← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.

стр. 11726

الطبع البشريّ في محبة المال، فقسمه فيهم؛ لتطمئن قلوبهم، وتجتمع على محبته؛ لأنها جُبِلت على حبّ من أحسن إليها، ومَنَع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين، ورؤساء الأنصار، مع ظهور استحقاقهم لجميعها؛ لأنه لو قَسَم ذلك فيهم، لكان مقصورًا عليهم، بخلاف قسمته على المؤلّفة؛ لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سببًا لدخولهم في الإسلام، ولتقوية قلب من دخل فيه قبلُ تَبِعهم من دونهم في الدخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة، ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلًا ولا كثيرًا مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يُعينهم على ما هم فيه، فحرّك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى كثيرةم أن يَخرجوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، فكانوا غنيمة للمسلمين، ولو لم يَقذف الله في قلب رئيسهم أن سوقها معهم هو الصواب، لكان الرأي ما أشار إليه دُرَيد فخالفه، فكان ذلك سببًا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، ثم اقتضت تلك الحكمة أن تُقسم تلك الغنائم في المؤلفة، ويُوكَل مَن قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثم كان من تمام التأليف ردُّ من سُبي منهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام، فدخلوا طائعين راغبين، وجَبَر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب، فصَرَّف عنهم شرَّ من كان يجاورهم من أشدّ العرب من هوازن وثقيف بما وقع بهم من الكسر، وبما قيّض لهم من الدخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدّتها وكثرتها. وأما قصة الأنصار، وقول من قال منهم، فقد اعتَذَر رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم، ولما شَرَح لهم ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مذعنين، ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله ﷺ إلى بلادهم، فسَلَوا عن الشاة والبعير والسبايا من الأنثى والصغير بما حازوه من الفوز العظيم، ومجاورة النبيّ الكريم ﷺ لهم حيًّا وميتًا، وهذا دأب الحكيم، يعطي كل أحد ما يناسبه. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ ملخصًا (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس.

стр. 11727

(فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) وفي رواية الزهريّ، عن أنس: "فحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، فلم يَدْعُ معهم غيرهم، فلما اجتمعوا، جاءهم رسول الله ﷺ ، فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثةٌ أسنانهم، فقالوا … إلخ، وفي رواية هشام بن زيد: "فجمعهم في قبة من أدم، فقال: "يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني؟ " فسكتوا". ويُحْمَل على أن بعضهم سكت، وبعضهم أجاب، وفي رواية أبي التيّاح عن أنس، عند الإسماعيليّ: "فجمعهم، فقال: "ما الذي بلغني عنكم"؟ قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يَكْذِبون"، ولأحمد من طريق ثابت، عن أنس، أن النبيّ ﷺ أعطى أبا سفيان، وعيينة، والأقرع، وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الأنصار: "سيوفنا تقطر من دمائهم، وهم يذهبون بالمغنم … "، فذكر الحديث، وفيه: "ثم قال: "أقلتم كذا وكذا؟ " قالوا: نعم"، وإسناده على شرط مسلم، وكذا ذكر ابن إسحاق، عن أبي سعيد الخدريّ أن الذي أخبر النبيّ ﷺ بمقالتهم سعد بن عبادة، ولفظه: "لَمّا أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش، وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وَجَدَ هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك، فقال له: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟ " قال: ما أنا إلا من قومي، قال: "فاجمع لي قومك"، فخرج، فجمعهم … " الحديث. وأخرجه أحمد من هذا الوجه، وهذا يعكُر على الرواية التي فيها: "أما رؤساؤنا، فلم يقولوا شيئًا"؛ لأن سعد بن عبادة من رؤساء الأنصار بلا ريب، إلا أن يُحْمَل على الأغلب الأكثر، وأن الذي خاطبه بذلك سعد بن عبادة، ولم يُرد إدخال نفسه في النفي، أو أنه لم يقل لفظًا، وإن كان رضي بالقول المذكور، فقال: ما أنا إلا من قومي، وهذا أوجه، والله أعلم، قاله في "الفتح" (١).

стр. 11728

(ثُمَّ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا) بالضمّ، والتشديد: جمع ضالّ، والمراد هنا ضلالة الشرك (فَهَدَاكُمُ الله بِي) المراد بالهداية الإيمان، وقد رتّب ﷺ ما مَنَّ الله تعالى عليهم على يده من النِّعَم ترتيبًا بالغًا، فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثَنّى بنعمة الأُلْفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن الأموال تُبْذَل في تحصيلها، وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع؛ لِمَا وقع بينهم منِ حرب بُعَاثَ، وغيرها، فزال ذلك كله بالإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٣]. (وَعَالَةً) بالعين المهملة: أي فقراء لا مال لهم، والْعَيْلة الفقر (فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي) أي بسبب اتّباعكم لي، وجهادكم معي، ففتح الله تعالى عليكم من الغنائم، فصرتم أغنياء (وَمُتَفَرِّقِينَ) أي بسبب العصبيّة الجاهليّة، فإنهم كانوا متحاربين من سنين طويلة (فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي؟ " وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) - بفتح الهمزة والميم والتشديد: أفعلُ تفضيل من الْمَنّ. (فَقَالَ) ﷺ ("أَلَا تُجِيبُونِي؟ ") وفي نسخة: "ألا تجيبونني" (فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) وفي حديث أبي سعيد ﵁: "فقالوا: ماذا نُجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله الْمَنُّ والفضل". (فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية البخاريّ: "قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا" (لِأشْيَاءَ عَدَّدَهَا) الفاعل ضمير عبّاد بن تميم الراوي عن عبد الله بن زيد ﵁ (زَعَمَ عَمْرٌو) أي ابن يحيى الراوي عن عبّاد (أَنْ لَا يَحْفَظَهَا) "أن" مخفّفة من الثقيلة؛ أي أنه لا يحفظ تلك الأشياء التي عدّدها شيخه، وفي هذا ردٌّ على من قال: إن الراوي كَنَى عن ذلك عمدًا على طريق التأدب، وقد جوّز بعضهم أن يكون المراد: جئتنا ونحن على ضلالة، فهُدينا بك، وما أشبه ذلك، وفيه بُعْدٌ، فقد فُسِّر ذلك في حديث أبي سعيد ﵁، ولفظه: "فقال: أما والله لو شئتم لقلتم، فَصَدَقْتُم، وصُدِّقتم: أتيتنا مُكَذَّبًا فصَدَّقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فواسيناك"، ونحوُه في مغازي أبي الأسود، عن عروة مرسلًا وابنِ عائذ من حديث ابن عباس موصولًا، وفي مغازي سليمان التيميّ أنهم

стр. 11729

قالوا في جواب ذلك: رضينا عن الله ورسوله، وكذا ذكر موسى بن عقبة في "مغازيه" بغير إسناد، وأخرجه أحمد عن ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس، بلفظ: "أفلا تقولون: جئتنا خائفًا فآمناك، وطريدًا فآويناك، ومخذولًا فنصرناك"، فقالوا: بل الْمَنّ علينا لله ولرسوله، وإسناده صحيح. ورَوَى أحمد من وجه آخر، عن أبي سعيد قال: قال رجل من الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم، قال: فردوا عليه ردًّا عنيفًا، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ الحديث. وإنما قال ﷺ ذلك تواضعًا منه، وإنصافًا، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم، فإنه لولا هجرته ﷺ إليهم، وسكناه عندهم، لَمَا كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نَبَّهَ على ذلك بقوله ﷺ : "ألا ترضون إلخ"، فنبههم على ما غَفَلوا عنه من عظيم ما اختَصُّوا به منه بالنسبة إلى ما حَصَل عليه غيرهم من عَرَض الدنيا الفانية، قاله في "الفتح" (١). (فَقَالَ) ﷺ ("أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْإِبِلِ) ولفظ البخاريّ: "بالشاة والبعير" وهو اسم جنس فيهما، والشاة تقع على الذكر والأنثى، وكذا البعير، وفي رواية الزهريّ: "أن يذهب الناس بالأموال"، وفي رواية قتادة، وأبي التيّاح: "أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا" (وَتَذْهَبُونَ برَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟) -بالحاء المهملة-: أي بيوتكم، وهي رواية قتادة وأبَي التيّاح، زاد في رواية الزهريّ، عن أنس: "فوالله لَمَا تنقلبون به خير مما ينقلبون به"، وزاد فيه أيضًا: "قالوا: يا رسول الله قد رضينا"، وفي رواية أبي التيّاح: "قالوا: بلى" (٢)، وذكر الواقديّ أنه حينئذ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فُتِح عليه من الأرض، فَأَبَوا، وقالوا: لا حاجة لنا بالدنيا (٣).

стр. 11730

(الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ) "الشعار"- بكسر المعجمة، بعدها مهملة خفيفة-: الثوب الذي يلي الجلد من الجسد، و"الدثار"- بكسر المهملة، ومثلثة خفيفة-: الذي فوقه، وهي استعارة لطيفة لِفَرْط قربهم منه ﷺ ، وأراد أيضًا أنهم بطانته وخاصته، وأنهم ألصق به، وأقرب إليه من غيرهم، زاد في حديث أبي سعيد ﵁: "اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار"، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لِحَاهم، وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قَسْمًا وحَظًّا". (وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ) أي لولا وجود الهجِرة (لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الْأنْصَارِ) قال الخطابيّ ﵀: أراد ﷺ بهذا الكلام تألف الأنصار، واستطابة نفوسهم، والثناء عليهم في دينهم، حتى رضي أن يكون واحدًا منهم، لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها، ونسبة الإنسان تقع على وجوه، منها: الولادة، كالقرشيّة، والبلادية، كالكوفيّة، والاعتقادية، كالسنّية، والصناعية، كالصيرفيّة، ولا شك أنه ﷺ لم يرد الانتقال عن نسب آبائه؛ لأنه ممتنع قطعًا، وكيف وأنه أفضل منهم نسبًا، وأكرمهم أصلًا، وأما الاعتقاديّ فلا معنى للانتقال فيه؛ إذ كان دينه ودينهم واحدًا، فلم يبق إلا القسمان الآخران، الجائز فيهما الانتقال، وكانت المدينة دار الأنصار، والهجرة إليها أمرًا واجبًا؛ أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. قال الخطابيّ: وفيه وجه آخر، وهو أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة، وتكاد تلحقها بالعمومة، وكانت أم عبد المطلب امرأة من بني النجار، فقد يكون ﷺ ذهب هذا المذهب، وأراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة، لولا مانع الهجرة. وقال ابن الجوزيّ ﵀: لم يرد ﷺ تغير نسبه، ولا محو هجرته، وإنما أراد أنه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة، وإلى نصرة الدين، فالتقدير: لولا أن النسبة إلى الهجرة نسبة دينية، لا يسع تركها، لانتسبت إلى داركم. وقال القرطبيّ ﵀: معناه: لتسميت باسمكم، وانتسبت إليكم، كما كانوا ينتسبون بالْحِلْف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها سبقت، فمنعت من

стр. 11731

ذلك، وهي أعلى وأشرف، فلا تتبدل بغيرها، وقيل: معناه: لكنت من الأنصار في الأحكام والعداد، وقيل: التقدير: لولا أن ثواب الهجرة أعظم لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار، ولم يرد ظاهر النسب أصلًا، وقيل: لولا التزامي بشروط الهجرة، ومنها ترك الإقامة بمكة فوق ثلاث لاخترت أن أكون من الأنصار، فيباح لي ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القرطبيّ ﵀ أوّلًا هو الأقرب، وقريب مما قاله الخطّابيّ، وابن الجوزيّ، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا) هو المكان المنخفض، وقيل: الذي فيه ماء، والمراد هنا بلدهم (وَشِعْبًا) وفي نسخة: "أو شِعبًا"، وعليها فتكون "أو" للشك من الراوي، أو هي بمعنى الواو، وهذا أولى، فقد وقع عند البخاريّ بالواو، و"الشِّعْب"- بكسر الشين المعجمة-: اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل: الطريق في الجبل. (لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ) أراد النبيّ ﷺ بهذا، وبما سبق من قوله: "الأنصار شعار إلخ" التنبيهَ على جزيل ما حَصَل لهم من ثواب النصرة، والقناعة بالله تعالى ورسوله ﷺ عن الدنيا، ومَن هذا وصفه فحقّه أن يُسْلَك طريقه، ويُتَّبَع حاله. قال الخطابيّ ﵀: لَمّا كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت في السفر الطُّرُق سلك كل قوم منهم واديًا وشعبًا، فأراد ﷺ أنه مع الأنصار. قال: ويَحْتَمِل أن يريد بالوادي المذهب، كما يقال: فلان في وادٍ، وأنا في وادٍ. انتهى، والأول أقرب، والله تعالى أعلم. وقال في "المرقاة": وقيل: أراد ﷺ بذلك حسن موافقته إياهم، وترجيحهم في ذلك على غيرهم؛ لِمَا شاهد منهم حسن الوفاء بالعهد، وحسق الجوار، وما أراد بذلك وجوب متابعته إياهم، فإن متابعته حقّ على كل مؤمن؛ لأنه ﷺ هو المتبوع المطاع، لا التابع المطيع. انتهى (١).

стр. 11732

(إِنَّكُمْ) التفاتٌ إليهم، متضمن للترحّم عليهم (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً) - بضم الهمزة، وسكون المثلثة، وبفتحتين، ويجوز كسر أوله، مع الإسكان- هو: أي الانفراد بالشيء المشترَك دون من يَشْرَكه فيه، وفي رواية الزهريّ: "أثرةً شديدةً". والمعنى: ستلقون بعد موتي استئثارًا صعبًا عليكم، يستأثر عليكم أمراؤكم بأمور الدنيا من المغانم والفيء، ونحوهما، ويفضلون عليكم أنفسهم، أو من هوأدنى إليهم منكم. (فَاصْبِرُوا) على ذلك الاستئثار (حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ) أي يوم القيامة، وفي رواية الزهريّ: "حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض"؛ أي اصبروا حتى تموتوا، فإنكم ستجدوني عند الحوض، فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم، والثواب الجزيل على الصبر، قاله في "العمدة" (١). وقال القاري: أي فحينئذ يحصل جبر خاطركم المتعطشِ إلى لقائي بسقيكم شَرْبةً لا تظمؤون بعدها أبدًا (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأول): حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٢٤٤٦] (١٠٦١)، و (البخاريّ) في "المغازي" (٤٣٣٠) و"التمنّي" (٧٢٤٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٥)، والله تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أنس بن مالك ﵁ المذكور أول الباب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11733

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٧] (١٠٦٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ الله ﷺ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ (١)، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ (٢) رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ، ثُمَّ قَالَ: "فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ "، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ"، قَالَ: قُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر في الباب. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦. ٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود ﵁ مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ

стр. 11734

قرن بينهم" لاتحاد كيفيّة تلقّيه عنهم، ثم فصل بينهم؛ لاختلافهم فيها، وقد سبق بيان هذا غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثاني ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى شيخه زُهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وقد دخل الكوفة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ صغير عن تابعيّ كبير مخضرم، على قول من يقول: إن منصورًا من صغار التابعين. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﵃، ذو مناقب جمّة، وقد ذكر بعضها غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن فيه القاعدة التي تأتي في كثير من الأسانيد، وهي أنه إذا أُطلق عبد الله من الصحابة في السند يُنظر إلى السند، فإن كان كوفيًّا، كهذا السند فهو ابن مسعود ﵁، وإن كان مدنيًّا، فهو ابن عمر، وإن كان مكيًّا فهو ابن الزبير، وإن كان بصريًّا، فهو ابن عبّاس، وإن مصريًّا أو شاميًّا فهو ابن عمرو بن العاص ﵃، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حيث قال: وَحَيْثُمَا اُطْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عَمَرٍ وَإِنْ يَفِ بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ) "كان" هنا تامّة، و"يوم" مرفوع على الفاعليّة؛ أي جاءت غزوة يوم حنين، ويَحْتَمل أن تكون تامّة، و"يومُ" اسمها، وخبرها محذوف؛ أي واقعًا أو حاضرًا (آثَرَ) بالمدّ: أي فضّل (رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا) الناس: اسمٌ وُضع للجمع، كالقوم، والرَّهْط، وواحده إنسانٌ من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلّى وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، وقد سبق تمام البحث فيه (فِي الْقِسْمَةِ)

стр. 11735

بالكسر اسم من الاقتسام، ويُطلق أيضًا على النصيب، ويُجمع على القِسَم، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ، وهو المناسب هنا؛ أي فضّلهم على غيرهم في الحظّ من الغنيمة، وفي نسخة: "في الغنيمة"؛ أي آثرهم في قسمة الغنيمة (فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ) تقدّم أسماء الذين أعطاهم النبيّ ﷺ مع هؤلاء في شرح الحديث الماضي، وقوله: (وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ) جملة مؤكّدة لما قبلها (فَقَالَ رَجُلٌ) قال في "الفتح": في رواية الأعمش: "فقال رجل من الأنصار"، وفي رواية الواقديّ: إنه معتّب بن قُشير من بني عمرو بن عوف، وكان من المنافقين، وفيه تعقّب على مغلطاي حيث قال: لم أر أحدًا قال: إنه من الأنصار إلا ما وقع هنا، وجزم بأنه حرقوص بن زُهير السعديّ، وتبعه ابن الملقِّن، وأخطأ في ذلك، فإن قصّة حرقوص غير هذه، كما سيأتي قريبًا من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁. انتهى (١). (وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا) بالبناء للمفعول (وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ) بالبناء للمفعول أيضًا، وفي رواية الأعمش عند البخاريّ: "ما أراد بها وجه الله". قال القرطبيّ ﵀: قوله: "ما عُدل فيها، وما أريد بها وجه الله" هذا قول جاهل بحال النبيّ ﷺ ، غليظ الطبع، حريصٌ، شَرِه، منافقٌ، وكان حقّه أن يُقتَل؛ لأنه آذى رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١] والعذاب في الدنيا هو القتل، لكن لم يقتله النبيّ ﷺ للمعنى الذي قاله، وهو ما في حديث جابر ﵁ الآتي: "معاذ الله أن يتحدّث الناس أني أقتل أصحابي"، ولهذه العلّة امتنع النبيّ ﷺ من قتل المنافقين، مع علمه بأعيان كثير منهم، وبنفاقهم، ولا يُلتفت لقول من قال بإبداء علّة أخرى؛ لأن حديث جابر ﵁ وغيره نصّ في تلك العلّة، وقد أُمنت تلك العلّة بعد رسول الله ﷺ ، فلا نفاق بعده، وإنما هو الزندقة، كذلك قال مالك ﵀، فمن آذى رسول الله ﷺ ، أو سبّه قُتل، ولا يُستتاب، وهذا هو الحقّ والصواب.

стр. 11736

انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ابن مسعود ﵁ (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ (٢) رَسُولَ اللهِ ﷺ ) وفي نسخة: "لأُخبرنّ بها رسول الله ﷺ " (قَالَ: فَأَتَيْتُهُ) ﷺ (فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ) ذلك الرجل (قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) ﷺ (حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ) -بكسر الصاد المهملة-: هو صبغ أحمر تُصْبَغ به الجلود، قال ابن دُريد: وقد يُسَمَّى الدم أيضًا صِرْفًا (٣)، وفي الرواية التالية: "فغضِبَ من ذلك غضبًا شديدًا، واحمرّ وجهه، حتى تمنّيتُ أني لم أذكره له". (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("فَمَنْ يَعْدِلُ) "من" استفهاميّة (إِنْ لَمْ يَعْدِلِ اللهُ) (وَرَسُولُهُ؟) ﷺ ، وجواب "إن" محذوف دلّ عليه ما قبله؛ أي فمن يعدل؟. ذكر الله إشارة إلى أنه ﷺ مبلّغ عن الله تعالى، فإذا لم يعدل هو لم يعدل الله ، فالاعتراض عليه ﷺ اعتراض على حكم الله . والاستفهام هنا إنكاريّ بمعنى النفي، والمعنى أنه لا أحد يعدل إذا لم يَعدل رسول الله ﷺ . قال القاضي عياض ﵀: حُكْمُ الشرع أن من سبّ النبيّ ﷺ كَفَرَ، وقُتِل، ولم يذكر في هذا الحديث أن هذا الرجل قُتِل. وقال المازريّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون لم يَفْهَم منه الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، والمعاصي ضربان: كبائر، وصغائر، فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع، واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر، ومن جَوَّزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص، وحينئذ فلعله ﷺ لم يعاقب هذا القائل؛ لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم. قال القاضي: هذا التأويل باطلٌ يدفعه قوله: "اعْدِلْ يا محمد"، و"اتق الله يا محمد"، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ، حتى استأذن عمر وخالد النبيّ ﷺ في قتله، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل

стр. 11737

أصحابه"، فهذه هي العلة، وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسَمِع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنه صَبَر؛ استبقاءً لانقيادهم، وتأليفًا لغيرهم؛ لئلا يتحدث الناس أنه يَقتل أصحابه فينفروا، وقد رأى الناس هذا المصنف في جماعتهم، وعَدُّوه من جملتهم. انتهى كلام القاضي ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ. (قَالَ) ابن مسعود ﵁ (ثُمَّ قَالَ) النبيّ ﷺ ("يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى) بن عمران ﵇ (قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ") أي آذاه قومه بأكثر من هذا الإيذاء، فصبر على أذاهم، ففيه تسلية لنفسه ﷺ ، وتحريض لأمته على الصبر على الأذى، وذلك امتثال لأمر الله تعالى بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٠]. [تنبيه]: أشار بقوله: "قد أوذي موسى" إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ الآية [الأحزاب: ٦٩]، وقد حُكِي في صفة أذاهم له ثلاث قِصَص: [إحداهما]: قولهم: هو آدر، وهو ما أخرجه الشيخان (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن موسى ﵇ كان رجلًا حَيِيًّا سَتِيرًا لا يُرَى من جلده شيءٌ؛ استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده، إما بَرَصٍ، وإما أُدْرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ﵇ فخلا يومًا وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتَسَل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجرُ ثوبي حجرُ حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله ، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطَفِق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أوأربعًا أو خمسًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩].

стр. 11738

وفي رواية: كانت بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، وكان مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله ما يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلا أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ … الحديث. [ثانيها]: في قصة موت هارون ﵇، فقد روى أحمد بن منيع في "مسنده"، والطحاويّ، وابن مردويه، من حديث عليّ ﵁ أن الآية المذكورة نزلت في طعن بني إسرائيل على موسى بسبب هارون؛ لأنه توجَّه معه إلى زيارة، فمات هارون، فدفنه موسى، فطَعَن فيه بعض بني إسرائيل، وقالوا: أنت قتلته، فبرأه الله تعالى بأن رفع لهم جسد هارون، وهو ميت، فخاطبهم بأنه مات. قال الحافظ ﵀: وفي الإسناد ضعف، ولو ثبت لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معًا؛ لصدق أن كلًّا منهما آذى موسى، فبرأه الله مما قالوا. انتهى. [ثالثها]: في قصته مع قارون، حيث أمر الْبَغِيّ أن تزعم أن موسى ﵇ راودها، حتى كان ذلك سبب هلاك قارون. أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: كان موسى يقول لبني إسرائيل: إن الله يأمركم بكذا، حتى دخل عليهم في أموالهم، فشَقَّ ذلك على قارون، فقال لبني إسرائيل: إن موسى يقول: من زنى رُجم، فتعالوا نجعل لبغيّ شيئًا، حتى تقول: إن موسى فعل بها، فيرجم، فنستريح منه، ففعلوا ذلك، فلما خطبهم موسى قالوا له: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، فقالوا: فقد زنيتَ، فجَزعَ، فأرسلوا إلى المرأة، فلما جاءت عَظُم عليها موسى، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل إلا صدقت، فأقَرَّت بالحقّ، فخرَّ موسى ساجدًا يبكي، فأوحى الله إليه: إني أمرت الأرض أن تطيعك، فأْمرها بما شئت، فأمرها، فخسفت بقارون ومن معه (١). (قَالَ) ابن مسعود ﵁ (قُلْتُ: لَا جَرَمَ) قال في "القاموس": "لا جرم"

стр. 11739

أي لا بُدّ، أو حقًّا، أو لا محالة، أو هذا أصله، ثم كثر حتى تحوّل إلى معنى القسم. انتهى. وقال في "النهاية": هذه كلمة تَرِدُ بمعنى تحقيق الشيء، وقد اختُلِف في تقديرها، فقيل: أصلها التبرئة، بمعنى لا بُدّ، ثم استُعمِلت في معنى حَقًا، وقيل: جَرَمَ بمعنى كَسَبَ، وقيل: بمعنى وَجَبَ، وحَقَّ و"لا" رَدٌّ لما قبلها من الكلام، ثم يُبتدأ بها، كقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢]؛ أي ليس الأمر كما قالوا، ثم ابتدأ فقال: وجب لهم النار، وقيل في قوله تعالى: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ [هود: ٨٩]: أي لا يحملنكم، ويَحْدُوكم، وقد تكررت في الحديث. انتهى (١). وقال ابن هشام الأنصاريّ ﵀: أن معنى "لا جرم" عند الفرّاء: لا بُدّ من كذا، أو لا محالة في كذا، فحذفت "من"، أو "في"، وقال قُطْرُب: "لا" رَدٌّ لما قبلها؛ أي ليس الأمر كما وصفوا، ثم ابتدئ ما بعده، و"جَرَمَ" فِعْلٌ، لا اسمٌ، ومعناه: وَجَبَ، وما بعده فاعلٌ، وقال قوم: "لا" زائدة، و"جَرَمَ" وما بعدها فعلٌ وفاعلٌ، كما قال قُطْرُب، وردّه الفراء بأن "لا" لا تزاد في أول الكلام. انتهى (٢). والمعنى هنا: حقًّا والتزامًا أن لا أرفع إليه ﷺ حديثًا أسمعه من الناس بعد هذه الحادثة؛ لئلا أُغضبه كما أغضبته في هذه المرّة، وفي الرواية التالية: "حتى تمنيتُ أني لم أذكره له". (لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ) ﷺ (بَعْدَهَا) أي بعد هذه المقالة، أو بعد هذه الواقعة التي غَضِب النبيّ ﷺ من أجلها (حَدِيثًا) إنما قال ذلك؛ لئلا يؤذيه بإبلاغ كلام المنافقين، فيتأثّر به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 11740

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ٢٤٤٧ و ٢٤٤٨] (١٠٦٢)، و (البخاريّ) في "فرض الخمس" (٣١٥٠) و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٠٥) و"المغازي" (٤٣٣٥ و ٤٣٣٦) و"الأدب" (٦٠٥٩ و ٦١٠٠) و"الدعوات" (٦٢٩١ و ٦٣٣٦)، و (الترمذيّ) في "المناقب" (٣٨٣١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٠ و ٤١١ و ٤٣٥ و ٤٤١ و ٤٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٦)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٤١٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٤٣٣)، و (الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إعطاء المؤلّفة قلوبهم من الغنيمة؛ تأليفًا لهم. ٢ - (ومنها): جواز إخبار الإمام، وأهل الفضل بما يقال فيهم، مما لا يليق بهم؛ ليحذروا القائل. ٣ - (ومنها): بيان ما يباح من الغيبة والنميمة؛ لأن صورتهما موجودة في صنيع ابن مسعود ﵁ هذا، ولم ينكره النبيّ ﷺ ، وذلك أن قَصْدَ ابن مسعود ﵁ كان نصحَ النبيّ ﷺ ، وإعلامه بمن يَطْعَن فيه، ممن يُظْهِر الإسلام، ويُبطِن النفاق؛ ليحذر منه، وهذا جائز، كما يجوز التجسس على الكفار؛ ليُؤْمَنَ من كيدهم، وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثْمًا عظيمًا، فلم يكن له حرمة. ٤ - (ومنها): أن في قوله ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ إلخ" تسليةً لنفسه ﷺ ، وتحريضًا لأمته على الصبر على الأذى. ٥ - (ومنها): بيان ما كان في الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من الصبر على الجهّال، واحتمال أذاهم، وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم. ٦ - (ومنها): بيان أن أهل الفضل قد يُغضِبهم ما يقال فيهم، مما ليس فيهم، ومع ذلك، فيتلقون ذلك بالصبر والحلم، كما صنع النبيّ ﷺ ؛ اقتداءً بموسى ﵇. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11741

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَارَرْتُهُ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْهُ لَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "قَدْ أَوُذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَصَبَرَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيرّ حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا) منصوب على المصدريّة، يقال: قَسَمت الشيءَ قسمًا، من باب ضرب: فَرَزته أجزاءً، فانقسم، والقِسْم بالكسر اسم منه، ثمّ أُطلق على الحصّة والنصيب، فيقال: هذا قِسْمي، والجمع أقسام، مثلُ حِمْل وأَحْمال، أفاده الفيّوميّ ﵀ (١). وقال التوربشتيّ ﵀: القَسْم مصدر قَسَمْتُ الشيءَ، فانقَسَمَ، سُمِّي الشيءُ المقسومُ، وهو الغنيمة بالمصدر، والقِسْم بالكسر: الحظّ والنصيب، ولا وجه للمكسور في الحديث؛ لأنه يختصّ بما إذا تفرد نصيبٌ، وهذا القَسْم كان في غنائم خيبر قسمها بالجعرانة (٢). وقوله: (فَسَارَرْتُهُ) أي كلّمته سرًّا. [تنبيه]: رواية الأعمش، عن شقيق هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:

стр. 11742

(٤٠٨٠) - حدّثنا قَبِيصَةُ، حدّثنا سُفْيَانُ، عن الْأَعْمَشِ، عن أبي وَائِلٍ، عن عبد اللهِ، قال: لَمَّا قَسَمَ النبيّ ﷺ قِسْمَةَ حُنَيْنٍ، قال رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ: ما أَرَادَ بها وَجْهَ اللهِ، فَأَتَيْتُ النبيّ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قال: "رَحْمَةُ اللهِ على مُوسَى، لقد أُوذِيَ بِأَكْثَرَ من هذا، فَصَبَرَ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٥) - (بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٤٩] (١٠٦٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بن الْمُهَاجِرِ، أخبرنا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ، مُنْصَرَفَهُ من حُنَيْنٍ، وفي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبِضُ منها، يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ، قَالَ: "وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟، لقد خِبْتَ وَخَسِرْتَ، إنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ"، فَقَال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْتُلَ هذا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: "مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ الناس أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يقرأون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بن الْمُهَاجِرِ) التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يُدَلِّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.

стр. 11743

٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْد اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه والليث مصريّان، ويحيى والصحابيّ مدنيّان، وأبو الزبير مكيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وقد غزا مع النبيّ ﷺ تسع عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) كذا رواه المصنّف، ورواه البخاريّ عن مسلم بن إبراهيم، عن قرّة بن خالد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵄. قال في "الفتح": وقد خالف زيدُ بن الْحُبَاب مسلم بن إبراهيم فيه، فقال: عن قُرَّة، عن أبي الزبير، بدل عمرو بن دينار، أخرجه مسلم -يعني الرواية التالية- وسياقه أتمّ، ورواية البخاريّ أرجح، فقد وافق شيخه على ذلك عن قرة عثمانُ بنُ عمرو، عند الإسماعيليّ، والنضرُ بنُ شُمَيل عند أبي نعيم، فاتفاق هؤلاء الحفاظ الثلاثة أرجح من انفراد زيد بن الحباب عنهم. ويَحْتَمِل أن يكون الحديث عند قُرّة عن شيخين، بدليل أن في رواية أبي الزبير زيادةً على ما في رواية هؤلاء كلهم عن قرة، عن عمرو. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو المتعيّن، كما هو رأي

стр. 11744

المصنّف ﵀، حيث أخرجه من رواية ابن الحباب عن أبي الزبير أيضًا، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللهِ) ﵄ أنه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) قيل: هو ذو الْخُوَيصرة التميميّ، واعترضه الحافظ ﵀ بأن القصة التي في حديث جابر ﵁ صُرِّح في حديثه بأنها كانت مُنْصَرَف النبيّ ﷺ من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الذي قسمة النبيّ ﷺ حينئذ فضةً كانت في ثوب بلال ﵁، وكان يُعطي كلَّ من جاء منها، والقصة التي في حديث أبي سعيد ﵁ صَرِّح في رواية أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث عليّ ﵁ إلى اليمن، وكان ذلك في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهبًا، وخَصَّ به أربعة أنفس، فهما قصّتان في وقتين، اتَّفَقَ في كل منهما إنكار القائل، وصُرِّح في حديث أبي سعيد ﵁ أنه ذو الخويصرة التميميّ، ولم يُسَمَّ القائل في حديث جابر ﵁، ووَهِمَ من سماه ذا الخويصرة ظانًّا اتحاد القصتين. قال: ووجدت لحديث جابر شاهدًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبيّ ﷺ أنه أتاه رجل يوم حنين، وهو يَقْسِم شيئًا، فقال: يا محمد اعدل، ولم يُسَمّ الرجل أيضًا، وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن، عن عبد اللُّه بن عمر (١) وأخرجه أحمد والطبري أيضًا، ولفظه: "أتى ذو الخويصرة التميميّ رسول الله ﷺ ، وهو يقسم الغنائم بحنين، فقال: يا محمد … "، فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين، عند قسمة غنائم حنين، وعند قسمة الذهب الذي بعثه عليّ ﵁. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الرجل هو ذو الخويصرة التميميّ، ولا يُستبعد أن يقع له هذا الكلام في الموضعين، كما أشار إليه الحافظ في آخر كلامه، ومما يؤيّد ذلك أن في مسند أحمد ﵀ لحديث جابر ﵁ هذا ما نصّه: "لما قسم رسول الله ﷺ غنائم هوازن بين الناس

стр. 11745

بالجعرانة، قام رجل من بني تميم، فقال: اعدل يا محمد … "، والله تعالى أعلم. (رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ) قال ابن الأثير ﵀: هو موضعٌ قريبٌ من مكّة، وهي في الحلّ، وميقاتٌ للإحرام، وهي بتسكين العين، والتخفيف، وقد تكسر العين، وتُشدّد الراء. انتهى (١). وقال في "القاموس": "الْجِعْرانة" -بكسر، فسكون، وقد تكسر العين، وتُشدّد الراء، وقال الشافعيّ: التشديد خطأ- موضع بين مكة والطائف، سُمِّي برَيْطَة بنت سعد، وكانت تُلَقَّب بالْجِعْرانة، وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ الآية [النحل: ٩٢]. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: "الْجِعْرَانَة": موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي بالتخفيف، واقتَصَرَ عليه في "البارع"، ونقله جماعة عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في "المحكم"، وعن ابن المدينيّ: العراقيون يُثَقِّلُون "الجعرانة"، و"الحديبية"، والحجازيون يخففونهما، فأخذ به المحدِّثون، على أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس للتثقيل ذكر في الأصول المعتمدة عن أئمة اللغة، إلا ما حكاه في "المحكم" تقليدًا له في الحديبية، وفي "العباب": والجعرانة -بسكون العين- وقال الشافعيّ: المحدثون يخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ، انتهى (٣). (مُنْصَرَفَهُ) ظرف زمان من الانصراف، وهو بصيغة اسم المفعول يصلح، لظرفي الزمان والمكان، واسم المفعول، وللمصدر الميميّ، والمراد به هنا الزمان؛ أي وقت انصرافه (من) غزوة (حُنَيْنٍ) بصيغة التصغير: وادٍ بين مكة والطائف، وهو مذكّر منصرفٌ، وقد يؤنّث على معنى البُقْعَة، وكان ذلك بعد فتح مكة في شوّال سنة ثمان من الهجرة، كما تقدّم تمام البحث فيه قريبًا (وفي ثَوْبِ بِلَالٍ) هو ابن رَبَاح، مؤذّن رسول الله ﷺ المتوفَّى سنة (٧ أو ٨ أو ٢٠)

стр. 11746

وقد تقدّمت ترجمته ﵁ في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. (فِضَّةٌ) فيه تصريح بأن الذي قسمة ﷺ في حديث جابر ﵁ هي الفضّة، وكان في سنة ثمان، بخلاف ما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، فإنه ذهب، وكان ذلك في سنة تسع (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبضُ منها، يُعْطِي النَّاسَ) أي عامّة الناس، فلم يخُصّ أشخاصًا معيّنين، كما فعل في حديث أبي سعيد ﵁، فإنه قسم الذهب بين أربعة أشخاص، كما سيأتي (فَقَالَ) ذلك الرجل (يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ، قَالَ) ﷺ ("وَيْلَكَ) أي هلاكك، بمعنى هلكت، قال السمين الحلبيّ ﵀: هو منصوب على المصدريّة بفعل مُلاقٍ له في المعنى دون الاشتقاق، ومثلُهُ: وَيْحَه، وويْسَهُ، وويْبَهُ، وإما على المفعول به بتقدير: ألزمك الله ويلك. انتهى (١). وقال ابن الأثير ﵀: الويل: الحزن، والهلاك، والمشقّةُ من العذاب، وكلُّ من وقع في هَلَكَة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني، ويا هلاكي، ويا عذابي احضُر، فهذا وقتك، وأوانك، قاله في "النهاية" (٢). (وَمَنْ) استفهاميّة، كما مرّ في الحديث الماضي (يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟، لقد خِبْتُ وَخَسِرْتُ) " قال النوويّ ﵀: رُوي بفتح التاء في "خِبْتُ"، و"خَسِرتُ"، وبضمهما فيهما، ومعنى الضم ظاهرٌ، وتقدير الفتح خبتَ أنت أيها التابع؛ إذا كنتُ لا أعدل؛ لكونك تابعًا ومقتديًا بمن لا يعدل، والفتح أشهر، والله أعلم. انتهى (٣). ووقع عند البخاريّ بلفظ: "لقد شَقِيتُ"، قال في "الفتح": وقوله في هذه الرواية: "لقد شقيتُ" بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهرٌ، ولا محذور فيه، والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يَعْدِل، حتى يحصل له الشَّقَاء، بل هو عادل، فلا يَشْقَى، وحَكَى عياض فتحها، ورجحه النوويّ، وحكاه الإسماعيليّ عن رواية شيخه الْمَنِيعِيِّ من طريق عثمان بن عُمَر، عن قُرَّة، والمعنى: لقد شقيتَ؛ أي ضَلَلْتَ أنت أيها التابع، حيث تقتدي بمن لا يعدل،

стр. 11747

أو حيث تعتقد في نبيّك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمنٍ. انتهى (١). وقوله: (إنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ") جوابه مقدّرٌ دلّ عليه ما قبله؛ أي فلقد خبت وخسرت (فَقَال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ ﵁) وجاء في روايات أخرى أن خالد بن الوليد ﵁ هو الذي استأذن النبيّ ﷺ في قتله، ولا تعارض في ذلك لإمكان أن يستأذن كلٌّ منهما، فتنبّه (٢)، والله تعالى أعلم. (دَعْنِي) أي اتركني، ولا تمنعني من قتله؛ لأنه يستحقّ القتل (يا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْتُلَ هذا الْمُنَافِقَ) بالنصب على جواب الأمر، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (فَقَالَ) ﷺ ("مَعَاذَ اللهِ) منصوب على المصدريّة لفعل محذوف، ومضاف إلى المفعول؛ أي أعوذ بالله من (أَنْ يَتَحَدَّثَ الناس أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي) والمراد بالناس هم المشركون، فقد أخرج أحمد، والطبريّ من حديث أبي بكرة ﵁ قال: "أُتي النبيّ ﷺ بِمُويل، فقعد يقسمه، فأتاه رجلٌ، وهو على تلك الحال … " فذكر الحديث، وفيه: "فقال أصحابه: ألا تضرب عنقه؟ فقال: لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي". (إِنَّ هَذَا) أي الرجل الذي قال: "يا محمد اعدل" (وَأَصْحَابَهُ يقرأون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) بالفتح: جمع حَنْجَر: رأس الْغَلْصَمة حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق (٣). قال القاضي عياض ﵀: فيه تأويلان: [أحدهما]: معناه لا تَفْقَهه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظّ سوى تلاوة الفم، والحنجرةِ، والحلقِ؛ إذ بهما تقطيع الحروف. [والثاني]: معناه لا يصعد لهم عمل، ولا تلاوة، ولا يُتَقَبَّل. انتهى (٤). (يَمْرُقُونَ) أي يخرجون، يقال: مَرَق السهم من الرَّميّة مُرُوقًا، من باب قعد: خرج منه من غير مدخله (٥). (مِنْهُ) الضمير للإسلام، أو الدين، كما

стр. 11748

تفسّره الروايات الآتية (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ") بفتح الراء، وتشديد الياء: فَعِيلة بمعنى مفعهولة، وهي ما يُرْمَى من الحيوان ذكرًا كان أو أنثى، والجمع رَمِيَّات، ورَمَايَا، مثلُ عطيّة وعَطَايا (١). وقال النوويّ ﵀: قوله ﷺ : "يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية"، وفي الرواية الأخرى: "يمرقون من الإسلام"، وفي الرواية الأخرى: "يمرقون من الدين"، قال القاضي عياض: معناه يخرجون منه خروج السهم إذا نَفَذ الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيء منه. قال: والدين هنا هو الإسلام، كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال الخطابيّ: هو هنا الطاعة؛ أي من طاعة الإمام. وفي هذه الأحاديث دليلٌ لمن يُكَفِّر الخوارج، قال القاضي عياض ﵀: قال المازريّ: اختَلَف العلماء في تكفير الخوارج، قال: وقد كادت هذه المسألة تكون أشدّ إشكالًا من سائر المسائل، ولقد رأيت أبا المعالي، وقد رَغِب إليه الفقيه عبد الحقّ -رحمهما الله تعالى- في الكلام عليها، فَرَهِبَ له من ذلك، واعتذر بأن الغلط فيها يصعب موقعه؛ لأن إدخال كافر في الملة، وإخراج مسلم منها عظيمٌ في الدين، وقد اضطرب فيها قول القاضي أبي بكر الباقلّانيّ، وناهيك به في علم الأصول، وأشار ابن الباقلانيّ إلى أنها من المعوصات؛ لأن القوم لم يُصَرِّحوا بالكفر، وإنما قالوا أقوالًا تؤدِّي إليه، وأنا أكشف لك نكتة الخلاف، وسبب الإشكال، وذلك أن المعتزليّ مثلًا يقول: إن الله تعالى عالم، ولكن لا علم له، وحيّ، ولا حياة له يوقع الالتباس في تكفيره؛ لأنّا علمنا من دين الأمة ضرورة أن من قال: إن الله تعالى ليس بحيّ، ولا عالم، كان كافرًا، وقامت الحجة على استحالة كون العالم لا علم له، فهل نقول: إن المعتزليّ إذا نفى العلم نَفَى أن يكون الله تعالى عالِمًا، وذلك كفر بالإجماع، ولا ينفعه اعترافه بأنه عالم، مع نفيه أصل العلم، أو نقول: قد اعترف بأن الله تعالى عالم، وإنكاره العلم لا يُكَفِّره، وإن كان يؤدي إلى أنه ليس بعالم، فهذا موضع الإشكال، هذا كلام المازريّ، ومذهب الشافعيّ،

стр. 11749

وجماهير أصحابه العلماءِ، أن الخوارج لا يُكَفَّرون، وكذلك القَدَريّة، وجماهير المعتزلة، وسائر أهل الأهواء، قال الشافعيّ ﵀: أَقْبَلُ شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، وهم طائفة من الرافضة يَشهَدون لموافقيهم في المذهب بمجرد قولهم، فرَدَّ شهادتهم لهذا، لا لبدعتهم، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ الآتي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٢٤٤٩ و ٢٤٥٠] (١٠٦٣)، و (البخاريّ) في "فرض الخمس" (٣١٣٨) وفي "الأدب المفرد" (٧٧٤)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (١١٢ و ١١٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٥٣ و ٣٥٤)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٧١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٧)، والله تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث، وبقيّة المسائل ستأتي في شرح حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁-إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بن عبد اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بن الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي قُرَّةُ بن خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ مَغَانِمَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.

стр. 11750

٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٣ - (زَيْدُ بن الْحُبَابِ) أبو الحسن العكليّ الكوفيّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠. ٤ - (قُرَّةُ بن خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابظٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير لقرّة بن خالد، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن أبي الزير، ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ١٢٧) فقال: (٢٣٧٢) - حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب، حدّثني قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا عبد الجبار، حدّثنا عبد الوهاب الثقفي (ح) وحدّثنا سليم بن عصام، ثنا حفص بن عمرو (١)، ثنا عبد الوهاب، سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: بَصَرُ عيني، وسَمْعُ أذني، رسول الله ﷺ ، وهو بالجعرانة، وفي ثوب بلال فضةٌ، فجعل رسول الله ﷺ يقبضها للناس يعطيهم، فقال له رجل: يا رسول الله اعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل"، فقال عمر: يا رسول الله دعني فأقتل هذا المنافق الخبيث، فقال رسول الله ﷺ : "أن تتحدث قريش أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن، لا يجاوز حلوقهم، أو حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، لفظ يحيى بن سعيد. انتهى. وأما رواية قرّة بن خالد، عن أبي الزبير، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11751

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥١] (١٠٦٤) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁، وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ في تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُ، وَعَلْقَمَةَ بَنُ عُلَاَثةَ الْعَامِرِيُ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِيُ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ، قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: أَيُعْطِي (١) صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لأتَأَلَّفَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَمَنْ يُطِعِ اللهَ إن عَصَيْتُهُ؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأرض، وَلَا تَأْمَنُونِي؟ " قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ من الْقَوْمِ في قَتْلِهِ، يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ": إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يقرأون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَامِ، كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) -بكسر الراء الخفيفة- ابن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، والد سفيان، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٩/ ١٧٣٨.

стр. 11752

٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي نُعْمٍ) (١) -بضم النون، وسكون المهملة- البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، ورافع بن خَدِيج، والمغيرة بن شعبة، وابن عمر، وسفينة. ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوريّ، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبيّ، ويزيد بن أبي زياد، ومغيرة بن مقسم، وعُمَارة بن القعقاع، وفُضيل بن غَزْوان، وغيرهم. قال مِنْدَل بن عليّ، عن بكير بن عامر: لو قيل لعبد الرحمن: قد توجه ملك الموت إليك، يريد قبض روحك، ما كانت عنده زيادة على ما هو فيه، وقال محمد بن فضيل، عن أبيه: كان عبد الرحمن يُحْرِم من السنة إلى السنة (٢)، وكان يقول: لبيك، لو كان رياء لاضْمَحَلَّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، ممن يصبر على الجوع الدائم، أخذه الحجاج ليقتله، وأدخله بيتًا مظلمًا، وسَدَّ الباب خمسة عشر يومًا، ثم أمر بالباب ففُتِحَ ليخرجَ، فيُدْفَنَ، فدخلوا عليه فإذا هو قائم يصلي، فقال له الحجاج: سِرْ حيث شئت، وروى عبد الرحمن بن أحمد في "زيادات الزهد" من طريق مغيرة بن مقسم، قال: دخل ابن أبي نُعْم على الحجاج أيام الجماجم فوعظه، وقال ابن سعد: كان يُحْرِم من السنة إلى السنة، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبي عبدَ الرحمن بن أبي نُعْم، فذَكَر له فضلًا وعبادةً، وقال النسائيّ في "التمييز": ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٠٦٤) وأعاده بعده، و (١٥٣٨) و (١٥٨٨) و (١٦٦٠).

стр. 11753

٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابي ابن الصحابيّ، مات ﵁ بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد مالك بن سِنَان ﵄ أنه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁) ابن أبي طالب (وَهُوَ بِالْيَمَنِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي حال كونه كائنًا باليمن؛ لأن النبيّ ﷺ ولّاه قاضيًا بها. (بِذَهَبَةٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا "بذَهَبَة" -بفتح الذال- وكذا نقله القاضي عن جميع رُواة مسلم، وفي رواية ابن ماهان: "بذُهيبة" على التصغير. انتهى (١). وبالتصغير وقع عند البخاريّ، قال الخطابيّ: إنما أنّثها على نية القطعة من الذهب، وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات، وقال ابن الأثير: قيل: هي تصغير ذهب، وأدخل الهاءَ فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ إذا صُغِّر أُلْحِق في تصغيره الهاءُ، نحو فُريسة، وشُميسة، وقيل: هو تصغير ذَهَبة على نيّة القطعة منها، فصغّرها على لفظها. انتهى (٢). وقال الفيّوميّ ﵀: "الذهب": معروف، ويؤنَّث، فيقال: هي الذهب الحمراء، ويقال: إن التأنيث لغة الحجاز، وبها نزل القرآن، وقد يؤنَّث بالهاء،

стр. 11754

فيقال: ذهبةٌ، وقال الأزهريّ: الذهب مذكَّرٌ، ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يُجْعَل جمعًا لذَهَبَةٍ، والجمع: أَذْهابٌ، مثلُ سبب وأسباب، وذُهْبان، مثلُ رُغْفَان، وأذهبته بالألف: مَوَّهْتُهُ بالذهب. انتهى (١). [تنبيه]: هذه القصة غير القصة المتقدمة في غزوة حنين، ووَهِمَ مَن خَلَطها بها، واختُلِف في هذه الذَّهَبَة، فقيل: كانت خمس الخمس، وفيه نظرٌ، وقيل: من الخمس، وكان ذلك من خصائصه ﷺ أنه يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة، وقيل: من أصل الغنيمة، وهو بعيدٌ، قاله في "الفتح" (٢). (في تُرْبَتِهَا) لغة في التراب؛ إذ فيها لغات، جمعتها بقولي: اعْلَمْ بِأنَّ لِلتُّرَابِ سُمِعَا … مِنَ اللُّغَاتِ مَا يَلِي فَانْتَفِعَا تُرَابٌ التُّرْبَةُ وَالتَّرْبَاءُ جَا … وَتَيْرَبٌ وَتُرَبَاءُ أُدْرِجَا وَتَوْرَبٌ وَتَيْرَبٌ تَيْرَابُ … كَذَا تَرِيبٌ مَعَهُ تَوْرَابُ وَيُجْمَعُ التُّرَابُ بِالأتْرِبَةِ … كَذَا بِتُرْبَانٍ بِغَيْرِ مِرْيَةِ وفي رواية البخاريّ: "لم تُحَصَّل من ترابها"؛ أي لم تُخَلَّص من تراب المعدن، فكأنها كانت تِبْرًا، وتخليصها بالسَّبْك. (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) متعلّق بـ "بَبَعَثَ" (فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ ﵀: "النفر"-بفتحتين-: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة. انتهى. (الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ) بالجرّ بدل من "أربعة"، أو من "نفر"، أو عطف بيان، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي أحدهم الأقرع، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر؛ أي أعني. و"الأقرع "- بفتح الهمزة، وسكون القاف، وبالراء، وبالعين المهملة -ابن حابس- بالحاء المهملة، وكسر الباء الموحّدة، وبالسين المهملة- ابن عقال بن

стр. 11755

محمد بن سفيان بن مُجاشع المجاشعيّ الدارميّ أحدُ المؤلفة قلوبهم، وقد تقدّم الكلام فيه مطوّلًا في شرح حديث رافع بن خَدِيج ﵁ الماضي. وقوله: (الْحَنْظَلِيُ) نسبة إلى حنظل بن مالك بن زيد مناة بن تميم، زاد في رواية للبخاريّ: "ثم المجاشعيّ"، نسبة إلى مجاشع بن دام بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: "وأقرع بن حابس"، بدون "أل"، فقال ابن مالك ﵀: فيه شاهد على أن ذا الألف واللام من الأعلام الغالبة قد يُنزعان عنه في غير نداء، ولا إضافة، ولا ضرورة، وقد حَكَى سيبويه عن العرب: هذا يومُ اثنين مباركٌ، وقال: ومما جاء منه في الشعر قول مسكين الدارميّ [من الطويل]: وَنَابِغَةُ الْجَعْدِيُّ فِي الرَّمْلِ بَيْتُهُ … عَلَيْهِ صَفِيحٌ مِنْ رِجَامٍ مُوَضَّعِ وإلى القاعدة المذكورة أشار في "الخلاصة" بقوله: وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَالْعَقَبَهْ وَحَذْفَ "أَلْ" ذِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ … أَوْجبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ (وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ) كذا نُسِب لجدّه الأَعلى، وهو عيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الفزاريّ. وقال النوويّ ﵀: قوله: "عيينة بن بدر الفزاريّ"، وكذا في الرواية التي بعد هذه، روايةِ قتيبة قال فيها: "عيينة بن بدر"، وفي بعض النسخ في الثانية: "عيينة بن حِصْن"، وفي معظمها: "عيينة بن بدر"، ووقع في الرواية التي قبل هذه، وهي الرواية التي فيها الشعر: "عيينة بن حِصْن" في جميع النسخ، وكله صحيحٌ، فحصن أبوه، وبدر جد أبيه، فنُسب تارة إلى أبيه، وتارة إلى جد أبيه؛ لشهرته، ولهذا نسبه إليه الشاعر في قوله: فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ وقد تقدّم الكلام فيه مطوّلًا في شرح حديث رافع بن خديج ﵁ أيضًا. وقوله: (الْفَزَارِيُ) بفتح الفاء، وتخفيف الزاي، وبالراء نسبة إلى فزارة المذكورة في نسبه. (وَعَلْقَمَةُ بَنُ عُلَاَثَةَ) -بضم العين المهملة، وتخفيف اللَّام، وبالثاء المثلثة-

стр. 11756

ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، كان من أشراف قومه حليمًا عاقلًا، ولم يكن فيه ذلك الكرم، وارتدَّ لما رجع رسول الله ﷺ إلى الطائف، ثم أسلم أيام الصديق ﵁، وحسن إسلامه، واستعمله عمر ﵁ على حُوران، فمات بها. ووقع في رواية البخاريّ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعْم: "إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل". فقال في "الفتح": وجزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه علقمة بن عُلاثة العامريّ، ثم أحد بني كلاب، وهو من أكابر بني عامر، وكان يتنازع الرياسة هو وعامر بن الطفيل، وأسلم علقمة، فحسن إسلامه، واستعمله عمر على حَوْران، فمات بها في خلافته، وذكرُ عامر بن الطفيل غلطٌ من عبد الواحد، فإنه كان مات قبل ذلك. انتهى (١). وقوله: (الْعَامِرِيُ) منسوب إلى عامر بن صعصعة بن مالك المذكور في نسبه. (ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ) هو كلاب بن ربيعة المذكور في نسبه. (وَزَيْدُ الْخَيْرِ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في جميع النسخ "الخير" بالراء، وفي الرواية التي بعدها "زيد الخيل" باللام، وكلاهما صحيح، يقال بالوجهين، كان يقال له في الجاهلية: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له، فسماه رسول الله ﷺ في الإسلام: زيد الخير. انتهى (٢). وهو: زيد الخيل بن مُهَلهل بن زيد بن منهب بن عبد رضا بن أفصى بن المختلس بن ثوب بن كنانة بن مالك بن نابل بن عمرو بن الغوث بن طيّئ الطائيّ، كان شاعرًا خطيبًا، شُجاعًا كريمًا، قدم على رسول الله ﷺ سنة تسع، وسمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير، وأقطع له أرضين في ناحيته، يكنى أبا منذر، مات منصرفه من عند رسول الله ﷺ ، وقيل: في خلافة عمر ﵁. وقال في "الفتح": وقيل له: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له، وسماه النبيّ ﷺ زيد الخير بالراء بدل اللام، وأثنى عليه، فأسلم، فحسن إسلامه، ومات في حياة النبيّ ﷺ . انتهى.

стр. 11757

وذكر في "القاموس" أن زيد الخير كان يُدعى زيد الخيل؛ لشجاعته، فسمّاه ﷺ لَمَّا وَفَدَ زيد الخير؛ لأنه بمعناه، وأيضًا أزال توهّم أنه سُمّي به لما اتّهمه كعب بن زُهير من أخذ فرس له. انتهى (١). (الطَّائِيُ) نسبة إلى طيّئ المذكور في نسبه، وهو من النسب الشواذّ؛ لأن القاعدة أنه إذا نُسب إلى نحو طيّب، وطيّئ تُحذف الياء الثانية، فيقال: طَيْبيّ، وطَيْئِي، لكن ثبت عن العرب أنهم قالوا: طاليّ بإبدال الياء ألفًا، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: وَثَالِثٌ مِنْ نَحْوِ طَيِّبٍ حُذِفْ … وَشَذَّ طَائِيٌّ مَقُولًا بِالأَلِفْ (ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ) -بفتح النون، وسكون الباء الموحّدة- ونبهان هو: ابن أسودان بن عمرو بن الغوث بن طيء. (قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ) وفي رواية البخاريّ: "فغضبت قريش، والأنصار" (فَقَالُوا) وفي الرواية التالية: "فقال رجل من أصحابه" (أَيُعْطِي) الاستفهام للإنكار، وفي نسخة "يُعطي" بحذف همزة الاستفهام (صَنَادِيدَ نَجْدٍ) بالصاد المهملة، والنون: جمع صِنْديد، وهم الأشراف، والعظماء، والرؤساء، وكلُّ عظيم غالبٍ صِنْدِيدٌ، أفاده في "النهاية" (٢). وقال في "القاموس": "الصِّنْدِدُ" كزِبْرِجٍ: السيّد الشجاع، كالصِّنْدِيد، أو الحليم، أو الجواد، أو الشريف. انتهى (٣). و"نَجْد" -بفتح النون، وسكون الجيم- هو ما بين الحجاز إلى الشام، إلى الْعُذيب، فالطائف من نجد، والمدينة من نجد، وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان إلى العروض، وقال ابن دريد: نجد بلد للعرب، وإنما سُمِّي نجدًا؛ لعلوه عن انخفاض تهامة. انتهى (٤). (وَيَدَعُنَا) أي يتركنا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ) أي إعطاء صناديد نجد (لأَتَأَلَّفَهُمْ) من التألّف، وهو المداراة، والإيناس؛ ليثبتوا

стр. 11758

على الإسلام رغبةً فيما يَصِل إليهم من المال؛ يعني أنه إنما أعطاهم ليستميل قلوبهم بالإحسان والمودّة. [فائدة]: "المؤلّفة" بصيغة اسم المفعول، و"قلوبُهُم" بالرفع على أنه نائب الفاعل: أي المستمالَةُ قلوبهم بالإحسان، والمودّة، وكان النبيّ ﷺ يعطيهم من الصدقات، وكانوا من أشراف العرب، فمنهم من كان يُعطيه دفعًا لأذاه، ومنهم من كان يعطيه طَمَعًا في إسلامه، وإسلام أتباعه، ومنهم من كان يُعطيه ليَثْبُت على إسلامه؛ لقرب عهده بالجاهليّة، قاله الفيّوميّ ﵀. وقال العلّامة القرطبيّ ﵀ في "تفسيره": هم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يُظهر الإسلام، يُتَألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم، قال الزهريّ: المؤلّفة مَن أسلم من يهوديّ، أو نصرانيّ، وإن كان غنيًّا. وقال بعض المتأخّرين: اختُلِف في صفتهم؛ فقيل: هم صنف من الكفّار يُعطَون ليتألّفوا على الإسلام، وكانوا لا يُسلمون بالقهر والسيف، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر، ولم تستيقن قلوبهم، فيُعْطَون ليتمكّن الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يُعطَون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاءُ لمن لا يتمكّن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء؛ فكأنه ضربٌ من الجهاد، والمشركون ثلاثة أصنافٌ: صنف يرجع بإقامة البرهان، وصنفٌ بالقهر، وصنفٌ بالإحسان، والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كلّ صنف ما يراه سببًا لنجاته، وتخليصه من الكفر. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). (فَجَاءَ رَجُلٌ) هذا الرجل هو ذو الْخُويصرة التميميّ، كما سيأتي صريحًا بعد أربعة أحاديث، وعند أبي داود اسمه نافع، ورجحه السهيليّ، وقيل: اسمه حُرْقوص بن زهير السعديّ (كَثُّ اللِّحْيَةِ) بفتح الكاف، وتشديد الثاء المثلّثة: أي كثير شعرها، غير مسبلة، وقال ابن الأثير: الكثاثة في اللحية أن تكون غير رقيقة، ولا طويلة، ولكن فيها كثافة، يقال: رجل كَثّ اللحية، بفتح الكاف،

стр. 11759

وقوم كُثٌّ بالضم. انتهى (١). (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) بشين معجمة، وفاء: أي بارزهما، و"الوجنتان": العظمان المشرِفان على الخدين (٢). وقال النوويّ: "الوجنة": بفتح الواو، وضمّها، وكسرها، ويقال أيضًا: أُجنة، وهي لحم الخدّ. وقال الفيّوميّ: الوجنة من الإنسان ما ارتفع من لحم خدّه، والأشهر فتح الواو، وحكي التثليث، والجمع وَجَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. انتهى. وقال في "اللسان": الوجنة مثلّثةً، والوَجَنَة محرّكةً، والأُجْنة مثلثةً: ما انحدر من الْمَحْجِرِ (٣)، ونَتَأَ من الوجه، وقيل: ما نتأ من لحم الخدّ بين الصدغين، وكَنَفي الأنف. وقيل: هو فَرَقُ ما بين الخدّين والْمَدْمع من العظم الشاخص في الوجه؛ إذا وضعت عليه يدك وجدت حجمه. وحكى اللحيانيّ: إنه لحسن الوَجَنَات، كأنه جعل كلّ جزء منها وجنة، ثم جمع على هذا. انتهى. وقال في "العمدة": قوله: "مشرف الوجنتين": أي غليظهما، ويقال: أي ليس بسهل الخدّ، وقد أشرفت وجنتاه؛ أي عَلَتا، وأصله من الشرف، وهو العلوّ، و"الوجنتان": العظمان المشرفان على الخدّين، وقيل: لحم الخدّ، وكل واحدة وجنة، فإذا عظمتا فهو موجنٌ، والوجنة مثلثة الواو، حكاها يعقوب، وبالألف بدل الواو، فهذه أربع لغات، وقال ابن جني: أرى الرابعة على البدل، وفي الجيم لغتان: فتحها، وكسرها، حكاهما في "البارع" عن كراع، والإسكان هو الشائع، فصار ثلاث لغات في الجيم، وقال ثابت: هما فوق الخدين إذا وضعت يدك، وجدت حجم العظم تحتها، وحجمه نتؤه، وقال أبو حاتم: هو ما نتئ من لحم الخدين بين الصُّدْغين، وكنفي الأنف. انتهى (٤).

стр. 11760

(غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ) بِالغين المعجمة، والتحتانية، من اْلَغْور، والمراد أن عينيه داخلتان في مَحَاجرهما، لاصقتين بقعر الْحَدَقة، وهو ضدّ الجحوظ. (نَاتِئُ الْجَبِينِ) بهمز ناتئ: أي مرتفع الجبين، والجبين -بفتح الجيم، وكسر الموحّدة-: جانب الجبهة، ولكلّ إنسان جبينان يكتنفان الجبهة، وجمعه جُبُن -بضمّتين-، مثل بريد وبُرُد، وأَجْبِنة، مثلُ أَسْلِحَة. وفي "الكبرى": "قاني الجبين" بالقاف بدل "ناتئ"، والظاهر أنه بمعناه؛ لأن قَنَا الأنفِ: ارتفاع أعلاه، واحْدِيدَاب وسطه، كما في "القاموس". (مَحْلُوقُ الرَّأْسِ) وفي رواية للبخاريّ في "التوحيد" من طريق معبد بن سيرين، عن أبي سعيد ﵁: "قيل: ما سيماهم؟ قال: سيماهم التحليق"، أو قال: "التسبيد"، و"التسبيد" بمعنى التحليق، أو أبلغ منه. قال في "الفتح": وكان السلف يُوَفِّرون شعورهم، لا يَحلقونها، وكانت طريقة الخوارج حلق جميع رؤوسهم. انتهى (١). قال الكرمانيّ ﵀: فيه إشكالٌ، وهو أنه يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة، فيستلزم أنّ كلّ من كان محلوق الرأس، فهو من الخوارج، والأمر بخلاف ذلك اتفاقًا، ثم أجاب بأنّ السلف كانوا لا يحلقون رؤوسهم، إلا للنسك، أو في الحاجة، والخوارج اتخذوه دَيْدنًا، فصار شِعَارًا لهم، وعُرفوا به، قال: ويَحْتَمِل أن يُراد به حلق الرأس واللحية، وجميع شعورهم، وأن يراد به الإفراط في القتل، والمبالغة في المخالفة في أمر الديانة. انتهى. قال الحافظ ﵀: الأول باطل؛ لأنه لم يقع من الخوارج، والثاني مُحْتَمِلٌ، لكن طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس، والثالث كالثاني، والله أعلم. انتهى (٢). وزاد في رواية: "مشمّر الإزار". (فَقَالَ) ذلك الرجل (اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَمَنْ يُطِعِ اللهَ) هكذا النسخ التي عندي بجزم "يُطع"، والوجه أن يُرفع؛ لأن "من" هنا استفهاميّة، لا شرطيّة، والاستفهاميّة لا تجزم، وكذا وقع عند النسائيّ في "المجتبى"، فقال السنديّ ﵀ في "شرحه": "من" استفهاميّة لا شرطيّة، فالوجه

стр. 11761

إثبات الياء؛ أي من يطيعُ الله، كما في "الكبرى" (١). والمعنى: أيُّ شخص يتّقيه؟؛ أي لا أحد يتقي الله إذا عصاه النبيّ ﷺ ؛ إذ الخلق مأمورون باتباعه ﷺ ، فإذا عصى يتبعونه في العصيان، فلا أحد يتّقيه. (إن عَصَيْتُهُ) أي مع عصمتي، وثبوت نبوّتي، وفي الرواية التالية: "أوَ لست أحقّ أهل الأرض أن يَتّقِيَ اللهَ؟ ". (أَيَأْمَنُنِي) أي أيجعلني أمينًا (عَلَى أَهْلِ الأرض) أي يجعلني الله تعالى مؤتمنًا على شرعه الذي يُنزله على أهل الأرض، حيث بعثني رسولًا إليهم، ومعلوم أن مدار الرسالة على الأمانة. (وَلَا تَأْمَنُونِي؟ ") يَحْتَمِل أن يكون بتشديد النون الثانية، وتخفيفها؛ أي ألا تعتقدون كوني أمينًا؛ إذ آمنتم برسالتي؛ لأن ذلك مقتضى الإيمان بها، والخطاب على وجه العتاب لذي الخويصرة وأصحابه. (قَالَ) أبو سعيد ﵁ (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ) أي ولّى عن مجلس رسول الله ﷺ (فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ من الْقَوْمِ في قَتْلِهِ) أي قتل ذلك الرجل (يُرَوْنَ) يَحْتَمِل أن يكون "يَرَوْن" بالبناء للفاعل بمعنى يعلمون، ويَعتقدون، وَيحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول بمعنى يظنّون؛ أي يظنّون الرجل المستأذِن (أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ) هكذا في هذه الرواية بالشكّ، وفي الرواية التالية: "فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عُنُقه؟ " بدون شكّ، وفي الرواية الثالثة: "فقام إليه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله إلخ"، ولا تنافي بين الروايتين؛ لاحتمال أن يكون كلّ منهما استأذن في ذلك. وفي الرواية التالية: لَمّا استأذن خالد في ضرب عنقه، قال ﷺ : "لا، لعله أن يكون يصلّي"، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟، قال رسول الله ﷺ : "إنّي لم أومر أَن أَنقُب عن قلوب الناس، ولا أشُقّ بطونهم"، قال: ثم نظر إليه، وهو مُقَفٍّ، فقال: "إنه يخرج من ضئضئ هذا إلخ". قال في "الفتح": قال القرطبي: إنما منع قتله، وإن كان قد استوجب

стр. 11762

القتل؛ لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولا سيّما من صلّى، كما ثبت نظيره في قصّة عبد الله بن أُبيّ. وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ ﷺ لم يفهم من الرجل الطعن في النبوّة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلف في جواز وقوع الصغائر منهم، أو لعلّه لم يعاقب هذا الرجل؛ لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحدٌ، وخبر الواحد لا يُراق به الدم. انتهى. وأبطله عياض بقوله في الحديث: "اعدل يا محمّد"، فخاطبه في الملأ بذلك حتى استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدّم. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) قال النوويّ ﵀: هو بضادين معجمتين، مكسورتين، وآخره مهموز، وهو أصل الشيء، وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وحكاه القاضي عن الجمهور، وعن بعضهم أنه ضبطه بالمعجمتين، والمهملتين جميعًا، وهذا صحيحٌ في اللغة، قالوا: ولأصل الشيء أسماءٌ كثيرةٌ، منها: الضئضئ بالمعجمتين، والمهملتين، والنَّجَار، بكسر النون، والنِحَاس (١)، والسِّنْخ، بكسر السين، وإسكان النون، وبخاء معجمة، والعُنْصَر بضم العين، وضمّ الصاد، وتُفتح، والعِيصُ بكسر العين، والأرومة بفتح الهمزة، وضمّها. انتهى بزيادة (٢). وقد نظمت هذا فقلت: لِلأَصْلِ أَسْمَاءٌ فَقُلْ ضِئْضِيئُ … بِمُعْجَمَيْنِ وَكَذَا الصِّئْصِيئُ بِمُهْملَيْنِ وَالنِّحَاسُ وَالنِّجَارْ … كَذَلِكَ السِّنْخُ فَخُذْهَا بِاخْتِصَارْ وقال في "الفتح": قوله: "من ضئضئ" كذا للأكثر بضادين معجمتين، مكسورتين، بينهما تحتانية مهموزة ساكنة، وفي آخره تحتانية مهموزة أيضًا، وفي رواية الكشميهني بصادين مهملتين، فأما بالضاد المعجمة فالمراد به النسل والعقب، وزعم ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه، وحكى ابن الأثير أنه رُوي

стр. 11763

بالمدّ بوزن قِنديل، وفي رواية للبخاريّ في "أحاديث الأنبياء" أنه "من ضئضئ هذا، أو من عقب هذا". انتهى (١). وعبارة ابن الأثير ﵀: "الضِّئْضِئ: الأصلُ، يقال: ضِئضئُ صِدْقٍ، وضُوضُؤُ صِدْق، وحَكَى بعضهم ضِئْضئ، بوزن قِنْدِيل، يريد أنه يخرُج من نسله وعَقِبِهِ، ورواه بعضهم بالصاد المهملة، وهو بمعناه. انتهى (٢). (قَوْمًا يقرأون الْقُرْآنَ) وفي الرواية التالية: "يتلون كتاب الله رَطْبًا"، وفي الرواية الثالثة: "يتلون كتاب الله لَيِّنًا رَطْبًا" (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) أي حلقهم بالصعود إلى محل القبول، أو بالنزول إلى القلوب؛ ليفقهوه. وقال في "العمدة": "الحناجر": جمع حَنْجَرة، وهي رأس الْغَلْصَمة، حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق، وقال ابن التين: معناه لا يُرْفَع في الأعمال الصالحة، وقال عياض: لا تَفْقَهُهُ قلوبهم، ولا ينتفعون بما يتلو منه، ولا لهم حظٌّ سوى تلاوة الفم، وقيل: معناه لا يَصْعَد لهم عَمَلٌ، ولا تلاوةٌ، ولا تُتَقَبَّل (٣). (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ) أي يتركون (أَهْلَ الْأَوْثَانِ) جمع وَثَن، وهو كلُّ ما له جُثّةٌ معمولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدميّ، يُعْمَل، ويُنْصَب، فيعبد، وهذا بخلاف الصنم، فإنه الصورة بلا جُثّة، ومنهم من لم يفرّق بينهما، قاله في "العمدة" (٤). وهذا مما أخبر به النبيّ ﷺ من المغيبات، فوقع كما قال ﷺ . قيل: لَمّا خرج إليهم عبد الله بن خَبّاب رسولًا من عند عليّ ﵁، فجعل يَعِظهم، فمَرَّ أحدهم بتمرة لمعاهد، فجعلها في فيه، فقال بعض أصحابه: تمرة معاهد، فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أدلكم على ما هو أعظم، حرمةُ رجل مسلم؛ يعني نفسه، فقتلوه، فأرسل إليهم عليّ ﵁ أن أقيدونا به، فقالوا: كيف نُقيدك به، وكلنا قتله؟ فقاتلهم عليّ، فقتل أكثرهم، قيل: كانوا خمسة آلاف، وقيل: كانوا عشرة آلاف (٥).

стр. 11764

(يَمْرُقُونَ) من باب قعد (من الْإِسْلَامِ) أي يخرجون منه، وفي الرواية التالية: "يمرقون من الدين"، قال في "الفتح": وفي قوله: "من الإسلام" رَدٌّ على من أَوَّلَ الدين هنا بالطاعة، وقال: إن المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، كما يخرج السهم من الرَّمِيّة، وهذه صفة الخوارج الذين كانوا لا يُطيعون الخلفاء، والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام، كما فسرته الرواية الأخرى، وخرج الكلام مخرج الزجر، وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل. انتهى (١). (كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ) أي يخرجون من الإسلام خروجَ السهم إذا نَفَذَ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيءٌ، وبهذا سُمِّيت الخوارج: الْمُرَّاق. و"الرمِيَّة" بفتح الراء، على وزن فَعِيلة، من الرمي، بمعنى مفعولة، فقال الداوديّ: الرّمِيّة: الصيد المرميّ، وهذا الذي ذكره صفات الخوارج الذين لا يدينون للأئمة، ويخرجون عليهم. (لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ") أي قتلًا عامًّا، مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، وفي الرواية التالية: "قتل ثمود". قال القرطبيّ ﵀: ووجه الجمع أن يكون النبيّ ﷺ قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ، ومعنى هذا أنه كان يقتلهم قتلًا عامًّا، بحيث لا يُبقِي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخّر قتل بعضهم عن بعضٍ، ولا يُقيل أحدًا منهم، كما فَعَل الله بعاد، حيث أهلكهم بالريح العقيم، وبثمود، حيث أهلكهم بالصَّيْحَة. انتهى (٢). وقال في "الفتح": وقد استُشكل قوله: "لئن أدركتهم لأقتلنّهم" مع أنه نهى خالدًا عن قتل أصلهم. وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم، واعتراضهم على المسلمين بالسيف، ولم يكن ظهر ذلك في زمانه ﷺ ، وأوّل ما ظهر في زمان

стр. 11765

عليّ ﵁، كما هو مشهور. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٢٤٥١ و ٢٤٥٢ و ٢٤٥٣ و ٢٤٥٤] (١٠٦٤)، و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٤٤) و"المغازي" (٤٣١٥) و"التوحيد" (٧٤٣٢)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤١٣٦)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧٨) و"تحريم الدم" (٤١٠١) و"الكبرى" (٢/ ٤٦ و ٣١١ و ٦/ ٣٥٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤ و ٦٨ و ٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٨)، و (أبو يعلى) في "معجمه" (١/ ٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٣٩ و ٧/ ١٨ و ٨/ ١٦٩)، و (سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ٣٧٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ١٥٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١/ ٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة، فيُعطون منها؛ استمالة لقلوبهم إلى الإسلام، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من العفو، والصفح، والتجاوز، وإن كانت الإساءة إليه كبيرة. ٣ - (ومنها): أنّ ملازمة قراءة القرآن لا يدلّ على صدق إيمان الشخص حتى يقوم بالعمل به كما ينبغي. ٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ صفات الخوارج التي يتميّزون بها عن المسلمين، فهم كثيرو العبادة، وعداوتهم للمسلمين أكثر من عداوة غيرهم.
следующие страницы →