ أَمْلًا، وأَمَّلَه: رجاه. انتهى. وقال في "المصباح": أَمَل يأمُلُ أَمَلًا، من باب طَلَب: ترَقّبه، وأكثر ما يُستعمل الأمَلُ فيما يُستبعَدُ حصوله، قال كعب بن زُهَير بن أبي سُلْمَى [من البسيط]:
أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُو مَوَدَّتُهَا … وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ
ومَنْ عَزَمَ على السفر إلى بلد بعيدٍ يقول: أَمَلْتُ الوصولَ، ولا يقولُ: طَمِعْتُ إلا إذا قرب منها، فإن الطمع لا يكون إلا فيما قرُبَ حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، فإنّ الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأموله، ولهذا يُستعمل بمعنى الخوف، فإذا قوي الخوف استُعمل استعمالَ الأمل، وعليه بيت كعب بن
стр. 11467
زُهير، وإلا استُعمل بمعنى الطمع، فأنا آمِلٌ، وهو مأمولٌ على فاعل ومفعول، وأَمّلته تأميلًا مبالغةٌ وتكثيرٌ، وهو أكثر من استعمال المخفّف. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسب هنا كون الأَمَل بمعنى الرجاء، والله تعالى أعلم.
وفي رواية النسائيّ: "تأمل العيش"، و"العيش" -بفتح، فسكون-: الحياة؛ أي ترجو الحياة.
وانما خصّ هاتين الحالتين، وهما أمل الغنى، وخشية الفقر؛ لأنّ الصدقة في هاتين الحالتين أشدّ مُراغمةً للنّفس.
(وَلَا تُمْهِلَ) يجوز فيه الجزم، على أنه نهيٌ عن الإمهال، والرفع على أنه نفي له، وهو بمعنى النهي الأكيد، ويجوز النصب عطفًا على "أن تصدّقَ".
(حَتَّى اِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) كلمة "حتّى" للغاية، والضمير في "بَلَغَت" يرجع إلى الروح، بدلالة سياق الكلام عليه، والمراد منه قارَبَتِ البلوغَ؛ إذ لو بلغته حقيقةً، لم تصحّ وصيّته، ولا شيءٌ من تصرّفاته.
و"الْحُلْقُوم": هو الحلق، وفي "المخصّص" عن أبي عُبيدة: هو مجرى النفس، والسعال من الجوف (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "حتى إذا بلغت الحلقوم" أي النفس، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ، لكن دلّ عليها الحال، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣] ومعناه: قاربت الحلقوم، فلو بلغته لم تأت منه وصيّة ولا غيرها، والحلقوم: الحلق. انتهى (٢).
(قُلْتَ لِفُلَانٍ) كناية عن الموصى له (كَذَا) كناية عن الموصى به، والجملة من المبتدأ والخبر مقول: "قلتَ" ومعنى قوله: (وَلِفُلَانٍ كَذَا) هو كسابقه (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ") جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي وقد صار المال الذي تتصرّف فيه في هذه الحالة لفلان، وهو الوارث، فإن ثلثيه حقّ له، وأنت تتصدّق بجميعه، فكيف يُقبل منك؟ و"فلان" كناية عن الموصَى له.
стр. 11468
وقال القسطلانيّ ﵀: أي وقد صار ما أوصى به للوارث، فيُبطله إن شاء إذا زاد على الثلث، أو أوصى به لوارث آخر.
وقيل: المعنى: أنه قد خرج عن تصرّفه، وكمال ملكه، واستقر له بما شاء من التصرّف، فليس له في وصيّته كبير ثواب، وكثير فضل بالنسبة إلى صدقة الصحيح الشحيح.
وحاصل معنى الحديث أنّ أفضل الصدقة أن تتصدّق في حال حياتك، وصحّتك، مع احتياجك إلى المال، واختصاصه بك، وشحّ نفسك به، بأن تقول لك: لا تُتلف مالك كيلا تصير فقيرًا، لا في حال سقمك، وسياقِ موتك؛ لأنّ المالَ حينئذٍ خرج عنك، وتعلّق بغيرك؛ يعني أن أعظم الصدقة أجرًا أن تصدّق حال حاجتك، فإن الصدقة في هذه الحالة أشدّ مراغمة للنفس؛ لأن فيه مجاهدة النفس على إخراج المال الذي هو شقيق الروح مع قيام مانع الشحّ، وليس هذا إلا من قوّة الرغبة في القربة إلى الله ، وصحّة العقد، فكان أفضل، وأعظم أجرًا من غيره.
وقال في "الفتح": قوله: "قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال، وقال الخطّابيّ ﵀: فلانٌ الأول، والثاني الموصَى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله، وإن شاء أجازه.
وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالجميع من يُوصَى له، وإنما أدخل "كان" في الثالث إشارةً إلى تقدير القدَرِ له بذلك.
وقال الكرمانيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون الأول الوارثَ، والثاني المورّث، والثالث الموصَى له.
قال الحافظ ﵀: وَيحْتَمِل أن يكون بعضها وصيّةً، وبعضها إقرارًا، وقد وقع في رواية ابن المبارك، عن سفيان، عند الإسماعيليّ: "قلتَ: اصنعوا لفلان كذا، وتصدّقوا بكذا".
ووقع في حديث بُسْر بن جِحَاش -بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، وأبوه بكسر الجيم، وتخفيف المهملة، وآخره شينٌ معجمةٌ- عند أحمد،
стр. 11469
وابن ماجه، بإسناد صحيح، واللفظ لابن ماجه: "بزق النبيّ ﷺ في كفّه، ثمّ وضع إصبعه السبّابة، وقال: يقول الله: أنَّى تُعجِزني ابنَ آدم، وقد خلقتك من قبلُ، من مثل هذه، فإذا بلغت نفسك إلى هذه -وأشار إلى حلقه- قلت: أتصدّق، وأنّى أوانُ الصدقة؟ ". وزاد في رواية أحمد: "حتى إذا سوّيتك، وعدلتك، مشيت بين بُردين، وللأرض منك وئيدٌ (١)، وجمعتَ، ومنعتَ، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا، وتصدّقوا بكذا"، أفاده في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٢٣٨٢ و ٢٣٨٣ و ٢٣٨٤] (١٠٣٢)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٩) و"الوصايا" (٢٧٤٨)، و (أبو داود) في "الوصايا" (٢٨٦٥)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٢) وفي "كتاب الوصايا" (٢٦٣٧) وفي "الكبرى" (٢٣٢٢ و ٦٤٣٨)، و (ابن ماجه) في "الوصايا" (٢٧٠٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩/ ٥٤ و ٥٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ١٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣١ و ٢٥٠ و ٤١٥ و ٤٤٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٠٥ و ١٢٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٩٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٦٥ و ٤٧٩)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢١٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٩ و ١٩٠)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٧١)، والله تعالى أعلم.
стр. 11470
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواب سؤال من سأل أيّ الصدقة أفضل؟، وهو أنه ما كان في حال الصحّة.
٢ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المرض يَقْصُرُ يد المالك عن بعض ملكه، وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سِمَةَ البخل، ولذلك شَرَطَ أن يكون صحيح البدن، شحيحًا بالمال، يجد له وقعًا في قلبه؛ لما يأمله من طول العمر، ويخاف من طول الفقر.
٣ - (ومنها): أن تنجيز الصدقة، ووفاء الدين في الحياة، وحال الصحّة أفضل منه بعد الموت، وفي المرض، كما أشار النبيّ ﷺ إلى ذلك بقوله: "وأنت صحيحٌ، شحيحٌ، تأمل الغنى، وتخشى الفقر"؛ لأنه في حال الصحّة يصعُب عليه إخراج المال غالبًا لما يخوّفه به الشيطان، وُيزيّن له، من إمكان طول العمر، والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨]. وأيضًا، فإن الشيطان ربّما زيّن له الْحَيْفَ في الوصيّة، أو الرجوع عن الوصيّة، فيتمحّض تفضيل الصدقة الناجزة.
قال بعض السلف عن بعض أهل التّرَف: يعصون الله في أموالهم مرّتين، يبخلون بها، وهي في أيديهم -يعني في الحياة- ويُسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم -يعني بعد الموت- (١).
وأخرج الترمذيّ، بإسناد حسن، وصححه ابن حبّان، عن أبي الدرداء، مرفوعًا، قال: "مثلُ الذي يُعتقُ، ويتصدّق عند موته، مثلُ الذي يُهدي إذا شَبع"، وهو يرجع إلى معنى حديث الباب.
وروى أبو داود، وصححه ابن حبّان، من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، مرفوعًا: "لأن يتصدّق الرجل في حياته، وصحّته بدرهم، خيرٌ
стр. 11471
له من أن يتصدّق عند موته بمائة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: "أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ، أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوَان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَمَا وَأَبِيكَ لَتُنَبَّأَنَّهُ) قال القرطبيّ ﵀: قوله: "أما" استفتاح للكلام، و"أبيك" قسمٌ، ومقسم به، وتقدّم الكلام على القسم بالأب في "كتاب الإيمان"، والمقسم عليه "لتُنبّأَنّه" مبنيًّا للمفعول؛ أي لتُخْبَرنّ به حتى تعلمه. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: قد يقال: حلف بأبيه، وقد نَهَى عن الحلف بغير الله، وعن الحلف بالآباء، والجواب أن النهي عن اليمين بغير الله لمن تعمَّده، وهذه اللفظه الواقعة في الحديث تجري على اللسان من غير تعمّد، فلا تكون يمينًا ولا منهيًّا عنها، كما سبق بيانه في "كتاب الإيمان". انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11472
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أنَهُ قَالَ: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
والباقي ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع هذه ساقها أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال:
(٢٨٦٥) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قال رجل للنبيّ ﷺ : يا رسول الله أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "أن تصدّق وأنت صحيحٌ حريصٌ، تأمل البقاء، وتخشى الفقر، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ الآخِذَةُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٥] (١٠٣٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ عَلَى
стр. 11473
الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عُمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﵄، مات (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبَغْلانيّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٥) حديثًا.
٥ - (ومنها): أن هذا السند أصحّ الأسانيد على الإطلاق، على ما نقل عن الإمام البخاريّ ﵀، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) الجملتان حاليّتان؛ أي والحال أنه ﷺ قائم، على المنبر النبويّ، وهو يذكر للناس الصدقة وفضلها، ويحضّ الأغنياء عليها (وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلةِ) بالنصب عطفًا على "الصدقة"؛ أي ويذكر للفقراء التعفّف عن مسألة الناس، والتعفف مصدر تعفّف بمعنى استعفّ، كتعجّل بمعنى استعجل، قال في "النهاية": الاستعفاف: طلب العفاف، والتعفّف: هو الكفّ عن الحرام،
стр. 11474
والسؤال من الناس، وقيل: الاستعفاف: الصبر، والنزاهة عن الشيء. انتهى (١).
وحاصل المعنى: أنه ﷺ خطب الناس، فحَضّ في خطبته الأغنياء على أن يتصدّقوا على الفقراء، وحضّ الفقراء على يتعفّفوا عن مسألة الناس، أو يحضّهم على التعفّف، وذمّ مسألة الناس.
("الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هذه الجملة هي مقول "قال". أي قال ﷺ ، والحال أنه على المنبر، وهو يذكر الصدقة، والتعفّف عن المسألة: "اليدُ العليا خير من اليد السفلى"، ثم فسّر معنى كلامه هذا بقوله: (وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ") قال أبو داود ﵀: قال الأكثر عن حماد بن زيد: "المنفقة"، وقال واحد عنه: "المتعفّفة"، وكذا قال عبد الوارث، عن أيوب. انتهى.
قال الحافظ ﵀: فأما الذي قال عن حماد: "المتعفّفة" -بالعين، وفاءين- فهو مسدّدٌ، كذلك رويناه في "مسنده"، رواية معاذ بن المثنّى عنه، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البرّ في "التمهيد"، وقد تابعه على ذلك أبو الرَّبِيع الزَّهْرانيّ، كما رويناه في "كتاب الزكاة" ليوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا أبو الربيع.
وأما رواية عبد الوارث، فلم أقف عليها موصولة، وقد أخرجه أبو نُعيم في "المستخرج" من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بلفظ: "واليد العليا يد المعطي"، وهذا يدلّ على أن من رواه عن نافع بلفظ "المتعفّفة" فقد صحّف.
قال ابن عبد البرّ: ورواه موسى بن عقبة، عن نافع، فاختُلِف عليه أيضًا، فقال حفص بن ميسرة، عنه: "المنفقة"، كما قال مالك، قال الحافظ: وكذا قال فضيل بن سليمان، عنه، أخرجه ابن حبّان من طريقه، قال: ورواه إبراهيم بن طهمان، عن موسى، فقال: "المنفقة".
قال ابن عبد البرّ: رواية مالك أولى، وأشبه بالأصول، ويؤيّده حديث طارق المحاربيّ، عند النسائيّ، قال: قدمنا المدينة، فإذا النبيّ ﷺ قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العليا". انتهى.
стр. 11475
ولابن أبي شيبة، والبزّار، من طريق ثعلبة بن زَهْدَم مثله، وللطبرانيّ بإسناد صحيح، عن حكيم بن حِزَام، مرفوعًا: "يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطَى، ويد المعطَى أسفل الأيدي"، وللطبرانيّ من حديث الجذاميّ، مرفوعًا مثله، ولأبي داود، وابن خزيمة، من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك، عن أبيه، مرفوعًا: "الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى"، ولأحمد، والبزّار، من حديث عطيّة السعديّ: "اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى".
وقال النوويّ ﵀: قوله: "واليد العليا المنفقة"، هكذا وقع في صحيح البخاريّ ومسلم: "العليا المنفقة"، من الإنفاق، وكذا ذكره أبو داود عن أكثر الرواة، قال: ورواه عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "العليا المتعفِّفة" بالعين، من العِفّة، ورجح الخطابيّ هذه الرواية، قال: لأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها، والصحيح الرواية الأولى، وَيحْتَمِل صحة الروايتين، فالمنفقة أعلى من السائلة، والمتعففة أعلى من السائلة، وفي هذا الحديث الحثّ على الإنفاق في وجوه الطاعات، وفيه دليل لمذهب الجمهور أن اليد العليا هي المنفقة، وقال الخطابيّ: المتعففة كما سبق، وقال غيره: العليا الآخذة، والسفلى المانعة، حكاه القاضي، والمراد بالعلو علوّ الفضل والمجد، ونيل الثواب. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀ بعد نقل كلام النووي المذكور: أقول: تحرير ترجيح الخطّابيّ رواية "اليد العليا هي المتعفّفة" أن يقال: إن قوله: "وهو يذكر الصدقة، والتعفّف عن المسألة" كلام مجملٌ في معنى العفّة عن السؤال، وقوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى" بيان له، وهو أيضًا مبهم، فينبغي أن يفسّر بالعفّ؛ ليناسب المجمل، وتفسيره باليد المنفقة غير مناسب للمجمل.
وتحقيق الجواب: هذا إنما يتمّ إذا اقتصر على قوله: "اليد العليا هي المنفقة"، ولم يعقبه بقوله: "واليد السفلى هي السائلة"؛ لدلالتهما على علوّ المنفقة، وسفالة السائلة ورذالتها، وهي مما يُستنكف منها، ويُتعفّف عن
стр. 11476
الاتصاف بها، فظهر من هذا أن رواية الشيخين أرجح من إحدى روايتي أبي داود نقلًا ودرايةً؛ لأنها حينئذ من باب الكناية، وهي أبلغ من التصريح، فيكون أرجح. انتهى (١).
(تنبيه): هذه الأحاديث كلها واضحة في أن التفسير المذكور مرفوع، قال القرطبيّ ﵀: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نصّ يرفع الخلاف، ويدفع تعسّف من تعسّف في تأويله. انتهى.
قال الحافظ ﵀: لكن ادعى أبو العبّاس الدانيّ في "أطراف الموطأ" أن التفسير المذكور مدرجٌ في الحديث، ولم يذكر مستنده لذلك، ثم وجدت في "كتاب العسكريّ في الصحابة" بإسناد له، فيه انقطاعٌ، عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان: إني سمعت النبيّ ﷺ يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية"، فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "كنا نتحدّث أن العليا هي المنفقة". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن دعوى الإدراج المذكور غير صحيحة؛ لأن الحديث اتَّفَقَ عليه الشيخان، مرفوعًا، وما ذكره الحافظ مما يؤيّد الدعوى المذكورة، فغير مقبول؛ لأن ما نقله من كتاب العسكري منقطع، كما اعترف هو به، وكذا ما نقله عن ابن أبي شيبة، ففي سنده سفيان الثوريّ، وهو وإن كان إمامًا، إلا أنه مدلّسٌ، وقد رواه بالعنعنة (٣)، فكيف يُعارَض بمثل هذا ما اتَّفَقَ الشيخان على صحته مرفوعًا؟، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متفقٌ عليه.
стр. 11477
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٥] (١٠٣٣)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٩)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٤٨)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٣٣) وفي "الكبرى" (٢٣١٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (١٨٨١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦٧ و ٩٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٨٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٥ - ١٠٦)، و (البزّار) في "مسنده" (٤/ ٤١ و ٥/ ١٣٨ و ٣٢٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٦١ و ٣٣٦٤)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ١٩٢ و ٢٠١ و ٨/ ١٣٩ و ١٨/ ١٤٩ و ١٩/ ٢٨٠ و ٢٢/ ٢٧٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٩٧)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٦٦)، و (الضياء المقدسيّ) في "المختارة" (٨/ ١٣٠)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٤٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٧ و ١٩٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن اليد العليا هي المعطية، كما أن اليد السفلى هي السائلة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٢ - (ومنها): إباحة الكلام للخطيب أثناء خطبته بكلّ ما يصلح من موعظة، وعلم، وقُرَبٍ.
٣ - (ومنها): الحثّ على الإنفاق في وجوه الطاعة.
٤ - (ومنها): تفضيل الغِنَى مع القيام بحقوقه على الفقر؛ لأن العطاء إنما يكون مع الغنى.
٥ - (ومنها): كراهة السؤال، والتنفير عنه، ومحلّه إذا لم تدع إليه ضرورةٌ، من خوف هلاك ونحوه، وقد روى الطبرانيّ من حديث ابن عمر بإسناد فيه مقالٌ، مرفوعًا: "ما المعطي من سَعَة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجًا"، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11478
(المسألة الربعة): دلّت الأحاديث المتقدّمة المتضافرةُ على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور.
وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال، أم بغير سؤال، وهذا أباه قومٌ، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصَدَّق عليه، قال ابن العربيّ: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا؛ لأن يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما يمين. انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد الله تعالى، فباعتبار كونه مالك كلّ شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة، ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كلّ حال، وأما يد الآدميّ، فهي أربعة:
(أحدها): يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا.
(ثانيها): يد السائل، وقد تضافرت الأخبار أيضًا بأنها سفلى، سواء أخذت، أم لا، وهذا موافق لكيفيّة الإعطاء والأخذ غالبًا، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتقّ منهما.
(ثالثها): يد المتعفّف عن الأخذ، ولو بعد أن تَمُدّ إليه يد المعطي مثلًا، وهذه توصف بكونها عُلْيا علوًا معنويًّا.
(رابعها): يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختُلِف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنويّ فلا يطّرد، فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يُحمل كلام من أطلق كونها عليا.
قال ابن حبّان ﵀ في "صحيحه": عندي أن اليد المتصدّقة أفضل من السائلة، لا الآخذة دون السؤال؛ إذ محالٌ أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله، دون (١) من فُرض عليه إتيان شيء، فأتى به، أو تقرّب إلى بارئه متنفّلًا فيه، وربما كان المعطي في إتيانه ذلك أقلّ تحصيلًا في الأسباب من الذي أتى بما أييح له، وربما كان هذا الآخذ لِمَا أُبيح له أفضل،
стр. 11479
وأورع من الذي يعطي، فلما استحال هذا على الإطلاق دون التحصيل بالتفضيل، صحّ أن معناه أن المتصدّق أفضل من الذي يسألها. انتهى (١).
وعن الحسن البصريّ: اليد العليا المعطية، والسفلى المانعة، ولم يوافَق عليه.
وأطلق آخرون من المتصوّفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقًا، ونقل ابن قتيبة في "غريب الحديث" ذلك عن قوم، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال، فهم يحتجّون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى مِن فوقُ هو الذي كان رقيقًا، فأُعتق، والمولى من أسفلُ هو السيّد الذي أعتقه. انتهى.
قال الحافظ: وقرأت في "مطلع الفوائد" للعلّامة جمال الدين ابن نُباتة في تأويل الحديث المذكور معنى آخر، فقال: اليد هنا هي النعمة، وكأنّ المعنى أن العطيّة الجزيلة خيرٌ من العطيّة القليلة، قال: وهذا حثّ على المكارم بأوجز لفظٍ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله: "ما أبقت غنى"؛ أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله، كمن أراد أن يتصدّق بألف، فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى، بخلاف ما لوأعطاها لرجل واحد، قال: وهو أولى من حمل اليد على الجارحة؛ لأن ذلك لا يستمرّ؛ إذ فيمن يأخذ من هو خيرٌ عند الله ممن يعطي.
قال الحافظ: التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق.
وقد روى إسحاق في "مسنده" من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير: أن حكيم بن حزام، قال: يا رسول الله، ما اليد العليا؟ قال: "التي تعطي، ولا تأخذ".
فقوله: "ولا تأخذ" صريحٌ في أن الآخذة ليست بعليا، والله أعلم.
قال: وكلّ هذه التأويلات المتعسّفة تَضمَحِلّ عند الأحاديث المتقدّمة المصرّحة بالمراد، فأولى ما فُسّر الحديث بالحديث.
стр. 11480
ومُحصّل ما في الآثار المتقدّمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعفّفة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة، والمانعة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ أخيرًا تحقيقٌ حسنٌ جدًّا.
والحاصل أن المذهب الحقّ في المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من أن اليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة؛ لوضوح دليله، وأما العكس فلا يؤيّده النقل، بل يدفعه، ويبطله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٦] (١٠٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
٤ - (يَحْيى الْقَطَّانُ) تقدّم قبل باب.
٥ - (عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن موهَب التيميّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
стр. 11481
٦ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
٧ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ) بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة أم المؤمنين ﵂، صحابيّ أسلم يوم الفتح، وصَحِبَ، وله (٧٤) سنةً، ثم عاش إلى سنة (٥٤) أو بعدها، وكان عالمًا بالنسب (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٨/ ٣٣٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: محمد بن حاتم، فتفرّد به هو وأبو داود، وأحمد بن عبدة، فما أخرج له البخاريّ، وغير عمرو بن عثمان، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، فالأول والثالث بصريّان، كيحيى، والثاني بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ممن عاش (١٢٠) سنة، نصفها في الجاهليّة، ونصفها في الإسلام، وقد ذكرهم السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا … عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُ
سِتُّونَ فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي … حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ
ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ … وآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ
عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ
نَابِغَةٌ ثُمَّتَ حَسَّانَ انْفَرَدْ … أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ
٦ - (ومنها): أنه أيضًا وُلِد في جوف الكعبة، ولا يُعرف هذا لغيره جاهليّةً ولا إسلامًا، كما قال السيوطيّ ﵀ أيضًا في ألفيتّه المذكورة:
ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ
وهذا كله قد سبق، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 11482
شرح الحديث:
عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ التيميّ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) ﵁ (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، أَوْ) للشكّ من الراوي، أي أو قال: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) جملة من مبتدأ وخبره؛ أي إن أفضل صدقة المرء ما وقع من غير حاجة إلى ما يتصدّق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته.
وقد جاء ما يوضّح المراد بقوله: "أفضل الصدقة عن ظهر غنى إلخ" -كما قال النسائيّ ﵀ فيما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تصدَّقُوا"، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينارٌ، قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على زوجتك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على خادمك"، قالى: عندي آخر، قال: "أنت أبصر".
وقال النوويّ ﵀: معناه: أفضل الصدقة ما بقي صاحبُها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يَعتمده صاحبها، ويَستظهر به على مصالحه وحوائجه، وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله؛ لأن من تصدق بالجميع يَندَم غالبًا، أو قد يندم إذا احتاج، وَيوَدّ أنه لم يتصدق، بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا، فإنه لا يندم عليها، بل يُسَرّ بها.
قال: وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحبٌّ لمن لا دَينَ عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يَجْمَع هذه الشروط فهو مكروه.
وقال القاضي عياض ﵀: جَوّز جمهور العلماء، وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يُرَدُّ جميعها، وهو مرويّ عن عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: يُنَفَّذ في الثلث، هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف رُدّت الزيادة، وهو محكيّ عن مكحول، قال أبو جعفر الطبريّ: ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله، وأن يقتصر على الثلث. انتهى (١).
стр. 11483
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
(وَالْيَدُ الْعُلْيَا) تقدّم في الحديث الماضي أن الصحيح في تفسيرها أنها المنفقة (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) تقدّم أيضًا أن الأصحّ أنها السائلة (وَابْدَأْ) في العطاء (بِمَنْ تَعُولُ") أي بمن تجب عليك نفقته، يقال: عال الرجلُ أهلَه عَوْلًا، من باب قال: إذا مانَهُم؛ أي قام بما يحتاجون إليه، من قوت، وكسوة، وفيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة غيرهم.
وقد جاء تفسير من يعولهم فيما أخرجه النسائيّ من حديث طارق بن عبد الله المحاربيّ ﵁ بإسناد حسن، عنه قال: قَدِمنا المدينة، فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمَّك، وأباك (١)، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك". هكذا أورده النسائيّ مختصرًا.
وقد أخرجه الدارقطنيّ في "سننه" (٣/ ٤٤ - ٤٥) مطوّلًا، فقال:
حدّثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل، نا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، نا ابن نُمير، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، نا أبو صخرة، جامع بن شدّاد، عن طارق بن عبد الله المحاربيّ، قال: رأيت رسول الله ﷺ مرّتين، مرّة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي هكذا، قال: أبيعها، فمرّ، وعليه حلّة حمراء، وهو ينادي بأعلى صوته: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجلٌ يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، وعرقوبيه، وهو
стр. 11484
يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه، فإنه كذّابٌ، قلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام بني عبد المطّلب، قلت: من هذا الذي يتبعه، يرميه؟ قالوا: هذا عمة عبد العزّى، وهو أبو لهب، فلما ظهر الإسلام، وقدم المدينة أقبلنا في ركبٍ من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبًا من المدينة، ومعنا ظَعِينة لنا، قال: فبينا نحن قُعُودٌ؛ إذ أتانا رجلٌ عليه ثوبان أبيضان، فسلّم علينا، فرددنا عليه، فقال: "من أين أقبل القوم؟ "، قلنا: من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، قال: "تبيعوني جملكم؟ "، قلنا: نعم، قال: "بكم؟ "، قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئًا، وقال: "قد أخذته"، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة، فتوارى عنّا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تَلَاوَمُوا، فقد رأيت وجه رجل ما كان ليَحقِركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجلٌ، فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم، وأنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا، حتى تستوفوا، قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة، فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك، وأباك، وأختك، وأخاك، وأدناك، أدناك"، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأينا بياض إبطيه، فقال: "ألا لا يجني والد على ولده" انتهى (١).
[تنبيه]: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختُلِف في نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال له، ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا، أو بالغين، إناثًا وذكرانًا إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها، وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر، أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على
стр. 11485
الأب، وألحق الشافعيّ ولد الولد، وإن سفل بالولد في ذلك. انتهى (١).
قمال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق المسألة في محله من "كتاب النفقات" -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٦] (١٠٣٤)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٣) و"الكبرى" (٢٣٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٤٧٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣١٢٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون أفضل الصدقة إذا حصلت بعد كفاية النفس ومن تجب نفقته.
٢ - (ومنها): بيان كون اليد العليا -وهي المنفقة- خيرًا من اليد السفلى -وهي السائلة- كما سبق تمام البحث فيه.
٣ - (ومنها): أن فيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة بخلاف نفقة غيرهم.
٤ - (ومنها): بيان الابتداء بالأهمّ، فالأهمّ في الأمور الشرعيّة.
٥ - (ومنها): أن فيه الأمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ : "عن ظهر غنى":