← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.

стр. 12426

المشهور، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: مجهول ضعيف. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله، و"حمّاد بن أسامة" هو أبو أسامة المذكور في السند الماضي بكنيته. وقوله: (وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ) قال أهل اللغة: الْحَلْيُ -بفتح الحاء، وإسكان اللام- مفرد، وجمعه حِلِيّ -بضم الحاء، وكسرها، والضم أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثرهم على الضم، واللام مكسورة، والياء مشددة فيهما، قاله النوويّ ﵀ (١). وقوله: (وَشَارَتَهُمْ) -بالشين المعجمة، بلا همز- وهي الهيئة الحسنة، والجمال: أي يلبسونهن لباسهم الحسن الجميل، ويقال لها: الشارة والشُّورة بضم الشين، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال في "القاموس" و"شرحه": والشَّوْرَةُ، والشَّارَةُ، والشَّوْرُ -بالفَتْح في الكُلّ- والشِّيَارُ، ككِتَاب، والشَوَارُ، كسَحَاب: الحُسْنُ، والجَمَالُ، والهَيْئَةُ، واللِّبَاسُ، والسِّمَنُ، والزِّينَةُ. انتهى (٣). [تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن صدقة بن أبي عمران هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٢١٢) مع اختلاف قليل، فقال: (٢٥٧٥) - حدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد الرحمن بن الحسن، ثنا المشرقيّ، وعمر الأوديّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن صدقة بن أبي عمران، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى، قال؛ كان يوم عاشوراء يوم يصومه أهل خيبر، ويلبسون فيه نساءهم، حليهم وشارتهم، فسئل النبيّ ﷺ عن صوم يوم عاشوراء، فقال: "صوموه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12427

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦٢] (١١٣٢) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَسُئِلَ عَنْ صِيَام يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ، إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ، يَعْنى رَمَضَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ كثير الحديث [٤]. رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي لبابة بن عبد المنذر، والحسين بن علي بن أبي طالب، وأبيه أبي يزيد، ومجاهد، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، وابن المنكدر، وهو أكبر منه، وابن جريج، وورقاء بن عُمر، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وآخرون. قال ابن المدينيّ، وابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عيينة: مات سنة ست وعشرين ومائتين، وله (٨٦) سنةً. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١١٣٢) و (١٢٩٣) وأعاده بعده و (١٥٩٦) و (٢٤٢١) وأعاده بعده و (٢٤٧٧) و (٢٧٢٧). والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف ﵀، وهو (١٦٧) من رباعيّات الكتاب، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني بغداديّ.

стр. 12428

(ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بن أبي يزيد، وفي رواية أحمد عن ابن عيينة، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد منذ سبعين سنة، أنه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ) جملة في محل نصب على الحال من المفعول، والسائل يَحْتَمل أن يكون هو الحكم بن الأعرج، كما سيأتي ذلك في الباب التالي، ويَحْتَمِل أن يكون غيره (قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ) ولفظ النسائيّ: "يَتَحَرَّى" أي يقصده، ويعتقدُ (فَضْلَه عَلَى الأَيَّامِ) هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان، لكن ابن عباس ﵄ أسند ذلك إلى علمه، فليس فيه ما يردّ عِلْمَ غيره، فقد روى مسلم من حديث أبي قتادة ﵁، مرفوعًا: "إن صوم عاشوراء يكفّر سنة، وإن صوم يوم عرفة يكفر سنتين لا، وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء. وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇، ويوم عرفة منسوب إلى النبيّ ﷺ ، فلذلك كان أفضل. قاله في "الفتح" (١). (إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ) أي يوم عاشوراء (وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِي رَمَضَانَ) ولفظ البخاريّ: "ما رأيت النبيّ ﷺ يتحرّى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر -يعني شهر رمضان-". قال في "الفتح": كذا ثبت في جميع الروايات، وكذا هو عند مسلم وغيره، وكأن ابن عباس اقتصر على قوله: "وهذا الشهر" وأشار بذلك إلى شيء مذكور، كأنه تقدم ذكر رمضان، وذكر عاشوراء، أو كانت المقابلة في أحد الزمانين، وذكر الآخر، فلهذا قال الراوي عنه: "يعني رمضان"، أو أخذه الراوي من جهة الحصر في أن لا شهر يُصام إلا رمضان؛ لما تقدّم له عن ابن

стр. 12429

عباس أنه كان يقول: "لم أر رسول الله ﷺ صام شهرًا كاملًا غير رمضان". وإنما جمع ابن عباس بين عاشوراء ورمضان -وإن كان أحدهما واجبًا، والآخر مندوبًا- لاشتراكهما في حصول الثواب؛ لأن معنى "يتحرّى" أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه، والرغبة فيه. انتهى (١). وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "فضّله على غيره" في بعض نسخ "المصابيح": "فَضْلَه" بسكون الضاد، ونصب اللام، وتؤيّده رواية "شرح السنّة": "ما كان النبيّ ﷺ يتحرَّى صوم يوم يبتغي فضله إلا صيام رمضان، وهذا اليوم يوم عاشوراء"، وقال المظهر: "فَضْله" بدل من قوله: "صيام يوم"، والتقدير: يتحرّى فضل صيام يوم على غيره، والتحرّي طلب الصواب، والمبالغة في طلب شيء، والمعنى: ما رأيته يبالغ في تفضيل يوم على يوم إلا عاشوراء، ورمضان، وذلك لأن رمضان فريضةٌ، وعاشوراء كانت فريضةً، ثم نُسخت. قال الطيبيّ: وأقول: على هذا المبدل هنا ليس في حكم المنحى؛ لاستدعاء الضمير ما يرجع إليه، نحو قولك: زيد رأيت غلامه رجلًا صالحًا، وفي أكثر النسخ "فَضَّلَهُ" بتشديد الضاد، قيل: هو بدل من "يتحرَّى"، والحمل على الصفة أولى؛ لأن قوله: "هذا اليوم" مستثنًى، ولا بدّ من مستثنى منه، وليس ها هنا إلا قوله: "يوم"، وهو نكرة في سياق النفي يفيد العموم، فالمعنى: ما رأيته ﷺ يتحرَّى في صيام يوم من الأيّام صفته أنه مفضَّلٌ على غيره إلا صيام هذا اليوم، فإنه كان يتحرّى في تفضيل صيامه ما لم يكن يتحرَّى في تفضيل غيره، ونحوه في اعتبار المستثنى منه قوله: "ما أيام أحبّ إلى الله أن يُتعبّد له فيها من عشر ذي الحجة". وقوله: "وهذا الشهر" عطف على قوله: "هذا اليوم"، ولا يستقيم إلا بالتأويل، إما أن يقدّر في المستثنى منه: "وصيام شهر فضله على غيره"، وهو من اللف التقديريّ، وإما أن يُعتبر في الشهر أيامه يومًا فيومًا موصوفًا بهذا الوصف. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12430

مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٦٦٢ و ٢٦٦٣] (١١٣٢)، و (البخاريّ) في "الصوم" (٢٠٠٦)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢٣٧٠) وفي "الكبرى" (٣٦٧٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣١٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٨٧)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ١٢٨)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٣٨٥)، و (البيهقيّ) في "المعرفة" (٣/ ٤٣٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦٣] ( … ) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن عبيد الله بن يزيد هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٣/ ٢١٣) فقال: (٢٥٧٧) - حدّثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث، عن أبي أسامة، ثنا رَوْح بن عُبادة، ثنا ابن جريج، وأنبأ سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس يقول: ما علمت أن رسول الله ﷺ كان يتحرى صيام يوم يبتغي فضله على غيره، إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، أو شهر رمضان. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12431

(٢٢) - (بَابٌ أَيُّ يَوْم يُصَامُ فِي عَاشُورَاءَ؟) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦٤] (١١٣٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَثنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ حَاجِبِ بْنِ عُمَرَ، عَن الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ، فَاعْدُدْ، وَأَصْبحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا، قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ) الثقفيّ، أبو خُشينة -بشين معجمة، ونون مصغّرًا- البصريّ، ثقةٌ رُمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥٨) (م ت د) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣١. ٢ - (الْحَكَمُ بْنُ الْأَعْرَجِ) هو: الحكم بن عبد الله بن إسحاق بن الأعرج البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٣] (م دت) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣١. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير أبي بكر، ووكيع، فكوفيّان. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄، وقد مضى الكلام فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَن الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ) هو ابن عبد الله بن إسحاق بن الأعرج، نُسب لجدّه، أنه (قَالَ: انْتَهَيْتُ) أي وصلت (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي والحال أن ابن عبّاس ﵄ متوسّد؛ أي متّكئ (رِدَاءَهُ) بالكسر والمدّ: ما يُرتدى به، وهو مذكّر، ولا يجوز تأنيثه، قاله ابن الأنباريّ، والتثنية رداءان بالهمز، وربّما قُلبت الهمزة واوًا، فقيل: رداوان،

стр. 12432

وجمعه أرديةٌ، مثل سِلاح وأسلحة، أفاده الفيّوميّ (١). (فِي زَمْزَمَ) أي عند زمزم، وهو اسم للبئر المعروف بمكة، ولا تنصرف؛ للتأنيث والعلميّة (٢). وفي رواية ابن حبّان: "فجلست إليه، ونعم الجليسُ كان، فسألته عن عاشوراء، فاستوى جالسًا، ثم قال: عن أبيّ بابه تسأل؟، قال: قلت: عن صيامه؛ أيَّ يوم نصومه؟ " (فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ؟) أي عن يومه ووقته؛ أيّ يوم هو؟ (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ) بصيغة اسم المفعول المضعّف: اسم للشهر الأول من السنة العربيّة، أدخلوا عليه الألف واللام؛ للمح الصفة في الأصل، وجعلوه علمًا بهما، مثل النجم، والدبَرَان، ونحوهما، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: وَبَعْضُ الأعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سيَّانِ ولا يجوز دخول الألف واللام على غيره من الشهور عند قوم، وعند قوم يجوز على صفر وشوّال، أفاده الفيّوميّ ﵀ (٣). (فَاعْدُدْ) فعل أمر من عدّ الشيء يعدّه، من باب نصر: إذا أحصاه (وَأَصْبِحْ) فعل أمر من أصبح: إذا دخل في وقت الصباح، وهو الفجر، قال الفيّوميّ ﵀: الصبح: الفجر، والصباح مثله، وهو أول النهار، والصباح أيضًا خلاف المساء، قال ابن الْجَوَاليقيّ: الصباح عند العرب من نصف الليل إلى الزوال، ثم المساء إلى آخر نصف الليل الأول، هكذا رُوي عن ثعلب. انتهى (٤). (يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا) ظاهر هذا فيه أن ابن عبّاس ﵄ يرى أن العاشوراء هو اليوم التاسع، وسيأتي تحقيقه قريبًا، قال الحكم بن الأعرج (قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُهُ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي أهكذا إلخ (قَالَ) ابن عبّاس (نَعَمْ) أي كان يصومه، قال القرطبيّ ﵀: يعني أنه لو عاش لصامه كذلك؛ لوعده الذي وَعَدَ به، لا أن رسول الله ﷺ صام اليوم التاسع بدل العاشر؛ إذ لم يُسمع ذلك عنه، ولا رُوي قط. انتهى.

стр. 12433

وقال البيهقيّ ﵀: وكأن ابن عبّاس ﵄ أراد صومه مع العاشر، وأراد بقوله في الجواب: "نعم" ما رُوي من عزمه ﷺ على صومه، والذي يبيّن هذا … فذكر حديث ابن عبّاس موقوفًا: "صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود". انتهى (١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٦٦٤ و ٢٦٦٥] (١١٣٣)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٤٦)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٥٤)، و (عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (٧٨٣٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٥٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣٩ و ٢٤٦ - ٢٤٧ و ٢٨٠ و ٣٤٤ و ٣٦٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٩٦ و ٢٠٩٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٣٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٧٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في تعيين يوم عاشوراء: ذهب أكثر العلماء إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر، قال القرطبيّ ﵀: عاشوراء مَعدُول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء، فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة؛ إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسميّة، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ عَلَمًا على اليوم العاشر.

стр. 12434

وذكر أبو منصور الْجَوَاليقيّ أنه لم يُسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء، وساروراء، ودالولاء، من الضارّ، والسارّ، والدالّ، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر، وهذا قول الخليل وغيره. وقال الزين ابن الْمُنَيّر ﵀: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرّم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل: إنما سُمّي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من إيراد الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام، ثم أوردوها في التاسع قالوا: وردنا عِشْرًا -بكسر العين- وكذلك إلى الثلاثة. وظاهر حديث ابن عبّاس ﵄ المذكور أن عاشوراء هو اليوم التاسع، وقال النوويّ ﵀: هذا تصريح من ابن عباس ﵄ بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرَّم، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الوِرْد رِبْعًا (١)، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عِشرًا. وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وممن قال ذلك سعيد بن المسيِّب، والحسن البصريّ، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وخلائق، وهذا ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، ثم إن حديث ابن عباس الثاني يَرُدّ عليه؛ لأنه قال: إن النبيّ ﷺ كان يصوم عاشوراء، فذكروا أن اليهود والنصارى تصومه، فقال: إنه في العام المقبل يصوم التاسع، وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع، فتعيّن كونه العاشر. قال الشافعيّ، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وآخرون: يُستحبّ صوم التاسع والعاشر جميعًا؛ لأن النبيّ ﷺ صام العاشر، ونوى صيام التاسع، وقد

стр. 12435

سبق في "صحيح مسلم" في "كتاب الصلاة" من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم". قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا، وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أولى، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١). وقال الزين ابن المنيّر: قوله: إذا أصبحت من تاسعه، فأصْبحْ يشعر بأنه أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهي الليلة العاشرة. قال الحافظ: ويقوّي هذا الاحتمال ما يأتي أن النبيّ ﷺ قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع، فمات قبل ذلك"، فإنه ظاهر في أنه كان يصوم العاشر، وهمّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك، ثم ما همّ به من صوم التاسع يَحْتَمِل معناه أنه لا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر؛ إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح، وبه تُشعر رواية أبي غطفان التالية، ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده". وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان ﷺ يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فُتحت مكة، واشتهر أمر الإسلام أحبّ مخالفة أهل الكتاب أيضًا، كما ثبت في "الصحيح"، فهذا من ذلك، فوافقهم أوّلًا، وقال: "نحن أحقّ بموسى منكم"، ثم أحبّ مخالفتهم، فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله، أو يوم بعده خلافًا لهم، ويؤيّده رواية الترمذيّ من طريق أخرى بلفظ: "أمرنا رسول الله ﷺ بصيام عاشوراء، يوم العاشر". وقال بعض أهل العلم: قوله ﷺ في صحيح مسلم: "لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التاسع" يَحْتَمِل أمرين: [أحدهما]: أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع.

стр. 12436

[والثاني]: أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفّي ﷺ قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الصحيح، وأما نقله إلى التاسع فبعيد. والحاصل أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرّم، وأما قول ابن عبّاس ﵄: "وأصبح يوم التاسع صائمًا"، فهو مذهب انفرد به، وتخالفه ظواهر الأحاديث، إلا إذا حُمل أنه أراد صومه مع العاشر، فيتّفق مع مذهب الجمهور، وهذا أولى ما أوّل به قوله، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْن الْأَعْرَجِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ عِنْدَ زَمْزَمَ، عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ حَاجِبِ بْنِ عُمَرَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (مُعَاوِيةُ بْنُ عَمْرِو) بن خالد بن غَلَاب -بالغين المعجمة، وتخفيف اللام- النصريّ -بالنون- مولى بني نصر بن معاوية، البصريّ -بالباء الموحّدة- ويقال: إن غَلَاب اسم امرأة، وهي أم خالد، وهو ابن الحارث بن أوس بن

стр. 12437

النابغة بن عنبر بن حبيب بن دهمان بن نصر، نسبه حفيده المفضل بن غسان بن المفضل بن معاوية الغلابيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، والحكم بن الأعرج، ويقال: إنه عمة. وروى عنه ابنه عمرو، وحماد بن سلمة، وعثمان بن عبد الحميد بن لاحق، ومعاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان، وعلي بن عاصم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال يحيى بن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. والباقيالن ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية معاوية بن عمرو، عن الحكم بن الأعرج هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٢١٣) فقال: (٢٥٧٩) - حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا عليّ بن عاصم، أنبأ معاوية بن عمرو بن غَلَاب، عن الحكم بن الأعرج، وقال على: الحكم بن عبد الله بن الأعرج، قال: أتيت ابن عباس في المسجد الحرام، وهو متوسد رداءه، فسألته (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، أنبأ أحمد بن عليّ، ثنا موسى بن محمد بن حبان، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا معاوية بن عمرو (ح) وثنا أبو حامد الجلوديّ، ثنا أبو بكر بن خزيمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا الحكم بن الأعرج، قال: سألت ابن عباس، وقال عليّ: الحكم بن عبد الله بن الأعرج، قال: أتيت ابن عباس في المسجد الحرام، وهو متوسد رداءه، فسألته عن صيام عاشوراء، فقال: اعدُدْ، فإذا أصبحت يوم التاسع، فأصبح صائمًا، قلت؛ هذا شيء كان محمد ﷺ يصومه؟ قال: نعم، لفظ يحيى بن سعيد. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12438

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦٦] (١١٣٤) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْن عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ"، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م دت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٨. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ، أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٦/ ٨٢٠. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٥ - (أَبُو غَطَفَانَ بْنُ طَرِيفٍ الْمُرِّيُّ) أو ابن مالك المدنيّ، قيل: اسمه سعد، ثقةٌ، من كبار [٣] (م دس ق) تقدم في "الحيض" ٢٣/ ٨٠٣. و"ابن عبّاس ﵄ " ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره.

стр. 12439

شرح الحديث: عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ) - بفتح الغين المعجمة، ثم الطاء المهملة، بعدها فاء - (ابْنَ طَرِيفٍ) - بفتح الطاء المهملة، وكسر الراء، بوزن عظيم - (الْمُرِّيَّ) - بضمّ الميم، وتشديد الراء-: نسبة إلى مرّة قبيلة (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاء، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) أي أمر الناس بصيام يوم عاشوراء (قَالُوا) لم يُسمّ القائل (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) استُشكل هذا بأن التعليل بنجاة موسى، وغَرَق فرعون يَختص بموسى واليهود، فكيف ذُكرت النصارى؟. وأجيب باحتمال أن يكون عيسى ﵇ كان يصومه، وهو مما لم يُنسَخ من شريعة موسى ﵇؛ لأن كثيرًا منها ما نُسخ بشريعة عيسى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٥٠]، ويقال: إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة، وقد أخرج أحمد من وجه آخر، عن ابن عباس ﵄ زيادة في سبب صيام اليهود له، وحاصلها أن السفينة استوت على الجوديّ فيه، فصامه نوح وموسى شكرًا، وكأن ذكر موسى دون غيره هنا؛ لمشاركته لنوح في النجاة، وغرق أعدائهما، أفاده في "الفتح" (١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ) "كان" هنا تامّة؛ أي جاء، وَيحْتَمِل أن تكون ناقصة، وخبرها محذوف؛ أي آتيًا، وقوله: (إِنْ شَاءَ اللهُ) ذكره للتبرّك؛ امتثالًا لقوله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] (صُمْنَا الْيَوْمَ التاسِعَ") أي مع العاشر، وهذا هو الظاهر، وقيل: يَحْتمل أن يكون المراد تعويضه به، والأول أظهر، والله تعالى أعلم (قَالَ) ابن عبّاس ﵄ (فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) فثبتت سنّيّته بعزمه ﷺ على صومه. وقال المظهر ﵀: لم يعش النبيّ ﷺ إلى القابل، بل توفّي في الثاني عشر من ربيع الأول، فصار اليوم التاسع من المحرّم صومه سنّةً، وإن لم يصمه رسول الله ﷺ ؛ لأنه عَزَم على صومه.

стр. 12440

وقال التوربشتيّ ﵀: قيل: أراد بذلك أن يضمّ إليه يومًا آخر؛ ليكون هديه مخالفًا لهدي أهل الكتاب، وهذا هو الوجه؛ لأنه وقع جوابًا لقولهم: "إنه يوم تعظّمه اليهود". انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: قول الصحابة ﵃ للنبيّ ﷺ : "إن يوم عاشوراء يوم تعظّمه اليهود … " كان هذا القول من النبيّ ﷺ بعد أن تمادى على صومه عشر سنين أو نحوها، بدليل أن أمره بصومه إنما كان حين قَدِم المدينة، وهذا القول الآخَرُ كان في السَّنة التي تُوُفّي فيها، في يوم عاشوراء من محرّم تلك السنة، وتوفي هو ﷺ في شهر ربيع الأول منها، لم يُخْتَلف في ذلك؛ وإن كانوا اختلفوا في أي يوم منه، وأصح الأقوال: في الثاني عشر منه، والله تعالى أعلم. انتهى. قال: وقوله ﷺ : "فإذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع"؛ إنما قال هذا؛ لحصول فائدة الاستئلاف المتقدم، وكانت فائدئه: إصغاءهم لما جاء به حتى يتبين لهم الرشد من الغيّ، فيحيا مَن حَيّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، ولما ظهر عنادهم كان يجب مخالفتهم -أعني: أهل الكتاب- فيما لم يؤمر به، وبهذا النظر، وبالذي تقدَّم يرتفع التعارض المتوهم في كونه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب، وكان يحب مخالفتهم. وأن ذلك في وقتين وحالتين، لكن الذي استقر حاله عليه: أنه كان يحب مخالفتهم؛ إذ قد وضح الحق، وظهر الأمر ولو كره الكافرون. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٢٢١/ ٢٦٦٦ و ٢٦٦٧] (١١٣٤)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٤٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٤١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٤)، و (الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ٣٨٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٧) و"الصغرى" (٣/ ٤١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12441

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَيْرٍ، لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ: يَعْني يَوْمَ عَاشُورَاءَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣. ٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن محمد بن مُعَتِّب بن أبي لهب الهاشميّ، أبو العباس المدنيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن نافع بن جُبير بن مُطْعِم، وعبد الله بن نيار بن مكرم، وعبد الله بن عُمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن رافع مولى أم سلمة، وعمرو بن عُمير. وروى عنه بكير بن الأشج، وروى هو أيضًا عنه، وابن أبي ذئب. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال عليّ ابن المدينيّ في حديث ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن ابن الأشجّ، عن ابن المكرز، عن أبي هريرة، قيل: يا رسول الله الرجل يجاهد، وهو يحب أن يُحْمَد: لم يروه غير ابن أبي ذئب، والقاسم مجهول، وابن مكرز مجهول، لم يرو عنه غير ابن الأشجّ. وذكره ابن حبان في "الثقات". قُتل سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: إنه مات بالمدينة أيام الحرورية، وقال البخاريّ، عن عبد الرحمن بن شيبة: قُتل سنة ثلاثين ومائة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٣٤)، و (٢٢٩٥).

стр. 12442

٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَيْرٍ) أبو محمد، مولى أم الفضل، وقيل: مولى ابنها عبد الله بن عباس، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عباس، وعنه القاسم بن عباس، قال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: ثقة، وقال ابن المنذر: لا يُعرف هو ولا شيخه إلا في هذا الحديث؛ يعني حديث ابن عباس في عاشوراء، وقال محمد بن سعد: تُوُفّي سنة سبع عشرة ومائة، وكان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ١١٧. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (لَعَلَّهُ قَالَ) هكذا عند المصنّف، والظاهر أنه من شيخي المصنّف، أو من أحدهما؛ لأن الحديث رواه أحمد في "مسنده" (١/ ٣٤٤) عن وكيع، وكذا ابن ماجه في "سننه" (١/ ٥٥٢) عن عليّ بن محمد، عن وكيع، وليس عندهما "لعله"، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهره: أنه كان عَزَم على أن يصوم التاسع بدل العاشر، وهذا هو الذي فهمه ابن عباس ﵄، حتى قال للذي سأله عن يوم عاشوراء: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا، وبهذا تمسَّك من رآه التاسع، ويمكن أن يقول من رأى صوم التاسع والعاشر: ليس فيه دليل على أنه يترك صوم العاشر، بل وعد بأن يصوم التاسع مضافًا إلى العاشر، وفيه بُعد عند تأمل مساق الحديث، مبنيًا على أنه جواب سؤالٍ سبق، فتأمَّل. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أنه ﷺ أراد أن يصوم التاسع مضافًا إلى العاشر الذي كان يصومه، لا أنه أراد أن يستبدل العاشر بالتاسع، كما هو ظاهر جواب ابن عبّاس ﵄، لكن مجموع الأحاديث الواردة في ذلك تأبى هذا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12443

(٢٣) - (بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ بَقِيَّةَ يَومِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٦٨] (١١٣٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ -يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: "مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ") رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠. ٤ - (سَلَمَةُ بْنُ الْأَكوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، أوأبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٤/ ٢٨٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كلاحقيه، وهو (١٦٨) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة.

стр. 12444

شرح الحديث: (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي عُبيد، مولى سلمة بن الأكوع ﵁، (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكوَعِ ﵁) وفي رواية النسائيّ: "قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ" (أنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) أي من قبيلة أسلم. قال في "الفتح": واسم هذا الرجل هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ، له ولأبيه، ولعمه هند بن حارثة صحبة، أخرج حديثه أحمد، وابن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلميّ، عن أبيه، قال: بعثني النبيّ ﷺ إلى قومي من أسلم، فقال: "مُرْ قومك أن يصوموا هذا اليوم، يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه، فليصم آخره"، وروى أحمد أيضًا من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند، قال: وكان هند من أصحاب الحُدَيبية، وأخوه الذي بعثه رسول الله ﷺ يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، قال: فحدّثني يحيى بن هند، عن أسماء بن حارثة أن رسول الله ﷺ بعثه، فقال: "مر قومك بصيام هذا اليوم"، قال: أرأيت إن وجدتهم قد طَعِمُوا؟ قال: "فليتمّوا آخر يومهم". قال الحافظ: فيَحْتَمِل أن يكون كلّ من أسماء، وولده هند أُرسلا بذلك، وَيحْتَمِل أن يكون أطلق في الرواية الأولى على الجدّ اسم الأب، فيكون الحديث من رواية حبيب بن هند، عن جدّه أسماء، فتتحد الروايتان، والله أعلم. انتهى. (يَوْمَ عَاشُورَاءَ) متعلّقٌ بـ "بَعَثَ" (فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ) بتشديد الذال المعجمة، من التأذين، ويَحتَمِل أن يكون بتخفيفها (فِي النَّاسِ: "مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ) أي ولم يأكل أيضًا (فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ") هذا ظاهرٌ في أن صومه بقية يومه صوم لكله، وإن تقدمه أكل، أو شرب، أو نحوه، فهو بمنزلة من أكل، أو شرب ناسيًا، فإن صومه صحيح بإجماع، ومن تأوله بأن المراد مجرد الإمساك لحرمة اليوم، فقد حفله ما لا يتحمّله من دون ضرورة تُلجِئ إليه، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: احتجّ أبو حنيفة ﵀ بهذا الحديث لمذهبه أن صوم

стр. 12445

رمضان وغيره من الفرض يجوز نيّته في النهار، ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا في النهار، وأجزأهم. وقال الجمهور: لا يجوز رمضان، ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنيّة من الليل، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد إمساك بقية النهار، لا حقيقة الصوم، والدليل على هذا أنهم أكلوا، ثم أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط إجزاء النية في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل أو غيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجواب فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو مخالف لظاهر النصّ، فالنبيّ ﷺ يقول: "فليتمّ صيامه إلى الليل"، فيُثبِت كونه صومًا صحيحًا، بنصه الصريح، وهو إنما بُعِث لتبيين الحقائق الشرعيّة، وهم يقولون: ليس صومًا صحيحًا، إن هذا لشيءٌ عُجاب. والحاصل أن الصواب أن هذا الصوم صحيح، وجاز بنيّة من النهار للعذر بالجهل به، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. قال: وجواب آخر أن صوم عاشوراء لم يكن واجبًا عند الجمهور، وإنما كان سنة متأكدة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد قدّمنا أن الصحيح كون صوم عاشوراء واجبًا، ثم نُسِخ، لظواهر النصوص، والله تعالى أعلم. قال: وجواب ثالث أنه ليس فيه أنه يجزيهم، ولا يقضونه، بل لعلهم قضوه، وقد جاء في سنن أبي داود في هذا الحديث: "فأتموا بقية يومكم، واقضوه" (١). انتهى كلام النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "لعلهم قضوه" غير صحيح، فمن

стр. 12446

أين هذا الظنّ؟، والزيادة التي ذكرها من "سنن أبي داود" غير صحيحة. والحاصل أن صوم من لم يعلم بكون اليوم من رمضان، ثم تبيّن له في أثناء النهار أنه منه، فليتم يومه صائمًا سواء تقدم له أكل ونحوه، أو لم يتقدم، فيكون صومه صحيحًا مجزئًا عن فرضه؛ لحديث الباب وغيره، فيكون كمن أكل، أو شرب ناسيًا، فإن صومه صحيح تامّ بلا خلاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة ﵁ هذا مُتَّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٦٦٨] (١١٣٥)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٢٤ و ٢٠٠٧) وفي "أخبار الآحاد" (٧٢٦٥)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢٣٢١) و" الكبرى" (٢٦٣٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٧ و ٤٨ و ٥٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٥) (الدارميّ) في "سننه" (١٧٦١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وجوب تبييت النيّة من الليل في الصوم: قال القرطبيّ ﵀: ظاهر حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا جواز إحداث نية الصوم في أضعاف النهار، ولا يلزم التبييت، وقد اختُلِف في ذلك: فذهب أبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى جواز ذلك في النفل، وخصَّت طائفة منهم جواز ذلك بما قبل الزوال؛ منهم: الشافعيّ في أحد قوليه، وذهب مالك، وابن أبي ذئب، والليث، والمزني: إلى أنه لا يصح صوم إلا بنيّة من الليل. وذهب الكوفيون: إلى أن كل ما فرض من الصوم في وقت معين؛ فإنه لا يحتاج إلى تبييت نية، ويجزئه إذا نواه قبل الزوال. وهو قول الأوزاعي، وإليه ذهب عبد الملك ابن الماجشون، ورواه عن مالك فيمن لم يعلم برمضان إلا في يومه. وذهب مالك في المشهور عنه، والشافعي،

стр. 12447

وأحمد، وعامتهم: إلى أن الفرض لا يجزئ إلا بنيّة من الليل. وهذا هو الصحيح بدليل ما رواه النسائي عن حفصة، والدارقطني عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل"، وغاية ما قيل في هذا الحديث: إنه روي موقوفًا، والمسندون له ثقاث، ولا حجة فيما تقدم من ابتداء الصيام في يوم عاشوراء؛ لأنه كان ذلك في أول الأمر، وهو منسوخ كما قد تقدم. ولو سلِّم أنه ليس بمنسوخ؛ لأمكن أن يقال بموجبه، فإن من تذكر فرض صوم يوم هو فيه، أو ثبت أنه يوم صومه لزمه إتمام صومه. وهذا مما لا يختلف فيه، لكن عليه قضاؤه؛ إذ الصوم المطلوب منه لم يأت به؛ فإنه طلب منه صوم يوم كامل، وهذا بعض يوم، هذا مع ما قد رواه أبو داود من أنه قال ﷺ : "فأتموا بقية يومكم واقضوه"؛ يعني: عاشوراء. انتهى كلام القرطبيّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي داود المذكور ضعيف، فالقول بوجوب القضاء مما لا دليل عليه، بل الظاهر أنه لا يجب القضاء، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال في "الفتح": استُدلّ بحديث الباب على صحة الصيام لمن لم ينوه من الليل، سواء كان رمضان، أو غيره؛ لأنه ﷺ أمر بالصوم في أثناء النهار، فدلّ على أن النيّة لا تشترط من الليل. قال الحافظ: وأجيب بأن ذلك يتوقّف على أن صيام عاشوراء كان واجبًا، والذي يترجّح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا، فقد نسخ بلا ريب، فنسخ حكمه، وشرائطه بدليل قوله: "من أكل فليتمّ"، ومن لا يشترط النيّة من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا"، إن أراد كونه مذهب الجمهور، فمسلّم، وإن أراد أنه راجح من حيث الدليل فلا؛ لأن الذي يترجح بالأدلة الواضحة كونه فرضًا، لكنه نسخ برمضان. وقد ذكر الحافظ نفسه ما يناقض كلامه المذكور، فقال عند شرح حديث معاوية ﵁: "ولم يكتب الله عليكم صيامه" ما ملخّصه: ويؤخذ من مجموع

стр. 12448

الأحاديث أنه كان واجبًا؛ لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكُّد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: "لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء"، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تاكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ ، حيث يقول: "لئن عشت لأصومنّ التاسع والعاشر"، ولترغيبه في صومه، وأنه يكفّر سنة، وأيّ تأكيد أبلغ من هذا؟. انتهى. فتبيّن بهذا أن الصواب أن صوم عاشوراء كان فرضًا، ثم نسخ بفرض رمضان. والله تعالى أعلم. قال: وصرّح ابن حبيب من المالكيّة بأن ترك التبييت لصوم عاشوراء من خصائص عاشوراء، وعلى تقدير أن حكمه باق، فالأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فيحتمل أن يكون أمر بالإمساك لحرمة الوقت، كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارًا، وكما يؤمر من أفطر يوم الشكّ، ثم رأى الهلال، وكلّ ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء. بل ورد ذلك صريحًا في حديث أبي داود، والنسائيّ، من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة (١)، عن عمّه: أن أسلم أتت النبيّ ﷺ ، فقال: "صمتم يومكم هذا؟ "، قالوا: لا، قال: "فأتمّوا بقية يومكم، واقضوه". وعلى تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء، فلا يتعيّن ترك القضاء؛ لأن من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ، أو أسلم في أثناء النهار. واحتجّ الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب "السنن" من حديث عبد الله بن عمر، عن أخته حفصة ﵃ أن النبيّ ﷺ قال:

стр. 12449

"من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له". لفظ النسائيّ، ولأبي داود، والترمذيّ: "من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". واختُلف في رفعه ووقفه، ورجّح الترمذيّ، والنسائيّ الموقوف، بعد أن أطنب النسائيّ في تخريج طرقه. وحكى الترمذيّ في "العلل" عن البخاريّ ترجيح وقفه. وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصحّحوا الحديث، منهم: ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وابن حزم، وروى له الدارقطنيّ طريقًا آخر، وقال: رجالها ثقات. وأبعَدَ من خصّه من الحنفيّة بصيام القضاء والنذر، وأبعَدُ من ذلك تفرقة الطحاويّ بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه، كعاشوراء، فتجزئ النيّة في النهار، أو لا في يوم بعينه، كرمضان، فلا يجزئ إلا بنيّة من الليل، وبين صوم التطوّع، فيجزئ في الليل وفي النهار. وقد تعقّبه إمام الحرمين بأنه كلام غثّ، لا أصل له. وقال ابن قُدامة: تعتبر النية في رمضان لكلّ يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر، وهو كقول مالك، وإسحاق. وقال زفر: يصحّ صوم رمضان في حقّ المقيم الصحيح بغير نية، وبه قال عطاء، ومجاهد. واحتجّ زفر بأنه لا يصحّ فيه غير صوم رمضان؛ لتعيّنه، فلا يفتقر إلى نيّة؛ لأن الزمن معيار له، فلا يتصوّر في يوم واحد إلا صوم واحد. وقال أبو بكر الرازيّ: يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل، ولم يشرب؛ لوجود الإمساك بغير نيّة، قال: فإن التزمه كان مستشنعًا، وقال غيره: يلزمه أن من أخّر الصلاة حتى لم يبق من وقتها إلا قدرها، فصلى حينئذ تطوعًا أنه يجزئه عن الفرض. واستدلّ ابن حزم (١) بحديث الباب، وحديث محمد بن صيفيّ ﵁ عند النسائيّ بسند صحيح، قال: قال رسول الله ﷺ يومَ عاشوراء: "أمنكم أحدٌ أكل اليوم؟ " فقالوا: منا من صام، ومنا من لم يصم، قال: "فأتمّوا بقيّة يومكم،

стр. 12450

وابعَثُوا إلى أهل الْعَرُوض، فليُتموا بقيّة يومهم" (١)، على أن من ثبت له هلال رمضان بالنهار جاز له استدراك النية حينئذ، ويجزئه، وبناه على أن عاشوراء كان فرضًا أوّلًا، وقد أُمروا أن يمسكوا في أثناء النهار، قال: وحكم الفرض لا يتغيّر. قال الحافظ: ولا يخفى ما يَرِدُ عليه مما قدمناه. وألحق بذلك من نسي أن ينوي من الليل؛ لاستواء حكم الجاهل والناسي. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم ﵀، هو الراجح الذي يؤيده الدليل الواضح البيّن، وما ادعاه الحافظ من أنه يَرِدُ عليه ما تقدم غير مقبول؛ لأن ما قدّمه من ترجيح عدم كون صوم عاشوراء فرضًا، غير مسفم، فتنبّه. والحاصل أن الصوم فرضه ونفله لا يصحّ إلا بنيّة من الليل، إلا ما خصّ بحديث الباب، ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٢٦٦٩] (١١٣٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ لَاحِقٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: "مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ"، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، إِنْ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِن الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطعَامِ، أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع، تقدّم قبل باب. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ لَاحِقٍ) الرَّقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.

стр. 12451

٣ - (خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن المدنيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ [٥]. رَوَى عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء، ولها صحبة، وأم الدرداء الصغرى، وأيوب بن بشير بن كعب. ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وبشر بن المفضل، وعبد الواحد بن زياد، وأبو معشر البراء، ومحبوب بن الحسن، ومحمد بن دينار الطائيّ. قال إسحاق بن منصور، وعثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال: هو أحبّ إليّ من عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، قليل الحديث، محلّه الصدق، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن عديّ: حديثه ليس بالكثير، وأرجوأنه لا بأس به وبرواياته، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: ما أدري لأيّ شيء ذكره ابن عدي في "الكامل". انتهى. وابن عديّ أشعر كلامه بأنه تَبع البخاريُّ في ذلك، وقد قال ابن خزيمة عقب حديثه في الصيام الذي رواه عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ: خالد بن ذكوان حسن الحديث، وفي القلب منه. انتهى. وقال في "الفتح": هو تابعيّ صغير، وليس له من الصحابة سماعٌ، من سوى الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وهي من صغار الصحابة، ولم يُخرِج البخاريّ من حديثه عن غيرها. انتهى (١). أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ (٢) ابْنِ عَفْرَاءَ) وعفراء أم مُعَوِّذ، وأبوه الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النّجّار، الأنصارية، رَوَت عن النبيّ ﷺ ، وعنها ابنتها عائشة بنت أنس بن مالك، وخالد بن ذكوان، وسليمان بن يسار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبو سلمة بن

стр. 12452

عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وعبادة بن الوليد بن عبادة، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، قال ابن أبي خيثمة، عن أبيه: كانت من المبايعات تحت الشجرة. أخرج لها الجماعة، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، كسابقه، ولاحقه، وهو (١٦٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والترمذيّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. شرح الحديث: (عَنْ الرُّبَيِّعِ) وفي الرواية التالية: "سألت الربيّع"، وهي بضمّ الراء، وتشديد الياء التحتانيّة، مصغّرًا (بنْتِ مُعَوِّذِ) بضمّ الميم، وتشديد الواو المكسورة (ابْنِ عَفْرَاءَ) تقدّم أن عفراء أَم مُعوِّذ، أنها (قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ) أي صباح يوم عاشوراء، قال الفيّوميّ ﵀: الغداة: الضحوة، وهي مؤنّثةٌ، قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حاملٌ على معنى أوَّل النهار جاز له التذكير، والجمع: غَدَوات. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: إنما خصَّ هذا الوقت بالإرسال؛ لأنه الوقت الذي أُوحي إليه فيه في شأن صوم عاشوراء، وهذا مما يدلّ على أنه كان واجبًا؛ إذ لا ينتهي الاعتناء بالندب غالبًا إلى أن يفعل فيه هكذا من الإفشاء، والأمر به، وبيان أحكامه، والإبلاع لمن بَعُدَ، وشدة التهمم. ولما فهمت الصحابة ﵁ هذا التزموه، وحملوا عليه صغارهم الذين ليسوا بمخاطبين بشيء من التكاليف تدريبًا، وتمرينًا، ومبالغة في الامتثال والطواعية، على أن جمهور من قال من العلماء: إن الصغار يؤمرون بالصلاة

стр. 12453

وهم أبناء سبع، ويُضْرَبون عليها وهم أبناء عشر؛ ذهبوا إلى أنهم: لا يؤمرون بالصوم لمشقته عليهم، بخلاف الصلاة. وقد شذَّ عروة فقال: إن من أطاق الصوم منهم وجب عليه، وهذا مخالف لما عليه جمهور المسلمين؛ ولقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ"، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ﴾ [النور: ٥٩]. انتهى. (إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ) المراد قُرى المدينة، وهي بضمّ القاف، مقصورًا: جمع قرية، قال الفيّوميّ ﵀: القرية: هي الضيعة، وقال في "كفاية المتحفّظ": القَرْية: كلُّ مكان اتَّصَلت به الأبنية، واتُّخِذ قرارًا، وتقع على المدن وغيرها، والجمع: قُرى على غير قياس، قال بعضهم: لأن كلّ ما كان على فَعْلَة من المعتلّ فبابه أن يُجمَع على فِعَالٍ بالكسر، مثلُ ظَبْية وظِبَاء، ورَكْوَة ورِكاء، والنسبة إليها قَرَويّ بفتح الراء على غير قياس. انتهى (١). وقد تقدّم في حديث سلمة بن الأكوع ﵁ المذكور قبله أن الرجل الذي أرسله النبيّ ﷺ إلى تلك القرى هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ ﵁. (الَّتى حَوْلَ الْمَدِينَةِ: "مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ"، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ) أي يوم عاشوراء (وَنُصَوِّمُ) بتشديد الواو، مبنيًّا للفاعل (صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ) أي نجعلهم صائمين (إِنَّ شَاءَ اللهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ) أي مع الصبيان (فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ) بضمّ اللام، وسكون العين المهملة: اسم لما يُلعَبُ به، قال الفيّوميّ ﵀: لَعِبَ يَلْعَبُ لَعِبًا بفتح اللام، وكسر العين، ويجوز تخفيفه بكسر اللام، وسكون العين، قال ابن قُتيبة: ولم يُسمع في التخفيف فتح اللام مع السكون، واللُّعْبة، وزانُ غُرْفة: اسمٌ منه، يقال: لمن اللُّعْبَةُ، وفَرَغَ من لُعْبَته، وكلُّ ما يُلعب به، فهو لُعْبَةٌ، مثلُ الشِّطْرَنج، والنَّرْد، وهو حَسَنُ اللِّعْبة بالكسر للحال والهَيئة التي يكون الإنسان عليها. انتهى (٢).

стр. 12454

وقولها: (مِنَ الْعِهْنِ) بيان للُّعْبة، وهو بكسر العين المهملة، وسكون الهاء: أي الصوف، وقد فسّره البخاريّ في رواية المستملي في آخر الحديث، وقيل: العِهْن الصوف المصبوغ، قاله في "الفتح" (١). (فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ) أي فقده الطعام (أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ: "عند الإفطار"، قال القاضي: فيه محذوف، وصوابه حتى يكون عند الإفطار، فبهذا يتم الكلام، وكذا وقع في البخاريّ من رواية مسدّد، وهو معنى ما ذكره مسلم في الرواية الأخرى: "فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللُّعبة، تلهيهم حتى يُتِمُّوا صومهم" (٢). وفي رواية البخاريّ: "أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار"، قال في "الفتح": هكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان، ووقع في رواية مسلم: "أعطيناه إياه عند الإفطار"، وهو مشكل، ورواية البخاريّ توضِّح أنه سقط منه شيء، وقد رواه مسلم من وجه آخر عن خالد بن ذكوان، فقال فيه: "فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم"، وهو يوضح صحة رواية البخاريّ. ووقع لمسلم شك في تقييده الصبيان بالصغار، وهو ثابت في "صحيح ابن خزيمة" وغيره، وتقييده بالصغار لا يخرج الكبار، بل يُدخلهم من باب أولى، وأبلغ من ذلك ما جاء في حديث رَزِينة -بفتح الراء، وكسر الزاي- أن النبيّ ﷺ كان يأمر مرضعاته في عاشوراء، ورضعاء فاطمة، فيتفل في أفواههم، ويأمر أمهاتهم أن لا يُرْضِعن إلى الليل، أخرجه ابن خزيمة، وتوقف في صحته، وإسنادُه لا بأس به. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ ﵄ هذا مُتّفقٌ عليه.

стр. 12455

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٢٦٦٩ و ٢٦٧٠] (١١٣٦)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٦٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥٩ و ٣٦٠)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٧٠٠)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٣٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٨٨) و"المعرفة" (٣/ ٤٣٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تأكّد صوم يوم عاشوراء. ٢ - (ومنها): بيان أن عاشوراء كان فرضًا قبل أن يُفْرَض رمضان، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في ذلك. ٣ - (ومنها): بيان مشروعية تمرين الصبيان على الصيام؛ لأن من كان في مثل السن الذي ذُكِر في هذا الحديث فهو غير مكلف، وإنما صنع لهم ذلك للتمرين، وأغرب القرطبيّ، فقال: لعل النبيّ ﷺ لم يعلم بذلك، ويبعد أن يكون أمر بذلك؛ لأنه تعذيب صغير بعبادة غير متكررة في السنة، وما تقدّم من حديث رَزِينة يردّ عليه، مع أن الصحيح عند أهل الحديث، وأهل الأصول أن الصحابيّ إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله ﷺ كان حكمه الرفعَ؛ لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك، وتقريرهم عليه، مع توفّر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه إلا بتوقيف، والله تعالى أعلم، قاله في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم الصبيان: ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب الصوم على من دون البلوغ، واستَحَبّ جماعة من السلف، منهم ابن سيرين، والزهريّ، وبه قال الشافعيّ أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحُدُّ ذلك عند أصحاب الشافعيّ بالسبع والعشر

стр. 12456

كالصلاة، وعند إسحاق حدُّه اثنتا عشرة سنةً، وعند أحمد في رواية: عشر سنين، وقال الأوزاعيّ: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يَضْعُف فيهنّ حُمِل على الصوم، والمشهور عند المالكية أنه لا يُشْرَع في حق الصبيان. وقال ابن بطّال: أجمع العلماء أنه لا تلزم العبادات والفرائض، إلَّا عند البلوغ، إلَّا أن أكثر العلماء استحسنوا تدريب الصبيان على العبادات؛ رجاء البركة، وأنهم يعتادونها، فتَسْهُل عليهم؛ إذا لَزِمتهم، وأن من فعل ذلك بهم مأجور. وقال في "الأشراف": اختلفوا في الوقت الذي يؤمر فيه الصبيّ بالصيام، فكان ابن سيرين، والحسن، والزهريّ، وعطاء، وعروة، وقتادة، والشافعيّ يقولون: يؤمر به إذا أطاقه، ونُقِل عن الأوزاعيّ مثل ما ذكرنا الآن، واحتَجَّ بحديث ابن أبي لبيبة، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا صام الغلام ثلاثة أيام متتابعة، فقد وجب عليه صيام رمضان". وقال ابن الماجشون: إذا طاقوا الصيام أُلْزِموه، فإذا أفطروا بغير عذر ولا علة، فعليهم القضاء. وقال أشهب: يستحب لهم إذا أطاقوه، وقال عروة: إذا أطاقوا الصوم وجب عليهم، قال عياض: وهذا غلط، يردّه قوله ﷺ : "رُفِع القلم عن ثلاثة … " (١)، فذكر الصبيّ حتى يحتلم، وفي رواية: "حتى يبلغ"، ذكره في "العمدة" (٢). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يجب على الصبيّ شيء من العبادات حتى يبلغ، وأما ما ذُكر في الباب من حديث الربَيِّع ﵄ فللتمرين، ودليل الجمهور حديث: "رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل"، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره، بإسناد صحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12457

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٧٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثنا أَبُو مَعْشَرٍ الْعَطَّارُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُسُلَهُ فِي قُرَى الْأَنْصَارِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَنَصْنَعُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَنَذْهَبُ بِهِ مَعَنَا، فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ، حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مَعْشَرٍ الْعَطَّارُ) يوسف بن يزيد البَرّاء -بتشديد الراء- البصريّ، صدوقٌ ربما أخطأ [٦]. رَوَى عن عبيد الله بن الأخنس، وسعيد بن عبد الله بن جبير بن حيَّة، وخالد بن ذكوان، وأبي حازم بن دينار، وموسى بن دهقان، وعثمان بن غياث، وغيرهم. ورَوَى عنه زيد بن الخطاب، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وأبو كامل فُضيل بن حسين الجحدريّ، ومحمد بن أبي بكر المقدميّ، ولُوَين، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال أبو داود: ليس بذاك، وقال علي بن الجنيد، عن محمد بن أبي بكر المقدميّ: ثنا أبو معشر البرّاء، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". تفرّد به البخاريّ، والمصنف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُسُلَهُ … إلخ) لم يسمّ منهم أحد، إلا ما تقدّم أنه رجل من أسلم، وهو هند بن أسماء. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ بِشْرٍ إلخ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير أبي معشر. وقوله: (تُلْهِيهِمْ) أي تَشْغَلهم.

стр. 12458

[تنبيه]: رواية أبي معشر، عن خالد بن ذكوان هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في "معرفة السنن والآثار" (٣/ ٤٣٥) فقال: (٢٥٩٣) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبو معشر العطار، عن خالد بن ذكوان، قال: سألت الرُّبَيِّعَ بنت مُعَوِّذ بن عفراء، عن صوم يوم عاشوراء، فقالت: بعث رسول الله ﷺ في قرى الأنصار، قال: "من أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مُفْطِرًا فليتم صومه آخر يومه". قالت: فلم نزل نصومه بعدُ، ونُصَوِّم صبياننا، وهم صغار، ونصنع لهم اللُّعْبة من الْعِهْن، فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللُّعْبة، تلهيهم حتى يتموا صومهم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٤) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيوْمِ الْأَضْحَى) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٧١] (١١٣٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَجَاءَ، فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِن هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم في السند الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) اسمه سعد بن عُبيد الزهريّ، مولى

стр. 12459

عبد الرحمن بن أزهر المدنيّ، ثقةٌ [٢]، وقيل: له إدراك تقدم في "الإيمان" (ع) ٧٣/ ٣٩٠. ٥ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ) ﵁ الخليفة الراشد، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) وولي الخلافة عشر سنين ونصفًا (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد الخلفاء الراشدين، والسابقين إلى الإسلام، ذو مناقب جمة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "مولى بني أزهر"، وعزاه في "الفتح" إلى مسلم، وليس في النسخ التي بين أيدينا إلا الأول. وقال البخاريّ بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال أبو عبد الله: قال ابن عُيينة: من قال: مولى ابن أزهر، فقد أصاب، ومن قال: مولى عبد الرحمن بن عوف، فقد أصاب. انتهى. قال في "الفتح": كلام ابن عيينة هذا حكاه عنه عليّ ابن المدينيّ في "العلل"، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده"، عن ابن عيينة، عن الزهريّ، فقال: عن أبي عُبيد مولى ابن أزهر، وأخرجه الحميديّ في "مسنده"، عن ابن عيينة: حدّثني الزهريّ، سمعت أبا عُبيد، فذكر الحديث، ولم يَصِفْه بشيء، ورواه عبد الرزاق في "مصنّفه"، عن معمر، عن الزهريّ، فقال: عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، وكذا قال جويرية، وسعيد الزبيريّ، ومكيّ بن إبراهيم، عن مالك، حكاه أبو عمر، وذكر أن ابن عيينة أيضًا كان يقول فيه كذلك.

стр. 12460

وقال ابن التين: وجه كون القولين صوابًا ما رُوي أنهما اشتركا في ولائه، وقيل: يُحْمَل أحدهما على الحقيقة، والآخر على المجاز، وسبب المجاز إما بأنه كان يُكثر ملازمة أحدهما، إما لخدمته، أو للأخذ عنه، أو لانتقاله من ملك أحدهما إلى ملك الآخر، وجزم الزبير بن بكار بأنه كان مولى عبد الرحمن بن عوف، فعلى هذا فنسبته إلى ابن أزهر هي المجازية، ولعلها بسبب انقطاعه إليه بعد موت عبد الرحمن بن عوف، واسم ابن أزهر أيضًا عبد الرحمن، وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وقيل: ابن أخيه. انتهى (١). (أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ) زاد في رواية البخاريّ من طريق يونس، عن الزهريّ: "يوم الأضحى" (مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطابِ ﵁، فَجَاءَ) أي عمر (فَصَلَّى) أي صلاة العيد (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي إلى محلّ خطبته (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ) ولفظ البخاريّ: "هذان يومان"، وفيه التغليب، وذلك أن الحاضر يشار إليه بـ "هذا"، والغائب يشار إليه بـ "ذاك"، فلما أن جمعهما اللفظ قال: هذان، تغليبًا للحاضر على الغائب (٢). (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا) وقوله: (يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ) برفع "يومُ" إما على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أحدهما، أو على البدل من قوله: "يومان"، وفي رواية يونس المذكورة عند البخاريّ: "أما أحدهما فيوم فطركم"، قيل: وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهو الفصل من الصوم، وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرَّب بذبحه؛ ليؤكل منه، ولو شُرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعَبَّر عن علة التحريم بالأكل من النسك؛ لأنه يستلزم النحر، ويزيد فائدة التنبيه على التعليل، قيل: ويُستنبَطُ من هذه العلة تعيّن السلام للفصل من الصلاة، أفاده في "الفتح". (وَالْآخَرُ) أي اليوم الثاني من اليومين المنهيّ صومهما، وهو مبتدأ خبره قوله: (يَوْمٌ) يَحْتَمل أن يكون منوّنًا، والجملة بعده صفته، ويَحْتَمِل أن يكون

стр. 12461

مضافًا إلى ما بعده، كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، وعليه يجوز أن يُعرب؛ لإضافته إلى الفعل المعرب، ويجوز بناؤه؛ نظرًا لإضافته إلى الجملة، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله: وَأَلْزَمُوا إِضَافَةً إِلَى الْجُمَلْ … "حَيْثُ" وَ"إِذْ" وَإِنْ يُنَوَّنْ يُحْتَمَلْ إِفْرَادُ "إِذْ" وَمَا كَـ "إِذْ" مَعْنًى كَـ "إِذْ" … أَضِفْ جَوَازًا نَحْوُ "حِينَ جَا نُبِذْ" وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلِ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا (تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ) - ضم السين وسكونها-: أي أضحيتكم، قال في "القاموس": النَسْكُ مثلّثةً، وبضمتين: العبادةُ وكلُّ حقٍّ لله تعالى، وقد نَسُكَ، كنَصَرَ، وكَرُمَ، وتنسّك نُسْكًا، مثلّثةً، وبضمتين، ونَسْكَةً، ومَنْسَكًا، ونَسَاكَةً، والنُّسُكُ بالضم، وبضمتين، وكسَفِينة: الذبيحةُ أو النسك: الدم، والنَّسِيكة: الذبح، وكمَجْلِسٍ، ومَقْعَد: شِرْعَةُ النَّسْكِ، ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨]: مُتَعَبَّدَاتنا، ونَفْسُ النسك، وموضغ تُذْبَحُ فيه النَّسِيكة. انتهى (١). وقال في "الفتح": المراد بالنسك هنا: الذبيحةُ المتقرَّب بها. انتهى. [تنبيه]: هذا الحديث عند المصنّف ﵀ مختصر، وقد ساقه البخاريّ ﵀ في "الأضاحي" من "صحيحه" مطوّلًا، فقال: (٥١٤٥) - حدّثنا حِبّان بن موسى، أخبرنا عبد الله، قال: أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال: حدّثني أبو عبيد مولى ابن أزهر: أنه شَهِد العيد يوم الأضحى، مع عمر بن الخطاب ﵁، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ قد نهاكم عن صيام هذين العيدين: أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم، وأما الآخر فيوم تأكلون من نسككم، قال أبو عبيد: ثم شَهِدت العيد مع عثمان بن عفان، فكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس إن هذا يومٌ قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أَذِنتُ له، قال أبو عبيد: ثم شَهِدته مع علي بن أبي طالب، فصلى

стр. 12462

قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: إن رسول الله ﷺ نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث. انتهى. وقد أورده مسلم في "الأضاحي" برقم (١٩٦٩) مختصرًا على حديث عليّ ﵁ الأخير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٢٦٧١] (١١٣٧)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٩٠) و"الأضاحي" (٥٥٧١)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤١٦)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٧١)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٢٢)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٧٨ - ١٧٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٠١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٠٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢١٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٧) و"المعرفة" (٣/ ٤٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٢٠١)، و (البغويّ) في شرح السنّة" (١٧٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم صوم يومي العيد، سواء النذر، والكفارة، والتطوع، والقضاء، والتمتع، وهو بالإجماع، قال الإمام أبو عمر ﵀: لا خلاف بين العلماء في صحة هذا الحديث، واستعماله، وكلهم مُجْمِعٌ على أن صيام يوم الفطر، ويوم الأضحى، لا يجوز بوجه من الوجوه، لا للمتطوع، ولا لنذر صومه، ولا أن يقضي فيهما رمضان؛ لأن ذلك معصية، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "لا نذر في معصية الله"، رواه مسلم، وإنما اختَلَف الفقهاء في صيام أيام التشريق للمتمتع، والناذر صومها، وقضاء رمضان فيها، والتطوع بآخر يوم منها. انتهى.

стр. 12463

قال الجامع عفا الله عنه: صيام أيام التشريق محرّم أيضًا إلا لمتمتّع فاتته صيام ثلاثة أيام على الراجح؛ لصحّة الحديث بذلك، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على مشروعيّة الأكل من الضحايا، وسائر النسك، قال أبو عمر ﵀: وإن كان في قول الله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ما يغني عن قول كل قائل، إلا أني أقول: الأكل من الهدي بالقرآن، ومن الضحية بالسنة. انتهى (١). ٣ - (ومنها): استحباب اهتمام الإمام في خطبة العيد ببيان أحكام العيد للناس حتى يكونوا عالمين بالسنة، وعاملين بها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نذر صوم يومي العيد: اختلفوا فيمن نذر، فصام يوم عيد، فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور، وهو الحقّ، كما سيأتي؛ فلو نذر صوم يوم قدوم زيد، فقَدِم يوم العيد، فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد، ويلزمه القضاء، وفي رواية يلزمه الإطعام، وعن الأوزاعيّ: يقضي إلا أن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية: يقضي إن نوى القضاء، وإلا فلا، وتوقّف ابن عمر ﵄ عن جواب من سأله عن ذلك، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن زياد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄، فقال: رجل نذر أن يصوم يومًا، قال: أظنه قال: الاثنين، فوافق ذلك يوم عيد؛ فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهى النبيّ ﷺ عن صوم هذا اليوم. قال في "الفتح": وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن الحسن: نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى: لا يبصر؛ لأنه تحصيل الحاصل، فدلّ على أن صوم يوم العيد ممكنٌ، وإذا أمكن ثبتت الصحّة.

стр. 12464

وأجيب أن الإمكان المذكور عقليّ، والنزاع في الشرعيّ، والمنهيّ عنه شرعًا غير ممكن فعله شرعًا. ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نُهِي عن فعله لم ينعقد؛ لأن المنهيّ مطلوب الترك، سواء كان للتحريم، أو للتنزيه، والنفل مطلوب الفعل، فلا يجتمع الضدان، والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين، كانصلاة في الدار المغصوبة، أن النهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصلاة، بل للإقامة، وطلبُ الفعل لذات العبادة، بخلاف صوم يوم النحر مثلًا، فإن النهي فيه لذات الصوم، فافترقا. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من أن نذر صوم يومي العيد غير منعقد أصلًا، لا أداءً، ولا قضاءً؛ للحديث الصحيح: "لا نذر في معصية الله"، رواه مسلم، وكذلك الصحيح في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ من أنه لا تصحّ الصلاة أصلًا. والحاصل أنه لا فرق بين المسألتين، كما ادّعاه صاحب "الفتح"، وقد حقّقت المسألة في "التحفة المرضيّة" و"شرحها" في الأصول، فراجعها تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٧٢] (١١٣٨) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ).

стр. 12465

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح الحاء المهملة- ابن مُنقذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١٢١) وهو ابن (٧٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠. ٢ - (الْأَعْرَح) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) والباقيان ذُكرا قبله، وكذا شرح الحديث يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٢٦٧٣] (١١٣٨)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٩٣)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٥٠)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٠٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥١١ و ٥٢٩)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢١٨ - و ٢١٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢١٦ - ٢١٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٣٦٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٧) و"المعرفة" (٣/ ٤٣٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٦٧٣] (٨٢٧) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا، فَأَعْجَبَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَأَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَا يَصْلُحُ الصِّيَامُ فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ").
следующие страницы →