قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز شهادة الأعمى هو الراجح، كما أسلفته قريبًا، فتنبّه.
١٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز تقليد الأعمى للبصير في معرفة الوقت، أو جواز اجتهاده في ذلك، فإن ابن أم مكتوم كان أعمى، ولم يكن يعرف طلوع الفجر إلا بأحد هذين الأمرين، ومما يرجح أنه كان يُقَلِّدُ قوله في بعض طرقه من حديث سهل بن سعد ﵁: "وكان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ"، قال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": ولو لم يرد ذلك لم يكن في اللفظ جواز رجوعه لاجتهاد بعينه؛ لأن الدال على أحد الأمرين مبهم، لا يدل على واحد منهما بعينه. انتهى.
١٥ - (ومنها): جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة؛ إذا كان بقصد التعريف ونحوه.
١٦ - (ومنها): جوأز نسبة الرجل إلى أمه؛ إذأ اشتهر بذلك، واحتيج إليه، وفي الصحابة ﵁ جماعة عُرِفُوا بذلك، منهم ابن بُحينة، ويعلى ابن منية، والحارث ابن الْبَرْصَاء، وغيرهم، وحُكِي أن يحيى بن معين كان يقول: حدثنا إسماعيل ابن عُلَيّة، فنهاه أحمد بن حنبل، وقال: قل: إسماعيل بن إبراهيم، فإنه بلغني أنه كان يكره أن يُنْسَب إلى أمه، فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير، ولهذا استثنى ابن الصلاح في "علوم الحديث" من الجواز ما يكرهه الملَقَّب، وهو حسن، لكن قال الحافظ العراقيّ ﵀: الظاهر أن ما قاله أحمد على طريق الأدب، لا اللزوم. انتهى (١).
١٧ - (ومنها): أن فيه استحبابَ أن يكون الأذان على موضع عالٍ؛ لقوله: "ينزل هذا، ويرقى هذا"، والحكمة فيه أنه أبلغ في الإعلام، وهو متفق عليه، قال وليّ الدين: وهل تُلحق به الإقامة في ذلك؟، قال المحامليّ، والبغويّ من أصحابنا: لا، قال النوويّ: وهذا الذي قالاه محمول على ما إذا لم يكن مسجد كبير تدعو الحاجة فيه إلى العلو للإعلام. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 12077
(المسالة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يَحْرُم فيه الأكل والشرب في الصوم:
قال النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب" ما حاصله: مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر، فيحرم الطعام، والشراب، والجماع به.
قال ابن المنذر ﵀: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلماء الأمصار، قال: وبه نقول، قال: ورَوَينا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: ورُوي عن حُذيفة ﵁ أنه لما طلع الفجر تسخر، ثم صلى، قال: وروي معناه عن ابن مسعود، وقال مسروق: لم يكونوا يَعُدّون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدّون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق، قال: وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن على الآخرين، قال إسحاق: ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء، هذا كلام ابن المنذر. انتهى كلام النوويّ (١).
وقال في "الفتح": وذهب جماعة من الصحابة -وقال به الأعمش من التابعين، وصاحبه أبو بكر بن عيّاش- إلى جواز السحور إلى أن يتّضح الفجر، فروى سعيد بن منصور (٢)، عن أبي الأحوص، عن عاصم، عن زرّ، عن حذيفة، قال: "تسحّرنا مع رسول الله ﷺ هو والله النهار، غير أن الشمس لم تطلع". وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر، عن عاصم نحوه. وروى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة. وروى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر.
وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن عليّ أنه صلى الصبح، ثم قال:
стр. 12078
الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيّن بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدّم عن أبي بكر وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عُبيد الأشجعيّ -وله صحبة- أن أبا بكر قال له: اخرج، فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت، ثم أتيته، فقلت: قد ابيضّ، وسطع، ثم قال: اخرج، فانظر هل طلع؛ فنظرت، فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي. وروى من طريق وكيع، عن الأعمش أنه قال: لولا الشهوة (١) لصليت الغداة، ثم تسحّرت. قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل، والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبيّن بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء، ولا كفّارة.
قال الحافظ: وفي هذا تعقّب على الموفّق وغيره، حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش. والله أعلم. انتهى (٢).
واحتجّ الجمهور بالأحاديث الصحيحة المشهورة المتظاهرة:
(منها): حديث عديّ بن حاتم ﵁، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قلت: يا رسول الله إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالأ أبيض، وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله ﷺ "إن وسادك لَعَريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار"، متفق عليه.
(ومنها): حديث سهل بن سعد ﵁، قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه يعني به الليل من النهار، متفق عليه.
стр. 12079
(ومنها): حديث سمرة بن جندب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرّنّكم أذان بلال، ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير"، رواه مسلم.
(ومنها): حديث ابن مسعود ﵁ عن النبيّ كتَ قال: "لا يمنعنّ أحدكم - أوأحدًا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذّن -أو ينادي- بليل ليرجع قائمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوقُ، وطأطا إلى أسفل حتى يقول هكذا، وقال بسبابته إحداهما فوق الأخرى، ثم مدّهما عن يمينه وشماله"، رواه البخاريّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر هو الأرجح، لظهور أدلّته.
لكن المراد بطلوعه تحققه وتبيّنه، فلو شك في طلوعه جاز له الأكل وغيره حتى يتيقّن طلوعه، لظاهر الآية المذكورة.
قال النوويّ ﵀: ولو شكّ في طلوع الفجر جاز له الأكل، والشرب، والجماع، وغيرها بلا خلاف حتى يتحقق الفجر؛ للآية الكريمة: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، ولمَا صحّ عن ابن عباس بأنه قال: "كُلْ ما شككت حتى يتبيّن لك"، رواه البيهقيّ بإسناد صحيح، وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت، قال: "أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر، فقال أحدهما: أصبحت، وقال الآخر: لا، قال: اختلفتما أرني شرابي"، قال البيهقيّ: وروي هذا عن أبي بكر الصدّيق، وعمر، وابن عمر ﵁، وقول ابن عباس: "أرني شرابي " جارٍ على القاعدة أنه يحلّ الشرب، والأكل حتى يتبيّن الفجر، ولو كان قد تبيّن لَمَا اختلف الرجلان فيه؛ لأن خبريهما تعارضا، والأصل بقاء الليل، ولأن قولى: "أصبحت " ليس صريحاً في طلوع الفجر، فقد تطلق هذه اللفظة لمقاربة الفجر، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (١)، وهو بحث نفيش جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الأذان للصبح قبل دخول وقتها:
стр. 12080
ذهب إلى جوازه مالك، والشافعيّ، وأحمد، والأوزاعيّ، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، ودا ود، والجمهور، ورجع إليه أبو يوسف بعد أن كان يقول بالمنع، ورَوَى الشافعيّ في كتابه القديم، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: عَجِّلوا الأذان بالصبح يدلج المدلج، وتخرج العاهرة، وعن عروة بن الزبير أنه قال: إن بعد النداء بالصبح لحزبًا حسنًا، إن الرجل ليقرأ سورة البقرة، وعن حبان بن الحارث قال: أتيت عليًا بدير أبي موسى، وهو يتسحر، فقال: ادْنُ، فاطعم، فقلت: إني أريد الصوم، قال: وأنا أريد الصوم، فطعم، فلما فرغ أمر ابن النباح، فأقام الصلاة، قال الشافعيّ: وهو لا يأمر بالإقامة إلا بعد النداء، وحين طلع الفجر أمر بالإقامة، ففي هذا دلالة على أن الأذان كان قبل الفجر.
وذهب آخرون إلى منع الأذان لها قبل دخول وقتها، كسائر الصلوات، وهو قول سفيان الثوريّ، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والحسن بن صالح بن حيّ، قالوا: فان أُذِّن لها قبل الفجر أعاد الأذان بعده.
وَرَوى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عائشة ﵁ قالت: ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر، وعن إبراهيم النخعي قال: شَيَّعنا علقمة إلى مكة، فخرجنا بليل، فسمع مؤذناً يؤذن، فقال: أما هذا فقد خالف سنة أصحاب محمد ﷺ أَبُو كان نائمًا لكان خيرًا له، فإذا طلع الفجر أذَّن، وعن إبراهيم النخعيّ أنه كَرِه أن يؤذن قبل الفجر، وعن عبيد الله بن عمر: قلت لنافع: إنهم كانوا ينادون قبل الفجر؟ قال: ما كان النداء إلا مع الفجر.
وحَكَى ابن حزم عن الحسن البصريّ أنه قيل له: الرجل يؤذن قبل الفجر يوقظ الناس، فغضب، وقال: عُلُوج أفراع، أَبُوأدركهم عمر بن الخطاب لأوجع جنوبهم، مَنْ أَذَّن قبل الفجر، فإنما صلى أهل ذلك المسجد بإقامة لا أذان فيها، وعن إبراهيم النخعيّ أنه قال: كانوا إذا أذَّن المؤذن بليل، قالوا له: اتق الله، وأعد أذانك.
وحَكَى ابن المنذر وغيره في المسألة مذهبًا ثالثًا عن طائفة من أهل الحديث أنه إن كان للمسجد مؤذنان، يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد الفجر، فلا بأس أن يؤذن للصبح؛ إذا كان هكذا، وبه قال ابن حزم
стр. 12081
الظاهريّ، فقال: يجوز أن يؤذن قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار ما يتم المؤذن أذانه، وينزل من المنارة، أو العلو، ويصعد مؤذن آخر، ويطلع الفجر قبل ابتداء الثاني في الأذان.
واحتج المانعون بحديث ابن عمر: "إن بلالًا أَذَّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبيّ ﷺ أن يرجع، فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام"، رواه أبو داود في "سننه"، وصحح وقفه على عمر في أذان مؤذن له، يقال له: مسعود.
وأجاب الجمهور عنه بأجوبة:
[أحدها]: ضعفه كما تقدم عن أبي داود، وضعّفه أيضًا الشافعيّ، وعليّ ابن المدينيّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ، والترمذيّ، وأبو حاتم، وأبو بكر الأثرم، وا لدا رقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم.
[ثانيها]: أنه عارضه على تقدير صحته ما هو أصح منه، وهو قوله ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل … " الحديث، قال البيهقيّ: والأحاديث الصحاح التي تقدم ذكرها، مع فعل أهل الحرمين أولى بالقبول منه، ثم رَوَى بإسناده عن شعيب بن حرب، قال: قلت لمالك بن أنس: أليس قد أمر النبيّ ﷺ بلالًا أن يعيد الأذان؛ فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل"، قلت: أليس قد أمره أن يعيد الأذان؟ قال: لا، لم يزل الأذان عندنا بليل.
[ثالثها]: قال الخطابيّ: يشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة، فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله ﷺ يؤذن بليل، ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر.
وأجاب المانعون عن حديث الباب بان هذا الأذان لم يكن لأجل الصلاة، وإنما كان لإيقاظ النائمين للسحور وغيره، أجاب بمعناه الطحاويّ، وابن حزم.
وَيرُدُّه حديث زياد بن الحارث الصدائيّ ﵁ قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني؛ يعني النبيّ ﷺ ، فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله، فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا حتى إذا طلع
стр. 12082
الفجر … الحديث، رواه أبو داود وغيره، وهو صريح في الأذان للصبح قبل الوقت من غير إعادته بعد دخول الوقت.
قال ابن عبد البرّ: وفي إجماع المسلمين على أن النافلة بالليل والنهار لا أذان لها ما يدل على أن أذان بلال بالليل إنما كان لصلاة الصبح، وجوّز الطحاويّ أن يكون بلال كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه، ولا يتحقق ذلك؛ لضعف بصره، ثم استَدَلّ بما رواه عن أنس مرفوعًا: "لا يغرنكم أذان بلال، فإن في بصره شيئًا"، قال الطحاويّ: فدل على أن بلالًا كان يريد الفجر، فيخطئه؛ لضعف بصره.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: وهذا ضعيف؛ لأن قوله ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل" يقتضي أن هذه كانت طريقته، وعادته دائمًا، ولو كان لا يقع ذلك منه إلا لخطأ لم يقع إلا نادرًا، فإنه لولا أن الغالب إصابته لما رُتِّب مؤذنًا، واعتُمِد عليه في الأوقات، وفي "الصحيحين" من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبيّ ﷺ : "لا يمنعن أحدكم، أوأحدًا مثكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن، أو ينادي بليل؛ ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم … " الحديث، وهذا صريح في أنه كان يؤذن قبل الفجر يقصد ذلك، ويتعمده، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال العلماء، وأدلّتهم في هذه المسألة أن ما قاله الأولون، وهو مشروعيّة الأذان للصبح قبل دخول وقتها، هو الراجح وقد تبيّن بحديث ابن مسعود ﵁ المذكور أن فائدته؛ رجوع القائم إلى الاستراحة، واستيقاظ النائم للتأهّب لصلاة الصبح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في أول الوقت الذي يؤذَّن للصبح فيه:
قال وليّ الدين ﵀: وفي ذلك لأصحابنا أوجه:
[أحدها]: يقدّم في الشتاء لسبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سبع
стр. 12083
تقريبًا، لا تحديدًا، وصححه الرافعيّ من أصحابنا، وذكر النووي أن من رجحه اعتمد حديثًا باطلًا محرَّفًا، قال وليّ الدين: وكأنه أشار بذلك إلى ما رواه الشافعيّ في كتابه القديم، عن سعد القرظ قال: أَذّنّا في زمن النبيّ ﷺ بقباء، وفي زمن عمر بالمدينة، فكان أذاننا للصبح لوقت واحد في الشتاء، لسبع ونصف يبقى، وفي الصيف لسبع يبقى منه.
[والثاني]: يقدّم لسبع يبقى من الليل، من غير تفريق في ذلك بين الشتاء والصيف، ذكره البغويّ في "التهذيب".
[والثالث]: يدخل بذهاب وقت الاختيار للعشاء، وهو ثلث الليل، أو نصفه، وبهذا قال ابن حبيب صاحب مالك.
[والرابع]: وقته النصف الأخير من الليل، ولا يجوز قبله، وصححه النوويّ، وبه قال أبو يوسف، وحكاه ابن قدامة في "المغني" عن بعض أصحابهم، ثم قال: وقد روى الأثرم عن أبي جابر، قال: كان مؤذن مسجد دمشق يؤذن لصلاة الصبح في السحر بقدر ما يسير الراكب ستة أميال، فلا ينكر ذلك مكحول، ولا يقول فيه شيئًا.
[والخامس]: جميع الليل وقت له، وهذا شاذّ.
[والسادس]: أنه إنما يدخل وقته في السحر قبيل الفجر، وعليه يدل قوله في الحديث: "ولم يكن بينهما إلا قدر ما ينزل هذا، ويرقى هذا"، واختاره الشيخ الإمام تقي الدين السبكيّ، وحكاه عن القاضي حسين، والبغويّ، وبه قال ابن حزم، كما تقدم كلامه في ذلك، وابن عبد البرّ، وإليه يميل كلام ابن قدامة في "المغني"، قال وليّ الدين: فهذه الأوجه الستة في مذهبنا، وبعضها في غير مذهبنا، كما حكيته فيما تقدم.
وفي المسألة مذهب سابع، أنه يدخل وقت الأذان لها لسدس يبقى من الليل، وهو المشهور عند المالكية، ووجّهوه بأنه الوقت الذي يمكن الجنب، والمعتصر، والمتوضئ، والمتأهب لذلك كله من أمره، ويخرج إلى الجماعة، فجعلوه تقديرًا لذلك كله.
[فإن قلت]: وفي المسألة مذهب ثامن، أنه يؤذن لها عند انقضاء صلاة العتمة، وهو عند المالكية.
стр. 12084
[قلت]: قد فَسَّره الحاكي له، وهو القاضي أبو بكر ابن العربيّ بأن المراد العتمة التي تصلى في آخر وقتها، وهو نصف الليل، أو ثلثه، فعاد هذا إلى المذهب الثالث، وهو قول ابن حبيب، كما قدمته، فليس مذهبا زائدًا على ما تقدم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن القول الراجح في المسألة هو القول السادس، كما اختاره المحقّقون؛ لأنه الذي يوافق الحديث، وأما سائر الأقوال، فلا أثارة عليها من الأدلّة النقليّة، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٣٧] ( … ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِن بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتى تَسْمَعُوا أَذَانَ (٢) ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (٣ أو ٢٤٤) (م ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصرفي، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ١٤/ ٣.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12085
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٣٨] ( … ) - (حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ لِرَسُول الله ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى يُؤَذن ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيَرْقَى هَذَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
و"ابن عمر" ﵄ ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيرْقَى هَذَا) قال النوويّ ﵀: قال العلماء: معناه أن بلالًا ﵁ كان يؤذن قبل الفجر، ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يراقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل، فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب ابن أم مكتوم بالطهارة وغيرها، ثم يَرْقَى، وَيشْرَع في الأذان، مع أول طلوع الفجر، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ سيأتي في التنبيه التالي تعقّب الحافظ له، وترجيح كون الأذان وقت السحور، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 12086
[تنبيه]: أشار الحافظ ﵀ في "الفتح" أن قوله: "ولم يكن بينهما إلا أن ينزل … إلخ " في حديث ابن عمر مدرج، وإنما هو في حديث عائشة ﵂ من رواية القاسم عنها، ودونك نصّه:
قوله: "حتى يؤذن" في رواية الكشميهنيّ: "حتى ينادي"، وقد أورده في "الصيام " بلفظ: "يؤذن"، وزاد في آخره: "فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، قال القاسم: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا"، وفي هذا تقييدٌ لِمَا أَطْلَق في الروايات الأخرى من قوله: إن بلالًا يؤذِّن بليل"، ولا يقال: إنه مرسلٌ؛ لأن القاسم تابعيّ، فلم يدرك القصة المذكورة؛ لأنه ثبتٌ عند النسائيّ، من رواية حفص بن غياث، وعند الطحاويّ من رواية يحيى القطان، كلاهما عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، فذكر الحديث، قالت: "ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا، وَيصْعَد هذا"، وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاريّ: قال القاسم؛ أي في روايته عن عائشة ﵂.
وقد وقع عند مسلم في رواية ابن نُمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مثل هذه الزيادة، وفيها نظر، أوضحته في كتاب "المدرج".
قال: وثبتت الزيادة أيضًا في حديث أُنيسة (١). انتهى.
وقال وليّ الدين ﵀ عند ذكر والده حديث عائشة ﵂ بلفظ: "وزاد: قالت: ولا أعلمه إلا إن كان قدر ما ينزل هذا، وبرقى هذا"- ما نصّه: هذه الرواية التي رواها الشيخ ﵀ من "مسند أحمد" صريحة في أن القائل: "ولا أعلمه إلا كان قدر ما ينزل هذا ويرقى هذا" راوبة الحديث عائشة ﵂، فإن فيها "قالت لا، لكن في "صحيح البخاريّ " في "كتاب الصيام": قال القاسم:
стр. 12087
"ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا"، فكان شيخنا الإمام سراج الدين البلقينيّ ﵀ يعتمد هذه الرواية، ويجعل هذا الكلام في غيرها مدرجًا، وفيه نظر؛ لأن في رواية أحمد التصريح بأنه من قول عائشة، ففيها زيادة علم يجب الأخذ بها، والظاهر أن قول البخاريّ: قال القاسم؛ أي في روايته عن عائشة، وذلك لأنه روى الحديث المذكور من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، ومن طريق القاسم بن محمد، عن عائشة، ثم بَيَّن أن هذه الزيادة في رواية القاسم؛ أي عن عائشة، وليست في حديث ابن عمر؛ لأنه أَبُوأطلق ذكرها لتُوُفم أنها في الإسنادين معًا، ولم يُرِدْ بذلك أن القاسم قالها من عند نفسه، بدليل رواية أحمد التي ذكرتها، والله أعلم. انتهى (١).
[تنبيه آخر] (٢): قال في "الفتح": وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر، هو وقت السحور، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعيّ، واختاره السبكيّ في"شرح المنهاج"، وحَكَى تصحيحه عن القاضي حسين، والمتولي، وقطع به البغويّ، وكلام ابن دقيق العيد يُشعِر به، فإنه قال بعد أن حكاه: يرجح هذا بأن قوله: "إن بلالًا ينادي بليل" خبر يتعلق به فائدة للسامعين قطعاً، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهاً محتَمِلاً لأن يكون عند طلوع الفجر، فَبَيَّن ﷺ أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب، بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصادق، قال: وهذا يدلّ على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. انتهى.
ويقويه أيضًا ما تقدم من أن الحكمة في مشروعيته التاهبُ لإدراك الصبح في أول وقتها، وصَحَّح النوويّ في أكثر كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم، فقالْ قال العلماء: معناه أن بلالًا كان يؤذِّن ويتربَّص بعد أذانه للدعاء ونحوه، فإذا قارب طلوع الفجر نزل، فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب بالطهارة وغيرها، ثم يَرْقَى، وَيشْرَع في الأذان مع أول
стр. 12088
طلوع الفجر، وهذا مع وضوح مخالفته لسياق الحديث يحتاج إلى دليل خاصّ لما صححه حتى يسوغ له التأويل، ووراء ذلك أقوال أخرى معروفة في الفقهيات.
واحتجّ الطحاويّ لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لَضا كان بين أذانيهما من القرب ما ذُكِر في حديث عائشة ثبتٌ أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلالٌ، ويصيبه ابن أم مكتوم.
وتُعُقِّب بانه أَبُو كان كذلك لَمَا أقره النبيّ ﷺ مؤذنًا، واعتمد عليه، ولو كان كما ادَّعَى لكان وقوع ذلك منه نادرًا، وظاهر حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنه وعادته. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ في "صحيحه" حديب الباب من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فقال:
٥٨٥ - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا، واشربوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم". انتهى. قال في "الفتح": قال ابن منده: حديث عبد الله بن دينار مُجْمَع على صحته، رواه جماعة من أصحابه عنه، ورواه عنه شعبة، فاختُلِف عليه فيه، رواه يزيد بن هارون عنه على الشكّ: "أن بلالًا … " كما هو المشهور، أو: "أن ابن أم مكتوم ينادي بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن بلالٌ"، قال: ولشعبة فيه إسناد آخر، فإنه رواه أيضًا عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنيسة، فذكره على الشكّ أيضًا، أخرجه أحمد، عن غندر عنه، ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازمًا بالأول، ورواه أبو الوليد عنه جازمًا بالثاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان من طُرُق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاويّ، والطبرانيّ من طريق منصور بن زاذان، عن خُبيب بن عبد الرحمن، وادَّعَى ابن عبد البرّ، وجماعة من الأئمة بأنه مقلوب، وأن الصواب حديث
стр. 12089
الباب، قال الحافظ: وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في "صحيح ابن خزيمة" من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يُبعد وقوع الوهم فيه، وهو قوله: "إذا أذّن عَمْرو، فإنه ضرير البصر، فلا يغُرّنّكم، وإذا أذن بلال فلا يَطْعَمَنّ أحدٌ"، وأخرجه أحمد، وجاء عن عائشة أيضًا أنها كانت تُنكر حديث ابن عمر، وتقول: إنه غلطٌ، أخرج ذلك البيهقيّ من طريق الدراورديّ، عن هشام، عن أبيه، عنها، فذكر الحديث، وزاد: قالت عائشة: وكان بلال يُبصر الفجر، قال: وكانت عائشة تقول: غَلِطَ ابن عمر. انتهى.
وقد جمع ابن خزيمة، والضبعيّ (١) بين الحديثين بما حاصله أنه يَحْتَمِل أن يكون الأذان كان نُوَبًا (٢) بين بلال وابن أم مكتوم، فكان النبي ﷺ يعلم الناس أن أذان الأول منهما لا يُحَزم على الصائم شيئًا، ولا يدل على دخول وقت الصلاة، بخلاف الثاني، وجزم ابن حبان بذلك، ولم يبده احتمالاً، وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره، وقيل: لم يكن نُوَبًا، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلالًا كان في أول ما شُرع الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تُحمل رواية عروة عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بلال يجلس على بيتي، وهو أعلى بيت في المدينة، فإذا رأى الفجر تمطأ، ثم أَذَنَ، أخرجه أبو داود، وإسناده حسن، ورواية حميد عن أنس: "أن سائلاً سأل عن وقت الصلاة، فأمر رسول الله ﷺ بلالًا، فأذن حين طلع الفجر … " الحديث، أخرجه النسائيّ، وإسناده صحيح، ثم أردف بابن أم مكتوم، وكان يؤذن بليل، واستمرّ بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تُنَزل رواية أنيسة وغيرها، ثم في آخر الأمر أخّر ابن أم مكتوم؛ لضعفه، ووكل به مُن يراير له الفجر، واستقرّ أذان بلال بليل، وكان سبب ذلك ما رُوي أنه ربما كان أخطأ الفجر، فأذن قبل طلوعه، وأنه أخطأ مرّةً، فأمره النبيّ ﷺ أن يرجع، فيقول: "ألا إن العبد نام"؛ يعني أن كلبة النوم على عينيه منعته من تبيّن
стр. 12090
الفجر، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره، من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موصولًا مرفوعًا، ورجاله ثقات حفّاظ، لكن اتفق أئمة الحديث: عليّ ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، والبخاريّ، والذهليّ، وأبو حا تم، وأبو داود، والترمذيّ، والأثرم، والدارقطنيّ على أن حمادًا أخطا في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، وأن حمادًا انفرد برفعه، ومع ذلك فقد وُجد له متابع، أخرجه البيهقيّ من طريق سعيد بن زَرْبِيّ، وهو بفتح الزاي، وسكون الراء، بعدها موحدة، ثم ياء، كياء النسب، فرواه عن أيوب موصولًا، لكن سعيد ضعيف، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب أيضًا، لكنه أعضله، فلم يذكر نافعاً، ولا ابن عمر، وله طريق أخرى، عن نافع، عند الدارقطنيّ وغيره، اختُلِف في رفعها ووقفها أيضًا، وأخرى مرسلة، من طريق يونس بن عبيد وغيره، عن حميد بن هلال، وأخرى من طريق سعيد، عن قتادة مرسلة، ووصلها يونس، عن سعيد بذكر أنس، وهذه طُرُق يقوي بعضها بعضًا قُوّةً ظاهرةً، فلهذا -والله أعلم- استقرّ أن بلالًا يؤذن الأذان الأول. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقوية الحافظ بهذه الطرق الضعيفة لما حكم عليه الأئمة المذكورون بالخطأ فيه نظرٌ لا يخفى، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: رَوَى ابن حبان في "صحيحه" عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ قال: "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن بلال"، وللنسائي من حديث أنيسة بنت خبيب: "إذا أذن ابن أم مكتوم، فكلوا، واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا"، وهاتان الروايتان معارضتان للرواية المشهورة، فقال ابن عبد البرّ: إن المحفوظ، والصواب الأول، وقال ابن خزيمة: يجوز أن يكون بينهما نُوَث، وجزم به ابن حبان في الجمع بينهما، ونظير هاتين الروايتين في المعارضة ما في "سنن أبي داودأ عن بلال ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "لا تؤذن حتى يستبين لك
стр. 12091
الفجر، هكذا ومَدّ يديه عرضًا"، لكنه من رواية شداد، مولى عياض بن عامر عنه، وقد قال أبو داود وغيره: إنه لم يدرك بلالًا، وأيضًا فلم يرو عنه سوى جعفر بن بُرْقان، ولذلك قال أبو بكر الأثرم: هذا إسناد مجهول منقطع، وقال ابن عبد البرّ: هذا حديث لا تقوم به الحجة، ولا يُقْبَل؛ لضعفه، وانقطاعه. انتهى. وبتقدير صحته فالجواب عنه أنه ﷺ قال هذا الكلام لبلال في نوبته التي كان يتأخر فيها أذانه، ويتقدم فيها أذان ابن أم مكتوم، فإنه كانت بينهما نُوَب كما تقدم، ويَحْتَمِل أنه ﷺ قال له هذا الكلام في أول الأمر، قبل أن يُنصَب للمسجد مؤذنان، وتقدم عن ابن القطان حَمْلُ أذان بلال بليل على رمضان خاصّة، وتقدم عن أحمد بن حنبل أنه عكس ذلك، فكره الأذان قبل الصبح في رمضان خاصة، فيجعل الجمع بين الحديثين بِحمل أحدهما على رمضان، والآخر على غيره، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا الجواب المتكلّف فيه؛ لأن الحديث ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المنّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٣٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَن النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْقَاسِمُ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية فاضل، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
٢ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 12092
[تنبيه]: رواية عبيد الله، عن القاسم هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: وحدّثني يوسف بن عيسى المروزيّ، قال: حدّثنا الفضل بن موسى، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبيّ- ﷺ أنه قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِالاسْنَادَيْنِ كلَيْهِمَا، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧)، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٤ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم قبل باب.
٥ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التيميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٢) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: أبو أسامة، وعبدة بن سليمان، وحمّاد بن مسعدة رووه عن عبيد الله بن عمر العمريّ، مثل رواية عبد الله بن نمير عنه.
стр. 12093
وقوله: (بِالإسْنَادَيْنِ كلَيْهِمَا) بالجرّ على التأكيد، والمراد إسناد عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵁، وإسناده عن القاسم، عن عائشة ﵂.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن رواية هؤلاء الثلاثة بالإسنادين المذكورين نحو رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عمر العمريّ بهما جميعًا.
[تنبيه]: أما رواية أبي أسامة، عن عبيد الله، فقد ساقها البيهقيّ ﵀ في "الكبرى" (٤/ ٢١٨) فقال:
٧٨١٢ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وعن القاسم، عن عائشة ﵂ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن بلالًا يؤذنْ بليل، فكلوا، واشربوا، حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم". انتهى.
وأما رواية عبدة بن سليمان، عن عبيد الله، فقد ساقها الدارمي ﵀ في "سننه " (١/ ٢٨٨) فقال:
١١٩١ - أخبرنا إسحاق، ثنا عبدة، أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمَر، وعن القاسم، عن عائشة، قالت: كان للنبيّ ﷺ مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم، فقال رسول الله ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم"، فقال القاسم: وما كان بينهما إلا أن ينزل هذا، ويرقى هذا. انتهى.
وأما رواية حفاد بن مسعدة، عن عبيد الله، فقد ساقها ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٢٢١/ ١) فقال:
٤٢٤ - أخبرنا بندار، نا حماد بن مسعدة، نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، قال عبيد الله: وسمعت القاسم يحدث بذلك، عن عائشة ﵂ قالت: وإنما كان بينهما قدر ما ينزل هذا، ويصعد هذا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12094
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤١] (١٠٩٣) - (حَدَّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن سُلَيْمَانَ التيمِيِّ، عَن أَبي عُثْمَانَ، عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ - أَوْ قَالَ: نِدَاءُ بِلَالٍ -مِنْ سُحُورهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ- أَوْ قَالَ: يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ، وَقَالَ: لَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا، حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا"، وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢.
٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) ابن طَرْخان أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مِلّ بن عمرو النَّهْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثم البصريّ، مخضرم ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٢] (ت هـ ٩) أو بعدها وهو ابن (١٣٠) أو أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو من السابقين الأولين، ومن الراسخين في العلم، وممن شهد له النبيّ ﷺ بقراءة القرآن كما أُنزل غضًّا طريًّا، والله تعالى أعلم.
стр. 12095
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النهديّ، وفي رواية ابن خزيمة، من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثنا أبو عثمان، قال الحافظ ﵀: ولم أر هذا الحديث من حديث ابن مسعود ﵁ في شيء من الطرق إلا من رواية أبي عثمان عنه، ولا من رواية أبي عثمان، إلا من رواية سليمان التيميّ عنه، واشتهر عن سليمان، وله شاهد في "صحيح مسلم" (١) من حديث سمرة بن جندب ﵁ انتهى (٢).
(عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا) ناهية (يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ) بنصب أحدًا على المفعوليّة، وفاعله "أذانُ بلال"، وفي رواية البخاريّ: "أحدكم، أو أحدًا منكم" بالشك من الراوي، وكلاهما يفيد العموم، وإن اختلفت الحيثية، قاله في "الفتح".
قوله: (أَذَانُ بِلَالٍ -أَوْ) للشكّ من الراوي، ولم يتبيّن لي من هو؟ (قَالَ: نِدَاءٌ بِلَالٍ - مِنْ سُحُورهِ) بضمّ السين اسم للأكل وقت السحر، وَيحْتَمِل أن يكون بفتحها، اسم للمأكول وقت السحر، فيكون على حذف مضاف؛ أي من أكل سَحُوره.
قال في "اللسان": السَّحُور -أي بالفتح-: طعام السَّحَر، وشرابه، قال الأزهريّ: السَّحُور: ما يُتسحّر به وقت السَّحَر، من طعام، أو لبن، أو سَوِيق، وُضع اسمًا لما يُؤكل ذلك الوقتَ، وقد تسحّر الرجل ذلك الطعام؛ أي أكله، وقد تكرّر ذكر السّحور في الحديث في غير موضع، قال ابن الأثير: هو بالفتح اسم ما يُتسحّر به، من الطعام والشراب، وبالضمّ المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما روي بالفتح، وقيل: الصواب بالضمّ لأنه بالفتح الطعام، والبركة، والأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام، وتسحّر: أكل السَّحُور. انتهى.
وفي "المصباح": السَّحَر -بفتحتين-: قُبيل الصح، وبضمتين -لغةٌ، والجمع أَسْحار، والسَّحُور وِزان رَسُول: ما يؤكل في ذلك الوقت، وتسحّرتُ: أكلت السَّحُور، والسُّحُور بالضمّ فعل الفاعل. انتهى، والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّهُ) أي لأن بلالًا، فالفاء للتعليل (يُؤَذِّنُ -أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ:
стр. 12096
يُنَادِي-) هو بمعنى "يؤذّن" (بِلَيْلٍ) الباء بمعنى "في" (لِيَرْجِعَ) بفتح الياء، وكسر الجيم المخففة، يُستعمل هذا لازمًا ومتعديًا، تقول: رجع زيدٌ، ورجعتُ زيدًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]، وهنا متعدّ وفاعله ضمير بلال، وقوله: (قَائِمَكُمْ) بالنصب على المفعوليّة، ومعناه أنه إنما يؤذن بليل؛ ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد، فيَرُدَّ القائمَ المتهجِّدَ إلى راحته؛ لينام غَفْوَةً؛ ليصبح نشيطًا، أو يوتر إن لم يكن أوتر، أو يكون له حاجة إلى الصيام، فيتسحر، أو يتأهب للصبح إن أحتاج إلى طهارة أخرى، أو نحو ذلك من مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح، قاله النوويّ ﵀.
وقال الكرمانيّ ﵀: قوله: "ليرجع"، إما من الرجوع، وإما من الرجع، و"قائمكم" مرفوع، أو منصوب (١).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الكرمانيّ ﵀ أنه يرى جَوَاز الوجهين هنا: أحدهما كون "ليرجع" لازمًا، ويكون "قائمُكم" فاعله مرفوعًا، والآخر يكون متعدياً، ويكون "قائمَكم" منصوبًا على أنه مفعول له، وهذا إن ساعدته الرواية فحسن، وإلا فما صحّت به الرواية، وهو كونه متعدّيًا هو المتعيّن، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": لا يقال "لِيُرَجِّعَ" في المتعدى بالتثقيل، فمن رواه بالضم والتثقيل أخطأ، فإنه يصير من الترجيع، وهو الترديد، وليس مرادنا هنا (٢)، وإنما معناه يَرُدّ القائم، أى المتهجد إلى راحته؛ ليقوم إلى صلاة الصبح، نشيطاً، أو يكون له حاجة إلى الصيام فيتسحر، ويوقظ النائم؛ ليتأهب لها بالغسل ونحوه.
قال: وتمسك الطحاويّ بحديث ابن مسعود ﵁ هذا لمذهبه، فقال: فقد أخبر أن ذلك النداء كان لما ذُكِر لا للصلاة.
стр. 12097
وتُعُقِّب بان قوله: "لا للصلاة" زيادة في الخبر، وليس فيه حصر فيما ذُكِر.
أفمان قيل،: تقدَّم في تعريف الأذان الشرعيّ أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بالفاظ مخصوصة، والأذان قبل الوقت ليس إعلامًا بالوقت.
[فالجواب]: أن الإعلام بالوقت أعمّ من أن يكون إعلامًا بأنه دخل، أو قارب أن يدخل، دمانما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات؛ لأن الصلاة في أول وقتها مرغب فيه، والصبح يأتي غالبًا عقب نوم، فناسب أن يُنصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها؛ ليتأهبوا، ويدركوا فضيلة أول الوقت. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الأذان الأول مشروع لما ذُكر في هذا الحديث من أنه ليرجع القائم، ويوقظ النائم، وفيه أنه لا بدّ من إعادة الأذان لصلاة الصبح بعد الوقت، كما هو الثابت عن النبيّ ﷺ ، والخلفاء الراشدين، وأما القول بالاكتفاء بالأول، كما يقول به مالك، والشافعيّ، وأحمد وأصحابهم، كما عزاه إليهم في "الفتح"، ففيه نظر لا يخفى.
والحاصل أنه لا بدّ من الأذان بعد دخول الوقت، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ) من الإيقاظ، وهو التنبيه، وفي رواية البخاريّ: "وليُنَبّه نائمكم"، قال الكرمانيّ ﵀: و"لِيُنَبّه" من التنبيه، وهو الإنباه، وفي بعض الرواية: "ولينتبه" من الانتباه، قال: ومعناه أنه إنما يؤذن بالليل؛ لِيُعَلِّمكم أن الصبح قريب، فَيَرُدّ القائم المتهجد إلى راحته؛ لينام لحظة ليصبح نشيطاً، ويوقظ نائمكم ليتأهب للصبح بفعل ما أراده، من تهجد قليل، أو تسحّر، أو اغتسال، أو إيتار إن كان نام عن الوتر.
(وَقَالَ) ﷺ (لَيْسَ أَنْ يَقُولَ) وفيه إطلاق القول على الفعل؛ أي ليس أن يَظْهَر الفجر.
[تنبيه]: يَحْتَمل أن يكون اسم "ليس" ضميرًا يعود إلى الفجر المفهوم، و"أن يقول" خبرها؛ أي ليس الفجر ظهورَهَ هكذا، وَيحْتَمِل أنه اسمها، وخبرها محذوف؛ أي ليس ظهورُ الفجر هكذا مانعًا من الأكل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (هَكَذَا وَهَكَذَا) إشارة إلى أسفل، وإلى أعلى، كما أوضحه بقوله:
стр. 12098
(وَصَوَّبَ يَدَهُ) أي أمالها إلى أسفل، يقال: صوّبتُ الإناءَ: إذا أملته، وصوّبت رأسي: إذا خفضته (١). (وَرَفَعَهَا) أي رفع يده إلى السماء.
(حَتى يَقُولَ) أي يظهر الفجر (هَكَذَا"، وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) بكسر الهمزة، وفتح الموحّدة أفصح لغاتها؛ إذ فيها عشر لغات: فتح الهمزة، وضمها، وكسرها، وكذلك الباء الموحّدة، فهذه تسع لغات، والعاشر أصبوع، بوزن عُصْفُور.
والمراد بالإصبعين هما السبّابتان، كما بيّنته الروايات الأخرى، ففي التالية: "إن الفجر ليس الذي يقول هكذا، وجمع بين أصابعه، ثم نكّسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع الْمُسَبِّحة على المسبّحة، ومدّ يديه"؛ أي مدّ يمينه إلى جهة اليمين، ومدّ شماله إلى جهة الشمال؛ إشارة إلى انتشار الصبح الصادق في أفق المشرق.
وفي الرواية الأخرى: "هو المعترض، وليس بالمستطيل"، وفي الأخرى: "لا يغرّنّكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا"، قال الراوي: يعني معترضًا.
قال النوويّ+إللهُ: وفي هذه الأحاديث بيان الفجر الذي تتعلّق به الأحكام، وهو الفجر الثاني الصادق المستطير بالراء، وفيها أيضًا الإيضاح في البيان، والإشارة؛ لزيادة البيان في التعليم. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: أشار النبيّ ﷺ إلى أن الفجر الأول يطلُع في السماء، ثم يرتفع طرَفه الأعلى، وينخفض طرفه الأسفل، وقد بيّن هذا بقوله: "ولا بياض الأفق المستطيل"؛ يعني الذي يطلع طويلاً، فهذا البياض هو المسمَّى بالفجر الكاذب، وشُبّه بذنب السَّرْحان، وهو الذئب، وسُمّي به، وهذا الفجر لا يتعلّق عليه حكم، لا من الصيام، ولا من الصلاة، ولا من غيرهما، وأما الفجر الصادق، فهو الذي أشار إليه النبي ﷺ حيث وضع المسبِّحة على المسبِّحة، ومدّ يديه، وهو إشارة إلى أنه يطلع معترضًا، ثمّ يعمّ الأفق ذاهبًا فيه عرضًا، ويستطير؛ أي ينتشر. انتهى (٣).
وفي رواية البخاريّ: "وليس أن يقول الفجر، أو الصبح، وقال بأصابعه،
стр. 12099
ورفعها إلى فوقُ، وطأطأها إلى أسفلُ، حتى يقول هكذا"، وقال زهير: "بسبّابتيه، إحداهما فوق الأخرى، ثمّ مدّها عن يمينه وشماله".
وقوله: "إلى فوقُ" بالضم على البناء، وكذا "أسفلُ "؛ لنية المضاف إليه دون لفظه، نحو: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم؛ ٤]، وقوله: وقال زهير؛ أي الراوي، وكأنه جمع بين إصبعيه ثم فرّقهما ليحكي صفة الفجر الصادق؛ لأنه يطلع معترضًا، ثم يعم الأفق ذاهبًا يمينًا وشمالًا، بخلاف الفجر الكاذب، وهو الذي تسميه العرب ذنب السِّرْحان، فإنه يظهر في أعلى السماء، ثم ينخفض، وإلى ذلك أشار بقوله: "رفع وطأطأ"، وفي رواية الإسماعيلي من طريق عيسى بن يونس، عن سليمان: "فإن الفجر ليس هكذا، ولا هكذا، ولكن الفجر هكذالا، فكأن أصل الحديث كان بهذا اللفظ مقرونًا بالإشارة الدالة على المراد، وبهذا اختلفت عبارة الرواة، قاله في "الفتح".
وقال في "العمدة": قوله: "وليس أن يقول هكذا" أشار به النبيّ ﷺ إلى الفجر الكاذب، وهو الضوء المستطيل من العلو إلى السفل، وهو من الليل، ولا يدخل به وقت الصبح، ويجوز فيه التسحر ونحوه.
وقوله: "حتى يقول هكذا … إلخ " إشارة إلى الصبح الصادق، وقد فسّر زهير الراوي الصادق بقوله: "بسبابتيه إلى آخره". انتهى، والفه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٥٤١ و ٢٥٤٢ و ٢٥٤٣] (١٠٩٣)، و (البخاريّ) في "الأذان" (٦٢١) و"الطلاق" (٥٢٩٨) و"أخبار الآحاد" (٧٢٤٧)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٤٧)، و (النسائيّ) في "الأذان" (٢/ ١١) و"الصيام" (٤/ ١٤٨)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٩٦)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٤٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٦ و ٣٩٢ و ٤٣٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٢٨ و ٤٠٢)، و (ابن
стр. 12100
حبّان) في "صحيحه" (٣٤٦٨)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٦/ ٢٥٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٨٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣١١ و ٢/ ١٨٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٦٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٨١ و ٤/ ٢١٨)، و (الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ٢٥٦)، والله تعالى أعلم.
وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ اَّلذِي يَقُولُ هَكَذَا" -وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الْأَرْضِ- وَلَكِنْ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا"، وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ، وَمَدَّ يَدَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير المذكور قبل حديث.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها، وله بضع و (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
و (سليمان التيمي) ذُكر قبله.
وقوله: (غَيْرَ أنَّهُ قَالَ) الضمير لأبي خالد الأحمر.
وقوله: (إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا) أي يظهر، فالقول أريد به معنى الظهور.
وقوله: (وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ) أي جمع النبيّ ﷺ أصابعه؛ إشارة إلى الفجر الكاذب.
وقوله: (ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الْأَرْضِ) بفتح النون، والكاف، مخفّفًا، يقال: نكسته نَكْسًا، من باب نصر: قلبته، ومنه قيل: وَلَدٌ منكوسٌ: إذا خرج رجلاه قبل رأسه؛ لأنه مقلوبٌ مخالف للعادة (١).
وقوله: (وَوَضَعَ الْمُسَبَّحَةَ … إلخ) بصيغة اسم الفاعل، هي الإصبع التي
стр. 12101
تلي الإبهام، سُمّيت بذلك؛ لأنها كالذاكرة حين الإشارة بها إلى إثبات الإلهيّة، وتسمّى أيضًا سَبّابةً؛ لأنها يشار بها عند السبّ، أفاده الفيّومىّ (١).
وقوله: (وَمَدَّ يَدَيْهِ) أي يمينًا وشمالًا.
[تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر، عن سليمان التيميّ هذه لم أر من ساقها تامّةً، فليُنظر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام فيه مستوفًى قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٣] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَالْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَانْتَهَى حَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ قَوْيهِ: "يُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ، ويَرْجِعُ قَائِمَكُمْ"، وقَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ: "وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا، وَلَكِنْ يَقُولُ هَكَذَا"، يَعْني الْفَجْرَ هُوَ الْمُعْتَرِضُ، وَلَيْسَ بِالْمُسْتَطِيلِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب، و (إسحاق بن إبراهيم) هو: ابن راهويه.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ) أي كِلا جرير، والمعتمر.
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن سليمان التيميّ، ساقها البيهقيّ ﵀ في "معرفة السنن والآثار" (٣/ ٣٦٥) فقال:
٢٤٦٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، قال: حدّثنا أحمد بن سلمة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا جرير والمعتمر بن سليمان، عن سليمان التيميّ، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنعنّ أحد منكم أذان بلال من سحوره،
стр. 12102
فإنما ينادي ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم"، قال جرير في حديثه: "وليس أن يقول هكذا، ولكن يقول هكذا، الفجر هو المعترض، وليس بالمستطيل". انتهى.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه" رواية المعتمر خاصّةَ (٢/ ٢٧٥) فقال: ٨٩٢٤ - حدّثنا مُعْتَمِرُ بن سُلَيْمَانَ، عن التَّيْمِيِّ عن أبي عُثْمَانَ، عن عبد اللهِ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "لَا يمنعنّ أَحَدَكُمْ أذان بِلَالٍ من سَحُورِهِ، فإنه يُنَادِي، أو يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَيُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ، ويَرْجِعُ قَائِمَكُمْ". انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاجِ ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٤] (١٠٩٤) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيِّ، حَدَّثَنِي وَالِدِي، أَنَّهُ سَمِعَ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّداً ﷺ يَقُولُ: "لَا يَغُرَّن أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنَ السَّحُورِ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ، حَتَّى يَسْتَطِيرَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أوه ٢٣) وله نيّف و (٩٠) سنةَ (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبُت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيُّ) هو: عبد الله بن سَوَادة بن حَنْظلة القشيريّ البصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك الكعبيّ، وروى عنه أبو هلال الراسبيّ، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث، وحماد بن زيد، وإسماعيل ابن عُلَيّة.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ.
تفرّد به المصنّف، والأربعة وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث كرره ثلاث مرات.
стр. 12103
٤ - (أَبُوهُ) سَوَادة بن حَنْظلة القشيريّ البصريّ، صدوقٌ [٢] (١).
رأى عليًّا، ورَوَى عن سمرة بن جندب حديث: "لا يَغُرّنّكم أذان بلال … " الحديث، وروى عنه ابنه عبد الله، وشعبة، وأبو هلال الراسبيّ، وهمام، قال أبو حاتم: شيخٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: سمع من عليّ بن أبي طالب ﵁.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث كرّره أربع مرّات.
٥ - (سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبِ) بن هلال الْفَزَاريّ، حليف الأنصار الصحابيّ الشهير، مات بالبصرة سنة (٥٨) (ع) تقدم في أالمقدمة" ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، فشيبان أُبُليّ، بصريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَوَادَةَ) بفتح السين المهملة، وتخفيف الواو (الْقُشَيْرِيِّ) بضمّ القاف نسبة إلى قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قبيلة كبيرة، يُنسب إليها كثير من العلماء، قاله في "اللباب" (٢). (حَدَّثَنِي وَالِدِي) سوَادة بن حنظلة (أنَهُ سَمِعَ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُب) ﵁، وفي الرواية التالية: "سمعت سمرة بن جُندب ﵀، وهو يخطبُ، يُحدّث عن النبيّ ﷺ … " (يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: "لَا) تقدّم أنها ناهية، والفعل مجزوم المحلّ بها؛ لكونه مبنيًّا؛ لاتصاله بنون التوكيد (يَغُرَّن أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ) أي أذانه (مِنَ السَّحُورِ) تقدّم أنه بالضمّ اسم للفعل، والفتح اسم للمأكول وقت السحر، وفي
стр. 12104
الرواية الثالثة: "لا يغرّنكم من سحوركم أذان بلال" (وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ) وفي الرواية التالية: "ولا البياض -لعمود الصبح-"، وفي رواية: "ولا بياض الأفق المستطيلُ هكذا حتى يستطير هكذا" وحكاه حمّاد بيديه، قال: يعني معترضًا.
والمعنى: ولا يمنعكم البياض الذي يَصْعَد إلى السماء، وتسميه العرب ذَنَب السِّرْحان، وبطلوعه لا يدخل وقت الصبح، وهو الفجر الكاذب، يَطْلُع أوّلًا مستطيلًا إلى السماء، ثم يغيب، وبعد غيبوبته بزمان يسير يظهر الفجر الصادق، قيل: وفائدة ذكره بيان أن ما بعده من الليل، وأن بلالًا ربما أَذَّن بعده مع كونه كان يؤذن بليل، هكذا قيل، قال القاري: والأظهر أنه لما قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وهو مجملٌ بَيَّنه النبيّ ﷺ بأن المراد به المستطير، لا المستطيل. انتهى (١).
(حَتَّى يَسْتَطِيرَ") أي إلى أن ينتشر البياض في أفق المشرق، وفي رواية شعبة: "ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر، أو قال: حتى ينفجر الفجر"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سَمُرة بن جُندُب ﵁ هذا من أفراد المصنف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٢٥٤٤ و ٢٥٤٥ و ٢٥٤٦ و ٢٥٤٧ و ٢٥٤٨، (١٠٩٤)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٤٦)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٠٦)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٤٨) و"الكبرى" (٢/ ٨١)، و (أحمد) في "مسنده" (٧/ ٥ و ٩ و ١٣ و ١٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٢٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٧/ ٢٣٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٦٧)، و (الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٨٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٨٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٠) وفوائده تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12105
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ سَوَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ -الِعَمُودِ الصُّبْحِ- حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (لِعَمُودِ الصُّبْحِ) أي قال هذا الكلام لأجل عمود الصبح؛ يعني أنه أشار بقوله: "هذا البياض " ما يظهر طولًا إلى وسط السماء، مثل العمود، قال الفيّوميّ ﵀: يقال: ضرب الفجر بعموده: سطع، وهو المستطير. انتهى (١).
وقوله: (حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا) إشارة إلى مدّ يديه بعد وضع المسبّحة على المسئحة، ثم مدّهما يمينًا وشمالًا.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى الكلام عليه مستوفًى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأفُقِ الْمُسْتَطِيلُ، هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا"، وَحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ، قَالَ: يَعْني مُعْتَرِضًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الايمان" ٢٣/ ١٩٠.
стр. 12106
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الْجَهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلَا بَيَاضُ الْأققِ) بضمّتين: الناحية من الأرض، ومن السماء، وهو المراد هنا، والجمع آفاق.
وقوله: (الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا) برفع "المستطيلُ" على أنه صفة لـ "بياضُ"، والإشارة إلى الأعلى؛ أي الذي يضيء إلى أعلى السماء.
وقوله: (حَتى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا) أي حتى ينتشر ضوؤه عرضًا، فالإشارة إلى عرض الأُفُق، كما بيّنه حمّاد بِيَدَيْهِ، مشيرًا إلى اعتراضه في الأفق.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى الكلام عليه مستوفى قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٧] ( … ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَوَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ ﵁، وَهُوَ يَخْطُبُ، يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "لَا يَغُزَنَّكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ، حَتَّى يَبْدُوَ الْفَجْرُ، أَوْ قَالَ: حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ الْعَنْبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (حَتَّى يَبْدُوَ الْفَجْرُ) أي حتى يظهر الفجر منتشرًا في أفق المطلع.
وقوله: (أَوْ قَالَ: حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ) "أو "للشكّ من الراوي، ويَحْتَمل أن يكون من شعبة، أو من دونه، ومعنى: "ينفجر" أي يظهر بوضوح، قال
стр. 12107
الفيّوميّ ﵀: و"الفجر": اثنان: الأول الكاذب، وهو المستطيل، ويبدوأسود، معترضاً. والثاني: الصادق، وهو المستطير، ويبدو ساطعًا يملأ الأفق ببياضه، وهو عمود الصبح، ويطلع بعدما يغيب الأول، وبطلوعه يدخل النهار، وَيحْرُم على الصائم كلُّ ما يُفْطِر به. انتهى (١)، والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى الكلام عليه مستوفًى قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سَوَادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْقُشَيْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ هَذَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٧٣/ ٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀ في "التقييد" بعد إيراده سند المصنّف المذكور عن شيخه ابن المثنّى ما نصّه: وقع في نسخة ابن الحذاء: "وحدّثنا ابن نُمير، نا أبو داود، نا شعبة"، جعل "ابنَ نُمير" بدل "ابن المثنّى"، والصواب "ابنُ المثنّى"، وكذلك رواه أبو أحمد الْجُلُوديّ وغيره. انتهى (٢).
[تنبيه آخر]: رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، هذه ساقها النسائيّ في "الصيام " (٧/ ٣٤٤) فقال:
٢١٧١ - أخبرنا محمود بن غيلان، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، أنبأنا سَوَادة بن حنظلة، قال: سمعت سمرة يقول: قال رسول الله ﷺ :
стр. 12108
"لا يغرنّكم أذان بلال، ولا هذا البياض، حتى ينفجر الفجر هكذا وهكذا"؛ يعني معترضاً، قال أبو داود: وبسط بيديه يمينًا وشمالًا، مادًّا يديه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٩) - (بَابُ فَضْلِ السُّحُورِ، وَتَأَكِيدِ اسْتِحْبَابِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَأَخِيرِهِ، وَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٤٩] (١٠٩٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أنسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، عَن ابْنِ عُلَيَّةً، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا أَبو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبِ، عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَة").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ البزّاز الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
стр. 12109
٥ - (أنسُ) بن مالك بن النضر الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٨) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة أسانيد، فرّقها بالتحويل؛ للاختلاف في كيفيّة التحمّل والأداء، كما أوضحته غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن أنسًا ﵁ ذو مناقب جمّة، وأعظمها خدمة النبيّ ﷺ ، خدَمه عشر سنين، وهو من المكثرين السبعة، ومن المعفرين، فقد جاوز المائة، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة.
شرح الحديث:
(عَنْ أنسِ) بن مالك ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَسَحَّرُوا،) أي كلوا وقت السَّحَر (فَإِن فِي السُّحُورِ بَرَكَةً") الفاء للتعليل؛ لأن في السحور بركة، قال في "الفتح": "السحور": بفتح السين وضمها؛ لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب الضمّ؛ لأنه مصدر بمعنى التسحّر، أو البركة؛ لكونه يقوّي على الصوم، ويُنَشّطُ له، ويخفّف المشقّة فيه، فيناسب الفتح؛ لأنه ما يتسحّر به، وقيل: البركة ما يتضمّن من الاستيقاظ والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعدّدة، وهي اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتّقَوّي على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يُثيره الجوع، والتسبّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنّة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام.
قال ابن دقيق العيد ﵀: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنّة يوجب الأجر وزيادته، وَيحْتَمِل أن تعود إلى الأمور الدنيوية؛ كقوّة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إضرار بالصائم، قال: ومما يُعلَّل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب؛ لأنه ممتنع عندهم، وهذا
стр. 12110
أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخرويّة. وقال أيضًا: وقع للمتصوّفة في مسألة السحور كلام من جهة اعتبار حكمة الصوم، وهي كسرة شهوة البطن والفرج، والسحور قد يُباين ذلك. قال: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية، فليس بمستحبّ، كالذي يصنعه المترفون من التأنّق في المآكل، وكثرة الاستعداد لها، وما عدا ذلك تختلف مراتبه. انتهى ما في "الفتح" (١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "تسحّروا إلخ " هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة، وهي حفظ القوّة التي يُخاف سقوطها مع الصوم الذي لا يُتسحّر فيه، وقد نبّهَ على ذلك بقوله: "تسحّروا، فإن في السحور بركةً"، وهي القوّة على الصيام، وقد جاء مفسّرًا في بعض الآثار، وقد لا يبعُد أن يكون من جملة بركة السحور ما يكون في ذلك الوقت من ذكر المتسحّرين لله تعالى، وقيام القائمين، وصلاة المتهجّدين، فإن الغالب ممن قام ليتسحّر أنه يكون منه ذكرٌ، ودعاءٌ، وصلاةٌ، واستغفارٌ، وغير ذلك مما يُفعل في رمضان. انتهى (٢)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٢٥٤٩] (١٠٩٥)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٢٣)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٠٨)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٤١) و"الكبرى" (٢/ ٧٥ و ٧٦)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٩٢)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٠٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٥٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٩٩ و ٢٢٩ و ٢٤٣ و ٢٥٨ و ٢٨١)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه"
стр. 12111
(١٩٣٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤٦٦)، و (البزّار) في "مسنده" (٩٧٦)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٧ و ١٧٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٧٠ - ١٧١)، و (البيهقيّ) في " الكبرى" (٤/ ٢٣٦) و" المعرفة" (٣/ ٣٨٧)، و (الطبرانيّ) في " الأوسط " (٢/ ٢٩٦ و ٥/ ١٧٥ و ٩٢/ ٨ و ٥٥/ ١٩) و"الكبير" (١٠/ ١٣٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٢٣٥ و ٤٣٢٥ و ٤٤٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب السحور، وهو يحصل بأقلّ ما يتناوله المرء من مأكول، ومشروب، وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ بسند حسن، بلفظ: "السحور بركة، فلا تَدَعُوه، ولو أن يَجرَع أحدكم جُرعة (١) من ماء، فإن الله، وملائكته، يصلّون على المتسحّرين"، وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" عن ابن عمر ﵂ مرفوعًا: "إن الله وملائكته يُصلّون على المتسحّرين" (٢)، ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: "تسحّروا، ولو بِلُقْمة"، قاله في "الفتح" (٣).
٢ - (ومنها): بيان بركة السحور، ففيه اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتّقَوِّي على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يُثيره الجوع، والتسبّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنّة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام.
٣ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على هذه الأمة حيث جعل أكلها وشربها في هذا الوقت سببًا لحصول صلاة الله تعالى، وملائكته على المتسخر.
٤ - (ومنها): بيان عناية الشرع بمخالفة أهل الكتاب، حيث شرع لنا
стр. 12112
السحور من أجله، ففي حديث عمرو بن العاص ﵁ الآتي مرفوعًا: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): نقل الإمام ابن المنذر ﵀ الإجماع على ندبية السحور (١)، وقال النوويّ ﵀: وأجمع العلماء على استحبابه، وأنه ليس بواجب. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى هذا يكون الأمر بالسحور في حديث الباب للاستحباب، لا للوجوب، وقد ترجم الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه"، فقال: "باب بركة السحور، من غير إيجاب"؛ لأن النبيّ ﷺ ، وأصحابه واصلوا، ولم يُذكَر السحور. انتهى.
وأشار البخاريّ ﵀ بهذا إلى حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ نهى عن الوصال، فلما أبوا واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخر لزدتكم" الحديث، متّفق عليه.
وهو استدلال حسنٌ جِدًّا، فإنه يدلّ على أن السحور ليس بحتم؛ إذ لو كان حتمًا لما واصل بهم النبيّ ﷺ ، فإن الوصال يستلزم ترك السحور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٥٠] (١٠٩٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا، وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكلَةُ السَّحَرِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُوسَى بْنُ عُلَي) -بالتصغير- ابن رَبَاح اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن
стр. 12113
المصريّ، ثقةٌ ربما أخطأ [٧] (ت ١٦٣) وله نيّفٌ و (٩٠) سنة (بخ م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٤/ ١٨٧٣.
٣ - (أَبُوهُ) عليّ -بالتصغير والتكبير، والمشهور التصغير، وكان يغضب منه- ابن رَبَاح بن قَصِير اللَّخْميّ، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ، من صغار [٣] مات سنة بضع (١١٠) (بخ م ٤) تقدم في "صلاة المسافرين" ٤٣/ ١٨٧٣.
٤ - (أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) السَّهْميّ، اسمه عبد الرحمن بن ثابت، وقيل: ابن الحكم، وهو غلظ [٢].
رَوَى عن عمرو، وعبد الله بن عمرو، وأم سلمة.
ورَوَى عنه ابنه عروة بن أبي قيس، وعُليّ بن رَبَاح، وبشر بن سعيد، وعبد الرحمن بن جبير المصريّ، ويزيد بن أبي حبيب.
قال ابن يونس: ويقال: إنه رأى أبا بكر الصديق، وكان أحد فقهاء الموالي الذين أدركهم يزيد بن أبي حبيب، واسمه عبد الرحمن بن ثابت، وشهد فتح مصر، واختَطّ بها، ومات سنة أربع وخمسين فيما ذكر ربيعة الأعرج، عن ابن لَهِيعة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال محمد بن سحنون في كتابه: إن عبد الرحمن بن الحكم مولى عمرو بن العاص يكنى أبا قيس، قال ابن يونس: وهذا خطأٌ، وإنما أراد أبا قيس مالك الحكم الحبشيّ؛ يعني آخر، غير أبي قيس صاحب الترجمة، وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقةٌ.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط (١) برقم (١٠٩٦)، و (١٧١٦): "إذا حَكَم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب … " الحديث.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل السَّهْميّ الصحابيّ المشهور، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرّتين، وهو الذي فتحها، مات ﵁ بمصر سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
стр. 12114
و"قُتيبة بن سعيد" ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى موسى وأبيه، فأخرج لهما البخاريّ في "الأدب المفرد".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المصريين، وقتيبة بَغْلانيّ، وبَغْلان من قُرى بَلْخَ، وقد دخل مصر.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا) "الفصل" بمعنى الفاصل، و"ما" موصولة، والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة؛ أي الفارق الذي بين صيامنا (وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي اليهود والنصارى (أَكلَة السَّحَرِ") كذا في رواية المصنّف، وأبي داود، وفي رواية النسائيّ: "أَكْلَة السَّحُور".
قال النوويّ ﵀: معناه الفارق والمميّز بين صيامنا وصيامهم السحور، فإنهم لا يتسخرون، ونحن يستحبّ لنا أن نتسحّر.
و"أكلة السحر": هي السَّحور، وهي بفتح الهمزة، هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه الجمهور، وهو المشهور في روايات بلدنا، وهي عبارة عن المرّة الواحدة من الأكل، كالغَدْوَة، والعَشْوة، وإن كثر المأكول فيها، وأما الأكْلة -بالضمّ- فهي اللُّقْمة، وادّعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضمّ، ولعله أراد أن رواية أهل بلدهم فيها بالضمّ، قال: والصواب الفتح؛ لأنه المقصود هنا. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: روايتنا عن متقني شيوخنا "أَكْلَة" -بفتح الهمزة-
стр. 12115
وهي مصدر أكل أكلة، كضرب ضَرْبَة، والمراد بها أكلُ ذلك الوقت، وقد روي أُكلة بضم الهمزة، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الأُكلة بالضمّ هي اللُّقْمة، وليس المراد أن المتسحّر يأكل لقمة واحدة، ويصحّ أن يقال: إنه عبّر عما يُتَسحّر به باللقمة لققته. انتهى كلام القرطبيّ (١).
وهذا الحديث يدل على أن السحور من خصائص هذه الأمة، ومما خُفّف به عنهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو ﵁ من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٩/ ٢٥٥٠ و ٢٥٥١، (١٠٩٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٤٣)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٠٩)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ٤٦) و"الكبرى" (٢/ ٨٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٦٠٢)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٠٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (٦/ ٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٤٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤٧٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٧٩)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط " (٣/ ٣٠٥) و"مسند الشاميين" (١/ ١٥٤)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٧١)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب السُّحور.
٢ - (ومنها): بيان أن الصوم شريعة قديمة، فُرض على أهل الكتاب، وهو ما دلّ عليه الكتاب، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].