(رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ) هم المؤلّفة قلوبهم، وقد سَرَدَ أبو الفضل بن طاهر في "المبهات" له أسماء المؤلَّفة، وهم: أبو سفيان بن حرب (س)، وسهيل بن عمرو، وحُويطب بن عبد العزَّى (س)، وحكيم بن حِزَام، وأبو السنابل بن بَعْكَك، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، وهؤلاء من قريش.
وعُيينة بن حِصْن الفزاريّ، والأقرع بن حابس التميميّ، وعمرو بن الأيهم التميميّ (س) (١)، والعباس بن مِرداس السّلميّ (س)، ومالك بن عوف النصريّ، والعلاء بن حارثة الثقفيّ، قال الحافظ: وفي ذكر الأخيرين نظرٌ، فقيل: إنهما جاءا طائعين من الطائف إلى الجعرانة.
وذكر الواقديّ في المؤلفة (س) معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وأُسيد بن حارثة، ومَخْرَمة بن نوفل (س) وسعيد بن يربوع (س) وقيس بن عديّ (س) وعمرو بن وهب (س) وهشام بن عمرو.
وذكر ابن إسحاق مَن كُتب عليه السين، وزاد: النضر بن الحارث، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم.
وممن ذكره فيهم أبو عُمر: سفيان بن عبد الأسد، والسائب بن أبي السائب، ومطيع بن الأسود، وأبو جهم بن حُذيفة.
وذكر ابن الجوزيّ فيهم: زيد الخيل، وعلقمة بن عُلاثة، وحكيم بن طلق بن سفيان بن أمية، وخالد بن قيس السهميّ، وعمير بن مِرداس، وذكر غيرهم فيهم: قيس بن مخرمة، وأُحيحة بن أمية بن خلف، وابن أبي شَرِيق، وحرملة بن هَوْذة، وخالد بن هَوْذة، وعكرمة بن عامر العبدريّ، وشيبة بن عُمارة، وعمرو بن ورقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزوميّ، فهؤلاء زيادة على أربعين نفسًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢)، وهو بحث مفيدٌ.
وقوله: (الْمِائَةَ مِنَ الإبِلِ) بنصب "المائةَ" على أنه مفعول ثانٍ لـ "أَعْطَى"،
стр. 11692
وقوله: (فَقَالُوا) تأكيد لـ "قالوا" السابق أعاده لطول الفصل، فهو كقوله : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٨٩] أعاد "لَمَا"؛ لما ذُكر؛ أي قال أناس من الأنصار (يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ) ﷺ أي حيث أخطأ في زعمهم، فأعطى قريشًا، وتركهم.
قال الطيبيّ ﵀: قولهم: "يغفر الله" توطئة وتمهيد لما يَرِد بعده من العِتاب كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]. انتهى.
وقوله: (يُعْطِي قُرَيْشًا) جملة حاليّة من "رسول الله"؛ أي حال كونه يُعطي رجالًا من قريش (وَيَتْرُكُنَا) أي لا يُعطينا معهم، وقوله: (وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ) جملة حاليّة من الضمير المنصوب، وهو من المقلوب، والأصل: ودماؤنا تقطر من سيوفنا، ويَحْتَمل أن تكون "من" بمعنى الباء الموحّدة، وبالغ في جعل الدم قطّر السيوف، قاله في "الفتح" (١).
وقال في "المرقاة": قولهم: "وسيوفنا تقطر" بضم الطاء؛ أي والحال أن سيوفنا نحن معاشر الأنصار، تقطُر من دماء كفار قريش، بمحاربتنا إياهم حتى يُسْلِموا.
وقال الطيبيّ: قولهم: "وسيوفنا تقطر من دمائهم" من باب قول العرب: عَرَضْتُ الناقةَ على الحوض، وأنشد:
لَنَا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى … وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا
ولا يبعد أن يكون التقدير: وسيوفنا باعتبار ما عليها تقطر من دمائهم، وهو إشعار بقرب قتلهم كفارَ قريش، وإيماءٌ إلى أنهم أولى بزيادة البرّ، فالجملة حالٌ مقررة لجهة الإشكال. انتهى (٢).
(قَالَ أنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (فَحُدِّثَ) بضمّ الحاء، وتشديد الدال المكسورة، مبنيًّا للمفعول؛ أي أُخبر (ذَلِكَ) أي ما قاله أناس من الأنصار: "يغفر الله لرسول الله ﷺ … إلخ" (رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وقوله: (مِنْ قَوْلهِمْ) متعلّق
стр. 11693
بحال من اسم الإشارة؛ أي حال كونه من جملة مقولهم (فَأَرْسَلَ إِلَى الأنصَارِ) ببناء الفعل للفاعل؛ أي أرسل النبىّ ﷺ رسولًا ليجتمعوا عنده (فَجَمَعَهُمْ) ذلك الرسول، أو أمر ﷺ بجمعهم (فِي قُبَّةٍ) أي خيمة (مِنْ أَدَمٍ) بفتحتين؛ أي من جلد (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا حَدِيثٌ) أي أَيُّ شيء خبر عظيم (بَلَغَني عَنْكُمْ؟ "، فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الأنصَارِ) أي علماؤهم (أمَّا ذَوُو رَأيِنَا) أي أصحاب عقولنا وفهومنا، وفي بعض النسخ: "أما ذوو آرائنا" بالجمع (يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا) أي مما بلغك (وَأمَّا أُنَاسٌ) أي جماعة (مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ) أي جديدةٌ أسنانهم، جمع سِنّ، بمعنى العمر، والمراد منهم الشبان (قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ) ﷺ (يُعْطِي قُرَيْشًا، وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإنِّي أُعْطِي رِجَالًا) حذف المفعول الثاني؛ أي من هذا المال (حَدِيثى عَهْدٍ بِكُفْرٍ) أي قريبي زمن بكونهم كفّارًا (أتألَّفُهُمْ) جملة حاليّة؛ أي حال كوني تألّفًا لهم؛ أي طالبًا إلفتهم بالإسلام بإعطاء المال، لا لكونهم من قريش، أو لغرض آخر من الأحوال.
(أفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ) أي غيركم من المتألَّفة قلوبهم (بِالْأَمْوَالِ) أي بالغنائم التي أُعطوها (وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ) بكسر الراء: جمع رَحْل، بفتح، فسكون: أي منازلكم في المدينة (بِرَسُولِ اللهِ) ﷺ (فَوَاللهِ لَمَا) بفتح اللام، وهي الموطّئة للقسم، و"ما" موصولة؛ أي للّذي (تَنْقَلِبُونَ بهِ) أي ترجعون به إلى رحالكم، وهو رسول الله ﷺ (خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ") أَي من المال؛ لأنه عرض الحياة الدنيا الفانية، ورسول الله ﷺ ذُخر وكنز عظيم يبقى في الدنيا والآخرة (فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي بلى إن الذي ننقلب به خير من الذين ينقلبون به (قَدْ رَضِينَا) أي رضينا بك عِوَضًا من المال، وفيه تأكيد لما فُهِم من "بلى"، وما أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]:
رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ فِينَا … لَنَا عِلْمٌ وَلِلأعْدَاءِ مَالُ
فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ … وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يَزَالُ (١)
(قَالَ) ﷺ ("فَإنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أثَرَةً شَدِيدَةً) "الأَثَرَةُ" -بضم الهمزة، وسكون
стр. 11694
الثاء المثلثة، وبفتحتين- وهو اسم من آثر يؤثر إيثارًا: إذا أعطى، قال ابن الأثير ﵀: أراد أنه يُؤثَر عليكم، فيُفَضَّل غيركم من نصيبه من الفيء، ويُرْوَى إِثْرةً -بكسر أوله، مع الإسكان- وهو الانفراد بالشيء المشترَك دون من يشاركه فيه، قاله في "العمدة" (١).
وقال في "الفتح": والمعنى أنه يُستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق، وقال أبو عبيد: معناه يُفَضَّل نفسه عليكم في الفيء، وقيل: المراد بالأثرة الشِّدّة، ويرده سياق الحديث وسببه. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أثرة شديدة" رُوي عن العذريّ، والطبريّ، وهي روايتنا "أَثَرَةً" بفتح الهمزة والثاء، قال أبو عبيد: أي يُستأثَر عليكم، فيُفَضِّل غيركم نفسَهُ عليكم في الفيء، والأثرة: اسم من آثر يُؤثر إيثارًا، قال الأعشى:
اسْتَأثَرَ اللهُ بِالْبَقَاءِ وبِالـ … ـعَدْلِ وَوَلَّى الْمَلَامَةَ الرَّجُلَا
قال: وسمعت الأزهريّ يقول: الأثرة: الاستئثار، والجمع الأَثَر، وعند أبي بحر في هذا الحرف بضمّ الهمزة، وسكون الثاء، وأصل الأثْرة: الفضلُ، قال أبو عبيد: يقال: له عليّ أُثْرةٌ؛ أي فضل، ومعناه قريبٌ من الأول، وقُيّد عن عليّ أبي الحسين بن سراج بالوجهين. انتهى (٣).
(فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ) (وَرَسُولَهُ) ﷺ ؛ أي يوم القيامة (فَإنِّي عَلَى الْحَوْضِ") أي اصبروا حتى تموتوا، فإنكم ستجدونني عند الحوض، فيَحْصُل لكم الانتصاف ممن ظلمكم، والثواب الجزيل على الصبر (قَالُوا: سَنَصْبِرُ) أي على ما يلقانا من الإيثار علينا، ويواجهنا من المكروه، وسيأتي في الرواية التالية قول أنس ﵁ في آخر الحديث: "فلم نَصْبِر"، وفي رواية: "فلم يَصْبِروا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11695
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٢٤٣٦ و ٢٤٣٧ و ٢٤٣٨ و ٢٤٣٩ و ٢٤٤٠ و ٢٤٤١ و ٢٤٤٢] (١٠٥٩)، و (البخاريّ) في "فرض الخمس" (٣١٤٧) و"مناقب الأنصار" (٣٧٧٨) و"المغازي" (٤٣٣١ و ٤٣٣٢ و ٤٣٣٣ و ٤٣٣٤ و ٤٣٣٧) و"اللباس" (٥٨٦٠) و"التوحيد" (٧٤٤١)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٩٠)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٨٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٩٠٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٤/ ٥٢٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٠١)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٥٧ - ١٥٨ و ١٦٩ و ١٧٢ و ١٨٨ و ٢٠١ و ٢٤٦ و ٢٤٩ و ٢٧٥ و ٢٧٩ - ٢٨٠)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٥٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٢ - ١٢٥)، وفي "الحلية" (٣/ ٨٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٦٩)، و (الطبرانيّ) في "مسند الشاميين" (٤/ ١٥٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان إعطاء المؤلّفة قلوبهم من الغنائم.
٢ - (ومنها): بيان إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحقّ عند الحاجة إليه.
٣ - (ومنها): بيان حسن أدب الأنصار ﵃ في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نُقِل عنهم إنما كان عن شُبّانهم، لا عن شيوخهم وكهولهم.
٤ - (ومنها): أن فيه مناقبَ عظيمةً للأنصار ﵃ لِمَا اشتمل من ثناء الرسول ﷺ البالغ عليهم.
стр. 11696
٥ - (ومنها): بيان أن الكبير ينبه الصغير على ما يَغْفُل عنه، ويوضِّح له وجه الشبهة؛ ليرجع إلى الحقّ.
٦ - (ومنها): أن فيه المعاتبةَ، واستعطافَ المعاتب، وإعتابه عن عَتْبِه بإقامة حجةِ مَن عَتَبَ عليه، والاعتذار، والاعتراف.
٧ - (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوة؛ لقوله ﷺ : "ستلقون بعدي أَثَرَةً"، فكان كما قال.
٨ - (ومنها): وفيه أن للإمام تفضيلَ بعض الناس على بعض في مصارف الفيء.
٩ - (ومنها): أن للإمام أيضًا أن يُعْطِي الغنيّ من الفيء للمصلحة.
١٠ - (ومنها): أن مَن طَلَب حقه من الدنيا لا عَتْبَ عليه في ذلك.
١١ - (ومنها): مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يَحْدُث، سواءٌ كان خاصًّا أم عامًّا.
١٢ - (ومنها): جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة.
١٣ - (ومنها): تسلية من فاته شئ من الدنيا بما حَصَل له من ثواب الآخرة، والحضّ على طلب الهداية والألفة والغنى، وأن المنة لله ورسوله ﷺ على الإطلاق.
١٤ - (ومنها): تقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عما فات منها؛ ليُدَّخَر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ، أنَّهُ قَالَ: لَمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مَا أفَاءَ، مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: قَالَ أنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، وَقَالَ: فَأمَّا أُنَاسٌ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ).
стр. 11697
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم بعينه قبل ثلاثة أحاديث.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل "اقتصّ" ضمير صالح بن كيسان.
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" (٥/ ٨٨) فقال:
(٨٣٣٥) - أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: أنا عمي، قال: أنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدّثني أنس بن مالك، أنه قال: لَمّا أفاء الله على رسوله ما أفاء، من أموال هوازن، طَفِقَ رسول الله ﷺ يُعْطِي رجلًا من قريش المائة من الإبل، فقال رجل من الأنصار: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى الأنصار، فجَمَعهم في قبة من أدم، ولم يَدَع معهم أحدًا، فلما اجتمعوا قال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " قال فقهاء الأنصار: أما ذوو الرأي منّا، فلم يقولوا شيئًا، وإنما أناس حديثة أسنانهم، فقال (١): يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأعطي رجالًا حديثٌ عهدُهُم بالكفر، فأتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله ﷺ ، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به"، قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم: "إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً شديدةً، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض"، قال أنس: فلم نصبر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أنسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، إِلَّا أنَّهُ قَالَ: قَالَ أنسٌ: قَالُوا: نَصْبِرُ، كَرِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ).
стр. 11698
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم بعينه قبل حديثين.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل "ساق" ضمير ابن أخي ابن شهاب، واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم.
[تنبيه]: رواية ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه هذه ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" (٦/ ٢٨٢) فقال:
(٣٥٩٤) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهريّ، عن عمة، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن ناسًا من الأنصار، قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله، من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل، قالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل رسول الله ﷺ إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، ولم يَدْعُ معهم أحدًا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ ، فقال: "ما حديثٌ بلغني عنكم؟ "، فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منّا حديثةٌ أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله؛ أيعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ فقال رسول الله ﷺ : "فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر، أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به"، قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال لهم: "فإنكم ستجدون بعدي أثرةً شديدةً، فأبصروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض"، قال أنس: قالوا: نعم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أنَسِ بْنِ
стр. 11699
مَالِكٍ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأنصَارَ، فَقَالَ: "أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ " فَقَالُوا: لَا، إِلَّا ابْنُ أُخْتٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ"، فَقَالَ: "إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ، وَأتألَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتكُمْ؟ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَ الْأنصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأنْصَارِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقّدم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (قتادَةَ) بن دِعامة، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
و"أنس بن مالك" ﵁ ذُكر قبله.
وقوله: ("أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ ") أي غير الأنصار.
وقوله: (إِلَّا ابْنُ أُخْتٍ لنا) هو النعمان بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ ﵁، كما أخرجه أحمد، من طريق شعبة، عن معاوية بن قُرّة في حديث أنس ﵁ هذا، ووقع ذلك في قصة أخرى، كما أخرجه الطبرانيّ، من حديث عُتْبة بن غَزْوان ﵁، أن النبيّ ﷺ قال يومًا لقريش: "هل فيكم من ليس منكم؟ " قالوا: لا، إلا ابن أختنا عُتبة بن غَزْوان، فقال: "ابن أخت القوم منهم"، وله من حديث عمرو بن عوف ﵁، أن النبيّ ﷺ دخل بيته، قال: "ادخلوا عليّ، ولا يدخل عليّ إلا قرشيّ"، فقال: "هل معكم أحد غيركم؟ " قالوا: معنا ابن الأخت، والمولى، قال: "حليف القوم منهم، ومولى القوم منهم"، وأخرج أحمد نحوه، من حديث أبي موسى ﵁، والطبرانيّ نحوه من حديث أبي سعيد ﵁، قاله في "الفتح" (١).
стр. 11700
وقوله: (إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ) أي فيما يَرْجع إلى المناظرة والتعاون، ونحو ذلك، وأما بالنسبة إلى الميراث ففيه نزاع بين العلماء.
قال النوويّ ﵀: استَدَلّ بهذا الحديث من يُوَرِّث ذوي الأرحام، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وآخرين، ومذهب مالك، والشافعيّ، وآخرين أنهم لا يَرِثون، وأجابوا بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطًا، وقرابةً، ولم يتعرض للإرث، وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرّهم بحضرته، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: "مِنْ" في قوله: "منهم" اتصالية؛ أي ابن الأخت متصل بأقربائه في جميع ما يجب أن يتصل به، من التولي، والنصر، والتوريث، وما أشبه ذلك، وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]؛ أي في أحكامه، وفرائضه، والكتاب كثيرًا ما يجيء بمعنى الفريضة، واستَدَلّ به أصحاب أبي حنيفة ﵀ على توريث ذوي الأرحام، ويؤيّده ما رواه أحمد، وأصحاب السنن عن المقدام بن معدي كرب ﵁ مرفوعًا: "والخالُ وارث من لا وارث له"، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيحٌ، وهو كما قال (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بتوريث ذوي الأرحام -كما هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد رحمهما الله تعالى- هو الأرجح عندي؛ لحديث المقدام ﵁ المذكور، فتأمله، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) قال في "الفتح": كذا وقع بالإفراد في "الصحيحين"، والمعروف: "حديثو عهد"، وكتبها الدمياطيّ بخطّه: "حديثو عهد"، وفيه نظر، وقد وقع عند الإسماعيليّ: "أن قريشًا كانوا قريب عهد". انتهى (٣).
والجاهليّة هي ما كانوا عليه قبل الإسلام؛ أي كانوا قريب زمن بكفر.
стр. 11701
وقوله: (وَمُصِيبَةٍ) والمصيبة ما أصابهم بسبب غزو المسلمين ديارهم، واستيلائهم عليها، وقتل بعض أقاربهم.
وقوله: (أَنْ أَجْبُرَهُمْ) بضمّ الموحّدة، من باب نصر؛ أي أجبر كسرهم الذي لحقهم بسبب الغزو، فأعطيهم ما يجبر خاطرهم، ويُنسيهم مصائبهم.
وقال في "الفتح": قوله: "أن أجبرهم" كذا للأكثر بفتح أوله، وسكون الجيم، بعدها موحّدة، ثمّ راء مهملة، وللسرخسيّ والمستملي بضمّ أوله، وكسر الجيم، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم زاي، من الجائزة. انتهى (١).
وقوله: (وَأتألّفَهُمْ) قال ابن الأثير ﵀: التألف: المداراة، والإيناس؛ ليَثْبُتوا على الإسلام؛ رغبةً فيما يَصِل إليهم من المال. انتهى (٢).
وقوله: (لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا) هو المكان المنخفض، وقيل: هو الذي فيه ماءٌ، والمراد به هنا بلدهم.
وقوله: (وَسَلَكَ الأنصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأنصَارِ) -بكسر الشين المعجمة- هو اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل: الطريق في الجبل، وقال الخطابيّ: لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت في السفر الطُّرُق سلك كل قوم منهم واديًا وشعبًا، فأراد أنه مع الأنصار، قال: ويَحْتَمِل أن يريد بالوادي المذهب، كما يقال فلان في وادٍ، وأنا في وادٍ، قاله في "العمدة" (٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤٠] ( … ) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، قَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي قُرَيْشٍ، فَقَالَتِ الْأنصَارُ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ، إِنَّ سُيُوفَنَا تَقْطُرُ مِنْ
стр. 11702
دِمَائِهِمْ، وَإِنَّ غَنَائِمَنَا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: "مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " قَالُوا: هُوَ الَّذِي بَلَغَكَ، وَكَانُوا لَا يَكْذِبُونَ، قَالَ: "أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا إِلَى بُيُوتهِمْ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟، لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأنْصَارِ، أَوْ شِعْبَ الْأنصَارِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَليدِ) بن عبد الحميد القُرشيّ الْبُسْريّ البصريّ، يُلقّب حمدان، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٨.
٢ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ) بفتحتين؛ أي المجاوز حدّ الإعجاب، قال في "القاموس": وأمرٌ عَجِبٌ، وعَجِيبٌ، وعُجَابٌ، وعُجَّابٌ، وعَجَبٌ عَاجِبٌ، وعُجابٌ، أو العَجِيب كالعَجَبِ، والعُجَاب: ما جاوز حدَّ العَجَبِ. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤١] ( … ) - (حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أنسٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، أقبَلَتْ هَوَازِنُ، وَغَطَفَانُ، وَغَيْرُهُمْ بِذَرَارِّيهِمْ، وَنَعَمِهِمْ، وَمَعَ النَّبِيُّ يَوْمَئِذٍ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ، حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، قَالَ:
стр. 11703
فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ، لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، قَالَ: فَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ"، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ؟ " قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ، قَالَ: وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ، فَقَالَ: "أنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ﷺ ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ، وَالطُّلقَاءِ، وَلَمْ يُعْطِ الأنصَارَ شَيْئًا، فَقَالَتِ الْأنصَارُ: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ، فَنَحْنُ نُدْعَى، وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنَا، فَبَلَغهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ، مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ " فَسَكَتُوا، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأنصَارِ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِمُحَمَّدٍ، تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، رَضِينَا، قَالَ: فَقَالَ: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا، وَسَلَكَتِ الأنصَارُ شِعْبًا، لَأَخَذْتُ شِعْبَ الأنصَارِ"، قَالَ هِشَامٌ: فَقُلْتُ: يَا أبا حَمْزَةَ، أنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟ قَالَ: وَأينَ أَغِيبُ عَنْهُ؟).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ) الساميّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تكلّم أحمد في بعض سماعه [١٠] (ت ٢٣١) (م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣١/ ١٣٩٤.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذِ) بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (١٥٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
٤ - (هِشَامُ بْنُ زَيْدِ بنِ أنسِ) بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في "الحيض" ٦/ ٧١٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِذَرَارِيِّهِمْ) -بتشديد الياء، وتخفيفها- وكانت عادتهم إذا أرادوا الثبات في القتال استصْحَبُوا الأهالي وثَقَلَهم معهم إلى موضع القتال.
стр. 11704
وقوله: (وَنَعَمِهِمْ) بفتح النون والعين، واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع على الإبل.
وقوله: (وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ) هذه هي الرواية الصحيحة، ووقع في رواية للبخاريّ: "ومع النبيّ ﷺ عشرة آلاف من الطلقاء"، وهي غلط؛ لأن الطلقاء لم يبلغوا هذا القدر، ولا عشر عشرة، قاله في "الفتح" (١).
وقوله: (وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ) بضمّ الطاء وفتح اللام، وبالمدّ: جمع طَلِيق، وهم: الذين أسلموا يوم فتح مكّة، ويقال ذلك لمن أُطلق من إسار، أو وَثَاق، قال القاضي عياض ﵀ في "المشارق": قيل لمسلمي الفتح: الطُّلقاء لمنّ النبيّ ﷺ ، فلم يأسُرهم، ولم يقتلهم (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الطُّلَقاء: هم الذين مَنَّ عليهم النبيّ ﷺ ، وخَلَّى سبيلهم يوم فتح مكة، وأصله أنه أطلقهم بعدما حَصَلُوا في وَثاقه. انتهى (٣).
وقوله: (فَأَدْبَرُوا عَنْهُ، حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ) يعني أنهم ولَّوه أدبارهم، وما أقبلوا معه ﷺ على العدوّ، بل بقي وحده.
وقوله: (فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ، لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) مفسَّر بما بعده؛ يعني أنه ﷺ نادى الأنصار يومئذ نداءين متعاقبين، ملتفتًا يمينًا وشمالًا.
وقوله: (وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ) هذا من كمال شجاعته ﷺ ؛ فإن البغال لا تُركب في القتال، وإنما يركب الخيل.
وقوله: (فَقَالَ: "أنا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) يعني أنه ينصرني كما وعد بقوله : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [غافر: ٥١].
وقوله: (إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ) وفي رواية البخاريّ: "إذا كانت شديدة"؛ يعني قضية شديدةٌ مثل حرب.
وقوله: (فنحْنُ نُدْعَى) على صيغة المجهول؛ أي نُطْلب.
وقوله: (وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنَا) فعلٌ ونائب فاعله، وفي رواية البخاريّ: "ويُعطِي غيرنا"؛ أي يعطي النبيّ ﷺ الغنائم لقريش.
стр. 11705
قوله: (فبلغة ذلك) أي فبلغ النبي ذلك أي ما قالوه، ويروى "ذاك" بدون اللام.
وقوله: (تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟) بالحاء المهملة والزاي، يقال: حازه يحوزه: إذا قبضه، ومَلَكه، واستَبَدّ به.
وقال في "الفتح": قوله: "تحوزونه" كذا للجميع بالحاء المهملة، من الحوز، ووقع عند الكرمانيّ: "تُجِيرونه" بالتحتانية بدل الواو، وضبطه بالجيم والراء المهملة، وفسره بقوله: أي تُنقِذونه، وكل ذلك خطأ نقلًا وتفسيرًا، وقد أخرجه مسلم، والإسماعيلىّ من هذا الوجه بلفظ: "فتذهبون بمحمدٍ تحوزونه"، كما في الرواية المعتمدة. انتهى (١).
وقوله: (قَالَ هِشَامٌ) هو هشام بن زيد الراوي عن أنس ﵁، وهو موصول بالإسناد المذكور.
وقوله: (فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس بن مالك ﵁.
وقوله: (أنتَ شَاهِدٌ ذَاكَ؟) وفي رواية للبخاريّ: "شاهدٌ ذلك" باللام، وهو بتقدير همزة الاستفهام؛ أي أأنت شاهد هذا الذي حدّثتنا به من قصّة غزوة حنين؟.
وقوله: (قَالَ: وَأينَ أَغِيبُ عَنْهُ؟) استفهامٌ إنكاريٌّ، يقرّر أنه ما كان ينبغي لهشام أن يظنّ أن أنسًا يغيب عن ذلك.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤٢] ( … ) - (حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَني السُّمَيْطُ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: افْتَتَحْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا، فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ، قَالَ: فَصُفَّتِ الْخَيْلُ، ثُمَّ صُفَّتِ الْمُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ
стр. 11706
مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ الْغَنَمُ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ، قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ، وَعَلَى مُجَنِّبَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا، وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ، وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَنَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَالَ الْمُهَاجِرِينَ، يَالَ الْمُهَاجِرِينَ"، ثُمَّ قَالَ: "يَالَ الأنصَارِ، يَالَ الْأنصَارِ"، قَالَ: قَالَ أنسٌ: هَذَا حَدِيثُ عِمّيَّةٍ، قَالَ: قُلْنَا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَايْمُ اللهِ، مَا أتيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ، قَالَ: فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الطَّائِفِ، فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلْنَا، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقيَ الْحَدِيثِ، كَنَحْوِ حَدِيثِ قتَادَةَ، وَأَبِي التَّيّاحِ، وَهِشَامِ بْنِ زيدٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ ولد معاذ بن معاذ المذكور في السند الماضي، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣.
٤ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطُّفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٥ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٦ - (السُّمَيْطُ) -مصغّرًا- ابن عُمير، ويقال: ابن سُمير السدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، صدوقٌ [٣].
стр. 11707
رَوَى عن أبي موسى الأشعريّ، وعمران بن حُصين، وأنس، وأبي الأحوص الْجُشَميّ، وأبي السَّوّار الْعَدَويّ.
وروى عنه سليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعِمران بن حُدير، ووثّقه العجليّ، وابن حبّان (١).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و (أنسُ بْنُ مَالِكٍ) ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَ: وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، قَدْ بَلَغْنَا سِتَّةَ آلَافٍ) قال القاضي عياض وغيره: هذا وَهَمٌ من الراوي عن أنس؛ يعني أن الرواية الأولى بأنهم كانوا عشرة آلاف، ومعهم الطلقاء أصحّ؛ لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفًا، عشرةُ آلاف شَهِدوا الفتح، وألفان من أهل مكة، ومن انضاف إليهم، وهذا معنى قوله: ومع النبيّ ﷺ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء. انتهى.
وقوله: (وَعَلَى مُجَنِّبةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) الْمُجَنِّبَة -بضم الميم، وفتح الجيم، وكسر النون المشدّدة- قال شَمِر: الْمُجَنِّبة هي الْكَتِيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق الأيمن، وهما مُجَنِّبتان: مَيْمَنةٌ، ومَيْسَرةٌ، بجانبي الطريق، والقلب بينهما. انتهى.
وقوله: (فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلْوِي خَلْفَ ظُهُورِنَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ، وفي بعضها "تَلُوذ"، وكلاهما صحيح. انتهى (٢).
وقوله: (فَلَمْ نَلْبَثْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ: أي لم نتأخّر.
وقوله: (أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل بدل من الضمير الفاعل بدل اشتمال، كما قال في "الخلاصة":
وَمِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ الظَّاهِرَ لَا … تُبْدِلْهُ إِلَّا مَا إِحَاطَةً جَلَا
стр. 11708
أَوِ اقْتَضَى بَعْضًا أَوِ اشْتِمَالَا … كَأَنَّكَ ابْتِهَاجَكَ اسْتَمَالَا
والمعنى أنه لم يتأخر انكشاف الفُرسان، وتولّيهم عن مواجهة العدّو عن وقت ملاقاتهم، بمعنى أنهم بمجرّد ابتدائهم القتال تولَّوا.
وقوله: (وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ) بفتح الهمزة، وفيه إشارة إلى الانكشاف إنما أتى من جهة أسافلة الناس، لا من أكابر الصحابة، وأفاضلهم.
وقوله: (وَمَنْ نَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ) تعميم بعد تخصيص.
وقوله: ("يَالَ الْمُهَاجِرِينَ") هكذا في جميع النسخ في المواضع الأربعة "يال" بلام مفصولة مفتوحة، والمعروف وصلها بلام التعريف التي بعدها. انتهى.
[تنبيه]: قوله: "يالَ المهاجرين" هذا هو المسمّى عند النحاة بالاستغاثة، وهو نداء من يُخلّص من شِدّة، أو يُعين على دفعها، قال في "الخلاصة":
إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادًى خُفِضَا … بِاللَّامِ مَفْتُوحًا كـ "يَا لَلْمُرْتَضَى"
وَافْتَحْ مَعَ الْمَعْطُوفِ إِنْ كَرَّرْتَ "يَا" … وَفِي سِوَى ذَلِكَ بِالْكَسْرِ ائتِيَا
[فإن قلت]: نداؤه ﷺ المهاجرين هنا يعارض ما سبق في الحديث الذي قبله من قول أنس ﵁: "فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما شيئًا … إلخ" حيث يدلّ على أنه لم يناد مع الأنصار غيره، فكيف الجواب عنه؟.
[قلت]: يمكن أن يجاب بأن المنفيّ هناك النداء المخلوط بين نداءي الأنصار، وأما ما كان قبله كما في هذه الرواية فلم ينفه.
والحاصل أنه ﷺ نادى أولًا المهاجرين نداءين والى بينهما، ثم نادى الأنصار بعدهم نداءين والى بينهما، والله تعالى أعلم.
وقوله: (هَذَا حَدِيثُ عِمِّيَّةٍ) قال النوويّ ﵀: هذه اللفظة ضبطوها في "صحيح مسلم" على أوجه:
[أحدهما]: "عِمِّيَّة" -بكسر العين، والميم، وتشديد الميم، والياء -قال القاضي: كذا روينا هذا الحرف عن عامّة شيوخنا، قال: وفُسِّر بالشِّدَّة.
[والثاني]: "عُمّيّة" كذلك، إلا أنه بضم العين.
[والثالث]: "عَمِّيَهْ" -بفتح العين، وكسر الميم المشددة، وتخفيف الياء، وبعدها هاء السكت- أي حَدَّثني به عَمِّي، وقال القاضي: على هذا الوجه
стр. 11709
معناه عندي: جماعتي؛ أي هذا حديثهم، قال صاحب "العين": العمّ الجماعة، وأنشد عليه ابن دريد في "الجمهرة":
أَفْنَيْتُ عَمًّا وَجَبَرْتُ عَمَّا
قال القاضي: وهذا أشبه بالحديث.
[والوجه الرابع]: كذلك، إلا أنه بتشديد الياء، وهو الذي ذكره الحميديّ صاحب "الجمع بين الصحيحين"، وفَسَّره بعمومتي؛ أي هذا حديث فضل أعمامي، أو هذا الحديث الذي حدّثني به أعمامي، كأنه حدَّث بأول الحديث عن مشاهدة، ثم لعله لم يضبط هذا الموضع؛ لتفرق الناس فحدّثه به مَن شَهِده من أعمامه، أو جماعته الذين شَهِدوه، ولهذا قال بعده: قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، والله أعلم. انتهى.
وقوله: (فَايْمُ اللهِ) "ايم" اسم مستعمل في القسم، مختصر من "أيمن"، قال الفيّوميّ ﵀: و"أيمن" اسم مستعمل في القسم، والتُزِم رفعه، كما التُزم رفع لَعَمْرُ الله، وهمزته عند البصريين وصلٌ، واشتقاقه عندهم من الْيُمْن، وهو البركة، وعند الكوفيين قَطْعٌ؛ لأنه جمع يمين عندهم، وقد يُختصر منه، فيقال: وايْمُ الله، بحذف الهمزة، والنون، ثم اختُصِر ثانيًا، فقيل: مُ الله، بضمّ الميم وكسرها. انتهى (١).
وقال الخضريّ ﵀ في "حاشيته": وأيمن عند البصريين اسم مفرد من اليُمْن، وهو البركة، وهمزته وصل خلافًا للكوفيين فيهما، والهمزة عِوَضٌ عن نونه المحذوفة في بعض لغاته، كأيم، ثم ثبتت مع النون؛ لأنها بصدد الحذف، كما في امرئ، وفيه لغات: أيمن بفتح الهمزة، وكسرها، مع ضمّ الميم وفتحها، وأيم، وأم بفتح الهمزة وكسرها، مع ضمّ الميم فيهما، ومُ، ومُن بتثليث الميم فيهما، ويجب إضافة الكل للفظ الجلالة، وكونها مبتدأ محذوف الخبر؛ أي أيمن الله قسمي، قيل: أو خبرًا لمحذوف؛ أي قسمي أيمن الله، كما في "المغني" (٢).
стр. 11710
وقوله: (مَا أتيْنَاهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ) أي ما رجعنا إلى المشركين حتى نصرنا الله، فانهزموا.
وقوله: (فَقَبَضْنَا ذَلِكَ الْمَالَ) أي غنائم هوازن، وقد تقدّم عدد ما غَنِموه من السبي والأنعام.
وقوله: (ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى مَكَّةَ) المراد رجوعهم إلى الجعرانة؛ لأنهم لم يدخلوا مكة بالغنائم، وإنما حُبِست في الجعرانة، حتى رجعوا من حصار الطائف، ثم قُسمت هناك.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ) الضمير يرجع إلى السُّمَيط.
[تنبيه]: رواية السُّميط، عن أنس ﵁ هذه ساقها بتمامها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(١٢١٩٧) - حدّثنا عارمٌ، حدّثنا معتمر بن سليمان التيميّ، قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا السُّميط السَّدُوسيّ، عن أنس بن مالك، قال: فتحنا مكة، ثم إنا غزونا حُنينًا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، أو رأيت، فصُفّ الخيل، ثم صُفّت المقاتلة، ثم صُفّت النساء من وراء ذلك، ثم صُفّت الغنم، ثم صُفّت النَّعَم، قال: ونحن بشر كثير، قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيولنا تلوذ خلف ظهورنا، قال: فلم نلبث أن انكشفت خيولنا، وفَرَّت الأعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله ﷺ : "يا للمهاجرين، يا للمهاجرين -ثم قال-: يا للأنصار، يا للأنصار"، قال أنس: هذا حديث عمية، قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله ﷺ ، فايم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، قال: فنزلنا فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة، ويعطي الرجل المائة، قال: فتحدث الأنصار بينها، أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه، قال: فرُفع الحديث إلى رسول الله ﷺ ، ثم أَمَر بِسَرَاة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه، ثم قال: "لا يدخل عليّ إلا أنصاريّ، أو الأنصار"، قال: فدخلنا القبة حتى ملأنا القبة، قال نبي الله ﷺ : "يا معشر الأنصار -أو كما قال- ما حديث أتاني؟ " قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال:
стр. 11711
"ما حديث أتاني؟ " قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال: "ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون برسول الله ﷺ حتى تدخلوا بيوتكم؟ " قالوا: رضينا يا رسول الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أخذ الناس شِعْبًا، وأخذت الأنصار شعبًا، لأخذت شِعْب الأنصار"، قالوا: يا رسول الله رضينا، قال: "فارْضَوْا"، أو كما قال. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤٣] (١٠٦٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكَّىّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَعُيَيْنَة بْنَ حِصْنٍ، وَالْأقرَعَ بْنَ حَابِسٍ، كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ [من المتقارب]:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْـ … ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأقرَعِ
فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ … يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا … وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
قَالَ: فَأَتمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِائَةً).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّىِّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، ذُكر في الباب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، ذُكر في الباب أيضًا.
٣ - (عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، أخو سفيان الثوريّ، ثقةٌ [٧] (م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٦/ ١٤٩١.
٤ - (أَبُوهُ) سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٩/ ١٧٣٨.
стр. 11712
٥ - (عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ) هو: عباية -بفتح أوّله، والموحّدة الخفيفة، وبعد الألف تحتانيّة خفيفة- ابن رِفَاعة بن رافع بن خَدِيج الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو رِفَاعة المدنيّ، ثقة [٣].
رَوَى عن جده، وعن أبيه عن جده على خلاف في ذلك، وعن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبي عَبْس بن جَبْر.
ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوري، وأبو حَيّان يحيى بن سعيد التيميّ، ويزيد بن أبي مريم الشامي، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشِيّة، وعاصم بن كُليب، ومُحارب بن دِثَار وجماعة.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٠٦٠) و (١٩٦٨) و (٢٢١٢) وأعاده بعده.
٦ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ) بن رافع بن عَدِيّ بن يزيد بن جُشَم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الصحابيّ الأنصاريّ الأوسيّ الحارثيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو خَدِيج، عُرِض على النبيّ ﷺ يوم بَدْر، فاستصغره، وأجازه يوم أحدٍ، فخرج بها، وشَهِد ما بعدها، ومات سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وعمر بن سعيد.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، فرافع جدّ عباية.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ) جدّه (رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة- أنه (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ) صخر بن حرب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف الأُمويّ، والد معاوية، وإخوته، كان رئيس المشركين يوم أُحُد، ورئيس الأحزاب يوم الخندق، أسلم
стр. 11713
زمن الفتح، ولَقِي النبيّ ﷺ بالطريق قبل دخول مكة، وشَهِد حُنينًا، والطائف، رَوَى عنه ابن عباس حديث هرقل، وقيسُ بن أبي حازم، وابنه معاوية، وقال النبيّ ﷺ يوم فتح مكة: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن"، وقال إبراهيم بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبيه: خَمَدت الأصوات يوم اليرموك، والمسلمون يقاتلون الروم إلا صوت رجل، يقول: يا نصر الله اقترب، يا نصر الله اقترب، فرفعت رأسي أنظر، فإذا أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان.
قال علي ابن المدينيّ: مات لستّ خَلَت من خلافة عثمان، وقال الهيثم: لتسع، وقال الزبير بن بكار: في آخرها، وقال الواقديّ، وخليفة: سنة (٣١)، وكذا قال أبو عبيد، وزاد: ويقال: سنة (٣٢)، وبه جزم ابن سعد، وأبو حاتم الرازيّ، وابن الْبَرْقىّ، وقال المدائنيّ: سنة أربع وثلاثين، وكذا قال ابن مندهْ، وزاد: وكان مولده قبل الفيل بعشر سنين.
وذكر ابن إسحاق أن النبيّ ﷺ أرسله إلى مناة بقديد، فهدمها، وقال العسكريّ: ولاه نجران، وصدقات الطائف.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ (١)، وله حديث قصّة هرقل، سيأتي -إن شاء الله تعالى- في "كتاب الجهاد" برقم (١٧٧٣).
(وَصَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ) بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح القرشىّ الْجُمَحيّ، أبو وهب، وقيل: أبو أميّة المكيّ الصحابيّ، قُتل أبوه يوم بدر كافرًا، وأسلم هو بعد الفتح، وكان من المؤلّفة قلوبهم، وشَهِد يوم اليرموك، وكان من أشراف قريش في الجاهليّة والإسلام، قيل: إنه مات أيام قتل عثمان، وقيل: سنة (١ أو ٤٢) في أوائل خلافة معاوية.
علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديث واحد، يأتي برقم (٢٣١٣)(٢).
стр. 11714
(وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ) بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جُوَيّة -بالجيم مصغرًا - ابن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة الفزاريّ، أبو مالك، يقال: كان اسمه حذيفة، فلقب عيينة؛ لأنه كان أصابته شَجَّة، فجحظت عيناه، قال ابن السَّكَن: له صحبة، وكان من المؤلفة، ولم يصحّ له رواية، أسلم قبل الفتح، وشهدها، وشَهِد حُنينًا، والطائف، وبعثه النبيّ ﷺ لبني تميم، فسَبَى بعضَ بني العنبر، ثم كان ممن ارتدّ في عهد أبي بكر ﵁، ومال إلى طُليحة فبايعه، ثم عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاءُ سكان البوادي، قال إبراهيم النخعي: جاء عيينة بن حصن إلى النبيّ ﷺ وعنده عائشة، فقال: من هذه؟ وذلك قبل أن ينزل الحجاب، فقال: هذه عائشة، فقال: ألا أنزل لك عن أم البنين؟ فغضبت عائشة، وقالت: من هذا؟ فقال النبيّ ﷺ : "هذا الأحمق المطاع"؛ يعني في قومه، رواه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عنه مرسلًا، ورجاله ثقات، وأخرجه الطبرانيّ موصولًا من وجه آخر، عن جرير، أن عيينة بن حصن دخل على النبيّ ﷺ ، فقال -وعنده عائشة-: من هذه الجالسة إلى جانبك؟ قال: "عائشة"، قال: أفلا أنزل لك عن خير منها؟؛ يعني امرأته، فقال له النبيّ ﷺ : "اخرج، فاستأذِنْ"، فقال: إنها يمين علىَّ أن لا أستأذن على مضريّ، فقالت عائشة: من هذا؟ فذكره (١)، وليس له في الكتب الستّة رواية، وإنما له ذكرٌ فقط.
(وَالْأقرَعَ بْنَ حَابِسٍ) بن عقال بن محمد بن سفيان التميميّ المجاشعيّ الدراميّ، وَفَد على النبيّ ﷺ ، وشَهِد فتح مكة، وحُنينًا، والطائف، وهو من
стр. 11715
المؤلفة قلوبهم، وقد حَسُن إسلامه، وكان حَكَمًا في الجاهلية.
ورَوَى البخاريّ في "تاريخه الصغير"، ويعقوب بن سفيان بإسناد صحيح، من طريق محمد بن سيرين، عن عَبِيدة بن عمرو السَّلْمانيّ، أن عيينة والأقرع استقطعا أبا بكر أرضًا، فقال لهما عمر: إنما كان النبيّ ﷺ يتألفكما على الإسلام، فأما الآن فاجَهَدَا جهدكما، وقطع الكتاب. قال علي ابن المدينيّ في "العلل": هذا منقطع؛ لأن عَبِيدة لم يدرك القصة، ولا رَوَى عن عمر أنه سمعه منه، قال: ولا يُرْوَى عن عمر بأحسن من هذا الإسناد، ورواه سيف بن عمر في "الفتوح" مطوّلًا، وزاد: وشهدا مع خالد بن الوليد اليمامة وغيرها، ثم مضى الأقرع، فشَهِد مع شُرَحبيل ابن حسنة دُومة الْجَندل، وشَهِد مع خالد حرب أهل العراق، وقال ابن دريد: اسم الأقرع بن حابس فِراس، وإنما قيل له: الأقرع؛ لقرع كان برأسه، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، واستعمله عبد الله بن عامر على جيشٍ سَيَّره إلى خُراسان، فأصيب بالْجُوزَجَان هو والجيش، وذلك في زمن عثمان، وذكر ابن الكلبيّ أنه كان مجوسيًّا قبل أن يُسلم (١).
وليس له في الكتب الستّة رواية، وإنما له ذكرٌ فقط.
(كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ) بنصب "كلَّ" بدلًا من "أبا سفيان"، وما عُطف عليه، وقوله: (مِائَةً مِنَ الإبِلِ) بنصب "مائةً" على أنه المفعول الثاني لـ"أعطَى".
(وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسِ) بن أبي عامر بن حارثة بن عبد قيس بن رفاعة بن الحارث بن يحيى بن الحارث بن بهثة بن سليم أبو الهيثم السّلمىّ، مات أبوه، وشريكه حرب بن أمية والد أبي سفيان في يوم واحد قتلهما الجنّ، ولهما في ذلك قصةٌ، وشهد العباس بن مرداس مع النبيّ ﷺ الفتح، وحُنينًا، وقال ابن سعد: لَقِي النبيّ ﷺ بالْمُشَلَّل، وهو متوجه إلى فتح مكة، ومعه سبعمائة من قومه، فشهد بهم الفتح، وذكر ابن إسحاق أن سبب إسلامه رؤيا رآها في صنمه، وكان ينزل البادية بناحية البصرة (٢).
стр. 11716
وليس له في هذا الكتاب رواية، وإنما له ذكر فقط، وأخرج له أبو داود، وابن ماجه حديثًا في ضحك النبيّ ﷺ (١)، وأخرجه ابن ماجه مطوّلًا في "المناسك" في دعائه ﷺ عشيّة عرفة لأمته، وأخرجه أحمد أيضًا مطوّلًا.
(دُونَ ذَلِكَ) أي أقلّ من المائة (فَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ) مخاطبًا للنبيّ ﷺ في إعطائه أقلّ مما أعطى هؤلاء الأربعة (أتجْعَلُ نَهْبِي) أي غنيمتي، قال في "القاموس": النَّهْبُ: الغنيمة، جمعه نِهابٌ -أي بالكسر، كسهم وسِهام-، ونَهَبَ النَّهْبَ، كجعل، وسَمِعَ، وكَتَبَ: أخذه، كانتهبه. انتهى (٢).
والمعنى: أي تجعل نصيبي من الغنيمة (وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ) بالتصغير اسم فرسه، وكان هو يُدعى فارس العبيد، كما في "خِزَانة الأدب"؛ أي وتجعل نصيب فرسي العبيد (بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأقرَعِ) أي بين نصيبهما؛ يعني أنه لا ينبغي أن تجعل نصيبي أقلّ من نصيبيهما؛ لأنهما ليسا بأكبر مني قدرًا، كما أشار إليه بقوله: (فَمَا كَانَ بَدْرٌ) والفاء للتعليل، و"ما" نافية، و"بدرٌ" هو جدّ والد عُيينة، قال الأبيّ ﵀: لم تختلف الرواية في البيت أنه بدرٌ، وإنما اختَلَفت في غير البيت، فقال مرّةً: عُيينة بن حِصْن، ومرّةً: عُيينة بن بدر، فمرّةً نسبه إلى أبيه حِصْن، ومرّةً نسبه إلى أبيه بدر؛ لأنه عُيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر. انتهى (٣).
(وَلَا حَابِسٌ) هو والد الأقرع؛ أي لأنهما لم يكونا (يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ) يعني والده، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع الروايات "مِرْداسَ" غير مصروف، وهو حجةٌ لمن جوّز ترك الصرف بعلّة واحدة، وأجاب الجمهور بأنه في ضرورة الشعر. انتهى (٤). (فِي الْمَجْمَعِ) أي في محلّ اجتماع العشائر والقبائل.
(وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا) أي لست أنا أيضًا أقلّ رُتبةً من عُيينة والأقرع، لا في النسب، ولا في المجد، أما في النسب فلأن الجميع من
стр. 11717
مضر؛ لأن تميمًا الذي ينتسب إليه الأقرع بن حابس هو تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وفزارة التي ينتسب إليها عُيينة، هو فزارة بن ذبيان بن نغيض بن ردف بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وسليم الذي ينتسب إليه مِرداس هو سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، وفي قيس هذا تجتمع قبائل قيس كلّها، من مازن، وهوازن، وسليم، وغيرهم من قبائل قيس.
وأما أنه ليس دونهما في المجد فلأن كلًّا من الثلاثة رئيس عشيرته (١).
(وَمَنْ) شرطيّةٌ، ولذا جُزم الفعلان بعدها بها (تَخْفِضِ الْيَوْمَ) بنقص عطيّته (لَا يُرْفَعِ) أي لا يرفعه الناس بعد هذا اليوم؛ لأنهم يقتدون بك.
(قَالَ) رافع بن خَدِيج ﵁ (فَأتَمَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِائَةً) ذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ أعطى المؤلّفة قلوبهم، وكانوا أشرافًا من أشراف الناس، يتألّفهم، ويتألّف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم بن حِزام مائة بعير، وأعطى الحارث بن الحارث بن كَلَدة أخا بني عبد الدار مائة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير، وأعطى سُهيل بن عمرو مائة بعير، وأعطى حُويطب بن عبد العُزَّى بن أبي قيس مائة بعير، وأعطى العلاء بن جارية الثقفيّ حليف بني زُهْرة مائة بعير، وأعطى عُيينة بن حِصن بن حُذيفة بن بدر مائة بعير، وأعطى الأقرع بن حابس التميميّ مائة بعير، وأعطى مالك بن عوف النصريّ مائة بعير، وأعطى صفوان بن أُميّة مائة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى دون المائة رجالًا من قُريش، منهم مَخرمة بن نوفل الزهريّ، وعُمير بن وهب الْجُمحىّ، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لُؤيّ، لا أحفظ ما أعطاهم، وقد عرفت أنها دون المائة، وأعطى سعيد بن يَرْبوع بن عَنْكَثَة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل، وأعطى السَّهْميّ (٢) خمسين من الإبل، وأعطى عبّاس بن مِرْداس أباعر، فسَخِطها، فعاتب فيها رسول الله ﷺ ، فقال في عتابه:
стр. 11718
كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتُهَا … بَكَرِّي عَلَى الْمُهْرِ فِي الأَجْرَعِ
وَإِيقَاظِيَ الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا … إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعُبَيْـ … ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأقْرَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْب ذَا تُدْرَإ (١) … فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ (٢)
إِلَّا أَفَائِلَ أُعْطِيَتُهَا (٣) … عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الأَرْبَع
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ … يَفُوقَانِ شَيْخِيَ فِي الْمَجْمَعِ (٤)
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا … وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفعِ
فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به، فاقطعوا عنّي لسانه"، فأعطوه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله ﷺ .
قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم أن عباس بن مرداس أتى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "أنت القائل:
فَأصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الأَقْرَعِ وَعُيَيْنَة؟ ".
فقال أبو بكر الصديق: بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعِ، فقال رسول الله ﷺ : "هما واحدٌ"، فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] (٥).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11719
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث رافع بن خَدِيج ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٢٤٤٣ و ٢٤٤٤ و ٢٤٤٥] (١٠٦٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٧) و"المعرفة" (٥/ ١٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز إعطاء المؤلّفة قلوبهم.
٢ - (ومنها): أن للإمام أن يفضّل بعضهم على بعض إذا رأى في ذلك مصلحة.
٣ - (ومنها): جواز إنشاد الشعر، وجواز الاستماع إليه.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من مكارم الأخلاق، حيث أعطى لهذا الشاعر ما ساوى فيه أصحابه حتى رضي عنه، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّىّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ، أَن النَّبىَّ ﷺ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، فَأعطَى أبا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ: وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاَئةَ مِائَةً) (١).
стр. 11720
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ) فاعل "ساق" ضمير أحمد بن عبدة؛ أي ساق الحديث عن سفيان بن عيينة بنحو حديث محمد بن أبي عمر المكيّ، عئه.
وقوله: (وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاَثَةَ مِائَةً).
و"علقمة بن عُلاثة" بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامريّ، ثبت ذكره في "الصحيح"، وروى ابن أبي الدنيا في "كتاب الشكر"، وأبو عوانة في "صحيحه"، من طريق بن أبي حدرد الأسلميّ، قال: قال محمد بن سلمة: كنا يومًا عند رسول الله ﷺ ، فقال: "يا حسان أنشدني من شعر الجاهلية"، فأنشده قصيدة الأعشى التي هجا بها علقمة بن عُلاثة، ومدح عامر بن الطفيل، فقال: "يا حسان لا تَعُدْ تنشدني هذه القصيدة"، فقال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك، مقيم عند قيصر؟، فقال: "إن قيصر سأل أبا سفيان عني، فتناول مني، وسأل علقمة فأحسن القول، فإنَّ أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى".
وقال ابن قتيبة: كان ارتد بعد رسول الله ﷺ ، ولَحِقَ بقيصر، ثم انصرف عنه، وعاد إلى الإسلام، واستعمله عمر ﵁ على حُوران، وقال أبو عبيدة: شَرِب علقمة الخمر، فحدّه عمر، فارتدّ، ولحق بالروم، فأكرمه ملك الروم، وقال: أنت ابن عمّ عامر بن الطفيل، فغضب، وقال: لا أراني أُعْرَف إلا بعامر، فرجع، وأسلم.
[تنبيه]: رواية أحمد بن عبدة، عن ابن عُيينة هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11721
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤٥] ( … ) - (وَحَدَّثنا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ، حَدَّثنا سُفْيَانُ، حَدَّثَني عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإسنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاَثةَ، وَلَا صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الشِّعْرَ فِي حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الشَّعِيرِيُّ) -بفتح الشين المعجمة، وكسر العين (١) - ابن يزيد، أبو محمد الْعَسْقلانيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن أبي معاوية، وابن عيينة، وابن نُمير، وأبي أسامة، وعمر بن يونس، وإبراهيم بن خالد، وعبد الرزاق، ورَوْح بن عُبادة، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وعبد الله بن أحمد، وأحمد بن خالد الخلال، ومحمد بن إسحاق بن يزيد البصريّ، والمنذر بن شاذان، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة.
وقد أنكر القاضي عياض في "شرحه"، هذا الاسم، وقال: لم أجد له ذكرًا عند أحد ممن صنّف رجال "الصحيحين"، ولا ممن صنّف في المؤتلف، ولا أصحاب التقييد، وبالغ في ذلك، حتى قال: ليس في الرواة أحدٌ يسمى مخلد بن خالد، وقد بالغ النوويّ في الردّ عليه، وأجاد وأفاد، ودونك نصّه: قال: هو مخلد بن خالد بن يزيد، أبو محمد بغداديّ سكن طَرَسُوس، رَوَى عن عبد الرزاق بن همام، وإبراهيم بن خالد الصنعانيين، وسفيان، رَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن عوف البزدويّ، وابنه أحمد بن أبي عوف، والمنذر بن شاذان، قال أبو داود: وهو ثقةٌ، وذكر هذه الجملة من أحواله الحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ، وذكره أبو محمد بن أبي حاتم في كتابه المشهور
стр. 11722
في الجرح والتعديل مختصرًا، وذكره الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسيّ في كتابه "رجال الصحيحين"، فقال: مخلد بن خالد الشَّعِيريّ سمع سفيان بن عيينة في الزكاة.
قال النوويّ ﵀: وإنما ذكرت هذا كله؛ لأن القاضي عياض قال: لم أجد أحدًا ذكر مخلد بن خالد الشَّعِيريّ في رجال الصحيح، ولا في غيرهم، قال: ولم يذكره الحاكم، ولا الباجيّ، ولا الجيانيّ، ومن تكلم على رجال الصحيح، ولا أحد من أصحاب المؤتلف والمختلف، ولا من أصحاب التقييد، ولا ذكروا مخلد بن خالد غير منسوب أصلًا، وبسط القاضي الكلام في إنكار هذا الاسم وأنه ليس في الرواة أحد يسمى مخلد بن خالد، لا في الصحيح ولا في غيره، وضم إليه كلامًا عجيبًا، وهذا الذي ذكره من العجائب، فمخلد بن خالد مشهور، كما ذكرناه أولًا، وبالله التوفيق. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تعقّب جيّد.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وروى عنه أبو داود ثلاثين حديثًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ في الْحَدِيثِ) الفاعل ضمير مخلد بن خالد.
[تنبيه]: رواية مخلد بن خالد، عن سفيان بن عيينة هذه لم أر من ساقها تامّة، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤٦] (١٠٦١) - (حَدَّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا، قَسَمَ الْغَنَائِمَ، فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأنصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأنصَارِ، ألَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا،
стр. 11723
فَهَدَاكُمُ الله بِي؟ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ، فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟ " وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: "أَلَا تُجِيبُونِي؟ (١) " فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا"، لِأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا، زَعَمَ عَمْروٌ أَنْ لَا يَحْفَظَهَا، فَقَالَ: "أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْإِبِلِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا (٢)، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٩٥/ ٢٠٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ) بن أبي حسن المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات بعد (١٣٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٨/ ٤٦٤.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمِ) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] وقد قيل: إن له رؤية (ع) تقدم في "الحيض" ٢٥/ ٨١٠.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدِ) بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ الشهير، استُشهِد ﵁ بالحرّة سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، كما مرّ أيضًا.
стр. 11724
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا، قَسَمَ الْغَنَائِمَ) أي غنائم حنين، وقد تقدّم أنها كانت ستة آلاف من النساء والأطفال، وأربعة وعشرين ألفًا من الإبل، وأربعين ألف شاة (فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ) المراد بالمؤلفة ناسٌ من قريش أسلموا يوم الفتح إسلامًا ضعيفًا، وقيل: كان فيهم من لم يُسلم بعد كصفوان بن أمية.
وقد اختُلِف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقّين للزكاة، فقيل: كُفّار يُعْطَون ترغيبًا في الإسلام، وقيل: مسلمون لهم أتباع كفّار؛ ليتألفوهم، وقيل: مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام؛ ليتمكن الإسلام من قلوبهم.
وأما المراد بالمؤلفة هنا فهذا الأخير؛ لقوله في رواية الزهريّ في الباب: "فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم".
ووقع في حديث أنس المتقدّم ذكره في الباب: "لَمّا فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش"، والمراد بهم مَن فُتِحت مكة، وهم فيها، وفي رواية له: "فقسم في المهاجرين، والطّلقاء"، والمراد بالطلقاء جمع طَلِيق من حَصَّل من النبيّ ﷺ المنّ عليه يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم، والمراد بالمهاجرين من أسلم قبل فتح مكة، وهاجر إلى المدينة، وقد تقدّم سرد أسماء المؤلّفة قلوبهم، في شرح حديث أنس ﵁ الماضي، فراجعه تستفد.
(فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ) أي من الغنائم، وفي رواية البخاريّ: "ولم يُعط من الأنصار شيئًا، فكأنهم وَجَدوا؛ إذ لم يُصبهم ما أصاب الناس".
قال في "الفتح": قوله: "ولم يُعْطِ الأنصار شيئًا" ظاهرٌ في أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة.
وقال القرطبيّ ﵀ في "المفهم": واختُلف في هذا العطاء الذي أعطاه النبيّ ﷺ لهؤلاء المؤلّفة قلوبهم، هل كان من الخمس؟ أو كان من صُلب الغنيمة؟، والإجراء على أصول الشريعة أن يكون من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه ﷺ ، وقد قال ﷺ في هذه الغزوة للأعرابيّ: "ما لي مما أفاء الله عليكم
стр. 11725
إلا الخمس، والخمس مردود فيكم"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عن -، والظاهر من مراجعة الأنصار، وقول النبيّ ﷺ : "ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم" أنه كان من صُلْب الغنيمة، وأن ذلك إنما كان لِمَا يعلم من رضا أصحابه بذلك، ولطيب قلوبهم به، أو يكون هذا مخصوصًا بتلك الواقعة، وله أن يفعل ما شاء في الأموال والرقاب، والأصل التمسّك بقواعد الشريعة على ما تقرّرت، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح - كما في "الفتح"- كون العطاء من صلب الغنيمة، يؤيّد ذلك ما تقدّم في رواية قتادة، عن أنس ﵁، حيث قال ﷺ : "إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم، وأتألفهم".
وقيل: إنما تصَرَّف في الغنيمة؛ لأن الأنصار كانوا انهزموا، فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار، فردّ الله أمر الغنيمة لنبيه ﷺ ، وهذا معنى القول السابق بأنه خاصّ بهذه الواقعة، واختار أبو عبيد أنه كان من الخمس.
وقال ابن القيم ﵀: اقتَضَت حكمة الله تعالى أن فتح مكة كان سببًا لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام، وكانوا يقولون: دعوه وقومَه، فإن غلبهم دخلنا في دينه، وإن غلبوه كَفَونا أمره، فلما فتح الله عليه استمرّ بعضهم على ضلاله، فجمعوا له، وتأهبوا لحربه، وكان من الحكمة في ذلك أن يَظْهَر أن الله نصر رسوله ﷺ لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل، ولا بانكفاف قومه عن قتاله، ثم لَمّا قدّر الله له من غلبته إياهم قدَّر وقوع هزيمة المسلمين مع كثرة عَدَدهم، وقوّة عُدَدِهم؛ ليتبين لهم أن النصر الحقّ إنما هو من عنده، لا بقوّتهم، ولو قدّر أن لا يَغلبوا الكفار ابتداء لرجع مَن رجع منهم شامخ الرأس متعاظمًا، فقدّر هزيمتهم، ثم أعقبهم النصر ليدخلوا مكة، كما دخلها النبي ﷺ يوم الفتح متواضعًا، متخشعًا، واقتضت حكمته أيضًا أن غنائم الكفار لَمّا حَصَلت، ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لِمَا بقي فيه من
стр. 11726
الطبع البشريّ في محبة المال، فقسمه فيهم؛ لتطمئن قلوبهم، وتجتمع على محبته؛ لأنها جُبِلت على حبّ من أحسن إليها، ومَنَع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين، ورؤساء الأنصار، مع ظهور استحقاقهم لجميعها؛ لأنه لو قَسَم ذلك فيهم، لكان مقصورًا عليهم، بخلاف قسمته على المؤلّفة؛ لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سببًا لدخولهم في الإسلام، ولتقوية قلب من دخل فيه قبلُ تَبِعهم من دونهم في الدخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة، ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلًا ولا كثيرًا مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يُعينهم على ما هم فيه، فحرّك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى كثيرةم أن يَخرجوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، فكانوا غنيمة للمسلمين، ولو لم يَقذف الله في قلب رئيسهم أن سوقها معهم هو الصواب، لكان الرأي ما أشار إليه دُرَيد فخالفه، فكان ذلك سببًا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، ثم اقتضت تلك الحكمة أن تُقسم تلك الغنائم في المؤلفة، ويُوكَل مَن قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثم كان من تمام التأليف ردُّ من سُبي منهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام، فدخلوا طائعين راغبين، وجَبَر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب، فصَرَّف عنهم شرَّ من كان يجاورهم من أشدّ العرب من هوازن وثقيف بما وقع بهم من الكسر، وبما قيّض لهم من الدخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدّتها وكثرتها.
وأما قصة الأنصار، وقول من قال منهم، فقد اعتَذَر رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم، ولما شَرَح لهم ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مذعنين، ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله ﷺ إلى بلادهم، فسَلَوا عن الشاة والبعير والسبايا من الأنثى والصغير بما حازوه من الفوز العظيم، ومجاورة النبيّ الكريم ﷺ لهم حيًّا وميتًا، وهذا دأب الحكيم، يعطي كل أحد ما يناسبه. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ ملخصًا (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس.
стр. 11727
(فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) وفي رواية الزهريّ، عن أنس: "فحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، فلم يَدْعُ معهم غيرهم، فلما اجتمعوا، جاءهم رسول الله ﷺ ، فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثةٌ أسنانهم، فقالوا … إلخ، وفي رواية هشام بن زيد: "فجمعهم في قبة من أدم، فقال: "يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني؟ " فسكتوا".
ويُحْمَل على أن بعضهم سكت، وبعضهم أجاب، وفي رواية أبي التيّاح عن أنس، عند الإسماعيليّ: "فجمعهم، فقال: "ما الذي بلغني عنكم"؟ قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يَكْذِبون"، ولأحمد من طريق ثابت، عن أنس، أن النبيّ ﷺ أعطى أبا سفيان، وعيينة، والأقرع، وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الأنصار: "سيوفنا تقطر من دمائهم، وهم يذهبون بالمغنم … "، فذكر الحديث، وفيه: "ثم قال: "أقلتم كذا وكذا؟ " قالوا: نعم"، وإسناده على شرط مسلم، وكذا ذكر ابن إسحاق، عن أبي سعيد الخدريّ أن الذي أخبر النبيّ ﷺ بمقالتهم سعد بن عبادة، ولفظه: "لَمّا أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وَجَدَ هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك، فقال له: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟ " قال: ما أنا إلا من قومي، قال: "فاجمع لي قومك"، فخرج، فجمعهم … " الحديث.
وأخرجه أحمد من هذا الوجه، وهذا يعكُر على الرواية التي فيها: "أما رؤساؤنا، فلم يقولوا شيئًا"؛ لأن سعد بن عبادة من رؤساء الأنصار بلا ريب، إلا أن يُحْمَل على الأغلب الأكثر، وأن الذي خاطبه بذلك سعد بن عبادة، ولم يُرد إدخال نفسه في النفي، أو أنه لم يقل لفظًا، وإن كان رضي بالقول المذكور، فقال: ما أنا إلا من قومي، وهذا أوجه، والله أعلم، قاله في "الفتح" (١).
стр. 11728
(ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا) بالضمّ، والتشديد: جمع ضالّ، والمراد هنا ضلالة الشرك (فَهَدَاكُمُ الله بِي) المراد بالهداية الإيمان، وقد رتّب ﷺ ما مَنَّ الله تعالى عليهم على يده من النِّعَم ترتيبًا بالغًا، فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثَنّى بنعمة الأُلْفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن الأموال تُبْذَل في تحصيلها، وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع؛ لِمَا وقع بينهم منِ حرب بُعَاثَ، وغيرها، فزال ذلك كله بالإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٣].
(وَعَالَةً) بالعين المهملة: أي فقراء لا مال لهم، والْعَيْلة الفقر (فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي) أي بسبب اتّباعكم لي، وجهادكم معي، ففتح الله تعالى عليكم من الغنائم، فصرتم أغنياء (وَمُتَفَرِّقِينَ) أي بسبب العصبيّة الجاهليّة، فإنهم كانوا متحاربين من سنين طويلة (فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟ " وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) - بفتح الهمزة والميم والتشديد: أفعلُ تفضيل من الْمَنّ.
(فَقَالَ) ﷺ ("أَلَا تُجِيبُونِي؟ ") وفي نسخة: "ألا تجيبونني" (فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) وفي حديث أبي سعيد ﵁: "فقالوا: ماذا نُجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله الْمَنُّ والفضل".
(فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية البخاريّ: "قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا" (لِأشْيَاءَ عَدَّدَهَا) الفاعل ضمير عبّاد بن تميم الراوي عن عبد الله بن زيد ﵁ (زَعَمَ عَمْرٌو) أي ابن يحيى الراوي عن عبّاد (أَنْ لَا يَحْفَظَهَا) "أن" مخفّفة من الثقيلة؛ أي أنه لا يحفظ تلك الأشياء التي عدّدها شيخه، وفي هذا ردٌّ على من قال: إن الراوي كَنَى عن ذلك عمدًا على طريق التأدب، وقد جوّز بعضهم أن يكون المراد: جئتنا ونحن على ضلالة، فهُدينا بك، وما أشبه ذلك، وفيه بُعْدٌ، فقد فُسِّر ذلك في حديث أبي سعيد ﵁، ولفظه: "فقال: أما والله لو شئتم لقلتم، فَصَدَقْتُم، وصُدِّقتم: أتيتنا مُكَذَّبًا فصَدَّقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فواسيناك"، ونحوُه في مغازي أبي الأسود، عن عروة مرسلًا وابنِ عائذ من حديث ابن عباس موصولًا، وفي مغازي سليمان التيميّ أنهم
стр. 11729
قالوا في جواب ذلك: رضينا عن الله ورسوله، وكذا ذكر موسى بن عقبة في "مغازيه" بغير إسناد، وأخرجه أحمد عن ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس، بلفظ: "أفلا تقولون: جئتنا خائفًا فآمناك، وطريدًا فآويناك، ومخذولًا فنصرناك"، فقالوا: بل الْمَنّ علينا لله ولرسوله، وإسناده صحيح.
ورَوَى أحمد من وجه آخر، عن أبي سعيد قال: قال رجل من الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم، قال: فردوا عليه ردًّا عنيفًا، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ الحديث.
وإنما قال ﷺ ذلك تواضعًا منه، وإنصافًا، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم، فإنه لولا هجرته ﷺ إليهم، وسكناه عندهم، لَمَا كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نَبَّهَ على ذلك بقوله ﷺ : "ألا ترضون إلخ"، فنبههم على ما غَفَلوا عنه من عظيم ما اختَصُّوا به منه بالنسبة إلى ما حَصَل عليه غيرهم من عَرَض الدنيا الفانية، قاله في "الفتح" (١).
(فَقَالَ) ﷺ ("أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْإِبِلِ) ولفظ البخاريّ: "بالشاة والبعير" وهو اسم جنس فيهما، والشاة تقع على الذكر والأنثى، وكذا البعير، وفي رواية الزهريّ: "أن يذهب الناس بالأموال"، وفي رواية قتادة، وأبي التيّاح: "أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا" (وَتَذْهَبُونَ برَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟) -بالحاء المهملة-: أي بيوتكم، وهي رواية قتادة وأبَي التيّاح، زاد في رواية الزهريّ، عن أنس: "فوالله لَمَا تنقلبون به خير مما ينقلبون به"، وزاد فيه أيضًا: "قالوا: يا رسول الله قد رضينا"، وفي رواية أبي التيّاح: "قالوا: بلى" (٢)، وذكر الواقديّ أنه حينئذ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فُتِح عليه من الأرض، فَأَبَوا، وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا (٣).
стр. 11730
(الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ) "الشعار"- بكسر المعجمة، بعدها مهملة خفيفة-: الثوب الذي يلي الجلد من الجسد، و"الدثار"- بكسر المهملة، ومثلثة خفيفة-: الذي فوقه، وهي استعارة لطيفة لِفَرْط قربهم منه ﷺ ، وأراد أيضًا أنهم بطانته وخاصته، وأنهم ألصق به، وأقرب إليه من غيرهم، زاد في حديث أبي سعيد ﵁: "اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار"، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لِحَاهم، وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قَسْمًا وحَظًّا".
(وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ) أي لولا وجود الهجِرة (لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الْأنْصَارِ) قال الخطابيّ ﵀: أراد ﷺ بهذا الكلام تألف الأنصار، واستطابة نفوسهم، والثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحدًا منهم، لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها، ونسبة الإنسان تقع على وجوه، منها: الولادة، كالقرشيّة، والبلادية، كالكوفيّة، والاعتقادية، كالسنّية، والصناعية، كالصيرفيّة، ولا شك أنه ﷺ لم يرد الانتقال عن نسب آبائه؛ لأنه ممتنع قطعًا، وكيف وأنه أفضل منهم نسبًا، وأكرمهم أصلًا، وأما الاعتقاديّ فلا معنى للانتقال فيه؛ إذ كان دينه ودينهم واحدًا، فلم يبق إلا القسمان الآخران، الجائز فيهما الانتقال، وكانت المدينة دار الأنصار، والهجرة إليها أمرًا واجبًا؛ أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم.
قال الخطابيّ: وفيه وجه آخر، وهو أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة، وتكاد تلحقها بالعمومة، وكانت أم عبد المطلب امرأة من بني النجار، فقد يكون ﷺ ذهب هذا المذهب، وأراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة، لولا مانع الهجرة.
وقال ابن الجوزيّ ﵀: لم يرد ﷺ تغير نسبه، ولا محو هجرته، وإنما أراد أنه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة، وإلى نصرة الدين، فالتقدير: لولا أن النسبة إلى الهجرة نسبة دينية، لا يسع تركها، لانتسبت إلى داركم.
وقال القرطبيّ ﵀: معناه: لتسميت باسمكم، وانتسبت إليكم، كما كانوا ينتسبون بالْحِلْف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها سبقت، فمنعت من