← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

أي يأتون به على أحسن أحواله، وقيل: المراد أنهم يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبةً به، وقيل: هو كناية عن حسن الصوت به، حكاها القرطبيّ، ويرجح الأول ما وقع في رواية أبي الوَدّاك، عن أبي سعيد، عند مسدد: "أيقرؤون القرآن كأحسن ما يقرؤه الناس"، ويؤيد الآخر قوله في رواية عند الطبريّ: "قومٌ أشدّاء، أحدّاءُ، ذُلْقةٌ ألسنتهم بالقرآن". قال الجامع عفا الله عنه: لا تنافي الأقوال الثلاثة، فهم جامعون بينها، حاذقون في التلاوة، مواظبون عليها، بأصوات حسان، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ) أي يخرجون منه كما فُسّر في الرواية الأخرى، وبهذا اللفظ سُمُّوا المارقة، والخوارج؛ لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين، والخوارج جمع خارجة، بمعنى الطائفة، والجماعة (١). قال في "الفتح": قوله: "يمرُقُون من الدين" إن كان المراد به الإسلام، فهو حجة لمن يُكَفِّر الخوارج، ويَحْتَمل أن يكون المراد بالدين الطاعة، فلا يكون فيه حجة، وإليه جنح الخطّابيّ. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن برواية المصنّف هذه بلفظ "من الإسلام" أن المراد بالدين هو الإسلام، لا الطاعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) أي الغزالة ونحوها التي رُمي إليها لصيدها، فهي فَعيلة بمعنى مفعولة، شبّه مروقهم من الدين بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدّة سرعة خروجه؛ لقوّة الرامي، لا يَعلَق به من جسد الصيد شيء. وقوله: (يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ) هي حديدة السهم. وقوله: (إِلَى رِصَافِهِ) بكسر الراء، ثم مهملة، ثم فاء: أي عَصَبه الذي يكون فوق مدخل النصل، والرِّصَاف جمعٌ واحدة رَصَفَةٌ بالتحريك. وقوله: (إِلَى نَضِيِّهِ) -بفتح النون، وحكي ضمّها، وبكسر المعجمة،

стр. 11797

بعدها تحتانيّةٌ ثقيلة-: القِدْح -بكسر، فسكون- كما فُسّر في نفس الحديث؛ أي عود السهم قبل أن يُراش، ويُنصّل، وقيل: هو ما بين الريش والنصل، قال الخطّابيّ: قال ابن فارس: سُمّي بذلك؛ لأنه بُرِي حتى عاد نِضْوًا؛ أي هَزِيلًا، وحَكَى الجوهريّ عن بعض أهل اللغة أن النَّضيّ: النصلُ، والأول أولى. وقوله: (وَهُوَ الْقِدْحُ) وهو بكسر القاف، وسكون الدال المهملة: اسم السهم قبل أن يُرَاش، ويُركّب نصله (١). وقوله: (إِلَى قُذَذِهِ) -بضمّ القاف، ومعجمتين، الأولى مفتوحة-: جمع قُذّة، وهي رِيش السهم، يقال لكلّ واحدة: قُذّة، ويقال: هوأشبهُ من القذة بالقذّة؛ لأنها تُجعل على مثال واحد. قال القرطبيّ ﵀: و"الْفُوق": هو الْحُزّ الذي يُدخل فيه الوتر، و "العَقَبة" (٢): التي تَجمع الْفُوق هي الأطْرة (٣)، قال ابن قُتيبة: الرُّعْظ (٤): مدخل النصل في السهم، والرِّصاف: العَقَب الذي فوق الرُّعْظ، وقال الهرويّ: الرصفة عَقَبَة تُلوَى على مدخل النصل والسهم. انتهى (٥). وقوله: (سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ) أي سبق السهم بحيث لم يَتَعَلّق به شيء من الفرث والدم، ولم يظهر أثرهما فيه، والفرث السِّرْجِين ما دام في الكَرِش، ويقال: الفرث ما يجتمع في الكروش مما تأكله ذوات الكروش، وقال القاضي: يعني نفذ السهم في الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق شيء منه به (٦). وقال القرطبيّ ﵀: مقصود هذا التمثيل أن هذه الطائفة خرجت من دين الإسلام، ولم يتعلّق بها منه شيء، كما خرج هذا السهم من هذه الرّميّة الذي

стр. 11798

لشدّة النزع، وسُرعة السهم سبق خروجه خروج الدم، بحيث لا يتعلّق به شيء ظاهر، كما قال: "سبق الفرث والدم". وبظاهر هذا التشبيه تمسّك من حكم بتكفيرهم من أئمّتنا، وقد توقّف في تكفيرهم كثير من العلماء؛ لقوله ﷺ : "فيتمارى في الْفُوقة"، وهذا يقتضي بأنه يُشكّ في أمرهم، فيُتوقّف فيهم، وكان القول الأول أظهر من الحديث، فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون، ويُقتلون، وتُسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى قول من لا يُكفّرهم لا يُجهّز على جريحهم، ولا يُتبع منهزمهم، ولا تُقتل أَسْراهم، ولا تستباح أموالهم، وكلُّ هذا إذا خالفوا المسلمين، وشَقُّوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب، فأما من استتر ببدعته منهم، ولم يَنصب راية الحرب، ولم يخرُج عن الجماعة، فهل يُقتل بعد الاستتابة، أو لا يُقتل، وإنما يُجتَهَدُ في ردّ بدعته، وردّه عنها؟ اختُلف في ذلك، وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله أن باب التكفير بابٌ خطيرٌ، أقدم عليه كثيرٌ من الناس، فسقطوا، وتوقّف فيه الفحول، فسَلِموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو كلام نفيسق، والله تعالى أعلم. وقوله: (آيَتُهُمْ) أي علامتهم، ووقع في رواية ابن أبي مريم، عن عليّ، عند الطبريّ: "علامتهم". وقوله: (إِحْدَى عَضُدَيْهِ) قال الفيّوميّ ﵀: "الْعَضُدُ": ما بين الْمِرْفَق إلى الكتف، وفيها خمس لغات: وزانُ رَجُلٍ، وبضمتين، في لغة الحجاز، وقرأ بها الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]، ومثال كَبِلإ، في لغة بني أسد، ومثال فَلْسٍ، في لغة تميم، وبكر، والخامسة وزانُ قُفْلٍ. قال أبو زيد: أهل تهامة يؤنثون العضد، وبنو تميم يذكّرون، والجمع: أَعْضُدٌ، وأَعْضَادٌ، مثل أَفْلُسٍ، وأَقْفَالٍ، وفلانٌ عَضُدي: أي مُعْتَمَدي، على الاستعارة. انتهى (٢). ووقع في رواية البخاريّ: "رجل إحدى يديه، أو قال: ثدييه"، قال في

стр. 11799

"الفتح": هكذا للأكثر بالتثنية فيهما مع الشكّ، هل هي تثنية يَدٍ، أو ثَدْيٍ بالمثلثة؟ وفي رواية المستملي هنا بالمثلثة فيهما، فالشك عنده، هل هو الثدي بالإفراد، أو بالتثنية؟ ووقع في رواية الأوزاعيّ: "إحدى يديه" تثنية يَدٍ، ولم يشكّ، وهذا هو المعتمد، فقد وقع في رواية شعيب، ويونس: "إحدى عضديه". انتهى (١). وقوله: (مِثْلُ ثَدْي الْمَرْأَةِ) قال الفيّوميّ ﵀: الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابنَ السّكّيت، ويُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثدي، وهي الثدي، والجمع: أَثْدٍ، وثُدِيّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُلولٌ، مثلُ أفلس وفُلُوس، وربّما جُمع على ثِدَاءٍ، مثل سَهْم وسِهَام. انتهى (٢). وقوله: (أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ) -بفتح الموحدة لا غير، وسكون المعجمة-: أي القطعة من اللحم، والجمع بَضَعَاتٌ، وبِضَعٌ، وبِضَاع، مثلُ تَمْرة وتَمْر، وسَجَدَ ات، وبِدَرٍ، وصِحَاف. وقوله: (تَتَدَرْدَرُ) -بفتح التاءين، ودالين مهملتين مفتوحتين، بينهما راء ساكنة، وآخره راء- وفي رواية البخاريّ: "تَدَردر" على حذف إحدى التاءين، ومعناه: تضطرب، وتتحرك، وتذهب، وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع. وفي رواية عَبِيدة بن عمرو، عن عليّ الآتية: "فيهم رجل مُخْدَج اليد، أو مُودن اليد، أو مَثْدُون اليد"، والْمُخْدَج -بخاء معجمة، وجيم- والْمُودَن بوزنه، والْمَثْدُون -بفتح الميم، وسكون المثلثة- وكلها بمعنًى، وهو الناقص، وله من رواية زيد بن وهب، عن عليّ: "وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد، ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حَلَمة الثدي، عليه شَعَرات بِيضٌ"، وعند الطبريّ من وجه آخر: "فيهم رجلٌ مُجْدَع اليد، كانها ثدي حبشية"، وفي رواية أفلح بن عبد الله: "فيها شعرات، كأنها سخلة سبع"، وفي رواية أبي بكر مولى الأنصار: "كثدي المرأة، لها حَلَمة كحلمة المرأة، حولها سبع هلبات"، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ الآتية: "منهم أسود، إحدى يديه طُبْيُ شاة، أو حَلَمة ثدي".

стр. 11800

فأما الطُّبْيُ فهو بضم الطاء المهملة، وسكون الموحدة، وهي الثدي، وعند الطبريّ من طريق طارق بن زياد، عن عليّ ﵁: "في يده شعرات سُودٌ"، والأول أقوى. وقد ذكر النبيّ ﷺ للخوارج علامات أخرى، ففي رواية معبد بن سيرين، عن أبي سعيد، "قيل: ما سيماهم؟، قال: سيماهم التحليق"، وفي رواية عاصم بن شَمْخ، عن أبي سعيد: "فقام رجل، فقال: يا نبي الله، هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: "يحلقون رؤوسهم، فيهم ذو ثُدَيَّة"، وفي حديث أنس، عن أبي سعيد: "هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قيل: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق"، هكذا أخرجه الطبريّ، وعند أبي داود بعضه، قاله في "الفتح" (١). وقوله: (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ") قوله: "حِين" بكسر الحاء المهملة، وآخره نون، قال النوويّ ﵀: ضبطوه في "الصحيح" بوجهين: [أحدهما] "حِينِ فُرْقَةٍ" بحاء مهملة مكسورة، ونون، و"فُرْقة" بضم الفاء؛ أي في وقت افتراق الناس؛ أي افتراقٍ يقع بين المسلمين، وهو الافتراق الذي كان بين عليّ ومعاوية ﵁. [والثاني]: "خَيْرِ فِرْقَةٍ" بخاء معجمة مفتوحة، وراء، و "فِرْقَةٍ" بكسر الفاء؛ أي أفضل الفرقتين، والأول أشهر وأكثر، ويؤيده الرواية التي بعد هذه: "يَخْرُجون في فُرْقة من الناس" فإنه بضم الفاء بلا خلاف، ومعناه ظاهر. وقال القاضي عياض ﵀: على رواية الخاء المعجمة المراد: خير القرون، وهم الصدر الأَوَّل، قال: أو يكون المراد عليًّا وأصحابه، فعليه كان خروجهم حقيقةً؛ لأنه كان الإمام حينئذ، وفيه حجة لأهل السنة أن عليًّا كان مصيبًا في قتاله، والآخرون بُغَاة، لا سيما مع قوله ﷺ : "يقتلهم أَولى الطائفتين بالحقّ"، وعليّ وأصحابه هم الذين قتلوهم. وفي هذا الحديث معجزاتٌ ظاهرةٌ لرسول الله ﷺ ، فإنه أخبر بهذا، وجرى كلُّه كفَلَق الصبح، ويتضمن بقاء الأمة بعده ﷺ ، وأن لهم شوكةً وقوّةً،

стр. 11801

خلاف ما كان المبطلون يُشيعونه، وأنهم يفترقون فرقتين، وأنه تخرج عليه طائفة مارقة، وأنهم يُشَدِّدون في الدين في غير موضع التشديد، ويبالغون في الصلاة، والقراءة، ولا يقومون بحقوق الإسلام، بل يمرقون منه، وأنهم يقاتلون أهل الحق، وأن أهل الحق يقتلونهم، وأن فيهم رجلًا صفة يده كذا وكذا، فهذه أنواع من المعجزات جَرَت كلُّها، ولله الحمد. انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "يخرجون على خير فرقة من الناس" كذا للأكثر هنا، وفي "علامات النبوة"، وفي "الأدب": "حِين"، و"فُرْقة" بضم الفاء، ووقع في رواية عبد الرزاق، عند أحمد وغيره: "حين فَتْرة من الناس" بفتح الفاء، وسكون المثناة، ووقع للكشميهنيّ في هذه المواضع: "على خير" بفتح المعجمة، وآخره راء، و"فِرْقة" بكسر الفاء، والأول المعتمد، وهو الذي عند مسلمٍ وغيره، وإن كان الآخر صحيحًا، ويؤيد الأول أن عند مسلم من طريق أبي نضْرة، عن أبي سعيد: "تَمْرُق مارقةٌ عند فُرقة من المسلمين، يقتلهم أَوْلى الطائفتين بالحقّ"، وفي لفظ له: "يكون في أمتي فرقتان، فيخرج من بينهما طائفة مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحقّ"، وفي لفظ له: "يخرجون في فرقة من الناس، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ"، وفيه: فقال أبو سعيد: "وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق"، وفي رواية الضحاك الْمِشْرَقيّ، عن أبي سعيد: "يخرجون على فِرْقة مختلفة، يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحقّ"، وفي رواية أنس، عن أبي سعيد، عند أبي داود: "من قاتلهم كان أولى بالله منهم". انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يخرجون على خير فرقة" كذا لأكثر الرُّواة، وعند السمرقنديّ، وابن ماهان: "على حين فُرقة" بالحاء والنون، وكلاهما صحيح، فإنهم خرجوا حين افترق الناس فرقتين، فكانت فرقة مع معاوية ﵁ ترى رأيه، وتقاتل معه، وفرقة مع عليّ ﵁ ترى رأيه، وتقاتل معه، وخرجت الطائفة على عليّ، ومعه معظم الصحابة ﵃، ولا خلاف أنه الإمام العدل، وأنه أفضل من معاوية ﵁، ومِن كلّ مَن كان معه، فقد صدق على فرقة

стр. 11802

عليّ ﵁ أنهم خير الفرق، وقد قال ﷺ : "تقتلهم أَولَى الطائفتين بالحقّ"، ولا خلاف في أن عليًّا ﵁ قتلهم، ففرقته خير فرقة، وهذا اللفظ يدلّ على أن ما وقع بين عليّ وبين معاوية فيه لله تعالى حُكْمٌ معيَّنٌ، وأن عليًّا ﵁ هو الذي أصابه، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقوله: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) أي الخدريّ ﵁، وهو متّصلٌ بالسند المذكور (فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي رواية: "قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من النبيّ ﷺ "، وفي رواية: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج في هذه الأمة"، وفي رواية: "حضرت هذا من رسول الله ﷺ ". (وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَاتَلَهُمْ، وَأَنَا مَعَهُ) ووقع في رواية أفلح بن عبد الله: "وحضرت مع عليّ يوم قتلهم بالنهروان"، ونسبة قتلهم لعليّ ﵁؛ لكونه كان القائم في ذلك، وسيأتي من رواية سُوَيد بن غَفَلة، عن عليّ ﵁ أمر النبيّ ﷺ بقتلهم، ولفظه: "فأينما لقيتموهم فاقتلوهم". قال في "الفتح": وله شواهده، ومنها حديث نصر بن عاصم، عن أبي بكرة، رفعه: "إن في أمتي أقوامًا يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، فإذا لقيتموهم، فأنيموهم"؛ أي فاقتلوهم، أخرجه الطبريّ، وتقدم في حديث أبي سعيد: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، وثمود"، وأخرج الطبريّ من رواية مسروق، قال: قالت لي عائشة: مَن قَتَل المخدَج؟ قلت: عليّ، قالت: فأين قتله؟ قلت: على نهر يقال لأسفله: النَّهْروان، قالت: ائتني على هذا ببينة، فأتيتها بخمسين نفسًا، شهدوا أن عليًّا قتله بالنهروان. أخرجه أبو يعلى، والطبريّ. وأخرج الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق عامر بن سعد، قال: قال عمار لسعد: "أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج أقوام من أمتي، يمرقون من الدين مروق السهم من الرميّة، يقتلهم عليّ بن أبي طالب"؟ قال: إي والله. [تنبيه]: وأما صفة قتالهم وقتلهم، فوقعت عند مسلم في رواية زيد بن وهب الجهنيّ الآتية: "أنه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ حين ساروا إلى

стр. 11803

الخوارج، فقال عليّ بعد أن حدّث بصفتهم، عن النبيّ ﷺ : والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، قال: فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبيّ، فقال لهم: ألقوا الرِّماح، وسُلُّوا سيوفكم من جفونها، فأني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، قال: فشجرهم الناس برماحهم، قال: فقُتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان". وأخرج يعقوب بن سفيان، من طريق عمران بن جرير، عن أبي مِجْلَز قال: كان أهل النهر أربعة آلاف، فقتلهم المسلمون، ولم يُقْتَل من المسلمين سوى تسعة، فإن شئت فاذهب إلى أبي برزة، فاسأله، فإنه شهد ذلك. وأخرج إسحاق ابن راهويه في "مسنده" من طريق حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيت أبا وائل، فقلت: أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليّ، فيم فارقوه؟، وفيم استحلّ قتالهم؟ قال: لَمّا كنا بصِفِّين استحرّ القتلُ في أهل الشام، فرفعوا المصاحف، فذكر قصة التحكيم، فقال الخوارج ما قالوا، ونزلوا حَرُوراء، فأرسل إليهم عليّ، فرجعوا، ثم قالوا: نكون في ناحيته، فإن قبل القضية قاتلناه، وإن نقضها قاتلنا معه، ثم افترقت منهم فرقة، يقتلون الناس، فحَدَّث عليّ عن النبيّ ﷺ بأمرهم. وعند أحمد، والطبرانيّ والحاكم، من طريق عبد الله بن شداد، أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق، ليالي قتل عليّ، فقالت له عائشة: تُحَدِّثني بأمر هؤلاء القوم الذين قتلهم عليّ، قال: إن علياَ لَمّا كاتب معاوية، وحَكَّما الحكمين، خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض، يقال لها حَرُوراء، من جانب الكوفة، وعَتَبُوا عليه، فقالوا: انسلختَ من قميص ألبسكه الله، ومن اسم سماك الله به، ثم حَكمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليًّا، فجمع الناس، فدعا بمصحف عظيم، فجعل يضربه بيده، ويقول: أيها المصحف حَدِّث الناس، فقالوا: ماذا إنسان؟ إنما هو مداد وورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: كتاب الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة رجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية [النساء: ٣٥]، وأمة محمد ﷺ أعظم من امرأة رجل، ونَقَمُوا عليّ أن كاتبتُ معاوية، وقد كاتب

стр. 11804

رسول الله ﷺ سهيل بن عمرو، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ثم بعث إليهم ابن عباس ﵄، فناظرهم، فرجع منهم أربعة آلاف، فيهم عبد الله بن الكواء، فبعث عليّ إلى الآخرين أن يرجعوا، فأَبَوْا، فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم أن لا تَسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب، قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم الحرام … الحديث. وأخرج النسائيّ في "الخصائص" صفة مناظرة ابن عباس لهم بطولها (١).

стр. 11805

وفي "الأوسط" للطبراني من طريق أبي السائغة، عن جندب بن عبد الله البجليّ قال: لما فارقت الخوارج عليًّا خرج في طلبهم، فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا لهم دَوِيّ كدويّ النحل من قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحاب البرانس؛ أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة، قال: فدخلني من ذلك شدّة، فنزلت عن فرسي، وقمت أُصلي، فقلت: اللهم إن كان في قتال هؤلاء القوم لك طاعة، فائذن لي فيه، فمَرّ بي عليٌّ، فقال لما حاذاني: تعوّذ بالله من الشكّ يا جندب، فلما جئته أقبل رجل على بِرْذَون يقول: إن كان لك بالقوم حاجة، فإنهم قد

стр. 11806

قطعوا النهر، قال: ما قطعوه، ثم جاء آخر كذلك، ثم جاء آخر كذلك، قال: لا، ما قطعوه، ولا يقطعونه، ولَيُقْتَلُنّ من دونه، عهدُ من الله ورسوله، قلت: الله أكبر، ثم ركبنا، فسايرته، فقال لي: سأبعث إليهم رجلًا يقرأ المصحف، يدعوهم إلى كتاب الله، وسنة نبيهم، فلا يُقبِل علينا بوجهه حتى يَرشقوه بالنبل، ولا يُقْتَل منا عشرة، ولا ينجو منهم عشرة، قال: فانتهينا إلى القوم، فارسل إليهم رجلًا، فرماه إنسان، فأقبل علينا بوجهه، فقعد، وقال عليّ: دونكم القوم، فما قُتِل منا عشرة، ولا نجا منهم عشرة. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح، عن حميد بن هلال، قال: حدّثنا رجل من عبد القيس، قال: لحقت بأهل النهر، فإني مع طائفة منهم أسير؛ إذ أتينا على قرية، بيننا نهر، فخرج رجل من القرية مُرَوَّعًا، فقالوا له: لا رَوْع عليك، وقطعوا إليه النهر، فقالوا له: أنت ابن خَبّاب صاحب النبيّ ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: فحَدِّثنا عن أبيك، فحَدَّثهم بحديث: "يكون فتنة، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فكن"، قال: فقدَّموه فضربوا عنقه، ثم دَعَوا سُرّيّته، وهي حبلى، فبقروا عما في بطنها. ولابن أبي شيبة، من طريق أبي مِجْلَز لاحق بن حميد، قال: قال علي لأصحابه: لا تبدءوهم بقتال حتى يحدثوا حَدَثًا، قال: فمز بهم عبد الله بن خَبّاب، فذكر قصة قتلهم له، وبجاريته، وأنهم بَقَروا بطنها، وكانوا مَرّوا على ساقته، فأخذ واحد منهم تمرة، فوضعها في فيه، فقالوا له: تمرة معاهد، فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أعظم حرمة من هذه التمرة، فأخذوه، فذبحوه، فبلغ عليًّا، فأرسل إليهم: أقيدونا بقاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، فأَذِنَ حينئذ في قتالهم. وعند الطبري من طريق أبي مريم قال: أخبرني أخي أبو عبد الله، أن عليًّا سار إليهم، حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان، أرسل يناشدهم، فلم تزل رسله تختلف إليهم، حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم، فقاتلهم حتى فرغ منهم كلِّهم (١).

стр. 11807

وقوله: (فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ) أي أمر عليّ ﵁ بطلب ذلك الرجل الذي نعته النبيّ ﷺ بصفته المذكورة. وقوله: (فَالْتُمِسَ، فَوُجِدَ، فَأُتِيَ بِهِ) ببناء الأفعال الثلاثة للمفعول؛ أي طُلب ذلك الرجل، فوُجد، فأتي به إلى عليّ ﵁. وقوله: (حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي نَعَتَ) بحذف العائد؛ أي نعته به النبيّ ﷺ ، وفي رواية شعيب: "على نعت النبيّ ﷺ الذي نعته"، وفي رواية أفلح: "فالتمسه عليّ، فلم يجده، ثم وجده بعد ذلك تحت جدار على هذا النعت". والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٧] (١٠٦٥) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ قَوْمًا، يَكُونُونَ: فِي أُمِّتِهِ، يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ، سِيمَاهُمْ التَّحَالُقُ، قَالَ: "هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ، يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ"، قَالَ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمْ مَثَلًا، أَوْ قَالَ: قَوْلًا، الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ، أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ، فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ، فَلَا يَرَى بَصِيرَةً، وَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ، فَلَا يَرَى بَصِيرَةً، وَيَنْظُرُ فِي الْفُوقِ، فَلَا يَرَى بَصِيرَةً، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨. ٢ - (سُلَيْمَانُ) بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٣ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.

стр. 11808

والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ) هنا بضمّ الفاء بلا خلاف: أي افتراق منهم. وقوله: (سِيمَاهُمْ التَّحَالُقُ) قال النوويّ ﵀: "السيما": العلامة، وفيها ثلاث لغات: القصر، وهو الأفصح، وبه جاء القرآن، والمدُّ، والثالثة السِّيمياء، بزيادة ياء مع المدّ لا غير، والمراد بالتحالق: حلق الرؤوس، وفي الرواية الأخرى: التّحَلُّق. واستَدَلّ به بعض الناس على كراهة حلق الرأس، ولا دلالة فيه، وإنما هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح، كما قال ﷺ : "آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثَدْيِ المرأة"، ومعلوم أن هذا ليس بحرام، وقد ثبت في "سنن أبي داود" بإسناد على شرط البخاريّ ومسلم: أن رسول الله ﷺ رأى صبيًّا قد حُلِق بعض رأسه، فقال: "احْلِقُوه كلَّه، أو اتركوه كلَّه"، وهذا صريح في إباحة حلق الرأس، لا يحتمل تأويلًا. قال أصحابنا: حلق الرأس جائز بكل حال، لكن إن شق عليه تعهُّده بالدَّهْن والتسريح استُحِبّ حلقه، وإن لم يَشُقّ استُحِبّ تركه. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ) هكذا هو في كل النسخ: "أو من أشرّ" بالألف، وهي لغة قليلة، والمشهور "شَرّ" بغير ألف، كما قال ابن مالك في "الكافية": وَغَالِبًا أَغْنَاهُمُ خَيْرٌ وَشَرْ … عَنْ قَوْلِهِمْ أَخْيَرُ مِنْهُ وَأَشَرْ وفي هذا اللفظ دلالة لمن قال بتكفيرهم، وتأوله الجمهور: أي شرّ المسلمين، ونحو ذلك، قاله النوويّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ظواهر النصوص تدلّ لمن قال بتكفيرهم دلالةً واضحةً، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. وقال البخاريّ ﵀: "وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم

стр. 11809

انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفّار، فجعلوها على المؤمنين". انتهى. قال في "الفتح: وصله الطبري في مسند علي من"تهذيب الآثار" من طريق بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أنه سأل نافعًا: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار، فجعلوها في المؤمنين. قال: وسنده صحيح. وقد ثبتٌ في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم من حديث أبي ذرّ ﵁ في وصف الخوارج: "هم شرار الخلق والخليقة"، وعند أحمد بسند جيّد عن أنس ﵁ مرفوعًا مثله، وعند البزار من طريق الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة ﵂: قالت: ذكر رسول الله ﷺ الخوارج، فقال: "هم شرار أمتي، يقتلهم خيار أمتي"، وسنده حسن، وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعًا: "هم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة"، وفي حديث أبي سعيد ﵁ عند أحمد: "هم شر البريّة"، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ ﵁ عند مسلم: "من أبغض خلق الله إليه"، وفي حديث عبد الله بن خباب؛ يعني عن أبيه عند الطبرانيّ: "شر قتلى أظلتهم السماء، وأقلتهم الأرض"، وفي حديث أبي أمامة نحوه، وعند أحمد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي برزة: مرفوعًا في ذكر الخوارج: "شر الخلق والخليقة"، يقولها ثلاثًا، وعند ابن أبي شيبة، من طريق عُمير بن إسحاق، عن أبي هريرة ﵁: "هم شر الخلق"، وهذا مما يؤيِّد قول من قال بكفرهم. انتهى (١). وقوله: (يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ) وفي رواية: "أولى الطائفتين بالحقّ"، وفي رواية: "تكون أمتي فرقتين، فتخرج من بينهما مارقةٌ، تلي قتلهم أولاهما بالحقّ"، قال النوويّ ﵀: هذه الروايات صريحةٌ في أن عليًّا كان هو المصيبَ الْمُحِقّ، والطائفة الأخرى أصحابُ معاوية ﵁ كانوا بُغَاةً متأولين، وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنون، لا يخرجون بالقتال عن الإيمان، ولا يُفَسَّقون، وهذا مذهبنا، ومذهب موافقينا. انتهى (٢). وقوله: (أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ) "أو" للشكّ من الراوي، و"الْغَرَض" بفتحتين:

стр. 11810

الْهَدَف الذي يُرْمَى إليه، والجمع: أَغْراضٌ، مثل سَبَب وأَسباب، وتقول: غَرَضُهُ كذا على التشبيه بذلك؛ أي مَرْماه الذي يَقصده، وفُعِل لغرض صحيح: أي لِمَقْصدٍ، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). وقوله: (فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ) هو حديدة السهم، والرِّصَاف بالكسر: مدخل النَّصْل من السهم، والْقِدْح: غود السهم، والقُذَذ بضمّ القاف، وبذالين معجمتين: هو ريش السهم. وقوله: (فَلَا يَرَى بَصِيرَةً) أي علامة على إصابته الرّميّة. وقوله: (وَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ) بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة، وتشديد الياء: وهو الْقِدْحُ، كما جاء مفسّراً في الرواية السابقة. وقوله: (وَيَنْظُرُ فِي الْفُوقِ) بضمّ الفاء: هو الْحُزّ الذي يُجعل فيه الوَتَر. وقوله: (وَأَنْتُمْ قتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ) أي مع عليّ بن أبي طالب ﵁. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٨] ( … ) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثنا الْقَاسِمُ، وَفوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٢ - (الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ) هو: القاسم بن الفضل بن مَعْدان بن قُرَيط الْحُدَّانيّ -بضمّ الحاء، وتشديد الدال المهملتين- الأزديّ، أبو المغيرة البصريّ، كان نازلًا في بني حُدّان، ثقةٌ، رُمي بالإرجاء [٧].

стр. 11811

رَوَى عن أبيه، وأبي نضرة، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وثُمامة بن حَزْن القشيريّ، وسعيد بن المهلَّب، والنضر بن شيبان، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن مهديّ، ووكيع، ويونس بن محمد، وأبو داود الطيالسيّ، والنضر بن شُمَيل، وبهز بن أسد، وابن المبارك، وشيبان بن فَرُّوخ، وآخرون. قال صالح بن أحمد، عن علي ابن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن بن مهديّ يُثَبِّت القاسم بن الفضل، قال: ذاك مُنْكَر (١)، وجعل يُثني عليه، وقال عمرو بن عليّ: سمعت يحيى بن سعيد، يحسن الثناء على القاسم، قال: وكان ثقةً، وقال أحمد بن سنان القَطّان: سمعت ابن مهديّ قال: كان من قُدماء أشياخنا، ومع ذلك مِن أثبتهم، وقال أحمد، عن ابن مهديّ نحو ذلك، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال مرةً: صالحٌ، وقال مرة: ليس به بأسٌ، وقال أحمد، وابن سعد، والنسائيّ، والترمذيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: وأحفظ من أبي هلال الراسبيّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان صاحب حديث، قال يحيى القطان: كان مُنْكَرًا؛ يعني من فِطْنته، وقال أبو داود مرةً: هو مِن مرجئة البصرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: القاسم بن الفضل من ثقات الناس، وقال العقيليّ: سأله شعبة عن حديث أبي نضرة؛ يعني عن أبي سعيد، في قصة كلام الذئب، وفيه: "لا تقوم الساعة حتى يُكَلِّم الرجلَ عذبته، وشِرَاك نعله بما أحدث أهله"، فحدّثه، فقال شعبة: لعلك سمعته من شهر بن حوشب؟ قال: لا، حدّثناه أبو نضرة، فما سكت حتى سكت شعبة. وقال ابن معين: مات سنة سبع وستين ومائة. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (١٠٦٥) و (١٩٩٥) و (٢٠٠٥) و (٢٨٨٤). والباقيان ذُكرا قبله.

стр. 11812

[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: ("تَمْرُقُ مَارِقَةٌ) من باب قعد: أي تخرج طائفة خارجة عن جماعة المسلمين. وقوله: (عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) بكسر الفاء: أي افتراقهم، واختلافهم فيما بينهم. وقوله: (يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ") أي أقربهم إلى التمسّك بالحقّ، وهم طائفة علي بن أبي طالب ﵁. والحديث متّفق عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٩] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ قتيْبَةُ: حَدَّثنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ، فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ، يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ) أراد بهما فرقة عليّ ﵁، وفرقة معاوية ﵁. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله

стр. 11813

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ، فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ، فَيَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧. ٢ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أوأبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ) بضمّ الفاء: أي افتراق منهم. وقوله: (فَيَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَائِفَتَيْنِ بالْحَقِّ) هذا مع قوله ﷺ : "تقتل عمّارًا الفئة الباغية" يدلّ دلالةَ واضحة على أَن عليًّا ﵁ ومن معه كانوا على الحقّ، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم. والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦١] ( … ) - (حَدَّثَني عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِببِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ (١)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ قَوْمًا يَخْرُجُونَ عَلَى فُرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، يَقْتُلُهُمْ أقرَبُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ).

стр. 11814

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ الْقَوَارِيرِيُّ) هو: ابن عُمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ عن (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة ٦/ ٧٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن عُمر بن درهم الأسديّ، أبو أحمد الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام حجة رأس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت ١١٩) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (الْمِشْرَقِيِّ) -بكسر الميم، وإسكان الشين المعجمة، وفتح الراء، وكسر القاف- هذا هو الصواب الذي ذكره جميع أصحاب المؤتلف والمختلف، وأصحاب الأسماء والتواريخ، ونَقَل القاضي عياض عن بعضهم أنه ضبطه بفتح الميم، وكسر الراء. قال: وهو تصحيفٌ، واتفقوا على أنه منسوب إلى مِشْرَق -بكسر الميم، وفتح الراء- بطن من هَمْدان، وهو الضحاك الْهَمْدانيّ المذكور في الرواية السابقة، من رواية حَرْملة، وأحمد بن عبد الرحمن، قاله النوويّ ﵀ (١). وقوله: (عَلَى فُرْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ) ضبطوه بكسر الفاء، وضمّها، فالكسر على معنى طائفة، والضمّ على معنى الافتراق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 11815

(٤٦) - (بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارجِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٢] (١٠٦٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ سُويدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِي: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْني وَبَيْنكُمْ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧. ٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (خَيْثَمَةُ) -بفتح الخاء المعجمة، والمثلثة، بينهما تحتانية ساكنة- ابن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة -بفتح المهملة، وسكون الموحدة- الْجُعفيّ الكوفيّ، لأبيه، ولجدّه صحبة، ثقةٌ، يرسل [٣] مات بعد الثمانين (ع) تقدم في "الزكاة" ١٢/ ٢٣١٢.

стр. 11816

٦ - (سُويدُ بْنُ غَفَلَةَ) الْجُعفيّ، أبو أميّة الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم، من كبار التابعين، قَدِم المدينة يوم دُفن النبيّ ﷺ ، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة [٢] (ت ٨٠) وله (١٣٠) سنةً (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٤. ٧ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب ﵁ الخليفة الراشد، استُشهد سنة (٤٠) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم قال: "الأشجّ: حدّثنا … إلخ" إشارةً إلى أن سياق الحديث له. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن سُويد بن غَفَلَة. ٤ - (ومنها): أن فيه عليّ بن أبي طالب ﵁ ذو المناقب الجمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وصهر النبيّ ﷺ ، وابن عمّه ﵁. شرح الحديث: (عَنْ خَيْثَمَةَ) كذا في رواية المصنّف بالعنعنة، وفي رواية البخاريّ من طريق حفص بن غياث، حدّثنا الأعمش، حدّثنا خيثمة، حدّثنا سُويد بن غَفَلة، قال عليّ ﵁، قال في "الفتح": ولم يُصَرِّح بالتحديث فيه إلا حفص بن غياث، فقد أخرجه مسلم من رواية وكيع، وعيسى بن يونس، والثوريّ، وجرير، وأبي معاوية، وهو عند أبي داود، والنسائيّ من رواية الثوريّ، وعند أبي عوانة من رواية يعلى بن عبيد، وعند الطبريّ أيضًا من رواية يحيى بن عيسى الرمليّ، وعليّ بن هشام، كلهم عن الأعمش بالعنعنة، وذكر الإسماعيليّ أن عيسى بن يونس زاد فيه رجلًا، فقال: عن الأعمش، حدّثني عمرو بن مُرّة، عن خيثمة، قال الحافظ: لم أر في رواية عيسى عند مسلم ذكر عمرو بن مرة، وهو من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأن أبا معاوية هو الميزان في حديث الأعمش. انتهى ما في "الفتح" مختصرًا، وهو بحثٌ نفيسٌ. (عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) -بفتح المعجمة، والفاء- مخضرم، من كبار

стр. 11817

التابعين، وقد قيل: إن له صحبةً (قَالَ: قَالَ عَلِى) كذا في رواية المصنّف ﵀ بتكرار لفظة "قال"، وكذا هو عند البخاريّ في آخر "فضائل القرآن"، من رواية الثوريّ، عن الأعمش، بهذا السند، ففاعل "قال" الأول ضمير سُويد، ووقع عند البخاريّ في "استتابة المرتدّين" بلفظ: "قال عليّ" بلا تكرار، فقال في "الفتح": هو على حذف "قال"، وهو كثير في الخطّ والأولى أن يُنْطَق به. قال: وعند النسائيّ من هذا الوجه: "عن عليّ"، قال الدارقطنيّ: لم يصحّ لسويد بن غَفَلَة عن عليّ مرفوعٌ إلا هذا، قال الحافظ: وما له في الكتب الستة، ولا عند أحمد غيرُهُ، وله في "المستدرك" من طريق الشعبيّ عنه: قال: خطب عليّ بنت أبي جهل، أخرجه من طريق أحمد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن زكريا، عن الشعبيّ، وسنده جيّد، لكنه مرسل، لم يقل فيه: عن عليّ. انتهى. (اِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) قال في "الفتح": في رواية يحيى بن عيسى سببٌ لهذا الكلام، فأول الحديث عنده: عن سُويد بن غَفَلة، قال: كان عليّ يَمُرّ بالنهر، وبالساقية، فيقول: صدق الله ورسوله، فقلنا: يا أمير المؤمنين، ما تزال تقول هذا؟ قال: إذا حدثتكم إلخ، وكان عليّ في حال المحاربة يقول ذلك، وإذا وقع له أمر يوهم أن عنده في ذلك أثرًا، فخَشِي في هذه الكائنة أن يظنُّوا أن قصة ذي الثُّدَيّة من ذلك القبيل، فأوضح أن عنده في أمره نصًّا صريحاً، وبَيَّن لهم أنه إذا حدّث عن النبيّ ﷺ لا يَكْنِي، ولا يُعَرِّض، ولا يُوَرِّي، وإذا لم يُحَدِّث عنه فعل ذلك؛ لِيَخْدَع بذلك من يحاربه، ولذلك استدلّ بقوله: "الحرب خدعة". انتهى. (فَلَأَنْ أَخِرَّ) بكسر الخاء المعجمة؛ أي أسقط (مِنَ السَّمَاءِ) زاد أبو معاوية، والثوريّ في روايتهما: "إلى الأرض"، أخرجه أحمد عنهما، ووقع في رواية يحيى بن عيسى: "أخِرّ من السماء، فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق " (أَحَمث إِلَئَ مِنْ أَنْ أقُولَ عَلَيْهِ) أي على النبيّ ﷺ (مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) في رواية يحيى بن عيسى: "عن نفسي"، وفي رواية الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عليّ: "قام فينا عليّ عند أصحاب النهر، فقال: ما سمعتموني أحدثكم عن رسول الله ﷺ ، فحدِّثوا به، وما

стр. 11818

سمعتموني أحدِّث في غير ذلك"، ويستفاد من هذه الرواية معرفة الوقت الذي حدّث فيه عليّ بذلك، والسبب أيضًا. (فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ) في رواية يحيى بن عيسى: "فإنما الحرب خدعة"، ومعناه: أجتهد رأيي، وقال القاضي عياض: فيه جواز التورية، والتعريض في الحرب، فكأنه تأوّل الحديث على هذا. وقال في "القاموس": خَدَعَة، كمَنَعَهُ خَدْعًا، ويُكسر: خَتَلَهُ، وأراد به المكروه من حيثُ لا يَعْلَم، كاختدعه، فانخدع، والاسم الْخَدِيعةُ، و"الْحَرْبُ خِدْعَةٌ" مثلّثةً، وكهُمَزَة، ورُوي بهنّ جميعًا؛ أي تنقضي بخُدعة. انتهى (١). [تنبيه]: قوله: "الْحَرْبُ خَدْعَة" حديث مرفوع أخرجه الشيخان مرفوعًا من حديث أبي هريرة ﵁، ومن حديث جابر ﵁، وأخرجاه هنا موقوفًا على عليّ ﵁. وقوله: "خَدْعَة" -بفتح الخاء المعجمة، وبضمها، مع سكون المهملة فيهما، وبضم أوله، وفتح ثانية، قال النوويّ: اتفقوا على أن الأولى الأفصح، حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبيّ ﷺ ، وبذلك جزم أبو ذرّ الهرويّ، والقزاز، والثانية ضُبِطت كذلك في رواية الأصيليّ، قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن النبيّ ﷺ كان يستعمل هذه البِنْيَة كثيرًا؛ لوجازة لفظها، ولكونها تعطي معنى البنيتين الأخيرتين، قال: ويعطي معناها أيضًا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن، ولو مَرَّةً، فكأنه قال: استَعْمِل الحيلة في الحرب ما أمكنك، فإذا أعيتك الْحِيَل فقاتل، قال: فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى. ومعنى خَدْعَة بالإسكان أنها تَخْدَع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر، أوأنها وصف المفعول، كما يقال: هذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي مضروبه. وقال الخطابيّ: معناه أنها مرةً واحدةً: أي إذا خَدَع مرةً واحدةً لم تُقَلْ عثرته.

стр. 11819

وقيل: الحكمة في الإتيان بالتاء؛ للدلالة على الوحدة، فإن الْخِدَاع إن كان من المسلمين، فكأنه حَضَّهم على ذلك ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار فكأنه حذَّرهم من مكرهم، ولو وقع مرةً واحدةً، فلا ينبغي التهاون بهم؛ لما ينشأ عنهم من المفسدة، ولو قَلَّ. وفي اللغة الثالثة صيغة المبالغة، كهُمَزَة، ولُمَزَة. وحَكَى المنذري لغة رابعةً بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع؛ أي إن أهلها بهذه الصفة، وكأنه قال: أهل الحرب خَدَعَةٌ. قال الحافظ: وحَكَى مكيّ، ومحمد بن عبد الواحد لغةً خامسةً: كسر أوله، مع الإسكان، قرأت ذلك بخط مغلطاي. وأصل الخدع إظهار أمر، وإضمار خلافه، وفيه التحريض على أخذ الْحَذَر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه. قال النوويّ: واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد، أو أمان، فلا يجوز. قال ابن العربيّ: الخداع في الحرب يقع بالتعريض، وبالكمين، ونحو ذلك. وفي الحديث: الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله ﷺ : "الحجُّ عرفة"، قال ابن الْمُنِّير: معنى "الحرب خدعة": أي الحرب الجيِّدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها، إنما هي المخادعة، لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر. [تكميل]: ذكر الواقديّ أن أول ما قال النبيّ ﷺ : "الحرب خدعة" في غزوة الخندق. انتهى (١). (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) كذا وقع في هذه الرواية، وفي حديث أبي برزة ﵁ عند النسائيّ: "يخرج في آخر الزمان قوم"،

стр. 11820

وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد المتقدّم فإن مقتضاه أنهم خرجوا في خلافة عليّ، وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم. وأجاب ابن التين بان المراد زمان الصحابة، وفيه نظر؛ لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة. قال الحافظ ﵀: ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة، فمان في حديث سفينة ﵁ المخرَّج في "السنن"، و"صحيح ابن حبان"، وغيره مرفوعًا: "الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثم تصير مُلْكًا"، وكانت قصة الخوارج، وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة عليّ ﵁ سنة ثمان وعشرين، بعد النبيّ ﷺ بدون الثلاثين بنحو سنتين. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو جمع حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (قَوْمٌ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ) "الأَحْدَاثُ" -بمهملة، ثم مثلثة-: جمع حَدَث- بفتحتين- والحدَث: هو الصغير السنّ، والأسنان جمع سِنّ، والمراد به العمر، والمراد أنهم صغار العمر. (سُفَهَاة الْأَحْلَامِ) "السفهاء": جمع سَفِيه، وهو خفيف العقل، و"الأحلام" بالفتح: جمع حِلْم، بكسر أوله، والمراد به العقل، والمعنى أن عقولهم رديئة، قال النوويّ: يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السنّ، وكثرة التجارب، وقوة العقل، قال الحافظ: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لم يظهر لي وجه تعقّب الحافظ لاستنباط النوويّ، فانه واضحٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقال الأبيّ ﵀ -بعد نقل ما سبق في كلام النوويّ-: قال الماورديّ في "أدب الدنيا": من الناس من فَضّل رأي الشيوخ؛ لما ذُكر، وأنشد عليه [من الطويل]: إِذَا طَالَ عُمْوُ الْمَرْءِ فِي غَيْرِ آفَةٍ … أَفَادَتْ لَهُ الأَيَّامُ فِي كَرِّهَا عَقْلَا ومنهم من فضّل رأي من دونهم، وكان يقال: عليكم برأي من لم تبله

стр. 11821

الحوادث، ولا استولت عليه رطوبة الهَرَم. انتهى (١). (يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) قال النوويّ: معناه: في ظاهر الأمر، كقولهم: لا حكم إلا لله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى. انتهى. وقال في "الفتح": قيل: إنه مقلوبٌ، وأن المراد من قول خير البرية، وهو القرآن، ويَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، والمراد: القول الحسن في الظاهر، وباطنه على خلاف ذلك، كقولهم: "لا حكم إلا لله"، في جواب عليّ ﵁، كما سيأتي، وقد وقع في رواية طارق بن زياد، عند الطبريّ، قال: خرجنا مع عليّ، فذكر الحديث، وفيه: "يخرج قوم يتكلمون كلمة الحق، لا تجاوز حلوقهم"، وفي حديث أنس، عن أبي سعيد، عند أبي داود، والطبرانيّ: "يحسنون القول، وشميئون الفعل"، ونحوه في حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد، وفي حديث مسلم، عن عليّ: "يقولون الحقّ، لا يجاوز هذا"، وأشار إلى حلقه. انتهى (٢). (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) -بالحاء المهملة، والنون، ثم الجيم-: جمع حنجرة، بوزن قَسْوَرة، وهي الحلقوم، والبلعوم، وكله يُطْلق على مَجرَى النفس، وهو طرف المريء مما يلي الفم، ووقع في رواية زيد بن وهب، عن عليّ ﵁ الآتي: "لا تجاوز صلاتهم تراقيهم"، فكأنه أطلق الإيمان على الصلاة، وفي حديث أبي ذرّ ﵁ الآتي أيضًا: "لا يجاوز إيمانهم حلاقيمهم"، والمراد أنهم يؤمنون بالنطق، لا بالقلب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ الآتي أيضًا: "يقولون الحقّ بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه". (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) ووقع في رواية النسائيّ، والطبريّ: "يمرقون من الإسلام"، وكذا هو في حديث ابن عمر عند البخاريّ، ووقع عند النسائي من رواية طارق بن زياد، عن عليّ: "يمرقون من الحقّ"، فتبيّن بهذا أن المراد من الدين هنا هو الإسلام، لا الطاعة، كما قاله بعضهم، فتنبّه.

стр. 11822

(كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيةِ) بفتح الراء، وكسر الميم، وتشديد التحتانيّة؛ أي الحيوان الذي يُرْمَى إليه. (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج، والبغاة، وهو مجمع عليه (فَإِنَّ) الفاء للتهليل؛ أي لأن (فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا) أي عظيمًا، فالتنوين للتعظيم (لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ") قال في "العمدة": وإنما كان الأجر في قتلهم؛ لأنهم يَشْغَلون عن الجهاد، ويسعون بالفساد لافتراق كلمة المسلمين. انتهى. وفي رواية زيد بن وهب الآتية: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضِي لهم على لسان نبيهم، لَنَكَلُوا عن العمل"، وفي رواية عبيدة بن عمرو: "لولا أن تَبْطَروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ، قال عبيدة: قلت لعليّ: أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة ثلاثًا". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الطبريّ ﵀: رَوَى هذا الحديث في الخوارج عن عليّ تامًّا ومختصرًا عبيد الله بن أبي رافع، وسُويد بن غَفَلة، وعَبِيدة بن عمرو، وزيد بن وهب، وكُليب الجرميّ، وطارق بن زياد، وأبو مريم. انتهى. زاد الحافظ ﵀: وأبو وضي، وأبو كثير، وأبو موسى، وأبو وائل في "مسند إسحاق ابن راهويه"، والطبرانيّ، وأبو جحيفة عند البزار، وأبو جعفر الفرّاء مولى عليّ، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط"، وكثير بن نُمير، وعاصم بن ضَمْرة. قال الطبريّ: ورواه عن النبيّ ﷺ مع عليّ بن أبي طالب، أو بعضَهُ عبد الله بن مسعود، وأبو ذرّ، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عمر، وأبو سعيد الخدريّ، وأنس بن مالك، وحُذيفة، وأبو بكرة، وعائشة، وجابر، وأبو بَرْزَة، وأبوأُمامة، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن حُنيف، وسلمان الفارسي. انتهى.

стр. 11823

زاد الحافظ ﵀: ورافع بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وجندب بن عبد الله البجليّ، وعبد الرحمن بن عُريس، وعقبة بن عامر، وطلق بن عليّ، وأبو هريرة، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" بسند جيّد، من طريق الفرزدق الشاعر، أنه سمع أبا هريرة، وأبا سعيد، وسألهما، فقال: إني رجل من أهل المشرق، وإن قوماً يخرجون علينا، يقتلون من قال: لا إله إلا الله، ويُؤَمِّنُون من سواهم، فقالا لي: سمعنا النبيّ ﷺ يقول: "من قتلهم فله أجر شهيدٍ، ومن قتلوه فله أجر شهيد". فهؤلاء خمسة وعشرون نفساً من الصحابة، والطرق إلى كثير منهم متعددة، كعليّ، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمر، وأبي بكرة، وأبي برزة، وأبي ذرّ، فيفيد مجموع خبرهم القطع بصحة ذلك عن رسول الله ﷺ . انتهى (١). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٢٤٦٢ و ٢٤٦٣ و ٢٤٦٤ وه ٢٤٦ و ٢٤٦٦ و ٢٤٦٧ و ٢٤٦٨] (١٠٦٦)، و (البخاريّ) في "المناقب" (٣٦١١) و"فضائل القرآن" (٥٠٥٧) و"استتابة المرتدّين" (٦٩٣٠)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٧٦٧)، و (النسائيّ) في "تحريم الدم" (٧/ ١١٩) و"الكبرى" (٢/ ٣١٢ و ٥/ ١٦٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ١٥٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٨١ و ١١٣ و ١٣١ و ١٥٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٨)، و (البزّار) في "مسنده" (٢/ ١٨٨ و ١٨٩)، و (أبو القاسم البغويّ) في "الجعديّات" (٢٦٨٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢٦١ و ٣٢٤)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الصغير" (٢/ ٢١٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣١ - ١٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٨٧ - ١٨٨) و"دلائل النبوّة" (٦/ ٤٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحضّ على قتال الخوارج. ٢ - (ومنها): بيان صفات الخوارج.

стр. 11824

٣ - (ومنها): أن فيه علماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما سيقع بعده في أمته، فوقع طِبق ما أخبر به. ٤ - (ومنها): بيان جواز التورية والتعريض في الحرب. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن العربي ﵀: الخديعة في الحرب تكون بالتورية، وتكون بالكَمِين، وتكون بخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز المخصوص من المحرَّم، والكذب حرام بالإجماع، جائز في مواطنَ بالإجماع، أصلها الحرب، أذن الله فيه، وفي أمثاله؛ رفقاً بالعباد؛ لضعفهم، وليس للعقل في تحريمه، ولا في تحليله أثرٌ، إنما هو إلى الشرع، ولو كان تحريم الكذب كما يقول المبتدعون عقلاً، ويكون التحريم صفة نفسية، كما يزعمون ما انقلب حلالاً أبداً، والمسألة ليست معقولة، فتستحقّ جواباً، وخفي هذا على علمائنا، وقال الطبريّ: إنما يجوز في المعاريض دون حقيقة الكذب، فإنه لا يحلّ، وقال النوويّ: الظاهر إباحة حقيقة الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل، وقال بعض أهل السير: قال النبيّ ﷺ ذلك يوم الأحزاب لنعيم بن مسعود، وعن المهلَّب: الخداع في الحرب جائز كيف ما يمكن إلَّا بالأيمان والعهود، والتصريح بالأيمان، فلا يحلّ شيء من ذلك. انتهى. ٦ - (ومنها): أن الحديث صريح في وجوب قتال الخوارج والبغاة، قال النوويّ ﵀: وهو إجماع العلماء، قال القاضي عياض ﵀: أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام، وخالفوا رأي الجماعة، وشَقُّوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم، والاعتذار إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الحجرات: ٩]، لكن لا يُجَهَّز على جريحهم، ولا يُتَّبَع منهزمهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا تباح أموالهم، وما لم يخرجوا عن الطاعة، وينتصبوا للحرب لا يقاتلون، بل يوعظون، ويستتابون من بدعتهم وباطلهم، وهذا كله ما لم يُكَفَّروا ببدعتهم، فإن كانت بدعة مما يُكَفَّرون به جرت عليهم أحكام المرتدين. وأما البغاة الذين لا يُكَفَّرون، فيرثون، ويورثون، ودمهم في حال القتال هَدَرٌ، وكذا أموالهم التي تَتْلَف في القتال، والأصح أنهم لا يُضَمَّنُون أيضاً ما أتلفوه على أهل العدل في حال القتال، من نفس، ومال، وما أتلفوه في غير

стр. 11825

حال القتال من نفس ومال ضَمِنُوه، ولا يحل الانتفاع بشيء من دوابهم وسلاحهم في حال الحرب عندنا، وعند الجمهور، وجوَّزه أبو حنيفة، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٣] ( … ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مُرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّميّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجةٌ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨. ٦ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي. و"الأعمش" ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لعيسى، وسفيان الثوريّ.

стр. 11826

[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن الأعمش هذه ساقها الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: - حدّثنا محمد بن كَثِيرٍ، أخبرنا سُفْيَانُ، حدّثنا الْأَعْمَشُ، عن خَيْثَمَةَ، عن سُوَيْدِ بن غَفَلَةَ، قال عَلِيٌّ ﵁: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "يَأْتِي في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ من خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَامِ، كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فإن قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يوم الْقِيَامَةِ". وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فلم أر من ساقها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُثْمَانُ بينُ أَبِي شَيْيَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْينُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْداني الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٥ - (زُهَيْرُ بْينُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٦ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. و (الْأَعْمَشُ) ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) ضمير التثنية لجرير، وأبي معاوية.

стр. 11827

[تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش هذه ساقها أبو يعلى في "سنده" (١/ ٢٢٥) فقال: (٢٦١) - حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدّثنا أبو معاوية محمد بن خازم، حدّثنا الأعمش، عن خيثمة، عن سُويد بن غَفَلَة، قال: قال عليّ: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً، فلأن أَخِرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم عن غيره فإنما أنا محارب، والحرب خدعةٌ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يَخْرُج في آخر الزمان قوم، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة". انتهى. وأما رواية جرير، عن الأعمش، فلم أر من ساقهاْ، فلْيُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: ذَكَرَ الْخَوَارجَ، فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قَالَ: قُلْتُ آنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبَّ الْكَعْبَةِ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.

стр. 11828

٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ [٥] ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. ٥ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ [٣] ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨. ٦ - (عَبِيدَةُ) بن عَمْرو السَّلْمانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت ٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٩/ ٤٦٨. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة أسانيد فصلها بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة: المقدّميّ، وابن أبي شيبة، وزهير، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، والآخران ما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن محمد بن سيرين، وعَبِيدة، وهو من المخضرمين. شرح الحديث: (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة - ابن عمرو السّلَمانيّ - بسكون اللام، ويقال: بفتحها (عَنْ عَلِيٍّ) بن أبي طالب ﵁ (قَالَ: ذَكَرَ الْخَوَارجَ) فاعل "قال" ضمير "عَبِيدة"، وفاعل "ذَكَر" ضمير عليّ ﵁؛ أي قال عَبِيدة: ذكر عليّ ﵁ الخوارج، وفي رواية ابن حبّان في "صحيحه": "عن عَبيدة السلّمانيّ، قال: ذَكَرَ عليّ - رضوان الله عليه - الخوارج، فقال: فيهم رجلٌ مُخْدجٌ … "، وقوله: (فَقَالَ) تفسير لـ"ذَكَرَ" (فِيهِمْ) أي في جملة الخوارج (رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ) -بضم الميم، واسكان الخاء المعجمة، وفتح الدال المهملة، وآخره جيم- ومعناه: ناقص اليد، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل تمام الأيام، وإن كان تامّ الْخِلْقة، فهو خديج، وأخدجت: إذا

стр. 11829

جاءت به ناقص الخلق، وإن كانت أيامه تامةً، فهو مُخْدَج، ويُستعمل ذلك أيضاً في كل ذات ظِلْف، وحافِرٍ، بل في الآدميات أيضاً، ومنه: يَوْمَ تَرَى مُرْضِعَةٌ خَدُوجَا … وَكُلُّ أُنْثَى حَمَلَتْ خَدُوجَا (١) (أَوْ مُودَنُ الْيَدِ) "أو" في الموضعين للشكّ في اللفظ الذي قاله، و"الْمُودَن" بضمّ الميم، وإسكان الواو، وفتح الدال المهملة، ويقال بالهمز، وبتركه، وهو ناقص اليد، ويقال أيضاً: وَدِين، ومَودون (٢). (أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ) بفتح الميم، وثاء مثلّثة ساكنة، وهو صغير اليد، مُجْتَمِعها، كثندوة الثَّدْي، وهي بفتح الثاء بلا همز، وبضمها مع الهمز، وكان أصله مثنود، فقُدِّمت الدال على النون، كما قالوا: جَبَذَ، وجَبَذَبَ، وعَاثَ في الأرض، وعَثَا، وحكى في "المحكم" هذا القلب عن ابن جنّي، وقال: إنه ليس بشيء (٣). (لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ؛ أي تَطْغَوا، وأصل الْبَطَر الطُّغيان عند النعمة، والعافية، فيَسُوء احتماله لها، فيكون منه الكبر، والأَشَرُ، والْبَذَخ، وشِدَّة الْمَرَح الَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) أي من الأجر والثواب (قَالَ) عَبِيدة ﵀ (قُلْتُ: آنْتَ) بمد الهمزة، وأصله أأنت بهمزتين قُلبت الثانية ألفاً (سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَ) عليّ ﵁ (إِي) - بكسر الهمزة، وسكون التحتانيّة - بمعنى نعم، فيكون لتصديق المخبر، ولإعلام المستخبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد "قام زيد"، و"هل قام زيد"، و"اضرب زيداً"، ونحوهنّ، كما تقع "نَعَمْ" بعدهنَّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ الآية [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلا قبل القسم، وإذا قيل: إي والله، ثم أُسقطت الواو، جاز سكون الياء، وفتحها، وحذفها، وعلى الأول فيلتقي ساكنان على غير حدّهما، قاله ابن هشام ﵀ (٤).

стр. 11830

(وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) أي وأقسم برب الكعبة (إِي وَرَبَّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) كرّره ثلاث مرّات للتأكيد. قال النوويّ ﵀: انما استحلفه؛ ليُسْمِع الحاضرين، ويؤكّد ذلك عندهم، ويُظهِر لهم المعجزة التي أخبر بها رسول الله ﷺ ، ويُظهِر لهم أن عليًّا ﵁ وأصحابه أولى الطائفتين بالحقّ، وأنهم مُحِقُّون في قتالهم، وغير ذلك مما في هذه الأحاديث من الفوائد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٢٤٦٥] (١٠٦٦)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٧٦٣)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٦٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٨٦٥٢ و ١٨٦٥٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٣ و ٩٥ و ١٤٤ و ١٥٥)، و (عبد الله بن أحمد) في "زوائده على المسند" (١/ ١١٣ و ١٢١ و ١٢٢) و"زوائده على الفضائل" (١٠٤٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٣٨)، و (الآجريّ) في "الشريعة" (٣٢ - ٣٣)، و (النسائيّ) في "الخصائص" (١٨٧ و ١٨٨)، و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٩١٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٣٣٧)، و (الطبرانيّ) في "المعجم الصغير" (٩٦٩ و ١٠٠٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٨٨)، وأما فوائد الحديث، فتقدّمت في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11831

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيًّ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: لَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ عَنْ عَلِيًّ نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ مَرْفُوعاً). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيًّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضِلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ) أي من عليّ ﵁. وقوله: (فَذَكَرَ عَنْ عَلِيًّ … إلخ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ابن عون. [تنبيه]: رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" (١/ ٣٧٣) فقال: (٤٧٩) - حدّثنا عبيد الله بن عمر، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا ابن عون، عن محمد، عن عَبِيدة، أنه قال: لا أحدثك إلا ما سمعت منه -يعني علياً - قال: لولا أن تبطروا لنبأتكم بما وعد الثه الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ، قال: قلت: أنت سمعته من محمد ﷺ ؟ قال: إي ورب الكعبة، ثلاث مرات: "فيهم رجل مُخْدَجُ، أو مُثْدَن اليد - قال: أحسبه قال -: أو مودن اليد"، قال: فطلبوا ذلك الرجل، فوجدوا من ها هنا، ومن ها هنا مثل ثدي المرأة، عليه شعرات، قال محمد: فحلف لي عَبيدة ثلاث مرات، أنه سمع من عليّ، وحَلَف على ثلاث مرات، أنه سمعه من رسول الله ﷺ . والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى تخريجه قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 11832

وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٦٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ ﵁ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاِتهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاُتهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّدِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيَّهِمْ ﷺ لَاتَّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ"، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوَيةَ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِّيكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا فِي سَرْحٍ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلا، حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، وَعَلَى الْخَوَارجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرَّمَاحَ، وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنَّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ، كمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا، فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ، وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ، فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ بِنَفْسِهِ، حَتَّى أَتَى نَاساً، قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثاً، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ).

стр. 11833

١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ بْنُ هَمَّامٍ) الْحِمْيَريّ، أبو الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شَهِيرٌ عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الْحَضْرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٥/ ٧٠٤. ٥ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ) أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ [٢] مات بعد (٨٠) وقيل: (٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٧/ ٣٧٤. و"عليّ" ﵁ ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، إلا عبد الرزّاق، فصنعانيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سلمة، عن زيد بن وهب. شرح الحديث: عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيَّ ﵀ (أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيًّ ﵁ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارجِ، فقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمّتِي، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاِتهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَحْسِبُونَ) يقال: حَسِبتُ زيداً قائماً أحسبه، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر

стр. 11834

الماضي أيضاً على غير قياس، حِسْباناً بالكسر، بمعنى ظننت، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (أَنَّهُ لَهُمْ) أي أن القرآن شافعٌ لهم، ومقرّب إلى ربهم (وَهُوَ عَلَيْهِمْ) جملة حاليةٌ؛ أي والحال أن القرآن حجة عليهم حيث لم يؤمنوا به حقّ الإيمان به، ويتلوه حقّ تلاوته، قال الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١] (لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ) قيل: المراد قراءتهم، كما في الرواية الأخرى، وإطلاق الصلاة على القراءة شائع، كعكسه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ الماضي مرفوعاً: "قَسمت الصلاة بيني وبين عبدي … الحديث"، فقد أطلق الصلاة على الفاتحة، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]، فقد أطلق قرآن الفجر على صلاة الفجر. ويَحْتَمِل أن يراد بالصلاة الإيمان، فقد فُسّر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بالصلاة، فيكون المعنى: لا يجاوز إيمانهم تراقيهم، فلا يدخل قلوبهم، ويؤيّد هذا ما وقع في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "لا يُجاوز إيمانهم حناجرهم"، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: لا تجاوز صلاتهم تراقيهم" هو كناية عن أنها لا تُقبل، ولا ينتفعون بها، أو يعني بذلك أن دعاءهم لا يُسمع. انتهى (٢). (تَرَاقِيَهُمْ) جمع: تَرْقُوة وزانُ فَعْلُولة بفتح الفاء، وضمّ اللام، وهي العظم الذي بين ثُغْرة النَّحْر والعاتق من الجانبين، قال بعضهم: لا تكون التَّرْقُوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان خاصّة (٣). (يَمْرُقُونَ) أي يخرجون (مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ) أي الصيد المرميّ (لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ) أي يقتلونهم (مَا قُضِيَ لَهُمْ) أي حكم به (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لَاتَّكَلُوا عَلى الْعَمَلِ) هكذا في نسخة شرح الأبيّ، ووقع في نسخة النوويّ: "لاتّكلوا عن العمل"، والأول هو الذي عند القرطبيّ في "مختصره"، وقال في "شرحه": الألف واللام في "العمل" للعهد، فكأنه قال: لاتّكلوا على ثواب ذلك العمل،

стр. 11835

واعتمدوا عليه في النجاة من النار، والفوز بالجنّة، وإن كانت الأعمال لا تحصّل ذلك، كما قال ﷺ : "لن يُنجي أحداً منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "ولا أنا، إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله برحْمَةٍ … " الحديث، متّفقٌ عليه، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم، وثوابه جسيم، بحيث لو اطَّلَع عليه صاحبه لاعتمد علمه، وظنّ أنه هو الذي يُنجيه، قال: والرواية في ذلك اللفظ: "لاتّكلوا" بـ "أل"، وبالتاء المثنّاة من التوكّل، وقد صحّفه بعضهم، فقال: "لنكلوا" بالنون من النكول عن العمل؛ أي لا يعملون شيئاً؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك، وهذا معنى واضحٌ لو ساعدته الرواية. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادّعى القرطبيّ من التصحيف في قوله: "لنكلوا" هو الذي ذكره الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين"، ولفظه: "لنكلوا عن العمل"، وعزاه إلى رواية مسلم، ومعناه واضح. وأما ما وقع في نسخة "شرح النوويَّ" بلفظ: "لاتّكلوا عن العمل"، من الاتّكال بالتاء، و"عن" بدل "على"، إن لم يكن مصحّفاً، فمعناه: امتنعوا عن العمل استغناء بثواب قتالهم لهم، والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث حثّ على قتال الخوارج، ووعد بالثواب العظيم. (وَآيَةُ ذَلِكَ) أي العلامة التي بيّنها النبيّ ﷺ لمعرفة هؤلاء الخوارج (أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ) هو ما بين المنكب والمرفق (وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ) "الْحَلَمة -بفتحتين- هي اللحمة الناتئة في رأس الثدي، وقال الأزهريّ: الْحَلَمة: الحبّة على رأس الثدي من المرأة، والثُّنْدُوة من الرجل (٢). وقال القرطبيّ ﵀: الحلَمَة: الأنبوبة التي يخرج منها اللبن، وتُسمّى السعدانة. انتهى (٣). (عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ"، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيَّكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ) كلام عليّ ﵁ هذا لجيشه على طريقة
следующие страницы →