٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ القُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٥ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
و"أبو هريرة ﵁ " ذُكر قبله.
وقوله: (لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في الأصول: "تختصّوا ليلة الجمعة، ولا تخُصُّوا يوم الجمعة" بإثبات تاء في الأول بين الخاء والصاد، وبحذفها في الثاني، وهما صحيحان. انتهى (١).
وقال الفيّوميّ ﵀: خَصَصته بكذا أَخُصُّهُ خُصُوصًا، من باب قَعَدَ، وخُصُوصيّةً بالفتح، والضمُّ لغة: إذا جعلته له دون غيره، وخَصَّصته بالتثقيل مبالغةٌ، واختصصته به، فاخْتَصَّ هو به، وتخصّص، وخَصَّ الشيءُ خُصُوصًا، من باب قَعَدَ: خلاف عمّ، فهو خاصّ، واختَصَّ مثله. انتهى (٢).
فأفاد أن كلًّا من خَصّ، واختَصّ يتعدّى، ويلزم، فتنبّه.
وقال النوويّ ﵀: في هذا الحديث النهي الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي، ويومها بصوم كما تقدم، وهذا مُتَّفقٌ على كراهيته، واحتَجَّ به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تُسَمَّى الرغائب، قاتل الله واضعها ومخترعها، فإنها بدعة منكرة، من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة، وقد صنّف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها، وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائلُ قبحها وبطلانها، وتضلل فاعلها أكثر من أن تُحْصَر. انتهى (٣).
[تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ ﵀ هذا الحديث، ونصّه في "العلل":
стр. 12497
(١٤٥٣) - وسئل عن حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه: "نَهَى أن يخص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، وأن يخص يوم الجمعة بصيام من بين الأيام"، فقال: هو حديث يرويه عوف الأعرابيّ، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ (١)، وتابعه حسين الجعفيّ، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، وكلاهما وَهَمٌ، وأما حديث عوف، فالوهم فيه منه على ابن سيرين، وأما حديث هشام، فالوهم فيه من حسين الجعفيّ على زائدة؛ لأن زائدة من الأثبات، لا يَحْتَمِل هذا، ورواه معاوية بن عمرو، عن زائدة على الصواب، عن هشام، عن محمد بن سيرين: أن سلمان زار أبا الدرداء، فذكر الحديث بطوله، فرأى أبا الدرداء يوم الجمعة صائمًا، فنهاه من ذلك، فارتفعا إلى النبيّ ﷺ ، فقصّا عليه، فقال النبيّ ﷺ : "عويمرُ سلمانُ أفقه منك" (٢)، ثم ذكر ذلك، وحدّث بهذا الحديث شيخ من أهل الثَّغْر، عن ابن عيينة، فوهم فيه عليه، فقال: عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه: "نهى أن يخص يوم الجمعة … " الحديث، حدّثناه أبو طالب الحافظ من أصله، ثنا جعفر بن محمد الفريابيّ، ثنا الحسن بن عيسى الحربيّ بإذنه (٣)، ثنا سفيان بذلك، والصحيح عن ابن عيينة وغيره، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي الدرداء، عن النبيّ ﷺ (٤)، وكذلك رواه الثوريّ، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي الدرداء (٥)، وهو الصواب. انتهى (٦).
قال أبو مسعود الدمشقيّ مجيبًا عن هذا الاعتراض: وحسين الجعفيّ من الأثبات الحفّاظ، وقول معاوية، عن زائدة، عن هشام، عن محمد، عن بعض
стр. 12498
أصحاب النبيّ ﷺ (١) مما يقوّي حديث حسين.
وحديث الصوم له أصلٌ عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، أخرجه البخاريّ ومسلم من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة.
وقد أخرجا حديث أن النبيّ ﷺ : نهى عن صوم يوم الجمعة من حديث جابر ﵁، وهذا ما يبيّن أن الحديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، فإن له أصلًا، وإنما أراد مسلم إخراج حديث هشام، عن محمد بن سيرين؛ لتكثر طرق الحديث. انتهى كلام أبي مسعود.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذا الحديث أنه مما اختُلف في تصحيحه، وإعلاله، فممن صححه الإمام مسلم ﵀ حيث أورده بهذا السياق في "صحيحه"، والحافظ ﵀ حيث ذكره في "الفتح" (٥/ ٤١٨) بهذا السياق، وعزاه لمسلم، وسكت عليه.
فممن أعلّه الدارقطنيّ، قال: إن عوفًا الأعرابيّ خالف أصحاب ابن سيرين، حيث رواه عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وأصحاب ابن سيرين يروونه عن ابن سيرين، عن حديث أبي الدرداء، كما أعلّه أيضًا بأن حسينًا الجعفيّ خالف معاوية بن عمرو، فروى الحديث عن زائدة، من حديث أبي هريرة، ورواه معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن ابن سيرين، من حديث أبي الدرداء، وهو الصواب عنده. "العلل" (٨/ ١٢٨ - ١٢٩).
وممن أعلّه أيضًا: أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيّان، قالا: إن حسينًا الجعفيّ وَهِم فيه، فجعله من حديث أبي هريرة، وهو من مرسل ابن سيرين، نقل ذلك عنهما ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ١٥٨).
والذي يظهر أن إعلال هؤلاء ظاهر، فالحديث بسياق المصنّف معلولٌ (٢).
стр. 12499
هذا كلّه بالنسبة لقوله: "لا تختصّوا ليلة الجمعة بقيام"، وأما قوله: "ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام" فهو صحيح من حديث أبي هريرة، ومن حديث جابر ﵄، كما هو في "الصحيحين"، ومن حديث غيرهما أيضًا، فتنبّه.
ثم إنه يُجاب عن المصنّف بأنه أراد بإيراد هذا الطريق مجرّد تكثير طرق الحديث، كما أشار إليه أبو مسعود ﵀ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٧) - (بَابُ بَيَانِ نَسْخِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ بِقَوْلهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٨٥] (١١٤٥) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا بَكْرٌ - يَعْني ابْنَ مُضَرَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ "قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ، وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَت الْآيَةُ الَّتى بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (بكر بن مضر) بن محمد، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٤٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (بكير) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدني، ثم المصريّ، ثقة [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٥ - (يزيد مولى سلمة بن الأكوع) هو: ابن أبي عبيد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٤] مات سنة بضع و (١٤٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
стр. 12500
٦ - (سلمة بن الأكوع) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع -نُسب لجدّه- الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٤/ ٢٨٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنِّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه سكن مصر، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) هو ابن عمرو بن الأكوع نُسب لجدّه الصحابيّ الشهير ﵁، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) قال القرطبيّ ﵀: اختُلِف في قراءتها، وفي معناها، فأما قراءتها: فالجمهور على: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ بكسر الطاء وسكون الياء، وأصله: يطوقونه، وكذلك قراءة حميد.
ومشهور قراءة ابن عباس: "يُطَوَّقُونَه" بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو، وقد روي عنه: "يُطَّيَّقُونَهُ" بفتح الطاء والياء مشددتين، وقرأت عائشة، وطاووس، وعمرو بن دينار: "يُطيَّقُونَه" بفتح الطاء والياء مشددتين، وقرأت عائشة، وطاووس، وعمرو بن دينار: "تَطَّوقُونه".
فأما قراءة الجمهور فمعناها: يَقدِرون عليه، وعلى هذا تكون الآية منسوخة كما قال سلمة بن الأكوع، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وعلقمة، والنخعيّ، والحسن، والشعبيّ، وابن شهاب.
وقال السُّدي: هم الذين كانوا يطيقونه، وهم بحال الشباب ثم استحالوا بالشيخ فلا يستطيعون الصوم، وهي عنده محكمة، وتلزم الشيوخ عنده الفدية. ونحوه عن ابن عباس، وزاد: المريض الذي لا يقدر على الصوم، وعضد هذا بقراءته المذكورة قبل.
стр. 12501
قال القاضي أبو محمد بن عطية: الآية عند مالك؛ إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من رمضان المتقدم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم، فترك، فعليه الفدية. وحكى الطبري عن عكرمة: أنه كان يقرؤها: "وعلى الذين يطيقونه فأفطروا".
وأما قراءة: "يُطوَّقُونَه"؛ فمعناه: يُكَلَّفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض والحامل؛ فإنهما يقدران عليه؛ لكن بمشقة تلحق رضيعها، فذهب بعض الناس: إلى أنها محكمة لهؤلاء، فإن صاموا أجزأهم، وإن افتدوا فلهم ذلك، وقاله ابن عباس فيما حكاه عنه البخاريّ، وأبو داود، ورأيا: أنها ليست بمنسوخة؛ لكنها مثبتة للشيخ والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، وللحامل والمرضع.
و"يُطيّوقونه" بالياء مكان الواو مشددة، مبنيًّا للمفعول، مثل: "يَتَطَوَّقُونه" في المعنى.
فأما قراءة عائشة: فأصلها: "تَتَطَوَّقُونه" فأُدغمت التاء في الطاء، ومعناها: يتكففون ذلك بأنفسهم مع المشقة، ويرجع ذلك لما تقدَّم كالمريض ومن ذكر معه.
فأما قوله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ففدية: مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف؛ أي: فعليهم فدية، أو خبر مبتدأ؛ أي: فحكمهم فدية، وقراءة نافع وابن عامر: "ففديةُ طعام مساكين" بإضافة ﴿فِدْيَةٌ﴾ إلى ﴿طَعَامُ﴾ وجمع ﴿مَسَاكينَ﴾. وقرأ هشام: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾، بتنوين ﴿فِدْيَةٌ﴾ ورفع ﴿طَعَامُ﴾ على أن الطعام بدل منها. وقرأ بقية السبعة كذلك، إلا أنهم وحّدوا ﴿مَسَاكينَ﴾ وهي قراءة حسنة؛ لأنها بيَّنت: أن الواجب في فطر يوم إطعام مسكين واحد، فأما الجمع فلا يعرف من مساق الآية هل هم -أعني: المساكين- بإزاء يوم واحد، أو بإزاء أيام؟ وإنما يعلم ذلك من دليل آخر.
ثم اختلفوا في مقدار هذا الطعام حيث يجب: فذهب مالك وجماعة من العلماء: إلى أنه مُدٌّ لكل مسكين بمدّ النبيّ ﷺ ، وقد تقدَّم في الزكاة.
стр. 12502
وقال أشهب: مُدّ وثلث بمد أهل المدينة. وقال قوم: قوت يوم عشاء وسحور. وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة: نصف صاع من قَمْح، وصاع من تمر أو زبيب.
وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: من تطوع بزيادة على إطعام مسكين، قاله ابن عباس وجماعة. وقال ابن شهاب: من أراد الإطعام مع الصوم. وقال مجاهد: من زاد في الإطعام على المد.
و ﴿خَيْرٌ﴾ الأول والثاني بمعنى: أَخْيَر، وأفضل، معناه: من تطوَّع بأكثر من ذلك فهو أفضل عند الله تعالى.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: الصوم خير. وكذلك قرأها أُبَيّ. ومعناه: أن الصوم أفضل وأولى من الفدية. انتهى (١).
(كَانَ مَنْ أَرَادَ) زاد في رواية النسائيّ: "منّا" (أَنْ يُفْطِرَ) بضمّ أوله، من الإفطار (ويَفْتَدِيَ) خبر "كان" محذوف؛ أي فَعَلَ ذلك (حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) أي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥] (فَنَسَخَتْهَا) أي نسخت آية التخيير، وأوجبت الصوم على كلّ من شَهِد الشهر.
حديثُ سلمة ﵁ هذا صريح في أن هذه الآية منسوخة، وثبت مثله عن ابن عمر ﵄، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق نافع، عنه أنه قرأ: "فدية طعام مساكين" قال: "هي منسوخة".
ورجّح النسخَ ابنُ المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مع أنه لا يُطيق الصيام.
وقيل: إن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال البخاريّ تعليقًا: وقال ابن نمير: حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرّة، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد ﷺ : "نزل رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينًا، ترك الصوم، ممن يُطيقه، ورُخّص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأمروا بالصوم".
стр. 12503
وهذا التعليق وصله أبو نعيم في "المستخرج"، والبيهقيّ من طريقه، ولفظ البيهقيّ: قَدِم النبيّ ﷺ المدينة، ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كلّ شهر، حتى نزل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فاستكثروا ذلك، وشقّ عليهم، فكان من أطعم مسكينًا كلّ يوم ترك الصيام، ممن يُطيقه، ورخّص لهم في ذلك، ثم نسخه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فأُمروا بالصيام.
قال الحافظ ﵀: وإذا تقرّر أن الإفطار والإطعام كان رخصة، ثم نُسِخ لزم أن يصير الصيام حتمًا واجبًا، فكيف يلتئم مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والخيريّة لا تدلّ على الوجوب، بل المشاركة في أصل الخير؟.
أجاب الكرمانيّ ﵀ بأن المعنى: فالصوم خير من التطوّع بالفدية، والتطوّع بها كان سنّة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبًا؛ أي لا يكون شيء خيرًا من السنّة إلا الواجب، كذا قال، ولا يخفى بُعده، وتكلّفه، ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة، بل هو واجب مخيّر، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم، فنصّت الآية على أن الصوم أفضل، وكون بعض الواجب المخيّر أفضل من بعض لا إشكال فيه. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: وقول سلمة بن الأكوع ﵁: إن ذلك نسخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، هذا مقبول من قول الصحابيّ؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، كما إذا قال: أُمِرَ ونُهِي، ووجه النسخ في هذا واضح؛ وهو: أن آية الفدية تقتضي التخيير بين الفدية والصوم مطلقًا، كما قال سلمة، وهذه الآية الأخرى جاءت جازمة بالصوم لمن شهد الشهر، رافعة لذلك التخيير.
ومعنى: شهد الشهر؛ أي: حضر فيه مقيمًا في المصر، هذا قول جمهور العلماء، وعلى هذا يكون "الشهر" منصوبًا على الظرف، ويكون معناه عندهم: أن من دخل عليه الشهر وهو مسافر، أو طرأ عليه فيه سفر؛ لم يجب عليه صومه.
وروي عن عليّ، وابن عباس، وعبيدة السلماني: أن معنى ﴿مَنْ شَهِدَ﴾: من حضر دخول الشهر، وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام؛ وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في السفر.
стр. 12504
قال القرطبيّ: وهذا القول يردّه فطر النبيّ ﷺ وأصحابه في السَّفر الطارئ عليهم بفتح مكة، على ما تقدَّم، وقد كانوا ابتدؤوا الصوم في الحضر.
وقال أبو حنيفة: من شهد الشهر بشروط التكليف فليصمه، ومن دخل عليه وهو مجنون، وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جُنَّ أول الشهر، أو آخره؛ فإنه يقضي أيام جنونه.
قال القاضي أبو محمد بن عطية: ونصب الشهر على هذا التأويل على المفعول الصريح: يشهد.
قال القرطبيّ: وتكميله أن يكون ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: شاهد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٦٨٥ و ٢٦٨٦] (١١٤٥)، و (البخاريّ) في "التفسير" (٤٥٠٧)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣١٥)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٩٨)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٩٠) و"الكبرى" (٢/ ١١٢ و ٦/ ٢٩٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٠٣)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٠٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نسخ التخيير بين الصوم والفدية لمن أطاق الصوم.
٢ - (ومنها): ثبوت النسخ في القرآن، وقد أجمعت الأمة على ذلك، ودلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
٣ - (ومنها): التدرّج في تشريع الصوم، تسهيلًا على المكلّفين، فكان
стр. 12505
أول ما شُرع من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يُطعم أطعم وأفطر، حتى إذا أَلِفُوه، وسهل عليهم نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فأوجب الله عليهم صيامه، ونسخ الفدية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نسخ هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية:
قال القاضي عياض ﵀: اختَلَف السلف هل هي محكمة، أو مخصوصة، أو منسوخة كلها أو بعضها؟ فقال الجمهور: منسوخة، كقول سلمة ﵁، ثم اختَلَفوا هل بقي منها ما لم يُنسَخ؟:
فرُوي عن ابن عمر والجمهور أن حكم الإطعام باقٍ على من لم يطق الصوم لِكِبَر.
وقال جماعة من السلف، ومالك، وأبو ثور، وداود: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يُطِق الصوم إطعام، واستحبه له مالك.
وقال قتادة: كانت الرخصة لكبير يقدر على الصوم، ثم نُسِخَ فيه، وبقي فيمن لا يطيق.
وقال ابن عباس وغيره: نزلت في الكبير والمريض اللذين لا يقدران على الصوم، فهي عنده محكمة، لكن المريض يقضي إذا برئ، وأكثر العلماء على أنه لا إطعام على المريض.
وقال زيد بن أسلم، والزهريّ، ومالك: هي محكمة، ونزلت في المريض يُفطر، ثم يبرأ، ولا يقضي حتى يدخل رمضان آخر، فيلزمه صومه، ثم يقضي بعده ما أفطر، ويطعم عن كل يوم مُدًّا من حنطة، فأما من اتَّصَل مرضه برمضان الثاني، فليس عليه إطعام، بل عليه القضاء فقط.
وقال الحسن البصريّ وغيره: الضمير في ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ عائد على الإطعام، لا على الصوم، ثم نُسِخ ذلك فهي عنده عامّةٌ.
ثم جمهور العلماء على أن الإطعام عن كل يوم مدّ، وقال أبو حنيفة: مدّان، ووافقه صاحباه، وقال أشهب المالكيّ: مدّ وثلث لغير أهل المدينة، ثم جمهور العلماء أن المرض المبيح للفطر هو ما يَشُقّ معه الصوم، وأباحه
стр. 12506
بعضهم لكل مريض. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره" (١/ ٢١٦): وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁، أنه قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان من أراد أن يُفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وروي أيضًا من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: هي منسوخة.
وقال السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه، قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ يقول: أطعم مسكينًا آخر، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فكانوا كذلك حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وأخرج البخاريّ عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا، وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضَعُف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا.
وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء في رمضان، وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية، فنَسَخت الأولى إلا الكبير الفاني، إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا، وأفطر.
стр. 12507
فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأما الشيخ الفاني الْهَرِم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر، ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يُطعم عن كل يوم مسكينًا؛ إذا كان ذا جِدَة؟ فيه قولان للعلماء:
أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنّه، فلم يجب عليه فدية، كالصبيّ؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعيّ.
والثاني -وهو الصحيح- وعليه أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: أي يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاريّ، فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يُطق الصيام فقد أطعم أنس بعدما كَبِر عامًا أو عامين، عن كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا، وأفطر، وهذا الذي علّقه البخاريّ قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، فقال: حدّثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدّثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضَعُف أنس عن الصوم، فصَنَع جَفْنَةً من ثَرِيد، فدعا ثلاثين مسكينًا، فأطعمهم.
ورواه عبد بن حميد، عن رَوْح بن عُبادة، عن عِمران، وهو ابن حُدَير، عن أيوب به، ورواه عبد أيضًا من حديث ستة من أصحاب أنس، عن أنس بمعناه. انتهى كلام ابن كثير ﵀، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على أولادهما لو صامتا:
قال الإمام الترمذيّ -بعد إخراجه حديث: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عن الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَن الْحَامِلِ، أو الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ"، وهو حديث صحيح- ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران، ويقضيان، ويُطعمان، وبه يقول سفيان، ومالك، والشافعيّ، وأحمد. وقال بعضهم: يفطران، ويُطعمان، ولا قضاء
стр. 12508
عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا طعام عليهما، وبه يقول إسحاق. انتهى (١).
وقال في "الفتح": اختُلِفَ في الحامل والمرضع، ومن أفطر لكِبَر، ثم قَوِي على القضاء بعدُ، فقال الشافعيّ: يقضون، ويُطعمون، وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا إطعام. انتهى.
وحكى ابن قُدامة، والزرقانيّ اتفاق العلماء على وجوب القضاء من غير فدية فيما إذا خافت الحامل، والمرضع على أنفسهما، قال ابن قدامة في "المغني" (٣/ ١٣٩): إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء، فحسبُ، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافًا؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه.
وقال الزرقانيّ: إذا خافتا على أنفسهما، فلا فدية باتفاق أهل المذاهب، وهو إجماع؛ إلا عند من أوجب الفدية على المريض. انتهى.
وأما إذا خافتا على ولديهما فقط، وأفطرتا، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: (أحدها): يُطعمان، ولا قضاء عليهما، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، رواه أبو داود، والبزّار، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عباس، ومالكٌ، وابنُ أبي حاتم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عمر، وهو أحد أقوال مالك.
(الثاني): يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما، وبه قال عطاء، والزهريّ، والحسن، وسعيد بن جُبير، والنخعيّ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعيّ، والثوريّ، واستُدلّ لهم بحديث الباب.
قال الجصّاص: ووجه الدلالة على هذا إخباره ﷺ بأنّ وضعَ الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر، ألا ترى أن وضع الصوم الذي جَعَلَه من حكم المسافر هو بعينه جَعَلَه من حكم الحامل والمرضع؛ لأنه عطفهما عليه من غير استثناء ذكر شيء غيره، فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو حكم وضعه عن المسافر، لا فرق بينهما، ومعلوم أن
стр. 12509
وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكمَ الحامل والمرضع.
وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما؛ إذ لم يفصّل النبيّ ﷺ بينهما، وأيضًا لما كانت الحامل والمرضع يُرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس، أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الجصّاص ﵀، حسنٌ جدًّا.
(الثالث): يقضيان، ويُطعمان، وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، وهو ثاني أقوال مالك، وإليه ذهب أحمد.
(الرابع): إن الحامل تقضي، ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم، وبه قال الليث، وهو المشهور من أقوال مالك؛ لأن المرضع يمكن أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل، ولأن الحمل متّصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها.
(الخامس): يطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام. حكاه الترمذيّ عن إسحاق ابن راهويه (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال قول من قال: يجب عليهما القضاء، فقط، دون الإطعام؛ لأنهما في حكم المريض، ولم يُجِب الله تعالى الإطعام عليه، فكذلك هما، وأيضًا فقد سوّى النبي ﷺ بينهما وبين المسافر في وضع الصوم عنهم، ومعلوم أن المسافر يقضي، ولا إطعام عليه، كما تقدّم تقريره في كلام الجصّاص ﵀.
والحاصل أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا لما ذُكر تقضيان، ولا فدية عليهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٢٦٨٦] ( … ) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
стр. 12510
وَهْب، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أفطَرَ، فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، حَتَّى أُنْزِلَتْ (١) هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ (٢) الْعَامِرِيُّ) أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٨) - (بَابُ قَضَاءِ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٨٧] (١١٤٦) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵄ تَقُولُ: كانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أقضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَوْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ الْيَرْبوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، من كبار [١٠] [٢١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
стр. 12511
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
[تنبيه]: يحيى بن سعيد هو الأنصاريّ، ووقع في رواية البخاريُّ: "عن يحيى" ولم ينسبه، فقال في "الفتح": هو ابن سعيد الأنصاريّ، ووَهِم الكرمانيّ تبعًا لابن التين، فقال: هو يحيى بن أبي كثير، قال الحافظ: وغَفَلَ عما أخرجه مسلم، عن أحمد بن يونس شيخ البخاريّ فيه، فقال في نفس السند: "عن يحيى بن سعيد، ويحيى بن سعيد هذا هو الأنصاريّ"، وذَهِل مغلطاي، فنَقَل عن الحافظ الضياء أنه القطان، وليس كما قال، فإن الضياء حَكَى قول من قال: إنه يحيى بن أبي كثير، ثم رَدّه، وجزم بأنه يحيى بن سعيد، ولم يقل: القطان، ولا جائز أن يكون القطان؛ لأنه لم يدرك أبا سلمة، وليست لزهير بن معاوية عنه رواية، وإنما هو يروي عن زهير. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، وقد اعترض عليه العينيّ في تعقّبه على الكرماني وابن التين بما هو ظاهر التعصّب، فتنبّه.
وأما قوله: إن مسلمًا قال: "ويحيى بن سعيد هو الأنصاريّ" فلم أجد نسخة مما بأيدينا تنصّ على هذا، ولعله وجد نسخة كذلك، وإنما الذي في نُسَخِنا: "حدّثنا يحيى بن سعيد"، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵄، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥، والله تعالى أعلم.
стр. 12512
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فكوفيّان.
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة ﵄ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبي سَلَمَةَ) وفي رواية الإسماعيليّ من طريق أبي خالد، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت أبا سلمة (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵄ تَقُولُ: كَانَ) أي الشأن (يَكُونُ عَلَيَّ) بتشديد الياء التحتانيّة (الصَّوْمُ) أي قضاؤه، وقولها: (مِنْ رَمَضَانَ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي حال كونه كائنًا من رمضان، أرادت بذلك أيامًا من رمضان فاتتها بسبب الحيض، أو غيره من الأعذار المبيحة للفطر.
قيل: فائدة اجتماع "كان" مع "يكون" يذكر أحدهما بصيغة الماضي، والآخر بصيغة المستقبل تحقيق القضية، وتعظيمها، والتقدير: كان الشأن يكون كذا، والتعبير بلفظ الماضي أوّلًا، والمضارع ثانيًا؛ لإرادة الاستمرار، وتكرار الفعل، وقيل: لفظة "يكون" زائدة.
قال الجامع عفا الله عنه: الغالب في زيادة "كان" أن تكون بلفظ الماضي، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ تُزَادُ "كَانَ" فِي حَشْوٍ كَـ "مَا … كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا"
وأما زيادتها بلفظ المضارع فشاذّ، كما في قوله [من الرجز]:
أَنْتَ تَكُونُ مَاجِدٌ نَبِيلُ … إِذَا تَهُبُّ شَمْأَلٌ بَلِيلُ (١)
وقال الطيبيّ: "الصوم" بالرفع اسم "كان"، و"عليّ" خبرها؛ أي كان الصوم واجبًا عليّ، وقوله: و"يكون" زائدة، كما في قولهم: إن من أفضلهم
стр. 12513
كان زيدًا. انتهى (١).
(فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ) أي ما فاتني من أيام رمضان (إِلَّا فِي شَعْبَانَ) غير منصرف؛ للعلميّة، وزيادة الألف والنون، وجمعه شعبانات، وشَعَابين (٢).
وقوله: (الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) برفع "الشغل" خبرًا لمحذوف؛ أي المانع لها الشغل، أو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي الشغل هو المانع لها، وسيأتي في "التنبيه" أنه مدرج من كلام يحيى، فتنبّه.
(أَوْ بِرَسُولٍ اللهِ ﷺ ) "أو" للشكّ من الراوي، هل قال: "من رسول الله ﷺ "، أو "برسول الله ﷺ "؟.
وقال القاري ﵀: "أو" للشك من أحد الرواة عن يحيى على ما هو الظاهر، ويمكن أن يكون للتنويع، و"الشغلُ" مبتدأ، والتقدير: الشغل المانع لقضاء الصوم كان ثابتًا من جهته، أو اشتغالها بخدمته هو المانع من القضاء، وقال الزركشيّ: هو بالرفع بفعل مضمر؛ أي أوجب ذلك الشغل، أو مني الشغل. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: كون "أو" هنا للتنويع لا يخفى بُعده، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ "الشغلُ" بالألف واللام، مرفوعًا؛ أي يمنعني الشغلُ برسول الله ﷺ ، وتعني بالشغل، وبقولها في الحديث الثاني: "فما تقدر على أن تقضيه" أن كل واحدة منهنّ كانت مُهَيِّئة نفسها لرسول الله ﷺ ، مُتَرَصِّدةً لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك، ولا تدري متى يريده، ولم تستأذنه في الصوم؛ مخافةَ أن يأذن، وقد يكون له حاجة فيها، فتفوتها عليه، وهذا من الأدب (٤).
[تنبيه]: قوله: "الشغلُ من رسول الله ﷺ … إلخ" مدرج من كلام يحيى بن سعيد، وليس من كلام عائشة ﵂، وقد وقع بيان ذلك في "صحيح البخاريّ"، ولفظه: "قال يحيى: الشغل من النبيّ، أو بالنبيّ ﷺ ".
стр. 12514
قال في "الفتح": قوله: "قال يحيى" هذا تفصيل لكلام عائشة ﵂ من كلام غيرها.
ووقع في رواية مسلم مُدرجًا لم يقل فيه: "قال يحيى"، فصار كأنه من كلام عائشة، أو ممن روى عنها، وكذا أخرجه أبو عوانة من وجه آخر، عن زهير، وأخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى مدرجًا أيضًا، ولفظه: "وذلك لمكان رسول الله ﷺ ". وأخرجه من طريق ابن جريج، عن يحيى، فَبَيَّن إدراجه، ولفظه: "فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله ﷺ " يحيى يقوله.
وأخرجه أبو داود من طريق مالك، والنسائيّ من طريق يحيى القطان، وسعيد بن منصور، عن ابن شهاب، وسفيان (١)، والإسماعيليّ من طريق أبي خالد، كلهم عن يحيى بدون الزيادة.
وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة بدون الزيادة، لكن فيه ما يُشعِر بها، فإنه قال فيه ما معناه: "فما أستطيع قضاءها مع رسول الله ﷺ ".
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالمعية الزمان؛ أي أن ذلك كان خاصّا بزمانه.
وللترمذيّ، وابن خزيمة من طريق عبد الله البَهِيّ، عن عائشة: "ما قضيت
شيئًا مما يكون عليّ من رمضان إلا في شعبان، حتى قُبِض رسول الله ﷺ ".
ومما يَدُلّ على ضعف الزيادة أنه ﷺ كان يَقْسِم لنسائه، فَيَعْدِل، وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها، فيُقَبِّل، ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم، اللهم إلا أن يقال: إنها كانت لا تصوم إلا بإذنه، ولم يكن يَأْذَن؛ لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أَذِنَ لها، وكان هو ﷺ يكثر الصوم في شعبان، فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلا في شعبان. انتهى (٢).
стр. 12515
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قوله: "الشغل … إلخ" في رواية المصنّف مدرج من كلام يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما بيّن من رواية البخاريّ وغيره، وأنه ظن من يحيى أن سببه هو الشغل به ﷺ ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٢٦٨٧ و ٢٦٨٨ و ٢٦٨٩ و ٢٦٩٠ و ٢٦٩١] (١١٤٦)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٥٠)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٩٩)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٨٣)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٩١ و ١٥٠ - ١٥١) و"الكبرى" (٥/ ١١٣)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٠٨)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٦٧٦ و ٧٦٧٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٩٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٠٩)، و (أحمد) في "باقي مسنده" (٢٤٤٠٧ و ٢٤٩٣٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٤٦ و ٢٠٤٧ و ٢٠٤٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥١٦)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٤٨٩ و ٤٩٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢١٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٠٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٥٢) و"الصغرى" (٣/ ٣٤٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وضع الصيام عن الحائض أيام حيضها.
٢ - (ومنها): وجوب القضاء على الحائض بعدما طهرت عن الحيض.
٣ - (ومنها): جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الزيادة -يعني قوله: "الشغل من رسول الله ﷺ "- كما بيّناه مدرجةٌ، فلو لم تكن مرفوعة لكان الجواز مقيَّدًا بالضرورة؛ لأن للحديث حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاع النبيّ ﷺ على ذلك، مع توفر دواعي أزواجه على السؤال
стр. 12516
منه عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزًا لم تواظب عائشة ﵂ عليه، قاله في "الفتح" (١).
وقال النوويّ ﵀: وقد اتَّفَق العلماءُ على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر، إلا بإذنه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ السابق في "صحيح مسلم، في "كتاب الزكاة"، وإنما كانت تصومه في شعبان؛ لأن النبيّ ﷺ كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له فيهنّ حينئذ في النهار، ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان، فإنه لا يجوز تأخيره عنه. انتهى (٢).
وقال في "العمدة": مما يستفاد من هذا الحديث أن القضاء موسَّع، ويصير في شعبان مضيِّقًا، ويؤخذ من حرص عائشة ﵄ على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان، فإن دخل فالقضاء واجب أيضًا، فلا يسقط، وأما الإطعام فليس في الحديث له ذكرٌ لا بالنفي، ولا بالإثبات (٣)، وسيأتي بيان الخلاف فيه، وأن الراجح عدم وجوب الفدية، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): عدم وجوب الفدية لتأخيره، وقد اختلفوا في وجوبها إذا أخّره عن رمضان الذي بعده، وسيأتي بيان ذلك قريبًا أيضًا -إن شاء الله تعالى-.
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن حقّ الزوج من العشرة والخدمة يُقدَّم على سائر الحقوق، ما لم يكن فرضًا محصورًا في الوقت، وقيل: قول عائشة ﵂: "فما أستطيع أن أقضيه إلَّا في شعبان" يدلّ على أنها كانت لا تتطوع بشيء من الصيام، لا في عشر ذي الحجة، ولا في عاشوراء، ولا في غيرهما، وهو مبني على أنها ما كانت ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ولكن من أين ذلك لمن يقول به، والحديث ساكت عن هذا؟ قاله في "العمدة" (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز تأخير قضاء رمضان، ووجوب التتابع فيه:
стр. 12517
قال النوويّ ﵀: مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وجماهير السلف والخلف أن قضاء رمضان في حقّ من أفطر بعذر، كحيض، وسفر، يجب على التراخي، ولا يشترط المبادرة به في أول الإمكان، لكن قالوا: لا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي؛ لأنه يؤخره حينئذ إلى زمان لا يقبله، وهو رمضان الآتي، فصار كمن أخره إلى الموت.
وقال داود: تجب المبادرة به في أول يوم بعد العيد من شوال، وحديث عائشة ﵂ هذا يردّ عليه.
قال الجمهور: وتُستَحَبّ المبادرة به؛ للاحتياط فيه، فإن أخّره فالصحيح عند المحققين من الفقهاء، وأهل الأصول أنه يجب العزم على فعله، وكذلك القول في جميع الواجب الموسَّع إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله، حتى لو أخره بلا عزم عصى، وقيل: لا يشترط العزم، وأجمعوا أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه الفدية في تركه عن كل يوم مدّ من طعام، هذا إذا كان تمكن من القضاء فلم يقض، فأما من أفطر في رمضان بعذر، ثم اتَّصُل عجزه فلم يتمكن من الصوم حتى مات، فلا صوم عليه، ولا يُطْعَم عنه، ولا يصام عنه.
ومن أراد قضاء صوم رمضان نُدِب مرتَّبًا متواليًا، فلو قضاه غير مرتَّب، أو مفرَّقًا جاز عندنا وعند الجمهور؛ لأن اسم الصوم يقع على الجميع، وقال جماعة من الصحابة، والتابعين، وأهل الظاهر: يجب تتابعه، كما يجب الأداء. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب متى يُقْضَى قضاءُ رمضان"، وقال ابن عباس: لا بأس أن يفرق؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقال سعيد بن المسيِّب في صوم العشر: لا يصلح حتى يبدأ برمضان، وقال إبراهيم: إذا فرَّط، حتى جاء رمضان آخر يصومهما، ولم يَرَ عليه طعامًا، ويذكر عن أبي هريرة مرسلًا، وابن عباس، أنه يُطعِم، ولم يذكر الله الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. انتهى.
стр. 12518
قال الحافظ ﵀: ظاهر صنيع البخاريّ يقتضي جواز التراخي والتفريق؛ لما أودعه في الترجمة من الآثار كعادته، وهو قول الجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره عن عليّ وعائشة ﵄ وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر، ورَوَى عبد الرزاق بسنده، عن ابن عمر ﵄ يقال: يقضيه تباعًا، وعن عائشة ﵄ نزلت: "فعدة من أيام آخر متتابعات"، فسقطت "متتابعات"، وفي "الموطأ" أنها قراءة أبي بن كعب، وهذا إن صح يُشْعِر بعدم وجوب التتابع، فكأنه كان أوّلًا واجبًا ثم نُسِخَ، ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أولى. انتهى.
وقال الشوكانيّ ﵀ بعد احتجاجهم بقراءة "أُبيّ" المذكورة ما نصّه: على أنه قد اختُلِف في الاحتجاج بقراءة الآحاد؛ كما تقرر في "الأصول"، وإذا سلم أنها لم تسقط فهي منزّلة عند من قال بالاحتجاج بها منزلة أخبار الآحاد، وقد عارضها ما في الباب من الأحاديث.
ومما احتُجّ به للتتابع ما أخرجه الدارقطنيّ عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "من كان عليه صوم من رمضان، فليسرده، ولا يقطعه". لكن قال البيهقيّ: لا يصحّ، وفي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاضي، وهو مختلف فيه. قال الدارقطنيّ: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، رَوَى حديثًا منكرًا، قال عبد الحقّ: يعني هذا، وتعقّبه ابن القطان بأنه لم ينصّ عليه فلعله غيره، قال: ولم يأت مَن ضعفه بحجة، والحديث حسن.
قال الحافظ: قد صرّح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز تفريق قضاء رمضان هو الأرجح عندي؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولعدم صحة دليل على خلافه، والحديث المذكور قد عرفت ما فيه، فلا يصلح لمخالفة ظواهر النصوص، فتبضر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الفدية على من أخّر قضاء رمضان حتى جاء رمضان آخر:
стр. 12519
ذهب الجمهور إلى وجوب الفدية عليه، وروي عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم: ابن عمر، وابن عباس، وأبو هرير ﵃، وقال الطحاويّ، عن يحيى بن أكثم، قال: وجدته عن ستة من الصحابة، لا أعلم لهم مخالفًا.
وذهب إبراهيم النخعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، إلى أن الفدية لا تجب، وقد مال الإمام البخاريّ إلى هذا القول، فقال في "صحيحه": ولم يذكر الله الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وقال العلامة الشوكانيّ ﵀ بعد ذكر الخلاف ما نصّه: وقد بيّنّا أنه لم يثبت في ذلك -أي في وجوب الفدية- عن النبيّ ﷺ شيء، وأقوال الصحابة لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدلّ على أنه الحقّ، والبراءة الأصليّة قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل هاهنا، فالظاهر عدم الوجوب. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ ﵀ من عدم وجوب الفدية في التأخير حسنٌ جدًّا، وهو الذي مال إليه الإمام البخاريّ ﵀، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٨٨] ( … ) - (وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانيُّ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ).
стр. 12520
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ) هو: بشر بن عُمر بن الْحَكَم بن عُقبة الزهرانيّ الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
و"يحيى بن سعيد" ذُكر قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) فاعل "قال" ضمير يحيى، كما سبق بيانه؛ أي قال يحيى بن سعيد: "وذلك لمكان رسول الله ﷺ " بدل قوله: "الشغل من رسول الله ﷺ ".
[تنبيه]: رواية سليمان بلال، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها إسحاق ابن راهويه ﵀ في "مسنده" (٢/ ٤٨٩) فقال:
(١٠٧٣) - أخبرنا بشر بن عمر، نا سليمان بن بلال، نا يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كان يكون عليّ الأيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه، حتى يدخل شعبان، وذلك لمكان رسول الله ﷺ . انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٨٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ (٢): "فَظَنَنْتُ أَن ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ "، يَحْيَى يَقُولُهُ).
стр. 12521
رجال هذا الإسناد: أربعة، تقدّموا قبل باب، و"يحيى بن سعيد" ذُكر في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها عبد الرزاق في "مصنّفه" (٤/ ٢٤٥) فقال:
(٧٦٧٦) - عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، قال: سمعت عائشة تقول: قد كان يكون عليّ الشيءُ من رمضان، ثم لا أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان، قال: فظننت أن ذلك لمكانها من النبيّ ﷺ ، يحيى يقوله. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (ح) وَحَدَّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرَا فِي الْحَدِيثِ: "الشُّغْلُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ، البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قبل باب.
و"يحيى" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب، عن يحيى بن سعيد ساقها إسحاق ابن راهويه ﵀ في "مسنده" أيضًا (٢/ ٤٩٠) فقال:
стр. 12522
(١٠٧٤) - أخبرنا الثّقَفيّ (١) قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت أبا سلمة يقول: قالت عائشة: كان يكون عليّ الأيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه حتى يجيء شعبان. انتهى.
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ فِي زَمَانِ (٢) رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتى يَأْتِيَ شَعْبَانُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ) الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
стр. 12523
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (إِنْ كانَتْ إِحْدَانَا لَتُفْطِرُ) "إن" مخفّفة من الثقيلة، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَم اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا … تُلْفِيهِ غَالِبًا بِـ "إِنْ" ذِيْ مُوصَلَا
وقولها: (فِي زَمَانِ) وفي نسخة: "في زمن"، وهو مختصرٌ منه، قال الفيّوميّ ﵀: الزمان: مدّة قابلة للقسمة، ولهذا يُطلق على الوقت القليل والكثير، والجمع: أزمنة، والزَّمَنُ: مقصور منه، والجمع أزمان، مثلُ سبب وأسباب، وقد يُجمَع على أزمنة. انتهى (١).
قال القرطبيّ ﵀: وقولها: "إن كانت إحدانا لتفطر في زمن رسول الله ﷺ "؛ يفيد هذا اللفظ: أن التأخير لأجل الشغل لم يكن لها وحدها، بل لها ولغيرها من أزواج النبيّ ﷺ .
وقولها: "فما نقدر على أن نقضيه مع رسول الله ﷺ "؛ يعني: أنها كانت تتوقع حاجته إليها على الدوام.
فإن قيل: وكيف لا تقدر على الصوم لحقه فيها وقد كان له تسع نسوة، وكان يقسم بينهن، فلا تصل النوبة لإحداهن إلا بعد ثمان، فكان يمكنها أن تصوم في هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها؟.
فالجواب: أن القسم لم يكن عليه واجبًا لهن، وإنما كان يفعله بحكم تطييب قلوبهن، ودفعًا لما يتوقع من الشرور، وفساد القلوب، ألا ترى قول الله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، فلما علم نساؤه هذا -أو من سألته
стр. 12524
منهنّ- كن يتهيأن له دائمًا، ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، والله تعالى أعلم.
ويستفاد من هذا: أن المرأة لا تصوم القضاء وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا أن تخاف الفوات، فيتعين، وترتفع التوسعة.
وقد قال بعض شيوخنا: لها أن تصوم القضاء بغير إذنه؛ لأنه واجب؛ وإنما محمل الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم إلا بإذنه على التطوع، فأما الواجبات فلا يحتاج فيها إلى إذن واحد. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٩) - (بَابُ قَضَاءِ الصِّيَامِ عَن الْمَيِّتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٢] (١١٤٧) - (وَحَدَّثَنى هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، المعروف بالتستريّ، صدوقٌ، تكُلّم فيه بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٣ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد الله، تقدّم قريبًا.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الحافظ المصريّ، تقدّم قبل باب.
стр. 12525
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) الفقيه، أبو بكر المصريّ، قيل: اسم أبيه يسار، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ٢ أو ٤ أو ٥ أو ١٣٦) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٦.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع (١١٠) (ع) تقدم في "الجمعة" ٢/ ١٩٥٨.
٧ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم قريبًا.
٨ - (عَائِشَةُ ﵂) تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما مز آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن جعفر، والباقون كلّهم مصريون.
٤ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ) "من" شرطيّة، والمراد من مات من المكلّفين بقرينة قوله: (وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) لأن كلمة "على" للإيجاب، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والمعنى أن من مات، وعليه قضاء صوم، سواء كان قضاء رمضان، أو النذر، أو الكفارة (صَامَ عَنْهُ) أي عن الميت (وَليُّهُ") قال النوويّ ﵀: المراد بالوليّ القريب، سواء كان عصبةً، أو وارثًا، أو غيرهما، وقيل: المراد الوارث، وقيل: العصبة، والصحيح الأول، قال: ولو صام عنه أجنبيّ إن كان بإذن الوليّ صحّ، وإلا فلا في الأصحّ، ولا يجب على الوليّ الصوم عنه (١)،
стр. 12526
لكن يستحب. انتهى (١).
وقال في "الفتح": واختُلِف في المراد بقوله: "وليه"، فقيل: كلُّ قريب، وقيل: الوارث خا صّة، وقيل: عصبته والأول أرجح، والثاني قريب، ويردّ الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها.
قال: واختلفوا أيضًا هل يختص ذلك بالوليّ؛ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية، ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك في الموت، إلا ما ورد فيه الدليل، فيُقْتَصر على ما ورد فيه، ويبقى الباقي على الأصل، وهذا هو الراجح، وقيل: يختصى بالوليّ، فلوأمر أجنبيًّا بأن يصوم عنه أجزأ، كما في الحجّ، وقيل: يصحّ استقلال الأجنبيّ بذلك، وذِكرُ الوليّ؛ لكونه الغالب، وظاهر صنيع البخاريّ اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبريّ، وقوّاه بتشبيهه ﷺ ذلك بالدين، والدينُ لا يختصّ بالقريب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عدم اختصاص القضاء بالوليّ هو الأرجح عندي، كما قال أبو الطيب الطبريّ ﵀، وكما هو ظاهر مذهب البخاريّ ﵀؛ لعدم ورود نصّ يمنع من ذلك، ولما ذكره أبو الطيّب ﵀، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: هذا الحديث دليل بعمومه على أن الولي يصوم عن الميت، وأن النيابة تدخل في الصوم، وذهب إليه قوم، وهو قول قديم للشافعيّ، والجديد الذي عليه الأكثرون عدم دخول النيابة في الصوم؛ لأنها عبادة بدنية، والحديث لا يقتضي التخصيص بالنذر، كما ذكر أبو داود، عن أحمد بن حنبل، نعم قد ورد في بعض الأحاديث ما يقتضي الإذن في الصوم عمن مات وعليه نذر بصوم، وليس ذلك بمقتضى للتخصيص بصورة النذر.
стр. 12527
قال: وقد تكلم الفقهاء في أن المعتبر في الولاية ما ورد في لفظ الخبر، أهو مطلق القرابة، أو بشرط العصوبة والإرث، وتوقف في ذلك إمام الحرمين، وقال: لا نقل عندي في ذلك، وقال غيره من فضلاء المتأخرين: وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرث.
قال: وقوله: "صام عنه وليه" قيل: ليس المراد أنه يلزمه ذلك، وإنما يجوز ذلك له إن أراد، هكذا ذكره صاحب "التهذيب" من مصنفي الشافعية، وحكاه إمام الحرمين عن الشيخ أبي محمد أبيه، وفي هذا بحث، وهو أن الصيغة صيغة خبر، أعني "صام"، ويمتنع الحمل على ظاهره، فينصرف إلى الأمر، ويبقى النظر في أن الوجوب يتوقف على صيغة الأمر المعينة، وهي "افْعَلْ" مثلًا، أو يعمّها مع ما يقوم مقامها.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر يعم ما يقوم مقامها؛ لأنه بمعناها، فتأمل.
وقال الحافظ ﵀: قوله: "صام عنه وليه" خبر بمعنى الأمر، تقديره: فليصم عنه وليه، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين، ومن تبعه، فادعوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يعتدّ بخلافهم على قاعدته. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عدم الاعتداد بخلاف أهل الظاهر مما أحدثه بعض المتأخّرين، فقد كان السلف من عهد داود الظاهريّ ﵀ يعتدّون بهم، ويعقدون لهم مجالس للناظرة، وقد استوفيت هذا البحث في أبواب الطهارة من "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد علمًا.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وقد يؤخذ من الحديث أنه لا يصوم عنه الأجنبيّ، إما لأجل التخصيص مع مناسبة الولاية لذلك، وإما لأن الأصل عدم جواز النيابة في الصوم؛ لأنه عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة، فلا يدخلها بعد الموت كالصلاة، وإذا كان الأصل عدم جواز النيابة، وجب أن يُقْتَصَر فيها على ما ورد في الحديث، وَيجْرِي في الباقي على القياس، وقد قال أصحاب الشافعيّ: لوأمر الوليّ أجنبيًّا أن يصوم عنه بأجرة، أو بغير أجرة جاز، كما في الحجّ، فلو استقلّ به الأجنبي ففي إجزائه وجهان: أظهرهما المنع، وأما إلحاق غير الصوم بالصوم، فإنما يكون بالقياس، وليس أخذ الحكم منه من نصّ الحديث. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀.
стр. 12528
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن رجّحت عدم اختصاص القضاء بالوليّ، كما قال أبو الطيب الطبريّ ﵀، وكما هو ظاهر مذهب الإمام البخاريّ ﵀؛ لعدم نصّ يمنع من ذلك، ولأنه ﷺ شبّهه بقضاء الدَّين، وهو لا يختصّ بالوليّ فقط، فكذا هذا، كما قال أبو الطيّب الطبريّ ﵀، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٦٩٢] (١١٤٧)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٥٢)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٠٠) و"الأيمان والنذور" (٣٣١١)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٧٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٧١ - ٢٧٣)، و (ابن حبهان) في "صحيحه" (٣٥٦٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٣٧)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٣٩٠ و ٨/ ٢٠٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٩٤ - ١٩٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٥٥ و ٦/ ٢٧٩)، و (البغويّ) في "شرح السنة" (١٧٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم:
قال النوويّ ﵀: اختلفوا فيمن مات، وعليه صوم واجب، من رمضان، أو قضاء، أو نذر، أو غيره، هل يُقْضَى عنه؟ وللشافعيّ في المسألة قولان مشهوران: أشهرهما لا يصام عنه، ولا يصحّ عن ميت صوم أصلًا، والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققوأصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث؛ لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وأما الحديث الوارد: "من مات وعليه صيام أُطْعِم عنه"، فليس بثابت، ولو ثبت أَمْكَن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث، بأن يُحْمَل على جواز الأمرين، فإن من يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام، فثبت أن الصواب
стр. 12529
المتعين تجويز الصيام، وتجويز الإطعام، والوليّ مخير بينهما.
قال: هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وممن قال به من السلف: طاوسٌ، والحسن البصريّ، والزهريّ، وقتادة، وأبو ثور، وبه قال الليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد في صوم النذر، دون رمضان وغيره.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت، لا نذر، ولا غيره، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ورواية عن الحسن، والزهريّ، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، قال القاضي عياض وغيره: هو قول جمهور العلماء، وتأولوا الحديث على أنه يُطعِم عنه وليه، وهذا تأويل ضعيفٌ، بل باطلٌ، وأيّ ضرورة إليه، وأيُّ مانع يمنع من العمل بظاهره، مع تظاهر الأحاديث، مع عدم المعارض لها.
قال القاضي، وأصحابنا: وأجمعوا على أنه لا يصلى عنه صلاة فائتة، وعلى أنه لا يصام عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في الميت، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال في "الفتح": وقد اختَلَف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلَّق الشافعيّ في القديم القول به على صحة الحديث، كما نقله البيهقيّ في "المعرفة"، وهو قول أبي ثور، وجماعة، من محدثي الشافعية، وقال البيهقيّ في "الخلافيات": هذه المسألة ثابتةٌ، لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعيّ، قال: كلُّ ما قلتُ، وصحّ عن النبيّ ﷺ خلافه، فخذوا بالحديث، ولا تقلدوني.
وقال الشافعيّ في الجديد: ومالكٌ، وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت.
وقال الليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر، وأما رمضان فيُطْعَم عنه.
وإنما قالوا في النذر فقط؛ حملًا للعموم الذي في حديث عائشة ﵂ على المقيّد في حديث ابن عباس ﵄.
стр. 12530
قال الحافظ ﵀: وليس بينهما تعارضٌ حتى يُجْمَع بينهما، فحديث ابن عباس ﵄ صورةٌ مستقلةٌ، سأل عنها مَن وقعت له، وأما حديث عائشة ﵂ فهو تقريرُ قاعدةٍ عامّةٍ، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس ﵄ إلى نحو هذا العموم، حيث قيل في آخره: "فدينُ الله أحقّ أن يُقْضَى".
وأما المالكية: فأجابوا عن حديث الباب بدعوى عمل أهل المدينة كعادتهم.
وادَّعَى القرطبيّ تبعًا لعياضٍ أن الحديث مضطربٌ، وهذا لا يتأتى إلا في حديث ابن عباس ﵄ ثاني حديثي الباب، وليس الاضطراب فيه مُسَلَّمًا، كما سيأتي.
وأما حديث عائشة ﵄، فلا اضطراب فيه.
واحتَجَّ القرطبيّ بما في رواية البزّار: "فليصُم عنه وليّه إن شاء"، وهي زيادة ضعيفة؛ لأنها من طريق ابن لَهِيعَة، فتنبّه.
قال: وأجاب الماورديّ عن الجديد بأن المراد بقوله: "صام عنه وليه" أي فَعَل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله: "التراب وَضُوء المسلم إذا لم يجد الماء"، قال: فسَمَّى البدل باسم المبدل، فكذلك هنا.
وتُعُقِّب بأنه صرف للَّفظ عن ظاهره بغير دليل.
وأما الحنفية: فاعتلوا لعدم القول بهذين الحديثين بما رُوي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن امرأة ماتت، وعليها صوم، قالت: "يطْعَمُ عنها"، وعن عائشة ﵂ قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم"، أخرجه البيهقيّ، وبما رُوي عن ابن عباس ﵄ قال في رجل مات، وعليه رمضان، قال: "يُطْعَم عنه ثلاثون مسكينًا"، أخرجه عبد الرزاق.
ورَوَى النسائيّ عن ابن عباس ﵁ قال: "لا يصوم أحد عن أحد"، قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دلّ ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه، وهذه قاعدة لهم معروفةٌ، إلا أن الآثار المذكورة عن عائشة، وعن ابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصيام، إلا الأثر الذي عن عائشة، وهو ضعيف جدًّا.
стр. 12531
قال الحافظ ﵀: والراجح أن المعتبر ما رواه، لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك؛ لاجتهاد، ومستندُه فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تُحُقِّقَتْ صحةُ الحديث لم يُترك المحقَّقُ للمظنون، والمسألة مشهورة في الأصول. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان أقوال أهل العلم وأدلّتهم أن المذهب الراجح هو القول بوجوب قضاء صوم من مات وعليه صوم؛ وذلك لأمره ﵁ به، والأمر للوجوب؛ إذ لا صارف له.
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: ومن مات، وعليه صوم فرض، من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفّارة واجبة، ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه، هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا، أوصى به أو لم يوص به، فإن لم يكن وليّ استؤجر عنه من رأس ماله مَن يصومه عنه، ولا بُدّ، أوصى بكل ذلك أو لم يوص، وهو مُقَدَّم على ديون الناس، وهو قول أبي ثور، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وغيرهما.
وقال أبو حنيفة، ومالك: إن أوصى أن يُطْعَم عنه أطعم عنه، مكانَ كل يوم مسكينٌ، وإن لم يوص بذلك فلا شيء عليه، والإطعام عند مالك في ذلك مُدّ مُدّ، وعند أبي حنيفة صاع من غير البر، لكل مسكين، ونصف صاع من البر، أو دقيقه، وقال الليث كما قلنا، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه في النذر خاصّة.
قال الله تعالى: مِنما بَغدِ وَصيَّم ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ثم أورد الأحاديث التي أوردها مسلم في الباب.
ثم قال: فهذا القرآن، والسنن المتواترة المتظاهرة التي لا يحل خلافها، وكلهم يقول: يُحَجّ عن الميت إن أوصى بذلك، ثم لا يرون أن يصام عنه، وإن أوصى بذلك، وكلاهما عمل بدن، وللمال في إصلاح ما فَسَد منهما مدخل بالهدي، وبالإطعام، وبالعتق، فلا القرآن اتبعوا، ولا بالسنن أخذوا، ولا القياس عَرَفُوا، وشَغّبوا في ذلك بأشياء، منها أنهم ذكروا قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وذكروا قول رسول الله ﷺ : "إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث: علم علَّمه، أو صدقة جارية، أو
стр. 12532
ولد صالح يدعو له"، وبأثر رويناه من طريق عبد الرزاق، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن الحجاج بن أرطاة، عن عُبَادة بن نُسَيّ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن مَرِضَ في رمضان، فلم يزل مريضًا حتى مات لم يُطْعم عنه، وإن صح فلم يقضه حتى مات أُطعِم عنه".
وقال بعضهم: وقد رُوي عن عائشة وابن عباس ﵃، وهما رويا الحديث المذكور أنهما لم يريا الصيام عن الميت، كما رويتمِ من طريق ابن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن امرأة منهم، اسمها عمرة، أن أمها ماتت، وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين.
وإذا ترك الصاحب الخبر الذي رَوَى فهو دليل على نسخه، لا يجوز أن يُظَنّ به غير ذلك، وإذ لو تعمد ترك ما رواه لكانت جرحة فيه، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك، وقالوا: لا يصام عنه كما لا يصلى عنه.
قال ابن حزم: أما قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، فحقٌّ إلا أن الذي أَنزَل هذا هو الذي أنزل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وهو الذي قال لرسوله ﷺ : ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وهو الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فصحَّ أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وما حكم الله تعالى، أو رسوله ﷺ أن له من سعي غيره عنه، والصوم عنه من جملة ذلك.
والعجب أنهم نَسُوا أنفسهم في الاحتجاج بهذه الآية، فقالوا: إن حجّ عن الميت، أو أعتق عنه، أو تصدق عنه، فأجر كل ذلك له، ولاحِقٌ به، فظهر تناقضهم.
[فإن قال منهم قائل]: إنما يُحَجّ عنه إذا أوصى بذلك؛ لأنه داخل فيما سعى.
[قلنا له]: فقولوا بأن يصام عنه كما إذا أوصى بذلك؛ لأنه داخل فيما سعى.
[فإن قالوا]: للمال في الحجّ مدخل في جبر ما نقص منه.
[قلنا]: وللمال في الصوم مدخل في جبر ما نقص منه بالعتق، والإطعام،
стр. 12533
وكل هذا منهم تخليط، وتناقض، وهم يجيزون العتق عنه، والصدقة عنه، وإن لم يوص بذلك، فبطل تعلّقهم بهذه الآية.
وأما إخباره ﷺ بأن عمل الميت ينقطع إلا من ثلاث، فصحيحٌ، وليت شعري من قال لهم: إن صوم الوليّ عن الميت هو عمل الميت، حتى يأتوا بهذا الخبر الذي ليس فيه إلا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلًا، ولا المنع من ذلك، فظهر فساد احتجاجهم بهذا الخبر جملةً.
وأما حديث عبد الرزاق، فلا تحل روايته إلا على سبيل بيان فسادها؛ لعلل ثلاث فيه: إحداها: أنه مرسل، والثانية أن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، والثالثة أن فيه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب.
ثم لو صح لكان عليهم، لا لهم؛ لأن فيه إيجاب الإطعام عنه إن صحّ بعد أن مرض، والحنفيون والمالكيون لا يقولون بذلك، إلا أن يوصي بذلك، وإلا فلا.
وأما احتجاجهم بأن عائشة وابن عباس رويا الخبر، وتركاه، فقول فاسدٌ؛ لوجوه:
أحدها: أنه لا يجوز ما قالوا؛ لأن الله تعالى إنما افترض علينا اتباع رواية الصاحب عن النبيّ ﷺ ، ولم يفترض علينا قط اتباع رأي أحدهم.
والثاني: أنه قد يَتْرُك الصاحب اتباع ما رَوَى لوجوه غير تعمد المعصية، وهي أن يتاول فيما روى تأويلًا مّا اجتَهَدَ فيه، فأخطأ فأُجِر مرةً، أو أن يكون نَسِي ما رَوَى، فأفتى بخلافه، أو أن تكون الرواية عنه بخلافه وَهَمًا ممن رَوَى ذلك عن الصاحب، فإذ كل ذلك ممكن فلا يحلّ ترك ما افتَرَضَ علينا اتباعه من سنن رسول الله ﷺ لِمَا لم يأمرنا باتباعه لو لم تكن فيه هذه العِلَلُ، فكيف وكلُّها ممكن فيه، ولا معنى لقول من قال: هذا دليل على نسخ الخبر؛ لأنه يُعارَض بأن يقال: كون ذلك الخبر عند ذلك الصاحب دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه، أو لعله قد رَجَع عن ذلك.
والثالث: أنهم إنما يحتجون بهذه الجملة إذا وافقت تقليد أبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأما إذا خالف قولُ الصاحب رأي أحد ممن ذكرنا، فأهون شيء عندهم اطِّراح رأي الصاحب، والتعلق بروايته.
стр. 12534
فمن ذلك أن عائشة ﵂ رَوَت: "فُرِضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على الحالة الأولى"، ثم رُوي عنها من أصح طريق الإتمام في السفر، فتعلق الحنفيون، والمالكيون بروايتها، وتركوا رأيها؛ إذ خالفت فيه ما روت.
وهي التي روت: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل"، ثم أنكحت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، وأبوها غائب بالشام، بغير إذنه، وأنكر ذلك إذ بلغه أشدّ الإنكار، فخالفوا رأيها، واتبعوا روايتها، وهي التي رَوَت التحريم بلبن الفحل، ثم كانت لا تُدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها، وتُدخل عليها من أرضعه بنات أخواتها، فتركوا رأيها، واتبعوا روايتها.
ورَوَى أبو هريرة من طريق لا تصح عنه إيجاب القضاء على من تعمد الفطر في نهار رمضان، وصحّ عنه أنه لا يجزئه صيام الدهر، وإن صامه، وأنه لا يقضيه، فتركوا الثابت من رأيه للهالك من روايته.
وروى أبو هريرة في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، ثم روينا عنه من طريق سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن إبراهيم، هو ابن عُلية، عن هشام الدستوائي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة: "ماءان لا يجزئان من غسل الجنابة: ماء البحر، وماء الحمام".
ورُوي عن ابن عباس في صدقة الفطر: مُدّان من قَمْح، من طريق لا تصحّ، وصح عنه من رأيه صاع من برّ في صدقة الفطر، فترك الحنفيون رأيه لروايته، وهذا كثير منهم جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية تبيّن تناقضهم. انتهى المقصود من كلام ابن حزم، على اختصار، وبعض تغيير (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأرجح قول من قال بمشروعيّة صوم الوليّ عمن مات، وعليه صوم واجبٌ؛ لظهور أدلتّه، كما تقدّم إيضاحه، بل القول بالوجوب هو الأظهر؛ لمجيئه بصيغة الأمر، ولا صارف له، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12535
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٣] (١١٤٨) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امْرَأةٌ أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِن أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، كُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين.
٤ - (مُسْلِمٌ الْبَطِينُ) هو: مسلم بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الجمعة" ٢٠/ ٢٠٣١.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوري، وابن عبّاس ﵄، فبصريّ.
٤ - (ومنها): أن رواية الأعمش عن مسلم البطين من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن الأعمش رأى أنسًا ﵁، وهو من الطبقة الخامسة، ومسلم من السادسة.