← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.

стр. 12356

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وإسماعيل بن عبيد الله، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، غير شيخه، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أنه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، روت عن زوجها. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ) الصغرى التابعيّة، هُجيمة، أو جهيمة بنت حُييّ الوصّابية، في رواية أبي داود: "حدّثتني أم الدرداء"، فصرّح إسماعيل بالتحديث. [تنبيه]: لأبي الدرداء ﵁ امرأتان كلتاهما يقال لها: أم الدرداء، إحداهما رأت النبيّ ﷺ ، وهي الكبرى، واسمها: خيرة بنت أبي حدرد، وماتت قبل أبي الدرداء، والثانية: هي الصغرى، واسمها هجيمة، أو جهيمة بنت حُييّ الوصّابية، تزوّجها أبو الدرداء بعد النبيّ ﷺ ، وهي تابعيّة تروي عن زوجها، وسلمان، فتنبّه. (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁) عُويمر بن زيد ﵁، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ) وفي الرواية التالية: "لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم شديد الحرّ"، وفي رواية البخاريّ: "خرجنا مع النبيّ ﷺ في بعض أسفاره " (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) قال في "الفتح" ما حاصله: أن بقوله هنا: "في رمضان" يتم المراد من الاستدلال؛ يعني الاستدلال على ردّ قول من قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، ويتوجه أيضًا الردّ بها على أبي محمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا. قال الحافظ: وقد كنت ظننت أن هذه السفرة غزوة الفتح؛ لما رأيت في "الموطأ" من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رجل من الصحابة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بالْعَرْج في الحرّ، وهو يصب على رأسه الماء، وهو صائم من العطش، ومن الحرّ، فلما بلغ الكديد أفطر، فإنه يدلّ على أن غزاة الفتح كانت في أيام شدّة الحرّ، وقد اتَّفَقَت الروايتان على أن كلًّا من السفرتين كان

стр. 12357

في رمضان، لكنني رجعت عن ذلك، وعرفت أنه ليس بصواب؛ لأن عبد الله بن رواحة ﵁ استُشْهِد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعًا في سنة واحدة، وقد استثناه أبو الدرداء في هذه السفرة مع النبيّ ﷺ ، فصح أنها كانت سفرة أخرى، وأيضًا فإن في سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمرُّوا من الصحابة صيامًا كانوا جماعة، وفي هذا أنه عبد الله بن رواحة وحده. وأخرج الترمذيّ من حديث عمر ﵁: غزونا مع النبيّ ﷺ في رمضان يوم بدر، ويوم الفتح … الحديث، ولا يصح حمله أيضًا على بدر؛ لأن أبا الدرداء لم يكن حينئذ أسلم. وفي الحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قَوِي عليه، ولم يُصِبه منه مشقةٌ شديدةٌ. انتهى (١). (فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ) "حتى" بيان لغاية شدّهْ الحرّ، و"إِنْ" مخفّفة من الثقيلة، ولذا دخلت في خبرها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، قال في "الخلاصة": وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وَرُبًّا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا … فَلَا تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلَا (كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا) نافية؛ أي لم يوجد (فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير وكان شاعرًا، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، شَهِدَ بدرًا، واستُشهِد بمؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وكان ثالث الأمراء بها، وله ذكر في "صحيح مسلم"، ولا رواية له، وقد تقدّم في (١٠/ ٢١٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12358

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٦٣٠ و ٢٦٣١، (١١٢٢)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٤٥)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٠٩)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٦٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مسنده" (١/ ٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٩٤ و ٦/ ٤٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠١)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٣٠١)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ١٦٠)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ١٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٥) و"المعرفة" (٣/ ٣٩٣)، وفوائده تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣١] ( … ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ الدِّمَشْقِي، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَقَدْ رَأَيتُنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارر، فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا مِنَّا أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧. ٢ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عباد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٣. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ الدِّمَشْقِيُّ) هو: عثمان بن حيّان بن مَعْبد بن شدّاد بن

стр. 12359

نعمان بن رَبَاح بن سعد بن ربيعة بن عامر بن يربوع بن غيط بن مُرّة بن عوف الْمُزنيّ -بضم الميم، بعدها زاي -أبو المغراء- بفتح الميم، وسكون الغين المعجمة- الدمشقيّ مولى أم الدرداء، ويقال: مولى عتبة بن أبي سفيان (١). رَوَى عن أم الدرداء، وعنه هشام بن سعد، وقال: كان رجلًا من أهل الخير، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وسعيد البزار، وعبد الله بن سليمان، قال ابن وهب، عن مالك: بعث ابن حيان، وهو أمير المدينة إلى محمد بن المنكدر وأصحابه، فضربهم لما كان من كلامهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وقال ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، قال: قال عمر بن عبد العزيز: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، ومحمد بن يوسف باليمن، وعثمان بن حيان بالمدينة، وقرة بن شريك بمصر، امتلأت والله الأرض جَوْراً، وقال ابن عساكر: استعمله الوليد على المدينة، وكان في سيرته عُنْف، وقال الواقديّ: نزع سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيّان عن المدينة سنة (٩٦) وكانت إمرته عليها ثلاث سنين، وقال خليفة: ولي عثمان بن حيان الصائفة سنة (١٠٣)، وغزا قيصرة من أرض الروم سنة (١٠٤)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة (١٥٠). انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له عندهما إلا هذا الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: خالف الحافظ ﵀ عادته في "التقريب"، فإنه كان يذكر طبقة الراوي، وتوثيقه، أو ضدّه، وهنا لم يذكر لا طبقة، ولا توثيقًا، بل أشار إلى ضدّه بقوله: وكان عمر بن عبد العزيز يصفه بالجور. [فإن قلت]: كيف أخرج له المصنّف مع كونه مجروحًا؟ [قلت]: إنما أخرج له متابعةً، لا أصالةً، فإن الحديث رواه إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء في السند الماضي، وأيضًا إنما أتى به لعلوّه، فإنه أعلى من السند الماضي بدرجة، والله تعالى أعلم. والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث، ومسائله ذُكرت قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12360

(٢٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٢] (١١٢٣) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَاسٍ، عَنْ أمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَن نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُول اللهِ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيى) التيميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عُمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١. ٤ - (عُمَيْرٌ مَوْلَى عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ) هو: عمير بن عبد الله الهلاليّ، أبو عبد الله المدنيّ، مولى أم الفضل، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (خ م د س) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٨. ٥ - (أمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ) لبابة بنت الحارث بن حَزْن الهلاليّة، زوج العبّاس ﵂، وأخت ميمونة زوج النبيّ ﷺ ، ماتت في خلافة عثمان ﵁ (ع) تقدمت في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وعمير، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.

стр. 12361

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) وفي الرواية التالية: "مولى أم الفضل"، قال في "الفتح": قوله: "عمير مولى أم الفضل"، هو عمير مولى ابن عباس، فمن قال: مولى أم الفضل، فباعتبار أصله، ومن قال: مولى ابن عباس فباعتبار ما آل إليه حاله؛ لأن أم الفضل هي والدة ابن عباس، وقد انتَقَلَ إلى ابن عباس ولاءُ موالي أمه. انتهى. وقال النوويّ ﵀: الظاهر أنه مولى أم الفضل حقيقةً، ويقال له: مولى ابن عباس، وقال البخاريّ وغيره من الأئمة: هو مولى أم الفضل حقيقةً، ويقال له: مولى ابن عباس؛ لملازمته له، وأخذه عنه، وانتمائه إليه، كما قالوا في أبي مُرّة: مولى أم هانئ بنت أبي طالب، يقولون أيضًا: مولى عقيل بن أبي طالب، قالوا: للزومه إياه، وانتمائه إليه، وقريب منه مِقْسَم مولى ابن عباس، ليمس هو مولاه حقيقةً، وإنما قيل: مولى ابن عباس؛ للزومه إياه. انتهى (١). [تنبيه]: قال في "الفتح": وليس لِعُمير في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد أخرجه أيضًا في "الحج " في موضعين، وفي "الأشربة" في ثلاثة مواضع، وحديث آخر تقدم في التيمم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت في ترجمته في "كتاب الحيض، باب التيمّم" برقم [٢٧/ ٨٢٨] أنه ليس له عند مسلم إلا حديثان، حديث في "التيمّم": "أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل … "، وحديث الباب، وقد كرّره مرّتين، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (عَنْ أُمِّ الْفَضْل) كنية لبابة (بِنْتِ الْحَارِثِ) كُنيت بأكبر أولادها الفضل بن عبّاس ﵃ (أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا) أي اختلفوا، وتجادلوا، ووقع عند الدارقطنيّ في "الموطآت" من طريق أبي نوح، عن مالك: "اختَلَف ناس من أصحاب رسول الله ﷺ " (عِنْدَهَا) أي عند أم الفضل (يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ )

стр. 12362

هذا يشعر بان صوم يوم عرفة كان معروفًا عندهم، معتادًا لهم في الحضر، وكانّ مَن جَزَم بأنه صائم استَنَدَ إلى ما أَلِفَه من العبادة، ومَن جَزَم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافرًا، وقد عُرِف عدم صومه عن الفرض في السفر فضلًا عن النفل، قاله في "الفتح". وقال القرطبيّ ﵀: وسبب هذا الاختلاف: أنه تعارض عندهم ترغيب النبيّ ﷺ في صوم يوم عرفة، وسبب الاشتغال بعبادة الحج، فشكُّوا في حاله، فارتفع الشك لَمّا شرب، وفُهِم: أن صوم عرفة إنما يكون فيه ذلك الفضل بغير عرفة، وأن الأولى ترك صومه بعرفة؛ لمشقة عبادة الحج، وقد روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: نَهَى رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة (١)، وهذا لما قلناه، والله تعالى أعلم. انتهى (٢). (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِم، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ) بضمّ التاء للمتكلّم، وسيأتي في الحديث الذي يليه أن ميمونة بِنت الحارث - ضي الله عنها- هي التي أرسلت، فيَحْتَمِل التعدد، وَيحْتَمِل أنهما معًا أرسلتا، فنُسب ذلك إلى كل منهما؛ لأنهما كانتا أختين، فتكون ميمونة أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك؛ لكشف الحال في ذلك، ويَحْتَمِل العكس، وسيأتي الإشارة إلى تعيين كون ميمونة هي التي باشرت الإرسال، ولم يُسَمَّ الرسول في طُرُق حديث أم الفضل، لكن رَوَى النسائيّ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ ما يدلّ على أنه كان الرسول بذلك، ويُقَوِّي ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أَرْسَل إما أمه، وإما خالته، قاله في "الفتح" (٣). (بِقَدَحِ لَبَنٍ) تقدّم أن القدح بفتحتين: إناء يُروي الرجلين (وَهُوَ وَاقِفٌ) جملة في محل نصب على الحال (عَلَى بَعِيرِهِ) بفتح الموحّدة، وقد تُكسَر: مثل الإنسان يقع على الذكر والأنثى، فيقال: حلبت بعير، والجمل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختصّ بالأنثى، وقد تقدم تمام البحث في هذا في "كتاب الحيض، باب التيمّم" [٢٧/ ٨٢٢].

стр. 12363

(بِعَرَفَه) زاد أبو نعيم في "مستخرجه" من طريق يحيى بن سعيد، عن مالك: "وهو يخطب الناس بعرفة"، وللبخاريّ في "الأشربة"، من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن أبي النضر: "وهو واقف عشية عرفة"، ولأحمد، والنسائيّ، من طريق عبد الله بن عباس، عن أمه، أم الفضل: "أن رسول الله ﷺ أفطر بعرفة". و"عَرَفَةُ": بفتحات: موضع وقوف الحجّاج، ممنوعة من الصرف؛ للعلميّة والتانيث، ولا يدخلها الألف واللام، قيل: جمعها عَرَفات، قال الفيّوميّ ﵀: و"عَرَفاتُ": موضع وقوف الْحَجِيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، وُيعْرَب إعراب مسلماتٍ، ومؤمناتٍ، والتنوين يشبه تنوين المقابلة، كما في باب مسلمات، وليس بتنوين صرف؛ لوجود مقتضى المنع من الصرف، وهو العلمية والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام، وبعضهم يقول: "عرفةُ" هي الجبل، و"عرفاتُ" جمع: عرفة؛ تقديرًا؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات، وعَرَّفوا تعريفاً وقفوا بعرفاتٍ، كما يقال: عَيَّدُوا: إذا حضروا العيد، وجَمَّعُوا: إذا حضروا الجمعة. انتهى (١). وقال في "القاموس": و"عَرَفاتُ": موقف الحاج في اليوم التاسع من ذي الحجة، على اثني عشر ميلًا من مكة، وغَلِطَ الجوهريّ، فقال: موضع بمنى، سُمِّيت؛ لأن آدم وحواء تعارفا بها، أو لقول جبريل لإبراهيم ﵇ لَمّا عَلَّمَه المناسك: أعرفت؟ قال: عرفتُ، أو لأنها مُقَدَّسة معظّمة، كأنها عُرِّفَت؛ أي طُيِّبَتْ، وهو اسم في لفظ الجمع، فلا يُجْمَعُ، معرفة، وإن كان جمعًا؛ لأن الأماكن لا تزول، فصارت كالشيء الواحد، مصروفةٌ؛ لأن التاء بمنزلة الياء والواو في مسلمين ومسلمون. انتهى (٢). (فَشَرِبَهُ) أي شرب النبيّ ﷺ ذلك اللبن. قال أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: مَحْمِل هذا الحديث عندنا أنه كان بعرفة، وقد رُوي ذلك منصوصاً، وإذا كان بعرفة فالفطر أفضل تاسيًا برسول الله ﷺ ، وقوّةً على الدعاء، وقد قال ﷺ "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة"، ونَهَى عن

стр. 12364

صوم يوم عرفة بعرفة، وتخصيصه بعرفة دليلٌ على أن غير عرفة ليست كذلك، وقد رُوي عنه ﷺ فضل صوم عرفة، وأنه يكفّر سنتين، والله أعلم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم الفضل -رضي الله عنهام- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٦٣٢ و ٢٦٣٣ و ٢٦٣٤ و ٢٦٣٥، (١١٢٣)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٦٥٨ و ١٦٦١) و "الصوم" (١٩٨٨) و"الجهاد" (٥٦٠٤٠ و ٥٦١٨ و ٥٦٣٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (١٤٤١)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٧٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤/ ٢٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٣٩ و ٣٤٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٨٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠٤)، و"الطبرانيّ" في "الكبير" (٢٥/ ٢٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ١١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الفطر للواقف بعرفة، قال الإمام ابن القيّم ﵀: وقد ذُكِر لفطره ﷺ في عرفة عدّةُ حِكَم: منها: أنه أقوى على الدعاء. ومنها: أن الفطر في السفر أفضل في فرض الصوم، فكيف بنفله. ومنها: أن ذلك اليوم كان يوم الجمعة، وقد نُهِي عن إفراده بالصوم، فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيدًا لنهيه عن تخصيصه بالصوم، وإن كان صومه؛ لكونه يوم عرفة، لا يوم جمعة، قال: وكان شيخنا -يعني ابن تيميّة ﵀ يسلك مسلكًا آخر، وهو أنه يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه، كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختصّ بمن بعرفة دون أهل الآفاق،

стр. 12365

قال: وقد أشار النبيّ ﷺ إلى هذا في الحديث الذي رواه أهل "السنن": "يومُ عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهلَ الإسلام"، ومعلوم أن كونه عيدًا هو لأهل ذلك الجمع؛ لاجتماعهم فيه، والله أعلم. انتهى (١). ٢ - (ومنها): استحباب الوقوف راكبًا، قال النوويّ ﵀: وهو الصحيح في مذهبنا، ولنا قول: إن غير الركوب أفضل، وقيل: إنهما سواء. ٣ - (ومنها): جواز الشرب قائمًا وراكبًا. ٤ - (ومنها): إباحة الهدية للنبيّ ﷺ . ٥ - (ومنها): إباحة قبول هدية المرأة المزوَّجة الموثوق بدينها، ولا يشترط أن يسأل: هل هو من مالها أم من مال زوجها؟، أوأنه أذن فيه أم لا؟ إذا كانت موثوقًا بدينها، قاله النوويّ ﵀. وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو هذا ما نصّه: ولعل ذلك من القدر الذي لا يقع فيه المشاححة، قال المهلَّب: وفيه نظر؛ لما تقدم من احتمال أنه من بيت ميمونة زوج النبيّ ﷺ انتهى (٢). ٦ - (ومنها): أن تصرّف المرأة في مالها جائزٌ، ولا يشترط إذن الزوج، سواء تصرَّفت في الثلث، أو أكثر، قال النوويّ ﵀: وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال مالك: لا تتصرف فيما فوق الثلث إلا بإذنه، وموضع الدلالة من الحديث أنه ﷺ لم يسأل: هل هو من مالها، وَيخرُج من الثلث، أو بإذن الزوج أم لا؟، ولو اختَلَف الحكم لسأل. انتهى (٣). ٧ - (ومنها): أن العيان أقطع للحجة، وأنه فوق الخبر. ٨ - (ومنها): أن الأكل والشرب في المحافل مباحٌ، ولا كراهة فيه؛ للضرورة. ٩ - (ومنها): أن فيه تأسي الناس بأفعال النبيّ ﷺ . ١٠ - (ومنها): مشروعيّة البحث، والاجتهاد في حياته ﷺ .

стр. 12366

١١ - (ومنها): مشروعيّة المناظرة في العلم بين الرجال والنساء، والتحيّل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال. ١٢ - (ومنها): أن فيه بيان فِطنة أم الفضل ﵂؛ لاستكشافها عن الحكم الشريع بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال؛ لأن ذلك كان في يوم حرّ بعد الظهيرة. قال ابن الْمُنَيِّر ﵀ في "الحاشية": لم ينقل أنه ﷺ ناول فضله أحدًا، فلعله عَلِم أنها خصته به، فيؤخذ منه مسألة التمليك المقيد. انتهى. ولا يخفى بُعده، وقد وقع في حديث ميمونة ﵁: "فشرب منه"، وهو مشعر بأنه لم يستوف شربه منه، وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: لعل استبقاءه لِما في القدح كان قصدًا؛ لإطالة زمن الشرب حتى يعمّ نظر الناس إليه؛ ليكون أبلغ في البيان. ١٣ - (ومنها): مشروعيّة الركوب في حال الوقوف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صوم يوم عرفة: قال النوويّ ﵀: مذهب الشافعيّ، ومالك، وأبي حنيفة، وجمهور العلماء استحباب فطر يوم عرفة بعرفة للحاجّ، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، والثوريّ. قال: وكان ابن الزبير، وعائشة يصومانه، ورُوي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وكان إسحاق يميل إليه، وكان عطاء يصومه في الشتاء دون الصيف، وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. واحتَجّ الجمهور بفطر النبيّ ﷺ فيه، ولأنه أرفق بالحاجّ في آداب الوقوف، ومهمات المناسك. واحتَجّ الآخرون بالأحاديث المطلقة أن صوم عرفة كفارة سنتين، وحمله الجمهور على من ليس هناك. انتهى (٢). وقال في "الفتح": واستُدِلّ بهذين الحديثين -يعني حديث أم الفضل، وحديث ميمونة ﵂ على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر؛ لأن

стр. 12367

فعله المجرد لا يدلّ على نفي الاستحباب؛ إذ قد يترك الشيء المستحبّ؛ لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ، نعم رَوَى أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، والحاكم، من طريق عكرمة، أن أبا هريرة ﵁ حدثهم: أن رسول الله ﷺ "نَهَى عن صوم يوم عرفة بعرفة". وأخذ بظاهره بعض السلف، فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ قال: يجب فطر يوم عرفة للحاجّ، وعن ابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعائشة ﵂ أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يُعْجِب الحسن، ويحكيه عن عثمان، وعن قتادة مذهب آخر، قال: لا بأس به إذا لم يَضْعُف عن الدعاء، ونقله البيهقيّ في "المعرفة" عن الشافعيّ في القديم، واختاره الخطابيّ، والمتولي من الشافعية. وقال الجمهور: يستحب فطره، حتى قال عطاء: من أفطوه ليتقوى به على الذكر، كان له مثل أجر الصائم. وقال الطبريّ: إنما أفطر رسول الله ﷺ بعرفة؛ ليدل على الاختيار للحاجّ بمكة؛ لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة. وقيل: إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة، وقد نُهِي عن إفراده بالصوم، ويُبعِده سياق أول الحديث. وقيل: إنما كُره صوم يوم عرفة؛ لأنه يوم عيد لأهل الموقف؛ لاجتماعهم فيه، ويؤيِّده ما رواه أصحاب "السنن" عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهلَ الإسلام". انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة؛ تاسّيًا بالنبيّ ﷺ ، وأما حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ "نَهَى عن صوم يوم عرفة بعرفة"، وإن صححه ابن خزيمة، إلا أن في سنده مهديًّا الهجريّ، فقد قال ابن معين: لا أعرفه، قاله في "التهذيب"، وكذا أبو حاتم، وقال ابن حزم: مجهول، نقله الذهبيّ في "الميزان" (٢)، وقال في "التقريب": مقبولٌ؛ أي حيث يتابع، ولم

стр. 12368

يتابع هنا، فلا يصلح للاحتجاج به، فتنئه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٣] ( … ) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ "، وَقَالَ: عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي النضر هذه ساقها البخاريّ ﵀ في"صحيحه"فقال: (٥٢٨٢) - حدثنا الْحُمَيْدِيُّ، سمع سُفْيَانَ، أخبرنا سالِمٌ أبو النَّضْرِ، أَنَّهُ سمع عُمَيْرًا مولى أُمِّ الْفَضْلِ، يحدث عن أُمِّ الْفَضْلِ، قالت: شَكَّ الناس في صِيَامِ رسول اللهِ ﷺ يوم عَرَفَةَ، فَأَرْسَلْتُ إليه بِإِنَاءٍ فيه لَبَنٌ، فَشَرِبَ، فَكَانَ سُفْيَانُ رُبَّمَا قال: شَكَّ الناس في صِيَامِ رسول اللهِ ﷺ يوم عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إليه أُمُّ الْفَضْلِ، فإذا وُقِّفَ عليه قال: هو عن أُمِّ الْفَضْلِ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٤] ( … ) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِم أَبِي النَّضْرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَالَ: عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أُّمِّ الْفَضْلِ).

стр. 12369

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل باب. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ (١)، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن أبي النضر هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٢٠٤) فقال: (٢٥٥٠) - حدّثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة (ح) وثنا أبو عمرو، ثنا الحسن، ثنا محمد بن خلاد، وشعيب بن يوسف، قالوا: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن عُمير مولى أم الفضل، عن أم الفضل، أنهم تماروا في صوم رسول الله ﷺ يوم عرفة، فبَعَثت إليه بقدح من لبن، فشرب. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ

стр. 12370

سَمِعَ أمَّ الْفَضْلِ ﵂ تَقُولُ: شَكَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَنَحْنُ بِهَا، مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَعْبٍ، فِيهِ لَبَنٌ، وَهُوَ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَهُ). رجال هذا الإسناد: ستّة: وقد ذكروا قبله، فالثلاثة الأولون تقدموا في الباب الماضي، والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقولها: (فِي صِيَامِ يَوْم عَرَفَةَ) قال الفيّوميّ ﵀: و"يوم عرفة" تاسع ذي الحجة عَلَمٌ، لا يدخلها الأَلف واللام، وهي ممنوعة من الصرف؛ للتأنيث والعلميّة. انتهى (١). وقولها: (وَنَحْنُ بِهَا) أي بعرفة، كما هو المصرّح به في قولها: "وهو بعرفة". وقولها: (بِقَعْبٍ) بفتح، فسكون: إناء ضَخْمٌ، كالقَصْعَة، والجمعُ: قِعَاب، وأَقْعُبٌ، مثلُ سَهْمٍ وسِهَامٍ وأَسْهُمٍ، قاله في "المصباح" (٢). وقال في "القاموس": الْقَعْبُ: الْقَدَح الضَّخْم الجافي، أو إلى الصِّغَر، أو يُرْوِي الرجل، جمعه أَقْعُبٌ، وقِعَابٌ، وقِعَبَة. انتهى (٣). وقال في "اللسان": "الْقَعْبُ": القَدَح الضَّخْم الغليظ الجافي، وقيل: قَدَحٌ من خشب مُقَعَّر، وقيل: هو قَدَحٌ إلى الصغر، يُشَبَّه به الحافر، وهو يُروي الرجل، والجمع القليل أَقْعُب، وأنشد ابن الأعرابي [من الطويل]: إِذَا مَا أَتَتْكَ الْعِيرُ فَانْصَحْ فُتُوقَهَا … وَلَا تَسْقِيَنْ جَاريكَ مِنْهَا بِأَقْعُبِ والكثير قِعَابٌ، وقِعَبَةٌ، مثلُ جَبْءٍ وَجِبَأَةِ، قال ابن الأعرابيّ: أول الأَقْدَاح الْغُمَرُ، وهو الذي لا يبلغ الرِّيَّ، ثم الْقَعْبُ، وهو قد يُروِي الرجل، وقد يُروِي الاثنين، والثلاثة، ثم الْعُسّ. انتهى (٤). والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى شرحه وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12371

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٦] (١١٢٤) - (وَحَدَّثَني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي، حَدَّثنا ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ مَيْمُونَةَ (١) زَوْجِ النَّبِي ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: إِن النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَام رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ بِحِلَابِ اللَّبَنِ، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ابن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقة [٣] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨. ٢ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، زوج النبيّ ﷺ ، قيل: اسمها برّة، فسمّاها النبيّ ﷺ ميمونة، تزوّجها بسَرِف سنة سبع من الهجرة، وماتت بها سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧. والباقون ذُكروا قبل حديث. وقوله: (عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيَّ ﷺ ) هي أخت أم الفضل المذكورة في الحديث الماضي وقوله: (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ مَيْمُونَةُ) فيه العدول عن التكلّم إلى الغيبة؛ إذ المقام مقام الإضمار، فكان الأصل أن تقول: "فأرسلتُ إليه" بضمير المتكلّم، وهو الذي في "صحيح البخاريّ"، وإنما أظهرت للإيضاح، أو من باب التجريد. وقيل: يَحْتَمل أن يكون من كلام غريب، ولا يخفى بعده. وقوله: (بِحِلَاب اللّبَنِ) بكسر الحاء المهملة: هو الإناء الذي يُحلب فيه، ويقال له: الْمِحْلب، بكسر الميم (٢)، وتمام شرح الحديث واضح يُعلم مما سبق في حديث أم الفضل ﵂.

стр. 12372

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ﵂ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٦٣٦] (١١٢٤)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٨٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٤٥)، و (أبو عوانة) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢١) - (بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) [تنبيهان]: (الأول): قال الفيّوميّ ﵀: عاشوراء: عاشر المحرّم، وفيها لغات: المدّ، والقصر مع الألف بعد العين، وعَشُوراء بالمد مع حذف الألف. انتهى (١). وقال في "القاموس": والعاشوراء، والْعَشُوراءُ، ويُقصَران، والعاشورُ: عاشر المحرّم، أو تاسعه. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: "عاشوراء": وزنه فَاعُولاء، والهمزة فيه للتأنيث، وهو معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخود من العشر الذي هو اسم العقد الأول، واليوم مضاف إليها، فإذا قلت: يوم عاشوراء، فكأنك قلت: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، وعلى هذا: فيوم عاشوراء هو العاشر؛ قاله الخليل وغيره. وقيل: هو التاسع. ويُسَمَّى: عاشوراء على عادة العرب في الإظماء، وذلك أنهم: إذا وردوا

стр. 12373

الماء لتسعة سموه: عشرًا؛ وذلك أنهم: يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا أقامت الإبل في الرعي يومين، ثم وردت في الثالث قالوا: وَرَدت رِبْعًا. وإذا وردت في الرابع قالوا: وردت خِمْسًا؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي، وأول اليوم الذي ترِد فيه بعده، وهذا فيه بُعْد؛ إذ لا يمكن أن يعتبر في عدد ليالي العشر وأيامه ما يعتبر في الإظماء، فتأمله. وعلى القول الأول سعيد والحسن ومالك وجماعة من السَّلف، وذهب قوم: إلى أنه التاسع، وبه قال الشافعي متمسِّكًا بما ذكر في الإظماء، وبحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله. وذهب جماعة من السَّلف: إلى الجمع بين صيام التاسع والعاشر، وبه قال الشافعيّ قوله الآخر، وأحمد، وإسحاق، وهو قول من أشكل عليه التعيين، فجمع بين الأمرين احتياطًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). [التنبيه الثاني]: زعم ابن دُريد أن عاشوراء اسم إسلاميّ، وأنه لا يُعْرَف في الجاهلية، ورَدّ ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابيّ حَكَى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة ﵂ أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه. انتهى، قال الحافظ: وهذا الأخير لا دلالة فيه على ردّ ما قال ابن دريد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن لفظ عاشورء مما استعملته العرب قبل الإسلام، وكذا سائر الألفاظ الشرعيّة، كالصلاة، والزكاة، والحج، ونحوها، فإنه كانت مستعملة عندهم في الجاهليّة، ثم جاء الإسلام فخاطبهم بما كانوا يعرفونه، ولذا لم يُسمع أنهم استفسروا النبيّ ﷺ في هذه الألفاظ، فلم يقولوا: ما الصلاة، وما الزكاة، وما الحج؛ وهكذا، بل بمجرّد أنْ خَاطَبَهُمْ بتلك الألفاظ أجاب من أجاب، وأبى من أبي. ولقد أجاد في هذا البحث القاضي عياض ﵀، حيث قال ما حاصله: إن ألفاظ العبادات واردة في الشرع على ما عَهِدَه أهل اللغة، خلافًا لجماهير المتكلّمين؛ إذ كانوا يصومون، وَيَعْرِفون الصوم، ويحجّون، ويعرفون الحجّ، فخاطبهم الشرع بما عَلِموه تحقيقًا، لا أنه أتاهم بألفاظ مؤتنقة ابتدعها لهم،

стр. 12374

كما قاله المخالف، أو بألفاظ لغويّة، لا يُعلم منها المقصود إلا رمزًا. انتهى كلام القاضي ﵀ (١). فبيّن ﵀ أن المختار أن العرب قبل ورود الشرع كانوا يستعملون هذه الألفاظ في معانيها الشرعية، من أقوال، وأفعال، فعَرَفوا الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، والعمرة، وغير ذلك، فما خاطبهم الشرع إلا بما عَرَفوه؛ تحقيقًا، لا أنه أتاهم بألفاظٍ ابتدَعَها لهم، أو بألفاظ لغوية، لا يُعْرَف منها المقصود إلا رمزًا، كما قال المخالف، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٧] (١١٢٥) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (٢)، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَالَ: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا. ٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت أيضًا قبل باب، وكذا لطائف الإسناد ذُكرت هناك. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ ﵁) أنها (قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ) أي قبيلة قريش، وهم مَن وَلَدَهُم النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قريش من وَلَدَه

стр. 12375

فهر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، قاله في "المصباح" (١). وقال في "القاموس": قَرَشَهُ يَقْرُشُه، وَيقْرِشُهُ -من بابي نصر، وضرب-: قَطَعه، وجمعه من هاهنا وهاهنا، وضَمّ بعضه إلى بعض، ومنه قُريش؛ لتجَمُّعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البِيَاعاتِ، فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تَقَرَّش، أو لأنه جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ؛ أي شديد، أو لأن قُصَيًّا كان يقال له: القرشيّ، أو لأنهم كانوا يُفَتِّشُون الْحَاجَ، فيَسُدُّون خَلَّتها، أو سميت بمصغّر القِرْش، وهو دابة بحرية، تخافها دواب البحر كلُّها، أو سميت بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عِيرِهم، فكانوا يقولون: قَدِمَت عِيرُ قريش، وخَرَجت عِير قريش، والنسبة قُرَشيّ، وقُرَيشي. انتهى (٢). (تَصُومُ عَاشُورَاءَ) بالمدّ، وحُكي قصرها، وسيأتي تمام البحث فيه أول الباب (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ، ورسوله ﷺ ، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر، والتجبّر، وغير ذلك، ويقال: كان ذلك في الجاهليّة الْجَهْلاء، وهو توكيد للأول، اشتُقّ له من اسمه، ما يؤكّد به، كما يقال: وَتِدٌ واتدٌ، وليلةٌ ليلاءُ، وَلومٌ أَيْوَمُ، أفاده في "اللسان" (٣). قال القرطبيّ ﵀: قول عائشة ﵁: "كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية"؛ يدلّ على أن صوم هذا اليوم كان عندهم معلومَ المشروعيّة والقدر، ولعلهم كانوا يستندون في صومه إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل- صلوات الله وسلامه عليهما-؛ فإنهم كانوا ينتسبون إليهما، ويستندون في كثير من أحكام الحج وغيره إليهما. وأما صوم رسول الله ﷺ له فيَحْتَمِل أن يكون بحكم الموافقة لهم عليه، كما وافقهم على أن يَحُجّ معهم على ما كانوا يحجّون -أعني: حجته الأولى التي حجها قبل هجرته، وقبل فرض الحج-؛ إذ كل ذلك فعل خير.

стр. 12376

ويمكن أن يقال: أذن الله تعالى له في صيامه، فلما قَدِم المدينة وجد اليهود يصومونه، فسألهم عن الحامل لهم على صومه؟ فقالوا ما ذكره ابن عباس ﵂: إنه يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى ﵇ شكرًا، فنحن نصومه، فقال النبيّ ﷺ : "فنحن أحق وأولى بموسى منكم"؛ فحينئذ صامه بالمدينة، وأمر بصيامه؛ أي: أوجب صيامه، وأكّد أمره؛ حتى كانوا يُصوِّمون الصغار، فالتزمه ﷺ ، وألزمه أصحابه إلى أن فُرِض شهر رمضان، ونُسِخ صوم يوم عاشوراء، فقال إذ ذاك: "إن الله لم يكتب عليكم صيام هذا اليوم"، ثم خَيَّر في صومه وفطره، وأبقى عليه الفضيلة بقوله: "وأنا صائم"، كما جاء في حديث معاوية ﵁. وعلى هذا: فلم يصم النبيّ ﷺ عاشوراء اقتداء باليهود؛ فإنه كان يصوم قبل قدومه عليهم، وقبل علمه بحالهم، لكن الذي حدث له عند ذلك إلزامه والتزامه؛ استئلافًا لليهود، واستدراجًا لهم، كما كانت الحكمة في استقباله قبلتهم، وكان هذا الوقت هو الوقت الذي كان النبيّ ﷺ يحبُّ فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْهَ عنه. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: دعواه كون صومه ﷺ لشوراء استئلافًا لليهود فيه نظر؛ إذ كان يصومه قبل ذلك، كما أشار إليه قبل، وأيضًا فقد علّل في صومه بأنه اتباع لموسى ﵇، حيث قال: "نحن أولى بموسى منكم". وأما دعواه كون استقبال القبلة؛ للاستئلاف أيضًا، فغير صحيح؛ لأنه ثبت أنه ﷺ كان وهو بمكة يستقبل بيت المقدس، فلما هاجر استمرّ عليه، وليس ذلك؛ لاستئلافهم، حتى نُسخ ذلك بالكعبة، وقد تقدّم تحقيق هذا في بابه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ) وفي رواية البخاريّ: "وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهليّة": أي قبل أن يهاجر إلى المدينة (فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ صَامَهُ) أي صام ﷺ يوم عاشوراء (وَأَمَرَ) الناس (بِصِيَامِهِ) وفي نسخة: "بصومه"، قال في "الفتح" ما حاصله: يستفاد من هذا تعيين الوقت الذي وقع

стр. 12377

فيه الأمر بصيام عاشوراء، وقد كان أوّلَ قدومه ﷺ المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فُرِض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فُوِّض الأمر في صومه إلى رأي المتطوِّع، فعلى تقدير صحة قول من يَدَّعِي أنه كان قد فُرِض فقد نُسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة. ونَقَل القاضي عياض أن بعض السلف كان يَرَى بقاء فرضية عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك، ونَقَل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماعَ على أنه مستحبّ، وكان ابن عمر يَكْرَه قصده بالصوم، ثم انقرضَ القول بذلك. وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلّهم تلقَّوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظِّمونه بكسوة الكعبة فيه، وغير ذلك، قال: ثم رأيت في المجلس الثالث من مجالس الباغنديّ الكبير، عن عكرمة أنه سُئل عن ذلك، فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية، فعَظُم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يُكَفّر ذلك. هذا أو معناه. انتهى (١). (فَلَمَّا فُرِضَ) بالبناء للمفعول (شَهْرُ رَمَضَانَ) أي صيامه (قَالَ) ﷺ ("مَنْ شَاءَ صَامَهُ) أي صام يوم عاشوراء (وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ") أي لكونه تطوّعًا، وقال النوويّ ﵀: معناه: أنه ليس متحتِّمًا، فأبو حنيفة يقدره: ليس بواجب، والشافعية يقدرونه: ليس متأكدًا أكمل التأكيد، وعلى المذهبين فهو سنة مستحبة الآن من حين قال النبيّ ﷺ هذا الكلام، قال: والعلماء مُجْمِعون على استحبابه وتعيينه؛ للأحاديث الصحيحة المذكورة في الباب، وأما قول ابن مسعود ﵀: "كنا نصومه، ثم تُرِك": فمعناه: أنه لم يَبْقَ كما كان من الوجوب، أو تأكد الندب. انتهى كلام النوويّ بتصرّف (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12378

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٣٧ و ٢٦٣٨ و ٢٦٣٩ و ٢٦٤٠ و ٢٦٤١] (١١٢٥)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٩٢) و"الصوم" (١٨٩٣ و ٢٠٠١) و"المناقب" (٣٨٣١) و"التفسير" (٤٥٠٢ و ٤٥٠٤)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٤٢)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٥٣)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٥٧)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ٢٩٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٨٤٢ و ٧٨٤٤ و ٧٨٤٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٥)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٦٢ و ٢٤٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٨٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٢١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢/ ٢١٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٧٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٣٦ و ٢٣٧ و ٢٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠٦ و ٢٠٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٨ و ٢٩٠) و"المعرفة" (٣/ ٤٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل صوم يوم عاشوراء؛ لأنه لم يخصّه رسول الله ﷺ بندبه أمته إلى صيامه، وإرشادهم إلى ذلك، وإخباره إياهم بأنه صائم له؛ ليقتدوا به، إلا لفضل فيه، وفي رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، قاله أبو عمر ﵀ (١). ٢ - (ومنها): بيان استحباب صوم يوم عاشوراء، وأنه بأن لا نسخ فيه. ٣ - (منها): بيان أن صوم عاشوراء كان واجبًا قبل فرض رمضان، ثم نُسخ، وفيه اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.

стр. 12379

٤ - (ومنها): بيان جواز النسخ في شريعتنا، ووقوعه أيضًا، وهو مجمع عليه بين المسلمين، وقد ذكرت ذلك في "التحفة المرضيّة" في الأصول بقولي: اعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَهْ … نَاسِخَةٌ لِمَا مَضَى جَمِيعَهْ صَالِحَةٌ لِكُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانْ … تَعُمُّ كُلَّ النَّاسِ أَمْنًا ذَا ضَمَانْ لِذَاكَ صَارَتْ خَيْرَ شِرْعَةِ السَّمَا … وَأَهْلُهَا الْوَسَطُ تَعْلُو الأُمَمَا ثُمَّ اعْلَمَنْ أَيْضًا بِأَنْ الأُمّهْ … قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى وِفَاقِ الْحِكْمَهْ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ مَعْ وُقُوعِهِ … يَمْحُو الإِلَهُ مَا يَشَا مِنْ شَرْعِهِ يَقُولُ سُبْحَانَهُ "مَا نَنْسَخْ" كَذَا … قَدْ قَالَ "يَمْحُو" خُذْ مِثَالًا يُحْتَذَى تَحْوِيلَ قِبْلَةٍ وَنَسْخَ عِدَّةِ … وَصَبْرَ وَاحِدٍ لَدَى عَشَرَةِ وقلت في بيان حكمة النسخ: فَاللهُ جَلَّ وَعَلَا يَحْكُمُ مَا … يَشَا فَفِي النَّسْخ أَرَادَ حِكَمَا تَخْفِيفُهُ عَنْ خَلْقِهِ وَتَوْسِعَهْ … كَنَسْخِهِ الأَثْقَلَ قُلْ مَا أَوْسَعَهْ تَكْثِيرُ أَجْرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ يَكُنْ … نَسْخُ الأَخَفِّ أَيْ بِأَثْقَلَ فَصُنْ وَدَفْعُ حُجَّةِ الْيَهُودِ الْفَجَرَهْ … وَالْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِينَ الكَفَرَهْ إِذْ أَنْكَرُوا النَّسْخَ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى … الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَامِلِ الْعَلَا تَمْيِيزُهُ الْقَوِيَّ فِي الإِيمَانِ … مِمَّنْ هُوَ الضَّعِيفُ فِي الإِيقَانِ وَالامْتِحَانُ بِكَمَالِ الانْقِيَادْ … مُبَادِرًا لأَمْرِ قَاهِرِ الْعِبَادْ وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ فِي النَّسْخِ تُرَى … قَبْلَ تَمَكُّنٍ مِنَ الْفِعْلِ جَرَى كَمِثْلِ مَا جَرَى لإِبْرَاهِيمَ فِي … ذَبْحِ ابْنِهِ الْحَلِيمِ ذِي الْعَهْدِ الْوَفِي ثُمَّةَ ذَا النَّاسِخُ خَيْرٌ مُطْلَقَا … أَخَفَّ أَوْ أَثْقَلَ أَوْ قَدْ وَافَقَا ٥ - (ومنها): بيان أن النسخ قد يكون بالأثقل، فإن صوم عاشوراء يوم واحد نُسخ بصوم شهر رمضان. ٦ - (ومنها): بيان أن لا فرض في الصوم غير شهر رمضان، وهذا مجمع. ٧ - (ومنها): بيان أن النبيّ ﷺ كان يوافق قريشًا على ما يفعلونه من الخير، كصوم يوم عاشوراء، وكالحج والعمرة. ٨ - (ومنها): بيان أنه ﷺ كان يوافق أهل الكتاب أيضًا فيما يفعلونه حتى

стр. 12380

أُمِر بمخالفتهم، فخالفهم فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يَسْدِل شعره، وكان المشركون يَفْرُقُون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يَسْدِلون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق رسول الله ﷺ رأسه. ٩ - (ومنها): بيان مشروعيّة شكر الله تعالى بالصوم لمن حصل له خير من تفريج كرب، أو تيسير أمر. ١٠ - (ومنها): بيان أن ما حصل من النعم للأنبياء السابقين -كنجاة نوح ﵇، ونجاة موسى ﵇، وغرق فرعون- ينبغي لنا أن نفرح به، ونشكر الله تعالى على ذلك؛ فإنه من جملة النعم الواصلة إلينا بالواسطة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صوم يوم عاشوراء: قال النوويّ ﵀: اتَّفَق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليومَ سنةٌ، ليس بواجب، واختلفوا في حكمه في أول الإسلام حين شُرِع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا، واختَلَف أصحاب الشافعيّ فيه على وجهين مشهورين: أشهرهما عندهم أنه لم يزل سنةً من حين شُرع، ولم يكن واجبًا قطّ في هذه الأمة، ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبًّا دون ذلك الاستحباب، والثاني كان واجبًا يقول أبي حنيفة، وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مُفطرين أول يوم عاشوراء، ثم أمروا بصيامه بنيّة من النهار، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه، وأصحاب الشافعيّ يقولون: كان مستحبًّا فصحّ بنيّة من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: "أَمَر بصيامه"، والأمر للوجوب، وبقوله: "فلما فُرِض رمضان قال: من شاء صامه، ومن شاء تركه"، ويحتجّ الشافعية بقوله: "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه"، انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى قوّة ما ذهب إله الإمام أبو حنيفة، وسيأتي ترجيحه، والجواب عما تمسّك به الشافعيّة في كلام ابن القيّم ﵀. قال ﵀: واختَلَف الناس في يوم عاشوراء، هل كان صومه واجبًا أو

стр. 12381

تطوعًا؟ فقالت طائفة: كان واجبًا، وهذا قول أبي حنيفة، ورُوي عن أحمد، وقال أصحاب الشافعيّ: لم يكن واجبًا، وإنما كان تطوعًا، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنبليّة، وقال: هو قياس المذهب (١)، واحتج هؤلاء بثلاث حُجَج: [إحداها]: ما أخرجاه في "الصحيحين" عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵁ خطيبًا بالمدينة؛ يعني في قدمة قَدِمَها خطبهم يوم عاشوراء، فقال: "أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول إلله ﷺ يقول لهذا اليوم: "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم فليصم، ومن أحب منكم أن يفطر فليفطر". اهـ. [الحجة الثانية]: ما في "الصحيحين" أيضًا عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ رجلًا مِن أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: من كان لم يصم فليصم"، قالوا: فهذا أمر بإنشاء الصيام أثناء النهار، وهذا لا يجوز إلا في التطوع، وأما الصيام الواجب فلا يصح إلا بنيّة قبل الفجر. [الحجة الثالثة]: أن النبيّ ﷺ لم يأمر المفطرين فيه إذ ذاك بالقضاء. واحتج الأولون بحُجَج: [إحداها]: ما أخرجاه في "الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرض شهر رمضان، قال: "من شاء صامه، ومن شاء تركه"، وفي صحيح البخاريّ عن ابن عمر ﵄ قال: صام النبيّ ﷺ عاشوراء، وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان تركه. قالوا: ومعلوم أن الذي تُرِك هو وجوب صومه، لا استحبابه؛ فإن النبيّ ﷺ كان يُرَغِّب فيه، ويُخبر أن صيامه كفارة سنة، وقد أخبر ابن عباس أن النبيّ ﷺ كان يصومه إلى حين وفاته، وأنه عَزَم قبل وفاته بعام على صيام التاسع، فلو كان المتروك مشروعيته لم يكن لقصد المخالفة بضم التاسع إليه معنى، فعُلِم أن المتروك هو وجوبه.

стр. 12382

[الحجة الثانية]: أن في "الصحيحين" أن النبيّ ﷺ أمر مَن كان أكل بأن يمسك بقية يومه، وهذا صريح في الوجوب، فإن صوم التطوع لا يُتصوَّر فيه إمساك بعد الفطر. [الحجة الثالثة]: ما في "الصحيحين" أيضًا عن عائشة ﵁ قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، فذكرت الحديث، إلى أن قالت: فلما فُرِض رمضان كان هو الفريضة … الحديث، وهذا اللفظ من سياق البيهقيّ، فقولها: كان هو الفريضةَ دالّ على أن عاشوراء كان واجبًا، وأن رمضان صار هو الفرض، لا عاشوراءُ، وإلا لم يكن لقولها: كان هو الفريضة معنى. قال الموجبون: وأما حديث معاوية ﵁ فمعناه: ليس مكتوبًا عليكم الآن، أو لم يكتبه بعد نزول رمضان، أو إنما نَفَى الكَتْب، وهو الفرض المؤكد الثابت بالقرآن، ووجوب عاشوراء إنما كان بالسنة، ولا يلزم من نفي كتبِه وفرضه نفيُ كونه واجبًا، فإن المكتوب أخصّ من مطلق الواجب، وهذا جارٍ على أصل مَن يُفَرِّق بين الفرض والواجب، وقد نصّ أحمد في إحدى الروايتين عنه على أنه لا يقال: فرضٌ إلا لما ثبت بالقرآن، وأما ما ثبت بالسنة فإنه يسميه واجبًا. قالوا: وأما تصحيحه بنيّة من النهار، فالجواب عنه من وجهين: [أحدهما]: أن هذا حجة لمن يقول بجواز صوم الفرض بنيّة من النهار، قالوا: وهو عمدتنا في المسألة، فليس لكم أن تنفوا وجوبه بناءًا على بطلان هذا القول، فإنه دَوْرٌ ممتنع، ومصادر باطلة، وهذا جواب أصحاب أبي حنيفة. قال منازعوهم: إذا قلتم إنه كان واجبًا ثبت نسخه اتفاقًا، وأنتم إنما جوّزتم الصوم المفروض بنيّة من النهار بطريق الاستنباط منه، وأن ذلك من متعلقاته ولوازمه، والحكم إذا نُسِخ نسخت لوازمه، ومتعلقاته، ومفهومه، وما ثبت بالقياس عليه؛ لأنها فرع الثبوت على الأصل، فإذا ارتَفَع الأصل امتنع بقاء الفرع بعده. قال الحنفية: الحديث دلّ على شيئين: أحدهما إجزاء الصوم الواجب بنيّة من النهار، والثاني تعيين الصوم الواجب بأنه يوم عاشوراء، فنُسِخ تعيين الواجب برمضان، وبقي الحكم الآخر لا معارض له، فلا يصح دعوى نسخه؛

стр. 12383

إذ الناسخ إنما هو تعيين الصوم، وإبداله بغيره، لا إجزاؤه بنية من النهار. [الجواب الثماني]: أن ذلك الصوم إنما صح بنيّة من النهار؛ لأن الوجوب إنما ثبت في حقّ المكلفين من النهار، حين أمر النبيّ ﷺ المنادي أن ينادي بالأمر بصومه، فحينئذ تجدد الوجوب، فقارنت النية وقت وجوبه. وقيل: هذا لم يكن واجبًا، فلم تكن نية التبييت واجبة. قالوا: وهذا نظير الكافر يُسلم في أثناء النهار، أو الصبيّ يَبْلُغ، فإنه يُمْسِك من حين يثبت الوجوب في ذمته، ولا قضاء عليه، كما قاله مالك، وأبو ثور، وابن المنذر، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. ونظيره أيضًا إذا أثبتنا الصوم تطوعًا بنيّة من النهار، ثم نَذَر إتمامه، فإنه يجزئه بنيّته عند مقارنة الوجوب. قالوا: ولا يَرِد علينا ما إذا قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار، حيث يلزم القضاء لمن لم يكن قد بيّت الصوم؛ لأن الوجوب هنا كان ثابتًا، وإنما خفي على بعض الناس، وتساوي المكلفين في العلم بالوجوب لا يشترط، بخلاف ابتداء الأمر بصيام عاشوراء، فإنه حينئذ ابتداء وجوبه، فالفرق إنما هو بين ابتداء الوجوب، والشروع في الإمساك عقبه، وبين خفاء ما تقدم وجوبه، ثم تجدد سبب العلم بوجوبه، فإن صحّ هذا الفرق، وإلا فالصواب التسوية بين الصورتين، وعدم وجوب القضاء، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن من علم برؤية الهلال أثناء النهار وجب عليه صوم بقيّة اليوم، ولا قضاء عليه، وهذا هو القول الراجح؛ لقوّة دليله، كما حقّقته في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (١)، وبالله تعالى التوفيق. قال: قالوا: وأما حجتكم الثالثة بأنه لم يأمرهم بالقضاء، فجوابها من وجهين: أحدهما: أنا قد ذكرنا حديث أبي داود أنهم أُمِرُوا بالقضاء، وقد اختُلِف في هذا الحديث، فإن كان ثابتًا فهو دليل على الوجوب، وإن لم يكن ثابتًا فإنما لم يؤمروا بالقضاء؛ لعدم تقدم الوجوب؛ إذ الوجوب إنما ثبت عند أمره،

стр. 12384

فاكتفى منهم بإمساك ما بقي، كالصبي يبلغ، والكافر يسلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ باختصار (١). ظ ل الجامع عفا الله عنه: أشار بحديث أبي داود إلى ما أخرجه هو والنسائيّ، من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة، عن عمة، أن أسلم أتت النبيّ ﷺ ، فقال: "صمتم يومكم هذا؟ " قالوا: لا، قال: "فأتموا بقية يومكم، واقضوه". وهذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن سلمة، قال ابن القطّان: مجهول، وقال الذهبيّ: لا يُعرف، وقال في "التقريب": مقبولٌ؛ أي حيث يُتابع، ولم يُتابع هنا، فالحديث بزيادة: "واقضوه" لا يصحّ؛ لما ذُكر، فتنبه. والحاصل أن مجموع الأحاديث تدلّ دلالة قويّةً على أن صوم عاشوراء كان واجبًا، وذلك لثبوت الأمر بصومه، والأمر للوجوب، ثم تأكُّد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرضعن فيه الأطفال، كما سيأتي معظم هذه الأحاديث في الباب، وبقول ابن مسعود ﵄ الثابت فيه أيضًا: "لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء"، مع العلم بأنه ما تُرِك استحبابه، بل هو باق، فدلّ على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه بأن، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ ، حيث يقول: "لئن عِشت لأصومنّ التاسع والعاشر"، ولترغيبه في صومه، وأنه يكفّر سنة، وأيّ تأكيد أبلغ من هذا؟. فتلخّص مما سبق أن صوم عاشوراء كان واجبًا، ثم نُسخ وجوبه برمضان، وبقي استحبابه، وهذا هو المذهب الراجح؛ لقوّة حُججه، كما سبق إيضاحه آنفًا. ومن الغريب أن الحافظ ﵀ حقق هذه الحجج، كما سمعت، لكنه مال

стр. 12385

إلى ترجيح قول من قال بعدم الوجوب، حيث قال: والذي يترجّح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا، فقد نُسِخ بلا ريب، فنسخ حكمه، وشرائطه بدليل قوله: "من أكل فليتمّ"، ومن لا يشترط النيّة من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار. قمال الجامع عفا الله عنه: قوله: "والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا"، إن أراد كونه مذهب الجمهور، فمسلَّم، وإن أراد أنه راجح من حيث الدليل فلا؛ لأن الذي يترجح بالأدلة الواضحة كونه فرضًا، لكنه نسخ برمضان، كما سمعته آنفًا، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ذكر الإمام ابن القيّم ﵀ في كتابه القيّم: زاد المعاد" عدّة استشكالات وردت على أحاديث صوم يوم عاشوراء، ثم أجاب عنها، أحببت إيرادها هنا؛ تكميلًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، قال ﵀: وأما صيام يوم عاشوراء، فإنه ﷺ كان يتحرى صومه على سائر الأيام، ولَمّا قَدِم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظمه، فقال: "نحن أحقّ بموسى منكم" فصامه، وأمر بصيامه، وذلك قبل فرض رمضان، فلما فُرِض رمضان قال: "من شاء صامه، ومن شاء تركه". قال: وقد استَشْكَل بعض الناس هذا، وقال: إنما قدم رسول الله ﷺ المدينة في شهر ربيع الأول، فكيف يقول ابن عباس: إنه قَدِمَ المدينة، فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء. وفيه إشكال آخر، وهو أنه قد ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان ﷺ يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِض شهر رمضان قال: "من شاء صامه، ومن شاء تركه". وإشكال آخر، وهو ما ثبت في "الصحيحين" أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود ﵄، وهو يتغدى، فقال: يا أبا محمد ادْنُ إلى الغداء، فقال: أوَ ليس اليوم يوم عاشوراء؟ فقال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟

стр. 12386

قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تركه. وقد روى مسلم في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ حين صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى تُوُفّي رسول الله ﷺ . فهذا فيه أن صومه، والأمر بصيامه قبل وفاته بعام، وحديثه المتقدّم فيه أن ذلك كان عند مَقْدَمه المدينة، ثم إن ابن مسعود ﵁ أخبر أن يوم عاشوراء تُرِك برمضان، وهذا يخالفه حديث ابن عباس المذكور، ولا يمكن أن يقال تُرك فرضه؛ لأنه لم يُفْرَض؛ لما ثبت في "الصحيحين" عن معاوية بن أبي سفيان ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر"، ومعاوية إنما سمع هذا بعد الفتح قطعًا. وإشكال آخر، وهو أن مسلمًا روى في "صحيحه" عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه لما قيل لرسول الله ﷺ : إن هذا اليوم تعظمه اليهود والنصارى، قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع"، فلم يأت العام القابل حتى تُوُفّي رسول الله ﷺ ، ثم رَوَى مسلم في "صحيحه" عن الحكم بن الأعرج، قال: انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرَّم، فاعدُد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: نعم. وإشكال آخر، وهو أن صومه إن كان واجبًا مفروضًا في أول الإسلام، فلمَ لم يأمرهم بقضائه؟ وقد فات تبييت النية له من الليل، وإن لم يكن فرضًا، فكيف أمر بإتمام الإمساك من كان أكل؟، كما في "المسند"، و"السنن" من وجوه متعددة أنه ﵇ أمر من كان طَعِمَ فيه أن يصوم بقية يومه، وهذا إنما يكون في الواجب، وكيف يصحّ قول ابن مسعود ﵁: فلما فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء، واستحبابه لم يترك؟. وإشكال آخر، وهو أن ابن عباس جعل يوم عاشوراء يوم التاسع، وأخبر

стр. 12387

أن هكذا كان يصومه ﷺ ، وهو الذي رَوَى عن النبيّ ﷺ : "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده" (١)، ذكره أحمد، وهو الذي روى: أمرنا رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء يوم العاشر، ذكره الترمذيّ (٢). [فالجواب]: عن هذه الإشكالات -بعون الله وتأييده وتوفيقه-: أما الإشكال الأول، وهو أنه لَمّا قَدِم المدينة وجدهم يصومون يوم عاشوراء، فليس فيه أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قَدِم يوم الاثنين في ربيع الأول ثاني عشرة، ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة، ولم يكن وهو بمكة، هذا إن كان حساب أهل الكتاب في صومه بالأشهر الهلالية، وإن كان بالشمسية زال الإشكال بالكلية، ويكون اليوم الذي نَجَّى الله فيه موسى هو يوم عاشوراء، من أول المحرَّم، فضبطه أهل الكتاب بالشهور الشمسية، فوافق ذلك مَقْدَم النبيّ ﷺ المدينة في ربيع الأول، وصوم أهل الكتاب إنما هو بحساب سير الشمس، وصوم المسلمين إنما هو بالشهر الهلالي، وكذلك حجّهم، وجميع ما تعتبر له الأشهر من واجب، أو مستحبّ، فقال النبيّ ﷺ : "نحن أحقّ بموسى منكم"، فظهر حكم هذه الأولوية في تعظيم هذا اليوم، وفي تعيينه، وهم أخطؤوا تعيينه لدورانه في السنة الشمسية، كما أخطأ النصارى في تعيين صومهم بأن جعلوه في فصل من السنة تختلف فيه الأشهر. وأما الإشكال الثاني، وهو أن قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلا ريب أن قريشًا كانت تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه، ولكن إنما كانوا يَعُدُّون بالأهلة،

стр. 12388

فكان عندهم عاشر المحرم، فلما قَدِمَ النبيّ ﷺ المدينة، وجدهم يعظمون ذلك اليوم، ويصومونه، فسألهم عنه، فقالوا: هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون، فقال ﷺ : "نحن أحقّ منكم بموسى"، فصامه، وأمر بصيامه؛ تقريرًا لتعظيمه، وتأكيدًا، وأخبر ﷺ أنه وأمته أحق بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شكرًا لله، كنا أحق أن نقتدي به من اليهود، لا سيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما لم يخالفه شرعنا. [فإن قيل]: من أين لكم أن موسى صامه؟. [قلنا]: ثبت في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ لما سألهم عنه، فقالوا: يوم عظيم، نجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : "فنحن أحق وأولى بموسى منكم"، فصامه، وأمر بصيامه، فلما أقرهم على ذلك، ولم يكذِّبهم عُلِم أن موسى صامه شكرًا لله، فانضم هذا القدر إلى التعظيم الذي كان له قبل الهجرة، فازداد تأكيدًا حتى بعث رسول الله ﷺ مناديًا ينادي في الأمصار بصومه، وإمساك من كان أكل، والظاهر أنه حَتَمَ ذلك عليهم، وأوجبه، كما سيأتي تقريره. وأما الإشكال الثالث، وهو أن رسول الله ﷺ كان يصوم يوم عاشوراء قبل أن ينزل فرض رمضان، فلما نزل فرض رمضان تركه، فهذ، لا يمكن التخلص منه إلا بأن صيامه كان فرضًا قبل رمضان، وحينئذ فيكون المتروك وجوب صومه، لا استحبابه، ويتعين هذا، ولا بدّ؛ لأنه ﵇ قال قبل وفاته بعام، وقد قيل له: إن اليهود يصومونه: "لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التاسع"؛ أي معه، وقال: "خالفوا اليهود، وصوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده" (١)؛ أي معه، ولا ريب أن هذا كان في آخر الأمر، وأما في أول الأمر فكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فعلم أن استحبابه لم يترك. ويلزم من قال: إن صومه لم يكن واجبًا أحد الأمرين: إما أن يقول بترك

стр. 12389

استحبابه، فلم يبق مستحبًّا، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعود ﵁ برأيه، وخَفِي عليه استحباب صومه، وهذا بعيد، فإن النبيّ ﷺ حثهم على صيامه، وأخبر أن صومه يكفّر السنة الماضية، واستمرّ الصحابة على صيامه إلى حين وفاته، ولم يروَ عنه حرف واحد بالنهي عنه، وكراهة صومه، فعُلِم أن الذي تُرِك وجوبه، لا استحبابه. [فإن قيل]: حديث معاوية ﵁ المتفق على صحته صريح في عدم فرضيته، وأنه لم يُفْرَض قط. [فالجواب]: أن حديث معاوية ﵁ صريح في نفي استمرار وجوبه، وأنه الآن غير واجب، ولا ينفي وجوبًا متقدمًا منسوخًا، فإنه لا يمتنع أن يقال لما كان واجبًا ونُسخ وجوبه: إن الله لم يكتبه علينا. وجواب ثانٍ: أن غايته أن يكون النفي عامًّا في الزمان الماضي والحاضر، فَيُخَصّ بأدلة الوجوب في الماضي، وترك النفي في استمرار الوجوب. وجواب ثالث: وهو أنه ﷺ إنما نفى أن يكون فرضه ووجوبه مستفادًا من جهة القرآن، ويدل على هذا قوله: "إن الله لم يكتبه علينا"، وهذا لا ينفي الوجوب بغير ذلك، فإن الواجب الذي كتبه الله على عباده هو ما أخبرهم بأنه كتبه عليهم، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣] فأخبر ﷺ أن صوم يوم عاشوراء لم يكن داخلًا في هذا المكتوب الذي كتبه الله علينا؛ دفعًا لتوهّم من يتوهّم أنه داخل فيما كتبه الله علينا، فلا تناقض بين هذا وبين الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخًا بهذا الصيام المكتوب، يوضح هذا أن معاوبة ﵁ إنما سمع هذا منه بعد فتح مكة، واستقرار فرض رمضان، ونسخ وجوب عاشوراء به، والذين شَهِدوا أمره بصيامه، والنداء بذلك، وبالإمساك لمن أكل، شهدوا ذلك قبل فرض رمضان عند مقدمه المدينة، وفَرْضُ رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة، فتُوفّي رسول الله ﷺ وقد صام تسع رمضانات، فمن شَهِد الأمر بصيامه، شهده قبل نزول رمضان، ومن شهد الإخبار عن عدم فرضه، شهده في آخر الأمر، بعد فرض رمضان، وإن لم يُسْلَك هذا المسلكُ تناقضت أحاديث الباب واضطربت.

стр. 12390

[فإن قيل]: فكيف يكون فرضًا، ولم يحصل تبييت النية من الليل، وقد قال: "لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل؟ ". [فالجواب]: أن هذا الحديث مختلَفٌ فيه، هل هو من كلام النبيّ ﷺ ، أو من قول حفصة وعائشة ﵄؟. فأما حديث حفصة فأوقفه عليها معمر، وسفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهريّ، ورفعه بعضهم، وأكثر أهل الحديث يقولون: الموقوف أصحّ، قال الترمذيّ: وقد رواه نافع، عن ابن عمر قولَهُ، وهو أصحّ، ومنهم من يصحِّح رفعه؛ لثقة رافعه، وعدالته. وحديث عائشة ﵂ أيضًا روي مرفوعًا وموقوفًا، واختُلف في تصحيح رفعه، فإن لم يثبت رفعه فلا كلام، وإن ثبت رفعه فمعلوم أن هذا إنما قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخر عن الأمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك تجديد حكمٍ واجب، وهو التبييت، وليس نسخًا الحاكم ثابت بخطاب، فإجزاء صيام يوم عاشوراء بنيّة من النهار كان قبل فرض رمضان، وقبل فرض التبييت من الليل، ثم نُسِخ وجوب صومه برمضان، وتجدد وجوب التبييت، فهذه طريقة. وطريقة ثانية: هي طريقة أصحاب أبي حنيفة، أن وجوب صيام يوم عاشوراء تضمن أمرين: وجوب صوم ذلك اليوم، وإجزاء صومه بنيّة من النهار، ثم نُسِخ تعيين الواجب بواجب آخر، فبقي حكم الإجزاء بنيّة من النهار غير منسوخ. وطريقة ثالثة: وهي أن الواجب تابع للعلم، ووجوب عاشوراء إنما عُلِم من النهار، وحينئذ فلم يكن التبييت ممكنًا، فالنية وجبت وقت تجدد الوجوب، والعلم به، وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق، وهو ممتنع. قالوا: وعلى هذا إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، أجزأ صومه بنيّة مقارنة للعلم بالوجوب، وأصله صوم يوم عاشوراء، وهذه طريقة شيخنا -يعني ابن تيميّة- وهي كما تراها أصحّ الطرق، وأقربها إلى موافقة أصول الشرع، وقواعده، وعليها تدل الأحاديث، ويجتمع شملها الذي يُظَنّ تفرُّقه، ويُتَخَلَّص من دعوى النسخ بغير ضرورة، وغير هذه الطريقة لا بدّ فيه من مخالفة قاعدة من قواعد الشرع، أو مخالفة بعض الآثار، وإذا كان النبيّ ﷺ لم يأمر أهل

стр. 12391

قباء بإعادة الصلاة التي صَلَّوا بعضها إلى القبلة المنسوخة؛ إذ لم يبلغهم وجوب التحول، فكذلك من لم يبلغه وجوب فرض الصوم، أو لم يتمكن من العلم بسبب وجوبه، لم يؤمر بالقضاء. ولا يقال: إنه ترك التبييت الواجب؛ إذ وجوب التبييت تابع للعلم بوجوب المبيَّت، وهذا في غاية الظهور، ولا ريب أن هذه الطريقة أصحّ من طريقة من يقول: كان عاشوراء فرضًا، وكان يجزئ صيامه بنية من النهار، ثم نُسخ الحكم بوجوبه، فنُسخت متعلّقاته، ومن متعلّقاته إجزاء صيامه بنيّة من النهار؛ لأن متعلقاته تابعة له، وإذا زال المتبوع زالت توابعه، ومتعلقاته، فإن إجزاء الصوم الواجب بنيّة من النهار، لم يكن من متعلقات خصوص هذا اليوم، بل من متعلقات الصوم الواجب، والصومُ الواجب لم يزل، وإنما زال تعيينه، فنُقِل من محل إلى محل، والإجزاء بنيّة من النهار وعدمه، من توابع أصل الصوم، لا تعيينه. وأصح من طريقة من يقول: إن صوم يوم عاشوراء لم يكن واجبًا قط؛ لأنه قد ثبت الأمر به، وتأكيد الأمر بالنداء العامّ، وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل بالإمساك، وكل هذا ظاهرٌ قويّ في الوجوب، ويقول ابن مسعود لأنَّه: إنه لما فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء، ومعلوم أن استحبابه لم يترك بالأدلة التي تقدمت، وغيرها، فيتعين أن يكون المتروك وجوبه، فهذه خمسُ طرق للناس في ذلك، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد أفاد العلامة ابن القيّم ﵀ في هذا التحقيق، وخلاصته ترجيح أنه إنما جاز صوم عاشوراء بنيّة من النهار؛ لعدم علمهم بوجوبه في الليل، فلما علموا في النهار تعيّن عليهم الإمساك منه، ولم يؤمروا بقضائه، فدلّ على أنه لا مخالفة بينه وبين دليل وجوب تبييت النيّة، وهو رأي شيخه شيخ الإسلام ابن تيميّة، وهو وجه وجيه قويّ، ينبغي الاعتماد عليه في دفع الإشكال المذكور، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: وأما الإشكال الرابع، وهو أن رسول الله ﷺ قال: "لئن بَقِيت إلى قابل لأصومنّ التاسع"، وأنه تُوُفّي قبل العام، وقول ابن عباس ﵄: إن رسول الله ﷺ كان يصوم التاسع، فابن عباس رَوَى هذا وهذا، وصح عنه هذا

стр. 12392

وهذا، ولا تنافي بينهما؛ إذ من الممكن أن يصوم التاسع، ويخبر أنه إن بقي إلى العام المقبل صامه، أو يكون ابن عباس أخبر عن فعله؛ مستندًا إلى ما عَزَم عليه، ووعد به، ويصح الإخبار عن ذلك مقيدًا؛ أي كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقًا إذا علم الحال، وعلى كل واحد من الاحتمالين، فلا تنافي بين الخبرين. وأما الإشكال الخامس، فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية. وأما الإشكال السادس، وهو قول ابن عباس: اعدُد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبيّن له زوال الإشكال، وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يَعُدّه الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله ﷺ كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعلُ ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حَمَلَ فعله على الأمر به، وعزمِه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: "صوموا يومًا قبله، ويومًا بعده"، وهو الذي روى: أمرَنا رسول الله ﷺ بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر، وكل هذه الآثار عنه يصدِّق بعضها بعضًا، ويؤيد بعضها بعضًا. فمراتب صومه ثلاثة: أكملها أن يصام قبله يومٌ، وبعده يوم (١)، ويلي ذلك أن يصام التاسع العاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم. وأما إفراد التاسع فمِنْ نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب. وقد سلك بعض أهل العلم مسلكًا آخر، فقال: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة، مع الإتيان بها، وذلك يحصُل بأحد أمرين: إما بنقل العاشر إلى التاسع، أو بصيامهما معًا، وقوله: "إذا كان العام المقبل صمنا التاسع" يَحْتَمِل الأمرين، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يتبيّن لنا مراده، فكان

стр. 12393

الاحتياط صيام اليومين معًا، قال ابن القيّم ﵀: والطريقة التي ذكرناها أصوب -إن شاء الله- ومجموع أحاديث ابن عباس يدل عليها؛ لأن قوله في حديث أحمد: "خالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده" (١)، وقوله في حديث الترمذيّ: "أمرنا بصيام عاشوراء يوم العاشر" يبيّن صحة الطريقة التي سلكناها، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحًدِيثِ: "وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ"، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ"، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِوَايَةِ جَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضًا. و"هشام " ذُكر قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ) الفاعل ضمير ابن نُمير. وقوله: (وَترك عاشوراء) يَحْتَمِلُ أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضميره ﷺ ، وَيحتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، و"عاشوراء" هو النائب. وقوله: (وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِوَايَةِ جَرِيرِ) يعني أن ابن نُمير جعل قوله: "وترك عاشوراء" من فعله ﷺ ، لا من قوله، بخلاف جرير، فإنه جعله من قوله ﷺ ، حيث قال: "فلما فُرض رمضانُ قال: من شاء … إلخ"، ففاعل "قال" ضمير النبيّ ﷺ ، فقد جعله من قوله ﷺ صريحًا، فتنبّه.

стр. 12394

[تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن هشام بن عروة هذه، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ في "مصنفه" (٢/ ٣١١) فقال: (٩٣٥٧) - حدّثنا ابن نُمَير، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان عاشوراء يوم (١) تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان كان هو الفريضة، وتَرَك عاشوراءَ (٢)، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٣٩] ( … ) - حَدَّثَنِي عَمْرٌو النّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵁: أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يُصَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (الزهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: هذه الرواية فيها اختصار تبيّنه الرواية السابقة، والآتية؛ أي: وصامه رسول الله ﷺ ، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وهو بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12395

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٤٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْن شِهَابٍ، أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يأْمُرُ بِصِيَامِهِ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَمَنْ شَاءَ أفطَرَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٤١] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عِرَاكًا أَخْبَرَهُ، أَن عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَن قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصِيَامِهِ، حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر، تقدّم قريبًا. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) تقدّم قبل باب. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
следующие страницы →