٦ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
٧ - (حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ) بن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة أم المؤمنين ﵂، صحابيّ أسلم يوم الفتح، وصَحِبَ، وله (٧٤) سنةً، ثم عاش إلى سنة (٥٤) أو بعدها، وكان عالمًا بالنسب (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٨/ ٣٣٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: محمد بن حاتم، فتفرّد به هو وأبو داود، وأحمد بن عبدة، فما أخرج له البخاريّ، وغير عمرو بن عثمان، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، فالأول والثالث بصريّان، كيحيى، والثاني بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ ممن عاش (١٢٠) سنة، نصفها في الجاهليّة، ونصفها في الإسلام، وقد ذكرهم السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا … عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُ
سِتُّونَ فِي الإِسْلَامِ حَسَّانٌ يَلِي … حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ
ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعِيدُ … وآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ
عَاصِمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيٌّ نَافِعُ
نَابِغَةٌ ثُمَّتَ حَسَّانَ انْفَرَدْ … أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدْ
٦ - (ومنها): أنه أيضًا وُلِد في جوف الكعبة، ولا يُعرف هذا لغيره جاهليّةً ولا إسلامًا، كما قال السيوطيّ ﵀ أيضًا في ألفيتّه المذكورة:
ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ
وهذا كله قد سبق، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 11482
شرح الحديث:
عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ التيميّ (أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) ﵁ (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، أَوْ) للشكّ من الراوي، أي أو قال: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) جملة من مبتدأ وخبره؛ أي إن أفضل صدقة المرء ما وقع من غير حاجة إلى ما يتصدّق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته.
وقد جاء ما يوضّح المراد بقوله: "أفضل الصدقة عن ظهر غنى إلخ" -كما قال النسائيّ ﵀ فيما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن حبّان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تصدَّقُوا"، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينارٌ، قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على زوجتك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على خادمك"، قالى: عندي آخر، قال: "أنت أبصر".
وقال النوويّ ﵀: معناه: أفضل الصدقة ما بقي صاحبُها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يَعتمده صاحبها، ويَستظهر به على مصالحه وحوائجه، وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله؛ لأن من تصدق بالجميع يَندَم غالبًا، أو قد يندم إذا احتاج، وَيوَدّ أنه لم يتصدق، بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا، فإنه لا يندم عليها، بل يُسَرّ بها.
قال: وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحبٌّ لمن لا دَينَ عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يَجْمَع هذه الشروط فهو مكروه.
وقال القاضي عياض ﵀: جَوّز جمهور العلماء، وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يُرَدُّ جميعها، وهو مرويّ عن عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: يُنَفَّذ في الثلث، هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف رُدّت الزيادة، وهو محكيّ عن مكحول، قال أبو جعفر الطبريّ: ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله، وأن يقتصر على الثلث. انتهى (١).
стр. 11483
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة الخامسة -إن شاء الله تعالى-.
(وَالْيَدُ الْعُلْيَا) تقدّم في الحديث الماضي أن الصحيح في تفسيرها أنها المنفقة (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) تقدّم أيضًا أن الأصحّ أنها السائلة (وَابْدَأْ) في العطاء (بِمَنْ تَعُولُ") أي بمن تجب عليك نفقته، يقال: عال الرجلُ أهلَه عَوْلًا، من باب قال: إذا مانَهُم؛ أي قام بما يحتاجون إليه، من قوت، وكسوة، وفيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة غيرهم.
وقد جاء تفسير من يعولهم فيما أخرجه النسائيّ من حديث طارق بن عبد الله المحاربيّ ﵁ بإسناد حسن، عنه قال: قَدِمنا المدينة، فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمَّك، وأباك (١)، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك". هكذا أورده النسائيّ مختصرًا.
وقد أخرجه الدارقطنيّ في "سننه" (٣/ ٤٤ - ٤٥) مطوّلًا، فقال:
حدّثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل، نا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، نا ابن نُمير، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، نا أبو صخرة، جامع بن شدّاد، عن طارق بن عبد الله المحاربيّ، قال: رأيت رسول الله ﷺ مرّتين، مرّة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي هكذا، قال: أبيعها، فمرّ، وعليه حلّة حمراء، وهو ينادي بأعلى صوته: "يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجلٌ يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، وعرقوبيه، وهو
стр. 11484
يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه، فإنه كذّابٌ، قلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام بني عبد المطّلب، قلت: من هذا الذي يتبعه، يرميه؟ قالوا: هذا عمة عبد العزّى، وهو أبو لهب، فلما ظهر الإسلام، وقدم المدينة أقبلنا في ركبٍ من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبًا من المدينة، ومعنا ظَعِينة لنا، قال: فبينا نحن قُعُودٌ؛ إذ أتانا رجلٌ عليه ثوبان أبيضان، فسلّم علينا، فرددنا عليه، فقال: "من أين أقبل القوم؟ "، قلنا: من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، قال: "تبيعوني جملكم؟ "، قلنا: نعم، قال: "بكم؟ "، قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئًا، وقال: "قد أخذته"، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة، فتوارى عنّا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تَلَاوَمُوا، فقد رأيت وجه رجل ما كان ليَحقِركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجلٌ، فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم، وأنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا، حتى تستوفوا، قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة، فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: "يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك، وأباك، وأختك، وأخاك، وأدناك، أدناك"، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأينا بياض إبطيه، فقال: "ألا لا يجني والد على ولده" انتهى (١).
[تنبيه]: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختُلِف في نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال له، ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالًا كانوا، أو بالغين، إناثًا وذكرانًا إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها، وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر، أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على
стр. 11485
الأب، وألحق الشافعيّ ولد الولد، وإن سفل بالولد في ذلك. انتهى (١).
قمال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق المسألة في محله من "كتاب النفقات" -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٦] (١٠٣٤)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٧)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٣) و"الكبرى" (٢٣٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٠٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٤٧٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣١٢٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون أفضل الصدقة إذا حصلت بعد كفاية النفس ومن تجب نفقته.
٢ - (ومنها): بيان كون اليد العليا -وهي المنفقة- خيرًا من اليد السفلى -وهي السائلة- كما سبق تمام البحث فيه.
٣ - (ومنها): أن فيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة بخلاف نفقة غيرهم.
٤ - (ومنها): بيان الابتداء بالأهمّ، فالأهمّ في الأمور الشرعيّة.
٥ - (ومنها): أن فيه الأمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ : "عن ظهر غنى":
стр. 11486
قال في "الفتح": معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته.
قال الخطابيّ: لفظ الظهر يَرِدُ في مثل هذا إشباعًا للكلام، والمعنى: أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده: "وابدأ بمن تعول".
وقال البغويّ: المراد غِنًى يَستَظهِر به على النوائب التي تنوبه، ونحوه قولُهُم: رَكِبَ متن السلامة، والتنكير في قوله: "غِنًى" للتعظيم، هذا هو المعتمد في معنى الحديث. وقيل: المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة.
وقيل: "عن" للسببية، والظهر زائد؛ أي خير الصدقة ما كان سببها غِنًى في المتصدق (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى": أي ما كان من الصدقة بعد القيام بحقوق النفس، وحقوق العيال. وقال الخطّابيّ: أي متبرّعًا، أو عن غئًى يعتمده، ويستظهر به على النوائب. والتأويل الأول أولى، غير أنه يبقى علينا النظر في درجة الإيثار التي أثنى الله بها على الأنصار؛ إذ قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر: ٩]، وقد روي أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار ضافه ضيفٌ، فنَوّمَ صبيانه، وأطفأ السّراج، وآثر الضيف بقوْتهم (٢)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية [الإنسان: ٨]. أي على شدّة الحاجة إليه، والشهوة له، ولا شكّ أن صدقةَ مَن هذه حاله أفضل. وفي حديث أبي ذرّ ﵁: "أفضل الصدقة جهد مقلّ" (٣)، وفي حديث أبي هريرة ﵁: "سبق درهم مائة ألف … " (٤).
فقد أفاد مجموع ما ذكرنا أن صدقة المؤثر، والمقلّ أفضل، وحينئذ يثبت
стр. 11487
التعارض بين هذا المعنى، وبين قوله: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" على تأويل الخطّابيّ، فأما على ما أوّلنا به الغنى، فيرتفع التعارض. وبيانه أن الغِنَى يُعنى به في الحديث حصول ما تُدفع به الحاجة الضروريّة، كالأكل عند الجوع المشوّش، الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدّق، بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره بذلك أدّى إلى هلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقّه أولى على كلّ حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحّ الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضلَ؛ لأجل ما يتحمّل من مضض الفقر، وشدّة مشقّته. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي وجّه به القرطبيّ ﵀ هذا الحديث حسنٌ جدًّا، حيث تجتمع به الأدلّة، ويندفع به التعارض بينها.
وحاصله أن المراد بالغنى في قوله: "ما كان عن ظهر غنى" الغنى الذي يقوم معه على حقوق نفسه، وحقوق العيال، من دفع الحاجات الضروريّة التي لا بدّ للإنسان، كالأكل من جوع، واللبس من عري، ونحوهما، فما كان بعد ذلك من الصدقة، فهو أفضل؛ للنصوص التي وردت في مدح الإيثار، وإن كان معه نوع احتياج، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التصدّق مع الحاجة إلى المال:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": ومن تصدّق، وهو محتاجٌ، أو أهله محتاجٌ، أو عليه دين، فالدين أحقّ أن يُقضَى من الصدقة، والعتق، والهبة، وهو ردّ عليه، ليس له أن يُتلِفَ أموال الناس، قال النبيّ ﷺ : "من أخذ أموال الناس يُريد إتلافها أتلفه الله"، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصةٌ، كفعل أبي بكر ﵁ حين تصدّق بماله. وكذلك آثر الأنصار المهاجرين. ونهى النبيّ ﷺ عن إضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة. وقال كعب بن مالك ﵁: قلت: يا
стр. 11488
رسول الله، إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله، وإلى رسوله ﷺ ، قال: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك"، قلت: أُمسِك سهمي الذي بخيبر. انتهى كلام البخاريّ ﵀ (١).
وقال النوويّ ﵀: قد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحبٌّ لمن لا دَينَ عليه، ولا له عيال لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يَجْمَع هذه الشروط فهو مكروه.
وقال القاضي عياض ﵀: جَوّز جمهور العلماء، وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل: يُرَدُّ جميعها، وهو مرويّ عن عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: يُنَفَّذ في الثلث، هو مذهب أهل الشام، وقيل: إن زاد على النصف رُدّت الزيادة، وهو محكيّ عن مكحول، قال أبو جعفر الطبريّ: ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله، وأن يقتصر على الثلث. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": قال الطبريّ وغيره: قال الجمهور: من تصدّق بماله كلّه في صحّة بدنه وعقله، حيث لا دينَ عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيالٌ يصبرون أيضًا، فهو جائزٌ، فإن فُقد شيء من هذه الشروط كُرِه، وقال بعضهم: هو مردودٌ. ورُوي عن عمر ﵁، حيث رَدّ على غيلان الثقفيّ قسمة ماله.
ويمكن أن يُحتجّ له بقصّة المدبّر، الذي أخرجه الشيخان، عن جابر ﵁، قال: أعتق رجل من بني عُذْرَة، عبدًا له، عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "ألك مال غيره؟ "، فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي، بثمان مائة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ ، فدفعها إليه، ثم قال: "ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، يقول: بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك". وفي لفظ للبخاريّ: "أن رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج … " الحديث.
стр. 11489
فهذا الحديث يدلّ على أن من تصدّق، وهو محتاج يردّ عليه، ولا تنفذ صدقته.
وقال آخرون: يجوز من الثلث، ويُردّ عليه الثلثان، وهو قول الأوزاعيّ، ومكحول. وعن مكحول أيضًا يُردّ ما زاد على النصف.
قال الطبريّ ﵀: والصواب عندنا الأول، من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث، جمعًا بين قصّة أبي بكر، وحديث كعب. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قال الإمام البخاريّ ﵀ هو الأرجح، وحاصله أن من تصدّق بماله، وهو محتاجٌ، أو أهله، أو عليه دينٌ، بطلت صدقته، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، كفعل أبي بكر ﵁، وبهذا تجتمع الأدلّة، من غير تعارض، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٧] (١٠٣٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة الثبت الفقيه، رأس [٨] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
стр. 11490
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٤٩) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (سَعِيدُ) بن المسيِّب بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
و"حكيم بن حزام" ﵁ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتّحادهما في التحمل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين.
٥ - (ومنها): أن عروة وسعيدًا كلاهما من الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) ﵁، وفي رواية النسائيّ: "عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد وعروة سمعا حكيم بن حزام يقول … "، وفي رواية البخاريّ عن عليّ ابن المدينيّ، قال: "حدّثنا سفيان، قال: سمعت الزهريّ يقول: أخبرني عروة وسعيد بن المسيب، عن حكيم بن حزام قال … " (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) أي المال (فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ) ﷺ ، وفي رواية للنسائيّ: "ثم قال رسول الله ﷺ : يا حكيم ("إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الضاد المعجمة، قال في "القاموس": والْخَضِرُ، كَكَتِفٍ: الْغُصْنُ، والزرع، والْبَقْلَةُ الْخَضْرَاء، كالْخَضِرَة، والْخَضِيرِ. انتهى. (حُلْوَةٌ) بضمّ، فسكون: ضدّ الْمُرّة.
قال الزركشيّ ﵀: تأنيث الخبر تنبيهٌ على أن المبتدأ مؤنّثٌ، والتقدير: أن صورة هذا المال، أو يكون التأنيث للمعنى؛ لأنه اسمٌ جامعٌ لأشياء كثيرة،
стр. 11491
والمراد بالخَضِرَة الروضة الخضراء، أو الشجرة الناعمة، والحلوة المستحلاة الطعم. انتهى (١).
وقال في "العمدة": التأنيث: إما باعتبار الأنواع، أو الصورة، أو تقديرُهُ: كالفاكهة الخَضِرَة الحُلْوَة، شبّهَ المالَ في الرغبة فيه بها، فإن الأخضر مرغوب من حيث النظر، والحلو من حيث الذّوقُ، فإذا اجتمعا زادا في الرغبة.
حاصله أن التشبيه في الرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذّة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشدّ، وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى، ولا تراد للبقاء. انتهى (٢)
وقال النوويّ ﵀: شبّه المال في الرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذَّة؛ فمان الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشدّ، وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى، ولا تراد للبقاء. انتهى (٣).
(فَمَنْ أَخَذَهُ) أي من أخذ المال الذي يُبذل له (بِطِيبِ نَفْسٍ) أي مع طيب نفس، فالباء للمصاحبة؛ يعني أنه أخذه من غير شَرَهٍ، ولا إلحاح، وفي رواية للبخاريّ: "فمن أخذه بسخاوة نفس"، قال في "العمدة":
[فإن قلت]: السخاوة إنما هي في الإعطاء، لا في الأخذ.
[قلت]: السخاوة في الأصل السهولة والسعة، قال القاضي عياض: فيه احتمالان: أظهرهما أنه عائدٌ إلى الآخذ؛ أي من أخذه بغير حرصٍ، وطمع، وإشراف عليه، والثاني: إلى الدافع؛ أي من أخذه ممن يدفعه منشرحًا بدفعه، طيّب النفس. انتهى (٤).
(بُورِكَ لَهُ فِيهِ) أي جعل الله تعالى البركة له في ذلك المال (وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) "الإشراف" على الشيء: الاطّلاع عليه، والتعرّض له، وقيل: معنى إشراف النفس أن المسؤول يُعطيه عن تكرّه، وقيل: يريد به شدّة حرص
стр. 11492
السائل، وإشرافه على المسألة (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ) الضمير في "له" يرجع إلى الآخذ، وفي "فيه" إلى المال المأخوذ، وإنما لم يبارك له فيه؛ لأنه لم يمنع نفسه عن المسألة التي هي مذمومة شرعًا، ولم يصُنْ ماء وجهه، فعوقب بعدم البركة فيما أخذ.
وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: إشراف النفس تطلعها إليه، وتعرّضها له، وطمعها فيه، وأما طيب النفس فذكر القاضي فيه احتمالين: أظهرهما أنه عائد على الآخذ، ومعناه: من أخذه بغير سؤال، ولا إشراف وتطلّع بورك له فيه، والثاني أنه عائد إلى الدافع، ومعناه: من أخذه ممن يدفع مُنْشَرِحًا بدفعه إليه طَيِّب النفس، لا بسؤال اضطَرَّه إليه أو نحوه، مما لا تطيب معه نفس الدافع. انتهى.
وقال الطيبيّ ﵀ -بعد ذكر القاضي هذا-: لَمّا وَصَفَ المال بما تميل إليه النفس الإنسانيّة بجبلّتها، رَتّب عليها بالفاء أمرين:
[أحدهما]: تركها مع ما هي مجبولة عليه من الحرص والشَّرَه، والميل إلى الشهوات، وإليه أشار بقوله: "ومن أخذه بإشراف نفس".
[وثانيهما]: كفّها عن الرغبة فيها إلى ما عند الله من الثواب، وإليه أشار بقوله: "بسخاوة نفس"، فكَنَى في الحديث بالسخاوة عن كفّ النفس من الحرص والشّرَه، كما كَنَى في الآية بتوقي النفس من الشحّ والحرص المجبولة عليه عن السخاء؛ لأن من توقّى من الشحّ يكون سخيًّا مفلحًا في الدارين، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. انتهى (١).
(وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أي لا ينقطع اشتهاؤه، فيبقى في حيرة الطلب على الدوام، ولا يقضي شهواته التي لأجلها طلبُهُ، فكان كمن به الجوع الكاذب، المسمَّى بجوع الكَلْب، كلما ازداد أكلًا ازداد جوعًا؛ لأنه يأكل من سقم، وكلما أكل زاد سقمًا، ولا يجد شبعًا، ويزعم أهل الطبّ أن ذلك من غلبة السوداء، ويسمّونها الشهوة الكلبيّة، وهي صفة لمن يأكل، ولا يشبع، قاله في "العمدة" (٢).
стр. 11493
وقال النوويّ ﵀: قوله: "كالذي يأكل ولا يشبع"، فقيل: هو الذي به داءٌ لا يَشْبَع بسببه، وقيل: يَحْتَمِل أن المراد التشبيه بالبهيمة الراعية. انتهى (١).
وقوله: (وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى") تقدّم شرحه مستوفًى، وأن الصواب في معناه أن العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة.
زاد في رواية البخاريّ: "قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقّ لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقّه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي".
وقوله: "لا أرزأ" بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح الزاي، وبالهمزة، معناه: لا أَنْقُصُ ماله بالطلب، وفي "النهاية": ما رزأته: أي ما نقصته، وفي رواية لإسحاق: "قلت: فوالله لا تكون يدي بعدك تحت يدٍ من أيدي العرب".
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "لا أرزأ إلخ" أي لا أنقص بعدك مال أحد بالسؤال عنه، والأخذ منه، من الرزء، وهو النقصان، يقال: ما رزأته ماله: أي ما نقصته، ويُمكن أن يكون معناه: بعد سؤالك هذا، ويمكن أن يكون بمعنى غيرك. انتهى (٢).
وقال الكرمانيّ ﵀: فإن قلت: لِمَ امتنع حكيم من الأخذ مطلقًا، وهو مبارك إذا كان بسعة الصدر، مع عدم الإشراف؟.
قلت: مبالغةً في الاحتراز؛ إذ مقتضى الجبِلَّة الإشراف والحرص، والنفس سراقة، والْعِرْق دَسّاس، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، قاله في "العمدة".
وقوله: "فأبى أن يقبل منه" أي فامتنع حكيم أن يقبل عطاءً من أبي بكر في الأول، ومن عمر في الثاني، وجه امتناعه من أخذ العطاء مع أنه حقه؛ لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئًا فيعتاد الأخذ، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده،
стр. 11494
ففطمها عن ذلك، وترك ما يَرِيبه إلى ما لا يَرِيبه، ولأنه خاف أن يفعل خلاف ما قال لرسول الله ﷺ ؛ لأنه قال: "لا أرزأ أحدًا بعدك".
وقوله: "فقال عمر ﵁: إني أشهدكم إلخ" إنما أشهد عمر ﵁ على حكيم؛ لأنه خشي سوء التأويل، فأراد تبرئة ساحته بالإشهاد عليه، وأن أحدًا لا يستحق شيئًا من بيت المال إلا بعد أن يعطيه الإمام إياه، وفي "التوضيح": وأما قبل ذلك فليس بمستحقّ له، ولو كان مستحقًّا له لقضى عمر على حكيم بأخذه، ذلك يدلّ عليه قول الله تعالى حين ذكر قسم الصدقات، وفي أيّ الأقسام يُقْسَم أيضًا: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧]، فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره.
وإنما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال تشديدًا على غير المرضيّ من السلاطين؛ ليغلقوا باب الامتداد إلى أموال المسلمين، والتسبب إليها بالباطل، ويدلُّ على ذلك أن مَن سرق بيت المال يقطع، أو زنى بجارية من الفيء يُحَدّ، ولو استحَقَّ في بيت المال، أو في الفيء شيئًا عَلى الحقيقة قبل إعطاء السلطان له، لكانت شبهة تَدْرَأ الحدّ عنه.
قال العينيّ ﵀ بعد نقله ما قاله في "التوضيح" ما نصّه: قلت: جمهور الأمة على أن للمسلمين حقًّا في بيت المال والفيء، ولكن الإمام يقسمه على اجتهاده، فعلى هذا لا يجب القطع ولا الحد للشبهة. انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه المناسب -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: "حتى تُوُفّي" زاد إسحاق ابن راهويه في "مسنده" من طريق معمر بن عبد الله بن عروة مرسلًا: "أنه ما أخذ من أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا معاوية ديوانًا ولا غيره حتى مات لعشر سنين من إمارة معاوية"، وزاد إسحاق أيضًا في مسنده" من طريق معمر، عن الزهريّ: فمات حين مات، وإنه لمن أكثر قريش مالًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11495
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حكيم بن حزام ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٧] (١٠٣٥)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٢٨ و ١٤٧٢) و"الوصايا" (٢٧٥٠) و"فرض الخمس" (٣١٤٣) و"الرقاق" (٦٤٤١)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٧٦)، و (الترمذيّ) في "صفة القيامة" (٢٤٦٣)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٣١ و ٢٦٠١ و ٢٦٠٢ و ٢٦٠٣) و"الكبرى" (٢٣١٠ و ٢٣٨٢ و ٢٣٨٣ و ٢٣٨٤)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٨٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٥٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٣٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٥٠٢ و ٧٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٩٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٣/ ١٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون اليد العليا -وهى المنفقة خيرًا من اليد السفلى- وهي السائلة - كما سبق تمام البحث فيه قريبًا.
٢ - (ومنها): ما قاله المهلّب ﵀: إن سؤال السلطان الأكبر ليس بعار.
٣ - (ومنها): أن السائل إذا ألحف لا بأس بردّه، وموعظته، وأمره بالتعفف، وترك الحرص.
٤ - (ومنها): أن الإنسان لا يسأل إلا عند الحاجة والضرورة؛ لأنه إذا كانت يده السفلى مع إباحة المسألة، فهوأحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الحاجة.
٥ - (ومنها): أن من كان له حقّ عند أحد، فإنه يأخذه إذا أتى، فإن كان مما لا يستحقّه إلا ببسط اليد فلا يجبر على أخذه.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة ﵀: قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها، تقول: سَخَتْ بكذا: أي جادت، وسَخت عن كذا: أي لم تلتفت إليه.
٧ - (ومنها): أن الأخذ مع سخاوة النفس يُحصِّل أجر الزهد، والبركة في الرزق، فظهر أن الزهد يُحَصِّل خيري الدنيا والآخرة.
стр. 11496
٨ - (ومنها): ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة؛ لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فبيّن بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل، ولم يشبع، كان عَناءً في حقّه بغير فائدة، وكذلك المال، ليست الفائدة في عينه، وإنما هي لما يتحصّل به من المنافع، فإذا كثر المال عند المرء بغير تحصيل منفعة، كان وجوده كالعدم.
٩ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن لا يبيّن للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته؛ لتقع موعظته له الموقع؛ لئلا يتخيّل أن ذلك سبب لمنعه حاجته.
١٠ - (ومنها): جواز تكرار السؤال ثلاثًا، وجواز المنع في الرابعة.
١١ - (ومنها): أن ردّ السائل بعد ثلاث ليس بمكروه.
١٢ - (ومنها): أن الإجمال في الطلب مقرون بالبركة.
١٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: في هذا الحديث، وما قبله، وما بعده الحثُّ على التعفف، والقناعة، والرضا بما تيسر في عَفَاف، وان كان قليلًا، والإجمال في الكسب، وأنه لا يُغْتَرّ الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف ونحوه، فإنه لا يبارك له فيه، وهو قريب من قول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٨] (١٠٣٦) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى").
стр. 11497
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٥ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، إلا في روايته عن يحيى بن كثير، فمضطرب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٦ - (شَدَّادُ) بن عبد الله القرشيّ، أبو عمّار الدمشقيّ، ثقةٌ يُرسل [٤] (بخ م ٤) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٣٧.
٧ - (أَبُو أُمَامَةَ) صُدَيّ بن عَجْلان الباهليّ الصحابيّ المشهور، سكن الشام، ومات بها سنة (٨٦) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٣/ ١٨٧٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاقهم في التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه نصر بن عليّ أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع.
شرح الحديث:
عن شَدَّادِ أبي عمّار أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ) صُديّ بن عَجلان الباهليّ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ) أي إنفاق الزيادة على قدر الحاجة والكفاف، فـ "أن" مصدرية مع مدخولها مبتدأ، خبره قوله: (خَيْرٌ لَكَ) أي في الدنيا والآخرة.
стр. 11498
وقال النوويّ ﵀: معناه: إن بذلت الفاضل عن حاجتك، وحاجة عيالك فهو خير لك؛ لبقاء ثوابه. انتهى.
قيل: وفي التعبير بالفضل دون مطلق المال إشعار بأنه لا ينبغي له أن يبذل المال كلّه، وإنما يبذل ما فضل عنه؛ لئلا يضيّع من تجب عليه نفقته (١)، فقد أخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵂، قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يَحبس عمن يملك قوته"، ولفظ أبي داود: "كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيِّع من يقوت" (٢).
(وَأَنْ) بالفتح مصدريّة أيضًا (تُمْسِكَهُ)؛ أي فإمساكك الفضل (شَرٌّ لَكَ) وذلك لأنه إن أمسك عن الواجب استَحَقَّ العقاب عليه، هان أمسك عن المندوب فقد نَقَصَ ثوابه، وفَوَّت مصلحة نفسه في آخرته، وهذا كله شرّ.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أن تبذل الفضل إلخ" يعني به الفاضل عن الكفاية، ولا شكّ في أن إخراجه أفضل من إمساكه، فأما إمساكه عن الواجبات فشرّ على كلّ حال، وأما إمساكه عن المندوب إليه فقد يقال فيه: شرّ بالنسبة إلى ما فوّت الممسك على نفسه من الخير، وقد تقدّم بيان هذا المعنى في قوله ﷺ : "وشرّ صفوف الرجال آخرها"، وأن معنى ذلك أنها أقلّ ثوابًا. انتهى (٣).
(وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ) بفتح الكاف: هو من الرزق القوت، وهو ما كَفّ عن الناس، وأغنى عنهم، والمعنى: لا تُذَمّ على حفظه وإمساكه، أو على تحصيله وكسبه، ومفهومه: إنك إن حفظت أكثر من ذلك، ولم تتصدق بما فضل عنك، فأنت مذموم وبخيل وملوم (٤).
وقال النوويّ ﵀: معنى قوله: "ولا تلام على كَفَاف" أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه، وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حقّ شرعيّ، كمن كان له نصاب زكويّ، ووجبت الزكاة بشروطها، وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه
стр. 11499
وجب عليه إخراج الزكاة، ويُحَصِّل كفايته من جهة مباحة. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "ولا تلام على كَفَاف" يُفهم منه بحكم دليل الخطاب أن ما زاد على الكفاف يتعرّض صاحبه للذّمّ. انتهى (٢).
(وَابْدَأْ) أي ابتدئ في إعطاء الزائد على قدر الكفاف (بِمَنْ تَعُولُ) أي بمن تمونه، وتلزمك نفقته، وقال النوويّ: معنى "ابدأ بمن تعول" أن العِيَال والقرابة أحقّ من الأجانب، وقد سبق. انتهى.
(وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى") تقدّم شرح هذه الجملة مستوفًى في الحديث الماضي أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أمامة الباهليّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٨] (١٠٣٦)، و (الترمذيّ) في "الزهد" (٢٣٤٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٢ و ١٩٨)، و (الطبريّ) في "تفسيره" (٢/ ٣٦٦) و"تهذيب الآثار" (١/ ٤٦ و ٨٧)، و (الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ١٧٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أفضليّة بذل المال الفاضل عن حاجة الإنسان.
٢ - (ومنها): بيان ذمّ إمساك ما فضل عن الحاجة.
٣ - (ومنها): بيان أن الإنسان لا يُلام عن إمساكه كَفَافه؛ لأنه يكفّ به وجهه وعياله عن ذلّ السؤال.
٤ - (ومنها): وجوب بدء الإنسان في الصدقة بمن يعولهم.
стр. 11500
٥ - (ومنها): بيان أن اليد العليا، وهي المنفقة خير من اليد السفلى، هي السائلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٤) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٨٩] (١٠٣٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيةَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ، إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ، فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهٍ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسين الكوفيّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠.
٣ - (مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمر، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له إفرادات [٧] (ت ١٥٨) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ) أبو شعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
стр. 11501
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيُّ) -بفتح الياء التحتانيّة، وسكون الحاء، وفتح الصاد المهملتين، بعدها موحّدة- هو: عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليَحْصَبيّ المقرئ الدمشقيّ، أبو عمران، وقيل: أبو عبيد الله، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو نعيم، وقيل: أبو عثمان، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو موسى، والأول أصحّ، ثقة [٣].
قرأ القرآن على المغيرة بن أبي شهاب، وقرأ عليه إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، وأبو عبيد الله مسلم بن مِشْكَم، ويحيى بن الحارث الذِّمَاريّ، ورَوَى عن معاوية، والنعمان بن بشير، وأبي أمامة، وفَضَالة بن عُبيد، وواثلة بن الأسقع، وأبي إدريس الخولانيّ، وقيس بن الحارث الغامديّ الْمَذْحِجيّ.
ورَوَى عنه أخوه عبد الرحمن، وربيعة بن يزيد، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وجعفر بن ربيعة، ومحمد بن الوليد الزُّبَيديّ، وغيرهم.
قال الهيثم بن عمران: كان عبد الله بن عامر رئيس أهل المسجد زمانَ الوليد بن عبد الملك، وكان يزعم أنه من حِمْيَر، وكان يُغْمَز في نسبه، وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: أحسبه الذي رَوَى عن أبي أيوب، وقال أبو عمرو الدانيّ: وَلي قضاء دمشق بعد بلال بن أبي الدرداء، ثم كان على مسجد دمشق، لا يَرَى فيه بدعة إلا غَيَّرها، وكان عالمًا قاضيًا صدوقًا، اتخذه أهل الشام إمامًا في قراءته واختياره.
وقال محمد بن سعد: مات سنة ثماني عشرة ومائة، وكان قليل الحديث، وقال يحيى بن الحارث الذِّمَاريّ: وُلد سنة (٢١) في أولها، ومات في أول عاشوراء من المحرم سنة (١١٨) وفيها أَرَّخه غير واحد، ورُوي عن خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح المزنيّ أنه قال: وُلد عبد الله بن عامر سنة (١٨) من الهجرة، وكان له يوم مات مائة وعشر سنين.
تفرّد به المصنّف وله عنده هذا الحديث فقط، والترمذيّ، وله عنده قوله ﷺ : "يا عثمان لعلّ الله يُقَمِّصك بقميص … " الحديث.
٦ - (مُعَاوِيةُ) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أُميّة الأمويّ، أبو
стр. 11502
عبد الرحمن الخليفة، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين من معاوية بن صالح.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وقد تولى الخلافة أربعين سنة، وكان قبلها أميرًا عشرين سنة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ) بفتح الياء والصاد، هو أحد القرّاء السبعة، وقد ذكره الشاطبيّ ﵀ بقوله:
وَأَمَّا دِمَشْقُ الشَّامِ دَارُ ابْنِ عَامِرٍ … فَتِلْكَ بِعَبْدِ اللهِ طَابَتْ مُحَلَّلَا
[تنبيه]: "الْيَحْصَبِيّ" بضمّ الصاد، وفتحها: منسوب إلى بني يحصب، هكذا قال النوويّ ﵀.
وقال في "اللباب": "الْيَحْصبيّ" بفتح الياء، وسكون الحاء، وكسر الصاد المهملة، وقيل: بضمّها، وكسر الموحّدة، هذه النسبة إلى يحصب، وهي قبيلة من حِمْيَر، وهو يحصب بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن وائل بن غوث، ويُنسب إليهم خلق كثير، وأكثرهم نزلوا الشام ومصر. انتهى (١).
وقال في "القاموس": وَيحْصُب مثلّثة الصاد: حيّ باليمن، والنسبة مثلّثة أيضًا، لا بالفتح فقط، كما زَعَم الجوهريّ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن اليحصبيّ مثلّث الصاد، وليس مقصورًا على الضمّ والفتح، كما صرّح به النوويّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 11503
(قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) قال في "العمدة": فيه حذف المسموع؛ لأن المسموع هو الصوت، لا الشخص، قال الزمخشريّ: تقول: سمعت رجلًا يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يُسْمَع، أو جعلته حالًا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف، أو الحال لم يكن منه بُدٌّ أن يقال: سمعت قول فلان. انتهى (١).
وقوله: (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "معاوية" (إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ) هكذا هو في أكثر النسخ "وأحاديث" بالتنكير، وفي بعضها: "والأحاديث" بالتعريف، وكلاهما صحيحان.
[تنبيه]: قوله: "إياكم وأحاديث" هو النوع المسمّى عند النحاة بالتحذير، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، وهو منصوب بعامل محذوف وجوبًا، والتقدير: إياكم أُحَذّر، ودعوا أحاديث، وقيل في التقدير غير ذلك، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ" وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإِيَّا انْسُبْ وَمَا … سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كَـ "الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي"
(إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ) بن الخطّاب ﵁، ثمّ بيّن سبب استثنائه الحديث الذي كان في زمن عمر ﵁ بقوله: (فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي لأن (عُمَرَ) ﵁ (كَانَ يُخِيفُ) بضمّ أوله، من الإخافة (النَّاسَ) منصوب على المفعوليّة (فِي اللهِ قال النوويّ ﵀: مراد معاوية ﵁ النهي عن الإكثار من الأحاديث بغير تثبّت لَمّا شاع في زمنه من التحديث عن أهل الكتاب، وما وُجِد في كتبهم حين فُتِحَت بلدانهم، وأمرهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمن عمر ﵁؛ لضبطه الأمر، وشدّته فيه، وخوف الناس من سَطْوته، ومنعه الناس من المسارعة إلى الأحاديث، وطلبه الشهادة على ذلك حتى استقرّت الأحاديث، واشتهرت السنن. انتهى (٢).
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ) موصولة تضمنت معنى الشرط،
стр. 11504
فلذلك جزم بها "يُرِدْ"، و"يُفَقِّهْهُ"؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء (يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) أي منفعةً، وهو ضدُّ الشرّ، وهو هنا اسم، وليس بأفعل تفضيل، وإنما نكّره لإفادة التعميم؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي، فالمعنى: مَن يرد الله به جميع الخيرات، ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم، والمقام يقتضي ذلك، كما في قول الشاعر:
لَهُ حَاجِبٌ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَشِينُهُ
أي حاجبٌ عظيم، ومانعٌ قويّ.
(يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ") بجزم "يُفقّهه" على أنه جواب الشرط؛ أي يجعله فقيهًا في الدين، والفقه لغة الفهم، وعُرفًا العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، ولا يناسب هنا إلَّا المعنى اللغويّ؛ ليتناول فهم كل علم من علوم الدين.
وقال الحسن البصريّ: الفقيه هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، والبصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه.
وقال في "اللسان": الفقه: العلم بالشيء، والفهم له، وغَلَب على علم الدين؛ لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النَّجْم على الثُّرَيّا، والْعُود على الْمَنْدَل، قال ابن الأثير: واشتقاقه من الشِّقِّ والْفَتْح، وقد جعله العرف خاصًّا بعلم الشريعة -شرّفها الله تعالى- وتخصيصًا بعلم الفروع منها، وقال غيره: والفقه في الأصل: الفهم، يقال: أُوتي فلان فقهًا في الدين؛ أي فَهْمًا فيه، قال الله عز جل: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ أي ليكونوا علماء به. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "يُفَقِّهْهُ": أي يُفَهِّمه، وهي ساكنة الهاء؛ لأنها جواب الشرط، يقال: فَقُه بالضم: إذا صار الفقه له سجيةً، وفَقَهَ بالفتح: إذا سبق غيرَهُ إلى الفهم، وفَقِهَ بالكسر: إذا فَهِمَ، ونَكَّر "خيرًا"؛ ليشمل القليل والكثير، أو التنكير للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين؛ أي يتعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع، فقد حُرِمَ الخير، وقد أخرج أبو يعلى حديثَ معاوية ﵁ من وجه آخر ضعيف، وزاد في
стр. 11505
آخره: "ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به"، والمعنى صحيحٌ؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقه، فيصحُّ أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. انتهى (١).
قال معاوية ﵁: (وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا) من أدوات الحصر (أَنَا) مبتدأ، وخبره قوله: (خَازِنٌ) اسم فاعل، من خَزَنَ المال، من باب نصر: إذا أحرزه.
وفي الرواية الآتية: "وإنما أنا قاسم، والله يُعطي"، ومعناه: أن المعطي حقيقةً هو الله تعالى، ولست أنا معطيًا، وإنما أنا خازنٌ على ما عندي، ثم أَقْسِم ما أُمِرت بقسمته على حسب ما أُمرت به، فالأمور كلها بمشيئه الله تعالى وتقديره، والإنسان مُصَرَّفٌ مربوب، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال في "العمدة": فيه "إنما" التي تفيد الحصر، والمعنى: ما أنا إلَّا قاسمٌ.
[فإن قلت]: كيف يصحّ هذا، وله ﷺ صفات أخرى، مثل كونه رسولًا، ومبشرًا، ونذيرًا؟.
[أجيب]: بأن الحصر بالنسبة إلى اعتقاد السامع، وهذا ورد في مقامٍ كان السامع معتقدًا كونه معطيًا، وإن اعتقد أنه قاسمٌ، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السامع، لا كلَّ صفة من الصفات، وحينئذٍ إن اعتقد أنه معطٍ لا قاسمٌ، فيكون من باب قصر القلب؛ أي ما أنا إلَّا قاسمٌ؛ أي لا معطٍ، وإن اعتقد أنه قاسمٌ ومعطٍ أيضًا، فيكون من قصر الإفراد؛ أي لا شَرْكة في الوصفين؛ أي بل أنا قاسم فقط.
ومعناه: أنا أَقْسِم بينكم، فأُلقي إلى كل واحد ما يليق به، والله يُوَفِّق من يشاء منكم لفهمه، والتفكر في معناه.
وقال التوربشتيّ ﵀: اعلم أن النبيّ ﷺ أعلم أصحابه أنه لم يُفَضِّل في
стр. 11506
قسمة ما أوحى الله إليه أحدًا من أمته على أحد، بل سوَّى في البلاغ، وعَدَلَ في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة ﵃ يسمع الحديث، فلا يفهم منه إلّا الظاهر الجليّ، ويسمعه آخر منهم، أو من بعدهم، فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال الشيخ قطب الدين ﵀ في "شرحه": قوله: "إنما أنا قاسم"؛ يعني أنه لم يستأثر بشيء من مال الله، وقال النبيّ ﷺ : "ما لي بما أفاء الله عليكم إلَّا الخمس، وهو مردود عليكم"، وإنما قال: "أنا قاسم"؛ تطييبًا لنفوسهم؛ لمفاضلته في العطاء، فالمال لله، والعباد لله، وأَنا قاسم بإذن الله ماله بين عباده.
قال العينيّ ﵀: بين الكلامين بَوْنٌ؛ لأن الكلام الأول يُشْعِر القسمة في تبليغ الوحي، وبيان الشريعة، وهذا الكلام صريح في قسمة المال، ولكل منهما وجه.
أما الأول: فإن نَظَر صاحبه إلى سياق الكلام، فإنه أخبر فيه أن من أراد الله به خيرًا يفقهه في الدين؛ أي في دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقيل: الفقهُ في الدين: الفقهُ في القواعد الخمس، ويتصل الكلام عليها في الأحكام الشرعية، ثم لما كان فقههم متفاوتًا؛ لتفاوت الأفهام أشار إليه النبيّ ﷺ بقوله: "إنما أنا قاسم"؛ يعني أن هذا التفاوت ليس مني، وإنما الذي هو مني هو القسمة بينكم؛ يعني تبليغ الوحي إليهم، من غير تخصيص بأحد، والتفاوت في أفهامهم من الله تعالى؛ لأنه هو المعطي، يعطي الناس على قدر ما تعلقت به إرادته؛ لأن ذلك فضل منه يؤتيه من يشاء.
وأما الثاني: فإن نَظَر صاحبه إلى ظاهر الكلام؛ لأن القسمة حقيقةً تكون في الأموال، ولكن يتوجه هنا السؤال عن وجه مناسبة هذا الكلام لما قبله، ويمكن أن يجاب عنه بأن مَوْرِد الحديث كان وقت قسمة المال حين خصص ﷺ بعضهم بالزيادة؛ لحكمة اقتضت ذلك، وخَفِيت عليهم، حتى تَعَرَّض بعضهم بأن هذه قسمة فيها تخصيص لناس، فرَدّ عليهم النبيّ ﷺ بقوله: "من يرد الله
стр. 11507
به … إلخ"؛ يعني من أراد الله به خيرًا يوفقه، ويزيد له في فهمه في أمور الشرع، ولا يعترض لأمر ليس على وفق خاطره؛ إذ الأمر كله لله، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يزيد وينقص، والنبيّ ﷺ قاسم، وليس بمعطٍ حتى يُنْسَب إليه الزيادة والنقصان، وعن هذا فَسَّر أصحاب الكلام الثاني قوله ﷺ : "والله يعطي" بقولهم: أي مَن قسمت له كثيرًا فبقدر الله تعالى، وما سبق له في الكتاب، وكذا من قسمت له قليلًا فلا يزداد لأحد في رزقه، كما لا يزداد في أجله.
وقال الداوديّ ﵀: في قوله: "إنما أنا قاسم، والله يعطي" دليل على أنه إنما يعطي بالوحي، ثم قال في آخر كلامه: إن شأن أمته القيامُ على أمر الله إلى يوم القيامة، وهم الذين أراد الله بهم خيرًا حتى فَقِهُوا في الدين، ونصروا الحقّ، ولم يخافوا ممن خالفهم، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. انتهى (١).
(فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ) بحذف المفعول الثاني؛ أي المالَ (عَنْ طِيبِ نَفْسٍ) أي طيب نفسه ﷺ ، وانشراح صدره لما أعطاه؛ يعني أنه لم يُعطه كارهًا (فَيُبَارَكُ) بالبناء للمفعول؛ أي يجعل الله تعالى البركة.
[تنبيه]: دخول الفاء على المضارع إذا وقع جواب شرط جائزٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] ويكون الفعل مرفوعًا، بتقدير مبتدأ، والجملة جواب الشرط (٢)؛ أي فهو يبارك له فيه، وفي رواية الطبرانيّ: "فإنه يبارك له فيه" (لَهُ) أي للشخص الْمُعْطَى (فِيهِ) أي في ذلك المال الذي أعطاه ﷺ له (وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ) "عن" هنا بمعنى "بَعْد"؛ أي بعد مسألته، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]؛ أي بعد قليل، وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦ والمائدة: ١٣] أي بعد مواضعه، بدليل قوله في مكان آخر: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]؛ أي حالًا بعد حال، وقول الشاعر [من الرجز]:
стр. 11508
وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ عَنْ مَنْهَلِ … قَفْرٍ بِهِ الأَعْطَانُ لَمْ تُسَهَّلِ (١)
(وَشَرّهٍ) بفتحتين؛ أي شدّة حرص، يقال: شَرِهَ على الطعام وغيره شَرَهًا، من باب تَعِبَ، حَرَصَ أشدّ الحرص، فهو شَرِهٌ (٢). (كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ") قيل: هو الذي به داء لا يَشبع بسببه، وقيل: المراد تشبيهه بالبهيمة الراعية، والأول الأصحّ، وقد تقدّم بيانه.
زاد في رواية الطبرانيّ في آخر هذا الحديث: وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: "لا تَزَالُ أُمَّةٌ من أُمَّتِي قَائِمَةً على أَمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ من خَالَفَهُمْ، وَلا من خَذَلَهُمْ، حتى يَأْتِيَ اللهُ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ على الناس" (٣)، وقد تقدّم معنى هذه الزيادة للمصنّف في "كتاب الإيمان"، من حديث جابر ﵁، ومضى الكلام عليها، وستأتي أيضًا في "كتاب الإمارة" من حديث معاوية، وغيره، وسنتكلّم عليها هناك -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٨٩] (١٠٣٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٩٧ و ٩٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٩٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٣٧٠ و ٣٧١) و"مسند الشاميين" (٣/ ١٢٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٣٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة معاوية ﵁ حيث كان يُحذّر الناس من التحديث بالأحاديث التي لا يعتني بحفظها الناس، ولا يبالون ممن أخذوا؛ لئلا يقعوا في الكذب على رسول الله ﷺ ، وحثّهم على التحديث بما كان في أيام
стр. 11509
عمر ﵁؛ لأن الناس كانوا معتنين بالحديث في أيامه؛ لأنه كان يخوّفهم بالله، ويشدّد عليهم في العناية بالحديث.
٢ - (ومنها): بيان فيه فضيلة العلم، والتفقه في الدين، والحثّ عليه؛ لأنه قائد إلى تقوى الله تعالى، والتزام طاعته، كما قال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
٣ - (ومنها): بيان أنه ﷺ خازنٌ لما أوحي إليه من أمر الدين، وكذا لمال الله الذي آتاه له، وإنما المعطي هو الله تعالى، فتفاوت عطاياه للناس إنما كان بأمر الله ، لا من عند نفسه ﷺ .
٤ - (ومنها): بيان المال الذي أصابه الإنسان بالعطاء يكون مباركًا إذا كان عن طيب نفس المعطي.
٥ - (ومنها): بيان أن ما حصل للإنسان من المال عن مسألته، وشرهه، فلا يبارك له فيه، بل كان كالذي يأكل ولا يَشْبَع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا وتعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٠] (١٠٣٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ هَمَّام، عَنْ مُعَاوِيةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ، فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الْجُمَحيّ، أبو محمد الأثرم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل بن سيح بن ذي كناز اليمانيّ الصنعانيّ الذِّمَاريّ، أبو عبد الله الأَبْنَاويّ، ثقةٌ [٣].
стр. 11510
رَوَى عن أبي هريرة، وأبى سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وأنس، وعمرو بن شعيب، وأبي خليفة البصريّ، وأخيه همام بن منبه، وغيرهم.
ورَوى عنه ابناه: عبد الله وعبد الرحمن، وابنا أخيه عبد الصمد وعقيل ابنا معقل بن منبه، وسبطه إدريس بن سنان، وعمرو بن دينار، وروى هو أيضًا عنه، وسماك بن الفضل، وإسرائيل أبو موسى، وآخرون.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان من أبناء فارس، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وكان على قضاء صنعاء، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عمرو بن عليّ الفلاس: كان ضعيفًا (١).
وقال أحمد بن محمد بن الأزهر: سمعت مسلمة بن هَمّام بن مسلمة بن هَمّام بن مُنَبِّه يذكر عن آبائه، قال: أصل منبه من خراسان، من أهل هَرَاة، أخرجه كسرى من هَرَاة؛ يعني إلى اليمن، فأسلم في عهد النبيّ ﷺ ، فحسن إسلامه، فسكن ولده باليمن، وكان وهب بن منبه يختلف إلى هراة، ويتفقد أمرها، وجاء من وجهين ضعيفين عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: "سيكون رجلان في أمتي أحدهما يقال له: وهب يؤتيه الله تعالى الحكمة، والآخر يقال له: غيلان هو أضرّ على أمتي من إبليس".
قال إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الهرويّ: وُلد سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، وقال ابن سعد وجماعة: مات سنة عشر ومائة، وقيل: مات سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة، وقيل: سنة ست عشرة.
أخرج له البخاريّ (٢)، والمصنّف وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه في "التفسير".
стр. 11511
٥ - (هَمَّامُ) بن منبّه بن كامل، أبو عقبة الصنعانيّ، أخو وهب الراوي عنه، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
و"مُعَاوَيةُ" هو: ابن أبي سفيان ﵁ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى وهب، فأخرج له ابن ماجه في "التفسير".
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض، ورواية الراوي عن أخيه.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان ﵄ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُلْحِفُوا) بضم حرف المضارعة، من ألحف رباعيًّا، وذكر السنديّ أنه من ألحف، أو لحّف بالتشديد، ولم أر في كتب اللغة التشديد، فليُنظر.
قال في "اللسان": الإلحاف: شدّة الإلحاح في المسألة، وألحف السائلُ: ألحّ، قال ابن بَرّيّ: ومنه قول بشّار بن بُرْد [من الرجز]:
الْحُرُّ يُلْحِي والْعَصَا لِلْعَبْدِ … وَلَيْسَ لِلْمُلْحِفِ مِثْلُ الرَّدِّ
ونقل الأزهريّ، عن الزجّاج أن معنى ألحف شَمِلَ بالمسألة، وهو مستغنٍ عنها، قال: واللِّحَاف من هذا اشتقاقه؛ لأنه يَشمَل الإنسان في التغطية، قال: والمعنى في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي ليس منهم سؤالٌ، فيكون إلحاح، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]:
عَلَى لَا حِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
المعنى: ليس به منارٌ، فيُهتَدَى به. انتهى بتصرّف (١)، وسيأتي في الباب التالي معنى الآية المذكورة -إن شاء الله تعالى-.
(في الْمَسْأَلَةِ) مصدر بمعنى السؤال؛ أي لا تبالغوا، ولا تُلِحّوا في السؤال.
стр. 11512
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ولا تُلحفوا في المسألة" هكذا هو في بعض الأصول "في المسألة" بـ "في"، وفي بعضها بالباء، وكلاهما صحيح، والإلحاف: الإلحاح. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لا تلحفوا في المسألة" هكذا صحيح الرواية، ومعناه: لا تُنزلوا بي المسألة الملْحَفَ فيها؛ أي لا تُلحّوا عليّ في السؤال، والإلحاف: الإلحاح، وإنما نهى عن الإلحاح؛ لما يؤدّي إليه من الإبرام، واستثقال السائل، وإخجال المسؤول، حتى إنه إن أخرج شيئًا أخرجه عن غير طيب نفس، بل عن كراهة وتبرّم، وما استُخرج كذلك لم يُبارك فيه؛ لأنه مأخوذ على غير وجهه، ولذلك قال: "فتُخرِج له المسألة شيئًا، وأنا كارهٌ له"، ثم قد كان المنافقون يُكثرون سؤال رسول الله ﷺ ؛ ليبخّلوه، فكان يُعطي العطايا الكثيرة بحسب ما يُسأل؛ لئلا يتمّ لهم غرضهم من نسبته إلى البخل، كما قال ﷺ : "إنهم خيّروني بين أن يسألوني بالفحش، أو يُبَخّلوني، ولست بباخل"، رواه مسلم. انتهى (٢).
(فَوَاللهِ لَا يَسْأَلُنِي) أي بالإلحاف (أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) أي من المال (فَتُخْرِجَ) قال القاري ﵀: بالتأنيث، والتذكير (٣)، منصوبًا ومرفوعًا، وبالنسبة مجازيةً سببية في الإخراج. انتهى (٤).
(لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ) أي لذلك الشيء؛ يعني لإعطائه، أو لذلك الإخراج الدالّ عليه "تخرج" (كَارِهٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَيُبَارَكَ لَهُ) بالبناء للمفعول، والنصب بـ "أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
وقال الأشرف ﵀: قوله: "فيبارك له" بالنصب بعد الفاء على معنى
стр. 11513
الجمعية؛ أي لا يجتمع إعطائي أحدًا شيئًا، وأنا كارهٌ في ذلك الإعطاء، ويُباركَ الله في ذلك الذي أعطيته إياه، ونظيره قوله ﷺ : "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلجَ النار … " الحديث (١) بنصب "يَلِجَ".
وقال القرطبيّ ﵀ بعد كلام الأشرف هذا: هذا الحديث نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢] في وجه الإعراب، لا في المعنى؛ لأن المعنى في الآية: الطرد المسبّب عن الحساب منفيّ عنك، فكيف تطردهم؟ فالمنفيّ الفعل المعلّل، وفي الحديث المعلّل هو المنفيّ؛ أي عدمُ السؤال الملحّ المخرج سببُ البركة، فيُفهم منه أن السؤال الملحّ سبب لعدم البركة، قال: ولو رُوي بالرفع لم يفتقر إلى هذا التكلّف، وجعله سببًا ومسبّبًا، بل يكون رفعًا على الاشتراك، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٦]. انتهى (٢).
(فِيمَا أَعْطَيْتُهُ") أي في المال الذي أعطاه ﷺ له، وهو كاره لعطائه، وفيه تحريم الإلحاح في السؤال؛ لأنه ورد بصيغة النهي، وهي للتحريم ما لم يصرفها صارف، ولا صارف هنا، وأن ما أُخذ عن إلحاح لا بركة فيه.
وقال الغزاليّ: من أخذ شيئًا مع العلم بأن باعث المعطي الحياء منه، أو من الحاضرين، ولولا ذلك لما أعطاه، فهو حرام إجماعًا، ويلزمه ردّه، أو رد بدله إليه أو إلى ورثته (٣).
وقال النوويّ: اتَّفَقَ العلماءُ على النهي عن السؤال لغير ضرورة، واختَلَف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما أنها حرام؛ لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلِحّ في السؤال، ولا يكلف بالمسؤول، فإن فُقِد أحد الشروط فحرام بالاتفاق. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11514
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث معاوية ﵁ هذا أخرجه من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٩٠ و ٢٣٩١] (١٠٣٨)، و (النسائيّ) في "الزكا ة" (٢٥٩٣) و"الكبرى" (٢٣٧٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٧٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٠١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦٤٤) (٤/ ٩٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٧١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٦ - ١٠٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ١٨٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٣٤٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم الإلحاف، وهو النهي عنه، والظاهر أنه للتحريم؛ إذ لا صارف له.
٢ - (ومنها): بيان نزع البركة عما أُخِذ بالإلحاف.
٣ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن ما أُخذ بدون إلحاف يبارك الله تعالى فيه، وذلك كأن يسأل لحاجة، بدون إلحاح، أو يُعطَى بغير سؤال، ويوضّح ذلك حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه المتقدّم: "فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه … " الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩١] ( … ) - (حَدَّثنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ بِصَنْعَاءَ، فَأَطْعَمَنِي مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ (١)، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوَيةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ).
стр. 11515
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) هذا كلام عمرو بن دينار، والجملة حاليّة من الفاعل، أو المفعول.
وقوله: (بِصَنْعَاءَ) قال الفيّوميّ ﵀: صنعاء: بلدة من قواعد اليمن، والأكثر فيها المدّ، والنسبة إليها صَنْعانيّ بالنون، والقياس صنعاويّ بالواو. انتهى (١).
وقوله: (مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ) "الْجَوزة" بفتح الجيم، وسكون الواو: ثمر يؤكلٌ معربُ كَوْزة بالكاف (٢).
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَهُ) الضمير لابن أبي عمر.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عمر، عن سفيان هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ١٠٦) من رواية الحميديّ، عن سفيان، فقال:
(٢٣١٤) - حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عمرو، سمعت وهب بن منبه، في داره بصنعاء، قال: وأطعمني من جَوْزَه (٣) في داره، يحدّث عن أخيه، عن معاوية، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُلْحِفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا، فتخرجه له مني المسألة، فأعطيه إياه، وأنا كاره، فيبارك له في الذي أعطيته". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11516
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٢] (١٠٣٧) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَخْطُبُ، يَقُولُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم قريبًا.
و"معاوية بن أبي سفيان" ﵁، ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
وقوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية من المفعول.
وقوله: (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) في محلّ نصب مقول "يقول".
وقوله: (يَقُولُ) الثاني في محلّ نصب على الحال من رسول الله ﷺ .
وقوله: (مَنْ) موصولة تضمنت معنى الشرط، فلذلك جُزِم بها "يَرِدْ"، و"يُفَقِّهْه"؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء.
وقوله: (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) "إنما" من أدوات الحصر، و"أنا" مبتدأ، و"قاسم" خبره.
وقوله: "والله" أيضًا مبتدأ، و"يُعط" خبره، والجملة يصحّ أن تكون حالًا.
وقوله: "والله يُعطي" فيه تقديم لفظة "الله"؛ لإفادة التقوية عند السكاكيّ، ولا يَحْتَمِل التخصيص؛ أي الله يعطي لا محالةَ، وأما عند الزمخشريّ فيحتمله أيضًا، وحينئذٍ يكون معناه: الله يعطي لا غيره.
стр. 11517
[فإن قلت]: إذا كانت جملة: "والله يعطي" حاليّةً، فما يكون معنى الحصر حينئذ؟.
[أجيب]: بأنّ الحصر بـ "إنما" دائمًا في الجزء الأخير، فيكون معناه: ما أنا بقاسم إلَّا في حال إعطاء الله، لا في حال غيره، وفيه حذف مفعول "يعطي"؛ لأنه جعله كاللازم إعلامًا بأن المقصود منه بيان هذه الحقيقة؛ أي حقيقة الإعطاء، لا بيان المفعول؛ أي الْمُعْطَى، أفاده في "العمدة" (١)، وتمام شرح الحديث قد سبق في شرح حديث معاوية ﵁ المذكور أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٣٩٢] (١٠٣٧)، و (البخاريّ) في "العلم" (٧١) و "فرض الخمس" (٣١١٩) و"الاعتصام"، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (٢٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٠١)، و (الدا رميّ) في "سننه" (١/ ٧٣ - ٧٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٢٣٨)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٤٠٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (١/ ٢٩١)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٧٢٩ و ٧٨٢ و ٧٨٣ و ٧٨٤ و ٧٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٠٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٣١)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 11518
(٣٥) - (بَابُ تَفْسِيرِ الْمِسْكِينِ)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٩٣] (١٠٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، يَعْنِي الْحِزَامِيَّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ"، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
стр. 11519
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ) أي الكامل في المسكنة، قال القرطبيّ ﵀: مِفْعيل من السكون، فكأنّ مَنْ عَدِمَ المالَ سكنت حركاته، ووجوه مكاسبه، ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١٦] أي لاصقًا بالتراب، وعند الأصمعيّ: أنه أسوأ حالًا من الفقير، وعند غيره عكس ذلك، وقيل: هما اسمان لمسمّى واحد. انتهى (١)، وسنكمّل الكلام في ضبط المسكين، واشتقاقه، وفي الفرق بينه والفقير في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
قال النوويّ ﵀: معناه: المسكين الكامل المسكنة الذي هو أحقّ بالصدقة، وأحوج إليها، ليس هو هذا الطّوّاف، بل هو الذي لا يَجِد غِنًى يُغنيه، ولا يُفْطَن له، ولا يَسأل الناس، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَوّاف، بل معناه نفي كمال المسكنة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى آخر الآية. انتهى (٢).
وقال وليّ الدين ﵀: قال العلماء: معنى الحديث أن المسكين الكامل المسكنة هو المتعفّف الذي لا يطوف على الناس، ولا يسألهم، ولا يُفْطَن لحاله، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَّوَّاف، وإنما معناه نفي كمالها، وهذا كقوله ﷺ : "أتدرون من المفلس؟ … " الحديث، وكقوله ﷺ : "أتدرون من الرَّقُوب؟ … "، وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ الآية.
واستَدَلّ ابن عبد البرّ على إطلاق اسم المسكنة على الطَّوّاف بحديث أم بجيد ﵂ مرفوعًا: "رُدُّوا المسكين، ولو بظِلْف مُحْرَق"، وبقول عائشة ﵂: "إن المسكين ليقف على بابي … " الحديث، قال: وقد جعل الله تعالى الصدقات للفقراء والمساكين، وأجمعوا أن السائل الطَّوّاف المحتاج مسكين. انتهى (٣).
стр. 11520
(بِهَذَا الطَّوَّافِ) الباء زائدة في خبر "ليس"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "مَا" وَ"لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْي "كَانَ" قَدْ يُجَرْ
و"الطَّوّاف" بفتح الطاء، وتشديد الواو صيغة مبالغة؛ أي من يُكثر الطواف، والإشارة يَحتمل أن تكون لحضوره ومشاهدته، وَيحْتَمل أن تكون لحقارته (١).
(الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ) أي لسؤالهم (فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ) أي يُردّ على الأبواب لأجل اللقمة، أو أنه إذا أخذ اللقمة رجع إلى باب آخر، فكأن اللقمة ردّته من باب إلى باب.
قال في "اللسان": اللَّقْمَة -بالفتح- واللُّقْمة -بالضمّ-: ما تُهيّئه للَّقْم، قال: وفي "التهذيب": اللُّقْمة -بالضمّ- اسم لما يُهيّئه الإنسان للالتقام، واللَّقْمة -بالفتح- أكلها بمرّة، تقول: أكلتُ لُقْمةً بلَقْمَتين. انتهى.
وفي رواية للبخاريّ: "ليس المسكين الذي تردّه الأكلة، والأكلتان، ولكنّ المسكين الذي ليس له غنى، ويستحيي، أو لا يسأل الناس إلحافًا".
وقوله: "الأكلة، والأكلتان". قال أهل اللغة: الأُكلة -بالضمّ-: اللقمة، و-بالفتح-: المرّة من الغداء، والعشاء، والموافق هنا المضموم، بدليل رواية "اللقمة، واللقمتان".
قال السنديّ ﵀: المراد: ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هذا المسكين، بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال الذي لا يعرفه أحدٌ إلا بالتفتيش، وبه يتبيّن الفرق بين الفقير والمسكين في المصارف، وقيل: المراد: ليس المسكين الكامل الذي هوأحقّ بالصدقة، وأحوج إليها المردود على الأبواب لأجل اللقمة، ولكن الكامل الذي لا يجد … إلخ. انتهى.
(وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَمانِ") بالتاء المثناة الفوقيّة، هكذا في "الصحيحين" وغيرهما، ووقع في "السنن الكبرى" للنسائيّ بالثاء المثلّثة، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في