← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.

стр. 11761

إثبات الياء؛ أي من يطيعُ الله، كما في "الكبرى" (١). والمعنى: أيُّ شخص يتّقيه؟؛ أي لا أحد يتقي الله إذا عصاه النبيّ ﷺ ؛ إذ الخلق مأمورون باتباعه ﷺ ، فإذا عصى يتبعونه في العصيان، فلا أحد يتّقيه. (إن عَصَيْتُهُ) أي مع عصمتي، وثبوت نبوّتي، وفي الرواية التالية: "أوَ لست أحقّ أهل الأرض أن يَتّقِيَ اللهَ؟ ". (أَيَأْمَنُنِي) أي أيجعلني أمينًا (عَلَى أَهْلِ الأرض) أي يجعلني الله تعالى مؤتمنًا على شرعه الذي يُنزله على أهل الأرض، حيث بعثني رسولًا إليهم، ومعلوم أن مدار الرسالة على الأمانة. (وَلَا تَأْمَنُونِي؟ ") يَحْتَمِل أن يكون بتشديد النون الثانية، وتخفيفها؛ أي ألا تعتقدون كوني أمينًا؛ إذ آمنتم برسالتي؛ لأن ذلك مقتضى الإيمان بها، والخطاب على وجه العتاب لذي الخويصرة وأصحابه. (قَالَ) أبو سعيد ﵁ (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ) أي ولّى عن مجلس رسول الله ﷺ (فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ من الْقَوْمِ في قَتْلِهِ) أي قتل ذلك الرجل (يُرَوْنَ) يَحْتَمِل أن يكون "يَرَوْن" بالبناء للفاعل بمعنى يعلمون، ويَعتقدون، وَيحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول بمعنى يظنّون؛ أي يظنّون الرجل المستأذِن (أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ) هكذا في هذه الرواية بالشكّ، وفي الرواية التالية: "فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عُنُقه؟ " بدون شكّ، وفي الرواية الثالثة: "فقام إليه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله إلخ"، ولا تنافي بين الروايتين؛ لاحتمال أن يكون كلّ منهما استأذن في ذلك. وفي الرواية التالية: لَمّا استأذن خالد في ضرب عنقه، قال ﷺ : "لا، لعله أن يكون يصلّي"، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟، قال رسول الله ﷺ : "إنّي لم أومر أَن أَنقُب عن قلوب الناس، ولا أشُقّ بطونهم"، قال: ثم نظر إليه، وهو مُقَفٍّ، فقال: "إنه يخرج من ضئضئ هذا إلخ". قال في "الفتح": قال القرطبي: إنما منع قتله، وإن كان قد استوجب

стр. 11762

القتل؛ لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولا سيّما من صلّى، كما ثبت نظيره في قصّة عبد الله بن أُبيّ. وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ ﷺ لم يفهم من الرجل الطعن في النبوّة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلف في جواز وقوع الصغائر منهم، أو لعلّه لم يعاقب هذا الرجل؛ لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحدٌ، وخبر الواحد لا يُراق به الدم. انتهى. وأبطله عياض بقوله في الحديث: "اعدل يا محمّد"، فخاطبه في الملأ بذلك حتى استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدّم. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) قال النوويّ ﵀: هو بضادين معجمتين، مكسورتين، وآخره مهموز، وهو أصل الشيء، وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وحكاه القاضي عن الجمهور، وعن بعضهم أنه ضبطه بالمعجمتين، والمهملتين جميعًا، وهذا صحيحٌ في اللغة، قالوا: ولأصل الشيء أسماءٌ كثيرةٌ، منها: الضئضئ بالمعجمتين، والمهملتين، والنَّجَار، بكسر النون، والنِحَاس (١)، والسِّنْخ، بكسر السين، وإسكان النون، وبخاء معجمة، والعُنْصَر بضم العين، وضمّ الصاد، وتُفتح، والعِيصُ بكسر العين، والأرومة بفتح الهمزة، وضمّها. انتهى بزيادة (٢). وقد نظمت هذا فقلت: لِلأَصْلِ أَسْمَاءٌ فَقُلْ ضِئْضِيئُ … بِمُعْجَمَيْنِ وَكَذَا الصِّئْصِيئُ بِمُهْملَيْنِ وَالنِّحَاسُ وَالنِّجَارْ … كَذَلِكَ السِّنْخُ فَخُذْهَا بِاخْتِصَارْ وقال في "الفتح": قوله: "من ضئضئ" كذا للأكثر بضادين معجمتين، مكسورتين، بينهما تحتانية مهموزة ساكنة، وفي آخره تحتانية مهموزة أيضًا، وفي رواية الكشميهني بصادين مهملتين، فأما بالضاد المعجمة فالمراد به النسل والعقب، وزعم ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه، وحكى ابن الأثير أنه رُوي

стр. 11763

بالمدّ بوزن قِنديل، وفي رواية للبخاريّ في "أحاديث الأنبياء" أنه "من ضئضئ هذا، أو من عقب هذا". انتهى (١). وعبارة ابن الأثير ﵀: "الضِّئْضِئ: الأصلُ، يقال: ضِئضئُ صِدْقٍ، وضُوضُؤُ صِدْق، وحَكَى بعضهم ضِئْضئ، بوزن قِنْدِيل، يريد أنه يخرُج من نسله وعَقِبِهِ، ورواه بعضهم بالصاد المهملة، وهو بمعناه. انتهى (٢). (قَوْمًا يقرأون الْقُرْآنَ) وفي الرواية التالية: "يتلون كتاب الله رَطْبًا"، وفي الرواية الثالثة: "يتلون كتاب الله لَيِّنًا رَطْبًا" (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) أي حلقهم بالصعود إلى محل القبول، أو بالنزول إلى القلوب؛ ليفقهوه. وقال في "العمدة": "الحناجر": جمع حَنْجَرة، وهي رأس الْغَلْصَمة، حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق، وقال ابن التين: معناه لا يُرْفَع في الأعمال الصالحة، وقال عياض: لا تَفْقَهُهُ قلوبهم، ولا ينتفعون بما يتلو منه، ولا لهم حظٌّ سوى تلاوة الفم، وقيل: معناه لا يَصْعَد لهم عَمَلٌ، ولا تلاوةٌ، ولا تُتَقَبَّل (٣). (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ) أي يتركون (أَهْلَ الْأَوْثَانِ) جمع وَثَن، وهو كلُّ ما له جُثّةٌ معمولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدميّ، يُعْمَل، ويُنْصَب، فيعبد، وهذا بخلاف الصنم، فإنه الصورة بلا جُثّة، ومنهم من لم يفرّق بينهما، قاله في "العمدة" (٤). وهذا مما أخبر به النبيّ ﷺ من المغيبات، فوقع كما قال ﷺ . قيل: لَمّا خرج إليهم عبد الله بن خَبّاب رسولًا من عند عليّ ﵁، فجعل يَعِظهم، فمَرَّ أحدهم بتمرة لمعاهد، فجعلها في فيه، فقال بعض أصحابه: تمرة معاهد، فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أدلكم على ما هو أعظم، حرمةُ رجل مسلم؛ يعني نفسه، فقتلوه، فأرسل إليهم عليّ ﵁ أن أقيدونا به، فقالوا: كيف نُقيدك به، وكلنا قتله؟ فقاتلهم عليّ، فقتل أكثرهم، قيل: كانوا خمسة آلاف، وقيل: كانوا عشرة آلاف (٥).

стр. 11764

(يَمْرُقُونَ) من باب قعد (من الْإِسْلَامِ) أي يخرجون منه، وفي الرواية التالية: "يمرقون من الدين"، قال في "الفتح": وفي قوله: "من الإسلام" رَدٌّ على من أَوَّلَ الدين هنا بالطاعة، وقال: إن المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، كما يخرج السهم من الرَّمِيّة، وهذه صفة الخوارج الذين كانوا لا يُطيعون الخلفاء، والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام، كما فسرته الرواية الأخرى، وخرج الكلام مخرج الزجر، وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل. انتهى (١). (كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ) أي يخرجون من الإسلام خروجَ السهم إذا نَفَذَ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيءٌ، وبهذا سُمِّيت الخوارج: الْمُرَّاق. و"الرمِيَّة" بفتح الراء، على وزن فَعِيلة، من الرمي، بمعنى مفعولة، فقال الداوديّ: الرّمِيّة: الصيد المرميّ، وهذا الذي ذكره صفات الخوارج الذين لا يدينون للأئمة، ويخرجون عليهم. (لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ") أي قتلًا عامًّا، مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، وفي الرواية التالية: "قتل ثمود". قال القرطبيّ ﵀: ووجه الجمع أن يكون النبيّ ﷺ قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ، ومعنى هذا أنه كان يقتلهم قتلًا عامًّا، بحيث لا يُبقِي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخّر قتل بعضهم عن بعضٍ، ولا يُقيل أحدًا منهم، كما فَعَل الله بعاد، حيث أهلكهم بالريح العقيم، وبثمود، حيث أهلكهم بالصَّيْحَة. انتهى (٢). وقال في "الفتح": وقد استُشكل قوله: "لئن أدركتهم لأقتلنّهم" مع أنه نهى خالدًا عن قتل أصلهم. وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم، واعتراضهم على المسلمين بالسيف، ولم يكن ظهر ذلك في زمانه ﷺ ، وأوّل ما ظهر في زمان

стр. 11765

عليّ ﵁، كما هو مشهور. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٢٤٥١ و ٢٤٥٢ و ٢٤٥٣ و ٢٤٥٤] (١٠٦٤)، و (البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٤٤) و"المغازي" (٤٣١٥) و"التوحيد" (٧٤٣٢)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤١٣٦)، و (النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٧٨) و"تحريم الدم" (٤١٠١) و"الكبرى" (٢/ ٤٦ و ٣١١ و ٦/ ٣٥٦)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٩٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤ و ٦٨ و ٧٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٨)، و (أبو يعلى) في "معجمه" (١/ ٤٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٣٩ و ٧/ ١٨ و ٨/ ١٦٩)، و (سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ٣٧٤)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ١٥٦)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١/ ٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة، فيُعطون منها؛ استمالة لقلوبهم إلى الإسلام، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من العفو، والصفح، والتجاوز، وإن كانت الإساءة إليه كبيرة. ٣ - (ومنها): أنّ ملازمة قراءة القرآن لا يدلّ على صدق إيمان الشخص حتى يقوم بالعمل به كما ينبغي. ٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ صفات الخوارج التي يتميّزون بها عن المسلمين، فهم كثيرو العبادة، وعداوتهم للمسلمين أكثر من عداوة غيرهم.

стр. 11766

٥ - (ومنها): مشروعيّة قتال الخوارج، سواء قلنا: إنهم مرتدّون عن الإسلام، أو قلنا: إنهم بُغَاة، خرجوا على أهل العدل. ٦ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، قال القرطبيّ ﵀: هذا منه ﷺ إخبار عن أمرٍ غيبٍ، وقع نحوَ ما أخبر عنه، فكان دليلًا من أدلّة نبوّته ﷺ ، وذلك أنهم لَمّا حَكَموا بكفر مَن خَرَجُوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذّمّة، وقالوا: نفي بذمّتهم، وعَدَلُوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين. وهذا كلّه من آثار عبادات الجهّال الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم، ولم يتمسّكوا بحبل وثيق، ولا صَحِبهم في حالهم ذلك توفيق، وكفى بذلك أن مُقَدَّمهم ردّ على رسول الله ﷺ أمره، ونَسَبَه إلى الْجَوْر، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه لا يُتَصَوَّر الظلم والْجَوْر في حقّ رسول الله ﷺ ، كما لا يُتصوّر في حقّ الله تعالى؛ إذ الموجودات كلّها ملكٌ لله تعالى، ولا يستحقّ أحد عليه حقًّا، فلا يُتصوّر في حقّه شيءٌ من ذلك، والرسول مُبلّغٌ حكمَ الله تعالى، فلا يُتصوّر في حقّه من ذلك ما لا يتصوّر في حقّ مُرْسِلِه. ويكفيك من جهلهم، وغُلُوّهم في بدعتهم حكمُهُم بتكفير مَن شهد له رسول الله ﷺ بصحّة إيمانه، وبأنه من أهل الجنّة، كعليّ، وغيره، من صحابة رسول الله ﷺ ، مع ما وَقَعَ في الشريعة، وعُلم على القطع والثبات من شهادات الله، ورسوله لهم، وثنائه على عليّ، والصحابة عمومًا وخصوصًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قال ابن هُبيرة ﵀: إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن في قتلهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظُ رأس المال أولى. ٨ - (ومنها): التحذير من الغلوّ في الديانة، والتنطّع في العبادة، وقد وَصَف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدّة على الكفّار، والرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج، فقتلوا المؤمنين، وتركوا الكفّار.

стр. 11767

٩ - (ومنها): أن فِيهِ الزَّجْرَ عَنْ الأَخْذ بِظَوَاهِر جَمِيع الآيَات الْقَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ، الَّتِي يُفْضِي الْقَوْل بِظَوَاهِرِهَا، إِلَى مُخَالَفَة إِجْمَاع السَّلَف؛ لأن هؤلاء الخوارج ما خرجوا عن جادّة الإسلام إلا عن هذا الطريق. ١٠ - (ومنها): جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ونَصَبَ الحرب، فقاتل على اعتقاد فاسد. ١١ - (ومنها): بيان أن من المسلمين مَن يخرج من الدِّين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام. ١٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطّاب، وخالد بن الوليد ﵁؛ لشدّة غيرتهما على الدين حيث استأذنا بقتل ذلك الرجل. ١٣ - (ومنها): أنه لا يُكتَفَى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ الشهود بتعديله الغاية في العبادة، والتقشّف، والورع حتى يُختَبَرَ باطن حاله. ١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فيه ذَمَّ اسْتِئْصَال شَعْر الرَّأس، قال الحافظ ﵀: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بَيَان صِفَتهمْ الْوَاقِعَة، لا لإِرَادَةِ ذَمّهَا، وَتَرْجَمَ أَبُو عَوَانَة فِي "صَحِيحه" لِهَذِهِ الأَحَادِيث: "بَيَان أَنَّ سَبَب خُرُوج الْخَوَارِج، كَانَ بِسَبَبِ الأَثَرَة فِي الْقِسْمَة، مَعَ كَوْنهَا كَانَتْ صَوَابًا، فَخَفِيَ عَنْهُمْ ذَلِكَ". ١٥ - (ومنها): أن فيه إِبَاحَةَ قِتَال الْخَوَارِج بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَة، وَقَتْلهمْ فِي الْحَرْب، وَثُبُوت الأَجْر لِمَنْ قَتَلَهُمْ. ١٦ - (ومنها): ما قيل: إنَّ الْخَوَارِج شَرّ الْفِرَق الْمُبْتَدِعَة، مِن الأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة، وَمِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى. قال الحافظ ﵀: وَالأَخِير مَبْنِيّ عَلَى الْقَوْل بِتَكْفِيرِهِمْ مُطْلَقًا. ١٧ - (ومنها): أنه احتجّ به من قال بتكفير الخوارج، وإليه ميل الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، حيث قرنهم بالملحدين، وبذلك صرّح ابن العربيّ في شرح الترمذيّ، فقال: الصحيح أنهم كفّار؛ لقوله ﷺ : "يمرقون من الإسلام"، ولقوله: "لأقتلنّهم قتل عاد"، وفي لفظ: "ثمود"، وكلّ منهما إنما هلك بالكفر، وبقوله: "هم شرّ الخلق"، ولا يوصف بذلك إلا الكفّار، ولقوله: "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى".

стр. 11768

وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الخوارج فُسّاق، وأنهم يُجرَى عليهم حكم الإسلام؛ لتلفّظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام. قال القرطبيّ ﵀ في "المفهم": والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئًا. انتهى. وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وبيان حجة كلّ قول، وترجيح الراجح بدليله في المسألة الخامسة- إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في معنى الخوارج، ومتى خرجوا؟، وبيان سبب خروجهم: (اعلم): أن الخوارج جمع خارجة؛ أي طائفة، وهم قوم مبتدعون، سُمُّوا بذلك لخروجهم عن الدين، وخروجهم على خيار المسلمين، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعيّ في "الشرح الكبير" أنهم خرجوا على علي ﵁ حيث اعتقدوا أنه يَعْرِف قَتَلَة عثمان ﵁ ويَقْدِر عليهم، ولا يَقْتَصّ منهم لرضاه بقتله، أو مواطأته إياهم، كذا قال، وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار، فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان، بل كانوا ينكرون عليه أشياء، ويتبرءون منه، وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سِيرة بعض أقارب عثمان، فطَعَنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم: القرّاء؛ لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأوّلون القرآن المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع، وغير ذلك، فلما قُتِل عثمان قاتلوا مع عليّ، واعتقدوا كُفْرَ عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة عليّ وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير، فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليًا، فلقيا عائشة وكانت حجّت تلك السنة، فاتفقوا. على طلب قَتَلَة عثمان، وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك، فبلغ عليًا، فخرج إليهم، فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر عليٌّ، وقتل طلحة في المعركة، وقُتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق، ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك، وكان أمير الشام إذ ذاك، وكان عليٌّ أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشام، فاعتَلَّ بأن عثمان

стр. 11769

قُتل مظلومًا، وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قَتَلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من علي أن يُمَكِّنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس، وحاكمهم إليّ أحكم فيهم بالحق، فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبًا قتال أهل الشام، فخرج معاوية في أهل الشام قاصدًا إلى قتاله، فالتقيا بصِفِّين، فدامت الحرب بينهما أشهرًا، وكاد أهل الشام أن ينكسروا، فرفعوا المصاحف على الرماح، ونادَوْا: ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، وكان ذلك باشارة عمرو بن العاص، وهو مع معاوية، فترك جمع كثير ممن كان مع علي، وخُصُوصًا القراءُ القتالَ بسبب ذلك تديُّنًا، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٢٣]، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حَكَمًا منكم، وحَكَمًا مِنّا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب عليّ ومن معه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج، وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين عليّ معاوية، فامتنع أهل الشام من ذلك، وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك، فأنكره عليه الخوارج أيضًا، ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان، ومن معهما بعد مدة عيّنوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام، ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج، وهم ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل: ستة آلاف، ونزلوا مكانًا، يقال له: حَرُوراء -بفتح المهملة، وراءين الأولى مضمومة- ومن ثَمَّ قيل لهم: الحرورية، وكان كبيرهم عبد الله بن الْكَوَّاء -بفتح الكاف، وتشديد الواو، مع المد -اليشكريّ، وشَبَث- بفتح المعجمة، والموحدة، بعدها مثلثة- التميميّ، فأرسل إليهم عليٌّ ابنَ عباس، فناظرهم فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم عليّ فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة، معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليًا تاب من الحكومة، ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك عليًّا، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاث، أن

стр. 11770

لا نَمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تُحْدِثوا فسادًا، وخرجوا شيئًا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم في الرجوع، فأصروا على الامتناع حتى يُشْهِد على نفسه بالكفر؛ لرضاه بالتحكيم، ويتوب، ثم راسلهم أيضًا فاستعرضوا الناس، فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومرَّ بهم عبد الله بن خباب بن الأرت، وكان واليًا لعلي على بعض تلك البلاد، ومعه سُرِّيَّة وهي حامل، فقتلوه وبَقَروا بطن سُرِّيته عن ولد، فبلغ عليًا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنَّهْرَوان، ولم ينج منهم إلا دون العشرة، ولا قُتل ممن معه إلا نحو العشرة، فهذا ملخص أول أمرهم. ثم انضم إلى من بقي منهم مَنْ مال إلى رأيهم، فكانوا مختفين في خلافة علي، حتى كان منهم عبد الرحمن بن مُلْجِم الذي قَتَل عليًا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح، ثم لَمّا وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له: النجيلة، ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق، طول مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق، وولي الخلافة عبد الله بن الزبير، وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان، فادَّعَى الخلافة، وغلب على جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نَجْدَة بن عامر، وزاد نَجْدة على مُعتَقَد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر، ولو اعتقد معتقدهم، وعَظُم البلاء بهم، وتوسعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكَفَّروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرة، وحُكْمُ مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكَفُّوا عن أموال أهل الذمة، وعن التعرض لهم مطلقًا، وفَتَكُوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنَّهْب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقًا بغير دعوة منهم، ومنهم من يدعو أولًا ثم يَفتِك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة على قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم، وتقلل

стр. 11771

جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب. وقد صنّف في أخبارهم أبو مِخْنَف -بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح النون، بعدها فاء- واسمه لوط بن يحيى كتابًا لخصه الطبري في "تاريخه"، وصنّف في أخبارهم أيضًا الهيثم بن عديّ كتابًا، ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج "الصحيح" كتابًا كبيرًا، وجَمَعَ أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه "الكامل" لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: الخوارج صنفان: أحدهما يزعم أن عثمان وعليًا وأصحاب الْجَمَل وصِفِّين وكلُّ من رَضِي بالتحكيم كفار، والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدًا. وقال غيره: بل المصنف الأول مُفَرَّع عن المصنف الثاني؛ لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم: ذهب نَجْدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عُذِّب بغير النار، ومن أَدْمَن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار، وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد، فأنكر الصلوات الخمس، وقال: الواجب صلاة بالغداة، وصلاة بالعشي، ومنهم من جوّز نكاح بنت الابن، وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون "سورة يوسف" من القرآن، وأن من قال: لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه. وقال أبو منصور البغدادي في "المقالات": عِدَّة فِرَق الخوارج عشرون فرقة. وقال ابن حزم: أسوؤهم حالًا الغلاة المذكورون، وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية، منهم بقية بالمغرب. وقد وردت بما ذُكِر من أصل حال الخوارج أخبار جياد، منها ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الطبري من طريق يونس كلاهما عن الزهري، قال: لَمّا نشر أهل الشام المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، حين كاد أهل العراق أن يغلبوهم، هاب أهل الشام ذلك إلى أن آل الأمر إلى التحكيم، ورجع كل إلى بلده إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدُومَة الجندل،

стр. 11772

وافترقا عن غير شيء، فلمّا رجعوا خالفت الحرورية عليًا، وقالوا: لا حكم إلا لله. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي رَزِين قال: لَمّا وقع الرضا بالتحكيم، ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء، فبعث لهم عبدَ الله بنَ عباس فناظرهم، فلما رجعوا جاء رجل إلى علي، فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر؛ لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله. ومن وجه آخر أن رءوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان: عبدُ الله بن وهب الراسي، وزيد بن حِصْن الطائي، وحُرْقُوص بن زهير السعدي، فاتفقوا على تأمير عبد الله بن وهب، ذكر هذا كلّه في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج: قال النوويّ ﵀: وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيث دَلِيل لِمَنْ يُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ﵀: قَالَ الْمَازِرِيّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَكْفِير الْخَوَارِجِ، قَالَ: وَقَدْ كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَكُون أَشَدّ إِشْكَالًا مِنْ سَائِر الْمَسَائِل، وَلَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْمَعَالِي، وَقَدْ رَغِبَ إِلَيْهِ الْفَقِيه عَبْد الْحَقّ رَحِمَهُمَا الله تَعَالَى فِي الْكَلام عَلَيْهَا، فَرَهبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الْغَلَط فِيهَا يَصْعُبُ مَوْقِعُهُ؛ لأَنَّ إِدْخَال كَافِر فِي الْمِلَّة، وَإِخْرَاج مُسْلِم مِنْهَا عَظِيم فِي الدِّين، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر الْبَاقِلّانِيّ، وَنَاهِيك بِهِ فِي عِلْم الأُصُول، وَأَشَارَ ابْن الْبَاقِلّانِيّ إِلَى أَنَّهَا مِنْ الْمُعَوِّصَات؛ لأَنَّ الْقَوْم لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَأَنَا أَكْشِف لَك نُكْتَة الْخِلاف، وَسَبَب الإِشْكَال، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ مَثَلًا يَقُول: إِنَّ الله تَعَالَى عَالِم، وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ، وَحَيٌّ وَلا حَيَاةَ لَهُ، يُوقِع الالْتِبَاس فِي تَكْفِيره؛ لأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ دَيْن الأُمَّة ضَرُورَةً، أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى لَيْسَ بِحَيٍّ، وَلا عَالِم كَانَ كَافِرًا، وَقَامَتْ الْحُجَّة عَلَى اسْتِحَالَة كَوْن الْعَالَم، لا عِلْم

стр. 11773

لَهُ، فَهَلْ نَقُول: إِنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ، إِذَا نَفَى الْعِلْم، نَفَى أَنْ يَكُون الله تَعَالَى عَالِمًا، وَذَلِكَ كُفْر بِالإِجْمَاعِ، وَلَا يَنْفَعُهُ اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ عَالِم، مَعَ نَفْيِهِ أَصْل الْعِلْم، أَوْ نَقُول: قَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الله تَعَالَى عَالِم، وَإِنْكَاره الْعِلْم لا يُكَفِّرهُ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَالِم، فَهَذَا مَوْضِع الإِشْكَال. هَذَا كَلام الْمَازِرِيّ. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَجَمَاهِير أَصْحَابه الْعُلَمَاء، أَنَّ الْخَوَارج لا يَكْفُرُونَ، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّة، وَجَمَاهِير الْمُعْتَزِلَة، وَسَائِر أَهْل الأَهْوَاء. قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: أَقْبَلُ شَهَادَة أهْل الأَهْوَاء إِلا الْخَطَّابِيَّة، وَهُمْ طَائِفَة مِنَ الرَّافِضَة، يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ فِي الْمَذْهَب بِمُجَرَّدِ قَوْلهمْ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمْ لِهَذَا، لا لِبِدْعَتِهِمْ. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": استُدِلّ بحديث أبي سعيد ﵁ هذا لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاريّ، حيث قَرَنهم بالملحدين، وأفرد عنهم المتاولين بترجمة، وبذلك صَرّح القاضي أبو بكر ابن العربي في "شرح الترمذي"، فقال: الصحيح أنهم كُفّار؛ لقوله ﷺ : "يَمْرُقون من الإسلام"، ولقوله: "لأقتُلَنَّهم قتل عاد"، وفي لفظ: "ثمود" وكل منهما إنما هلك بالكفر، وبقوله: "هم شر الخلق"، ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله: "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى"، ولحكمهم على كل من خالف مُعتَقَدَهم بالكفر، والتخليدِ في النار، فكانوا هم أحقَّ بالاسم منهم. وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي، فقال في "فتاويه": احتَجَّ من كَفَّر الخوارج، وغُلاة الروافض بتكفيرهم أعلامَ الصحابة؛ لتضمنه تكذيب النبي ﷺ في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاجٌ صحيحٌ، قال: واحتَجَّ من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يَستَدْعِي تقدُّم علمهم بالشهادة المذكورة علمًا قطعيًّا، وفيه نظر؛ لأنا نعلم تزكية من كفَروه علمًا قطعيًا إلى حين موته، وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفَّرهم، ويؤيده حديث: "مَن قال لأخيه كافر، فقد باء به أحدهما"، وفي لفظ مسلم: "مَنْ رَمَى مسلمًا بالكفر، أو قال: عدو الله إلا حاد عليه"، قال: وهؤلاء قد

стр. 11774

تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر، ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يُحكَم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سَجَدَ للصنم ونحوه، ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فَسَّروا الكفر بالجحود، فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك، قلنا: وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم، ولو لم يعتقدوا تزكية من كَفَروه علمًا قطعيًّا، ولا يُنجيهم اعتقاد الإسلام إجمالًا، والعملُ بالواجبات عن الحكم بكفرهم، كما لا يُنجي الساجد للصنم ذلك. وممن جَنَحَ إلى بعض هذا المحبّ الطبري في "تهذيبه"، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب: فيه الرذُ على قول من قال: لا يَخرُج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالمًا فإنه مبطل؛ لقوله في الحديث: "يقولون الحقّ، ويقرءون القرآن، وَيمرُقون من الإسلام، ولا يتعلقون منه بشيء"، ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلالَ دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطإ منهم فيما تأولوه من آي القرآن المرادَ منه، ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس، وذَكَرَ عنده الخوارج، وما يَلْقَون عند قراءة القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، وَيهْلِكون عند متشابهه. ويؤيد القول المذكور الأمرُ بقتلهم مع ما تقدم من حديث ابن مسعود ﵁: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث"، وفيه: "التارك لدينه المفارقُ للجماعة". قال القرطبي في "المفهم": يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد ﵁ -يعني الآتي بعد حديث، فإن ظاهر مقصوده أنهم خَرَجُوا من الإسلام، ولم يتعلقوا منه بشيء، كما خرج السهم من الرَّمِيَّة؛ لسرعته، وقُوَّة راميه، بحيث لم يتعلق من الرَّمِيَّة بشيء، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "سَبَقَ الفَرْثَ والدمَ". وقال صاحب "الشفاء" فيه: وكذا نقطع بكفر كُلِّ من قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة، وحكاه صاحب "الروضة" في "كتاب الردة" عنه، وأقرّه. وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فُسَّاق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم؛ لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على

стр. 11775

أركان الإسلام، وإنما فَسَقُوا بتكفيرهم المسلمين، مُستندين إلى تأويل فاسد، وجَرَّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم، وأموالهم، والشهادة عليهم بالكفر والشرك. وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فِرَق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يُكَفَّرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام. وقال عياض: كادت هذه المسألة تكون أشدَّ إشكالا عند المتكلمين من غيرها، حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمامَ أبا المعالي عنها، فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة، وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين، قال: وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: لم يُصَرِّح القوم بالكفر، وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إلى الكفر. وقال الغزالي في "كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة": والذي ينبغي الاحترازُ عن التكفير ما وَجَدَ إليه سبيلًا، فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطا، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد. ومما احتج به من لم يُكَفِّرهم قوله في حديث أبي سعيد أيضًا بعد وصفهم بالمروق من الدين كمروق السهم: "فينظر الرامي إلى سهمه … " إلى أن قال: "فيتمارى في الفُوقة هل عَلِقَ بها شيء". قال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين؛ لقوله: "يتمارى في الفُوق"؛ لأن التماري من الشك، وإذا وقع الشك في ذلك لم يُقطَع عليهم بالخروج من الإسلام؛ لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين، لم يَخرُج منه إلا بيقين، قال: وقد سئل علي ﵁ عن أهل النَّهْرِ، هل كفروا؟ فقال: مِنَ الكفر فَرُّوا. قال الحافظ: وهذا إن ثبت عن علي ﵁ حُمِل على أنه لم يكن يتحقق على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كَفَّرهم، وفي احتجاجه بقوله: "يتمارى في الفوق" نظر؛ فإن في بعض طرق الحديث المذكور: "لم يَعلَق منه بشيء"، وفي بعضها: "سبق الفرث والدم".

стр. 11776

وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أو لا؟ ثم تحقق أثه لم يَعلَق بالسهم ولا بشيء منه من الرمي بشيء. ويمكن أن يُحمَل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في قوله: "يتمارى" إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء. قال القرطبي في "المفهم": والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: فعلى القول بتكفيرهم يُقاتَلون، ويُقتلون، وتُسبَى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يُسلَك بهم مسلك أهل البغي إذا شَقُّوا العصا، ونَصَبُوا الحرب، فأما من استسرّ منهم ببدعة، فإذا ظهر عليه هل يُقتَل بعد الاستتابة، أو لا يُقتَل بل يُجتَهد في رد بدعته، اختُلِف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نَعْدِل بالسلامة شيئًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى رُجحان قول من قال بتكفير الخوارج؛ لقوّة أدلّته، ووُضوحها، لكن السلامة لا يعادلها شيءٌ -كما قال القرطبيّ ﵀ فالتوقّف في مثل هذا أولى للحريص على دينه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٢] ( … ) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الزَحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْم، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ، فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزيدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَلا تَأْمَنُونِي، وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً"، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،

стр. 11777

اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ: "ويلَكَ، أَوَ لَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ؟ "، قَالَ: ثُمَّ وَلِى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: "لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي"، قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵇: "إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أنقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُق بُطُونَهُمْ"، قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُقَفٍّ، فَقَالَ: "إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤. ٣ - (عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ) "الأديم": الجلد. و"المقروظ": المدبوغ بالقَرَظ، وهو شجر يُدبَغ به. قاله في "المفهم" (١). وقوله: (لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا) أي لم تُخلّص من تراب معدنها، فكانها كانت تِبْرًا، وتخليصها بالسبك. وقوله: (وَالرَّابعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ) قال العلماء: ذِكْرُ عامر هنا غلط ظاهرٌ؛ لأنه تُوُفِّي قبل هذا بسنين، والصواب الجزم بأنه علقمة بن عُلاثة كما هو مجزوم في باقي الروايات، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقوله: (فَقَالَ رَجُل مِنْ أَصْحَابِهِ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه. وقوله: ("أَلَا تَأْمَنُونِي … إلخ) في رواية سعيد بن مسروق الماضية أنه ﷺ

стр. 11778

إنما قال هذا عقب قول الخارجيّ الذي يُذكر بعد هذا، وهو المحفوظ، قاله في "الفتح" (١). وقوله: (وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ … الخ) قال القرطبيّ في "المفهم": لا حجّة فيه لمن يرى أن الله مختصّ بجهة فوقُ؛ لما تقدّم من استحالة الجسميّة، وأيضًا فيَحْتَمِل أن يراد بـ "من في السماء" الملائكة، فإنه أمين عندهم، معروف بالأمانة، والسماء بمعنى العلوّ والرفعة المعنويّة. وهكذا القول في قوله تعالى تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقد تقدم أن التسليم في المشكلات أسلم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ في معنى هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات الفوقية لله تعالى على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه تعالى استوى على عرشه استواء حقيقيًا، يليق بجلاله، كما أخبر به في عدّة آيات الكتاب، وكما أخبر به النبيّ ﷺ في الأحاديث الصحيحة. ولا يلزم من ذلك تجسيم، ولا تكييف، فإن قياس الغائب بالشاهد باطلٌ، فربنا هو الأعلى "سبحان ربي الأعلى"، وكلّ ما ثبت في النصّ من صفاته العليا فهو ثابت له على ظاهره، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، وقد أشبعت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (فَقَامَ رَجُلٌ … الخ) هذا الرجل تقدّم أنه ذو الْخُويصرة التميميّ. وقوله: (نَاشِزُ الْجَبْهَةِ) بِنُونٍ، وَشِيْنٍ مُعْجَمَة، وَزَاي: أَيْ مُرْتَفِعهَا، فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق الماضية: "نَاتِئ الْجَبِين"، وهو بمعناه. وقوله: (مُشَمَّرُ الْإِزَارِ) التشمير في الأمر: السُّرْعة فيه، والخفّةُ، وشَمّر ثوبَهُ: رفعه، ومنه قيل: شَمَّر في العبادة: إذا اجتهد، وبالغ، وشَمَّر السهمَ: أرساه مُصَوَّبًا على الصيد (٣). وقوله: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) تقدّم في رواية سعيد بن مسروق: "فقال: يا محمد"، ولعلّ ما هنا من الرواية بالمعنى، والله تعالى أعلم.

стр. 11779

وقوله: (فَقَالَ: "لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي") فيه استعمال "لَعَلَّ" استعمال "عَسَى"، نبَهَ عليه ابن مالك. وقوله: (يَكُونَ يُصَلِّي) قيل: فيه دلالة من طريق المفهوم على أن تارك الصلاة يُقْتَلُ، وفيه نظر، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فيه نظرٌ" فيه نظرٌ، فإن الاستدلال المذكور صحيح، تؤيّده الأدلة الأخرى التي تدلّ على قتل تارك الصلاة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لعله يكون يصلي" هو مردود للمعنى الذي قدّمناه من أنه إنما امتنع من قتله؛ لئلا يُتَحَدَّث أنه يَقتُل أصحابه المصلِّين، فيكون ذلك منفِّرًا، وإلا فقد صَدَر عنه ما يوجب قتله لولا المانع. انتهى (٢). وقوله: ("إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ … إلخ) بنون، وقاف ثقيلة، بعدها موحدة، يقال: نَقَبتُ الحائط ونحوه نَقْبًا، من باب نصر: إذا خرقته؛ أي إنما أمرت أن آخذ بظواهر أمورهم، والله تعالى يتولّى سرائرهم، كما قال ﷺ : "أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله"، وفي الحديث: "هلّا شَقَقت عن قلبه" (٣). قال القرطبيّ ﵀: إنما مَنَعَ قتله، وإن كان قد استوجب القتل؛ لئلا يتحدث الناس أنه يَقْتُل أصحابه، ولا سيما من صلى، كما تقدم نظيره في قصة عبد الله بن أبيّ. وقال المازريّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ ﷺ لم يفهم من الرجل الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلِف في جواز وقوع الصغائر، أو لعله لم يعاقب هذا الرجل لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحد، وخبر الواحد لا يراق به الدم. انتهى.

стр. 11780

وأبطله القاضي عياض بقوله في الحديث: "اعدل يا محمد" فخاطبه في الملإ بذلك حتى استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدم (١). وقوله: (وَهُوَ مُقَفٍّ) أي مولٍّ، مدبرٌ، قد أعطانا قفاه. وقوله: (فَقَالَ: "إِنَّهُ يَخْرُجُ … إلخ) الهاء ضمير الشأن؛ أي إن الشأن والحال. وقوله: (يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا) قال القرطبيّ ﵀: فيه ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه الْحِذْق بالتلاوة، والمعنى أنهم يأتون به على أحسن أحواله. [والثاني]: يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به. [والثالث]: أن يكون من حسن الصوت بالقراءة. انتهى (٢). وقوله: (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ") جمع حَنْجَرَة، وهي رأس الْغَلْصَمة (٣)، حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق (٤). قال القاضي عياض ﵀: فيه تأويلان: [أحدهما]: معناه: لا تفهمه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظّ سوى تلاوة الفم، والحنجرة، والحلق؛ إذ بهما تقطيع الحروف. [والثاني]: معناه: لا يصعد لهم عملٌ، ولا تلاوةٌ، ولا يُتقبّل. انتهى (٥). وقوله: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ … " إلخ) القائل: "أظنّ … إلخ" هو عمارة بن القعقاع، كما بيّنته الرواية التالية. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11781

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٣] ( … ) - (حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَقَالَ: نَاتِئُ الجَبْهَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: نَاشِزُ، وَزَادَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطابِ ﵁، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: "لَا"، قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدٌ سَيْفُ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: "لَا"، فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِى هَذَا قَوْمٌ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ لَيِّنًا رَطْبًا"، وَقَالَ: قَالَ عُمَارَةُ: حَسِبْتُهُ قَالَ: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ، وله أوهام [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيحُ الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. و"عُمارة" ذُكر قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ) تقدّم أن عدم ذكره هو الصواب. وقوله: (نَاتِئُ الْجَبْهَةِ) بِنُونٍ وَمُثَنَّاة عَلَى وَزْن فَاعِل مِنَ النُّتُوء، أَيْ أَنَّهُ مرْتَفِع عَلَى مَا حَوْله. وقوله: (فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدٌ سَيْفُ اللهِ) هذه الرواية فيها بيان أن كلًّا من عمر، وخالد ﵄ طلبا قتله، فأما عمر فطلب حينما تكلّم الرجل، وأنكر عليه النبيّ ﷺ ، وأما خالد فطلب بعد أن ولَّى، ولعله ما علم بطلب عمر ﵁. وقوله: (يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ لَيِّنًا رَطْبًا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ "لَيِّنًا" بالنون: أي سهلًا، وفي كثير من النسخ "لَيًّا" بحذف النون، وأشار القاضي عياض إلى أنه رواية أكثر شيوخهم، قال: ومعناه: سَهْلًا؛ لكثرة حفظهم، قال: وقيل: "لَيًّا": أي يَلْوُون ألسنتهم به؛ أي يُحَرِّفون معانيه

стр. 11782

وتأويله، قال: وقد يكون من اللَّيّ في الشهادة، وهو الميل. انتهى (١). وقوله: (قَالَ عُمَارَةُ: حَسِبْتُهُ … إلخ) هو عمارة بن القعقاع الراوي عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن القعقاع هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: زيدُ الْخَيْرِ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ،

стр. 11783

وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، أَوْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَقَالَ: نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَرِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ"، وَلَمْ يَذْكُرْ: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمَير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غزوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨. و"عمارة" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، عن عُمارة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٣/ ٤) فقال: (١١٠٢١) - حدّثنا محمد بن فُضيل، ثنا عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعْم، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: بَعَثَ عليّ من اليمن إلى رسول الله ﷺ بذهبة، في أَدِيم مقروظ، لم تُحَصَّل من ترابها، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة، بين زيد الخير، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن عُلاثة، أو عامر بن الطفيل -شكّ عُمارةُ- فوجد من لك بعض أصحابه، والأنصار، وغيرهم، فقال رسول الله ﷺ : "ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من السماء صباحًا ومساءً"، ثم أتاه رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، مُشَمِّر الإزار، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا رسول الله، قال: فرفع رأسه إليه، فقال: "ويحك، ألستُ أحقّ أهل الأرض أن يتقي الله أنا؟ "، ثم أدبر، فقال خالد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟، فقال رسول الله ﷺ : "فلعله يكون يصلي"، فقال: إنه رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أومر أن أنقُب عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ بطونهم"، ثم نظر إليه النبيّ ﷺ ، وهو مُقَفٍّ، فقال: "إنه سيخرج من ضئضئي هذا قوم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم،

стр. 11784

يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرميّة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَسَأَلَاهُ عَن الْحَرُورِيَّةِ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَنِ الْحَرُورِيَّةُ؟ وَلَكِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ فِي هَذ الْأُمَّةِ- وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا- قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاِتهِمْ، فَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، أَوْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ، إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الذَمِ شَيْءٌ؟ "). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩. ٢ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. ٣ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣. والباقون ذُكروا في الباب، و"عبد الوهّاب" هو: ابن عبد المجيد الثقفيّ. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن تابعيين.

стр. 11785

٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدني، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ﵁ (فَسَأَلَاهُ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ) هم الخوارج، سُمُّوا حَرُوريّةً؛ لأنهم نزلوا حَرُوراء، وتعاقدوا عندها على قتال أهل العدل، وحَرُوراء -بفتح الحاء المهملة، وبالمد-: قرية بالعراق قريبة من الكوفة، وسُمُّوا خوارج؛ لخروجهم على الجماعة، وقيل: لخروجهم عن طريق الجماعة، وقيل: لقوله ﷺ : "يخرج من ضئضئ هذا … " الحديث. (هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُهَا؟) وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: قلت لأبي سعيد: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر الحرورية؟، أخرجه ابن ماجه، والطبريّ، وأخرج الطبريّ من طريق الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة قال: جئنا أبا سعيد، فقلنا، فذكر مثله، ومن طريق أبي إسحاق، مولى بني هاشم، أنه سال أبا سعيد عن الحرورية (١). (قَالَ) أبو سعيد ﵁ (لَا أَدْرِي مَنْ الْحَرُورِيَّةُ؟) ولفظ البخاريّ: "ما الحروريّة"، قال في "الفتح": هذا يغاير قوله الآتي: "وأشهد أن عليًّا قتلهم، وأنا معه"، فإن مقتضى الأول أنه لا يدري، هل ورد الحديث الذي ساقه في الحرورية أو لا؟ ومقتضى الثاني أنه ورد فيهم، ويمكن الجمع بان مراده بالنفي هنا أنه لم يَحفظ فيهم نصًّا بلفظ الحرورية، وإنما سمع قصتهم التي دلّ وجود علامتهم في الحرورية بانهم هم. انتهى (٢). (وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ- وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا-) قال في "الفتح": لم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك، فعند مسلم من رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد: "أن النبيّ ﷺ ذكر قومًا

стр. 11786

يكونون في أمته"، وله من وجه آخر: "تمرق عند فرقة مارقة من المسلمين"، وله من رواية الضحاك المشرقيّ، عن أبي سعيد نحوه. وأما ما أخرجه الطبريّ من وجه آخر، عن أبي سعيد، بلفظ: "من أمتي"، فسنده ضعيف. لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذرّ بلفظ: "سيكون بعدي من أمتي قوم"، وله من طريق زيد بن وهب، عن علي ﵁: "يخرج قوم من أمتي". وُيجْمَع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة، وفي رواية غيره أمة الدعوة. قال النوويّ: وفيه دلالة على فقه الصحابة، وتحريرهم الألفاظ، وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج، وأنهم من غير هذه الأمة. انتهى (١). وعبارة النوويّ: قال المازريّ: هذا من أدلّ الدلائل على سَعَة علم الصحابة ﵃، ودقيق نظرهم، وتحريرهم الألفاظ، وفرقهم بين مدلولاتها الخفيّة؛ لأن لفظة "مِنْ" تقتضي كونهم من الأمة، لا كفارًا، بخلاف "في"، ومع هذا فقد جاء بعد هذا من رواية عليّ ﵁: "يخرج من أمتي قوم"، وفي رواية أبي ذرّ ﵁: "إن بعدي من أمتي، أو سيكون بعدي من أمتى"، وقد سبق الخلاف في تكفيرهم، وأن الصحيح عدم تكفيرهم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن القول بتكفيرهم أقوى حجةً، ولكن التوقّف هو الأسلم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَوْمٌ تَحْقِرُونَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه: أي تستقلّون (صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاِتِهِمْ) زاد في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة التالية: "وصيامكم مع صيامهم"، وفي رواية عاصم بن شَمْخ (٣)، عن أبي سعيد: "تحقرون أعمالكم مع أعمالهم"، ووصف عاصم أصحاب نَجْدة الحروريّ بأنهم "يصومون النهار،

стр. 11787

ويقومون الليل، ويأخذون الصدقات على السنة"، أخرجه الطبريّ، ومثله عنده من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنده: "يتعبدون، يَحقِر أحدكم صلاته وصيامه، مع صلاتهم وصيامهم"، ومثله من رواية أنس، عن أبي سعيد، وزاد في رواية الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة: "وأعمالكم مع أعمالهم"، وفي رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن عليّ: "ليست قراءتكم إلى قراءتهم بشي، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء"، أخرجه مسلم (١)، والطبريّ، وعنده من طريق سليمان التيميّ، عن أنس، ذكر لي عن رسول الله ﷺ قال: "إن فيكم قومًا يدأبون، ويعملون، حتى يُعْجِبوا الناسَ، وتَعْجَبهم أنفسهم"، ومن طريق حفص ابن أخي أنس، عن عمة، بلفظ: "يتعمقون في الدين"، وفي حديث ابن عباس، عند الطبرانيّ في قصة مناظرته للخوارج، قال: "فأتيتهم، فدخلت على قوم، لم أر أشدّ اجتهادًا منهم؛ أيديهم كأنها ثَفِنُ (٢) الإبل، ووجوههم مُعْلَمة من آثار السجود"، وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، أنه ذُكِر عنده الخوارج، واجتهادهم في العبادة، فقال: "ليسوا أشدّ اجتهادًا من الرهبان" (٣). (فَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ) بضمّتين: هو الْحَلْقُ، وميمه زائدة، والجمع حَلاقيمُ بالياء، وبحذفها تخفيفًا (٤). (أَوْ) للشكّ من الراوي (حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الذَينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ") -بكسر الميم، وتشديد التحتانية-: فَعِيلة بمعنى مفعولة، فأدخلت فيها الهاء، وإن كان فَعِيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ للإشارة لنقلها من الوصفية إلى الاسمية، وقيل: إن شرط استواء المذكر والمؤنث أن يكون الموصوف مذكورًا معه، وقيل: شرطه سقوط الهاء من المؤنث قبل وقوع الوصف، نقول: خُذْ ذبيحتك؛ أي الشاة التي تريد ذبحها، فإذا ذبحتها قيل لها حينئذ: ذبيح.

стр. 11788

وفي رواية معبد بن سيرين، عن أبي سعيد عند البخاريّ في "كتاب التوحيد": "لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فُوقه"، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو من رواية مقسم عنه: "فإنه سيكون لهذا شيعة، يتعمقون في الدين، يمرقون منه … " الحديث. (فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ) بفتح، فسكون: واحد النبل، وقيل: السَّهْم: نفس النصل (١). وقوله: (إِلَى نَصْلِهِ) أي حديدة السهم، وهو بدل من"إلى سهمه"؛ أي ينظر إليه جملةً، ثم تفصيلًا، وقد وقع في رواية أبي ضمرة، عن يحيى بن سعيد، عند الطبريّ: "أينظر إلى سهمه، فلا يرى شيئًا، ثم ينظر إلى نَصْله، ثم إلى رِصَافه". (إِلَى رِصَافِهِ) -بكسر الراء، ثم مهملة، ثم فاء-: عَصَبه الذي يكون فوق مَدْخَل النّصل. والرِّصَاف جمعٌ، واحدة رَصَفَة بحركات. (فَيَتَمَارَى) أي يتشكّك الرامي (فِي الْفُوقَةِ) بضمّ الفاء: موضع الوتر من السهم، قال ابن الأنباريّ: الفُوق يُذَكَّر، ويؤنَّث، فيقال: هو الفُوقُ، وهي الفُوقُ، وقد يقال: فُوقة بالهاء (هَلْ عَلِقَ) بفتح، فكسر، يقال: عَلِق الشوك بالثوب عَلَقاً، من باب تَعِبَ، وتعلَّق به: إذا نَشِبَ به، واستمسك (٢). (بِهَا) أي بالفوقة (مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ؟). وحاصل معنى الحديث أنهم يخرجون من الإسلام بغتةً كخروج السهم إذا رماه رامٍ قويُّ الساعد، فأصاب ما رماه، فنفذ منه بسرعة، بحيث لا يَعْلَق بالسهم، ولا بشيء منه من المرميّ شيء، فإذا التمس الرامي سهمه وجده، ولم يجد الذي رماه، فينظر في السهم ليعرف هل أصاب، أو أخطأ؟ فإذا لم يره عَلِقَ فيه شيء من الدم ولا غيره، ظَنّ أنه لم يصبه، والفرض أنه أصابه، والى ذلك أشار بقوله: "سَبَقَ الفرث والدمَ"؛ أي جاوزهما، ولم يَتَعَلَّق فيه منهما شيء، بل خرجا بعده.

стр. 11789

ووقع في رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد الآتي: "فضرب النبيّ ﷺ لهم مثلاًا لرجل يرمي الرمية … " الحديث. وفي رواية أبي المتوكل الناجيّ، عن أبي سعيد عند الطبريّ: "مَثَلُهم كمثل رجل رَمَى رَمِيَّةً، فتوخى السهم حيث وقع، فأخذه، فنظر إلى فُوقه، فلم ير به دَسَمًا، ولا دمًا، لم يتعلق به شيء من الدسم والدم"، كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام. وعنده في رواية عاصم بن شمخ بعد قوله: "من الرمِيَّة": "يذهب السهم، فينظر في النصل، فلا يرى شيئًا من الفرث والدم … " الحديث، وفيه: "يتركون الإسلام وراء ظهورهم، وجعل يديه وراء ظهره". وفي رواية أبي إسحاق، مولى بني هاشم، عن أبي سعيد، في آخر الحديث: "لا يتعلقون من الدين بشيء، كما لا يتعلق بذلك السهم"، أخرجه الطبريّ. وفي حديث أنس، عن أبي سعيد، عند أحمد، وأبي داود، والطبريّ: "لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتدّ السهم إلى فُوقه". وجاء عن ابن عباس ﵄ عند الطبري، وأوله في ابن ماجه بسياق أوضح من هذا، ولفظه: "سيخرُج قوم من الإسلام خروج السهم من الرميّة، عَرَضَت للرجال، فرموها، فانمرق سهم أحدهم منها، فخرج، فأتاه، فنظر إليه، فإذا هو لم يتعلق بنصله من الدم شيء، ثم نظر إلى الْقُذَذ (١)، فلم يره تعلق من الدم بشيء، فقال: إن كنت أصبتُ فإن بالريش والفُوق شيئًا من الدم، فنظر فلم ير شيئًا تعلق بالريش والفُوق، قال: كذلك يخرجون من الإسلام". وفي رواية بلال بن بقطر، عن أبي بكرة: "يأتيهم الشيطان من قبل دينهم". وللحميدي وابن أبي عمر في "مسنديهما" من طريق أبي بكر، مولى الأنصار، عن عليّ: "أن ناسا يخرجون من الدين، كما يخرج السهم من

стр. 11790

الرميّة، ثم لا يعودون فيه أبدًا" (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٦] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَاب، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالضّحَّاكُ الْهَمْدَانِيُّ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، أتاهُ ذُو الْخُويصِرَةِ، وَهُوَ رَجلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ويلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاِتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ -وَهُوَ الْقِدْحُ- ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تتَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِي بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَاتَلَهُمْ، وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، فَالْتُمِسَ، فَوُجِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي نَعَتَ).

стр. 11791

رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ) هو: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم أبو عبيد الله المصريّ، لقبه بَحْشَل، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت ٢٦٤) (م) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٩/ ١٢٧٧. [تنبيه]: قوله: "الفِهْريّ" بكسر الفاء، وسكون الهاء، آخره راء: نسبة إلى فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنَانة، قاله في "اللباب" (١). ٣ - (الضَّحَّاكُ الْهَمْدَانِيُّ) هو: الضحّاك بن شَرَاحيل، ويقال: ابن شُرَحْبيل الْهَمْدانيّ الْمَشْرقيّ -بكسر أوله، ثم شين معجمة، ثم قاف- صدوقٌ [٤]. رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، ومالك بن أوس بن الْحَدَثَان. ورَوَى عنه حبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كُهيل، والأعمش، والزهريّ، وعبد الملك بن ميسرة. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر أبو بكر البزار في "مسنده" أنه ارتفعت جهالته برواية الزهريّ وغيره عنه، قال: وَيرَون أنه الضحاك بن مُزَاحِم (٢). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ في "خصائص عليّ ﵁"، وله عندهم حديثان ة أحدهما هذا في ذكر الخوارج، والآخر في فضل "سورة الإخلاص"، وكرّره في هذا الكتاب مرّتين. [تنبيه]: قال في "الفتح": والضحاك الْمِشْرَقيّ -بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الراء-: نسبة إلى مِشْرَق بن زيد بن جُشَم بن حاشد، بَطْنٌ من هَمْدان، قَيَّده العسكريّ، وقال: مَن فتح الميم فقد صَحَّف، كأنه يشير إلى قول ابن أبي حاتم: مَشْرَق موضع، وقد ضبطه بفتح الميم، وكسر الراء الدارقطنيّ، وابن ماكولا، وتبعهما ابن السمعانيّ في موضع، ثم غَفَل فذكره بكسر الميم، كما قال العسكريّ، لكن جعل قافه فاء، وتعقّبه ابن الأثير، فأصاب.

стр. 11792

والضحاك المذكور هو ابن شَرَاحيل، ويقال: ابن شرَحَبِيل، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث -يعني فضل سورة الإخلاص"- وآخر يأتي في "كتاب الأدب" قرنه فيه بأبي سلمة بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي سعيد الخدرفي، وحَكَى البزار أن بعضهم زعم أنه الضحاك بن مزاحم، وهو غلط (١). انتهى (٢). والباقون تقدّموا قبل باب، وفي هذا الباب، و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ، و"أبو سلمة بن عبد الرحمن": هو ابن عوف. وقوله: (بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا) زاد في رواية: "يوم حُنين"، وتقدم من طريق عبد الرحمن بن أبي نُعْم عن أبي سعيد، أن المقسوم كان ذهبةً بعثها عليّ بن أبي طالب ﵁ من اليمن، فقسمها النبيّ ﷺ بين أربعة أنفس … إلخ. وقوله: (أَتَاهُ ذُو الْخُويصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) هكذا في رواية المصنّف، وفي رواية البخاريّ: "جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميميّ"، قال في "الفتح": وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، بلفظ: "بينما رسول الله ﷺ يَقْسِم قَسْمًا إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميميّ"، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية عبد الرزاق، ومحمد بن ثور، وأبي سفيان الحميريّ، وعبد الله بن معاذ أربعتهم عن معمر، وأخرجه الثعلبيّ، ثم الواحديّ في "أسباب النزول" من طريق محمد بن يحيى الذُّهْليّ عن عبد الرزاق، فقال: "ابن ذي الخويصرة

стр. 11793

التميميّ، وهو حُرْقُوص بن زُهير أصل الخوارج"، وما أدري من الذي قال: "وهو حرقوص إلخ"؟، وقد اعتمد على ذلك ابن الأثير في "الصحابة" فترجم لذي الخويصرة التميميّ في الصحابة، وساق هذا الحديث من طريق أبي إسحاق الثعلبيّ، وقال بعد فراغه: فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حُرْقُوصًا، والله أعلم. وقد جاء أن حُرْقُوصًا اسم ذي الثُّدَيّة، كما سيأتي. قال: وقد ذكر حرقوص بن زهير في الصحابة أبو جعفر الطبريّ، وذكر أنه كان له في فتوح العراق أثرٌ، وأنه الذي افتتح سوق الأهواز، ثم كان مع عليّ في حروبه، ثم صار مع الخوارج، فقُتِل معهم، وزعم بعضهم أنه ذو الثُّديّة الآتي ذكره، وليس كذلك، وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الأحاديث مبهمًا، ووُصِف في رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم المتقدّمة بأنه مُشْرِف الوجنتين، غائر العينين، ناشز الجبهة، كَثُّ اللحية، محلوق الرأس، مُشَمِّر الإزار. وفي حديث أبي بكرة، عند أحمد، والطبريّ: "فأتاه رجل أسود، طويلٌ، مشمرٌ، محلوق الرأس، بين عينيه أثر السجود". وفي رواية أبي الوضي عن أبي برزة، عند أحمد، والطبريّ، والحاكم: "أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بدنانير، فكان يقسمها، ورجل أسود مطموم الشعر (١)، بين عينيه أثر السجود"، وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند البزار، والطبريّ: "رجل من أهل البادية، حديث عهد بأمر الله". انتهى (٢). وقوله: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْدِلْ) في رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم السابقة: "فقال: اتّقِ الله يا محمد"، وفي حديث عبد الله بن عمرو: "فقال: اعدل يا محمد"، وفي لفظ له عند البزار، والحاكم: "فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل"، وفي رواية مقسم: "فقال: يا محمد قد رأيتُ الذي صنعت، قال: وكيف رأيتَ؟ قال: لم أرك عدلت"، وفي حديث

стр. 11794

أبي بكرة: "فقال: يا محمد والله ما تعدل"، وفي لفظ: "ما أراك عدلت في القسمة"، ونحوُهُ في حديث أبي برزة (١). وقوله: ("ويلَكَ) وفي رواية البخاريّ: "ويحك". وقوله: (وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ ") في رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم السابقة: "ومن يطع الله إذا لم أطعه؟ "، وفي رواية له: "أوَ لستُ أحقَّ أهل الأرض أن أطيع الله؟ "، وفي حديث عبد الله بن عمرو: "عند من يُلْتَمَس العدلُ بعدي؟ "، وفي رواية مقسم عنه: "فغضب ﷺ ، وقال: العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون؟ "، وفي حديث أبي بكرة: "فغضب حتى احمرت وجنتاه"، ومن حديث أبي برزة: "قال: فغضب غضبًا شديدًا، وقال: والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل عليكم مني". وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ) وفي رواية الأوزاعيّ: "فلأضرب" بزيادة لام الأمر، وفي حديث عبد الله بن عمرو، من طريق مِقْسَم عنه: "فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم عليه، فأضرب عنقه؟ " وفي رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد الماضية: "فسأله رجلٌ، أظنه خالد بن الوليد قَتْلَهُ"، وفي رواية له: "فقال خالد بن الوليد"، بالجزم، وقد سبق الجمع بين الروايتين بأن كلًّا منهما سأل، ومما يؤيّد ذلك ما تقدّم من رواية جرير، عن عُمارة بن القعقاع، وفيه: "فقام عمر بن الخطاب، فقال يا رسول الله: ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، ثم أدبر، فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله، فقال: يا رسول الله أضرب عنقه؟، قال: لا"، فهذا نصّ في أن كلًّا منهما سأل. قال الحافظ ﵀: وقد استُشكل سؤال خالد في ذلك؛ لأن بعث عليّ إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها، والذهب المقسوم أرسله عليّ من اليمن، كما في صدر حديث ابن أبي نُعْم، عن أبي سعيد السابقة. ويجاب بأن عليًّا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة، فأرسل عليٌّ الذهبَ، فحضر خالد قسمته.

стр. 11795

وأما حديث عبد الله بن عمرو، فإنه في قصة قَسْم وقع بالْجِعْرانة، من غنائم حنين، والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزمًا، وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحدٌ كما مضى قريبًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: ("دَعْهُ) وفي رواية الأوزاعيّ: "فقال: لا"، وزاد أفلح بن عبد الله في روايته: "فقال: ما أنا بالذي أقتل أصحابي". وقوله: (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا) قال في "الفتح": هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابًا بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله، مع ما أظهره من مواجهة النبيّ ﷺ بما واجهه، فيَحْتَمِل أن يكون لمصلحة التألُّف، كما فهمه البخاريّ ﵀؛ لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة، مع إظهار الإسلام، فلو أَذِنَ في قتلهم لكان ذلك تنفيرًا عن دخول غيرهم في الإسلام، ويؤيده رواية أفلح، ولها شواهد، ووقع في رواية أفلح: "سيخرج أُناس يقولون مثل قوله". انتهى. وقوله: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاِتهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ) ووقع عند البخاريّ بلفظ: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه"، بالإفراد. وقوله: (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) -بمثناة، وقاف-: جمع تَرْقُوة-بفتح أوله، وسكون الراء، وضم القاف، وفتح الواو- وهي العظم الذي بين نُقْرة النَّحْر والعاتق، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها، وقيل: لا يعملون بالقرآن، فلا يثابون على قراءته، فلا يحصل لهم إلا سَرْدُهُ، وقال النوويّ ﵀: المراد أنهم ليس لهم فيه حظّ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم، فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب تعقُّله، وتدبره بوقوعه في القلب. وهذا مثل قوله فيهم أيضًا: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم"؛ أي ينطقون بالشهادتين، ولا يعرفونها بقلوبهم. وقد تقدّم بلفظ: "يقرؤون القرآن رَطْبًا" قيل: المراد الْحِذْق في التلاوة،

стр. 11796

أي يأتون به على أحسن أحواله، وقيل: المراد أنهم يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبةً به، وقيل: هو كناية عن حسن الصوت به، حكاها القرطبيّ، ويرجح الأول ما وقع في رواية أبي الوَدّاك، عن أبي سعيد، عند مسدد: "أيقرؤون القرآن كأحسن ما يقرؤه الناس"، ويؤيد الآخر قوله في رواية عند الطبريّ: "قومٌ أشدّاء، أحدّاءُ، ذُلْقةٌ ألسنتهم بالقرآن". قال الجامع عفا الله عنه: لا تنافي الأقوال الثلاثة، فهم جامعون بينها، حاذقون في التلاوة، مواظبون عليها، بأصوات حسان، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ) أي يخرجون منه كما فُسّر في الرواية الأخرى، وبهذا اللفظ سُمُّوا المارقة، والخوارج؛ لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين، والخوارج جمع خارجة، بمعنى الطائفة، والجماعة (١). قال في "الفتح": قوله: "يمرُقُون من الدين" إن كان المراد به الإسلام، فهو حجة لمن يُكَفِّر الخوارج، ويَحْتَمل أن يكون المراد بالدين الطاعة، فلا يكون فيه حجة، وإليه جنح الخطّابيّ. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن برواية المصنّف هذه بلفظ "من الإسلام" أن المراد بالدين هو الإسلام، لا الطاعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) أي الغزالة ونحوها التي رُمي إليها لصيدها، فهي فَعيلة بمعنى مفعولة، شبّه مروقهم من الدين بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدّة سرعة خروجه؛ لقوّة الرامي، لا يَعلَق به من جسد الصيد شيء. وقوله: (يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ) هي حديدة السهم. وقوله: (إِلَى رِصَافِهِ) بكسر الراء، ثم مهملة، ثم فاء: أي عَصَبه الذي يكون فوق مدخل النصل، والرِّصَاف جمعٌ واحدة رَصَفَةٌ بالتحريك. وقوله: (إِلَى نَضِيِّهِ) -بفتح النون، وحكي ضمّها، وبكسر المعجمة،

стр. 11797

بعدها تحتانيّةٌ ثقيلة-: القِدْح -بكسر، فسكون- كما فُسّر في نفس الحديث؛ أي عود السهم قبل أن يُراش، ويُنصّل، وقيل: هو ما بين الريش والنصل، قال الخطّابيّ: قال ابن فارس: سُمّي بذلك؛ لأنه بُرِي حتى عاد نِضْوًا؛ أي هَزِيلًا، وحَكَى الجوهريّ عن بعض أهل اللغة أن النَّضيّ: النصلُ، والأول أولى. وقوله: (وَهُوَ الْقِدْحُ) وهو بكسر القاف، وسكون الدال المهملة: اسم السهم قبل أن يُرَاش، ويُركّب نصله (١). وقوله: (إِلَى قُذَذِهِ) -بضمّ القاف، ومعجمتين، الأولى مفتوحة-: جمع قُذّة، وهي رِيش السهم، يقال لكلّ واحدة: قُذّة، ويقال: هوأشبهُ من القذة بالقذّة؛ لأنها تُجعل على مثال واحد. قال القرطبيّ ﵀: و"الْفُوق": هو الْحُزّ الذي يُدخل فيه الوتر، و "العَقَبة" (٢): التي تَجمع الْفُوق هي الأطْرة (٣)، قال ابن قُتيبة: الرُّعْظ (٤): مدخل النصل في السهم، والرِّصاف: العَقَب الذي فوق الرُّعْظ، وقال الهرويّ: الرصفة عَقَبَة تُلوَى على مدخل النصل والسهم. انتهى (٥). وقوله: (سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ) أي سبق السهم بحيث لم يَتَعَلّق به شيء من الفرث والدم، ولم يظهر أثرهما فيه، والفرث السِّرْجِين ما دام في الكَرِش، ويقال: الفرث ما يجتمع في الكروش مما تأكله ذوات الكروش، وقال القاضي: يعني نفذ السهم في الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق شيء منه به (٦). وقال القرطبيّ ﵀: مقصود هذا التمثيل أن هذه الطائفة خرجت من دين الإسلام، ولم يتعلّق بها منه شيء، كما خرج هذا السهم من هذه الرّميّة الذي

стр. 11798

لشدّة النزع، وسُرعة السهم سبق خروجه خروج الدم، بحيث لا يتعلّق به شيء ظاهر، كما قال: "سبق الفرث والدم". وبظاهر هذا التشبيه تمسّك من حكم بتكفيرهم من أئمّتنا، وقد توقّف في تكفيرهم كثير من العلماء؛ لقوله ﷺ : "فيتمارى في الْفُوقة"، وهذا يقتضي بأنه يُشكّ في أمرهم، فيُتوقّف فيهم، وكان القول الأول أظهر من الحديث، فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون، ويُقتلون، وتُسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى قول من لا يُكفّرهم لا يُجهّز على جريحهم، ولا يُتبع منهزمهم، ولا تُقتل أَسْراهم، ولا تستباح أموالهم، وكلُّ هذا إذا خالفوا المسلمين، وشَقُّوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب، فأما من استتر ببدعته منهم، ولم يَنصب راية الحرب، ولم يخرُج عن الجماعة، فهل يُقتل بعد الاستتابة، أو لا يُقتل، وإنما يُجتَهَدُ في ردّ بدعته، وردّه عنها؟ اختُلف في ذلك، وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله أن باب التكفير بابٌ خطيرٌ، أقدم عليه كثيرٌ من الناس، فسقطوا، وتوقّف فيه الفحول، فسَلِموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو كلام نفيسق، والله تعالى أعلم. وقوله: (آيَتُهُمْ) أي علامتهم، ووقع في رواية ابن أبي مريم، عن عليّ، عند الطبريّ: "علامتهم". وقوله: (إِحْدَى عَضُدَيْهِ) قال الفيّوميّ ﵀: "الْعَضُدُ": ما بين الْمِرْفَق إلى الكتف، وفيها خمس لغات: وزانُ رَجُلٍ، وبضمتين، في لغة الحجاز، وقرأ بها الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]، ومثال كَبِلإ، في لغة بني أسد، ومثال فَلْسٍ، في لغة تميم، وبكر، والخامسة وزانُ قُفْلٍ. قال أبو زيد: أهل تهامة يؤنثون العضد، وبنو تميم يذكّرون، والجمع: أَعْضُدٌ، وأَعْضَادٌ، مثل أَفْلُسٍ، وأَقْفَالٍ، وفلانٌ عَضُدي: أي مُعْتَمَدي، على الاستعارة. انتهى (٢). ووقع في رواية البخاريّ: "رجل إحدى يديه، أو قال: ثدييه"، قال في

стр. 11799

"الفتح": هكذا للأكثر بالتثنية فيهما مع الشكّ، هل هي تثنية يَدٍ، أو ثَدْيٍ بالمثلثة؟ وفي رواية المستملي هنا بالمثلثة فيهما، فالشك عنده، هل هو الثدي بالإفراد، أو بالتثنية؟ ووقع في رواية الأوزاعيّ: "إحدى يديه" تثنية يَدٍ، ولم يشكّ، وهذا هو المعتمد، فقد وقع في رواية شعيب، ويونس: "إحدى عضديه". انتهى (١). وقوله: (مِثْلُ ثَدْي الْمَرْأَةِ) قال الفيّوميّ ﵀: الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابنَ السّكّيت، ويُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثدي، وهي الثدي، والجمع: أَثْدٍ، وثُدِيّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُلولٌ، مثلُ أفلس وفُلُوس، وربّما جُمع على ثِدَاءٍ، مثل سَهْم وسِهَام. انتهى (٢). وقوله: (أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ) -بفتح الموحدة لا غير، وسكون المعجمة-: أي القطعة من اللحم، والجمع بَضَعَاتٌ، وبِضَعٌ، وبِضَاع، مثلُ تَمْرة وتَمْر، وسَجَدَ ات، وبِدَرٍ، وصِحَاف. وقوله: (تَتَدَرْدَرُ) -بفتح التاءين، ودالين مهملتين مفتوحتين، بينهما راء ساكنة، وآخره راء- وفي رواية البخاريّ: "تَدَردر" على حذف إحدى التاءين، ومعناه: تضطرب، وتتحرك، وتذهب، وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع. وفي رواية عَبِيدة بن عمرو، عن عليّ الآتية: "فيهم رجل مُخْدَج اليد، أو مُودن اليد، أو مَثْدُون اليد"، والْمُخْدَج -بخاء معجمة، وجيم- والْمُودَن بوزنه، والْمَثْدُون -بفتح الميم، وسكون المثلثة- وكلها بمعنًى، وهو الناقص، وله من رواية زيد بن وهب، عن عليّ: "وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد، ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حَلَمة الثدي، عليه شَعَرات بِيضٌ"، وعند الطبريّ من وجه آخر: "فيهم رجلٌ مُجْدَع اليد، كانها ثدي حبشية"، وفي رواية أفلح بن عبد الله: "فيها شعرات، كأنها سخلة سبع"، وفي رواية أبي بكر مولى الأنصار: "كثدي المرأة، لها حَلَمة كحلمة المرأة، حولها سبع هلبات"، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ الآتية: "منهم أسود، إحدى يديه طُبْيُ شاة، أو حَلَمة ثدي".

стр. 11800

فأما الطُّبْيُ فهو بضم الطاء المهملة، وسكون الموحدة، وهي الثدي، وعند الطبريّ من طريق طارق بن زياد، عن عليّ ﵁: "في يده شعرات سُودٌ"، والأول أقوى. وقد ذكر النبيّ ﷺ للخوارج علامات أخرى، ففي رواية معبد بن سيرين، عن أبي سعيد، "قيل: ما سيماهم؟، قال: سيماهم التحليق"، وفي رواية عاصم بن شَمْخ، عن أبي سعيد: "فقام رجل، فقال: يا نبي الله، هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: "يحلقون رؤوسهم، فيهم ذو ثُدَيَّة"، وفي حديث أنس، عن أبي سعيد: "هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قيل: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق"، هكذا أخرجه الطبريّ، وعند أبي داود بعضه، قاله في "الفتح" (١). وقوله: (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ") قوله: "حِين" بكسر الحاء المهملة، وآخره نون، قال النوويّ ﵀: ضبطوه في "الصحيح" بوجهين: [أحدهما] "حِينِ فُرْقَةٍ" بحاء مهملة مكسورة، ونون، و"فُرْقة" بضم الفاء؛ أي في وقت افتراق الناس؛ أي افتراقٍ يقع بين المسلمين، وهو الافتراق الذي كان بين عليّ ومعاوية ﵁. [والثاني]: "خَيْرِ فِرْقَةٍ" بخاء معجمة مفتوحة، وراء، و "فِرْقَةٍ" بكسر الفاء؛ أي أفضل الفرقتين، والأول أشهر وأكثر، ويؤيده الرواية التي بعد هذه: "يَخْرُجون في فُرْقة من الناس" فإنه بضم الفاء بلا خلاف، ومعناه ظاهر. وقال القاضي عياض ﵀: على رواية الخاء المعجمة المراد: خير القرون، وهم الصدر الأَوَّل، قال: أو يكون المراد عليًّا وأصحابه، فعليه كان خروجهم حقيقةً؛ لأنه كان الإمام حينئذ، وفيه حجة لأهل السنة أن عليًّا كان مصيبًا في قتاله، والآخرون بُغَاة، لا سيما مع قوله ﷺ : "يقتلهم أَولى الطائفتين بالحقّ"، وعليّ وأصحابه هم الذين قتلوهم. وفي هذا الحديث معجزاتٌ ظاهرةٌ لرسول الله ﷺ ، فإنه أخبر بهذا، وجرى كلُّه كفَلَق الصبح، ويتضمن بقاء الأمة بعده ﷺ ، وأن لهم شوكةً وقوّةً،
следующие страницы →