وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٦٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيًّ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: لَا أُحَدِّثُكُمْ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ عَنْ عَلِيًّ نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ مَرْفُوعاً).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيًّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضِلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ) أي من عليّ ﵁.
وقوله: (فَذَكَرَ عَنْ عَلِيًّ … إلخ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ابن عون.
[تنبيه]: رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" (١/ ٣٧٣) فقال:
(٤٧٩) - حدّثنا عبيد الله بن عمر، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا ابن عون، عن محمد، عن عَبِيدة، أنه قال: لا أحدثك إلا ما سمعت منه -يعني علياً - قال: لولا أن تبطروا لنبأتكم بما وعد الثه الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ، قال: قلت: أنت سمعته من محمد ﷺ ؟ قال: إي ورب الكعبة، ثلاث مرات: "فيهم رجل مُخْدَجُ، أو مُثْدَن اليد - قال: أحسبه قال -: أو مودن اليد"، قال: فطلبوا ذلك الرجل، فوجدوا من ها هنا، ومن ها هنا مثل ثدي المرأة، عليه شعرات، قال محمد: فحلف لي عَبيدة ثلاث مرات، أنه سمع من عليّ، وحَلَف على ثلاث مرات، أنه سمعه من رسول الله ﷺ .
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى تخريجه قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ بْنُ هَمَّامٍ) الْحِمْيَريّ، أبو الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شَهِيرٌ عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الْحَضْرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٥/ ٧٠٤.
٥ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ) أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ [٢] مات بعد (٨٠) وقيل: (٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٧/ ٣٧٤.
و"عليّ" ﵁ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، إلا عبد الرزّاق، فصنعانيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سلمة، عن زيد بن وهب.
شرح الحديث:
عن زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيَّ ﵀ (أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيًّ ﵁ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارجِ، فقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمّتِي، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاِتهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَحْسِبُونَ) يقال: حَسِبتُ زيداً قائماً أحسبه، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر
стр. 11834
الماضي أيضاً على غير قياس، حِسْباناً بالكسر، بمعنى ظننت، قاله الفيّوميّ ﵀ (١). (أَنَّهُ لَهُمْ) أي أن القرآن شافعٌ لهم، ومقرّب إلى ربهم (وَهُوَ عَلَيْهِمْ) جملة حاليةٌ؛ أي والحال أن القرآن حجة عليهم حيث لم يؤمنوا به حقّ الإيمان به، ويتلوه حقّ تلاوته، قال الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ [البقرة: ١٢١] (لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ) قيل: المراد قراءتهم، كما في الرواية الأخرى، وإطلاق الصلاة على القراءة شائع، كعكسه، كما في حديث أبي هريرة ﵁ الماضي مرفوعاً: "قَسمت الصلاة بيني وبين عبدي … الحديث"، فقد أطلق الصلاة على الفاتحة، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]، فقد أطلق قرآن الفجر على صلاة الفجر.
ويَحْتَمِل أن يراد بالصلاة الإيمان، فقد فُسّر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بالصلاة، فيكون المعنى: لا يجاوز إيمانهم تراقيهم، فلا يدخل قلوبهم، ويؤيّد هذا ما وقع في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "لا يُجاوز إيمانهم حناجرهم"، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: لا تجاوز صلاتهم تراقيهم" هو كناية عن أنها لا تُقبل، ولا ينتفعون بها، أو يعني بذلك أن دعاءهم لا يُسمع. انتهى (٢).
(تَرَاقِيَهُمْ) جمع: تَرْقُوة وزانُ فَعْلُولة بفتح الفاء، وضمّ اللام، وهي العظم الذي بين ثُغْرة النَّحْر والعاتق من الجانبين، قال بعضهم: لا تكون التَّرْقُوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان خاصّة (٣).
(يَمْرُقُونَ) أي يخرجون (مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ) أي الصيد المرميّ (لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ) أي يقتلونهم (مَا قُضِيَ لَهُمْ) أي حكم به (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لَاتَّكَلُوا عَلى الْعَمَلِ) هكذا في نسخة شرح الأبيّ، ووقع في نسخة النوويّ: "لاتّكلوا عن العمل"، والأول هو الذي عند القرطبيّ في "مختصره"، وقال في "شرحه": الألف واللام في "العمل" للعهد، فكأنه قال: لاتّكلوا على ثواب ذلك العمل،
стр. 11835
واعتمدوا عليه في النجاة من النار، والفوز بالجنّة، وإن كانت الأعمال لا تحصّل ذلك، كما قال ﷺ : "لن يُنجي أحداً منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "ولا أنا، إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله برحْمَةٍ … " الحديث، متّفقٌ عليه، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم، وثوابه جسيم، بحيث لو اطَّلَع عليه صاحبه لاعتمد علمه، وظنّ أنه هو الذي يُنجيه، قال: والرواية في ذلك اللفظ: "لاتّكلوا" بـ "أل"، وبالتاء المثنّاة من التوكّل، وقد صحّفه بعضهم، فقال: "لنكلوا" بالنون من النكول عن العمل؛ أي لا يعملون شيئاً؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك، وهذا معنى واضحٌ لو ساعدته الرواية. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادّعى القرطبيّ من التصحيف في قوله: "لنكلوا" هو الذي ذكره الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين"، ولفظه: "لنكلوا عن العمل"، وعزاه إلى رواية مسلم، ومعناه واضح.
وأما ما وقع في نسخة "شرح النوويَّ" بلفظ: "لاتّكلوا عن العمل"، من الاتّكال بالتاء، و"عن" بدل "على"، إن لم يكن مصحّفاً، فمعناه: امتنعوا عن العمل استغناء بثواب قتالهم لهم، والله تعالى أعلم.
وفي هذا الحديث حثّ على قتال الخوارج، ووعد بالثواب العظيم.
(وَآيَةُ ذَلِكَ) أي العلامة التي بيّنها النبيّ ﷺ لمعرفة هؤلاء الخوارج (أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ) هو ما بين المنكب والمرفق (وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ) "الْحَلَمة -بفتحتين- هي اللحمة الناتئة في رأس الثدي، وقال الأزهريّ: الْحَلَمة: الحبّة على رأس الثدي من المرأة، والثُّنْدُوة من الرجل (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: الحلَمَة: الأنبوبة التي يخرج منها اللبن، وتُسمّى السعدانة. انتهى (٣).
(عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ"، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيَّكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ) كلام عليّ ﵁ هذا لجيشه على طريقة
стр. 11836
الاستفهام الإنكاريّ التوبيخيّ؛ أي لا ينبغي، ولا يصحّ أن يحصل هذا، وغرضه بذلك الحثّ على المبادرة بقتالهم قبل قتال معاوية وأهل الشام (وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُوأَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ) بالنصب بدلاً من اسم الإشارة، واسم الإشارة خبر "يكونوا"؛ يعني أن هؤلاء الحروريين هم الذين وصفهم النبيّ ﷺ بالصفات السابقة؛ لانطباقها عليهم، ثم أكّد ذلك بقوله: (فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ) حيث قتلوا عبد الله بن خبّاب ذبحوه، وبقروا بطن جاريته، وهي حُبلى، وكان والياً لعليّ ﵁ على بعض تلك البلاد، وقد سبقت قصّته (وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ) أي مواشيهم، حيث عَدَوا على قوم من بني قطيعة، فقتلوا الرجال، وأخذوا الأموال، وغَلُّوا الأطفال في المراجل، كما ذكره ابن عبد البرّ ﵀ (١).
(فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ) أي على بركة اسم الله تعالى (قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلاً) أي أخبرني بالمواضع التي نزلها عليّ ﵁ مع جيشه منزلاً منزلاً واحداً واحداً، قال القرطبيّ ﵀: وصوابه منزلاً منزلاً مرتين؛ لأن معناه أخبرني بالمنازل مفصَّلةً، فهو منصوب على الحال، كما تقول العرب: علّمته الحساب باباً باباً، ولا يُكتفَى في هذا النوع بذكر مرّة واحدة؛ لأنه لا يفيد ذلك، غير أنه وقع هنا منزلاً مرّةً واحدةً لجميع رواة مسلم فيما أعلم، وقد جاء في كتاب النسائيّ: "منزلاً منزلاً"، وهو الصحيح. انتهى (٢).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "منزلاً" هكذا هو في معظم النسخ مرّةً واحدةً، وفي نادر منها "منزلاً منزلاً" مرتين، وكذا ذكره الحميديّ في "الجمع بين الصحيحين"، وهو وجه الكلام؛ أي ذَكَرَ لي مراحلهم بالجيش منزلاً منزلاً حتى بلغ القنطرة التي كان القتال عندها، وهي قنطرة الديزجان (٣)، كذا جاء مبيناً في "سنن النسائي"، وهناك خطبهم عليّ ﵁، ورَوَى لهم هذه الأحاديث. انتهى.
стр. 11837
(حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ) -بفتح القاف، وسكون النون، وفتح الطاء، بعدها راء -: ما يُبنى على الماء للعبور عليه، وهي فَنْعَلَةٌ، والْجِسْرُ أعمّ؛ لأنه يكون بناءً وغير بناء (١).
وقوله: (فَلَمَّا الْتَقَيْنَا) الظاهر أن جواب "لَمّا" محذوف بدلالة السياق، تقديره: انتصرنا عليهم، وقوله: (وَعَلَى الْخَوَارجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ) جملة في محلّ نصب على الحال.
قال الحافظ الذهبيّ ﵀ في "الميزان": عبد الله بن وهب الراسبيّ كان من رؤوس الخوارج الحروريّة، زائغ مُبتدع، أدرك عليًّا ﵁، وقال أيضاً: عبد الله بن راسب، من رؤوس الحروريّة، ذكره بعضهم في كُتب الضعفاء، وهو في كتاب أبي إسحاق الْجُوزجانيّ، من أقران عبد الله بن الْكَوّاء، وقد أدرك الجاهليّة. انتهى (٢).
وقال الحافظ بعد نقل كلام الذهبيّ هذا ما نصّه: وهذا الرجل إنما اسمه عبد الله بن وهب الراسبيّ، من بني راسب، قبيلة معروفة، وهو كان أمير الخوارج بالنَّهْرَوان لَمّا قاتلهم عليّ ﵁، وقُتل في المعركة، ولا أعلم له رواية. انتهى (٣).
(فَقَالَ لَهُمْ) أي عبد الله بن وهب الراسبيّ رئيسهم (أَلْقُوا الرِّمَاحَ) أي ارموه من أيديكم، ولا تستعملوه في القتال.
و"الرِّمَاح": بالكسر: جمع رُمْح، ويُجمع أيضاً على أرماح، قال في "المعجم الوسيط": الرُّمْحُ قناةٌ (٤) في رأسها سِنَانٌ يُطعَنُ به. انتهى (٥).
(وَسُلُّوا) بضمّ السين المهملة، وتشديد اللام: أمر من السلّ، يقال: سلّ السيف سَلًّا، من باب نصر: إذا أخرجه من غِمْده، قال في "القاموس": السّلّ:
стр. 11838
انتزاعك الشيءَ، وإخراجه في رِفْق، كالاستلال. انتهى (١). (سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا) أي أخرجوها من أَغْمادها، وهي جمع جَفْن - بفتح، فسكون -: وهو الغمد.
يعني أن زعيمهم قال لهم ذلك لتبدأ المعركة بالوطيس الحامي بالسيوف، لا بالرماح.
قال القرطبيّ ﵀: هذا الرأي -يعني قول زعيم الخوارج -: "ألقوا الرِّمَاح، وسُلُّوا السيوف" كان فيه فتح للمسلمين، وصيانة لدمائهم، وتمكين من الخوارج بحيث تُمُكَّن منهم بالرماح، فطُعِنوا، ولم يكن لهم ما يطعنون به أحداً، فقُتلوا عن بَكْرة أبيهم، ولم يُقتل من المسلمين سوى رجلين، فنعوذ بالله من تدبير يقود إلى تدمير. انتهى (٢).
ثمّ علّل زعيمهم أمره بإلقاء الرماح، وسلّ السيوف بقوله: (فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ) يقال: نشدتك اللهَ، وناشدتك اللهَ: أي سألتك بالله، وأقسمت عليك؛ يعني أخاف عليكم أن يطلبوا منكم الصلح بالأيمان لو تقتلونهم بالرمح من بعيد (كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ) بالمدّ: قرية بقرب الكوفة، يُنسَب إليها فرقة من الخوارج، كان أول اجتماعهم بها.
وفي "القاموس": وحَرُوراء كجَلُولاء، وقد تُقصر: قرية بالكوفة. انتهى (٣).
ويوم حروراء هو اليوم الذي اجتمع فيه الخوارج، وهم ثمانية آلاف، وقيل غير ذلك، فنزلوا حرُوراء، وكان كبيرهم عبد الله بن الكوّاء (٤) اليشكريّ، وشَبْث (٥) التميميّ، فأرسل إليهم عليٌّ ابنَ عبّاس ﵃، فناظرهم، فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم عليّ، فناشدهم، وناقشهم، فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة.
стр. 11839
(فَرَجَعُوا) أي إلى أماكنهم بعد خروجهم لمواجهة المقاتلين لهم (فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ) أي رموا بها عن بُعد، وقال القرطبيّ: أي صيّروها كالوحش بعيدةً منهم، وهو بتشديد الحاء، يقال: وحّش الرجل: إذا رمى بثوبه، وبسلاحه مخافة أن يُلْحَق، قال الشاعر [من الكامل]:
إِنْ انْتُمُ لَمْ تَطْلُبُوا بِأَخِيكُمُ … فَذَرُوا السِّلَاحَ وَوَحَّشُوا بِالأَبْرَقٍ
(وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ) هو بفتح الشين المعجمة، والجيم المخففة: أي داخلوهم، وطاعنوهم بها، قال ابن دُريد: تشاجر القوم بالرماح: إذا تطاعنوا بها، ومنه التشاجر في الخصومة.
(قَالَ) زيد بن وهب ﵀: (وَقُتِلَ) بالبناء للمفعول (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ) أي من أصحاب عليّ ﵁ (يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ) لم يُعرف اسمهما (١).
(فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْتَمِسُوا) أي طلبوا (فِيهِمْ) أي في هؤلاء القتلى (الْمُخْدَجَ) أي الناقص اليد، وهو الذي تقدّم في قوله: "وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضدٌ، ليس له ذراع … " (فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ) أي لكونه تحت القتلى (فَقَامِ عَلِيٌّ ﵁ بِنَفْسِهِ، حَتَّى أَتَى نَاساً، قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ) أي قال عليّ ﵁: "الله أكبر" تعجباً، واستعظاماً لظهور مصداق ما أخبر به النبيّ ﷺ من هؤلاء الخوارج (ثُمَّ قَالَ) ﵁ (صَدَقَ اللهُ) أي فيما أخبر به النبيّ ﷺ من أمر هؤلاء (وَبَلَّغَ رَسُولُهُ) ﷺ أمته ما أوحي إليه.
(قَالَ) زيد بن وهب (فَقَامَ إِلَيْهِ) أي إلى عليّ ﵁ (عَبِيدَةُ) - بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة - ابن عمرو (السَّلْمَانِيُّ) بإسكان اللام: منسوب إلى سَلْمان جدّ قبيلة معروفة، وهم بطن من مُراد، قاله ابن أبي داود السجستانيّ، أسلم عَبيدة قبل وفاة النبيّ ﷺ بسنتين، ولم يره، وسمع عمرَ وعليًّا، وابنَ مسعود، وغيرَهُم من الصحابة ﵃.
(فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آللهَ) بمدّ الهمزة (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قال
стр. 11840
القرطبيّ ﵀: قوله: "آلله … إلخ" الهمزة عوضٌ من ياء القسم، وهو قسم أقسم عليه به؛ لتزيد طمأنينة قلبه، لا ليدفع شكًّا عن نفسه. انتهى.
(لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ) إنما استحلفه ليؤكد الأمر عند السامعين، ولتظهر معجزة النبيّ ﷺ ، وأن عليًّا ومن معه على الحقّ، وليطمئن قلب المستحلف؛ لإزالة توهم ما أشار إليه عليّ أن "الحرب خدعة"، فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئاً منصوصاً، والى ذلك يشير قول عائشة ﵄ لعبد الله بن شداد، حيث قالت له: ما قال عليّ حينئذ؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: رحم الله عليًّا، إنه كان لا يرى شيئاً يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق، فيكذبون عليه، ويزيدونه. فَمِن هذا أراد عَبيدة بن عمرو التثبت في هذه القصة بخصوصها، وأن فيها نقلاً منصوصاً مرفوعاً.
وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن عليّ ﵁، وزاد في آخره: "قتالُهم حقّ على كل مسلم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٢٤٦٧] (١٠٦٦)، و (أبو داود) في "السنّة" (٤٧٦٨ و ٤٧٧٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ١٤٧)، و (البزّار) في "مسنده" (٢/ ١٩٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٧٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٣)، وفوائد الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٦٨] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ
стр. 11841
بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ، وَهُوَ مَعَ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، قَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةُ حَقًّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصَفَ نَاساً، إِنَّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلَاءِ، يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ، مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ، مِنْهُمْ أَسْوَدُ، إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ، أَوْ حَلَمَةُ ثَدْي، فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: انْظُرُوا فَنَظَرُوا، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئاً، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَوَاللهِ، مَا كَذَبْتُ، وَلَا كُذِبْتُ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً، ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ، فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ، زَادَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ بُكَيْرٌ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَن ابْنِ حُنَيْنٍ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل باب.
٢ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م س) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل باب.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٧] مات قبل (١٥٠) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٥ - (بُكَيْرُ بْنُ الْأَشجَّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٦ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد المدنيّ، مولى ابن الْحَضْرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
٧ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ) المدنيّ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كان كاتب عليّ ﵁، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٨/ ١٨١٢.
و"عليّ" ﵁ ذُكر قبله.
стр. 11842
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاق كيفيّة التحمّل والأداء، كما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عمرو، والباقون مدنيّون.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: بكير، عن بُسر، عن أبي رافع.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّ الْحَرُورِّيةَ) تقدّم أنه نسبة إلى حَرُوراء موضع بالكوفة (لَمَّا خَرَجَتْ، وَهُوَ) أي والحال أن عبيد الله كائن (مَعَ عَلِيَّ بْن أَبِيِ طَالِبٍ ﵁، قَالُوا) جواب "لَمّا" (لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، قَالَ عَلِيٌّ) ﵁ (كلِمَةُ حَقٍّ) خبر لمحذوف؛ أي هذه كلمة حقّ، وإطلاق الكلمة على الجملة شائع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ الآية [المؤمنون: ١٠٠]؛ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، وقولهم: "لا إله إلا الله كلمة الإخلاص"، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
وَكَلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ
(أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ) أي نحن نؤمن بتلك الكلمة، ولكن لا نتأوّلها على ما تأولتم به.
وقال النوويّ ﵀: معناه أن الكلمة أصلها صدقٌ، قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الآية، لكنهم أرادوا بها الإنكار على عليّ ﵁ في تحكيمه. انتهى.
(إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصَفَ نَاساً) تقدّم أنه اسم وُضع للجمع، كالقوم، والرَّهْط، وواحده إنسان من غير لفظه (إِنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ) أي صفة الناس الذين وصفهم الرسول ﷺ (فِي هَؤُلَاءِ) الخوارج (يَقُولُونَ الْحَقَّ) أي يتكلّمون بالقول الحقّ (بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَجُوزُ) أي لا يتعدّى ذلك الحقّ (هَذَا مِنْهُمْ، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ، مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ) هذا مما يؤيّد قول من قال بتكفير
стр. 11843
الخوارج، ومثله حديث أبي ذرّ ﵁ الآتي بلفظ: "هم شرار الخلق والخليقة"، وعند أحمد بسند جيّد، عن أنس ﵁ مرفوعاً مثله، وعند البزار من طريق الشعبيّ عن مسروق، عن عائشة ﵄ قالت: ذكر رسول الله ﷺ الخوارج، فقال: "هم شرار أمتي، يقتلهم خيار أمتي"، وسنده حسنٌ، وعند الطبرانيّ من هذا الوجه، مرفوعاً: "هم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة"، وفي حديث أبي سعيد ﵁ عند أحمد: "هم شرّ البريّة"، وفي حديث عبد الله بن خَبّاب، عن أبيه، عند الطبرانيّ: "شر قتلى أظلّتهم السماء، وأقلتهم الأرض"، وفي حديث أبي أمامة ﵁ نحوه، وعند أحمد، وابن أبي شيبة، من حديث أبي برزة ﵁ مرفوعاً في ذكر الخوارج: "شر الخلق والخليقة"، يقولها ثلاثاً، وعند ابن أبي شيبة، من طريق عُمير بن إسحاق، عن أبي هريرة ﵁: "هم شر الخلق".
قال الجامع عفا الله عنه: هذه النصوص ظاهرة في تكفير الخوارج، وقد سبق أن هذا القول أقوى دليلاً، وإن كان التوقّف أسلم، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(مِنْهُمْ) رجلٌ (أَسْوَدُ، إِحْدَى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ) - بطاء مهملة مضمومة، ثم باء موحّدة ساكنة - والمراد به ضرع الشاة، وهو فيها مجاز، واستعارةٌ، إنما أصله للكلبة والسباع، قال أبو عبيد: ويقال أيضاً لذوات الحافر، ويقال للشاة: ضرعٌ، وكذا للبقرة، ويقال للناقة: خِلْفٌ (١)، وقال أبو عبيد: الأخلاف لذوات الأخفاف، والأظلاف، وقال الهرويّ: يقال في ذات الخفّ، والظِّلْف: خِلْفٌ، وضَرْعٌ. انتهى.
(أَوْ) الظاهر أنها للتنويع، ويَحْتَمِل أن تكون للشكّ من الراوي (حَلَمَةُ ثَدْيٍ) تقدّم قريباً أن الْحَلَمَة: هي الحبّة على رأس الثدي من المرأة، والثُّنْدُوة من الرجل (فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁) في وقعة النَّهْرَوان، وذلك سنة ثمان وثلاثين من الهجرة (قَالَ) ﵁ (انْظُرُوا) أي في الرجل الذي وصفه
стр. 11844
النبيّ ﷺ بأنه آية لهم (فَنَظَرُوا) في ظاهر القتلى (فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئاً، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَوَاللهِ، مَا كَذَبْتُ) بتخفيف الذال المعجمة، مبنيًّا للفاعل؛ أي ما كذبتُ على النبيّ ﷺ بنسبة ما لم يقله إليه في شأن الخوارج، ولا في غير ذلك (وَلَا كُذِبْتُ) بتخفيف الذال أيضاً مبنيًّا للمفعول، يقال: كُذِب الرجلُ: إذا أُخبر بالكذب؛ أي ما أخبرني النبيّ ﷺ في شأنهم بالكذب، وإنما أخبرني بالصدق (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاناً، ثُمَّ وَجَدُوهُ) بعد طلبه في خلال القتلى (فِي خَرِبَةٍ) قال في "القاموس": الْخَرِبة"- بفتح، فكسر- كالْفَرِحَة: موضع الخراب، جمعه خَرِبات، وخَرِبٌ، ككَتِفٍ، وخرائب، كالْخِرْبة بالكسر، وجمعها كعِنَب. انتهى (١).
(فَأَتَوْا بِهِ) أي أتوا عليًّا ﵁ بذلك الأسود (حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن أبي رافع (وَأَنَا حَاضِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ) بجرّ "قولِ" عطفاً على "أمرهم" (زَادَ يُونُسُ) بن عبد الأعلى شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِ) وقوله: (قَالَ بُكَيْرٌ) مفعول "زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ) مقول "قال بُكير"، والرجل لم أجد من سمّاه، والله تعالى أعلم (عَنِ ابْنِ حُنَيْنٍ) الظاهر أنه عبد الله بن حنين الهاشميّ مولاهم المدنيّ الثقة، مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك، في أول المائة الثانية، وتقدّمت ترجمته في "الصلاة" (٤٢/ ١٠٨١). (أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ) أي الرجل الذي إحدى يديه طُبْيُ شاة، أو حَلَمة ثَدْي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٢٤٦٨] (١٠٦٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٦٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ١٤٩ و ١٥٠)، و (ابن أبي شيبة)
стр. 11845
في "مصنّفه" (٧/ ٥٥٦ و ٥٥٧ و ٥٦٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٤)، و (الفسَوِيّ) (٣/ ٣٩١ - ٣٩٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٧١ و ١٨٤) و"المعرفة" (٦/ ٢٨٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
(٤٧) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْخَوَارجَ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٦٩] (١٠٦٧) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرًّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي، أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدَّينِ، كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ"، فَقَالَ ابْنُ الصَّامِتِ: فَلَقِيتُ رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ، أَخَا الْحَكَمِ الْغِفَارِيَّ، قُلْتُ: مَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ؟، كَذَا وَكَذَا، فَذَكَرْتُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ (١) [٧] (ت ١٦٥) (ع) (٢) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) الْعَدَويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (تع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ
стр. 11846
الغفاريّ ﵁، ثقةٌ [٢ (١)]، مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٥٢/ ١١٤٢.
٥ - (أَبُو ذَرًّ) الغفاريّ، جندب بن جُنادة على الأصحّ، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدراً، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصّنف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وعبد الله بن الصامت علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيبان أُبُليّ، وهي من قرى البصرة، وأبو ذرّ ﵁ مدنيّ، ثم رَبَذيّ، وهي قرية قريبة من المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: حميد، عن ابن الصامت، وهو روى عن عمّه أبي ذرّ ﵁.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ) الغفاريّ ﵀ (عَنْ) عمّه (أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جُنَادة ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بَعْدِي) أي بعد موتي (مِنْ أُمَّتِي، أَوْ) للشكّ من الراوي (سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ) هكذا بالرفع في رواية المصنّف على أنه اسم "يكون" مؤخّراً، والظرف قبله خبرها، وفي رواية ابن ماجه: "قَوْماً" بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّراً، وخبرها الظرف "بعدي"، و"من أمتي" متعلّق بحال مقدّر (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ) بالياء، وتُحذف تخفيفاً، جمع: حُلْقُوم، بضم الحاء المهملة، واللام، وهو الْحَلْق، وميمه زائدة (٢). (يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) قال ابن
стр. 11847
الأثير: "الرمِيّة": الصيد الذي تَرميه، فتقصده، ويَنفُذ فيه سَهْمُك، وقيل: هي كلُّ دابّة مَرْمِيَّة. انتهى (١).
(ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ) أي لا يرجعون إلى الدين (هُمْ شَرُّ) - بفتح الشين، ويجوز ضمها-: نقيض الخير، جمعه شُرُور، أفاده في "القاموس"، وفي رواية ابن ماجه: "شِرَارُ" بكسر الشين المعجمة، ولم أجد "الشرار" بمعنى الشرّ في كتب اللغة التي بين يديّ، وإنما هو بمعنى آخر، قال في "القاموس" ما حاصله: "الشِّرَار" كَكِتَاب، وجَبَلٍ: ما يتطاير من النار، واحدتها بهاء. انتهى. ولعل المراد هنا أنهم كشِرَار النار من حيث إلحاق الضرر بالأمة، والله تعالى أعلم. (الْخَلْقِ) أي الناس (وَالْخَلِيقَةِ) أي البهائم، وقيل: هما بمعنى، أراد بهما جميع الخلق، واحتجّ بهذا من قال بتكفيرهم، وتأوله الجمهور بان معناه هو شرّ المسلمين، ونحو ذلك، وبُعْدُه لا يخفى.
(فَقَالَ) عَبْدُ اللهِ (ابْنُ الصَّامِتِ: فَلَقِيتُ) بكسر القاف، يقال: لقِيته أَلْقاه، من باب تَعِب لُقِيًّا بالضمّ، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استَقْبَل شيئاً، أو صادفه، فقد لقيه، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢). (رَافِعَ بْنَ عَمْرِو الْغِفَارِيَّ) يُكنى أبا جبير صحابيّ عِدَاده في أهل البصرة، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه عمران، وعبد الله بن الصامت، وأبو جُبير مولى أخيه الحكم بن عمرو، أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: قوله: (الْغِفَارِيِّ) - بكسر الفاء، وتخفيف الفاء -: نسبة إلى غِفَار بن مليك بن ضَمْرة بن بكر بن عبد مناة بن كنَانة، قاله في "اللبّ" (٣).
(أَخَا الْحَكَمِ الْغِفَارِيَّ) هو: الْحكم بْنِ عَمْرٍو بن مُجَدَّع، ويقال له: الحكم بن الأقرع، قال ابن سعد: صَحِب النبيّ ﷺ حتى مات، ثم تحوّل إلى البصرة، فنزلها، رَوَى عنه أبو الشعثاء، والحسن البصريّ، وابن سيرين، وأبو حاجب، وعبد الله بن الصامت، وأبو تميمة الْهُجَيميّ، والصحيح أن بينهما
стр. 11848
دَلَجَة بن قيس، ولّاه زياد خُرَاسان، فسكن مروَ، ومات بها، وقال أوس بن عبد الله بن بُريدة، عن أخيه سَهْل، عن أبيه: إن معاوية وجّهه عاملاً على خُراسان، ثم عَتَبَ عليه في شيء، فأرسل عاملاً غيره، فحَبَسَ الحكم وقيّده، فمات في قيوده، قيل: مات سنة (٤٥) وقال ابن ماكولا: سنة (٥٠) وقال العسكريّ: سنة (٥١)، وذكر الحاكم أنه لَمّا ورد عليه كتاب زياد دعا على نفسه بالموت فمات، أخرج له البخاريّ، والأربعة، له عند المصنّف ذِكْرٌ في هذا الموضع فقط.
(قُلْتُ: مَا) استفهاميّة (حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ؟) وقوله: (كَذَا وَكَذَا) كناية عن الحديث، وهو خبر لمحذوف؛ أي هو كذا وكذا (فَدكَرْتُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ) أي الذي سمعه من أبي ذرّ ﵁ في الخوارج (فَقَالَ) رافعُ بن عمرو ﵁ (وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) أي سمعت هذا الحديث في الخوارج منه ﷺ ، كما سمعه أبو ذرّ ﵁، فثبت بهذا أن هذا الحديث مما سمعه كلّ من أبي ذرّ، ورافع بن عمرو من النبيّ ﷺ ، وسمعه منهما عبد الله بن الصامت ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه المصنّف هنا [٤٧/ ٢٤٦٩] (١٠٦٧)، و (ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٧٠)، و (أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٤٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٥/ ٣٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣١ و ١٧٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢٤٣٩)، و (ابن أبي عاصم) في "السنّة" (٩٢١ و ٩٢٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٧٣٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٤٦١)، و (الحاكم) في "مستدركه" (٣/ ٤٤٤) و (الضياء) في "المختارة" (٧/ ١٦ - ١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٤)، و (البيهقي) في "دلائل النبوّة" (٦/ ٤٢٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11849
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧٠] (١٥٦٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ الشَّيْبَانِيَّ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الْخَوَارجَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: "قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدَّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) الهاشميّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سُليمان فَيْروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٤ - (يُسَيْرُ- بْنُ عَمْرٍو) ويقال: ابن جابر الكوفيّ، ويقال: أسير، أبو الخباز العبديّ، ويقال: المحاربيّ، ويقال: الكنديّ، ويقال: القِتْبانيّ، ويقال: إنهما اثنان، أدرك زمن النبيّ ﷺ ، ويقال: إن له رؤيةً، ثقةٌ [٢].
روى عن عمر بن الخطاب، وعليّ، وابن مسعود، وسهل بن حُنيف، وسلمان الفارسيّ، وأبي مسعود الأنصاريّ.
ورَوى عنه ابنه قيس، وحُميد بن هلال، وأبو قتادة العدويّ، وأبو نَضْرة العبديّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وزُرارة بن أوفى، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وغيرهم.
قال عليّ ابن المدينيّ: أهل البصرة يقولون: أسير بن جابر، وأهل الكوفة يقولون: أسير بن عمرو، وقال بعضهم: يسير بن عمرو، ونسبه ابن الكلبيّ في كندة، وقال أبو نعيم: كان عريفاً في زمن الحجاج، وقال شهاب بن خِرَاش، عن أبيه خِراش بن حَوْشب، عن يسير بن عمرو، وكان قد رأى النبيّ ﷺ ، وقال العوّام بن حَوْشب: وُلِد في مهاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة، ومات سنة
стр. 11850
خمس وثمانين، وفيها أرَّخه ابن سعد، وقال أبو نعيم، عن عمرو بن قيس بن يُسَير، عن أبيه، عن جدّه: قُبِض النبيّ ﷺ ، وأنا ابن عشر سنين، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، وذكره العجليّ في "الثقات" من أصحاب عبد الله بن مسعود، وقال ابن حزم: أسير بن جابر ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٠٦٨) وأعاده بعده، و (١٣٧٥) و (٢٥٤٢) وأعاده بعده، و (٢٨٩٩).
٥ - (سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ) بن واهب الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ المشهور، شَهِد بدراً، واستَخلفه عليّ ﵁ على البصرة، ومات ﵁ في خلافته (ع) تقدم في "الجنائز" ٢٣/ ٢٢٢٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، ويُسير، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو) وفي الرواية التالية: "أُسير بن عمرو"، وهو بضم الياء المثناة، من تحتُ، وفتح السين المهملة، والثاني مثله إلا أنه بهمزة مضمومة، وكلاهما صحيح، يقال: يُسير وأُسير، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) بالتصغير (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الْخَوَارجَ؟) جمع خارجة؛ أي الطائفة التي خرجت عن جماعة المسلمين، أو خرجت عن الإسلام، كما بيّنه النبيّ ﷺ بقوله: "يخرجون من الإسلام" (فَقَالَ: سَمِعْتُهُ، وَأَشَارَ) ﷺ (بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ) وفي رواية البخاريّ: "سمعته يقول، وأهوى بيده قِبَل المشرق"؛ أي أشار ﷺ جهة المشرق إلى محلّ خروجهم، فإنهم خرجوا من العراق، في قرية
стр. 11851
تُسمّى حروراء ("قَوْمٌ) خبر لمحذوف؛ أي هم قوم (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَعْدُو) أي لا يتجاوز القرآن (تَرَاقِيَهُمْ) أي حلوقهم (يَمْرُقُونَ مِنَ الدَّينِ) قال ابن بطال ﵀: المروق الخروج عند أهل اللغة، يقال: مَرَقَ السهم من الْغَرَض: إذا أصابه، ثم نَفَذَ منه، فهو يَمْرُق منه مَرْقاً ومُرُوقاً، وانمرق منه، وأمرقه الرامي: إذا فعل ذلك به، ومنه قيل للمَمْرق: ممرقٌ؛ لأنه يُخْرَج منه، ومنه قيل: مَرَق البرق؛ لخروجه بسرعة. انتهى.
(كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ") أي الغزالة، أو نحوها المرميّ إليها، زاد أبو عوانة في "صحيحه" من طريق محمد بن فُضيل، عن الشَّيبانيّ، قال: قال أسير: قلت: ما لهم علامة؟ قال: سمعت من النبيّ ﷺ ، لا أزيدك عليه.
قال في "الفتح: وفي هذا أن سهل بن حُنيف صَرَّح بأن الحرورية هم المراد بالقوم المذكورين في أحاديث هذين البابين (١)، فَيُقَوِّي ما تقدّم أن أبا سعيد توقف في الاسم والنسبة، لا في كونهم المراد. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن حُنيف ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٢٤٧٠ و ٢٤٧١ و ٢٤٧٢) (١٠٦٨)، و (النسائيّ) في "فضائل القرآن" (١١٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٥)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11852
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "يَخْرُجُ مِنْهُ أَقْوَامٌ").
رجال الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م دت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
و (سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ) ذُكر قبله.
وقوله: (يَخْرُجُ مِنْهُ أَقْوَامٌ) أي من نحو المشرق.
[تنبيه]: رواية عبد الواحد، عن سليمان الشيبانيّ هذه ساقها الطبرانيّ ﵀ في "المعجم الكبير" (٦/ ٩١) فقال:
(٥٦٠٨) - حدّثنا زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِيُّ، ثنا محمد بن عبد الْمَلِكِ بن أبي الشَّوَارِبِ (ح) وَحَدَّثَنَا محمد بن حَيَّانَ الْمَازِنِيُّ، ثنا محمد بن عُبَيْدِ بن حِسَابٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أبو حُصَيْنن الْقَاضِي، ثنا يحيى الْحِمَّانِيُّ، قالوا: ثنا عبد الْوَاحِدِ بن زِيَادٍ، ثنا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، ثنا يَسِيرُ بن عَمْرٍو، قال: قلت لِسَهْلِ بن حُنَيْفٍ: هل سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول في الْخَوَارجِ شيئاً؟ قال: سَمِعْتُهُ يقول -وَأَهْوَى بيده نحو الْعِرَاقِ-: "يَخْرُجُ بَيْنَهُمْ قَوْمٌ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ جَمِيعاً، عَنْ يَزِيدَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَن الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَتِيهُ قَوْمٌ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، مُحَلَّقَةٌ رُءُوسُهُمْ").
стр. 11853
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ) بن إبراهيم (١) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ) بن يزيد بن الحارث الشَّيبانيّ الرَّبَعيّ، أبو عيسى الواسطيّ، أسلم جدّه على يد عليّ ﵁، فوهب له جاريةً، فوَلَدت له حوشباً، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦].
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، ومجاهد، وسعيد بن جُمْهان، وإبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسَكيّ، وسلمة بن كُهيل، وغيرهم.
وروى عنه ابنه سلمة، وابنا أخيه: عبد الله وشهاب، وشعبة، وسفيان بن حبيب، وهشيم، ويزيد بن هارون، ومحمد بن عُبيد الطنافسي، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ، وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: شيبانيّ من أنفسهم ثقةٌ، صاحب سنة، ثَبْتٌ صالح، رَوَى نحواً من مائتي حديث، وقال ابن سعد، عن يزيد بن هارون: كان صاحب أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان ثقة.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: ("يَتِيهُ قَوْمٌ) أي يذهبون عن الصواب، وعن طريق الحقّ، يقال: تاه: إذا ذهب، ولم يهتد لطريق الحقّ، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "يتيه قوم قبل المشرق" أي يتحيّرون، ويذهبون في غير وجهٍ صحيحٍ، يقال: تاه الرجل: إذا ذهب في الأرض غير مُهتدٍ، ومنه تيه بني إسرائيل، وقوله: "المشرق" يدلّ على صحّة تأويل من تأوّل
стр. 11854
قرن الشيطان بأنهم الخوارج، والفتن التي طَلَعت من هناك، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
وقوله: (مُحَلَّقَةً رُءُوسُهُمْ) مرفوع على أنه صفة لـ"قومٌ"، وَيحْتَمل أن يكون منصوباً على الحال، وهو بمعنى ما سبق: "سيماهم التحليق" وفي رواية: "التسبيد"، وهو بمعنى التحليق.
والتحليق سيما الخوارج، مخالف لعادة العرب في توفيرهم شُعورهم، وتفريقها.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "محلّقةً رؤوسهم"، وفي حديث آخر: "سيماهم التحليق"؛ أي جَعَلوا ذلك علامةً لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشِعاراً ليُعرَفوا به، كما يَفعل البعض من رُهبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم، وقد جاء في وصفهم مرفوعاً: "سيماهم التسبيد" (٢)؛ أي التحليق، يقال: سبّد رأسه: إذا حلقه، وهذا كلّه منهم جهلٌ بما يُزْهَد فيه، وما لا يُزهَد فيه، وابتداعٌ منهم في دين الله تعالى شيئاً كان النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدون، وأتباعهم على خلافه، فلم يُرْوَ عن واحد منهم أنهم اتّسمُوا بذلك، ولا حَلَقوا رؤوسهم في غير إحلال، ولا حاجة، وقد كان لرسول الله ﷺ شعرٌ، فتارةً فرقه، وتارةً صيَّره جُمّةً، وأخرى لِمّةً، وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "من كانت له شعرة، أو جُمّةٌ، فليُكرمها" (٣)، وقد كَرِه مالك الحلق في غير إحرام، ولا حاجة ضروريّة. انتهى (٤).
وقال في "العمدة": قوله: "التحليق": هو إزالة الشعر، وقوله: "التسبيد" بالمهملة والباء الموحدة، وهو استيصال الشعر.
[فإن قلت]: يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة، فكل محلوق الرأس منهم، لكنه خلاف الإجماع.
[قلت]: كان في عهد الصحابة ﵃ لا يحلقون رؤوسهم إلَّا في النسك،
стр. 11855
أو الحاجة، وأما هؤلاء فقد جعلوا الحلق شعارهم، ويَحْتَمِل أن يراد به حلق الرأس واللحية، وجميع شعورهم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
(٤٨) - (بَابُ تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَلَى آلِهِ) (٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﷺ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧٣] (١٠٦٩) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيادٍ، سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كِخْ كِخْ، ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ").
رجال هذا الإاسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنٌ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الْجِهْبِذ الواسطيّ، ثم البصريّ [٧] (ت ١٦٠) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
стр. 11856
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٠.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ ﵁، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤).
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ) أنه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) ﵄، وفي رواية معمر، عن محمد بن زياد، أنه سمع أبا هريرة، قال: "كنا عند رسول الله ﷺ ، وهو يقسم تمراً من تمر الصدقة، والحسن في حجره"، أخرجه أحمد.
و"الحسن" هو: ابن عليّ بن أبي طالب، سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، رَوَى عن جدّه رسول الله ﷺ ، وأبيه علي، وأخيه حسين، وخالة هند بن أبي هالة.
وروى عنه ابنه الحسن، وعائشة أم المؤمنين، وأبو الجوزاء ربيعة بن شيبان، وعبد الله وأبو جعفر ابنا علي بن الحسين، وجبير بن نُفير، وجماعة.
قال خليفة وغير واحد: وُلِد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وقال قتادة: وَلَدت فاطمة الحسن لأربع سنين وتسعة أشهر ونصف من الهجرة، وقال إسرائيل عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ: لَمّا وُلد الحسن جاء رسول الله ﷺ ، فقال: "أروني ابني، ما سميتموه؟ " قلت: سميته حرباً، قال: "بل هو حسن … " الحديث، وبه عن عليّ قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ من وجهه إلى سرته، وكان الحسين أشبه الناس به ما أسفل من ذلك، وقال ابن أبي مليكة: أخبرني عقبة بن الحارث، قال: خرجت مع أبي
стр. 11857
بكر من صلاة العصر، بعد وفاة النبيّ ﷺ بليال، وعلي يمشي إلى جنبه، فَمَرّ بحسن بن علي يلعب مع غلمان، فاحتمله على رقبته، وهو يقول: بأبي شبه النبيّ ﷺ ، ليس شبيهاً بعلي، قال: وعلي يضحك، وقال ابن الزبير: أشبه الناس برسول الله ﷺ الحسن بن عليّ، قد رأيته يأتي النبيّ ﷺ ، وهو ساجد، فيركب ظهره، فما ينزل حتى يكون هو الذي ينزل، ويأتي وهو راكع، فيفرج له بين رجليه، حتى يخرج من الجانب الآخر، وقال معمر عن الزهريّ، عن أنس، كان الحسن بن عليّ أشبههم وجهاً برسول الله ﷺ ، وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جحيفة: رأيت النبيّ ﷺ ، وكان الحسن بن عليّ يشبهه.
وقال معروف بن خَرَّبوذ، عن أبي جعفر: مات الحسن وهو ابن سبع أربعين سنةً، وقال: كذا قال خليفة بن خياط، وجماعة، زادوا: وكانت وفاته في سنة (٤٩) وقيل: مات سنة ٥٠ وقيل: سنة ٥١، وقيل: سنة ٥٦، وقيل: سنة ٥٨، وقيل: سنة ٥٩.
روى له البخاريّ، في التعاليق، والأربعة، وليس عند المصنّف إلا ذكر.
(تَمْرَةً) منصوب على أنه مفعول "أَخَذَ" (مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) زاد أبو مسلم الكجيّ، من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد: "فلم يَفْطَن له النبيّ ﷺ حتى قام، ولعابه يسيل، فضرب النبيّ ﷺ شِدْقه"، وفي رواية معمر: "فلما فرغ حمله على عاتقه، فسال لعابه، فرفع رأسه، فإذا تمرة في فيه".
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كِخْ كِخْ) بفتحٍ الكاف، وكسرها، وسكون المعجمة، مُثَقَّلاً، ومُخَفَّفاً، وبكسر الخاء منونةً، وغير منونة، فيخرج من ذلك ست لغات، والثانية توكيد للأولى، وهي كلمةٌ تقال لِرَدْع الصبيّ عند تناوله ما يُستقذَر، قيل: عربيةٌ، وقيل: أعجميةٌ، وزعم الداوديّ أنها مُعَرَّبة، وقد أوردها البخاريّ في "بابُ من تكلم بالفارسية"، والمعنى هنا: اتركه، وارمِ به، كما قال: (ارْمِ بِهَا) أي بالتمرة (أَمَا عَلِمْتَ) وفي رواية البخاريّ: "أما شَعَرت"، قال في "العمدة": هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم، ونحوه، وإن لم يكن المخاطَب عالِماً به؛ أي كيف خَفِيَ عليك مع ظهور تحريمه؟ وهذا أبلغ في الزجر عنه بقوله: لا تفعله.
стр. 11858
[فإن قلت]: رَوَى أحمد من رواية حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد: "فنظر إليه، فإذا هو يلوك تمرةً، فحرك خَدَّه، وقال: ألقها يا بُنَيّ، ألقها يا بُنَيّ"، فما التوفيق بينه وبين قوله: "كخ كخ"؟.
[قلت]: هو أنه كلّمه أوّلاً بهذا، فلما تمادى قال: "كخ كخ" إشارةً إلى استقذار ذلك، ويَحْتَمِل العكس بأن يكون كلَّمه أوّلاً بذلك، فلما تمادى نَزَعها من فيه (١).
قال: والحكمة في تحريمها عليهم، أنها مُطَهِّرة للْمُلّاك، ولأموالهم، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فهي كغسالة الأوساخ، وأن آل محمد ﷺ منزهون عن أوساخ الناس، وغسالاتهم، وثبت عن النبيّ ﷺ : "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس"، رواه مسلم.
وإما أن أخذها مَذَلَّة، ويد الآخذ هي اليد السفلى، ولا يليق بهم الذلّ والافتقار إلى غير الله تعالى، ولهم اليد العليا.
وإما لأنها لو أخذوها، لطال لسان الأعداء بأن محمداً يدعونا إلى ما يدعونا إليه؛ ليأخذ أموالنا، ويعطيها لأهل بيته، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الآية [الأنعام: ٩]، و [الشورى: ٢٣]، ولهذا أمر أن تُصْرَف إلى فقرائهم في بلدهم. انتهى (٢).
(أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ") بفتح همزة "أنّا" لسدّها مسدّ معمولي "عَلِمتَ"، وفي الرواية التالية: "إنا لا تحل لنا الصدقة"، وفي رواية معمر: "إن الصدقة لا تحل لآل محمد"، وكذا عند أحمد، والطحاويّ، من حديث الحسن بن عليّ نفسه، قال: "كنت مع النبيّ ﷺ ، فَمَرَّ على جَرِين من تمر الصدقة، فأخذتُ منه تمرةً، فألقيتها في فيّ، فأخذها بلعابها، فقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة"، وإسناده قويّ، وللطبرانيّ، والطحاويّ من حديث أبي ليلى الأنصاريّ نحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11859
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٢٤٧٣ و ٢٤٧٤ و ٢٤٧٥، (١٠٦٩)، و (البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٨٥ و ١٤٩٢) و"الجهاد" (٣٠٧٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٩٤٠)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٨٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٩ و ٤٠٦ و ٤٠٩ و ٤١٠ و ٤٤٤ و ٤٧٦)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ١٩٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٩٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٤٣)، و (ابن رأهويه) في "مسنده" (١/ ١٢٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٩)، و (البغويّ) في (شرح السنّة" (١٦٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الصدقة على النبيّ ﷺ ، وعلى آله.
٢ - (ومنها): دفع الصدقات إلى الإمام، والانتفاع بالمسجد في الأمور العامّة.
٣ - (ومنها): جواز إدخال الأطفال المساجد، وتأديبهم بما ينفعهم، ومنعهم مما يضرّهم، ومن تناول المحرمات، وإن كانوا غير مكلفين؛ ليتدربوا بذلك.
٤ - (ومنها): أن بعضهم استنبط منه منع وليّ الصغيرة إذا اعتَدَّت من الزينة.
٥ - (ومنها): أن فيه الإعلامَ بسبب النهي، ومخاطبة من لا يُمَيِّز لقصد إسماع من يميز؛ لأن الحسن إذ ذاك كان طفلاً، وأما قوله: "أما عَلِمتَ؟ "، وفي رواية البخاريّ في "الزكاة": "أما شَعَرتَ؟ "، وفي رواية له في "الجهاد": "أما تعرف"، فهو شيء يقال عند الأمر الواضح، وإن لم يكن المخاطب بذلك عالِماً؛ أي كيف خفي عليك هذا مع ظهوره؟ وهو أبلغ في الزجر من قوله: "لا
стр. 11860
تفعل"، أفاده في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بآل النبيّ ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة:
قال النوويّ ﵀: مذهب الشافعيّ وموافقيه أن آله ﷺ هم بنو هاشم، وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية.
وقال أبو حنيفة، ومالك: هم بنو هاشم خاصّة، قال القاضي عياض: وقال بعض العلماء: هم قريش كلُّها، وقال أصبغ المالكيّ: هم بنو قُصَيّ.
دليل الشافعيّ أن رسول الله ﷺ قال: "إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد"، وقسم بينهم سهم ذوى القربى. انتهى (٢).
قال: وأما صدقة التطوع: فللشافعيّ فيها ثلاثة أقوال: أصحها أنها تحرم على رسول الله ﷺ ، وتحل لآله.
والثاني: تحرم عليه وعليهم.
والثالث: تحلّ له ولهم.
وأما موالي بني هاشم، وبني المطلب، فهل تحرم عليهم الزكاة؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما تحرم؛ للحديث الذي ذكره مسلم بعدَ هذا، حديثِ أبي رافع، والثاني: تحلّ، وبالتحريم قال أبو حنيفة، وسائر الكوفيين، وبعض المالكية، وبالإباحة قال مالك، وادَّعَى ابن بطال المالكيّ أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم، وأما موالي غيرهم فتباح لهم بالإجماع، وليس كما قال، بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على موالي بني هاشم وبني المطلب، ولا فرق بينهما، والله أعلم. انتهى (٣).
وقال في "الفتح": المراد بالآل هنا بنو هاشم وبنو المطلب على الأرجح من أقوال العلماء، قال الشافعيّ: أشركهم النبيّ ﷺ في سهم ذوي القربى، ولم
стр. 11861
يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عِوَض عُوِّضُوه بدلاً عما حُرِموه من الصدقة، وعن أبي حنيفة، ومالك: بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني المطلب روايتان، وعن المالكية فيما بين هاشم، وغالب بن فهر قولان، فعن أصبغ منهم هم بنو قُصَيّ، وعن غيره بنو غالب بن فهر.
وقال الأمير الصنعانيّ ﵀: الأقرب في المراد بالآل ما فسّرهم زيد بن أرقم عند مسلم في "المناقب" في قصّة طويلة بأنهم آل عليّ، وآل العبّاس، وآل جعفر، وآل عَقِيل، قال: ويُزاد آل الحارث بن عبد المطّلب؛ لحديث عبد المطّلب بن ربيعة الذي يأتي بعد هذا، فهذا تفسير الراوي، وهو مقدّم على تفسير غيره، فالرجوع إليه في تفسير آل محمد ﷺ هنا هو الظاهر؛ لأن لفظ الآل مشترك، وتفسير راويه دليل على المراد منه، وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطّلب بن عبد مناف، كما يدخلون معهم في قسمة الخمس، كما يفيده حديث جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفّان إلى النبيّ ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطّلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : "إنما بنو المطّلب وبنو هاشم شيء واحد"، أخرجه البخاريّ، قال الأمير: هذا الحديث دليلٌ على أن بني المطّلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي القربى، وتحريم الزكاة أيضاً دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواءً، وعلّله ﷺ باستمرارهم على الموالاة، "فإنهم لم يفارقونا في جاهليّة، ولا إسلام"، فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام، وهو دليلٌ واضح، وإليه ذهب الشافعيّ ﵀.
وخالفه مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية، فقالوا: إنه ﷺ أعطى بني المطّلب على جهة التفضيل، لا الاستحقاف، وهو خلاف الظاهر، بل قوله: "شيء واحد" دليل على أنهم يشاركونهم في استحقاق الخمس، وتحريم الزكاة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من سوق الأقوال وأدلتها أن ما ذهب إليه الشافعيّ ﵀ من أن المراد بالآل الذين تحرم عليهم الزكاة هم بنو هاشم، وبنو المطّلب هو الراجح؛ لقوة حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11862
(المسألة الخامسة): ظاهر قوله ﷺ : "لا تحلّ لنا الصدقة" يعمّ صدقة الفرض والتطوّع، وهو الحقّ.
قال في "الفتح": كان يحرم على النبيّ ﷺ صدقة الفرض والتطوع، كما نَقَل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن حَكَى غير واحد عن الشافعيّ في التطوع قولاً، وكذا في رواية عن أحمد، ولفظه في رواية الميمونيّ: لا يحل للنبيّ ﷺ ، وأهل بيته صدقة الفطر، وزكاة الأموال، والصدقة يصرفها الرجل على محتاج، يريد بها وجه الله، فأما غير ذلك فلا، أليس يقال: كلُّ معروف صدقة؟، قال ابن قدامة: ليس ما نُقِل عنه من ذلك بواضح الدلالة، وإنما أراد أن ما ليس من صدقة الأموال، كالقرض، والهدية، وفعل المعروف، كان غير محرَّم.
وقال الماورديّ: يحرم عليه كل ما كان من الأموال متقوَّماً، وقال غيره: لا تحرم عليه الصدقة العامّة، كمياه الآبار، وكالمساجد.
واختُلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه ﷺ دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو كلّهم سواء في ذلك؟ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أنهم في ذلك مثله ﷺ ؛ لأنه ﷺ علّل تحريمها بكونها أوساخ الناس، وظاهر هذا يقتضي دخولهم في التحريم، فتأمله.
وقال الإمام ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٦٠ - ٦١): (٧٥) "باب ذكر الدليل على أن الصدقة المحرمة على النبيّ ﷺ هي الصدقة المفروضة التي أوجبها الله في أموال الأغنياء لأهل سهمان الصدقة، دون صدقة التطوع، والدليل على أن النبيّ ﷺ إنما قال: "إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة" أي الصدقة التي هاج هذا الجوابَ، ومن أجلها قال النبيّ ﷺ هذه المقالة.
(٢٣٥٠) - قال أبو بكر في خبر أبي رافع: بعث النبيّ ﷺ رجلاً من مخزوم على الصدقة، قال: اصحبني، قال النبيّ ﷺ : إنما بعثت المخزوميّ
стр. 11863
على أخذ الصدقة الفريضة، فقول النبيّ ﷺ لأبي رافع: "إنا لا تحل لنا الصدقة" كان جواباً على الصدقة التي كان الجواب من أجلها.
(٢٣٥١) - وفي خبر الحسن بن عليّ: أخذت تمرة من تمر الصدقة، إنما كان ذلك التمر من العشر، أو من نصف العشر الصدقة التي يجب في التمر.
(٢٣٥٢) - وفي خبر عبد المطلب بن ربيعة، ومصيره مع الفضل بن عباس إلى النبيّ ﷺ ، ومسألتهما إياه استعمالهما على الصدقة، وإعلام النبيّ ﷺ إياهما أن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، ولا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، وإنما كانت مسألتهما استعمالهما على الصدقات المفروضات، فقوله ﷺ في إجابته إياهما: "إن هذه الصدقة - أي التي سألتهماني أستعملكما عليها -إنما هي أوساخ الناس، ولا تحل لمحمد، ولا لآل محمد".
(٧٦) " باب ذكر الدلائل الأخرى على أن النبيّ ﷺ إنما أراد بقوله: "إن الصدقة لا تحل لآل محمد" صدقة الفريضة دون صدقة التطوع".
(٢٣٥٣) - قال أبو بكر: في خبر عروة، عن عائشة، أن النبيّ ﷺ قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال"، فالنبيّ ﷺ قد خبّر أن لآله أن يأكلوا من صدقته؛ إذ كانت صدقته ليست من الصدقة المفروضة.
وفي خبر حُذيفة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن يزيد الخطميّ ﵃ عن النبيّ ﷺ : "كل معروف صدقة"، فلو كان المصطفى ﷺ أراد بقوله: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" تطوعاً وفريضةً، لم تحل أن تصطنع إلى أحد من آل محمد النبيّ ﷺ معروفاً؛ إذ المعروف كله صدقة بحكم النبيّ ﷺ ، ولو كان كما توهّم بعض الجهال، لَمَا حَلّ لأحد أن يُفرخ من إنائه في إناء أحد، من آل النبيّ ﷺ ماء؛ إذ النبيّ ﷺ قد أعلم أن إفراغ المرء من دلوه في إناء المستسقي صدقةٌ، ولَمَا حَلّ لأحد من آل النبيّ ﷺ أن ينفق على أحد من عياله إذا كانوا من آله؛ لأن النبيّ ﷺ قد خبّر أن نفقة المرء على عياله صدقة.
(٢٣٥٤) - حدّثنا الحسين بن الحسن، أخبرنا المقفيّ عبد الوهاب، حدّثنا أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، قال: حدّثني ثلاثة من بني سعد بن أبي وقاص، كلهم يحدّثه عن أبيه، أن رسول الله ﷺ -
стр. 11864
دخل على سعد، يعوده بمكة، قال: فبكى سعد، فقال النبيّ ﷺ : "ما يبكيك؟ " قال: خشيت أن أموت بأرضي التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خَوْلة، فقال النبيّ ﷺ : "اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً"، فقال: يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً، وإنما ترثني بنت، أفأوصي بمالي كلِّه؟ قال: "لا" قال: فالثلثين؟ قال: "لا"، قال: فالنصف؟ قال: "لا"، قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك لك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من طعامك لك صدقة، وإنك إن تَدَع أهلك بخير، أو قال بعيش، خيرٌ لك من أن تَدَعهم عالةً، يتكففون"، وقال بيده. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الإمام ابن خزيمة ﵀ بما ساقه من الأدلّة، وأفاد، وحاصله أن الصدقة المحرّمة على آل النبيّ ﷺ وعلى آله هي صدقة الفريضة، دون التطوّع؛ للأدلة المذكورة، فتبصّر، با لإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): هل يَلتحق بالنبيّ ﷺ آله في تحريم الصدقة مطلقاً أم لا؟:
قال ابن قُدامة ﵀: لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم أنه لا تحل لهم الصدقة المفروضة، كذا قال، وقد نقل الطبريّ الجواز أيضاً عن أبي حنيفة، وقيل عنه: يجوز لهم إذا حُرِمُوا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاويّ، ونقله بعض المالكية عن الأبهريّ منهم، وهو وجه لبعض الشافعية، وعن أبي يوسف: يَحل من بعضهم لبعض، لا من غيرهم، وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه، وأدلة المنع ظاهرةٌ من حديث الباب، ومن غيره، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الآية [الفرقان: ٥٧]، ولو أحلّها لآله لأوشك أن يَطعنوا فيه، ولقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣].
وثبت عن النبيّ ﷺ : "إنما هذه الصدقة أوساخ الناس"، كما رواه مسلم، ويؤخذ من هذا جواز التطوع دون الفرض، وهو قول أكثر الحنفية، والمصحح عند الشافعية، والحنابلة. وأما عكسه، فقالوا: إن الواجب حقّ لازمٌ، لا يَلحق بأخذه ذِلَّةٌ، بخلاف التطوع.
стр. 11865
ووجه التفرقة بين بني هاشم وغيرهم، أن موجب المنع رفع يد الأدنى على الأعلى، فأما الأعلى على مثله فلا.
قال الحافظ ﵀: ولم أر لمن أجاز مطلقاً دليلاً، إلا ما تقدم عن أبي حنيفة ﵀. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في المسألة السابقة ترجيح القول بأن صدقة التطوّع لا تحرم على النبيّ ﷺ ، ولا على آله، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧٤] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميمي النيسابوري، ثقة ثبت إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجًرّاح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
وشُعْبَةُ" ذُكر قبله.
وقوله: (وَقَالَ: "إِنَّا لَا تَحِلُّ … إلخ) فاعل "قال" ضمير وكيع.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٢/ ٤٧٦) فقال:
(١٠١٧٦) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا وَكِيعٌ، ثنا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بن زِيَادٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، أن النبيّ ﷺ رَأَى الْحَسَنَ بن عليّ، أَخَذَ تَمْرَةً
стр. 11866
من تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَلَاكَهَا في فيه، فقال له النبيّ ﷺ : "كِخْ كِخْ - ثَلَاثاً- إنا لَا تَحِلُّ لنا الصَّدَقَةُ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ: "أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيًّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: أما رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، فقد ساقها الإمام البخاريّ ﵀، في "صحيحه" (٣/ ١١١٨) فقال:
(٢٩٠٧) - حدّثنا محمد بن بَشَّارٍ، حدّثنا غُنْدَرٌ، حدّثنا شُعْبَةُ، عن مُحَمَّدِ بن زَيادٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ الْحَسَنَ بن عَلِيٍّ، أَخَذَ تَمْرَةً من تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فيه فقال النبيّ ﷺ بِالْفَارِسِيَّةِ: "كِخْ كِخْ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ". انتهى.
وأما رواية ابن أبي عديّ، عن شعبة، فلم أر من ساقها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 11867
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٧٦] (١٠٧٠) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولٍ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تُكُونَ صَدَقَةً، فَأُلُقِيهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السَّعْديّ مولاهم، أبو جعفر المصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م دق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصري، ثقة ثبت حافظ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو) بن الحارث المصريّ، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٤ - (أَبُو يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وأبي يونس، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي لَأَنْقَلِبُ) أي أرجع (إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ) حال كونها (سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا) هذا ظاهر في جواز أكل ما يوجد من المحقّرات مُلْقًى في الطرقات؛ لأنه ﷺ ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعاً؛ لخشية أن تكون من الصدقة
стр. 11868
التي حُرِّمت عليه، لا لكونها مَرْميّة في الطريق فقط (١).
(ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً) أي من جملة تمر الصدقة التي تولّى قسمتها، فسقطت تلك منها (فَأُلْقِيهَا") قال في "العمدة": بضم الهمزة، من الإلقاء، وهو الرمي، وقال الكرمانيّ: "فألقيها" بالرفع، لا غير؛ يعني أنه لا يجوز نصب الياء فيه؛ لأنه معطوف على قوله: "فأرفعها"، فإذا نُصِب ربما يُظَنّ أنه عطف على قوله: "أن تكون"، فيَفْسُدُ المعنى. انتهى (٢).
وقال المهلّب ﵀: إنما ترك النبيّ ﷺ أكل التمرة تنزهاً عنها؛ لجواز أن تكون من تمر الصدقة، وليس على غيره بواجب أن يتبع الجوازات؛ لأن الأشياء مباحة، حتى يقوم الدليل على الحظر، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره، ولا يُدْرَى أحلال هو أم حرام؟ واحتمل المعنيين، ولا دليل على أحدهما، ولا يجوز أن يُحكم على من أخذ مثل ذلك أنه أخذ حراماً؛ لاحتمال أن يكون حلالاً، غير أنا نَستحب من باب الورع أن نقتدي برسول الله ﷺ فيما فَعَل في التمرة، وقد قال ﷺ للنوّاس بن سمعان ﵁: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع فيه الناس"، رواه مسلم (٣).
وقال ابن عمر ﵁: لا يبلغ أحد حقيقة التقوى حتى يَدَعَ ما حاك في الصدور (٤).
وقال في "الفتح": قال المهلَّب ﵀: لعله ﷺ كان يَقْسِم الصدقة، ثم
стр. 11869
يرجع إلى أهله، فيعلق بثوبه من تمر الصدقة شيء، فيقع في فراشه، وإلا فما الفرق بين هذا، وبين أكله من اللحم الذي تُصُدِّق به على بريرة؟.
وتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: لم ينحصر وجود شيء من تمر الصدقة في غير بيته، حتى يُحتاج إلى هذا التأويل، بل يَحْتَمِل أن يكون ذلك التمر حُمِل إلى بعض من يَستحق الصدقة، ممن هو في بيته، وتأخر تسليم ذلك له، أو حُمِل إلى بيته، فقسمه، فبقيت منه بقيّةٌ.
وقد رَوَى أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: تَضَوَّر النبيّ ﷺ ذات ليلة، فقيل له: ما أسهرك؟ قال: "إني وجدت تمرةً ساقطةً فأكلتها، ثم ذكرت تمراً كان عندنا من تمر الصدقة، فما أدري أمن ذلك كانت التمرة، أو من تمر أهلي؟ فذلك أسهرني".
قال: وهو محمول على التعدد، وأنه لَمّا اتفق له أكل التمرة كما في هذا الحديث، وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وَجَد مثلها مما يدخل التردد تركه؛ احتياطاً.
وَيحْتَمِل أن يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع، وفي حال تركه كان في خاصة نفسه.
وقال المهلّب ﵀: إنما تركها تورعاً، وليس بواجب؛ لأن الأصل أن كل شيء في بيت الإنسان على الإباحة، حتى يقوم دليل على التحريم، وفيه تحريم قليل الصدقة على النبيّ ﷺ ، ويؤخذ منه تحريم كثيرةا من باب أولَى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٢٤٧٦ و ٢٤٧٧، (١٠٧٠)، و (البخاريّ) في
стр. 11870
"البيوع" معلّقاً (٢٠٥٥) و"اللقطة" (٢٤٣١ و ٢٤٣٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦٩٤٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٧ و ٣/ ١٦٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٣٦) و"الحلية" (٨/ ١٨٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٣٤ و ٧/ ٢٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٠٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم الصدقة على النبيّ ﷺ ، كثيرةا وقليلها، قال النوويّ ﵀: ظاهره يعمّ الفرض والنفل. انتهى.
قمال الجامع عفا الثه عنه: قد تقدّم بيان الخلاف، هل يعمّ التطوّع أم لا، وقد رجّحت القول بعدمه؛ لقوّة حجته، فتنبّه.
٢ - (ومنها): بيان أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة، ويُتشاحّ في مثله، وأما التمرة، واللبابة من الخبز، أو التِّينة، أو الزبيبة، وما أشبهها فقد أجمعوا على أخذها، ورفعها من الأرض، وإكرامها بالأكل، دون تعريفها؛ استدلالاً بقوله ﷺ : "لآكلها"، وأنها مخالفة لحكم اللقطة.
٣ - (ومنها): أنه لا يجب على آخذها التصدق بها؛ لأنه لو كان سبيلها التصدق لم يقل النبيّ ﷺ : "لآكلها"، وفي "المدونة": يتصدق بالطعام تافهاً كان، أو غير تافه، أعجب إليّ؛ إذا خشي عليه الفساد بوطء، أو شبهة، وعن مطرِّف إذا أكله غَرِمُه، وإن كان تافهاً، وكلّه من الأقوال الساقطة؛ لأن هذا الحديث يُبطله، فقوله ﷺ : "لآكلها"، أو "لأكلتها" صريح في ردّ هذه الأقوال ونحوها، فتبصّر بالإنصاف.
٤ - (ومنها): ما قاله في "الطرح": إن قوله ﷺ في الحديث التالي: "على فراشي" ظاهر في أنه ترك أخذها تورعاً؛ لخشية أن تكون صدقة، فلو لم يخش ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفاً، فدَلّ على أن مثل ذلك يُمْلك بالأخذ، ولا يَحتاج إلى تعريف، لكن هل يقال: إنها لقطة رُخِّص في ترك تعريفها، أو ليست لقطةً؛ لأن اللقطة ما مِن شأنه أن يُتَمَلَّك دون ما لا قيمة له؟.