أفرط؟، بل هذا هو الإفراط نفسه، فما قاله ابن حزم هو الظاهر، وقد تقدّم قريبًا النقل عن عائشة، والأوزاعيّ أن الغيبة تفطر الصائم، فَلِمَ لم يعترض عليهما؟، مع أن الجمهور لا يرون ذلك أيضًا.
والحاصل أن مذهب الجمهور هو الذي يحتاج إلى دليل، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأشار ابن عبد البرّ إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات، فقال: حسبك بكون الصوم جُنّة من النار فضلًا، وقد أخرج النسائيّ بسند صحيح عن أبي أمامة ﵁، قال: قلت: يا رسول الله مُرْني بأمر آخذه عنك، قال: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له"، وفي لفظ: "لا عدل له"، والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور يؤيّده ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارميّ بأسانيد صحيحة، عن ثوبان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ) "كان" هنا تامّة، و"يومُ" مرفوع على الفاعليّة، وَيحْتَمِل أن تكون ناقصة، واسمها "الوقت" مقدّرًا، و"يوم" بالنصب خبرها.
(فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ) بضم الفاء، وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث هنا: الكلام الفاحش، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا.
(وَلَا يَسْخَبْ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو هنا بالسين، ويقال: بالسين والصاد، وهو الصياح، وهو بمعنى الرواية الأخرى: "ولا يجهل، ولا يرفُث"، قال القاضي: ورواه الطبريّ: "ولا يسخر" بالراء، قال: ومعناه صحيح؛ لأن السخرية تكون بالقول والفعل، وكله من الجهل، قال النوويّ: وهذه الرواية تصحيف، وإن كان لها معنى. - انتهى.
стр. 12567
قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد النوويّ بالتصحيف أنها غير ثابتة رواية، فمسلّم، وإلا فلا كما قال القاضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": قوله: "ولا يصخب" كذا للأكثر بالمهملة الساكنة، بعدها خاء معجمة، ولبعضهم: بالسين بدل الصاد، وهو بمعناه، والصخب الخصام والصياح، والمراد بالنهي عن ذلك تاكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهيّ عن ذلك أيضًا. انتهى.
(فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ) وتقدّم بلفظ: "فإن امرؤ شاتمه، أو قاتله"، وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعرج عن أبي هريرة ﵁: "وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه … "، ولأبي قُرّة من طريق سهيل، عن أبيه: "وإن شتمه إنسان، فلا يكلّمه"، ونحوه في رواية هشام، عن أبي هريرة، عند أحمد، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل: "فإن سابّه أحد، أو ماراه"؛ أي جادله، ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبي هريرة: "لا تُسابّ، وأنت صائم، فإن سبّك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس" (١)، وللنسائيّ من حديث عائشة ﵂: "وإن امرؤ جهل عليه، فلا يشتمه، ولا يسبّه".
(فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) تقدّم أنه يقول: "إني صائم، إني صائم"، مرتين، وتقدّم البحث فيه هناك مستوفًى.
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) أقسم على ذلك تأكيدًا، وفيه إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله (لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ) بفتح لام جواب القسم، و"الخُلُوف" -بضم الخاء، واللام، بعدها واو، وآخره فاء-: تغيّر رائحة الفم، يقال: خَلَفَ فم الصائم خُلُوفًا، من باب قَعَدَ: تغيّرت ريحه، وأخلف بالألف لغة، وزاد في "الجمهرة": من صوم، أو مرض. قاله في "المصباح".
وقال القاضي عياض ﵀: كونه بضم الخاء واللام هو الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطّابيّ: وهو خطأ. وحكى
стр. 12568
القابسيّ الوجهين، وصوّب الضمّ، وبالغ النوويّ في "شرح المهذّب"، فقال: لا يجوز فتح الخاء، واحتجَّ غيره لذلك بأنّ المصادر التي جاءت على فَعُول بفتح أوله قليلة، ذكرها سيبويه وغيره، وليس هذا منها. واتفقوا على أن المراد به تغيّر رائحة فم الصائم بسبب الصيام. كذا في "الفتح".
وقال الباجيّ: الخلوف تغيّر رائحة فم الصائم، وإنما يَحدُث من خُلُوّ المعدة بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفَس الخارج من المعدة، وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغيّر.
وقال البَرْقيّ: هو تغيّر طعم الفم، وريحه لتأخّر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام في الفم من رائحة كريهة؛ لخلوّ المعدة من الطعام (١).
[تنبيه]: "الخلوف" بالضبط المذكور هو المشهور في الرواية، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "لَخُلُف" بحذف الواو، قال العينيّ: والظاهر أنه جمع خِلْفَة -بالكسر-، وقال ابن الأثير: الخِلْفة -بالكسر- تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبت الشيء بعد الشيء؛ لأنها رائحة بعد الرائحة الأولى، وروي في غير البخاريّ بهذه اللفظة، أعني "خِلْفَة". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الرواية تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم.
[فائدة]: قوله: "فم الصائم" فيه ردّ على أبي عليّ الفارسيّ في قوله: إن ثبوت الميم في "الفم" خاصّ بضرورة الشعر (٣)، فقد ثبت في هذا الحديث في الاختيار، وأما في الشعر فقد ثبت في قوله [من الرجز]:
كَالْحُوتِ لَا يُلْهِيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهُ … يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ
(أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) وفي الرواية السابقة: "لخِلفة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، وقد تقدّم أن "الْخِلَفة" بكسر الخاء، وضبطها النوويّ بضمّها، وهي بمعنى الْخُلُوف.
стр. 12569
[فائدة]: وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، والشيخ أبي محمد بن عبد السلام -رحمهما الله تعالى- في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة، أم في الآخرة خاصة؟ فقال أبو محمد: في الآخرة خاصة؛ لتقييده في رواية مسلم بيوم القيامة.
وقال أبو عمرو: هو عامّ في الدنيا والآخرة، واستدل بأشياء كثيرة منها ما جاء في "صحيح ابن حبّان"، قال: باب في كون ذلك يوم القيامة، وباب في كونه في الدنيا، وروى في هذا الباب بإسناده الثابت أنه ﷺ : "لخلوف فم الصائم حين يُخْلِف أطيب عند الله من ريح المسك"، وروى الإمام الحسن بن سفيان في "مسنده" عن جابر ﵁: أن النبيّ ﷺ قال: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا … " قال: "وأما الثانية فإنهم يُمسون، وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك"، وروى هذا الحديث الإمامُ الحافظ أبو بكر السمعاني في "أماليه"، وقال: هو حديث حسن، فكل واحد من الحديثين مصرِّح بأنه في وقت وجود الخلوف في الدنيا يتحقق وصفه بكونه أطيب عند الله من ريح المسك، قال: وقد قال العلماء شرقًا وغربًا معنى ما ذكرته في تفسيره، قال الخطابي: طيبه عند الله رضاه به، وثناؤه عليه، وقال ابن عبد البر: معناه: أزكى عند الله تعالى وأقرب إليه، وأرفع عنده من ريح المسك، وقال البغوي في "شرح السنة": معناه الثناء على الصائم، والرضا بفعله، وكذا قال الإمام القدوري إمام الحنفية في الخلاف: معناه أفضل عند الله من الرائحة الطيبة، ومثله قال البوني من المالكية، وكذا قال الإمام أبو عثمان الصابونيّ، وأبو بكر السمعانيّ، وأبو حفص ابن الصفار الشافعيون في "أماليهم" وأبو بكر ابن العربي المالكي، وغيرهم، فهؤلاء أئمة المسلمين شرقًا وغربًا لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد منهم وجهاً بتخصيصه بالآخرة مع أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغريبة، ومع أن الرواية التي فيها ذكر يوم القيامة مشهورة في الصحيح بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا، والقبول، ونحوهما مما هو ثابت في الدنيا والآخرة، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيهْ يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبًا لرضا الله
стр. 12570
تعالى، حيث يؤمر باجتنابها، واجتلاب الرائحة الطيبة، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لذلك كما خص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات: ١١]، وأطلق في باقي الروايات نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، كما سبق تقريره، هذا مختصر ما ذكر الشيخ أبو عمرو ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى كون ما ذهب إليه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ هو الأرجحَ؛ لظهور حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَللصَّائمِ فَرْحَتَانِ) جملة اسميّة من المبتدأ المؤخّر والخبر المقدّم؛ أي للذي قام بحقوق الصوم، فاداه بواجباته، ومستحباته مرّتان من الفَرَح عظيمتان: إحداهما في الدنيا، والأخرى في الأخرى.
وقوله: (يَفْرَحُهُمَا) جملة في محلّ رفع صفة و"فرحتان".
[تنبيه]: المراد بالصائم هو الذي أدّى حقّ الصوم، كما يشير إليه سياق هذا الحديث، قال العلّامة ابن القيّم ﵀ في "كتابه "الوابل الصيّب": والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش، وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرَّفَث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يُفسِد صومه، فَيُخرِج كلامَه كله نافعًا صالحًا وكذلك أعماله، فهي بمنزلة الرائحة التي يشمّها من جالس حامل المسك كذلك، من جالس الصائم انتفع بمجالسته، وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم، هذا هو الصوم المشروع، لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، ففي الحديث الصحيح: "من لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يَدَع طعامه وشرابه"، وفي الحديث: "رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش" (٢). فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام،
стр. 12571
وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته، فتُصَيِّره بمنزلة من لم يصم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا.
وقوله: (اِذَا أفطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ) إشارة إلى الفرحة الأولى؛ يعني أنه يَفْرَح وقتَ إفطاره بالخروج عن عُهدة المأمور، أو بوجدان التوفيق لإتمام الصوم، أو بخلوص الصوم، وسلامته من المفسدات، من الرفث واللغو، أو بما يرجوه من حصول الثواب، أو بالأكل، والشرب بعد الجوع والعطش.
قال القرطبيّ ﵀: معناه يفرح بزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعيّ، وهو السابق للفهم، وقيل: إن فَرَحَه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربّه، ومعونة على مستقبل صومه.
قال الحافظ: ولا مانع من الحمل على ما هو أعمّ مما ذُكر، ففرح كلّ أحد بحسبه؛ لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحًا، وهو الطبيعيّ، ومنهم من يكون مستحبًّا، وهو من يكون سببه شيئًا مما ذُكر. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
وقوله: (وَءاِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ،) إشارة إلى الفرحة الثانية؛ يعني أنه يفرح وقت لقاء ربه، بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء، وقيل: هو السرور بقبول صومه، وترتّب الجزاء الوافر عليه، ولا تنافي بين المعاني، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٠٦/ ٣٢ و ٢٧٠٧ و ٢٧٠٨ و ٢٧٠٩] ( … )، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٠٤)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٦٣ و ١٦٦)
стр. 12572
و"الكبرى" ٢١/ ٩٠ و ٩١ و ١٩٩)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣١٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٣ و ٥١٦ و ٦/ ٢٤٤)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٤٥٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٩٠ و ١٨٩٦)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٨/ ٢١٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٦٣ - ١٦٤)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٨٨)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٤/ ٢٧٣) و"الكبير" (٢/ ٤٥ و ٢٠/ ٧٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عظيم فضل الصوم، والحثّ عليه.
٢ - (ومنها): إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه يتكلم حيث يشاء، ويكلّم من يشاء بما يشاء، وأن كلامه ليس خاصًّا بالقرآن الكريم، وهذا هو الذي يُسمّى بالحديث القدسيّ، وهو كلام الله تعالى على الحقيقة، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن متعبّد بتلاوته، بخلاف هذا.
٣ - (ومنها): أن قوله: "وأنا أجزي به" فيه بيانٌ لعظم فضله، وكثرة ثوابه؛ لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عِظَم قدر الجزاء، وسعة العطاء.
٤ - (ومنها): أن العبادات تتفاوت من حيث الثواب.
٥ - (ومنها): أن ثواب الصوم لا يعلم مقداره إلا الله تعالى.
٦ - (ومنها): أن الصائم له الفرح في الدنيا والآخرة.
٧ - (ومنها): أن الله تفضّل على عباده بأن جعل الروائح الكريهة بسبب الصوم أطيب من ريح المسك.
٨ - (ومنها): أن خلوف فم الصائم أعظم من دم الشهيد؛ لأن دم الشهيد شُبِّهَ ريحه بريح المسك، وخلوف فم الصائم وُصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى (١)، والله ذو الفضل
стр. 12573
العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بقول الله تعالى: "الصوم لي، وأنا أجزي به"، مع أن الأعمال كلها لله تعالى، وهو الذي يَجزي بها:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال، أوصلها الحافظ ﵀ في "الفتح" إلى عشرة:
[أحدها]: أن الصوم لا يقع فيه الرياء؛ كما يقع في غيره، حكاه المازريّ، ونقله عياض عن أبي عُبيد، ولفظ أبي عُبيد في "غريبه": قد علمنا أن أعمال البرّ كلها لثه، وهو الذي يَجزي بها، فنرى -والله أعلم- أنه إنما خصّ الصيام؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب، ويؤئد هذا التأويل قوله ﷺ : "ليس في الصيام رياء"، حدّثنيه شبابة، عن عُقيل، عن الزهريّ، فذكره -يعني مرسلًا-. قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم، فإنما هو بالنيّة التي تخفى عن الناس، هذا هو وجه الحديث عندي. انتهى.
وقد روى الحديثَ المذكورَ البيهقيُّ في "الشعب" من طريق عُقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهريّ موصولًا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، ولفظه: "الصيام لا رياء فيه، قال الله : هو لي، وأنا أجزي به". وهذا لو صحّ لكان قاطعًا للنزاع. وقال القرطبيّ: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يَطَّلِعُ عليه بمجرّد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: "يَدَع شهوته من أجلي".
وقال ابن الجوزيّ: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلّ أن يَسلَم ما يظهر من شَوْب، بخلاف الصوم، وارتضى هذا الجواب المازريّ، وقرّره القرطبيّ بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصوم، فإن حال الممسك شبعاً مثلُ حال الممسك تقرّبًا؛ يعني في الصورة الظاهرة.
قال الحافظ: معني قوله: "لا رياء في الصوم" أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم، ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله
стр. 12574
الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقئة الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرّد فعلها، وقد حاول بعض الأئمّة إلحاق شيء من العبادات البدنيّة بالصوم، فقال: إن الذكر بـ"لا إله إلا الله، يمكن أن لا يدخله الرياء؛ لأنه بحركة اللسان خاصّة، دون غيره من أعضاء الفم، فيمكن الذاكر أن يقولها بمحضر الناس، ولا يشعرون منه بذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن أراد قائل هذا القول إلحاق الذكر المذكور بالصوم من حيث عدم دخول الرياء، فمسلّم، دمان أراد إلحاقه به من حيث الثواب والجزاء، فليس بصحيح، فإن هذا مما لا مدخل للقياس فيه، فلا يلحق بالصوم في الثواب شيء من العبادات، بل يقتصر الوارد عليه، كما هو ظاهر النصّ. والله تعالى أعلم.
[ثانيها]: أن المراد بقوله: "وأنا أجزي به" أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه، وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات، فقد اطلع عليها بعض الناس.
قال القرطبيّ ﵀: معناه أن الأعمال قد كُشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام، فإن الله يُثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا السياق رواية الأعمش، عن أبي صالح، حيث قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به". أي أجازي عليه جزاء كثيرًا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. انتهى، و"الصابرون" الصائمون في أكثر الأقوال، وسبق إلى هذا أبو عُبيد في غريبه، فقال: بلغني عن ابن عُيينة أنه قال ذلك، استدلّ له بأن الصوم هو الصبر؛ لأن الصائم يصبر نفسَهُ عن الشهوات، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. انتهى.
ويشهد له رواية المسيّب بن رافع، عن أبي صالح، عند سمويه: "إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، فإنه لا يدري أحد ما فيه".
ويشهد له أيضًا ما رواه ابن وهب في "جامعه" عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن جدّه زيد مرسلًا، ووصله الطبرانيّ، والبيهقيّ، في "الشعب" من طريق أخرى، عن عمر بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن
стр. 12575
ابن عمر، مرفوعًا: "الأعمال عند الله سبع" الحديث. وفيه: "وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله"، ثم قال: "وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله، فالصيام"، ثم قال القرطبيّ: هذا القول ظاهر الْحُسْن، قال: غير أنه تقدّم، ويأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام، وهي نصّ في إظهار التضعيف، فبَعُدَ هذا الجوابُ، بل بطل.
قال الحافظ: لا يلزم من الذي ذُكِرَ بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك، فلا يعلمه إلا الله تعالى.
ويؤيده أيضًا العرف المستفاد من قوله: "أنا أجزي به "؛ لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه.
(ثالثها): معنى قوله: "الصوم لي"؛ أي إنه أحبّ العبادات إليّ، والمقدم عندي، وقد تقدّم قول ابن عبد البرّ: كفى بقوله: "الصوم لي"، فضلًا للصيام على سائر العبادات، وروى النسائيّ وغيره من حديث أبي أمامة، مرفوعًا: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له " (١)، لكن يعكر على هذا الحديثُ الصحيحُ: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة".
(رابعها): الإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله، قال الزين ابن المنيّر: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف.
(خامسها): أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الربّ ﷻ ، فلما تقرّب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه. وقال القرطبيّ: معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام، فإنه مناسب لصفة من صفات الحقّ، كانه يقول: إن الصائم يتقرّب إليّ بامر هو متعلّق بصفة من صفاتي.
(سادسها): أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة؛ لأن ذلك من صفاتهم.
стр. 12576
(سابعها): أنه خالص لله، وليس للعبد فيه حظّ. قاله الخطابيّ. هكذا نقله عياض وغيره، فإن أراد بالحظّ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول، وقد أفصح بذلك ابن الجوزيّ، فقال: المعنى ليس لنفس الصائم فيه حظ، بخلاف غيره، فإن له فيه حظًّا لثناء الناس عليه لعبادته.
(ثامنها): سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يُعبَد به غيرُ الله، بخلاف الصلاة، والصدقة، والطواف، ونحو ذلك.
واعترض على هذا بما يقع من عبّاد النجوم، وأصحاب الهياكل، والاستخدامات، فإنهم يتعبّدون لها بالصيام.
وأجيب بأنهم لا يعتقدون إلهيّة الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعّالة بأنفسها.
قال الحافظ: وهذا الجواب عندي ليس بطائل؛ لأنهم طائفتان: إحداهما كانت تعتقد إلهيّة الكواكب، وهم من كان قبل ظهور الإسلام، واستمرّ منهم من استمرّ على كفره. والأخرى من دخل منهم في الإسلام، واستمرّ على تعظيم الكواكب، وهم الذين أشير إليهم.
(تاسعها): أن جميع العبادات تُوَفَّى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى البيهقيّ من طريق إسحادتى بن أيوب بن حسان الواسطيّ، عن أبيه، عن ابن عيينة، قال: إذا كان يوم القيامة يُحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصوم الجنّة.
قال القرطبيّ: قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكّرت في حديث المقاصّة، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال: "المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصدقة، وصيام، ويأتي وقد شَتَم هذا، وضَرَب هذا، وأَكَل مال هذا … " الحديث، وفيه: "فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناته، فماذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من سيّئاتهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار"، فظاهره أن الصيام مشترك مع بقيّة الأعمال في ذلك.
قال الحافظ: إن ثبتٌ قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، فقد يستدلّ له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد،
стр. 12577
عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "كلّ العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي، وأنا أجزي به".
وكذا رواه أبو داود الطيالسيّ في "مسنده"، عن شعبة، عن محمد بن زياد، ولفظه: "قال ربّكم ﵎: كلّ العمل كفّارة إلا الصوم".
ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى، عن شعبة بلفظ: "كلّ ما يعمله ابن آدم كفّارة له إلا الصوم".
وقد أخرجه البخاريّ في "التوحيد" عن آدم، عن شعبة بلفظ: "يرويه عن ربكم، قال: لكلّ عمل كفّارة، والصوم لي، وأنا أجزي به"، فحذف الاستثناء.
وكذا رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، لكن قال: "كلّ العمل كفّارة"، وهذا يخالف رواية آدم؛ لأن معناه أن لكلّ عمل من المعاصي كفّارة من الطاعات، ومعنى رواية غندر: كلّ عمل من الطاعات كفّارة للمعاصي. وقد بيَّن الإسماعيليّ الاختلاف فيه في ذلك على شعبة. وأخرجه من طريق غندر بذكر الاستثناء، فاختلف فيه أيضًا على غندر، والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند، فإنه يعارضه حديث حذيفة: "فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده يكفّرها الصلاة، والصيام، والصدقة".
(عاشرها): أن الصوم لا يظهر، فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال، واستند قائله إلى حديث واهٍ جدًّا أورده ابن العربيّ في "المسلسلات"، ولفظه: "قال الله: الإخلاص سرّ من سرّي، استودعته قلب من أُحبّ، لا يطّلع عليه ملك، فيكتبَهُ، ولا شيطان، فيفسدَهُ". ويكفي في ردّ هذا القول الحديثُ الصحيح في كتابة الحسنة لمن همّ بها، وإن لم يعملها.
قال الحافظ: فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بلغني أن بعض العلماء بلّغها إلى أكثر من هذا، وهو الطالقانيّ في "حظائر القدس" له، ولم أقف عليه (١).
стр. 12578
قال الحافظ: وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول، والثاني، ويقرب منها الثامن والتاسع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأقرب هو الجواب الثاني، وهو أنه تعالى منفرد بعلم مقدار ثوابه، وأنه يثيب الصائم بغير حساب، فهذا هو الذي يؤيّده السياق، بل هو كالصريح فيه، حيث قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سَلِمَ صيامه من المعاصي قولًا وفعلًا.
ونقل ابن العربيّ عن بعض الزهّاد أنه مخصوص بصيام خواصّ الخواصّ، فقال: إن الصوم على أربعة أنواع:
صيام العوامّ، وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع.
وصيام خواصّ العوامّ، وهو هذا، مع اجتناب المحرّمات، من قول أو فعل.
وصيام الخواصّ، وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته.
وصيام خواصّ الخواصّ، وهو الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلى يوم القيامة، وهذا مقام عال، لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يَخفى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل في كون هذا النوع داخلًا في الحديث المذكور نظر لا يخفى؛ إذ الصوم الشرعيّ هو الذي نزل القرآن ببيان وقته
стр. 12579
المحدّد بما بين تبيّن طلوع الفجر الصادق، إلى غروب الشمس، حيث نصّ عليه في قوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. فحيثما ورد فضل الصوم في النصّ فإنما يُراد به هذا النوع، وأما إعراض المرء عن غير الله تعالى، فليس له وقت محدّد، وأيضًا إن أراد بغير الله ما يصدّ عن ذكر الله تعالى، ويَشغل عن طاعته، فإن هذا الإعراض مطلوب محمود شرعًا، ولكن إطلاق الصوم عليه في عرف الشرع محلّ نظر، وإن أراد عدم الالتفات إلى غير الله تعالى أصلًا، سواء كان ذلك أمرًا دينيًّا أو دنيويًا، بحيث إنه لا يلتفت إلى التكاليف الشرعيّة، فلا يصلّي، ولا يصوم، ولا، ولا، لكونه وصل إلى مراده، فهذا ضلال، وزندقة، وإلحاد، فضلَا عن أن يكون مطلوبًا للشارع الحكيم جلّ وعلا، فتنبّه، فقد زلّ فيه كثير من جهال العبّاد، فاعتبروا هذا مقاماً شريفًا، وحالًا منيفًا، بينما هو الضلال والهلاك.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين ﵀: اختُلف في معنى كون هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد الاتفاق على أنه منزّه عن استطابة الروائح الطيّبة، واستقذار الروائح الخبيثة؛ فإن ذلك من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء، فتستطيبه، وتنفر من شيء، فتتقذّره (١)، على أقوال:
стр. 12580
(أحدها): قال المازريّ: هو مجاز، واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيّبة منا، فاستعير ذلك في الصوم؛ لتقريبه من الله تعالى. انتهى. فيكون المعنى: إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك عندكم؛ أي إنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وذكر ابن عبد البرّ نحوه.
(الثاني): أن معناه أن الله تعالى يجزيه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك؛ كما يقال في المكلوم في سبيل الله: "الريح ريح المسك". حكاه القاضي عياض.
(الثالث): أن المعنى أن صاحب الخُلُوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا، لا سيّما بالإضافة إلى الخلوف، وهما ضدّان. حكاه القاضي عياض أيضًا.
(الرابع): أن المعنى أنه يُعتدّ برائحة الخلوف، وتدّخر على ما هي عليه أكثر مما يعتدّ بريح المسك، وإن كانت عندنا بخلافه. حكاه القاضي عياض أيضًا.
(الخامس): أن المعنى أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك، حيث ندب إليه في الجُمَع والأعياد، ومجالس الحديث والذكر، وسائر مجامع الخير. قاله الدا وديّ، وابن العربيّ، وصاحب "المفهم"، وبعض الشافعيّة، قال النوويّ: إنه الأصحّ.
(السادس): قال صاحب "المفهم": يَحْتَمِل أن يكون ذلك في حقّ الملائكة، يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك. انتهى كلام وليّ الدين (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال كلها ساقطة، لا أثارة عليها من علم، بل هي مبنيّة على هواء الهوى الفاسد، والتشبيه المتخيّل الكاسد، وليس فيها عن السلف شيء، بل كلها جاءت عن متأخري الأشاعرة، ومن سار على دَرْبهم، فإن الله حينما أنزل على رسول الله ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" لم يأمره ببيان كونه من المتشابه، وأن ظاهره
стр. 12581
غير مراد، بل تأويله كذا وكذا، مع أنه تعالى هو الذي قال له ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] الآية، ولم يتعرّض النبيّ ﷺ حينما أخبر بهذا الخبر لبيان الإشكال المزعوم، ولا للجواب عنه، ولا الصحابة الكرام ﵃ لناس بلغه العرب، وبمقاصد الشريعة بعد نبيهم ﷺ استشكلوه، ولا سألوا عن تأويله، وهكذا التابعون لهم باحسان رحمهم الله تعالى، سلكوا مسلكهم، أفلا يسعنا ما وسعهم؟.
فيا أيها العقلاء، ويا أيها المنصفون الذين لم تنصبغ عقولهم بخيالات الفلاسفة، وأوهام المتكلمين: إن واجب كل مسلم إذا سمع شيئًا من النصوص، أن يتلقاه بالقبول، ولا يذهب به كلَّ مذهب تتخيّله نفسه، فإن هذه النصوص لم تأت إلا من العليم الحكيم الذي هو أعلم بما يجوز أن يُنسب إليه، وأن النبيّ ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
وخلاصة القول أن ما ثبتٌ نسبته إلى الله تعالى في كتابه العزيز، أو في حديث رسوله ﷺ الصحيح وجب قبوله، وإجراءه علي المعنى الذي أراده الله تعالى، دون تشبيه ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل.
اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
ثم رأيت العلامة ابن القيّم ﵀ ذا الموضوع في كتابه "الوابل الصيّب" وفنّد كلام الشراح لهذا الحديث في معنى كونه أطيب عند الله، وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم، والرضا بفعله على عادة كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، فقال: وأيّ ضرورة تدعو إلى تأويل كونه أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله، والرضا بفعله، وإخراج اللفظ عن حقيقته، وكثير من هؤلاء ينشئ للّفظ معنى، ثم يَدّعي إرادة ذلك المعنى بلفظ النصّ من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي عيّنه، أو احتمال اللغة له، ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة على الله تعالى، ورسوله ﷺ بأن مراده من
стр. 12582
كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك معلومًا بوضع اللفظ لذلك المعنى، أو عرف الشارع ﷺ وعادته المطردة، أو الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى، أو تفسيره له به، وإلا كانت شهادة باطلة.
ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك، فمثّل النبيّ ﷺ هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا، وأعظم ونسبة استطابة ذلك إليه كنسبة سائر صفاته، وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهيته وحبة وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم، وهو يستطيب الكلم الطيب، فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا.
ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله الرضا، فإن قال: رضا ليس كرضا المخلوقين، فقولوا: استطابة ليست كاستطابة المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألةالسابعة): [إن قيل]: ما الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع أن رائحته مساوية لرائحة المسك، وعدمِ تحريم إزالة الخُلُوف مع كونه أطيب من ريح المسك؟.
[قلت]: ذكر الإمام جمال الدين الإسنويّ ﵀ في "المهمّات" خمسة أوجه من الأجوبة:
(أحدها): أن دم الشهيد حجة له على خصمه، وليس للصائم خصم، يَحتجّ عليه بالخلوف، إنما هو شاهد له بالصيام، وذلك محفوظ عند الله، وملائكته.
(ثانيها): أن دم الشهيد حق له، فلا يُزال إلا بإذنه، وقد انقطع ذلك بموته، وقد كان له غسله في حياته، والخلوف حقّ للصائم، فلا حرج عليه في ترك حقّه، وإزالة ما يشهد له بالفضل.
стр. 12583
(ثالثها): أن كون رائحة دم الشهيد كرائحة المسك أمر حقيقيّ، وكون رائحة الخلوف أطيب من رائحة المسك أمر حكميّ، له تأويل يصرفه عن ظاهره في أكثر الأقوال المتقدّم بيانها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التأويلات التي تقدّم بيانها غير صحيحة، كما تقدم تحقيق ذلك، فلا تغفل.
(رابعها): أنه ورد النهي عن إزالة دم الشهيد مع وجوب إزالة الدم (١)، ومع وجوب غسل الميت، فما اغتفر ترك هذين الواجبين إلا لتحريم إزالته، فلذلك قلنا بتحريمه، ولم يَرِد ذلك في السواك، وإنما قيل بالاستنباط.
(خمامسها): أنه عارض ذلك في خلوف الصائم بقاء الحياة، وهي محلّ التكليف، والعبادات، وملاقاة البشر، فامكن أن يُزال الخلوف لما عارضه، بخلاف دم الشهيد، فإنه بخلاف ذلك. انتهى منقولًا من "طرح التثريب" بتصرف (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب الأول عندي هو الأقرب؛ لظهور حجته، فتامل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٧] ( … ) - (وَحَدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَن الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشجُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ: إِلَّا الصَّوْمَ،
стр. 12584
فَإِنَّهُ لِي، وَأنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَة عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَه) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا.
٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل بابين.
٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَبجُّ) عبد الله بن سعيد، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَمامَهُ مِنْ أَجْلِي) تعليل لاختصاصه بعظيم الجزاء، وعطف: دزطعامه " من عطف الخاصّ على العامّ، فإن الشهوة تشمل الطعام وغيره، وفي رواية ابن خزيمة رقم -١٨٩٧ - من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه: "يدع الطعام، ويدع الشراب من أجلي، ويدع لذّته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي"، وعند الحافظ سمويه في "فوائده" من طريق المسيّب بن رافع، عن أبي صالح: "يترك شهوته، من الطعام، والشراب، والجماع من أجلي".
ووقع بأداة الحصر في رواية أحمد، ولفظه: "يقول الله : إنما يذر شهوته إلخ"، وكذا عند سعيد بن منصور، ولفظه: "يقول الله : كلّ عمل ابن آدم هو له، إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، وإنما يذر ابن آدم شهوته، وطعامه من أجلي" الحديث.
قال في "الفتح": وقد يُفْهَم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله: "إنما يذر إلخ" التنبيه على الجهة التي يستحق الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاصّ به،
стр. 12585
حتى أَبُو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتُّخَمَة لا يحصل للصائم الفضل المذكور، لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القويّ الذي يدور معه الفعل وجودًا وعدمًا، ولا شكّ أن من لم يَعْرِض في خاطره شهوة شيء من الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك، فجاهد نفسه في تركه.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّمت، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج والله ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٨] ( … ) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ ﵂ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِن اللهَ يَقُولُ: إِن الصَّوْمَ لِي، وَأنا أَجْزِي بِهِ، إِن لِلصَّائِمِ فَرْحَتَيْنِ: إِذَا أفطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غزوان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٢ - (أَبُو سِنَانٍ) الشيبانيّ الأكبر، ضِرَار بن مُرّة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (بخ م مد ت س) تقدم في "الجنائز" ٣٤/ ٢٢٦٠.
[تنبيه]: ولهم أبو سنان الشيباني الأصغر، واسمه سعيد بن سنان الْبُرْجميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، تقدّم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٨/ ١٢٦٧.
٣ - (أَبُو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدريّ ﵁، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِذَا أفطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ) قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: أما فرحته عند لقاء ربه فبما يراه من جزائه، وتذكّر نعمة الله تعالى عليه بتوفيقه لذلك، وأما عند فطره فسببها تمام عبادته، وسلامتها من
стр. 12586
المفسدات، وما يرجوه من ثوابها، ذكره النوويّ ﵀ (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المئصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٠٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، وَهُوَ أَبُو سِنَانٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: (وَقَالَ: إِذَا لَقِيَ اللهَ، فَجَزَاهُ فَرِحَ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ) أبو يعقوب البصريّ، صدوق [١٠].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة، وعبد العزيز بن مسلم، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود في "فضائل الأنصار"، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وحرب الكرمانيّ، وموسى بن هارون الحمّال، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس به بأسٌ، وقال ابن قانع في "الوفيات": صالحٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قيل: مات سنة (٢٢٩)، وقيل: سنة (٢٢٣).
تفرّد به المصنّف، وأبو داود في "فضائل الأنصار"، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١١٥١) و (٢٤٧٢) و (٢٨٧٣) و (٢٩٦٧).
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِم) الْقَسْمَليّ، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ عابدٌ ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٦٧) (خ م د س ت) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢/ ١١٨٣.
و"ضِرارُ بن مرّة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد العزيز بن مسلم، عن ضِرَار بن مُرّة هذه لم أجد من
стр. 12587
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧١٠] (١١٥٢) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَهُوَ الْقَطَوَانِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَني أبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا، يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرَّهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخلْ مِنْهُ أَحَدٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ) البَجَليّ مولاهم، أبو الْهَيثم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
وقوله: (الْقَطَوَانيُّ) هو بفتح القاف والطاء، قال البخاريّ، والكلاباذيّ: معناه: الْبَقّال، كأنهم نسبوه إلى بيع القطنية، قال القاضي: وقال الباجيّ: هي قرية على باب الكوفة، قال: وقاله أبو ذر أيضًا، وفي "تاريخ البخاريّ": إن قَطَوَان موضع، ذكره النوويّ (١).
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج الأثور التّمّار القاصّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدِ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
стр. 12588
وشيخه ذكر قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وشيخ شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فكوفيّان.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن فِي الْجَنَّةِ بَابًا) قال الزين ابن المنيّر: إنما قال: "في الجنّة"، ولم يقل: "للجنة"؛ ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم، والراحة ما في الجنة، فيكون أبلغ في التشوّق إليه. انتهى.
قال الحافظ: قلت: وقد جاء الحديث من وجه آخر بلفظ: "إن للجنّة ثمانية أبواب، منها باب يسمّى الريّان، لا يدخله إلا الصائمون"، أخرجه هكذا الجوزقيّ من طريق أبي غسّان، عن أبي حازم -أي عن أبي هريرة ﵁ وهو للبخاريّ من هذا الوجه في "بدء الخلق"، لكن قال: "في الجنّة ثمانية أبواب". انتهى (١).
(يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ) -بفتح الراء، وتشديد التحتانيّة، وزان فَعْلَان- من الرَّيّ، اسم عَلَمٌ على باب من أبواب الجنة، يختصّ بالدخول منه الصائمون، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتقّ من الرّيّ، وهو مناسب لحال الصائمين، واكتَفَى بذكر الريّ عن الشِّبَع؛ لأنه يدلّ عليه من حيث إنه يستلزمه، أو لكونه أشقّ على الصائم من الجوع، أفاده في "الفتح" (٢). (يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ) بالبناء للمفعول، من
стр. 12589
الإغلاق، قال الجوهريّ: أَغلَقت الباب، فهو مُغْلَق، والاسم: الغَلْق، ويقال: غَلَقتُ البابَ غَلْقًا. انتهى.
وقال الفيّوميّ: وأغلقتُ البابَ بالألف: أوثقته بالْغَلَق -بفتحتين (١)، وغلّقته بالتشديد مبالغة وتكثيرٌ، وانغلق ضدّ انفتح، وغَلَقته، من باب ضرب لغةٌ قليلةٌ، حكاها ابن دُريد عن أبي زيد. انتهى (٢).
وقوله أيضًا: (فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ) قال النوويّ ﵀ هكذا وقع في بعض الأصول: "فإذا دخل آخرهم"، وفي بعضها: "فإذا دخل أولهم"، قال القاضي وغيره: وهو وَهَمٌ، والصواب: "آخرهم". انتهى.
وقال في "الفتح": وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده"، وأبو نعيم في "مستخرجيه" معًا من طريقه، وكذا أخرجه الإسماعيليّ، والْجَوْزقيّ من طرُق، عن خالد بن مخلد، وكذا أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة، من طريق سعيد بن عبد الرحمن وغيره، وزاد فيه: "من دَخَلَ شَرِب، ومن شَرِب لا يَظْمَأ أبدًا"، وللترمذيّ، من طريق هشام بن سعد، عن أبي حازم نحوه، وزاد: "ومن دخله لم يظما أبدًا"، ونحوه للنسائيّ، والإسماعيليّ، من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، لكنه وقفه، وهو مرفوع قطعًا؛ لأن مثله لا مجال للرأي فيه. انتهى (٣).
وقوله: (فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ") القياس "فلا يدخل "؛ لأن "لم يدخل" للماضي، ولكنه عَطْفٌ على قوله: "لا يدخل"، فيكون في حكم المستقبل. انتهى (٤).
وإنما أعاده بعد قوله: "لا يدخل معهم غيرهم" تأكيدًا.
وقال الحافظ زين الدين العراقيّ ﵀: وقد استَشْكَل بعضهم الجمع بين حديث باب الريان، وبين الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث
стр. 12590
عمر ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "ما منكم من أحد، يتوضأ، فيبلغ، أو يسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلَّا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
قالوا: فقد أخبر النبيّ ﷺ أنه يدخل من أيها شاء، وقد لا يكون فاعل هذا الفعل من أهل الصيام، بأن لا يبلغ وقت الصيام الواجب، أو لا يتطوع بالصيام.
والجواب عنه من وجهين:
[أحدهما]: أنه يُصْرَف عن أن يشاء باب الصيام، فلا يشاء الدخول منه، ويدخل من أيّ باب شاء غير الصيام، فيكون قد دخل من الباب الذي شاءه.
[والثاني]: أن حديث عمر ﵁ قد اختَلَفت ألفاظه، فعند الترمذيّ: "فتحت له ثمانية أبواب من الجنة، يدخل من أيها شاء"، فهذه الرواية تدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية، وقد لا يكون باب الصيام من هذه الثمانية، ولا تعارض حينئذ. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٣٢/ ٢٧١٠] (١١٥٢)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٨٩٦) و"بدء الخلق" (٣٢٥٧)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٦٥)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٢٢٣٦ و ٢٢٣٧)، و"الكبرى" (٢٥٤٤ و ٢٥٤٥)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٤٠)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥ - ٦) وفي "مسنده" (١/ ٨٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٣٣ و ٣٣٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٤٢٠ و ٣٤٢١)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٦٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٢٩)،
стр. 12591
و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٦/ ١٩٢) و"الكبير" (٦/ ١٣٤ و ١٥٢ و ١٨٤ و ١٩٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٥٢٥)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١٦٨)، و ((البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٠٨ و ١٧٠٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عظمة فضل الصيام.
٢ - (ومنها): بيان كرامة الصائمين، حيث خصهم الله تعالى على سائر الناس بدخولهم من باب الريّان.
٣ - (ومنها): إثبات أبواب للجنّة، ومن تلك الأبواب باب الريّان مخصوص بالصائمين، فإذا دخلوا منه أُغلق، فلم يدخل منه أحد غيرهم.
٤ - (ومنها): فضل باب الريّان على غيره من الأبواب، حيث إن من دخله شَرِب عند الدخول، ثم لم يظمأ بعده أبدًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٣) - (بَابُ فَضْلِ الصِّيَامِ في سَبِيلِ اللهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧١١] (١١٥٣) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَن ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَن النُّعْمَانِ بْنِ أَبي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله، إِلَّا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَن النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ،
стр. 12592
ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٤ - (سَهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٥ - (النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) الزُّرقيّ الأنصاريّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م ت س ق) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٤.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﵁، تقدّم في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، وابن ماجه، والنعمان بن أبي عيّاش، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن الهاد، والباقيان مصريّان.
٤ - (ومنها): أن رواية ابن الهاد عن سُهيل من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن ابن الهاد من الطبقة الخامسة، وسهيلًا من السادسة.
شرح الحديث:
(عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ) اسم أبيه ذكوان السمّان (عَن النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ) بتشديد التحتانيّة، آخره معجمة.
[تنبيه]: قد اختلف في إسناد هذا الحديث على سهيل، فرواه الأكثرون عنه هكذا، وخالفهم شعبة، فرواه عنه عن صفوان بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ، أخرجه النسائيّ، قال الحافظ ﵀: ولعل لسهيل فيه شيخين، وأخرجه النسائي أيضًا من طريق أبي معاوية، عن سهيل، عن المقبريّ، عن أبي سعيد، ووَهِمَ فيه أبو معاوية، وإنما يرويه المقبريّ، عن أبي هريرة، لا عن أبي سعيد، وإنما رواه سهيل من حديث أبي هريرة، عن أبيه، عنه، لا عن
стр. 12593
المقبريّ، كذلك أخرجه النسائيّ من طريق سعيد بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، وكذا أخرجه أحمد، عن أنس بن عياض، عن سهيل، قاله في "الفتح" (١).
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا) نافية، وهي تعمل عمل "ليس" عند الحجازيين (٢)، كما قال في "الخلاصة":
إِعْمَالَ "لَيْسَ" أُعْمِلَتْ "مَا" دُونَ "إِنْ" … مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ اوْ ظَرْفٍ كـ"مَا … بِي أَنْتَ مَعْنِيًّا" أَجَازَ الْعُلَمَا
(مِنْ) زائدة كما قال في "الخلاصة" أيضًا:
وَزِيدَ فِي نَفْيِ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كـ"مَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ"
وقوله: (عَبْدٍ) اسم "ما" مرفوع بضمّة مقدّرة؛ لاشتغال المحلّ بحركة حرف الجرّ الزائد، وخبرها "إلا باعد الله … إلخ"، وَيحْتَمِل أن تكون "ما" تميميّة، فلا عمل لها، ويكون ما بعدها مبتدأ وخبرًا.
وقوله: (يَصُومُ يَوْمًا) جملة في محلّ النعت لـ"عبد" (فِي سَبِيلِ الله) أي في الجهاد، أو في أعمّ منه، قال في "النهاية": السبيل في الأصل الطريق، ويذكّر ويؤنّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيلُ الله عامّ يقع على كلّ عمل خالص لله، سُلِك به طريقُ التقرّب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل، وأنواع الطاعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال، كأنه مقصور عليه. انتهى (٣).
وقال ابن الجوزيّ ﵀: إذا أُطلق ذِكر سبيل الله، فالمراد به الجهاد، وقال القرطبيّ ﵀: سبيل الله طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله،
стр. 12594
قال الحافظ ﵀: ويَحْتَمِل أن يكون ما هو أعمّ من ذلك، ثم وجدته في "فوائد أبي الطاهر الذُّهْليّ" من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثيّ، عن المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁، بلفظ: "ما من مرابط يُرابط في سبيل الله، فيصوم يومًا في سبيل الله … " الحديث.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإن حُمِل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال: ويَحْتَمِل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت، والأول أقرب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد: ﵀ من ترجيح كون المراد بسبيل الله هو الجهاد هو الظاهر عندي، والله تعالى أعلم.
قال: ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى؛ لأن الصائم يَضْعُف عن اللقاء؛ لأن الفضل المذكور محمول على من لم يَخْشَ ضعفًا، ولا سيما من اعتاد به، فصار ذلك من الأمور النسبيّة، فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد، فالصوم في حقّه أفضل؛ ليجمع بين الفضيلتين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق حكم الصيام في السفر، واختلاف أهل العلم فيه، فراجعه في بابه.
(إِلَّا بَاعَدَ) أي أبعد، فليست المفاعلة مرادةً (اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ) أي بسبب صوم ذلك اليوم (وَجْهَه) أي ذاته، وإنما عبّر به؛ لأن الإنسان أول ما يواجه الشيء يكون بوجهه، فإذا أبعد الله وجهه عن مواجهة النار، فبالأحرى إبعاد سائر أجزائه عنها، والله تعالى أعلم
(عَن النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا") قال في "النهاية": أن نحّاه، وباعده عن النار مسافةً تُقطَع في سبعين سنة؛ لأنه كلما مرّ خريف، فقد انقضت سنة.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "باعد الله وجهه عن النار … إلخ": معناه المباعدة عن النار، والمعافاة منها، والخريف السنة، والمراد سبعين سنةً. انتهى (٢).
وقال التُّوربشتيّ: كانت العرب تؤرّخ أعوامها بالخريف؛ لأنه كان أوان
стр. 12595
جِدَادهم، وقِطَافهم، وإدراك غلّاتهم، وكان الأمر على ذلك حتى أرّخ عمر ﵁ بسنة الهجرة. انتهى (١).
وقال في "الفتح": الخريف زمان معلوم من السنة، والمراد هنا العامُ، وتخصيص الخريف بالذكر، دون بقية الفصول -الصيف، والشتاء، والربيع- لأن الخريف أزكى الفصول؛ لكونه تُجنَى فيه الثمار، ونقل الفاكهيّ أن الخريف تجتمع فيه الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، دون غيره، ورُدّ بأن الربيع كذلك، قال القرطبيّ: وَرَدَ ذكرُ السبعين لإرادة التكثير كثيرًا. انتهى.
ويؤيّده -كما قال الحافظ- ما رواه النسائيّ من حديث عقبة بن عامر ﵁، وما رواه الطبرانيّ عن عمرو بن عَبَسَة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس، فقالوا جميعًا في رواياتهم: "مائة عام" (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما تقدّم أن قوله: "سبعين خريفًا" ليس للتحديد، وإنما هو للتكثير بدليل روايته بلفظ: "مائة عام".
والحاصل أنه لا تعارض بين رواية "سبعين"، ورواية "مائة"؛ لكون المراد التكثير، لا التحديد.
ويُحتَمَل أن الله تعالى وعد الصائم في سبيل الله بإبعاد جهنّم عنه مسيرة سبعين خريفاً، ثم تفضّل الله تعالى بالزيادة على ذلك، حتى كان مسيرة مائة عام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٧١١ و ٢٧١٢ و ٢٧١٣] (١١٥٣)، و (البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٤٠)، و (الترمذيّ) في "كتاب فضائل الجهاد" (١٦٢٣)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٧٣ - ١٧٤)، و (ابن ماجه) في
стр. 12596
"الصوم" (١٧١٧)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٥/ ٣٠٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٦ و ٥٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٦٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١١٢ و ٢١١٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ١٢٢٩، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٤٤٨ و ٤٥٨)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٣٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٦) و (٩/ ١٧٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة الصيام في سبيل الله.
٢ - (ومنها): جواز الصوم في السفر، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يُفَوِّت به حقًّا، ولا يَختلّ به قتاله، ولا غيره من مهمات غزوة؛ وإنما حملناه على هذا؛ جمعًا بينه وبين حديث: "ليس من البرّ الصيام في السفر"، متّفقٌ عليه، وحديث: "أولئك العُصاة، أولئك العصاة"، رواه مسلم.
٣ - (ومنها): بيان سعة فضل الله تعالى ورحمته، حيث يُعطي على العمل قليل الأجر الجزيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧١٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: ابن محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كُتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
و"سُهيل" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية الدراوريّ، عن سُهيل هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12597
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧١٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْيعَبْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَيسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، أنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَن النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٩.
٣ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٥ - (يَحْيى بْن سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٤) - (بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّافِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزوَالِ، وَجَوَازِ فِطْرِ الصَّائِمِ نَفْلًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ).
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧١٤] (١١٥٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِل فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيى بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ،
стр. 12598
عَنْ عَائِشَةَ أمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵁، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: "يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٍ؟ (١) "، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيءٌ، قَالَ: "فَإِنِّي صَائِمٌ"، قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّة، أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَتْ لنَا هَدِيَّة، أَوْ جَاءنَا زَوْرٌ، وَقَدْ خَبَأَتُ لَكَ شَيْئًا، قَالَ: "مَا هُوَ؟ " قُلْتُ: حَيْسٌ، قَالَ: "هَاتِيهِ"، فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا"، قَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) الْجَحْدريّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ الله) هو: طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطئ [٦] (١٤٨) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
٤ - (عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميّة، أم عمران المدنيّة، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، كانت فائقة الجمال، وكانت ثقةً حجّة [٣].
رَوَت عن خالتها عائشة، وعنها ابنها طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، وحبيب بن أبي عمرو، وابن أخيها طلحة بن يحيى بن طلحة، وابن أخيها الآخر معاوية بن إسحاق، وابن أخيها موسى بن عبيد الله بن إسحاق، والمنهال بن عمرو، وفضيل بن عمرو، وعطاء بن أبي رَبَاح وعمر بن سعيد، وغيرهم.
قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: مدنيةٌ تابعيةٌ ثقةٌ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حَدَّث عنها الناس؛ لفضلها وأدبها، وذكرها ابن حبان في "الثقات".
стр. 12599
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٥٣) وأعاده بعده، و (٢٤٥٢) و (٢٦٦٢) وأعاده بعده.
٥ - (عَائِشَةُ أمُّ الْمُؤْمِنِينَ) ﵂، تقدّمت قبل ثلاثة أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنف ﵀.
٢ - "ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فعلّق له البخاريّ، وما أخرج له ابن ماجه، وطلحة ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه فبصريّان، وطلحة مدنيّ، ثم كوفيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵁ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂) أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْم) أي يومًا من الأيّام، أو ساعةَ يوم، أو أوقاتَ يوم، أو في نهار، قاله في "المرقاة" (١). ("يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٍ؟ ") وفي نسخة: "من شيء"؛ أي مما يُؤكل من الطعام، وفي رواية لأبي داود: "هل عندكم طعام؟ "، وفي رواية للنسائيّ: "هل عندكم غداء؟ "، وفي رواية للترمذيّ: "هل عندك غداءٌ؟ " و"الْغَداء" -بفتح الغين المعجمة، والدال المهملة- هو ما يؤكل قبل الزوال (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيءٌ، قَالَ: "فَإِنِّي صَائِمٌ؟ ") وفي الرواية التالية: "فإني إذن صائم"، وفي رواية للنسائيّ: "إذن أصوم"، وهذا يدلّ على جواز نية النفل في النهار، وبه قال الأكثرون، وقال مالك، وداود: يجب التبييت كما في الفرض؛ لعموم قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيام من الليل"، والجواب أنه عامّ خصٌ منه صوم التطوّع؛ للأدلّة الواردة في ذلك، كحديث الباب وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
стр. 12600
وقال النوويّ ﵀: وفيه دليل لمذهب الجمهور، أن صوم النافلة يجوز بنيّة في النهار قبل زوال الشمس، ويتأوله الآخرون على أن سؤاله ﷺ : هل عندكم شيءٌ؟؛ لكونه ضَعُف عن الصوم، وكان نواه من الليل، فأراد الفطر للضعف، وهذا تأويل فاسد، وتكلف بعيد. انتهى (١).
(قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّة) بتشديد التحتانيّة: فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي مُهداةٌ، قال الفيّوميّ ﵀ يقال: أهديتُ للرجل كذا بالألف: بَعَثتُ به إليه إكرامًا، فهو هدِيّة بالتثقيل لا غيرُ. انتهى (٢).
وقال في "القاموس": الْهَديّةُ كغنيّة: ما أُتْحِفَ به، جمعه هَدَايَا، وهَدَاوَى، وتُكسر الواو، وهَدَاوٍ، وأهدى الْهَدِيّةَ، وهَدَّاهَا. انتهى (٣).
(أَوْ) للشك من الراوي، أي أو قالت: (جَاءَنَا زَوْرٌ) -بفتح الزاي، وسكون الواو، آخره راء-: الزُّوَّار، ويقع الزَّوْر على الواحد، والجماعة القليلة، والكثيرة، قاله النوويّ ﵀ (٤).
وقال الفيّوميّ ﵀: زار زيارةً وزَوْرًا: قصَدَه، فهو زائر، وزَوْر، وقوم زَوْرٌ، وزُوّارٌ، مثل سافر، وسَفْرٍ، وسُفارٍ، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّارٌ، وزائراتٌ، والْمَزَارُ يكون مصدرًا، وموضعَ الزيارة، والزيارةُ في الْعُرف: قَصْدُ المزور؛ إكرامًا له، واستئناسًا به. انتهى (٥).
(قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي من المكان الذي خرج إليه (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّة، أَوْ) للشكّ من الراوي (جَاءَنَا زَوْرٌ، وَقَدْ خَبَأتُ لَكَ شَيْئًا) أي أفردت لك بعضه، وتركته مستورًا عن أعين الناس (قَالَ) ﷺ ("مَا هُوَ؟ ") "ما" استفهاميّة: أي أَيُّ شيء هو، أي المخبوء لي (قُلْتُ: حَيْسٌ) -بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، آخره سين مهملة-: شيءٌ يُتّخذ من تمر، وسَمْن، وأَقِطٍ، وقال القاري ﵀: هو تمر مخلوطٌ بسمن، وأَقِطٍ، وقيل:
стр. 12601
طعامٌ يُتَّخَذ من الزُّبْد، والتمر، والأقط، وقد يُبْدَل الأقط بالدقيق، والزبدُ بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت. انتهى.
وقال الفيّوميّ: تمر يُنزَع نواه، ويُدَقّ مع أَقِطٍ، ويُعجنان بالسمن، ثم يُدْلَكُ باليد حتى يبقى كالثريد، وربّما جُعل معه سَوِيقٌ، وهو مصدرٌ في الأصل، يقال: حاسَ الرجلُ حَيْساً، من باب باع: إذا اتخذ ذلك. انتهى.
وقال محمد المرتضى ﵀ في "شرح القاموس": "الحَيْس": الخَلْطُ، ومنه سُمِّيَ الحَيْسُ هو تَمْرٌ يُخلَطُ بسَمنٍ، وأقِطٍ، فيُعجَن، وفي "اللِّسان": هو التَّمرُ البَرْنيُّ، والأَقِطُ، يُدَقَّانِ، ويُعجَنانِ بالسَّمنِ عَجْنًا شديدًا، ثم يُندَرُ النَّوى عنه نواةً نَواةً، ثمّ يُسَوَّى كالثَّريدِ، وهي الوَطيئَةُ، وربّما جُعِلَ فيه سَويقٌ، أو فَتيتٌ عِوَضَ الأَقِط، قال: وقد حاسَهُ يَحِيسُه اتَّخذَهُ، قال الراجز:
التَّمرُ والسَّمنُ معًا ثمَّ الأَقِطْ … الحَيْس إلّا أنّه لم يَخْتَلِطْ
وقال هُنَيُّ بن أَحْمَرَ الكنانيُّ، وقيل: هو لزَرافَةَ الباهِليِّ [من الكامل]:
هل في القَضيَّةِ أنْ إذا اسْتَغنَيْتُمُ … وأَمِنْتُمُ فأنا البَعيدُ الأَجْنَبُ
وإذا الكَتائبُ بالشَّدائدِ مَرةً … حَجَرَتْكُمُ فأنا الحبيبُ الأَقربُ
ولجُندَب سَهْلُ البلادِ وعَذْبُها … وليَ المِلاحُ وحَزْنُهُنَّ المُجدِبُ
وإذا تكون كَريهةٌ أُدعى لها … وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُنْدَبُ
عَجَبَاً لتلكَ قَضِيَّةً وإقامَتي … فيكم على تلكَ القضيَّةِ أَعْجَبُ
هذا لَعَمْرُكم الصَّغارُ بعَيْنهِ … لا أمَّ لي إنْ كان ذاكَ ولا أَبُ
انتهى ما قاله المرتضى ﵀ باختصار (١).
(قَالَ) ﷺ ("هَاتِيهِ") أي أحضري عندي ذلك الحيس حتى آكل منه.
[تنبيه]: قال السمين الحلبيّ ﵀ اختُلف في "هات" على ثلاثة أقوال:
[أحدها]: أنه فعلٌ، وهذا هو الصحيح؛ لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة، نحو هاتوا، وهاتي، وهاتيا، وهاتين.
[الثاني]: أنه اسم فعل، بمعنى أَحْضرْ.
стр. 12602
[والثالث]: -وبه قال الزمخشريّ- أنه اسم صوتٍ، بمعنى ها التي بمعنى أَحْضِرْ.
وإذا قيل: بأنه فعلٌ، فاختُلف فيه على ثلاثة أقوال أيضًا:
[أصحّها]: أن هاءه أصل بنفسها، وأن أصله هاتَى يُهاتي مُهاتاةً، مثلُ رامَى يُرامِي مُراماةً، فوزنه فاعَلَ، فتقول: هاتِ يا زيدُ، وهاتي يا هندُ، وهاتوا يا قومُ، وهاتين يا هنداتُ، كما تقول: رامِ، رامي، راميا، راموا، رامين، وزعم ابن عطيّة أن تصريفه مهجورٌ، لا يُقال فيه إلا الأمر، وليس كذلك.
[الثاني]: أن الهاء بدلٌ من الهمزة، وأن الأصل: أَاْتَى وزنه أَفْعَلَ، مثلُ أَكْرَمَ، وهذا ليس بجيّد؛ لوجهين: أحدهما: أن آتى يتعدّى لاثنين، وهاتى يتعدّى لواحد فقط.
والثاني من الوجهين: أنه كان ينبغي أن تعود الألف المبدلة من الهمزة إلى أصلها؛ لزوال موجب قلبها، وهو الهمزة الأولى، ولم يُسمَع ذلك.
[الثالث]: أن هذه "ها" للتنبيه دخلت على "أتى"، ولزمتها، وحُذفت همزة "أتى دا لزوماً، وهذا مردود، فإن معنى "هات" أَحْضِرْ كذا، ومعنى "ائت": احْضُرْ أنت، فاختلاف المعنى يدلّ على اختلاف المادّة.
فتحصّل في "هاتوا" سبعة أقوال: فعلٌ، أو اسمُ فعلٍ، أو اسم صوتٍ، والفعل هل يتصرّف، أو لا يتصرّف؟ وهل هاؤه أصليّة، أو بدلٌ من همزة، أو هي ها التنبيه زيدت، وحُذفت همزته؟ وأصل "هاتوا" هاتيوا، فاستثقلت الضمّة على الياء، فحُذفت، فالتقى ساكنان، فحُذف أولهما، وضُمّ ما قبله؛ لمجانسة الواو، فصار هاتوا. انتهى كلام السمين الحلبيّ ﵀ (١).
وفي الرواية التالية: "أرنيه"، من الإراءة، وفي رواية أبي داود والنسائيّ: "أدنيه" من الإدناء، وهو التقريب.
(فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ) زاد في رواية النسائيّ: "وكان يُحبّ الْحَيْسَ" (ثُمَّ
стр. 12603
قَالَ) ﷺ ("قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا") أي مريدًا للصوم، وفي رواية النسائيّ: "إني قد أصبحتُ أريد الصوم".
قال النوويّ: ﵀: وهاتان الروايتان -يعني هذا الحديث، والذي بعده- هما حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى، ومُبَيِّنةٌ أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين، لا في يوم واحد، كذا قاله القاضي وغيره، وهو ظاهرٌ.
قال: وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه، في أن صوم النافلة يجوز قطعه، والأكل في أثناء النهار، ويبطل الصوم؛ لأنه نفلٌ، فهو إلى خِيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام، وممن قال بهذا جماعة من الصحابة، وأحمد، وإسحاق، وآخرون، ولكنهم كلهم، والشافعيّ معهم متفقون على استحباب إتمامه، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجوز قطعه، ويأثم بذلك، وبه قال الحسن البصرفي، ومكحول، والنخعيّ، وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر، قال ابن عبد البرّ: وأجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(قَالَ طَلْحَةُ) بن يحيى الراوي عن عائشة بنت طلحة (فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا) أي ابن جبر، أبا الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ الإمام الحجة المشهور المتوفّى سنة (١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٤/ ٢١. (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بما حدّثته عائشة بنت طلحة (فَقَالَ) مجاهد ﵀ (ذَاكَ) أي الصائم المتطوّع المفطر بعد شروعه في الصوم (بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ) أي ناويًا الصدقة بها (فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَما) أي أنفذ الصدقة، ودفعها للفقير (وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) أي ترك التصدّق بها.
وحاصل ما أشار إليه مجاهد ﵀ أن إفطار الصائم المتطوّع جائز، وهذا الذي قاله يدلّ عليه ما أخرجه الترمذيّ عن أم هانئ ﵂: أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فدَعَا بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، فقالت: يا رسول الله،
стр. 12604
أما إني كنت صائمةً، فقال رسول الله ﷺ "الصائم المتطوع أمين نفسه، وفي رواية: أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر"، صححه الشيخ الألبانيّ ﵀، وفيه نظر، سيأتي.
[تنبيه]: رواية المصنّف صريحة في أن هذا الكلام موقوف على مجاهد، ووقع في رواية النسائيّ ما يدلّ على أنه مرفوع، ولفظه: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ، يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا"، فظاهره يدلّ على أن قوله: "إنما مثل صوم المتطوّع إلخ" من كلام النبيّ ﷺ ، لكن الذي في "صحيح مسلم" أصحّ، فهو من كلام مجاهد، لا من كلام النبيّ ﷺ .
وقد صحح الشيخ الألبانيّ ﵀ رفع هذه الزيادة (١)، وقال: إن الرواي قد يرفع الحديث تارة، ويوقفه أخرى، فإذا صحّ السند بالرفع بدون شذوذ كما هنا، فالحكم له، ولذلك قالوا: زيادة الثقة مقبولة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح هذا الحديث فيه نظر لا يخفى، والذي يظهر أنه من كلام مجاهد (٢)، كما هو في "صحيح مسلم"، فتأملّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٧١٤ و ٢٧١٥] (١١٥٤)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٥٥)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٣٣ و ٧٣٤) و"الشمائل" (١٨٢)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) و"الكبرى" (٢/ ١١٤ - ١١٦)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٠١)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٧٠٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٧٩٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٩٨)
стр. 12605
٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٩ و ٢٠٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٤١ و ٢١٤٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٢٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٩/ ١٠٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤٥٦٣)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٢٣٣)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٧٦ - ١٧٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٠٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّهْ " (١٧٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز صوم التطوّع بنيّة من النهار.
٢ - (ومنها): جواز الفطر للمتطوّع متى شاء، ولو بلا عذر.
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من التقلّل من الدنيا زهدًا في ملذّات الدنيا الفانية، وإيثارًا لما عند الله، من نعيم الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵁ من مواساة رسول الله ﷺ بما عندهم من طيبات الطعام.
٥ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ قبول الهدية.
٦ - (ومنها): ضرب المثل للتقريب إلى الأذهان.
٧ - (ومنها): أن من أخرج شيئًا من ماله للتصدق به، ثم بدا له أن لا يتصدّق، فله ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم فطر الصائم المتطوّع: ذهبت طائفة إلى جواز الفطر لمن كان صائمًا تطوعًا، ولا قضاء عليه، وبه قال عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وأبو الدرداء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
واحتجّوا بحديث الباب؛ لأنه لم يُذكر فيه القضاء.
وأجيب عنه بأنه زاد فيه بعضهم: "فأكل، ثم قال: أصوم يومًا مكانه"، أخرجه النسائيّ في "الكبرى"، والدارقطنيّ، والشافعيّ، والبيهقيّ في "المعرفة"،