قال الحافظ ﵀: والراجح أن المعتبر ما رواه، لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك؛ لاجتهاد، ومستندُه فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تُحُقِّقَتْ صحةُ الحديث لم يُترك المحقَّقُ للمظنون، والمسألة مشهورة في الأصول. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من بيان أقوال أهل العلم وأدلّتهم أن المذهب الراجح هو القول بوجوب قضاء صوم من مات وعليه صوم؛ وذلك لأمره ﵁ به، والأمر للوجوب؛ إذ لا صارف له.
وقال أبو محمد بن حزم ﵀: ومن مات، وعليه صوم فرض، من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفّارة واجبة، ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه، هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا، أوصى به أو لم يوص به، فإن لم يكن وليّ استؤجر عنه من رأس ماله مَن يصومه عنه، ولا بُدّ، أوصى بكل ذلك أو لم يوص، وهو مُقَدَّم على ديون الناس، وهو قول أبي ثور، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وغيرهما.
وقال أبو حنيفة، ومالك: إن أوصى أن يُطْعَم عنه أطعم عنه، مكانَ كل يوم مسكينٌ، وإن لم يوص بذلك فلا شيء عليه، والإطعام عند مالك في ذلك مُدّ مُدّ، وعند أبي حنيفة صاع من غير البر، لكل مسكين، ونصف صاع من البر، أو دقيقه، وقال الليث كما قلنا، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه في النذر خاصّة.
قال الله تعالى: مِنما بَغدِ وَصيَّم ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ثم أورد الأحاديث التي أوردها مسلم في الباب.
ثم قال: فهذا القرآن، والسنن المتواترة المتظاهرة التي لا يحل خلافها، وكلهم يقول: يُحَجّ عن الميت إن أوصى بذلك، ثم لا يرون أن يصام عنه، وإن أوصى بذلك، وكلاهما عمل بدن، وللمال في إصلاح ما فَسَد منهما مدخل بالهدي، وبالإطعام، وبالعتق، فلا القرآن اتبعوا، ولا بالسنن أخذوا، ولا القياس عَرَفُوا، وشَغّبوا في ذلك بأشياء، منها أنهم ذكروا قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وذكروا قول رسول الله ﷺ : "إذا مات الميت انقطع عمله إلا من ثلاث: علم علَّمه، أو صدقة جارية، أو
стр. 12532
ولد صالح يدعو له"، وبأثر رويناه من طريق عبد الرزاق، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن الحجاج بن أرطاة، عن عُبَادة بن نُسَيّ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن مَرِضَ في رمضان، فلم يزل مريضًا حتى مات لم يُطْعم عنه، وإن صح فلم يقضه حتى مات أُطعِم عنه".
وقال بعضهم: وقد رُوي عن عائشة وابن عباس ﵃، وهما رويا الحديث المذكور أنهما لم يريا الصيام عن الميت، كما رويتمِ من طريق ابن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن امرأة منهم، اسمها عمرة، أن أمها ماتت، وعليها من رمضان، فقالت لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لا، بل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين.
وإذا ترك الصاحب الخبر الذي رَوَى فهو دليل على نسخه، لا يجوز أن يُظَنّ به غير ذلك، وإذ لو تعمد ترك ما رواه لكانت جرحة فيه، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك، وقالوا: لا يصام عنه كما لا يصلى عنه.
قال ابن حزم: أما قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، فحقٌّ إلا أن الذي أَنزَل هذا هو الذي أنزل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وهو الذي قال لرسوله ﷺ : ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وهو الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فصحَّ أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وما حكم الله تعالى، أو رسوله ﷺ أن له من سعي غيره عنه، والصوم عنه من جملة ذلك.
والعجب أنهم نَسُوا أنفسهم في الاحتجاج بهذه الآية، فقالوا: إن حجّ عن الميت، أو أعتق عنه، أو تصدق عنه، فأجر كل ذلك له، ولاحِقٌ به، فظهر تناقضهم.
[فإن قال منهم قائل]: إنما يُحَجّ عنه إذا أوصى بذلك؛ لأنه داخل فيما سعى.
[قلنا له]: فقولوا بأن يصام عنه كما إذا أوصى بذلك؛ لأنه داخل فيما سعى.
[فإن قالوا]: للمال في الحجّ مدخل في جبر ما نقص منه.
[قلنا]: وللمال في الصوم مدخل في جبر ما نقص منه بالعتق، والإطعام،
стр. 12533
وكل هذا منهم تخليط، وتناقض، وهم يجيزون العتق عنه، والصدقة عنه، وإن لم يوص بذلك، فبطل تعلّقهم بهذه الآية.
وأما إخباره ﷺ بأن عمل الميت ينقطع إلا من ثلاث، فصحيحٌ، وليت شعري من قال لهم: إن صوم الوليّ عن الميت هو عمل الميت، حتى يأتوا بهذا الخبر الذي ليس فيه إلا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلًا، ولا المنع من ذلك، فظهر فساد احتجاجهم بهذا الخبر جملةً.
وأما حديث عبد الرزاق، فلا تحل روايته إلا على سبيل بيان فسادها؛ لعلل ثلاث فيه: إحداها: أنه مرسل، والثانية أن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، والثالثة أن فيه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو كذاب.
ثم لو صح لكان عليهم، لا لهم؛ لأن فيه إيجاب الإطعام عنه إن صحّ بعد أن مرض، والحنفيون والمالكيون لا يقولون بذلك، إلا أن يوصي بذلك، وإلا فلا.
وأما احتجاجهم بأن عائشة وابن عباس رويا الخبر، وتركاه، فقول فاسدٌ؛ لوجوه:
أحدها: أنه لا يجوز ما قالوا؛ لأن الله تعالى إنما افترض علينا اتباع رواية الصاحب عن النبيّ ﷺ ، ولم يفترض علينا قط اتباع رأي أحدهم.
والثاني: أنه قد يَتْرُك الصاحب اتباع ما رَوَى لوجوه غير تعمد المعصية، وهي أن يتاول فيما روى تأويلًا مّا اجتَهَدَ فيه، فأخطأ فأُجِر مرةً، أو أن يكون نَسِي ما رَوَى، فأفتى بخلافه، أو أن تكون الرواية عنه بخلافه وَهَمًا ممن رَوَى ذلك عن الصاحب، فإذ كل ذلك ممكن فلا يحلّ ترك ما افتَرَضَ علينا اتباعه من سنن رسول الله ﷺ لِمَا لم يأمرنا باتباعه لو لم تكن فيه هذه العِلَلُ، فكيف وكلُّها ممكن فيه، ولا معنى لقول من قال: هذا دليل على نسخ الخبر؛ لأنه يُعارَض بأن يقال: كون ذلك الخبر عند ذلك الصاحب دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه، أو لعله قد رَجَع عن ذلك.
والثالث: أنهم إنما يحتجون بهذه الجملة إذا وافقت تقليد أبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأما إذا خالف قولُ الصاحب رأي أحد ممن ذكرنا، فأهون شيء عندهم اطِّراح رأي الصاحب، والتعلق بروايته.
стр. 12534
فمن ذلك أن عائشة ﵂ رَوَت: "فُرِضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على الحالة الأولى"، ثم رُوي عنها من أصح طريق الإتمام في السفر، فتعلق الحنفيون، والمالكيون بروايتها، وتركوا رأيها؛ إذ خالفت فيه ما روت.
وهي التي روت: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل"، ثم أنكحت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، وأبوها غائب بالشام، بغير إذنه، وأنكر ذلك إذ بلغه أشدّ الإنكار، فخالفوا رأيها، واتبعوا روايتها، وهي التي رَوَت التحريم بلبن الفحل، ثم كانت لا تُدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها، وتُدخل عليها من أرضعه بنات أخواتها، فتركوا رأيها، واتبعوا روايتها.
ورَوَى أبو هريرة من طريق لا تصح عنه إيجاب القضاء على من تعمد الفطر في نهار رمضان، وصحّ عنه أنه لا يجزئه صيام الدهر، وإن صامه، وأنه لا يقضيه، فتركوا الثابت من رأيه للهالك من روايته.
وروى أبو هريرة في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"، ثم روينا عنه من طريق سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن إبراهيم، هو ابن عُلية، عن هشام الدستوائي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة: "ماءان لا يجزئان من غسل الجنابة: ماء البحر، وماء الحمام".
ورُوي عن ابن عباس في صدقة الفطر: مُدّان من قَمْح، من طريق لا تصحّ، وصح عنه من رأيه صاع من برّ في صدقة الفطر، فترك الحنفيون رأيه لروايته، وهذا كثير منهم جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية تبيّن تناقضهم. انتهى المقصود من كلام ابن حزم، على اختصار، وبعض تغيير (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأرجح قول من قال بمشروعيّة صوم الوليّ عمن مات، وعليه صوم واجبٌ؛ لظهور أدلتّه، كما تقدّم إيضاحه، بل القول بالوجوب هو الأظهر؛ لمجيئه بصيغة الأمر، ولا صارف له، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12535
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٣] (١١٤٨) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امْرَأةٌ أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِن أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، كُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين.
٤ - (مُسْلِمٌ الْبَطِينُ) هو: مسلم بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في "الجمعة" ٢٠/ ٢٠٣١.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوري، وابن عبّاس ﵄، فبصريّ.
٤ - (ومنها): أن رواية الأعمش عن مسلم البطين من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن الأعمش رأى أنسًا ﵁، وهو من الطبقة الخامسة، ومسلم من السادسة.
стр. 12536
٥ - (ومنها): أن صحابيّه حبر الأمة وبحرها، وترجمان القرآن، ومن العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ) - بفتح الموحدة، وكسر المهملة، ثم تحتانية ساكنة، ثم نون- وقد جاء الحديث من رواية شعبة، عن الأعمش، عن مسلم المذكور، وشعبة لا يحدّث عن شيوخه الذين ربما دَلَّسوا إلا بما تحقق أنهم سمعوه، قاله في "الفتح" (١).
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن امْرَأةً) وفي رواية زائدة التالية: "جاء رجلٌ"، ويُجمع بأنهما قضيّتان، السائل في إحداهما امرأة، وفي الأخرى رجل، قال في "الفتح": واتَّفَقَ مَن عدا زائدة وعَبْثَر بن القاسم على أن السائل امرأة، وزاد أبو حَرِيز في روايته أنها خثعميّة. انتهى.
ولم يُعرف اسم الرجل، ولا المرأة.
(أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِن أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ) زاد في رواية زائدة التالية: "أفأقضيه عنها؟ "، وفي رواية الحكم: "أفأصوم عنها؟ ".
قال في "الفتح": قوله: "وعليها صوم شهر": هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي حَرِيز: "خمسة عشر يومًا"، وفي رواية أبي خالد: "شهرين متتابعين"، وروايته تقتضي أن لا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان، بخلاف رواية غيره، فإنها مُحْتَمِلة إلا رواية زيد بن أبي أنيسة، فقال: "إن عليها صوم نذر"، وهذا واضح في أنه غير رمضان.
وبَيَّنَ أبو بِشْر في روايته سبب النذر، فروى أحمد، من طريق شعبة، عن أبي بشر: "أن امرأة رَكِبت البحر، فنَذَرت أن تصوم شهرًا، فماتت قبل أن تصوم، فأتت أختها النبيَّ ﷺ … " الحديث، ورواه أيضًا عن هشيم، عن أبي بشر نحوه، وأخرجه البيهقيّ من حديث حماد بن سلمة.
وقد ادَّعَى بعضهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة عن سعيد بن
стр. 12537
جبير، فمنهم من قال: إن السائل امرأة، ومنهم من قال: رجل، ومنهم من قال: إن السؤال وقع عن نذر، فمنهم من فَسَّره بالصوم، ومنهم من فسره بالحج، والذي يظهر أنهما قِصَّتان، ويؤيده أن السائلة في نذر الصوم خثعمية، كما في رواية أبي حريز المعلّقة عند البخاريّ، والسائلة عن نذر الحج جُهنية. وقد روى مسلم من حديث بُريدة: أن امرأة سألت عن الحج، وعن الصوم معًا.
وأما الاختلاف في كون السائل رجلًا أو امرأةً، والمسؤل عنه أختًا، أوأُمًّا فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث؛ لأن الغرض منه مشروعية الصوم، أو الحج عن الميت، ولا اضطراب في ذلك. انتهى (١).
(فَقَالَ) ﷺ ("أَرَأَيْتِ) أي: أخبريني (لَوْ كَانَ عَلَيْهَا) أي على أمها (دَيْن، "كُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ ") وفي رواية الحكم: "قال: أرأيت لو كان على أمك دين، فقضيته، أكان يؤدّي ذلكِ عنها؟ " (قَالَتْ) المرأة السائلة (نَعَمْ) أي أقضيه عنها، ويؤدّي ما كان عليها (قَالَ) ﷺ ("فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ") وفي رواية زائدة: "فدين الله أحقّ أن يُقضى"، وفي رواية الحكم: "قال: فصومي عن أمّك".
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "لو كان على أمك دين كنت قاضيته؟ " مشعر: بأن ذلك على الندب لمن طابت به نفسه؛ لأنه لا يجب على ولي الميت أن يؤدِّي من ماله عن الميت دينًا بالاتفاق، لكن من تبرع به انتفع به الميت، وبرئت ذمته، ويمكن أن يقال: إن مقصود الشرع: أن وليّ الميت إذا عَمِل العمل بنفسه من صوم، أو حج، أو عمرة، فصيَّره للميت انتفع به الميت، ووصل إليه ثوابه، ويعتضد ذلك: بأنه ﷺ شبَّه قضاء الصوم عن الميت بقضاء الدَّين عنه، والدَّين إنما يقضيه الإنسان عن غيره من مال حصَّله لنفسه، ثم بعد ذلك يقضيه عن غيره، أو يهبه له. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12538
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٦٩٣ و ٢٦٩٤ و ٢٦٩٥ و ٢٦٩٦] (١١٤٨)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٥٣)، و (أبو داود) في "الصوم" (٣٣١٠)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢٩١٢ و ٢٩١٣ و ٢٩١٥ و ٢٩١٦)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٤ و ٢٢٧ و ٢٥٨ و ٣٦٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢١٥ - ٢١٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢٣)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٢١٨) و"الكبير" (٤/ ٢٦ و ١٢/ ١٤ - ١٥ و ٥٠ و ٧٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٩٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة صوم الوليّ عمن مات، وعليه صوم، وقد اختلف العلماء فيه، والصحيح مشروعيّته، قال النوويّ: واعتذر القاضي عياض عن مخالفة مذهبهم لهذه الأحاديث في الصوم عن الميّت والحج عنه بأنه مضطربٌ.
وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا عذرٌ باطلٌ، وليس في الحديث اضطراب، وإنما فيه اختلاف جمعنا بينه كما سبق، ويكفي في صحته احتجاج مسلم به في "صحيحه". انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تعقّب حسنٌ جدًّا، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في شرح حديث عائشة ﵄ المذكور قبل هذا.
٢ - (ومنها): جواز سماع كلام المرأة الأجنبية في الاستفتاء ونحوه، من مواضع الحاجة.
٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة القياس، وضرب الْمَثَل؛ لقوله ﷺ : "فدَيْنُ الله أحقّ بالقضاء"، وذلك ليكون أوضح، وأوقع في نفس السامع، وأقرب إلى سُرْعة فهمه.
٤ - (ومنها): تشبيه ما اختُلف فيه، وأشكَلَ بما اتُّفِق عليه (١).
стр. 12539
٥ - (ومنها): بيان قضاء الدين عن الميت، وقد أجمعت الأمة عليه، ولا فرق بين أن يقضيه عنه وارث أو غيره، فيبرأ به بلا خلاف.
٦ - (ومنها): أن وفاء الدين الماليّ عن الميت كان معلومًا عندهم، مقرّرًا، ولهذا حسُن الإلحاق به.
٧ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: إذا مات وعليه دين لله تعالى، ودين لآدميّ، وضاق ماله قُدِّم دَين الله تعالى؛ لقوله ﷺ : "فدَينُ الله أحقّ بالقضاء"، قال النوويّ ﵀: وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال للشافعيّ: أصحها تقديم دين الله تعالى؛ لما ذكرناه، والثاني: تقديم دين الآدميّ؛ لأنه مبنيّ على الشح والمضايقة، والثالث: هما سواء، فيُقْسَم بينهما.
٨ - (ومنها): أنه يستحب للمفتي أن ينبه على وجه الدليل إذا كان مختصرًا واضحًا، وبالسائل إليه حاجة، أو يترتب عليه مصلحةٌ؛ لأنه ﷺ قاس على دين الآدميّ؛ تنبيهًا على وجه الدليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكيعِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِلَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِم الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِن أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْن، كُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى".
قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الْحَكَمُ، وَسَلَمَةُ بْنُ كهَيْلٍ جَمِيعًا، وَنَحْنُ جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْوَكِيعِيُّ) أحمد بن عمر بن حفص بن جَهْم بن واقد الكنديّ، أبو جعفر الْجَلّاب -بالجيم- الضرير الْمُقَدَّمِيّ المعروف بالْوَكِيعيّ، ثقةٌ [١٠].
стр. 12540
رَوَى عن ابن فُضيل، وعبد الحميد الْحِمَّانيّ، وحفص بن غياث، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود في "المسائل"، وابنه إبراهيم بن أحمد الوَكِيعيّ، والأثرم، والْمَعْمَريّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، ونصر بن القاسم الفرائضيّ، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال مرةً: ما أرى به بأسًا، وقال عبد الله بن أحمد، ومحمد بن عبدوس: الوكيعيّ ثقةٌ، وقال ابن قانع: كان عبدًا صالحًا ثقةً ثَبْتًا، وقال موسى بن هارون: كان صالحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُغْرِب.
وقال مُطَيَّن وغيره: مات في سنة (٢٣٥)، زاد غيره: في صفر.
وقال السمعانيّ في "الأنساب": قيل له: الوكيعيّ لصحبته وكيع بن الجراح.
انفرد به المصنّف، وأخرج له أبو داود في "المسائل"، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١١٤٨) و (٢٧٣٢) و (٢٨٥٢) و (٢٩٠٥).
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَليٍّ) الْجُعفيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (الْحَكَمُ) بن عتيبة أبو محمد الكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) (ع) تقدم في "الحيض" ٥/ ٧٠٤.
٦ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر الْمَخْزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) وله (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
والباقون ذُكروا قبله، و"سليمان " هو: الأعمش.
وقوله: (قَالَ سُلَيْمَانُ) هو الأعمش المذكور في السند الماضي؛ أي سليمان الأعمش بالإسناد المذكور إليه أوّلًا.
وقوله: (فَقَالَ الْحَكَمُ) أي: ابن عتيبة.
وقوله: (وَنَحْنُ جُلُوسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال.
стр. 12541
وقوله: (حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي البطين.
وقوله: (فَقَالَا: سَمِعْنَا مُجَاهِدًا … إلخ) أي قال كلّ من الحكم، وسلمة بن كُهيل: سمعنا هذا الحديث الذي حدّث به مسلم البطين عن مجاهد بن جَبْر، عن ابن عبّاس ﵄، كما سمعه مسلم عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس ﵄.
وحاصل ما أشار إليه أنّ الأعمش سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس في مجلس واحد: من مسلم البطين أوّلًا عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄ ثم من الحكم وسلمة كلاهما عن مجاهد، عن ابن عبّاس ﵄.
[تنبيه]: سيأتي في السند التالي أن أبا خالد الأحمر خالف زائدة، فجعل شيوخ الأعمش الثلاثة، فحدّث به عنه عنهم، عن شيوخ ثلاثة، وهم: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء بن أبي رَبَاح، وسيأتي الكلام عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَذَثنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، حَدَّثنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كهَيْلٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَمُسْلِم الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَن النَّبيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) من مشايخ الجماعة بلا واسطة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها وله بضع و (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح، واسم أبيه أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمامٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
والباقون ذُكروا قبله.
قال الجامع عفا الله عنه: محصل ما أشار إليه أن أبا خالد الأحمر خالف
стр. 12542
زائدة بن قُدامة في هذا الإسناد، فجمع بين شيوخ الأعمش الثلاثة، وهم: سلمة بن كُهيل، والحكم بن عُتيبة، ومسلم البطين، فحدث به عنه، عنهم (١)، عن شيوخ ثلاثة، وهم: سعيد بن جُبير، ومجاهد، وعطاء.
قال الحافظ ﵀: وظاهره أنه عند كلّ منهم، عن كل منهم.
وَيحْتَمِل أن يكون أراد به اللفّ والنشر بغير ترتيب، فيكون شيخ الحكم عطاءً، وشيخ البَطِين سعيدَ بنَ جبير، وشيخُ سلمة مجاهدًا.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال هو الأظهر؛ لما سيأتي في التنبيه من رواية النسائي من طريق عبد الرحمن بن مَغْراء، عن الأعمش مُفَضَّلًا، وهو أيضًا مما يُقَوِّي رواية أبي خالد هذه.
قال الحافظ: وقد وصلها -أي رواية أبي خالد- مسلمٌ، لكن لم يسق المتن، بل أحال به على رواية زائدة، وهو مُعْتَرَضٌ؛ لأن بينهما مخالفة سيأتي بيانها.
قال: ووصلها أيضًا الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن خزيمة، والدارقطنيّ، من طريق أبي خالد. انتهى كلام الحافظ ﵀.
[تنبيه]: رواية أبي خالد الأحمر، عن الأعمش هذه ساقها النسائيّ ﵀ في "الكبرى" (٢/ ١٧٣) عن شيخ مسلم، فقال:
(٢٩١٤) - أنبأ عبد الله بن سعيد، قال: حدَّثنا أبو خالد، قال: حدّثنا الأعمش، عن سلمة، والْحَكَم، ومسلم، عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، عن ابن عباس، قال: جاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: إن أختي ماتت، وعليها صيام شهرين متتابعين، فقال: "أرأيت لو كان على أختك دين، أكنت تقضينه؟ " قالت: نعم، قال: "فحق الله أحقّ". انتهى.
وهذا صريح في أن رواية أبي خالد فيها أن السائلة امرأة، سألت عن أختها، والسائل في رواية زائدة رجل سال عن أمه، فاختلفا، فإحالة مسلم بقوله: "بهذا الحديث" فيه نظر لا يخفى، وقد تقدّم تنبيه الحافظ ﵀ عليه، فتنبّه.
стр. 12543
ثم قال النسائيّ ﵀:
(٢٩١٥) - أنبأ الحسين بن منصور النيسابوريّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مَغْراء، عن الأعمش، عن مسلم الْبَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعن الحكم بن عتيبة، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنه أتته امرأة، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟، قال: "أرأيت لو كان عليها دينٌ، أكنت تقضينه؟ " قالت: نعم، قال: "فدين الله أحقّ أن يُقْضَى". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية عبد الرحمن بن مَغْراء هذه فيها تفصيل لما أجمله أبو خالد الأحمر في شيوخ الأعمش، كما سبق التنبيه عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنيْسَةَ، حَدَّثنَا الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: جَاءَت امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِن أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْن، فَقَضَيْتِيهِ (١) أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
стр. 12544
٢ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) هو: محمد بن أحمد بن أبي خَلَف السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (م د) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٢.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظ فاضلٌ، من كبار [١٠] (ت ١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س ق) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٨٨.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الرَّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيه، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٨٠) سنة (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦.
٦ - (زيدُ بْنُ أَبِي أُنيْسَةَ) الْجَزَريّ، أبو أسامة، كوفيّ الأصل، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٩) وقيل: (١٢٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَقَضَيْتِيهِ) هكذا في أكثر النسخ "قضيتيه" بالياء بعد التاء، وفي بعضها "قضيته" بدونها على الأصل.
وقوله: (أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟) أي يقضي ذلك الذي قضيته عما على أمك من الدين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٧] (١١٤٩) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ أبُو الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ أتتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارَيةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فَقَالَ: "وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيكِ الْمِيرَاثُ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "صُومِي
стр. 12545
عَنْهَا"، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ (١): "حُجِّي عَنْهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَبُو الْحَسَنِ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَطَاءٍ) الطائفيّ المكيّ، ويقال: الكوفيّ، ويقال: الواسطيّ، ويقال: المدنيّ، أبو عطاء، مولى المطلب بن عبد الله بن قيس بن مَخْرمة، وقيل: مولى بني هاشم، ومنهم من جعلهما اثنين، وقيل: ثلاثة، صدوقٌ يُخطئ ويُدلّس [٦].
رَوَى عن أبي الطفيل، وسليمان وعبد الله ابني بُريدة، وعقبة بن عامر مرسلًا، وعكرمة بن خالد، ونافع مولى ابن عمر، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم.
وروى عنه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، وزهير بن معاوية، والثوريّ، وابن أبي ليلى، وعلي بن مسهر، وشعبة، وعبد الله بن نمير، وغيرهم.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: هو كوفيّ كان ينزل بمكة، قال الترمذيّ: ثقة عند أهل الحديث، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال في موضع آخر: ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: عبد الله بن عطاء صاحب ابن بريدة ثقة، كذا هو في "تاريخ الدوريّ" رواية أبي سعيد ابن الأعرابيّ عنه.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم (١١٤٩)، و (٢٦٤٥): "إن النطفة تقع في الرحم … ".
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥ أو ١١٥) وله مائة سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٥ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو عبد الله، وقيل غير ذلك، الصحابيّ، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣.
стр. 12546
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: بَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها ألف، وقد سبق البحث فيها غير مرّة (أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ أتتْهُ امْرَأَةٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفها، ولا أمها، ولا الجارية. انتهى (١). (فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ) أي قبل هذا الوقت (عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ) أي بتمليكها لها هبةً، أو صدقةً، والجارية: الأمة الشابّة، قال الفيّوميّ ﵀: الجارية هي السفينة، سُمّيت بذلك لجريها في البحر، ومنه قيل للأمة على التشبيه؛ لجريها مُستسخَرةً في أَشغال مواليها، والأصل فيها الشابّة؛ لخفّتها، ثم توسّعوا حتى سمَّوا كل أمة جارية، وإن كانت عجوزًا لا تقدر على السعي؛ تسميةً بما كانت عليه، والجمع الجواري. انتهى (٢). (وَإِنَّهَا مَاتَتْ) أي فهل يجوز لي أن أرث الجارية من تركتها؟ (قَالَ) بُريدة ﵁ (فَقَالَ) ﷺ ("وَجَبَ) أي ثبت (أَجْرُكِ) حيث وصلتِ أمك بالجاربة (وَرَدَّهَا) أي الجارية (عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ") أي الإرث، قال القاري ﵀: النسبة مجازية؛ أي ردّها الله عليك بالميراث، وصارت الجارية ملكًا لك بالإرث، وعادت إليك بالوجه الحلال، والمعنى أنه ليس هذا من باب العود في الصدقة؛ لأنه ليس أمرًا اختياريًا، قال ابن الملك: أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبه، ثم وَرِثها حَلَّت له، وقيل: يجب صرفها إلى فقير؛ لأنها صارت حقًا لله تعالى. انتهى.
قال القاري: وهذا تعليل في معرض النصّ فلا يُعْقَل. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: ما أجمل تعقّب القاري؛ أي فإذا كان غير
стр. 12547
معقول، فإنه غير مقبول، بل باطل مردود، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي ميَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
(قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي إن الأمر والشأن (كَانَ عَلَيْهَا) أي على أمها (صَوْمُ شَهْرٍ) اختُلِف في مقدار الصوم في رواية عبد الله بن بُريدة، والظاهر أن شهر أرجح؛ لموافقة رواية سليمان له، والله تعالى أعلم.
(أفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ) ﷺ ("صُومِي عَنْهَا"، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا") وفي نسخة: "قال: نعم حُجِّي عنها"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بُريدة بن الْحُصيب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٢٦٩٧ و ٢٦٩٨ و ٢٦٩٩ و ٢٧٠٠ و ٢٧٠١] (١١٤٩)، و (أبو داود) في "الزكاة" (١٦٥٦) و"الوصايا" (٢٨٧٧) و"الأيمان والنذور" (٣٣٠٩)، و (الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٦٧ و ٩٢٩)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ٦٦ و ٦٧)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٥٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩/ ١٢٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٣٥٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٤٩ و ٣٥١ و ٣٥٩ و ٣٦١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، و (الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٣٨٦)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة قضاء الصوم عن الميت، قال البيهقيّ ﵀ في "الخلافيّات" -بعد إيراده الحديثَ-: فهذا الحديث قد صحّ، وهو صريح في جواز الصوم عن الميت، بعيدٌ من التأويل، ومذهب إمامنا الشافعيّ: اتباع السنة
стр. 12548
بعد ثبوتها، وترك ما يخالفها بعد صحتها، وهذه الأخبار ثابتةٌ، ولا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها، فوجب على من سمعها اتباعها، ولا يسعه خلافها.
قال: وأما الحديث الذي رُوي عن محمد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: أن فيه الكفارة، ولم يذكر الصيام، فإن رَفْعَهُ وَهَمٌ، والصواب عن ابن عمر موقوفًا، ومحمد هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قاله ابن عديّ، وهو ضعيف الحديث، كثير الوَهْم.
وما رُوي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يحجّ أحد عن أحد فإنما أراد به- والله أعلم- في حال الحياة، ثم اتباعُ سنة رسول الله ﷺ أولى، وعلمي أنه لو بلغه الخبر لصار إليه.
ورُوي عن ابن عباس وعائشة ﵃ أنهما أفتيا بالكفارة دون ذكر الصوم عنه، ومن قال من أصحابنا بذلك احتج به عنهما، وهما رويا الحديث المرفوع في القضاء عن الميت، فدل على أن المراد بالحديث المرفوع فِعْلُ ما يكون قضاءً لصومه، وهو الإطعام الذي فسره -والله أعلم-.
والأحاديث المرفوعة أصحُّ إسنادًا، وأحفظ رجالًا من الذي رُوي موقوفًا، والأحاديث على ظاهرها، حتى يأتي دلالة على غير ذلك، وبالله التوفيق. انتهى كلام البيهقيّ ﵀ (١)، وهو تحقيق حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن أحاديث الباب على ظاهرها، فيُشرع الصوم والحج عمن مات ولم يصم، ولم يحُجّ، وأن ذلك مذهب الإمام الشافعيّ ﵀؛ لأن مذهبه: إذا صحّ الحديث فهو المقدّم على قوله، وأما ما روي عن بعض الصحابة بخلاف ذلك يُعتذر عنهم بأنه لم يبلغهم النصّ، وعلى تقدير بلوغه لهم، فالنصّ مقدّم على فتاواهم، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): جواز دفع صدقة التطوّع إلى الوالدين، والورثة.
٣ - (ومنها): أنه إذا تصدّق بشيء، ثم عاد إليه بسبب الإرث جاز له، وقيل: لا يجوز، وهو ضعيف، قال الترمذيّ ﵀ بعد إخراجه الحديث ما
стр. 12549
نصّه: وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْم: أَنَّ الرَّجُلَ إذا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ له، وقال بَعْضُهُمْ: إنما الصَّدَقَةُ شَيْءٌ جَعَلَهَا لِلَّهِ، فإذا وَرِثَهَا فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا في مِثْلِهِ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول الثاني ضعيف، بل باطلٌ؛ لمصادمته هذا الحديث الصحيح، فتنئه.
٤ - (ومنها): مشروعيّة قضاء الحج عن الميت، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه -إن شاء الله تعالى-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٨] ( … ) - (وَحَدَّثنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاء، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: صَوْمُ شَهْرَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ) الظاهر أنه أراد قصّة الصوم؛ لأنه موضوع المسألة، وأما قصّة الحجّ فلم يذكرها عبد الله بن نمير، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ … إلخ) فعل "قال" ضمير عبد الله بن نمير.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "صوم شهرين" كذا في رواية عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن عطاء هذه، وتابعه عبيد الله بن موسى، عن الثوريّ في الرواية الآتية، وخالفهما عليّ بن مسهر، عن عبد الله بن عطاء في روايته السابقة،
стр. 12550
فقال: "صوم شهر"، وتابعه عبد الرزاق، عن الثوريّ في روايته الآتية أيضًا، وكذا رواه عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الله بن عطاء كما يأتي آخر الباب، قال أبو عوانة: ورواه الأشجعيّ، عن سفيان، فقال: "وعليها صوم من رمضان" (١).
فتبيّن بما ذُكر أن رواية الأكثرين بلفظ "صوم شهر"، والظاهر أنها أرجح، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن عبد الله بن عطاء هذه ساقها ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" (٧/ ٢٨٤) فقال:
(٣٦١٢١) - حدّثنا ابن نُمير، عن عبد الله بن عطاء، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه، قال: كنت جالسًا عند النبيّ ﷺ إذ جاءته امرأة، فقالت: إنه كان على أمي صوم شهرين، أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها- قال-: أرأيتِ إن كان على أمك دين، قضيته، أكان يجزئ عنها؟ "، قالت: بلى، قال: "فصومي عنها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٩٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ بُرَيْدَةَ (٢)، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَت امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد الإمام الشهير، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (عَن ابْنِ بُرَيْدَةَ) وفي بعض النسخ: "عن عبد الله بن بُريدة".
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن عبد الله بن عطاء هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢١٧) فقال:
стр. 12551
(٢٩٠٥) - حدّثنا الدَّبَريّ، عن عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن عبد الله بن عطاء، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: جاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، قال: "صومي مكانها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نُعيم، واستُصغِر في سفيان الثوريّ [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
والباقيان ذُكرا في الباب، و"إسحاق بن منصور": هو الْكَوْسَج، و"سفيان": هو الثوريّ.
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن موسى عن سفيان الثوريّ هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢١٧) فقال:
(٢٩٠٦) - حدّثنا أُمَيَّة، حدّثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا سفيان الثوريّ، عن عبد الله بن عطاء، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه، قال: أتت امرأة النبيّ ﷺ ، فقالت: إن أمي تُوُفِّيت، وعليها صوم شهرين، قال: "صومي عنها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَني ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاء الْمَكِّيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَت امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَقَالَ: صَوْمُ شَهْرٍ").
стр. 12552
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ) هو: إسحاق بن يوسف بن مِرْداس الْمَخْزوميّ الواسطيّ المعروف بالأزرق، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٥) عن (٧٨) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩١.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وله (٩٠) سنةً (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٢٥/ ٦٤٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) أي حدّث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الله بن عطاء بمثل ما حدّث به الرواة السابقون عنه، وهو: عليّ بن مسهر، وعبد الله بن نُمير، والثوريّ.
[تنبيه]: رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الله بن عطاء هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٥/ ٣٤٩) فقال:
(٢٣٠٠٦) - حدّثنا عبد اللهِ (١)، حدّثني أبي، ثنا إِسْحَاقُ بن يُوسُفَ، عن عبد الْمَلِكِ بن أبي سُلَيْمَانَ، عن عبد اللهِ بن عَطَاءٍ المكيّ، عن سُلَيْمَانَ بن بُرَيْدةَ، عن أبيه، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَصَدَّقْتُ على أمي بِجَارِيةٍ، فَمَاتَتْ، وَإِنَّهَا رَجَعَتْ إليَّ في الْمِيرَاثِ؟، قال: "قد آجَرَكِ الله، وَرَدَّ عَلَيْكِ الْمِيرَاثَ"، قالت: فإن أمي مَاتَتْ، ولم تَحُجَّ، فَيُجْزِئُهَا أَنْ أَحُجَّ عنها؟ قال: "نعم"، قالت: فإن أمي كان عليها صَوْمُ شَهْرٍ، فيجزئها أَنْ أَصُومَ عنها؟ قال: "نعم". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: انتقد النسائيّ ﵀ هذا السند في "السنن الكبرى" (٤/ ٦٦)، فقال:
(٦٣١٤) - أخبرنا عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرميّ، وعبد الرحمن بن محمد بن سلام الطرسوسيّ، واللفظ له، قال: حدّثنا إسحاق الأزرق، قال: حدَّثنا
стр. 12553
عبد الملك بن أبي سليمان (١)، عن عبد الله بن عطاء، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن امرأة أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، فماتت، فرجعت إليّ في الميراث، فقال: "قد آجرك الله، ورَدّ عليك في الميراث".
قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب: عبد الله بن بريدة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: إنما خطّأ النسائيّ ﵀ هذه الرواية لمخالفة عبد الملك بن أبي سليمان الحفّاظ الذين رووا عن عبد الله بن عطاء بجعله شيخه سليمان بن بُريدة، وهم جعلوه عبد الله بن بُريدة، وهم أكثر وأحفظ منه، وهم: عليّ بن مسهر، وعبد الله بن نُمير، وسفيان الثوريّ، ورواياتهم عند المصنّف في هذا الباب، ووافقهم زهير بن معاوية، عند أبي داود، وابن أبي ليلى، عند النسائيّ، إلا أنه قال: "عن ابن بُريدة"، ولم يسمّه.
على أن عبد الملك، وإن كان ثقةً، إلا أن بعضهم وصفه بأنه يُخطئ، قال أبو داود: قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: ثقةٌ، قلت: يُخطئ؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة، إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء، تكلّم فيه أيضًا شعبة، وغيره (٢).
والحاصل أن اتّفاق هؤلاء يُرجّح على عبد الملك بن أبي سليمان، فالحديث لعبد الله بن بُريدة، لا لسليمان بن بُريدة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ ﵀ في "تحفته" ما نصّه: قال النسائيّ: حديث إسحاق الأزرق خطأ، والصواب حديث عبد الله بن بُريدة، وعبدُ الله بن عطاء ليس بذاك القويّ. انتهى (٣).
وهذا الكلام لم أجده في النسخة التي بين يديّ من "السنن الكبرى" للنسائيّ، وإنما الموجود فيها ما أسلفته، ولعله لاختلاف النسخ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 12554
(٣٠) - (بَابُ الصَّائِمِ يُدْعَى لِطَعَامٍ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٢] (١١٥٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: رِوَايَةً، وَقَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَن النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٥ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القُرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٦ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاق كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁.
стр. 12555
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: رِوَايَةً) يعني أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة قال: "عن أبي هريرة روايةً"؛ أي ينقله أبو هريرة عن النبيّ ﷺ نقلًا (وَقَالَ عَمْرٌو: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ) يعني أن شيخه عمرًا الناقد قال: "عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبيّ ﷺ "، والمعنى: أن أبا هريرة عزا الحديث إلى النبيّ ﷺ (وقَالَ زُهَيْرٌ: عَن النَّبِيِّ ﷺ ) يعني أن شيخه زهيرًا قال: "عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ "، وغرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف ألفاظ شيوخه، وكلّها متقاربة المعنى، إلا أن قوله: "عن النبيّ ﷺ " صريح في الرفع، وأما قوله: "روايةً"، وقوله: "يبلغ به النبيّ ﷺ " من صيغ الرفع حكمًا، (قَالَ) ﷺ ("إِذَا دُعِيَ) بالبناء للمفعول (أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي والحال أنه صائم؛ أي: صوم نفل، قاله ابن حجر الهيتميّ، وتعقّبه القاري، فقال: ولا دلالة في الحديث؛ لاحتمال أن يكون صوم قضاء ونحوه. انتهى.
(فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ") اعتذارًا للداعي، فإن سَمَح، ولم يطالبه بالحضور فله التخلف، وإلا حضر، وليس الصوم عذرًا في التخلف.
قيل: إنما أَمَر المدعوّ حين لا يجيب الداعي أن يَعتذر عنه بقوله: "إني صائم"، وإن كان يُستحب إخفاء النوافل؛ لئلا يؤدي ذلك إلى عداوة، أو تباغض بينه وبين الداعي (١).
وقال النوويّ ﵀: هذا محمول على أنه يقول له اعتذارًا له، وإعلامًا بحاله، فإن سَمَح له، ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح، وطالبه بالحضور لزمه الحضور، وليس الصوم عذرًا في إجابة الدعوة، ولكن إذا حضر لا يلزمه الأكل، ويكون الصوم عذرًا في ترك الأكل، بخلاف المفطر،
стр. 12556
فإنه يلزمه الأكل على أصحّ الوجهين عندنا، كما سيأتي واضحًا -إن شاء الله تعالى- في بابه، والفرق بين الصائم والمفطر منصوص عليه في الحديث الصحيح، كما هو معروف في موضعه، وأما الأفضل للصائم، فقال أصحابنا: إن كان يشق على صاحب الطعام صومه استُحِبّ له الفطر، وإلا فلا، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صومًا واجبًا حَرُم الفطر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٢٧٠٢] (١١٥٠)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٦١)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٨١)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٣٢٦٩)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٥٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣١٧)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١٠١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٧٤٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢٦)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٦٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن المستحبّ لمن دعي إلى طعام، وهو صائم، ولا يريد الإفطار أن يقول: إني صائم.
٢ - (منها): بيان أنه لا بأس بإظهار نوافل العبادة من الصوم والصلاة وغيرهما إذا دعت إليه حاجة، والمستحبّ إخفاؤها إذا لم تكن حاجة.
٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: فيه حجةُ أنه ليس للمتنفّل إفساد نيّته، وفطر يومه لغير عذر، ولو كان الفطر مباحًا له ابتداءً لم يرشده إلى العذر بصومه. انتهى (٢).
стр. 12557
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله عياض من أنه ليس للمتنفّل الفطر ضعيف، والصحيح أن له أن يفطر؛ لحديث: "الصائم التطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر"، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه الحضّ على حسن المعاشرة والصحبة، ومراعاة الألفة، وحسن الاعتذار عند وجود سببه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣١) - (بَابُ مَا يَقُولُهُ الصَّائِمُ إِذَا شُوتمَ، أَوْ قُوتِلَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٣] (١١٥١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رِوَايَةً، قَالَ: "إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، فَإِن إمْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وهو الإسناد الذي سبق قبله في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رِوَايَةً) منصوب بفعل مقدّر؛ أي يرويه روايةً، والجملة في محلّ نصب على الحال؛ أي حال كون أبي هريرة ينقله عن النبيّ ﷺ نقلًا (قَالَ) النبيّ ﷺ ("إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ) - بضم الفاء، وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث هنا -وهو بفتح الراء والفاء، ثمّ المثلّثة-: الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع، وعلى مقدّماته، وعلى ذكره مع النساء، أو مطلقًا، وَيحْتَمِل أن يكون
стр. 12558
لما هوأعمّ منها، قاله في "الفتح"، وقوله: (وَلَا يَجْهَلْ) أعمّ من "لا يرفُث": أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل، كالصياح، والسَّفَه، ونحو ذلك، ولسعيد بن منصور من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه: "فلا يرفث، ولا يُجادل"، قال القرطبيّ: لا يُفهَم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذُكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكّد بالصوم. انتهى.
(فَإِن امْرُؤٌ شَاتَمَهُ، أَوْ قَاتَلَهُ) وفي رواية للبخاريّ: "فإن سابّه أحدٌ، أو قاتله"، وفي رواية له: "وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه … "، وفي رواية أبي قرّة: "وإن شتمه إنسان، فلا يكلّمه"، ونحوه في رواية عند أحمد، ولسعيد بن منصور: "فإن سابّه أحد، أو ماراه"؛ أي جادله، ولابن خزيمة: "لا تُسابّ، وأنت صائم، فإن سبّك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس" (١)، وللنسائيّ من حديث عائشة ﵂: "وإن امرؤ جَهِل عليه، فلا يشتمه، ولا يسبّه" (فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ") قال النوويّ ﵀: هكذا هو مرتين، واختلفوا في معناه، فقيل: يقوله بلسانه جهرًا، يسمعه الشاتمَ، والمقاتلَ، فينزجر غالبًا، وقيل: لا يقوله بلسانه، بل يُحَدِّث به نفسه؛ ليمنعها من مشاتمته، ومقاتلته، ومقابلته، ويَصون صومه عن المكدرات، ولو جمع بين الأمرين كان حسنًا، انتهى.
وقال السنديّ ﵀: أي فليعتذر عنده من عدم المقابلة بأن حاله لا يساعد المقابلة بمثله، أو فليذكُر في نفسه أنه صائم؛ ليمنعه ذلك عن المقابلة بمثله، قاله السنديّ (٢).
وقال في "الفتح": واتفقت الروايات على أنه يقول: "إني صائم"، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة.
وقد استشكِل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين،
стр. 12559
والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتّب عليها الجواب، خصوصًا المقاتلة.
والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيّؤ لها؛ أي إن تهيّأ لمقاتلته، أو مشاتمته، فليقل: إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكفّ عنه، فإن أصرّ دَفَعه بالأخفّ، فالأخفّ، كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: "قاتله" شاتمه؛ لأن القتل يطلق على اللعن، واللعنُ من جملة السبّ -ويؤيّده ما تقدّم من الألفاظ المختلفة، فإن حاصلها يرجع إلى الشتم- فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله: "إني صائم".
واختُلف في المراد بقوله: "فليقل: إني صائم"، هل يخاطب بها الذي يكلّمه بذلك، أو يقولها في نفسه؟. وبالثاني جزم المتوليّ، ونقله الرافعيّ عن الأئمة، ورجح النوويّ الأول في "الأذكار"، وقال في "شرح المهذّب": كلّ منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردّد أتي البخاري، في ترجمته، فقال: "باب هل يقول: إني صائم إذا شُتِم؟ ". وقال الرويانيّ: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره في نفسه. وادعى ابن العربيّ أن موضع الخلاف في التطوّع، وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه يقوله بلسانه مطلقًا؛ لإطلاق النصّ، فإنه لم يفرّق بين فرض وتطوّع، والله تعالى أعلم.
قال: وأما تكرير قوله: "إني صائم"، فليتأكّد الانزجار منه، أو ممن يخاطبه بذلك.
ونقل الزركشيّ أن المراد بقوله: "فليقل: إني صائم مرتين" يقوله مرّة بقلبه، ومرّة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه كفّ لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كفّ خصمه عنه.
وتُعقّب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز.
[تنبيه]: نهي الصائم عن الرفث، والجهل، والمخاصمة، والمشاتمة، ليس مختصًّا به، بل كل أحد مثله في أصل النهي عن ذلك، لكن الصائم آكد،
стр. 12560
قاله النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٢٧٠٣] (١١٥١)، و (البخاريّ) في "الصيام" (١٨٩٤)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٦٣)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٦٣ و ١٦٤) وفي "الكبرى" (٣٢٥٢ و ٣٢٥٣)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١/ ٥٣٩)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣١٠)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٤/ ٣٥٦)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٧١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٤٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٥ و ٢٥٧ و ٤٦٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢٦ و ٢٢٧ و ٢٢٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٤٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٢٠٥)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٤٤)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ١٥٦) و"الكبير" (١٠/ ١٢٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٦٩ و ٢٧٠) و"الصغرى" (٣/ ٤٤٢) و"المعرفة" (٣/ ٤١٤)، وفوائده تأتي في الباب التالي -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿نْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٢) - (بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
стр. 12561
هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، هُوَ لِي، وَأنَا أَجْزِي بِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخِلْفَةُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الثبت الشهير، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حجة [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: (لَخِلْفَة فم الصائم) -بكسر الخاء المعجمة، وسكون اللام- قال ابن الأثير ﵀: "الْخِلْفةُ" بالكسر: تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبُت الشيء بعد الشيء؛ لأنها رائحة حدثت بعد الرائحة الأولى، يقال: خَلَف فمه يَخْلُف من باب قَعَد يقعُدُ خِلْفَةً وخُلُوفًا. انتهى (١).
وضبطه النوويّ ﵀ بضم الخاء، فقال: "قوله: "لَخُلْفة"، وفي رواية: "لَخُلُوف" هو بضمّ الخاء فيهما. انتهى، وتمام شرح الحديث يأتي بعد حديث- إن شاء الله تعالى-.
стр. 12562
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٥] ( … ) - (حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، تَالَا: حَدَّثنا الْمُغِيرَةُ، وَهُوَ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أبِي الزِّنَادِ، عَن الْأًعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ "قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصِّيَامُ جُنَّةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] مات بمكة أول سنة (٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن خالد بن حِزَام الْحِزَامِيُّ المدنيّ، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: ("الصِّيَامُ جُنَّةٌ") -بضم الجيم- ومعناه: سُترة، ومانع من الرَّفَث والآثام، ومانع أيضًا من النار، ومنه الْمِجَنّ، وهو التُّرْس، ومنه الْجِنّ؛ لاستتارهم، قاله النوويّ ﵀ (١)، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّة، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا
стр. 12563
يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَللصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ، تغيّر بعدما عَمِيَ، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقية فاضل، لكنه يرسل ويدلّس [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمامٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٥ - (أَبُو صَالِحٍ الزَّيَّاتُ) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
و"أبو هريرة ﵁" ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن عمر.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عطاء، عن أبي صالح، وهو من رواية الأقران.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
стр. 12564
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ) نسبة إلى بيع الزيت، ويقال له أيضًا: السمّان، وكان أبو صالح يتّجر بالزيت والسمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأنَا أَجْزِي بِهِ) قال النوويّ ﵀: اختَلَف العلماء في معناه مع كون جميع الطاعات لله تعالى، فقيل: سبب إضافته إلى الله تعالى أنه لم يُعْبَد أحد غير الله تعالى به، فلم يُعَظِّم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة، والسجود، والصدقة، والذكر، وغير ذلك، وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء؛ لخفائه، بخلاف الصلاة، والحجّ، والغزو، والصدقة، وغيرها من العبادات الظاهرة، وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظّ، قاله الخطابيّ، قال: وقيل: إن الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى، فتقرّب الصائم بما يتعلق بهذه الصفة، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء، وقيل: معناه أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه، أو تضعيف حسناته، وغيره من العبادات أظهر بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، وقيل: هي إضافة تشريف، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣]، مع أن العالم كله لله تعالى. انتهى، وسنعود لاستكمال هذا البحث في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) "الجُنّة" -بضمّ الجيم-: السُّتْرَة، ومنه الْمِجَنّ، وهو الترس، زاد سعيد بن منصور، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: "جنة من النار"، وللنسائيّ مثله من حديث عائشة ﵂، ومن حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ بلفظ: "الصوم جنّة من النار، كجنة أحدكم من القتال"، ولأحمد من طريق أبي يونس، عن أبي هريرة: "جنة، وحصن حصين من النار"، وللنسائيّ من حديث أبي عُبيدة بن الجرّاح ﵁: "الصوم جنّة، ما لم يَخْرِقها"، زاد الدارميّ: "بالغيبة" (١)، وبذلك ترجم له هو، وأبو داود.
стр. 12565
و"الجُنّة": -بضمّ الجيم-: الوقاية والستر، وقد تبيّن بهذه الروايات متعلَّق هذا الستر، وأنه "من النار"، وبهذا جزم ابن عبد البرّ.
وأما صاحب "النهاية"، فقال: معنى كونه جُنّةً: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات.
وقال القرطبيّ: جنة: أي سترة؛ يعني بحسب مشروعيّته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يُفسده، وينقص ثوابه، واليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث إلخ"، ويصحّ أن يراد أنه سترة بحسب فائدته، وهو إضعاف شهوات النفس، واليه الإشارة بقوله: "يَدَعُ شهوته إلخ"، ويصحّ أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب، وتضعيف الحسنات.
وقال عياض في "الإكمال": معناه سترة من الآثام، أو من النار، أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النوويّ، وقال ابن العربيّ: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات.
فالحاصل أنه إذا كفّ نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة.
وفي زيادة أبي عبيدة بن الجرّاح ﵁ إشارة إلى أن الغيبة تضرّ بالصيام، وقد حُكي عن عائشة، وبه قال الأوزاعيّ أن الغيبة تفطّر الصائم، وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم.
قال الحافظ: وأفرط ابن حزم، فقال: يبطله كلّ معصية من متعمّد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلًا، أو قولًا؛ لعموم قوله: "فلا يرفث، ولا يجهل"، ولقوله في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
والجمهور، وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصّوا الفطر بالأكل والشرب والجماع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الحافظ على ما قاله ابن حزم بالإفراط غير صحيحة، كيف يقال لمن قال بما اقتضاه ظواهر النصوص: إنه
стр. 12566
أفرط؟، بل هذا هو الإفراط نفسه، فما قاله ابن حزم هو الظاهر، وقد تقدّم قريبًا النقل عن عائشة، والأوزاعيّ أن الغيبة تفطر الصائم، فَلِمَ لم يعترض عليهما؟، مع أن الجمهور لا يرون ذلك أيضًا.
والحاصل أن مذهب الجمهور هو الذي يحتاج إلى دليل، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأشار ابن عبد البرّ إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات، فقال: حسبك بكون الصوم جُنّة من النار فضلًا، وقد أخرج النسائيّ بسند صحيح عن أبي أمامة ﵁، قال: قلت: يا رسول الله مُرْني بأمر آخذه عنك، قال: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له"، وفي لفظ: "لا عدل له"، والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور يؤيّده ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارميّ بأسانيد صحيحة، عن ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ) "كان" هنا تامّة، و"يومُ" مرفوع على الفاعليّة، وَيحْتَمِل أن تكون ناقصة، واسمها "الوقت" مقدّرًا، و"يوم" بالنصب خبرها.
(فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ) بضم الفاء، وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث هنا: الكلام الفاحش، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا.
(وَلَا يَسْخَبْ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو هنا بالسين، ويقال: بالسين والصاد، وهو الصياح، وهو بمعنى الرواية الأخرى: "ولا يجهل، ولا يرفُث"، قال القاضي: ورواه الطبريّ: "ولا يسخر" بالراء، قال: ومعناه صحيح؛ لأن السخرية تكون بالقول والفعل، وكله من الجهل، قال النوويّ: وهذه الرواية تصحيف، وإن كان لها معنى. - انتهى.
стр. 12567
قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد النوويّ بالتصحيف أنها غير ثابتة رواية، فمسلّم، وإلا فلا كما قال القاضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": قوله: "ولا يصخب" كذا للأكثر بالمهملة الساكنة، بعدها خاء معجمة، ولبعضهم: بالسين بدل الصاد، وهو بمعناه، والصخب الخصام والصياح، والمراد بالنهي عن ذلك تاكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهيّ عن ذلك أيضًا. انتهى.
(فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ) وتقدّم بلفظ: "فإن امرؤ شاتمه، أو قاتله"، وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعرج عن أبي هريرة ﵁: "وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه … "، ولأبي قُرّة من طريق سهيل، عن أبيه: "وإن شتمه إنسان، فلا يكلّمه"، ونحوه في رواية هشام، عن أبي هريرة، عند أحمد، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل: "فإن سابّه أحد، أو ماراه"؛ أي جادله، ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبي هريرة: "لا تُسابّ، وأنت صائم، فإن سبّك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس" (١)، وللنسائيّ من حديث عائشة ﵂: "وإن امرؤ جهل عليه، فلا يشتمه، ولا يسبّه".
(فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) تقدّم أنه يقول: "إني صائم، إني صائم"، مرتين، وتقدّم البحث فيه هناك مستوفًى.
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) أقسم على ذلك تأكيدًا، وفيه إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله (لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ) بفتح لام جواب القسم، و"الخُلُوف" -بضم الخاء، واللام، بعدها واو، وآخره فاء-: تغيّر رائحة الفم، يقال: خَلَفَ فم الصائم خُلُوفًا، من باب قَعَدَ: تغيّرت ريحه، وأخلف بالألف لغة، وزاد في "الجمهرة": من صوم، أو مرض. قاله في "المصباح".
وقال القاضي عياض ﵀: كونه بضم الخاء واللام هو الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطّابيّ: وهو خطأ. وحكى
стр. 12568
القابسيّ الوجهين، وصوّب الضمّ، وبالغ النوويّ في "شرح المهذّب"، فقال: لا يجوز فتح الخاء، واحتجَّ غيره لذلك بأنّ المصادر التي جاءت على فَعُول بفتح أوله قليلة، ذكرها سيبويه وغيره، وليس هذا منها. واتفقوا على أن المراد به تغيّر رائحة فم الصائم بسبب الصيام. كذا في "الفتح".
وقال الباجيّ: الخلوف تغيّر رائحة فم الصائم، وإنما يَحدُث من خُلُوّ المعدة بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفَس الخارج من المعدة، وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغيّر.
وقال البَرْقيّ: هو تغيّر طعم الفم، وريحه لتأخّر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام في الفم من رائحة كريهة؛ لخلوّ المعدة من الطعام (١).
[تنبيه]: "الخلوف" بالضبط المذكور هو المشهور في الرواية، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "لَخُلُف" بحذف الواو، قال العينيّ: والظاهر أنه جمع خِلْفَة -بالكسر-، وقال ابن الأثير: الخِلْفة -بالكسر- تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبت الشيء بعد الشيء؛ لأنها رائحة بعد الرائحة الأولى، وروي في غير البخاريّ بهذه اللفظة، أعني "خِلْفَة". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الرواية تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم.
[فائدة]: قوله: "فم الصائم" فيه ردّ على أبي عليّ الفارسيّ في قوله: إن ثبوت الميم في "الفم" خاصّ بضرورة الشعر (٣)، فقد ثبت في هذا الحديث في الاختيار، وأما في الشعر فقد ثبت في قوله [من الرجز]:
كَالْحُوتِ لَا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهُ … يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ
(أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) وفي الرواية السابقة: "لخِلفة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، وقد تقدّم أن "الْخِلَفة" بكسر الخاء، وضبطها النوويّ بضمّها، وهي بمعنى الْخُلُوف.
стр. 12569
[فائدة]: وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، والشيخ أبي محمد بن عبد السلام -رحمهما الله تعالى- في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة، أم في الآخرة خاصة؟ فقال أبو محمد: في الآخرة خاصة؛ لتقييده في رواية مسلم بيوم القيامة.
وقال أبو عمرو: هو عامّ في الدنيا والآخرة، واستدل بأشياء كثيرة منها ما جاء في "صحيح ابن حبّان"، قال: باب في كون ذلك يوم القيامة، وباب في كونه في الدنيا، وروى في هذا الباب بإسناده الثابت أنه ﷺ : "لخلوف فم الصائم حين يُخْلِف أطيب عند الله من ريح المسك"، وروى الإمام الحسن بن سفيان في "مسنده" عن جابر ﵁: أن النبيّ ﷺ قال: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا … " قال: "وأما الثانية فإنهم يُمسون، وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك"، وروى هذا الحديث الإمامُ الحافظ أبو بكر السمعاني في "أماليه"، وقال: هو حديث حسن، فكل واحد من الحديثين مصرِّح بأنه في وقت وجود الخلوف في الدنيا يتحقق وصفه بكونه أطيب عند الله من ريح المسك، قال: وقد قال العلماء شرقًا وغربًا معنى ما ذكرته في تفسيره، قال الخطابي: طيبه عند الله رضاه به، وثناؤه عليه، وقال ابن عبد البر: معناه: أزكى عند الله تعالى وأقرب إليه، وأرفع عنده من ريح المسك، وقال البغوي في "شرح السنة": معناه الثناء على الصائم، والرضا بفعله، وكذا قال الإمام القدوري إمام الحنفية في الخلاف: معناه أفضل عند الله من الرائحة الطيبة، ومثله قال البوني من المالكية، وكذا قال الإمام أبو عثمان الصابونيّ، وأبو بكر السمعانيّ، وأبو حفص ابن الصفار الشافعيون في "أماليهم" وأبو بكر ابن العربي المالكي، وغيرهم، فهؤلاء أئمة المسلمين شرقًا وغربًا لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد منهم وجهاً بتخصيصه بالآخرة مع أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغريبة، ومع أن الرواية التي فيها ذكر يوم القيامة مشهورة في الصحيح بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا، والقبول، ونحوهما مما هو ثابت في الدنيا والآخرة، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيهْ يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبًا لرضا الله
стр. 12570
تعالى، حيث يؤمر باجتنابها، واجتلاب الرائحة الطيبة، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لذلك كما خص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات: ١١]، وأطلق في باقي الروايات نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، كما سبق تقريره، هذا مختصر ما ذكر الشيخ أبو عمرو ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى كون ما ذهب إليه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ هو الأرجحَ؛ لظهور حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَللصَّائمِ فَرْحَتَانِ) جملة اسميّة من المبتدأ المؤخّر والخبر المقدّم؛ أي للذي قام بحقوق الصوم، فاداه بواجباته، ومستحباته مرّتان من الفَرَح عظيمتان: إحداهما في الدنيا، والأخرى في الأخرى.
وقوله: (يَفْرَحُهُمَا) جملة في محلّ رفع صفة و"فرحتان".
[تنبيه]: المراد بالصائم هو الذي أدّى حقّ الصوم، كما يشير إليه سياق هذا الحديث، قال العلّامة ابن القيّم ﵀ في "كتابه "الوابل الصيّب": والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش، وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرَّفَث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يُفسِد صومه، فَيُخرِج كلامَه كله نافعًا صالحًا وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمّها من جالس حامل المسك كذلك، من جالس الصائم انتفع بمجالسته، وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم، هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، ففي الحديث الصحيح: "من لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يَدَع طعامه وشرابه"، وفي الحديث: "رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش" (٢). فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام،