قباء بإعادة الصلاة التي صَلَّوا بعضها إلى القبلة المنسوخة؛ إذ لم يبلغهم وجوب التحول، فكذلك من لم يبلغه وجوب فرض الصوم، أو لم يتمكن من العلم بسبب وجوبه، لم يؤمر بالقضاء.
ولا يقال: إنه ترك التبييت الواجب؛ إذ وجوب التبييت تابع للعلم بوجوب المبيَّت، وهذا في غاية الظهور، ولا ريب أن هذه الطريقة أصحّ من طريقة من يقول: كان عاشوراء فرضًا، وكان يجزئ صيامه بنية من النهار، ثم نُسخ الحكم بوجوبه، فنُسخت متعلّقاته، ومن متعلّقاته إجزاء صيامه بنيّة من النهار؛ لأن متعلقاته تابعة له، وإذا زال المتبوع زالت توابعه، ومتعلقاته، فإن إجزاء الصوم الواجب بنيّة من النهار، لم يكن من متعلقات خصوص هذا اليوم، بل من متعلقات الصوم الواجب، والصومُ الواجب لم يزل، وإنما زال تعيينه، فنُقِل من محل إلى محل، والإجزاء بنيّة من النهار وعدمه، من توابع أصل الصوم، لا تعيينه.
وأصح من طريقة من يقول: إن صوم يوم عاشوراء لم يكن واجبًا قط؛ لأنه قد ثبت الأمر به، وتأكيد الأمر بالنداء العامّ، وزيادة تأكيده بالأمر لمن كان أكل بالإمساك، وكل هذا ظاهرٌ قويّ في الوجوب، ويقول ابن مسعود لأنَّه: إنه لما فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء، ومعلوم أن استحبابه لم يترك بالأدلة التي تقدمت، وغيرها، فيتعين أن يكون المتروك وجوبه، فهذه خمسُ طرق للناس في ذلك، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أفاد العلامة ابن القيّم ﵀ في هذا التحقيق، وخلاصته ترجيح أنه إنما جاز صوم عاشوراء بنيّة من النهار؛ لعدم علمهم بوجوبه في الليل، فلما علموا في النهار تعيّن عليهم الإمساك منه، ولم يؤمروا بقضائه، فدلّ على أنه لا مخالفة بينه وبين دليل وجوب تبييت النيّة، وهو رأي شيخه شيخ الإسلام ابن تيميّة، وهو وجه وجيه قويّ، ينبغي الاعتماد عليه في دفع الإشكال المذكور، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: وأما الإشكال الرابع، وهو أن رسول الله ﷺ قال: "لئن بَقِيت إلى قابل لأصومنّ التاسع"، وأنه تُوُفّي قبل العام، وقول ابن عباس ﵄: إن رسول الله ﷺ كان يصوم التاسع، فابن عباس رَوَى هذا وهذا، وصح عنه هذا
стр. 12392
وهذا، ولا تنافي بينهما؛ إذ من الممكن أن يصوم التاسع، ويخبر أنه إن بقي إلى العام المقبل صامه، أو يكون ابن عباس أخبر عن فعله؛ مستندًا إلى ما عَزَم عليه، ووعد به، ويصح الإخبار عن ذلك مقيدًا؛ أي كذلك كان يفعل لو بقي، ومطلقًا إذا علم الحال، وعلى كل واحد من الاحتمالين، فلا تنافي بين الخبرين.
وأما الإشكال الخامس، فقد تقدم جوابه بما فيه كفاية.
وأما الإشكال السادس، وهو قول ابن عباس: اعدُد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبيّن له زوال الإشكال، وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يَعُدّه الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله ﷺ كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعلُ ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حَمَلَ فعله على الأمر به، وعزمِه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: "صوموا يومًا قبله، ويومًا بعده"، وهو الذي روى: أمرَنا رسول الله ﷺ بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر، وكل هذه الآثار عنه يصدِّق بعضها بعضًا، ويؤيد بعضها بعضًا.
فمراتب صومه ثلاثة: أكملها أن يصام قبله يومٌ، وبعده يوم (١)، ويلي ذلك أن يصام التاسع العاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم.
وأما إفراد التاسع فمِنْ نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب.
وقد سلك بعض أهل العلم مسلكًا آخر، فقال: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه العبادة، مع الإتيان بها، وذلك يحصُل بأحد أمرين: إما بنقل العاشر إلى التاسع، أو بصيامهما معًا، وقوله: "إذا كان العام المقبل صمنا التاسع" يَحْتَمِل الأمرين، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يتبيّن لنا مراده، فكان
стр. 12393
الاحتياط صيام اليومين معًا، قال ابن القيّم ﵀: والطريقة التي ذكرناها أصوب -إن شاء الله- ومجموع أحاديث ابن عباس يدل عليها؛ لأن قوله في حديث أحمد: "خالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده" (١)، وقوله في حديث الترمذيّ: "أمرنا بصيام عاشوراء يوم العاشر" يبيّن صحة الطريقة التي سلكناها، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (٢)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٣٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحًدِيثِ: "وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ"، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ"، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِوَايَةِ جَرِيرٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضًا.
و"هشام " ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ) الفاعل ضمير ابن نُمير.
وقوله: (وَترك عاشوراء) يَحْتَمِلُ أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضميره ﷺ ، وَيحتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، و"عاشوراء" هو النائب.
وقوله: (وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَرِوَايَةِ جَرِيرِ) يعني أن ابن نُمير جعل قوله: "وترك عاشوراء" من فعله ﷺ ، لا من قوله، بخلاف جرير، فإنه جعله من قوله ﷺ ، حيث قال: "فلما فُرض رمضانُ قال: من شاء … إلخ"، ففاعل "قال" ضمير النبيّ ﷺ ، فقد جعله من قوله ﷺ صريحًا، فتنبّه.
стр. 12394
[تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن هشام بن عروة هذه، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ في "مصنفه" (٢/ ٣١١) فقال:
(٩٣٥٧) - حدّثنا ابن نُمَير، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان عاشوراء يوم (١) تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان كان هو الفريضة، وتَرَك عاشوراءَ (٢)، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٣٩] ( … ) - حَدَّثَنِي عَمْرٌو النّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵁: أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يُصَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الزهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: هذه الرواية فيها اختصار تبيّنه الرواية السابقة، والآتية؛ أي: وصامه رسول الله ﷺ ، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وهو بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12395
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْن شِهَابٍ، أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يأْمُرُ بِصِيَامِهِ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَمَنْ شَاءَ أفطَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤١] ( … ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عِرَاكًا أَخْبَرَهُ، أَن عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَن قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصِيَامِهِ، حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر، تقدّم قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) تقدّم قبل باب.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
стр. 12396
٥ - (عِرَاكُ) بن مالك الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصِيَامِهِ) قال النوويّ ﵀: ضبطوا "أُمِر" هنا بوجهين: أظهرهما بفتح الهمزة والميم، والثاني: بضمّ الهمزة، وكسر الميم، ولم يذكر القاضي عياض غيره. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وهو مما اتّفق عليه الشيخان بروايته من شيخ واحد، وهو قتيبة بن سعيد، فقد رواه البخاريّ عنه وحده، وزاد مسلم محمد بن رُمح، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في حديث أوّل الباب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٢] (١١٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَامَهُ، وَالْمُسْلِمُونَ، قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ رَمَضَانُ، فَلَفَا افْتُرِضَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابنُ نُمَيرِ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٥] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٢.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ﵂، مات سنة (٣ أو ٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
стр. 12397
والباقيان ذُكرا في الباب، وشرحه يُعلم من شرح حديث عائشة ﵂ الماضي.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٤٢ و ٢٦٤٣ و ٢٦٤٤ و ٢٦٤٥ و ٢٦٤٦ و ٢٦٤٧] (١١٢٦)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٨٩٢) و"التفسير" (٤٥٠١)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٤٣)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٣٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣١١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤ و ٥٧ و ١٤٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠٧)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٣٧٣)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ١٢٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالَا: حَدَّثنا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِمِثْلِهِ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يَحْيى) بن سعيد القطّان، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كلَاهُما) الضمير ليحيى القطّان، وأبي أسامة.
[تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله المذكورة ساقها أبو داود ﵀ في "سننه"، فقال:
стр. 12398
(٢٠٨٧) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: كان عاشوراء يومًا نصومه في الجاهلية، فلما نزل رمضان قال رسول الله ﷺ : "هذا يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه". انتهى.
وأما رواية أبي أسامة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْث (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أنهُ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كانَ يَوْمًا يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنكُمْ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كَرِهَ فَلْيَدَعْهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ … الخ) هذا قاله بعد فرض رمضان، كما بيّن في الروايات السابقة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَن الْوَلِيدِ، يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ حَدَّثَهُ، أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ:؛ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ"، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ ﵁ لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صِيَامَهُ).
١ - (الْوَليدُ بْنُ كثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
стр. 12399
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ ﷺ لَا يَصُومُهُ … إلخ) هذا من كلام نافع؛ يعني أن عبد الله بن عمر كان لا يرى صوم يوم عاشوراء، ولا يصومه طلبًا لفضله إلا أن يوافق يوم عادة صيامه، فيصومه لذلك، وهذا ظاهر في كون ابن عمر ﵂ لا يرى استحباب صوم يوم عاشورء، ولكن السنّة ثبتت بخلاف رأيه، فهي الحجة، لا رأيه.
قال الحافظ أبو عمر ﵀: وكان طاوس لا يصومه؛ لأنه- والله أعلم- لم يبلغه ما جاء فيه من الفضل، وليس فيما خَفِي عليه على ما عَلِمه غيره حجةٌ، ومعلوم أن قوله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] الآية لا تَدفع هذه الإباحةُ فضلَ انتظار الصلاة في المسجد، وعملها، والله تعالى أعلم. وعلى هذا يُحْمَل حديث معاوية المذكور في هذا الباب أن تخييره إنما كان لسقوط وجوب صيامه، لا أنه لا معنى لصومه، ولما سَقَطَ وجوبه صحيح على جهة الفضل، والآثارُ تدل على ذلك.
قال: وهذا عندي مثل قيام الليل، كان في أول الإسلام فريضةً حولًا كاملًا، فلما فُرضت الصلوات الخمس صار قيام الليل فضيلة بعد فريضة. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١)، وهو تحقيق مفيدٌ.
[تنبيه]: كون عبد الله هنا هو ابنَ عمر هو الصواب، وأما ما وقع في برنامج الحديث من أنه عبد الله بن مسعود ﵁، فغلط فاحشٌ، فتنبّه لذا المهمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْأَخْنَسِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁
стр. 12400
قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) أبو عبد الله البغداديّ الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٢.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٢٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (أَبُو مَالِكٍ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْأَخْنَسِ) النخعيّ الْخَزّاز -بمعجمات- ويقال: مولى الأزد، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن ابن أبي مُليكة، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير، وعمرو بن شعيب، وابن أبي بردة، والوليد بن عبد الله بن أبي مُغِيث، ويحيى بن أبي كثير.
وروى عنه يحيى القطان، وأبو قُدامة الحارث بن عبيد، وسعيد بن أبي عروبة، ورَوْح بن عُبادة، وأبو عوانة، ومحمد بن سَوَاء، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ كثيرًا.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن حبّان هذا فيه نظر لا يخفى، فعبيد الله ثقةٌ لم يتكلّم فيه غيره، بل وثقه الأئمة على الإطلاق آنفًا، واحتجّ به الشيخان في "الصحيحين".
وأما قول ابن معين في رواية: ليس به بأس، فهو كقوله: ثقةٌ، ففي: "مقدّمة ابن الصلاح" (ص ١٣٤): قال ابن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول: فلانٌ ليس به بأس، وفلان ضعيف؛ قال: إذا قلت لك: ليس به بأس، فثقةٌ، وإذا قلت لك: ضعيف، فهو ليس بثقةٌ، لا تكتب حديثه. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٢٦) وحديث (٢٠٩٩): "لا يستلقين أحدكم، ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى".
стр. 12401
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ … إلخ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عبيد الله بن الأخنس.
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن الأخنس، عن نافع هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٣٨) فقال:
(٢٩٩٢) - حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا رَوْح بن عُبادة، حدّثنا عبيد الله بن الأخنس.
وحدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد المقرئ ببغداد، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدّثنا عبيد الله بن الأخنس، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: ذُكِر عند رسول الله ﷺ صوم يوم عاشوراء، فقال رسول الله ﷺ : "كان يوم عاشوراء يصومه أهل الجاهلية، فمن أحبّ منكم أن يصومه فليصمه، ومن كَرِهه فَلْيَدَعه". انتهى.
والحديث متّفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيل، الْعَسْقَلَانِيّ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: "ذَاكَ (١) يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
стр. 12402
٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ) هو: عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عُمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عَسْقَلان، ثقةٌ [٦] مات قبل (١٥٠) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٣١/ ٢٣٣.
٤ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عُمر، أوأبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
و"عبد الله بن عمر ﵂ " ذُكر قبله.
وقوله: (فَمَنْ شَاءَ صّامَهُ … إلخ) هذا السؤال والجواب وقع في ثاني الحال، وهو ما كان بعد فرض رمضان، ونسخ وجوب صوم عاشوراء، كما بيّن ذلك في رواية نافع السابقة، والروايات الأخرى، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في رواية نافع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٨] (١١٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِبةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَبْدِ اللهِ، وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ادْنُ إلَى الْغَدَاءِ، فَقَالَ: أَوَ لَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: وَهَلْ تَدْرِي مَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تُرِكَ، وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: تَرَكَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورعُ، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ هـ ٢٩٧.
٣ - (عُمَارَةُ) بن عُمير التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها بسنتين (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٩/ ٩٧٧.
стр. 12403
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيِّ الشهير، مات ﵁ (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهما، ثم فرّق؛ لاختلافهما في ذلك.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كُريب، فهو أحد التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الثقات الكوفيين روى بعضهم عن بعض.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمة، وقد سبق ذكرها قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيس، هوأخو الأسود بن يزيد، وابن أخي علقمة، أنه (قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) بن معدي كرب الْكِنْديّ، أبو محمد الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات سنة (٤٠) أو (٤١) وقيل: (٤٦) (ع)، وله في هذا الكتاب حديث واحد فقط، برقم [٦٤/ ٣٦٢] (١٣٨) تقدّمت ترجمته في "كتاب الإيمان" بالرقم المذكور.
(عَلَى عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ (وَهُوَ يَتَغَدَّى) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي والحال أن عبد الله يأكل غداءه (فَقَالَ) عبد الله ﵁ (يَا أَبا مُحَمَّدٍ) كنية الأشعث ﵁ (ادْنُ) بوصل الهمزة، أمرٌ من دنا يدنو، دُنُوًّا: إذا قَرُب منه؛ أي: اقرُب (إِلَى الْغَدَاءِ) بفتح الغين المعجمة، والمدّ: طعام الْغَدَاة؛ أي أول النهار، قال الفيّوميّ ﵀: الغداء بالمدّ: طعام الغَدَاة، وإذا قيل: تَغَدّ، أو تَعَشَّ، فالجواب: ما بي من تَغَدٍّ، ولا تَعَشٍّ، قال ثعلب: ولا يقال: ما بي
стр. 12404
غَدَاءٌ، ولا عَشَاءٌ؛ لأن الغداء نفس الطعام. انتهى (١). (فَقَالَ) الأشعث ﵁ (أَوَ لَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟) يعني بذلك أنه يوم صوم، لا يوم أكل (قَالَ) عبد الله ﷺ (وَهَلْ تَدْرِي مَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ؟) أي أيّ شيء حكمه من حيث الصوم والفطر؟ (قَالَ) الأشعث (وَمَا هُوَ؟) أي أيُّ شيء حكمه؟ (قَالَ) عبد الله (إِنَّمَا هُوَ) أي يوم عاشوراء (يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ) أي وجوب صومط (فَلَمَّا نَزَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تُرِكَ) المراد ترك فرضيّته، وبقي استحبابه، وليس المراد عدم مشروعيّة صومه أصلًا؛ بدليل الأحاديث السابقة واللاحقة، فتنبّه.
واستُدِلّ بهذا الحديث على أن صيام عاشوراء كان مُفترضًا قبل أن ينزل فرض رمضان، ثم نسخ به، وهذا هو القول الصحيح في المسألة، وقد تقدم البحث في هذا مستوفى، فارجع إليه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وقَالَ أَبُو كُرَيْب) محمد بن العلاء شيخه الثاني (تَرَكَهُ) يعني أن شيخيه اختلفا في هذه اللفظة، فقال ابن أبي شيبة: "تُرِك" بالبناء للمفعول، وقال أبو غريب: "تركه" بالبناء للفاعل، والضمير لرسول الله ﷺ ، ومعنى الروايتين واحد، وإنما هذا من شدّة عناية المصنّف ﵀ ببيان اختلاف ألفاظ شيوخه، وإن لم يختلف المعنى، وهذا هو الذي امتاز به على غيره من المصنّفين، فالمحدّثون -رحمهم الله تعالى- وإن كانوا كلّهم يعتنون بمثل هذا، إلا أن المصنّف ﵀ أشدهم عناية، فلله درّه، ما أشدّ ورعه، وأكثر احتياطه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢١/ ٢٦٤٨ و ٢٦٤٩ و ٢٦٥٠ و ٢٦٥١] (١١٢٧)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٥٠٣)، و (النسائي) في "الكبرى" ٢٨٤٣١ و ٢٨٤٤
стр. 12405
و ٢٨٤٥ و ٢٨٤٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣١١)، وفي "مسنده" (١/ ١٧٥)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٢٤ و ٤٥٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٨١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٣٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠٨)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٣٧٢)، و (البزّار) في "مسنده" (٥/ ٢٩٨)، و (الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَن الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَا: فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
والباقون ذُكروا في الباب، و"جرير": هو ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش هذه ساقها أبو يعلى ﵀ في "مسنده" (٩/ ١٠٦) فقال:
(٥١٧٥) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله، وهو يتغدَّى، فقال: ادْنُهْ، فقال الأشعث: أليس اليوم يوم عاشوراء؟ فقال عبد الله: وما يدريك ما عاشوراء؟ إنما كان رسول الله ﷺ يصومه، فلما نزل رمضان تركه. انتهى.
والحديث متّفق عليه، ومضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12406
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٠] ( … ) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا وَكِيعٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ، أَن الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ: يَا أَبّا مُحَمَّدٍ ادْنُ فَكُلْ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: كُنَّا نَصُومُهُ، ثُمَّ تُرِكَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (زُبَيْذ الْيَامِيُّ) هو: زُبيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٥ - (قَيْسُ بْنُ سَكَنٍ) الأسديّ الكوفيّ، أخو بني سُوَاءة، ثقةٌ [٢].
رَوى عَن ابن مسعود، والأشعث بن قيس، وعنه ابنه النعمان، وأبو إسحاق السبيعيّ، وعُمارة بن عُمير، وسعد بن عُبيدة، والمنهال بن عمرو، وأبو الشعثاء المحاربيّ.
قال ابن معين: ثقةٌ، وعَدّهُ أبو الشعثاء في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: تُوُفّي زمن مصعب بن الزبير، وقال ابن سعد: تُوُفّي زمن مصعب بالكوفة، وله أحاديث، وكان ثقةً.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12407
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥١] ( … ) - (وَحَدثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدثنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ يَأْكُلُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ، فَإِنْ كُنْتَ مُفْطِرًا فَاطْعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إسْحَاقُ بْنُ مَنصُورٍ) الْكوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤٢.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السَّلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (إبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ يرسل كثيرًا [٥] (٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]، مات بعد الستين، أو بعد السبعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
و"ابن مسعود ﵁ " ذُكر قبله.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٢] (١١٢٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ
стр. 12408
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵀ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأمُرُنَا بصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ (١)، وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأَمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا، وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٣ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ) سُليم بن الأسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٥) (عِ) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٣.
٤ - (جَعْفرُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ) واسم أبيه عكرمة، وقيل غير ذلك، أبو ثور الكوفيّ، صدوق (٢) [٣] (م ق) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابي ابن الصحابيّ ربها، مات بالكوفة بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
و"ابن أبي شيبة" ذُكر قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وجعفر، فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا) أي أمرًا
стр. 12409
مؤكدًا، وفي نسخة: "يأمر" (بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، ويَحُثُّتَا عَلَيْهِ) أي يُرغّبنا إلى صومه، ويحضّنا عليه (وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ) أي يحفظنا، ويراعي حالنا، ويتفحّص عن صومنا له، أو يتخوّلنا بالموعظة عنده (فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ) أي صومه الَمْ يَأْمُرْنَا) أي لم يأمر بصوم يوم عاشوراء، والمراد الأمر الحتم (وَلَمْ يَنْهَنَا) أي عن صومه (وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا) أي لم يتفقّدنا (عِنْدَهُ).
قال ابن حجر الهيتميّ ﵀ في "شرح "المشكاة": في قوله: "يأمر بصيام يوم عاشوراء" حجة لمن قال: كان واجبًا، ثم نُسِخ، والأصح عند الشافعيّ أنه لم يجب أصلًا؛ لما رواه البخاريّ عن معاوية أنه عام حجّ خطب بالمدينة يوم عاشوراء، فقال: "يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه"، فهذا نصِّ في أنه لم يجب أصلًا. انتهى.
وتعقّبه القاري ﵀، فقال: هو مردود بأنه ليس له دلالة مّا على عدم الوجوب إلا حين قاله، وأما كون ما بعده، وما قبله فمحل احتمال، فكيف يكون نصًا، أو يصلح معارضًا لما في "الصحيحين" عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه ﷺ أمر رجلًا من أسلم: أن أَذِّن في الناس: "من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء"؟ فإنه صريح في أنه كان أمر إيجاب قبل نسخه برمضان؛ إذ لا يؤمر من أكل بإمساك بقية يومه إلا في يوم مفروض الصوم بعينه، فلا بدّ من الجمع بوجوبه أولًا، ونسخه ثانيًا، أو المراد أنه لم يكتب عليكم في القرآن مطلقًا. انتهى كلام القاري ﵀ (١)، وهو تعقّبٌ وجيهٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
стр. 12410
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٥٢] (١١٢٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٠٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٩٦ و ١٠٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٨٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٠٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢/ ٢١٢)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٣٨٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٩) وفوائده تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٣] (١١٢٩) - (حَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَني حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، خَطِيبًا بِالْمَدِينَةِ، يَعْني فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، خَطَبَهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ، يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْم: "هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُب اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأنا صَائِمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
٢ - (مُعَاوِيةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أميّة الأموي، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ، الخليفة، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
والباقون ذُكروا في الباب، و"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
стр. 12411
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ شِهَاب، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، قال في "الفتح": هكذا رواه مالك، وتابعه يونس، وصالح بن كيسان، وابن عيينة، وغيرهم، وقال الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقال النعمان بن راشد، عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، كلاهما عن معاوية، والمحفوظ رواية الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، قاله النسائي وغيره. انتهى.
(أنهُ سَمِعَ مُعَاوِيةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) ﵄، وهو وأبوه من مسلمة الفتح، وقيل: أسلم معاوية في عمرة القضاء، وكتم إسلامه، وكان ﵁ أميرًا عشرين سنةً، وخليفةً عشرين سنةً، وكان يقول: أنا أول الملوك. حال كونه (خَطِيبًا بِالْمَدِينَةِ) النبويّة (يَعْنِي فِي قَدْمَةٍ) العناية من أحد الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، و"القدمة" بفتح، فسكون: المرّة من القدوم؛ أي قال ذلك في مرّة من قدومه المدينة، فإنه كانت له قَدَمات إليها من الشام (قَدِمَهَا) بكسر الدال، من قَدِمَ الرجلالبلد يَقْدمه، من باب تَعِبَ قُدُومًا، ومَقْدَمًا بفتح الميم، والدال: دخله.
وفي رواية البخاريّ من طريق مالك، عن ابن شهاب: "عام حجّ على المنبر"، قال في "الفتح": وكأنه تأخر بمكة، أو المدينة في حجته إلى يوم عاشوراء، وذكر أبو جعفر الطبريّ أن أول حجة حَجَّها معاوية بعد أن استُخْلِف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة. انتهى.
(خَطَبَهُمْ) أي خطب أهل المدينة (يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ، يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ؟) قال القاضي عياض وغيره: هذا يدلّ على أنه سمع من يوجبه، أو يُحَرَّمه، أو يكرهه، فأراد إعلامهم أنه ليس كذلك، واستدعاؤه العلماء تنبيهًا لهم على الحكم، أو استعانة بما عندهم على ما عنده، أو توبيخًا أنه رأى، أو
стр. 12412
سمع من خالفه، وقد خطب به في ذلك الجمع العظيم، ولم يُنْكَر عليه. انتهى.
وقال الحافظ: وفيه إشعار بأنه لم يَرَ لهم اهتمامًا بصيامه، فلذا سأل عن علمائهم، أو بلغه عمن يَكْرَه صيامه، أو يوجبه. انتهى.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْم: "هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ) وقوله: (وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ) كله من كلام النبيّ ﷺ ، كما بيّنه النسائيّ في روايته، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذا اليوم: "إني صائم، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم، ومن شاء فليفطر".
قال الحافظ ﵀: وقد استُدِلّ به على أنه لم يكن فرضًا قط، ولا دلالة فيه؛ لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام، كصيام رمضان، وغايته أنه عامٌّ خُصّ بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] ثم فَسَّره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخًا، ويؤيد ذلك أن معاوية ﵀ إنما صحب النبيّ ﷺ من سنة الفتح، والذين شَهِدوا أمره بصيام عاشوراء، والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى، أوائل العام الثاني، ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا؛ لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرِضِعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود ﵁ الثابت في مسلم: "لَمّا فُرِض رمضان تُرِك عاشوراء" مع العلم بأنه ما تُرِك استحبابه، بل هو بأن، فدل على أن المتروك وجوبه، وأما قول بعضهم: المتروك تأكّد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باقٍ، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول: "لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر"، ولترغيبه في صومه، وأنه يُكَفّر سنةً، وأي تأكيد أبلغ من هذا الحديث. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى
стр. 12413
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية بن أبي سُفيان ﵁ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٥٣ و ٢٦٥٤ و ٢٦٥٥] (١١٢٩)، و (البخاريّ) في "الصوم" (٢٠٠٣)، و (النسائي) في "الصيام" (٤/ ٢٠٤) و"الكبرى" (٢/ ١٦١)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٦١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٩٥ و ٩٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٨٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٣٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٩) و"المعرفة" (٣/ ٤٣٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٤] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أنَسٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أنسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية مالك، عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٢٠٠٣) - حدّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان بيوم عاشوراء، عام حجّ على المنبر، يقول: يا أهل المدينةّ أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12414
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ: (إِنِّي صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ"، وَلَمْ يَذْكُرْ بَاقي (١) حَدِيثِ مَالِكٍ ويُونُسَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
و"الزهريّ " ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ بَاقِي حَدِيثِ مَالِكٍ ويُونُسَ) فاعل "يذكر" ضمير سفيان بن عيينة؛ يعني أن ابن عيينة لم يذكر في حديثه ما ذكره مالك ويونس، وأشار به إلى قوله: "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه"، بل اقتصر على قوله: "إني صائم، فمن شاء أن يصوم فليصم".
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها النسائي في "الكبرى" (٢/ ١٦١) فقال:
(٨٥٤) - أنبأ قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: سمعت معاوية يوم عاشوراء، وهو على المنبر بالمدينة، يقول: أين علماؤكم يا أهل المدينة؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذا اليوم: "إني صائم فمن شاء منكم أن يصوم فليصم". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٦] (١١٣٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي
стр. 12415
بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ (١)، فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى، وَبَني إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، من أثبت الناس في سعيد بن جُبير [٥] (ت هـ أو ١٢٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٨.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ) أي مهاجرًا
стр. 12416
من مكة (فَوَجَدَ الْيَهُودَ) أي في السنة الثانية؛ لأن قدومه ﷺ في السنة الأولى كان بعد عاشوراء في ربيع الأول.
قال في "الفتح": وقد استشكل ظاهر الخبر؛ لاقتضائه أنه ﷺ حين قدومه المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، وإنما قَدِم المدينة في ربيع الأول.
والجواب عن ذلك أن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة، لا أنه قبل أن يَقْدَمها علم ذلك، وغايته أن في الكلام حذفًا، تقديره: قَدِم النبيّ ﷺ المدينة، فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صيامًا.
وَيحْتَمِل أن يكون أولئك اليهود كانوا يَحسُبُون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه ﷺ المدينة، وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين، وأحقيتهم بموسى ﵊ لإضلالهم اليوم المذكور، وهداية الله للمسلمين له، ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول.
قال: ثم وجدت في "المعجم الكبير" للطبراني ما يؤيِّد الاحتمال المذكور أوّلًا، وهو ما أخرجه في ترجمة زيد بن ثابت، من طريق أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: "ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس، إنما كان يوم تُسْتَر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلاناً اليهوديّ -يعني ليحسب لهم- فلما مات أتوا زيد بن ثابت، فسألوه"، وسنده حسن.
قال شيخنا الهيثميّ في "زوائد المسانيد": لا أدري ما معنى هذا؟.
قال الحافظ: ظَفِرت بمعناه في "كتاب الآثار القديمة" لأبي الريحان البيروني، فذكر ما حاصله: أن جهلة اليهود يعتمدون في صيامهم، وأعيادهم حساب النجوم، فالسنة عندهم شمسية، لا هلالية.
قلت (١): فمن ثَمّ احتاجوا إلى من يعرف الحساب؛ ليعتمدوا عليه في ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
стр. 12417
(يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ) وفي نسخة: "فسئلوا عن ذلك اليوم"، وفي الرواية التالية: "فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ "، وفي رواية البخاريّ: "فقال: ما هذا؟ "، (فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ) قال في "الفتح": الإشارة إلى نوع اليوم، لا إلى شخصه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩] فيما ذكره الفخر الرازيّ في "تفسيره". انتهى (١).
(الَّذِي أَظْهَرَ اللهُ فِيهِ مُوسَى) أي جعله في ذلك اليوم غالبًا، يقال: ظهر على عدوّه: إذا غلبه (وَبَني إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ) وفي الرواية التالية: "فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شُكرًا، فنحن نصومه"، وفي رواية البخاريّ: "قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوّهم، فصامه موسى"، وعند أحمد من طريق شُبيل بن عوف، عن أبي هريرة: نحوه، وزاد فيه: "وهو اليوم الذي استَوَت فيه السفينة على الْجُوديّ، فصامه نوح شكرًا". (فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهْ) أي لذلك اليوم؛ لكونه يومًا حصل فيه خير عظيم (فَقَالَ النَبِيُّ ﷺ : "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ") وفي رواية للبخاريّ: "فقال لأصحابه: أنتم أحقّ بموسى منهم، فصوموا"، والمعنى: نحن أحق بمتابعة موسى ﵇ منكم؛ لأنا موافقون له في أصول الدين، ومصدّقون لكتابه، وأما أنتم فمخالفون لهما بالتغيير والتحريف، قال السنديّ ﵀: قوله: "أحقّ بموسى منكم" يدلّ على أنه ﷺ قَصَدَ موافقة موسى ﵇؛ لقوله عزو جل: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، لا موافقة اليهود حتى يقال: اللائق مخالفتهم، وكأنه لهذا عَزَمَ في آخر الأمر على ضمّ اليوم التاسع إلى عاشوراء تحقيقًا للمخالفة. انتهى.
وقال الطيبيّ ﵀: وافقهم في صوم يوم عاشوراء مع أن مخالفتهم مطلوبة، والجواب عنه أن المخالفة مطلوبة فيما أخطأوا فيه كما في يوم السبت، لا في كلّ أمر.
وقال القاري ﵀: الأظهر في الجواب أنه ﷺ أول الهجرة لم يكن
стр. 12418
مأمورًا بالمخالفة، بل كان يتألّفهم في كثير من الأمور، ومنها أمر القبلة (١)، ثم لَمّا ثبتت عليهم الحجة، ولم يمنعهم الملائمة، وظهر منهم العناد والمكابرة اختار مخالفتهم، وترك مؤالفتهم. انتهى (٢).
(فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ) وفي الرواية التالية: "فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه"، وفيه دليل لقول من قال بوجوب صوم عاشوراء؛ لأن الأمر للإيجاب، وهو القول الراجح، وقد تقدّم البحث فيه مستوفى -ولله الحمد-.
قال في "الفتح": واستُشكِل رجوعه إليهم في ذلك -أي لأن إخبارهم غير مقبول- وأجاب المازريّ باحتمال أن يكون أُوحي إليه بصدقهم، أو تواتر عنده الخبر بذلك، زاد عياض: أو أخبره به من أسلم منهم، كابن سلام، ثم قال: ليس في الخبر أنه ابتدأ الأمر بصيامه، بل في حديث عائشة ﵂ التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما في القصة أنه لم يَحْدُث له بقول اليهود تجديد حكم، وإنما هي صفة حال، وجواب سؤال.
ولم تختلف الروايات عن ابن عباس ﵄ في ذلك، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة ﵂: "إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه"، كما تقدم؛ إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه، مع اختلاف السبب في ذلك.
قال القرطبيّ: لعل قريشًا كانوا يستندون في صومه إلى شرع مَن مضى، كإبراهيم، وصوم رسول الله ﷺ يَحْتَمِل أن يكون بحكم الموافقة لهم، كما في الحج، أوأَذِن الله له في صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر، ووجد اليهود يصومونه، وسألهم، وصامه، وأمر بصيامه احتَمَلَ ذلك أن يكون ذلك استئلافًا لليهود، كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويَحْتَمِل غير ذلك، وعلى كل حال فلم يصمه ﷺ اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْهَ عنه. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12419
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٥٦ و ٢٦٥٧ و ٢٦٥٨ و ٢٦٥٩] (١١٣٠)، و (البخاريّ) في "الصوم" (٢٠٠٤) و"أحاديث الأنبياء" (٣٣٩٧) و"الفضائل" (٣٩٤٣) و"التفسير" (٤٦٨٠ و ٤٧٣٧)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢/ ٣٢٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢٨٣٤ و ٢٧٣٥ و ٢٨٣٦)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١/ ٥٥٢)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٨٤٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣١١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٣٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٩١ و ٣١٠ و ٣٣٦ و ٣٤٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٨٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٢١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٣٣)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٣٨٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٢٥)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ١٢٣٦٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٦ و ٢٨٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٨٢)، وأما فوائده فقد تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَسَأَلهُمْ عَنْ ذلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد، بُندار، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد العبديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
стр. 12420
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم قريبًا.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا أيضًا.
و"أبو بشر" ذُكر قبله.
وقوله: (وَقَالَ: فَسَأَلهُمْ عَنْ ذَلِكَ) فاعل "قال" ضمير "شعبة"؛ أي قال شبعة في روايته: "فسألهم عن ذلك" بدل قول هُشيم: "فسئلوا عن ذلك".
[تنبيه]: رواية شعبة عن أبي بشر هذه ساقها البخاري في "صحيحه" فقال:
(٤٣٦٨) - حدّثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا رَوْح، حدّثنا شعبة، حدَّثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لَمّا قَدِم رسول الله ﷺ المدينة، واليهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبيّ ﷺ : "نحن أولى بموسى منهم، فصوموه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ " فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَنَحْنُ أَحَقُّ، وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ مأمونٌ فاضلٌ [٦].
стр. 12421
رَوَى عن أبيه، وعنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ وأيوب السَّخْتيانيّ، ومحمد بن أبي القاسم الطويل.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أيضًا عقب حديثه في "السنن": ثقةٌ مأمونٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحَكَى الترمذيّ عن أيوب قال: كانوا يعدُّونه أفضل من أبيه.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
والباقون ذُكروا قبله، و"ابن أبي عمر": هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، ثم المكيّ" و"سفيان": هو ابن عيينة.
وقوله: (صِيَامًا) هو على حذف مضاف؛ أي ذوي صيام، أو بمعنى اسم الفاعل؛ أي صائمين.
وقوله: (مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟) أي ما سبب صومكم له.
وقوله: (هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ) أي حيث وقع فيه أمور عظيمة توجب تعظيم مثل هذا اليوم.
وقوله: (وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ) بتشديد الراء، ونصب "فرعونَ"، و"قومه" على المفعوليّة، قال الطيبيّ: غرّقه، وأغرقه بمعنى، وفى نسخة (١): "أغرق"، وفي أخرى بكسر الراء، ورفع المنصوبين. انتهى.
وقوله: (فَنَحْنُ نَصُومُهُ) أي شكرًا أيضًا، أو متابعة لموسى ﵇، وفي الرواية السابقة: "ونحن نصومه تعظيمًا له"، وهذا أولى من التقديرين قبله، فتنبّه.
وقوله: (فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي كما كان يصومه قبل الهجرة.
وقوله: (وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) هذا دليلٌ قويّ لمن قال بوجوب صوم عاشوراء، ثم نسخه، وهو المذهب الراجح، كما سبق بيانه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12422
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٩] ( … ) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: عَن ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، لَمْ يُسَمِّهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريبًا.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا.
و"أيوب" ذُكر قبله.
وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ قَالَ … إلخ) فاعل "قال" ضمير معمر.
وقوله: (لَمْ يُسَمِّهِ) أي لم يسمّ معمر في روايته ابنَ سعيد بن جبير، بل أبهمه، وهو عبد الله بن سعيد بن جبير المسمّى في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية معمر، عن أيوب هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٨/ ٣٨٩) فقال:
(٣٦٢٥) - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قَدِم رسول الله ﷺ ، فوجد يهود يصومون يوم عاشوراء، فقال لهم: "ما هذا؟ " قالوا: يوم عظيم نَجّى الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون، فصامه موسى شكرًا لله، فقال رسول الله ﷺ : "أنا أولى بموسى، وأحقّ بصيامه منكم"، فصامه، وأمر بصيامه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٦٠] (١١٣١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تُعَظمُهُ الْيَهُودُ، وَتَتَّخِذُهُ عِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صُومُوهُ أَنتُمْ").
стр. 12423
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو عُمَيْسٍ) - بضمّ العين المهملة، مصغّرًا- عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الْهُذليّ الْمَسْعُوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٣ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْجَدَليّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالإرجاء [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٥.
٤ - (طَارِقُ بْنُ شِهَابِ) بن عبد شمس الْبَجَليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٢ أو ٨٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٥.
٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات ﵁ سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان"١٦/ ١٧١.
والباقون ذُكروا في الباب، و"ابْنُ نُمَيْرٍ" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"أبو أسامة": هو حمّاد بن أُسامة.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀ في "التقييد" بعد إيراده هذا الإسناد ما نصّه: في نسخة أبي عبد الله بن الحذّاء في إسناد هذا الحديث: "حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن أبي عُمر، قالا: نا أبو أسامة" جعل "ابنَ أبي عمر" مكان "ابن نُمير"، والأول الصواب، وهي رواية الجُلُوديّ وغيره. انتهى (١).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفية الأخذ والأداء عنهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، فالصحابيّ كان أميرًا على البصرة، والكوفة.
стр. 12424
شرح الحديث:
(عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ، رأى النبيّ ﷺ ، وروى عنه مرسلًا (عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁) الأَشعريّ أنه (قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ، وَتَتَّخِذُهُ عِيدًا) وفي رواية البخاريّ: "كان يوم عاشوراء تعُدّه اليهود عيدًا" (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صُومُوهُ أَنْتُمْ") وفي رواية ابن حبّان: "خالفوهم، صوموه أنتم"، وظاهر هذا أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود، حتى يصام ما يفطرون فيه؛ لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس ﵄ يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب، وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى ﵇، لكن لا يلزم من تعظيمهم له، واعتقادهم بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه، فلعلهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث أبي موسى ﵁ هذا فيما أخرجه البخاريّ في "الهجرة" بلفظ: "وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء، ويصومونه"، ولمسلم بعد هذا قال: "كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء، يتخذونه عيدًا، ويلبسون نساءهم فيه حليّهم وشارتهم"، وهو بالشين المعجمة: أي هيئتهم الحسنة، أفاده في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٦٠ و ٢٦٦١] (١١٣١)، و (البخاريّ) في "الصوم" (٢٠٠٥) و"المناقب" (٣٩٤٢)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٥٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٠٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٢٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12425
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٦١] ( … ) - (وَحَدَّثنَاه أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، حَدَّثنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَنِي قَيْسٌ، فَذَكَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: فَحَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا، وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيهُمْ، وَشَارَتَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَصُومُوهُ أنتُمْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بن الجارود البزّاز، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن أبي أسامة، وابن أبي فُديك، وغيرهما.
وروى عنه مسلم، وإبراهيم بن فَهد، وعبد الله بن أحمد الدَّوْرقيّ، ورَوَى عنه أبو يعلى في "معجمه".
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، وعَرَضت عليه حديثه، فقال: حديث صحيح، وقال ابن قانع: صالح، وقال موسى بن هارون: مات بالبصرة في ذي القعدة سنة (٢٣٠).
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، هذا برقم (١١٣١) و (١٤٣٨) و (١٥٧٥) و (٢١٧٦) و (٢٢٦٣).
٢ - (صَدَقَةُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ) الكوفيّ، قاضي الأهواز، صدوقٌ [٧].
روى عن عون بن أبي جُحيفة، وقيس بن مسلم، وأبي إسحاق السَّبيعيّ، وإياد بن لَقِيط، وغيرهم.
وروى عنه أبو أسامة، وسعيد بن يحيى بن صالح اللَّخْميّ، ومحمد بن بكر الْبُرْسانيّ، ومحمد بن عُيينة أخو سفيان، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه سئل عن صدقة بن أبي عمران، فقال: لا أعرفه؛ يعني لا أعرف حقيقة أمره، وقال أبو داود: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوقٌ ليس بذاك
стр. 12426
المشهور، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: مجهول ضعيف.
تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله، و"حمّاد بن أسامة" هو أبو أسامة المذكور في السند الماضي بكنيته.
وقوله: (وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ) قال أهل اللغة: الْحَلْيُ -بفتح الحاء، وإسكان اللام- مفرد، وجمعه حِلِيّ -بضم الحاء، وكسرها، والضم أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثرهم على الضم، واللام مكسورة، والياء مشددة فيهما، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقوله: (وَشَارَتَهُمْ) -بالشين المعجمة، بلا همز- وهي الهيئة الحسنة، والجمال: أي يلبسونهن لباسهم الحسن الجميل، ويقال لها: الشارة والشُّورة بضم الشين، قاله النوويّ ﵀ (٢).
وقال في "القاموس" و"شرحه": والشَّوْرَةُ، والشَّارَةُ، والشَّوْرُ -بالفَتْح في الكُلّ- والشِّيَارُ، ككِتَاب، والشَوَارُ، كسَحَاب: الحُسْنُ، والجَمَالُ، والهَيْئَةُ، واللِّبَاسُ، والسِّمَنُ، والزِّينَةُ. انتهى (٣).
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن صدقة بن أبي عمران هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٢١٢) مع اختلاف قليل، فقال:
(٢٥٧٥) - حدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد الرحمن بن الحسن، ثنا المشرقيّ، وعمر الأوديّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن صدقة بن أبي عمران، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى، قال؛ كان يوم عاشوراء يوم يصومه أهل خيبر، ويلبسون فيه نساءهم، حليهم وشارتهم، فسئل النبيّ ﷺ عن صوم يوم عاشوراء، فقال: "صوموه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12427
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٦٢] (١١٣٢) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَسُئِلَ عَنْ صِيَام يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ، إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ، يَعْنى رَمَضَانَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ كثير الحديث [٤].
رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي لبابة بن عبد المنذر، والحسين بن علي بن أبي طالب، وأبيه أبي يزيد، ومجاهد، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، وغيرهم.
وروى عنه ابنه محمد، وابن المنكدر، وهو أكبر منه، وابن جريج، وورقاء بن عُمر، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وآخرون.
قال ابن المدينيّ، وابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن عيينة: مات سنة ست وعشرين ومائتين، وله (٨٦) سنةً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١١٣٢) و (١٢٩٣) وأعاده بعده و (١٥٩٦) و (٢٤٢١) وأعاده بعده و (٢٤٧٧) و (٢٧٢٧).
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (١٦٧) من رباعيّات الكتاب، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني بغداديّ.
стр. 12428
(ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن أبي يزيد، وفي رواية أحمد عن ابن عيينة، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد منذ سبعين سنة، أنه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، والسائل يَحْتَمل أن يكون هو الحكم بن الأعرج، كما سيأتي ذلك في الباب التالي، ويَحْتَمِل أن يكون غيره (قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ) ولفظ النسائيّ: "يَتَحَرَّى" أي يقصده، ويعتقدُ (فَضْلَه عَلَى الأَيَّامِ) هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان، لكن ابن عباس ﵄ أسند ذلك إلى علمه، فليس فيه ما يردّ عِلْمَ غيره، فقد روى مسلم من حديث أبي قتادة ﵁، مرفوعًا: "إن صوم عاشوراء يكفّر سنة، وإن صوم يوم عرفة يكفر سنتين لا، وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء.
وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇، ويوم عرفة منسوب إلى النبيّ ﷺ ، فلذلك كان أفضل. قاله في "الفتح" (١). (إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ) أي يوم عاشوراء (وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِي رَمَضَانَ) ولفظ البخاريّ: "ما رأيت النبيّ ﷺ يتحرّى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر -يعني شهر رمضان-".
قال في "الفتح": كذا ثبت في جميع الروايات، وكذا هو عند مسلم وغيره، وكأن ابن عباس اقتصر على قوله: "وهذا الشهر" وأشار بذلك إلى شيء مذكور، كأنه تقدم ذكر رمضان، وذكر عاشوراء، أو كانت المقابلة في أحد الزمانين، وذكر الآخر، فلهذا قال الراوي عنه: "يعني رمضان"، أو أخذه الراوي من جهة الحصر في أن لا شهر يُصام إلا رمضان؛ لما تقدّم له عن ابن
стр. 12429
عباس أنه كان يقول: "لم أر رسول الله ﷺ صام شهرًا كاملًا غير رمضان".
وإنما جمع ابن عباس بين عاشوراء ورمضان -وإن كان أحدهما واجبًا، والآخر مندوبًا- لاشتراكهما في حصول الثواب؛ لأن معنى "يتحرّى" أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه، والرغبة فيه. انتهى (١).
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "فضّله على غيره" في بعض نسخ "المصابيح": "فَضْلَه" بسكون الضاد، ونصب اللام، وتؤيّده رواية "شرح السنّة": "ما كان النبيّ ﷺ يتحرَّى صوم يوم يبتغي فضله إلا صيام رمضان، وهذا اليوم يوم عاشوراء"، وقال المظهر: "فَضْله" بدل من قوله: "صيام يوم"، والتقدير: يتحرّى فضل صيام يوم على غيره، والتحرّي طلب الصواب، والمبالغة في طلب شيء، والمعنى: ما رأيته يبالغ في تفضيل يوم على يوم إلا عاشوراء، ورمضان، وذلك لأن رمضان فريضةٌ، وعاشوراء كانت فريضةً، ثم نُسخت.
قال الطيبيّ: وأقول: على هذا المبدل هنا ليس في حكم المنحى؛ لاستدعاء الضمير ما يرجع إليه، نحو قولك: زيد رأيت غلامه رجلًا صالحًا، وفي أكثر النسخ "فَضَّلَهُ" بتشديد الضاد، قيل: هو بدل من "يتحرَّى"، والحمل على الصفة أولى؛ لأن قوله: "هذا اليوم" مستثنًى، ولا بدّ من مستثنى منه، وليس ها هنا إلا قوله: "يوم"، وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالمعنى: ما رأيته ﷺ يتحرَّى في صيام يوم من الأيّام صفته أنه مفضَّلٌ على غيره إلا صيام هذا اليوم، فإنه كان يتحرّى في تفضيل صيامه ما لم يكن يتحرَّى في تفضيل غيره، ونحوه في اعتبار المستثنى منه قوله: "ما أيام أحبّ إلى الله أن يُتعبّد له فيها من عشر ذي الحجة".
وقوله: "وهذا الشهر" عطف على قوله: "هذا اليوم"، ولا يستقيم إلا بالتأويل، إما أن يقدّر في المستثنى منه: "وصيام شهر فضله على غيره"، وهو من اللف التقديريّ، وإما أن يُعتبر في الشهر أيامه يومًا فيومًا موصوفًا بهذا الوصف. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12430
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٦٢ و ٢٦٦٣] (١١٣٢)، و (البخاريّ) في "الصوم" (٢٠٠٦)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢٣٧٠) وفي "الكبرى" (٣٦٧٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣١٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٨٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ١٢٨)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٣٨٥)، و (البيهقيّ) في "المعرفة" (٣/ ٤٣٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٦٣] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن عبيد الله بن يزيد هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٢١٣) فقال:
(٢٥٧٧) - حدّثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث، عن أبي أسامة، ثنا رَوْح بن عُبادة، ثنا ابن جريج، وأنبأ سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس يقول: ما علمت أن رسول الله ﷺ كان يتحرى صيام يوم يبتغي فضله على غيره، إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، أو شهر رمضان. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.