← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.

стр. 12601

طعامٌ يُتَّخَذ من الزُّبْد، والتمر، والأقط، وقد يُبْدَل الأقط بالدقيق، والزبدُ بالسمن، وقد يبدل السمن بالزيت. انتهى. وقال الفيّوميّ: تمر يُنزَع نواه، ويُدَقّ مع أَقِطٍ، ويُعجنان بالسمن، ثم يُدْلَكُ باليد حتى يبقى كالثريد، وربّما جُعل معه سَوِيقٌ، وهو مصدرٌ في الأصل، يقال: حاسَ الرجلُ حَيْساً، من باب باع: إذا اتخذ ذلك. انتهى. وقال محمد المرتضى ﵀ في "شرح القاموس": "الحَيْس": الخَلْطُ، ومنه سُمِّيَ الحَيْسُ هو تَمْرٌ يُخلَطُ بسَمنٍ، وأقِطٍ، فيُعجَن، وفي "اللِّسان": هو التَّمرُ البَرْنيُّ، والأَقِطُ، يُدَقَّانِ، ويُعجَنانِ بالسَّمنِ عَجْنًا شديدًا، ثم يُندَرُ النَّوى عنه نواةً نَواةً، ثمّ يُسَوَّى كالثَّريدِ، وهي الوَطيئَةُ، وربّما جُعِلَ فيه سَويقٌ، أو فَتيتٌ عِوَضَ الأَقِط، قال: وقد حاسَهُ يَحِيسُه اتَّخذَهُ، قال الراجز: التَّمرُ والسَّمنُ معًا ثمَّ الأَقِطْ … الحَيْس إلّا أنّه لم يَخْتَلِطْ وقال هُنَيُّ بن أَحْمَرَ الكنانيُّ، وقيل: هو لزَرافَةَ الباهِليِّ [من الكامل]: هل في القَضيَّةِ أنْ إذا اسْتَغنَيْتُمُ … وأَمِنْتُمُ فأنا البَعيدُ الأَجْنَبُ وإذا الكَتائبُ بالشَّدائدِ مَرةً … حَجَرَتْكُمُ فأنا الحبيبُ الأَقربُ ولجُندَب سَهْلُ البلادِ وعَذْبُها … وليَ المِلاحُ وحَزْنُهُنَّ المُجدِبُ وإذا تكون كَريهةٌ أُدعى لها … وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعى جُنْدَبُ عَجَبَاً لتلكَ قَضِيَّةً وإقامَتي … فيكم على تلكَ القضيَّةِ أَعْجَبُ هذا لَعَمْرُكم الصَّغارُ بعَيْنهِ … لا أمَّ لي إنْ كان ذاكَ ولا أَبُ انتهى ما قاله المرتضى ﵀ باختصار (١). (قَالَ) ﷺ ("هَاتِيهِ") أي أحضري عندي ذلك الحيس حتى آكل منه. [تنبيه]: قال السمين الحلبيّ ﵀ اختُلف في "هات" على ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه فعلٌ، وهذا هو الصحيح؛ لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة، نحو هاتوا، وهاتي، وهاتيا، وهاتين. [الثاني]: أنه اسم فعل، بمعنى أَحْضرْ.

стр. 12602

[والثالث]: -وبه قال الزمخشريّ- أنه اسم صوتٍ، بمعنى ها التي بمعنى أَحْضِرْ. وإذا قيل: بأنه فعلٌ، فاختُلف فيه على ثلاثة أقوال أيضًا: [أصحّها]: أن هاءه أصل بنفسها، وأن أصله هاتَى يُهاتي مُهاتاةً، مثلُ رامَى يُرامِي مُراماةً، فوزنه فاعَلَ، فتقول: هاتِ يا زيدُ، وهاتي يا هندُ، وهاتوا يا قومُ، وهاتين يا هنداتُ، كما تقول: رامِ، رامي، راميا، راموا، رامين، وزعم ابن عطيّة أن تصريفه مهجورٌ، لا يُقال فيه إلا الأمر، وليس كذلك. [الثاني]: أن الهاء بدلٌ من الهمزة، وأن الأصل: أَاْتَى وزنه أَفْعَلَ، مثلُ أَكْرَمَ، وهذا ليس بجيّد؛ لوجهين: أحدهما: أن آتى يتعدّى لاثنين، وهاتى يتعدّى لواحد فقط. والثاني من الوجهين: أنه كان ينبغي أن تعود الألف المبدلة من الهمزة إلى أصلها؛ لزوال موجب قلبها، وهو الهمزة الأولى، ولم يُسمَع ذلك. [الثالث]: أن هذه "ها" للتنبيه دخلت على "أتى"، ولزمتها، وحُذفت همزة "أتى دا لزوماً، وهذا مردود، فإن معنى "هات" أَحْضِرْ كذا، ومعنى "ائت": احْضُرْ أنت، فاختلاف المعنى يدلّ على اختلاف المادّة. فتحصّل في "هاتوا" سبعة أقوال: فعلٌ، أو اسمُ فعلٍ، أو اسم صوتٍ، والفعل هل يتصرّف، أو لا يتصرّف؟ وهل هاؤه أصليّة، أو بدلٌ من همزة، أو هي ها التنبيه زيدت، وحُذفت همزته؟ وأصل "هاتوا" هاتيوا، فاستثقلت الضمّة على الياء، فحُذفت، فالتقى ساكنان، فحُذف أولهما، وضُمّ ما قبله؛ لمجانسة الواو، فصار هاتوا. انتهى كلام السمين الحلبيّ ﵀ (١). وفي الرواية التالية: "أرنيه"، من الإراءة، وفي رواية أبي داود والنسائيّ: "أدنيه" من الإدناء، وهو التقريب. (فَجِئْتُ بِهِ، فَأَكَلَ) زاد في رواية النسائيّ: "وكان يُحبّ الْحَيْسَ" (ثُمَّ

стр. 12603

قَالَ) ﷺ ("قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا") أي مريدًا للصوم، وفي رواية النسائيّ: "إني قد أصبحتُ أريد الصوم". قال النوويّ: ﵀: وهاتان الروايتان -يعني هذا الحديث، والذي بعده- هما حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى، ومُبَيِّنةٌ أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين، لا في يوم واحد، كذا قاله القاضي وغيره، وهو ظاهرٌ. قال: وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه، في أن صوم النافلة يجوز قطعه، والأكل في أثناء النهار، ويبطل الصوم؛ لأنه نفلٌ، فهو إلى خِيرة الإنسان في الابتداء، وكذا في الدوام، وممن قال بهذا جماعة من الصحابة، وأحمد، وإسحاق، وآخرون، ولكنهم كلهم، والشافعيّ معهم متفقون على استحباب إتمامه، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا يجوز قطعه، ويأثم بذلك، وبه قال الحسن البصرفي، ومكحول، والنخعيّ، وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر، قال ابن عبد البرّ: وأجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. (قَالَ طَلْحَةُ) بن يحيى الراوي عن عائشة بنت طلحة (فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا) أي ابن جبر، أبا الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ الإمام الحجة المشهور المتوفّى سنة (١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٤/ ٢١. (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بما حدّثته عائشة بنت طلحة (فَقَالَ) مجاهد ﵀ (ذَاكَ) أي الصائم المتطوّع المفطر بعد شروعه في الصوم (بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ) أي ناويًا الصدقة بها (فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَما) أي أنفذ الصدقة، ودفعها للفقير (وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) أي ترك التصدّق بها. وحاصل ما أشار إليه مجاهد ﵀ أن إفطار الصائم المتطوّع جائز، وهذا الذي قاله يدلّ عليه ما أخرجه الترمذيّ عن أم هانئ ﵂: أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فدَعَا بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، فقالت: يا رسول الله،

стр. 12604

أما إني كنت صائمةً، فقال رسول الله ﷺ "الصائم المتطوع أمين نفسه، وفي رواية: أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر"، صححه الشيخ الألبانيّ ﵀، وفيه نظر، سيأتي. [تنبيه]: رواية المصنّف صريحة في أن هذا الكلام موقوف على مجاهد، ووقع في رواية النسائيّ ما يدلّ على أنه مرفوع، ولفظه: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ، يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا"، فظاهره يدلّ على أن قوله: "إنما مثل صوم المتطوّع إلخ" من كلام النبيّ ﷺ ، لكن الذي في "صحيح مسلم" أصحّ، فهو من كلام مجاهد، لا من كلام النبيّ ﷺ . وقد صحح الشيخ الألبانيّ ﵀ رفع هذه الزيادة (١)، وقال: إن الرواي قد يرفع الحديث تارة، ويوقفه أخرى، فإذا صحّ السند بالرفع بدون شذوذ كما هنا، فالحكم له، ولذلك قالوا: زيادة الثقة مقبولة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تصحيح هذا الحديث فيه نظر لا يخفى، والذي يظهر أنه من كلام مجاهد (٢)، كما هو في "صحيح مسلم"، فتأملّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٧١٤ و ٢٧١٥] (١١٥٤)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٥٥)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٣٣ و ٧٣٤) و"الشمائل" (١٨٢)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) و"الكبرى" (٢/ ١١٤ - ١١٦)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٠١)، و (الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٧٠٦)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٧٩٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٩٨)

стр. 12605

٩٨)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٩ و ٢٠٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٤١ و ٢١٤٣)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٢٨)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٩/ ١٠٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤٥٦٣)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٢٣٣)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٧٦ - ١٧٧)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٠٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّهْ " (١٧٤٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز صوم التطوّع بنيّة من النهار. ٢ - (ومنها): جواز الفطر للمتطوّع متى شاء، ولو بلا عذر. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من التقلّل من الدنيا زهدًا في ملذّات الدنيا الفانية، وإيثارًا لما عند الله، من نعيم الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵁ من مواساة رسول الله ﷺ بما عندهم من طيبات الطعام. ٥ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ قبول الهدية. ٦ - (ومنها): ضرب المثل للتقريب إلى الأذهان. ٧ - (ومنها): أن من أخرج شيئًا من ماله للتصدق به، ثم بدا له أن لا يتصدّق، فله ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم فطر الصائم المتطوّع: ذهبت طائفة إلى جواز الفطر لمن كان صائمًا تطوعًا، ولا قضاء عليه، وبه قال عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وأبو الدرداء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. واحتجّوا بحديث الباب؛ لأنه لم يُذكر فيه القضاء. وأجيب عنه بأنه زاد فيه بعضهم: "فأكل، ثم قال: أصوم يومًا مكانه"، أخرجه النسائيّ في "الكبرى"، والدارقطنيّ، والشافعيّ، والبيهقيّ في "المعرفة"،

стр. 12606

و"السنن الكبرى"، والطحاويّ، كلّهم من رواية ابن عُيينة، عن طلحة بن يحيى، عن عمّته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين، قد صحّح هذه الزيادة أبو محمد عبد الحقّ، وقال ابن التركمانيّ: هذه زيادة من ثقةٌ أصرّ عليها، فهي مقبولة. قال صاحب "المرعاة": في كون هذه الزيادة محفوظة صحيحة نظرٌ؛ فإنها قد ضغفها الأئمة الحفّاظ، كالشافعيّ، والنسائيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، قال النسائيّ: هذا خطأ؛ يعني من ابن عيينة، ونَسَب الدارقطنيّ الوهم فيها لمحمد بن عمرو الباهليّ الراوي عنده عن ابن عيينة، لكن رواها النسائيّ عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، وكذا رواها الشافعيّ عن ابن عيينة، لكن قال: سمعت سفيان بن عيينة عامّة مجالسه لا يذكر فيه: "ساصوم يومًا مكانه"، ثم عرضته عليه قبل موته بسنة، فذكره فيه. وقال في "التلخيص الحبير": ذكر الشافعيّ أن ابن عيينة زادها قبل موته بسنة. انتهى. وابن عيينة كان في الآخر قد تغيّر، قال في "تهذيب التهذيب": قال ابن عمّار: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: اشهدوا أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة، فمن سمع منه في هذه السنة وبعدها فسماعه لا شيء، قال الحافظ: وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئًا يصلح أن يكون سببًا لما نقله عنه ابن عمّار في حقّ ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعد ابن السمعانيّ في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذّن من "ذيل تاريخ بغداد" بسند له قويّ إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم، وتزيد في إسناده، أو تنقص منه، فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سَمِنتُ، وقد ذكر أبو معين الرازيّ في زيادة "كتاب الإيمان" لأحمد أن هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بآخره. انتهى. وهذا كلّه يدلّ على أن الشافعيّ قد بيّن علّة الحديث بقوله: سمعت سفيان بن عيينة عامّة مجالسه لا يذكر فيه … إلخ. وقال البيهقيّ في "المعرفة": وقد رواه جماعة عن سفيان دون هذه

стр. 12607

اللفظة، ورواه جماعة عن طلحة بن يحيى دون هذه اللفظة، منهم سفيان الثوريّ، وشعبة، ووكيعٌ، ويحيى القطّان، وغيرهم، وقال في "السنن" بعد ذكر كلام الشافعيّ المذكور: ورواية ابن عيينة عامّة دهره لهذا الحديث لا؛ يذكر فيه هذا اللفظ مع رواية الجماعة عن طلحة لا يذكره أحد، منهم الثوريّ، وشعبة، وعبد الواحد بن زياد، ووكيع، ويحيى القطّان، ويعلى بن عُبيد، وغيرهم تدلّ على خطأ هذه اللفظة، وقد روي من وجه آخر عن عائشة ليس فيه هذه اللفظة. انتهى. واجتماع هؤلاء الحفّاظ على تضعيف هذه الزيادة مقدّم على تصحيح عبد الحقّ، وليس كلّ زيادة من الثقة تُقبل، بل لكلّ زيادة حكم يخصّها، كما ذكره الزيلعيّ (١)، وها هنا قد وُجدت قرينة تدلّ على كون هذه الزيادة وَهَمًا

стр. 12608

ومُدرجةَ، فالحكم بكونها مقبولة مردود، وعلى تقدير أن تكون محفوظة يُحمَل القضاء على الندب. قال البيهقيّ: وحَمَلَ الشافعيّ قوله: "سأصوم يومًا مكانه"؛ أي تطوّعًا، وجعله بمثابة قهضائه ﷺ الركعتين اللتين بعد الظهر حين شغله عنهما الوفد. انتهى ما كتبه صاحب "المرعاة" ﵀ (١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا. وحاصله أن زيادة: "أصوم يومًا مكانه" غير صحيحة؛ لما سبق من الأدلّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. واحتجّوا أيضًا بما رواه البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي العُمَيس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخى النبي ﷺ ، بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلَة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء، ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نَمْ، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصلّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبيّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : "صدق سلمان". وأجاب القرطبيّ عن هذا بأن إفطار أبي الدرداء كان لقسَم سلمان، ولعذر الضيافة. وتُعُقّب بأن هذا يتوقّف على أن هذا العذر من الأعذار التي تُبيح الإفطار، وقد نَقَل ابن التين عن مذهب مالك أنه لا يُفطر لضيف نَزَل به، ولا لمن حلف عليه بالطلاق والْعَتَاق (٢).

стр. 12609

واحتجّوا أيضًا بما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، عن أم هانئ ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر"، قال النوويّ في "شرح المهذّب": ألفاظ رواياتهم متقاربة المعنى، وإسنادها جيّد (١)، وقال الترمذيّ: في إسناده مقال. ومن حجتهم حديث أم هانئ: أنها دخلت على النبيّ ﷺ ، وهي صائمة، فدعا بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، ثم سألته عن ذلك، فقال: "أكنت تقضين يومًا من رمضان؟ "، قالت: لا، قال: "فلا بأس"، وفي رواية: "إن كان من قضاء، فصومي مكانه، وإن كان تطوعًا، فإن شئت فاقضه، وإن شئت فلا تقضه"، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وفي إسناده هارون ابن ابنة أم هانئ، لا يعرف. ويشهد له ما أخرجه البيهقيّ، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن ابن المنكدر، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: صنعتُ للنبيّ ﷺ طعامًا، فلما وُضع، قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "دعاك أخوك، وتكلّف لك، أَفطِر، وصُمْ مكانه إن شئت". قال الحافظ: وإسناده حسن، وهو صريح في عدم وجوب القضاء. وبما رواه البيهقيّ عن ابن مسعود، قال: "إذا أصبحت، وأنت ناوي الصوم، فأنت بخير النظرين، إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت"، وبما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح عن جابر ﵁ أنه لم يكن يرى بإفطار المتطوّع بأسًا، وروى الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح عن ابن عباس مثله. وبهذا قالت الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إذا دخل في صوم التطوّع استحبّ له إتمامه، وإذا أفطر بعذر، أو بغير عذر، فلا إثم عليه، ولا يجب عليه القضاء، لكن يكره له الفطر بدون عذر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].

стр. 12610

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في الاستدلال بهذه الآية لهذه المسألة نظر لا يخفى؛ لأن هذا الفطر بإذن من الشارع، وما كان بإذنه ليس إبطالًا، وأيضًا إن الآية عامة، والأحاديث الدالة على جواز الفطر -كحديث الباب، وكحديث سلمان ﵁ المذكور- خاصّة والخاصّ يقضي على العامّ، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. قالوا: وخروجًا من خلاف من أوجب الإتمام، وإذا أفطر بعذر فلا كراهة، وعلى كلّ فيستحبّ قضاؤه. وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرواية، ومالك إلى أنه يجب إتمام ما شَرَع فيه من نفل الصوم، ولا يجوز فطره بلا عذر؛ للآية المتقدمة، فإن أفطر بلا عذر أَثِمَ، وعليه القضاء، وإن أفطر بعذر فلا إثم عليه، ولا قضاء عند المالكية، وأوجبه الحنفيّة. قال الحافظ: وأغرب ابن عبد البرّ، فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر. واحتجّ من أوجب القضاء بما رَوَى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق جعفر بن بُرقان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كنت أنا، وحفصة صائمتين، فعَرَضَ لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ فبدرتني إليه حفصة، وكانت بنت أبيها، فقالت: يا رسول الله … فذكرت ذلك، فقال: "اقضيا يومًا آخر مكانه". قال الترمذيّ: رواه ابن أبي حفصة، وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ مثل هذا، ورواه مالك، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن عيينة، وغيرهم من الحفّاظ عن الزهريّ، عن عائشة مرسلًا، وهو أصحّ؛ لأن ابن جريج ذكر أنه سأل الزهريّ عنه، فقال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكن سمعت من ناس عن بعض من سأل عائشة، فذكره، ثم أسنده كذلك. وقال النسائيّ: هذا خطأ، وقال ابن عيينة في روايته: سئل الزهريّ عنه، أهو عن عروة؟ فقال: لا، وقال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذّ من وصله، وتواردَ الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولًا، ذكره الدارقطني في "غرائب

стр. 12611

مالك"، وبيّن مالك في روايته، فقال: إن صيامهما كان تطوعًا. وله طريق آخر عن أبي داود، من طريق زُميل مولى عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: أهدي لي ولحفصة طعام، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فقلنا له: يا رسول الله، إنا أهديت لنا هدية، فاشتهيناها، فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ : "لا عليكما، صوما مكانه يومًا آخر"، وهو حديث ضعيف؛ لأن زميلًا مجهول، وقال البخاريّ: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد سماع من زميل، ولا تقوم به الحجة. قال في "الفتح": وضعّفه أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ بجهالة حال زُميل (١). وقال في "المرعاة": واحتجّوا أيضًا لذلك، ولتحريم الأكل من غير عذر بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنه يعمّ الفرض والنفل، وبقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهذا قد عَقَد الصوم، فوجب أن يفي به، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، وبقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآيةُ سيقت في معرض ذمّهم على عدم رعاية ما التزموه من الْقُرَب التي لم تُكتب عليهم، والقدر المؤدَّى عَمَلٌ كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النصّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه؛ تفاديًا؛ أي تبعّدًا عن الإبطال. وأجيب بان هذه النصوص كلّها من الأدلّة العامّة، وقد تقرّر في موضعه أن الخاصّ يُقدّم على العامّ. قال ابن الْمُنَيِّر: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلّة العامّة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلا أن الخاصّ يُقدَّم على العامّ، كحديث سلمان ونحوه. وقال ابن عبد البرّ: من احتَجَّ في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثرين على أن المراد بذلك النهي عن الرياء؛ لأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء، بل أخلصوها لله، وقال آخرون:

стр. 12612

لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، أو بالكفر والنفاق، أو بالمنّ والأذى، ونحوها، ولو كان المراد بذلك النّهي عن إبطال ما لم يَفْرِضه الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر وغيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما أُبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك، والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان مذاهب العلماء، وأدئتهم أن الأرجح هو ما ذهب إليه القائلون بجواز الفطر للمتطوّع دون إيجاب القضاء عليه؛ لقوّة أدلّته. والحاصل أنه يجوز للصائم المتطوّع الفطر مطلقًا، ولا قضاء عليه إلا أن يشاء؛ إذ لم يصحّ دليل على وجوبه، وقد عرفت ضعف الأحاديث التي احتجّ بها الموجبون، وعلى تقدير صحتها، يحمل الأمر فيها بالقضاء على الندب؛ جمعًا بين الأدلة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أم الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ "، فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: "فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ"، ثُمَّ أتانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: "أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا"، فَأَكَلَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقونه ذُكروا قبله. وقوله: (فَإِنَي إِذَنْ صَائِمٌ) هذا ظاهر في كونه ﷺ أنشأ الصوم في ذلك

стр. 12613

الوقت؛ لأن "إذن" حرف جواب، وهو حاليّ؛ أي: فإذا لم يكن عنكم شيء مما يؤكل، فإني أنوي الصوم من الآن، ففيه دلالة صريحة لجواز صوم النفل بنيّة من النهار. [فائدتان]: (الأولى): أن "إذن" هذه معناها عند سيبويه: الجواب والجزاء غالبًا لا دائمًا، كما قيل؛ لأنها قد تتمحّض للجواب، نحو: "إذن أظنّك صادقًا" جوابًا لمن قال: إني أُحبّك؛ لأن ظنّ الصدق لا يصلح جزاء للمحبّة، وأيضًا هو حاليّ، والجزاء لا يكون إلا مستقبلًا، أفاده الخضريّ في "حاشيته" (١). (الثانية): اختُلف في "إذن" هل هي بالألف، أم بالنون؟، قال الخضريّ ﵀ في "حاشية الخلاصة": والصحيح إبدال نونها ألفًا في الوقف، كتنوين المنصوب؛ لأن الجمهور على كتابتها بالألف، "وكذا رُسمت في المصاحف، وعن المبرّد، والزجّاج يوقف بالنون، كـ"أَنْ"، و"لن"، وتُكتب بها، وعن الفرّاء إن أُهملت كتبت بالنون؛ لتُفرّق من "إذا" الظرفيّة، وإن أُعملت فبالألف؛ لتميّزها بالعمل، والخلاف في غير القرآن، أما فيه فالوقف والرسم بالألف إجماعًا، كما في "الإتقان"؛ اتّباعًا للمصاحف. انتهى (٢). وقوله: (ثُمَّ أتانَا يَوْمًا آخَرَ) فذا يبين المراد من قولها في الرواية السابقة: "فلما رجع رسول الله ﷺ قلت … إلخ " أن رجوعه كان في يوم آخر، لا في نفس اليوم، قال النوويّ: ﵀: وهاتان الروايتان هما حديث واحد، والثانية مفسرة للأولى، ومُبَيِّنة أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين، لا في يوم واحد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12614

(٣٥) - (بَابٌ أَكْلُ النَّاسِي، وَشُرْبُهُ، وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٦] (١١٥٥) - (وَحَدَّثَنى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ الْقُرْدُوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإئمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (هِشَامٌ الْقُرْدُوسِيُّ) هو: هشام بن حسّان الْقُرْدوسيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: كون هشام هو الْقُردوسيّ كما صرّح به المصنّف هنا هو الصواب، ومن الغريب وقع في "الفتح" (١) أنه هشام الدستوائيّ، وتبعه العينيّ في "العمدة" (٢)، والظاهر أن هذا غلطٌ، وقد أورد الحديث الحافظ أبو الحجاج المزيّ ﵀ في ترجمة هشام بن حسّان، ولم يذكر في "التهذيبين" في ترجمة هشام الدستوائيّ محمدَ بنَ سيرين ممن روى عنه هشام، والظاهر أنه لم يرو عنه أصلًا، فليُتامّل، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه آخر]: قوله: "الْقُرْدُوسيّ" بضمّ القاف، وسكون الراء، وضمّ الدال، بعدها واو، ثمّ سين مهملة، هذا هو الضبط الصحيح، فما وقع في "شرح السنوسيّ" (٣/ ٢٧٠) لهذا الكتاب، من قوله: "بضمّ الفاء بدل القاف" سبق قلم، أو غلطٌ، فليُتنبّه. قال في "اللباب": "الْقُرْدوسيّ" -بضم القاف، وسكون الراء، وضم

стр. 12615

الدال المهملة، وبعد الواو سين مهملة-: هذه النسبة إلى القَرَاديس بطن من الأزد، نزلوا البصرة، فنسبت المحلَّة إليهم. انتهى (١). ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁) تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ) بفتح الميم شرطيّة، ولفظ البخاريّ: "إذا نَسِي" (نَسِيَ) مفعوله محذوف؛ أي صومه، كما يدلّ عليه قوله: (وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، وللبخاريّ في "النذور" من طريق عوف، عن ابن سيرين: "من أكل ناسيًا، وهو صائم"، ولأبي داود من طريق حبيب بن الشهيد، وأيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: "جاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسيًا، وأنا صائم"، وهذا الرجل هو أبو هريرة ﵁ راوي الحديث، أخرجه الدارقطنيّ بإسناد ضعيف، قاله في "الفتح" (٢). (فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ) أي سواء قليلًا كان أو كثيرًا، كما رجحه النوويّ: ﵀؛ لظاهر إطلاق الحديث، وخص الأكل والشرب من بين المفطرات؛ لغلبتهما، ونُدْرة غيرهما، كالجماع.

стр. 12616

(فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) أضافه إليه إشارة إلى أنه لم يُفْطِر، وإنما أُمِر بالإتمام؛ لفوت ركنه ظاهرًا. وفي رواية الترمذيّ: "فلا يُفْطر"، قال العراقيّ ﵀: يجوز أن تكون "لا" في جواب الشرط للنهي، و"يُفْطِرْ" مجزوئم بها، ويجوز أن تكون نافية، و"يُفطرُ" مرفوع، وهو أولى، فإنه لم يُرَدْ به النهيُ عن الإفطار، وإنما المراد أنه لم يحصل إفطار الناسي بالأكل، ويكون تقديره: "من أكل، أو شَرِب ناسيًا لم يُفْطر". انتهى. ثم لَمّا لم يكن أكله وشُربه باختياره المقتضي لفساد صومه، بل لأجل إنساء الله تعالى له؛ لُطْفاً به، وتيسيراً عليه بدفع الحرج عنه عَلَّله بقوله: (فإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ") وفي رواية الترمذيّ: "فإنما هو رزق رزقه الله"، وللدارقطنيّ، من طريق ابن علية، عن هشام: "فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه"؛ يعني أنه ليس له فيه مدخل، فكأنه لم يوجد منه فِعْلٌ، وقال السنديّ ﵀: كأن المراد قطع نسبة ذلك الفعل للعبد بواسطة النسيان، فلا يُعدّ فعله جنايةً منه على صومه، مفسدًا له، وإلا فهذا القدر موجود في كلّ طعام وشراب يأكله الإنسان، أكله عمدًا أو سهوًا. وقال الخطّابيّ ﵀: النسيان من باب الضرورة، والأفعال الضروريّة غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها. انتهى. وقال العينيّ ﵀: قوله: "فإنما" تعليلٌ لكون الناسي لا يُفطر، ووجه ذلك أن الرزق لَمّا كان من الله تعالى ليس فيه للعبد تحيّل، فلا يُنسب إليه شبه الأكل ناسيأ به؛ لأنه لا صنع للعبد فيه، وإلا فالأكل متعمّدًا حيث جاز له الفطر رزق من الله تعالى بإجماع العلماء، وكذلك هو رزقٌ وإن لم يجز له الفطر على مذهب أهل السنة. انتهى (١). قال الطيبيّ ﵀: "إنما" للحصر؛ أي ما أطعمه، وما سقاه أحد إلا الله تعالى، فدَلَّ على أن النسيان من الله، ومن لطفه في حقّ عباده؛ تيسيرًا عليهم، ودفعًا للحرج. انتهى (٢).

стр. 12617

[فائدة]: من المستظرفات ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن إنسانًا جاء إلى أبي هريرة ﵁، فقال: أصبحت صائمًا، فنسيت، فطَعِمتُ، قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان، فنَسِيت، وطَعِمت وشربت، قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على آخر، فنسيت، فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام، ذكره في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٢٧١٦] (١١٥٥) و (البخارىّ) في "الصوم" (١٩٣٣) و"الأيمان والنذور" (٦٦٦٩)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٣٩٨)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٢١ و ٧٢٢)، و (النسائيّ) في " الكبرى" (٢/ ٢٤٤)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٦٧٣)، و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٧٣٧٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٥ و ٤٢٩١ و ٤٩٣ و ٥١٥)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ١٠٧ و ١٧٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٩٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥١٩ و ٣٥٢٠)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٨٩ و ٣٩٠)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ١٧٨ و ١٧٩ و ١٨٠)، و (الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٩٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣١)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٦/ ٢٠٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٥٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٢٩) و"المعرفة" (٣/ ٣٧٦)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:

стр. 12618

١ - (منها): بيان أن من أكل، أو شَرِب ناسيًا لا يُفطر، بل يُتمّ صومه، ولا قضاء عليه، وسيأتي في المسألة التالية بيان اختلاف العلماء في ذلك -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): أنه لا فرق بين قليل الأكل وكثيرة، وقد روى الإمام أحمد ﵀ لهذا الحديث سبباً، فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار، عن مولاتها أم إسحاق، أنها كانت عند النبيّ ﷺ ، فأتي بقَصْعَة من ثريد، فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمةً، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعتِ؟ فقال لها النبيّ ﷺ : "أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك"، لكن الحديث في سنده بشّار بن عبد الملك، وثّقه ابن حبّان، وضعّفه أبو زرعة الدمشقيّ. ٣ - (ومنها): بيان لطف الله بعباده، والتيسير عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم من أكل، أو شرب ناسيًا لصومه: ذهب الجمهور: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعيّ، والثوريّ، وعطاءٌ، وطاوس إلى أن من أكل، أو شرب ناسيًا لصومه، فإنه لا يُفطر، ولا يجب عليه القضاء. وذهب مالك إلى أنه يبطل صومه، ويجب عليه القضاء، وهو قول شيخه ربيعة الرأي، وجميع أصحاب مالك، لكنهم فرّقوا بين الفرض والنفل. واحتجّ الجمهور بحديث الباب؛ لأنه ﷺ أَمره بالإتمام، وسَمّى الذي يُتمّه صومًا، والظاهر حمله على الحقيقة الشرعيّة، فيُتمسّك به حتى يدلّ دليلٌ على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغويّة، وإذا كان صومًا وقع مجزئًا، ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء، كذا قرّره ابن دقيق العيد ﵀، قال: وقوله: "فإنما أطعمه الله وسقاه" يُستدلّ به على صحّة الصوم، فإن فيه إشعارًا بأن الفعل الصادر منه مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه. انتهى (١).

стр. 12619

واستَدَلّ من ذهب إلى الفطر، وإيجاب القضاء بأن ركن الصوم، وهو الإمساك عن المفطّرات فات، فإذا فات ركنه فسد صومه كيف ما كان، قال ابن دقيق العيد: ذهب مالك إلى إيجاب القضاء، وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه، وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثّر في باب المأمورات. قال في "الفتح": قال ابن العربيّ: تمسّك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث، وتطلّع مالك إلى المسألة من طريقها، فأشرف عليه؛ لأن الفطر ضدّ الصوم، والإمساك ركن الصوم، فاشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة (١)، قال: وقد رَوَى الدارقطنيّ فيه: "لا قضاء عليك"، فتأوله علماؤنا على أن معناه: لا قضاء عليك الآن، وهذا تعسّف، وإنما أقول: ليته صحّ فنتبعه، ونقول به، إلا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد، لم يُعْمَل به، فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها، فلم نعمل به. وقال القرطبي ﵀: احتَجَّ به من أسقط القضاء. وأجيب بأنه لم يتَعَرَّض فيه للقضاء، فَيُحْمَل على سقوط المؤاخذة؛ لأن المطلوب صيام يوم لا خَرْمَ فيه، لكن رَوَى الدارقطنيّ فيه سقوط القضاء، وهو نَصٌّ لا يَقْبَل الاحتمال، لكن الشأن في صحته، فإن صحّ وجب الأخذ به، وسقط القضاء. انتهى. وأجاب بعض المالكية بحمل الحديث على صوم التطوع، كما حكاه ابن التين، عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار، واعتَل بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان، فَيُحْمَل على التطوع. وقال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إثبات القضاء، فَيُحْمَل على سقوط الكفارة عنه، وإثبات عذره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيته التي بيّتها. انتهى. والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم،

стр. 12620

والدارقطنيّ، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، بلفظ: "من أفطر في شهر رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه، ولا كفارة"، فعَيَّن رمضان، وصرَّح بإسقاط القضاء. قال الدارقطنيّ: تفرّد به محمد بن مرزوق، عن الأنصاريّ. وتُعُقّب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضا عن إبراهيم بن محمد الباهليّ، وبأن الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازيّ، كلاهما عن الأنصاريّ، فهو المنفرد به، كما قال البيهقيّ، وهو ثقةٌ، والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط، لا بتعيين رمضان، فإن النسائيّ أخرج الحديث من طريق عليّ بن بكار، عن محمد بن عمرو، ولفظه في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسياً: "فقال: الله أطعمه وسقاه". وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، أخرجه الدارقطنيّ من رواية محمد بن عيسى بن الطباع، عن ابن عُلَيَّة، عن هشام، عن ابن سيرين، ولفظه: "فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه"، وقال بعد تخريجه: هذا إسناد صحيحٌ، وكلهم ثقات. قال الحافظ: لكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية، وليس فيه هذه الزيادة. ورَوَى الدارقطنيّ أيضًا إسقاط القضاء، من رواية أبي رافع، وأبي سعيد المقبريّ، والوليد بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، كلهم عن أبي هريرة ﵁. وأخرج أيضًا من حديث أبي سعيد ﵁ رفعه: "من أكل في شهر رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه"، وإسناده وإن كان ضعيفاً لكنه صالح للمتابعة، فاقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسناً، فيصلح للاحتجاج به. وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوّة، وَيعْتَضِد أيضًا بأنه قد أفتَى به جماعة من الصحابة ﵃ من غير مخالفة لهم، منهم - كما قاله ابن المنذر، وابن حزم، وغيرهما -: عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥] فالنسيان ليس من كسب القلب، وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل، لا بنسيانه، فكذلك الصيام.

стр. 12621

وأما القياس الذي ذكره ابن العربيّ فهو في مقابلة النصّ فلا يقبل، ورَدُّه للحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القاعدة ليس بمسلَّم؛ لأنه قاعدة مستقلة بالصيام، فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو فُتِحَ باب ردّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لَمَا بقي من الحديث إلا القليل، ولردّ من شاء ما شاء. قال الشوكانيّ ﵀: وأما اعتذار ابن دقيق العيد، فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدّعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث الباب مخصّصاً لها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح المذاهب مذهب الجمهور القائلين بصحّة صوم من أكل أو شرب ناسياً، وأنه لا قضاء عليه؛ لوضوح حجته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم من جامع ناسياً صومه: ذهب الحسن البصريّ، ومجاهد، والثوريّ، وأصحاب الرأي، والشافعيّ، وإسحاق أن الجماع ناسياً حكمه حكم الأكل والشرب ناسياً. واستُدلّ لهم بأن الحديث، وإن ورد في الأكل والشرب، لكنه معلّل بمعنى يوجد في الكلّ؛ أي الأكل والشرب والجماع، وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى حيث قال: "فإنما أطعمه الله وسقاه" قطع إضافتها عن العبد بوقوعه فيه من غير قصد واختيار، وهذا المعنى يوجد في الكلّ، والعلّة إذا كانت منصوصاً عليها كان الحكم منصوصاً عليه، ويتعمّم الحكم بعموم العلّة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكلّ. واستُدلّ لهم أيضًا بما تقدّم في رواية ابن خزيمة وغيره من قوله: "من أفطر في شهر رمضان"؛ لأن الفطر أعمّ من أن يكون بأكل، أو شرب، أو

стр. 12622

جماع، وإنما خصّ الأكل والشرب بالذكر في حديث الباب؛ لكونهما أغلب وقوعاً، ولعدّ الاستغناء عنهما غالباً، قال ابن دقيق العيد ﵀: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب؛ لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي مفهوماً. انتهى. وذهب عطاء، والأوزاعئ، ومالك، والليث بن سعد إلى أن عليه القضاء، لا الكفّارة، وقال أحمد: عليه القضاء والكفّارة، واحتَجّ بأن النبيّ ﷺ لم يسأل الذي وقع على أهله أنسيتَ أم تعمّدت، ولو افترق الحال لسأل، واستفصل. وتعقّبه الخطّابيّ بأن معناه في هذا اقتضاء العموم من الفعل، والعموم إنما يُقْتَضَى من القول دون الفعل، وإنما جاء الحديث بذكر حال، وحكاية فعل، فلا يجوز وقوعه على العمد والنسيان معاً، فبطل أن يكون له عموم، ومن مذهب أبي عبد الله -يعني الإمام أحمد - أنه إذا أكل ناسياً لم يفسد صومه؛ لأن الأكل لم يحصل منه على وجه المعصية، فكذلك إذاس جامع ناسياً، فأما المتعمّد لذلك فقد حصل منه الفعل على وجه المعصية، فلذلك وجبت عليه الكفّا رة. انتهى (١). وتُعُقّب أيضاً بأن الأصل في الأفعال أن تكون عن عمد، وأن الناسي لا بدّ أن يذكر النسيان إذا استفتى؛ لأنه عذرٌ، ولا يحتاج إلى السؤال عنه (٢). قال الجامح عفا الله ضه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح قول الأولين من أن من جامع ناسياً لصومه لا يفسد صومه، ولا قضاء عليه، ولا كفّارة؛ لقوّة حجته، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12623

(٣٦) - (بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَطَوُّعاً) (١) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٧] (١١٥٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَل كَانَ النَّبِي ﷺ يَصُومُ شَهْراً مَعْلُوماً، سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: وَاللهِ اِنْ صَامَ شَهْراً مَعْلُوماً، سِوَى رَمَضَانَ، حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، وَلَا أَفْطَرَهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢. ٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) -بضمّ الجيم مصغّراً- هو: سعيد بن إياس أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ٢٦٦. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت ١٠٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٤/ ٤٥٠. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو

стр. 12624

داود، وابن ماجه، وعبد الله بن شقيق ما أخرج له البخاريّ في "الصحيح". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وعائشة ﵂، فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن الْجُريريّ ممن اختَلَط ثلاث سنين، كما أسلفته آنفاً، لكن الراوي عنه هنا يزيد بن زُريع ممن روى عنه قبل اختلاطه، كما بيّنت ذلك في منظومتي في المختلطين، فقلت: كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَة سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَطْ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ (١) وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ (٢) تَلَا وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِي وَابْنُ زُرَيْعٍ أَعْلَى ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْراً مَعْلُوماً) وفي الرواية التالية: "أكان النبيّ ﷺ يصوم شهراً كلّه" (سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: وَاللهِ) فيه تأكيد الجواب بالقسم، وإن كان مما لا يُشكّ فيه؛ تأكيداً (إِنْ) - بكسر الهمزة، وسكون النون -. [فائدة]: قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀ في "مغنيه" ما حاصله: أنّ "إِنْ" تكون نافية، وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ومن ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي وما أحد من أهل

стр. 12625

الكتاب إلا ليؤمنن به، فحُذف المبتدأ، وبقيت صفته، ومثله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. وتدخل أيضاً على الجملة الفعلية، نحو: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧] ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. قال: وقول بعضهم: لا تأتي "إِن" النافية إلا وبعدها "إلا" كهذه الآيات، أو "لَمَّا" المشددة التي بمعناها، كقراءة بعض السبعة: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] بتشديد الميم؛ أي: ما كلُّ نفس إلا عليها حافظ، مردود بقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨]، ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٥]، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] انتهى كلام ابن هشام ﵀ (١). والمعنى هنا: ما (صَامَ) النبيّ ﷺ (شَهْراً مَعْلُوماً) وفي رواية أيوب الآتية: "وما رأيته صام شهراً كاملاً" (سِوَى رَمَضَانَ، حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ) وفي الرواية التالية: "حتى مضى لسبيله"، وهو كناية عن الموت؛ أي حتى مات، قال القاري ﵀: واللام في "لسبيله" مثلها في قولك: لقيته لثلاث بَقِين من الشهر، تريد مُستقبلاً لثلاث؛ أي كان حالُه ما ذُكِر إلى أن مات، وفيه إشارة إلى أنه بُعِث لأداء الرسالة، فلما أدّاها مضى إلى مأواه ومستقرّه. انتهى (٢). (وَلَا أَفْطَرَهُ) أي الشهر المعلوم (حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ) أي حتى يصيب بعضه بالصوم، وهو بمعنى قوله في رواية التالية: "حتى يصوم منه". قال الطيبيّ ﵀: "حتى" هذه بمعنى "كي"، كقولك: سرت حتى أدخلَ البلد بالنصب؛ إذا كان دخولك مُتَرَقَّباً لَمَّا يوجد، كأنك قلت: سرت كي أدخلَها، أو كان منقضياً، إلا أنه في حكم المستقبل، من حيث إنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقَّباً. وتحريره إن "حتى" هنا غاية عدم العلم باستمرار الإفطار المستعقِب للصوم، و"حتى" في قوله: "حتى مضى … إلخ" غاية لعدم علمه بالحالتين،

стр. 12626

من الصيام والإفطار، والاستمرار هو مستفاد من النفي الداخل على الماضي، والحديث وارد على هذا؛ لأنه ﷺ حين عَزَم أن لا يصوم الشهر كله كان مترقباً أن يصوم بعضه، و"حتى" في قوله: "حتى مضى … إلخ " غاية لما تقدمه من الْجُمَل كلها. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ بتصرّف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ من رواية عبد الله بن شقيق عنها من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٧١٧ و ٢٧١٨ و ٢٧١٩ و ٢٧٢٠ و ٢٧٢١ و ٢٧٢٢ و ٢٧٢٣] (١١٥٦) و (٧٨٢)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٦٨)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٥٠ و ١٥١ و ١٥٢ و ١٩٩ و ٢٠٠) و"الكبرى" (٢/ ٨٤)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧١٠)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٩٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٥٧ و ١٧١ و ٢٢٧ و ٢٤٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٠٧٧)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٨٠)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٣/ ٧٠٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٦٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان هدي النبيّ ﷺ في صيامه في غير رمضان. ٢ - (ومنها): استحباب أن لا يُخلي الإنسان أيّ شهر من الشهور عن الصوم فيه. ٣ - (ومنها): بيان أن صوم النفل غير مختصّ بزمان معيّن، بل كل السنة صالحة له، إلا رمضان، والعيد، والتشريق. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من شدّة طلبهم للعلم، وشدّة

стр. 12627

حرصهم على معرفة أحوال النبيّ ﷺ في الصوم وغيره حتى يقتدوا به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ شَهْراً كُلَّهُ؟، قَالَتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْراً كُلَّهُ، إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ، حَتى مَضَى لِسَبِيلِهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٣ - (كهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (حَتى مَضَى لِسَبِيلِهِ) تقدّم بلفظ: "حتى مضى لوجهه"، والمعنى متقارب، وهو كناية عن الموت. والحديث من هذا الوجه من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧١٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ حَمَّادٌ: وَأَظُنُّ أَيُّوبَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ

стр. 12628

عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صَوْمِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ، قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْراً كَامِلاً، مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَمَضَانَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. ٤ - (هِشَامُ) بن حسّان الْقُرْدوسيّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الإمام المشهور، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَالَ حَمَّادٌ: وَأَظُن أَيُّوبَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) "حمّاد" هو: ابن زيد؛ يعني أن هذا الحديث كما سمعه أيوب عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، كذلك سمعه من عبد الله بن شقيق مباشرة، كما ساق ما يدّل على ذلك في الرواية التالية، فيكون مما رواه أيوب عن عبد الله بن شقيق بواسطة، ودون واسطة، فتنبّه. والحديث من هذا الوجه من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ هِشَاماً، وَلَا مُحَمَّداً).

стр. 12629

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ هِشَاماً، وَلَا مُحَمَّداً) الظاهر أن فاعل "يذكُر" ضمير قُتيبة؛ يعني أن قتيبة روى هذا الحديث عن حمّاد بن زيد مثل ما حدّث عنه أبو الربيع الزهرانيّ في السند، إلا أنه خالفه في إسقاط هشام ومحمد بين أيوب وعبد الله بن شقيق، فيكون مما رواه أيوب عن ابن شقيق بلا واسطة. والظاهر أن المصنّف ﵀ يرى صحة الطريقين، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية أيوب، عن عبد الله بن شقيق هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٢) فقال: حدّثنا علي بن هارون، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صيام النبيّ ﷺ ، فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر، قد أفطر، وما صام رسول الله ﷺ شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا رمضان. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى إلامام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢١] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ، إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَاماً في شَعْبَانَ).

стр. 12630

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الإمام المشهور الحجة الفقيه الثبت [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) هو: سالم بن أبي أُميّة التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١. ٣ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) وفي رواية ابن وهب عند النسائيّ، والدارقطنيّ في "الغرائب" عن مالك، عن أبي النضر أنه حدّثهم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂) وفي رواية البخاريّ: "أن عائشة حدّثته"، وفي الرواية التالية عند المصنّف: "سألت عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ ". [تنبيه]: قال في "الفتح": اتفق أبو النضر، ويحيى بن أبي كثير، ووافقهما محمد بن إبراهيم، وزيد بن أبي عَتّاب، عند النسائيّ، ومحمد بن عمرو، عند

стр. 12631

الترمذيّ على روايتهم هذا الحديث عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، وخالفهم يحيى بن سعيد، وسالم بن أبي الجعد، فروياه عن أبي سلمة، عن أم سلمة، أخرجهما النسائيّ، وقال الترمذيّ عقب طريق سالم بن أبي الجعد: هذا إسناد صحيحٌ، وَيحْتَمِل أن يكون أبو سلمة رواه عن كلّ من عائشة وأم سلمة ﵂. قال الحافظ: ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيميّ رواه عن أبي سلمة، عن عائشة تارةً، وعن أم سلمة تارةً أخرى، أخرجهما النسائيّ. انتهى (١). (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ) أي صوم النفل متتابعاً (حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ) أي ينتهي صومه إلى غاية أن نقول: إنه لا يُفطر في هذا الشهر. قال التوربشتيّ ﵀ في "شرح المشكاة": قوله: "حتى نقول" الرواية بالنون، وقد وجدت في بعض النسخ بالتاء على الخطاب، كأنها قالت: حتى تقول أيها السامع لو أبصرته، والرواية أيضًا بنصب "نقولَ"، وهو الأكثر في كلامهم، ومنهم من رفع المستقبل في مثل هذا الموضع. انتهى (٢). (وَيُفْطِرُ) أي يستمرّ على الإفطار (حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ) أي ينتهي إفطاره إلى غاية أن نقول: إنه لا يصوم في هذا الشهر، وذلك لأن الأعمال التي يتطوّع بها ليست منوطة باوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها، قاله في "العمدة" (٣). وقال القرطبي ﵀: معنى هذا أنه ﷺ كان يصوم متطوِّعاً، فيُكثر، ويوالي حتى تتحدث نساؤه وخاصّته بصومه، ويُفطر كذلك، ومثل هذا حديث ابن عبّاس ﵄: "كان يصوم حتى يقول القائل: لا يُفطر، ويُفطر حتى يقول القائل: لا يصوم"، وبمثل هذا أخبر ﷺ به عن نفسه، فقال: "بل أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، فمن رَغِب عن سُنّتي فليس منّي"، متّفقٌ عليه. انتهى (٤). (وَمَا) نافيةٌ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ، إِلَّا رَمَضَانَ)

стр. 12632

إنما لمِ يستكمل شهراً غيره؛ لئلا يُظنّ وجوبه (وَمَا رَأَيْتُهُ) ﷺ (فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَاماً فِي شَعْبَانَ) قال في "الفتح": قوله: "أكثرَ صياماً" كذا لأكثر الرواة بالنصب، وحَكَى السهيليُّ أنه رُوي بالخفض، وهو وَهَمٌ، ولعل بعضهم كتب "صياماً" بغير ألف على رأي من يَقِف على المنصوب بغير ألف، فتُوُهّم مخفوضاً، أو أن بعض الرواة ظنّ أنه مضاف؛ لأن صيغة "أَفْعَل " تضاف كثيراً، فتوهّمها مضافة، وذلك لا يصح هنا قطعاً (١). وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "أكثرَ" ثاني مفعولي "رأيتُ"، والضمير في "منه" راجع إلى رسول الله ﷺ ، و"في شعبان" متعلّق بـ "صياماً"، والمعنى: كان رسول الله ﷺ يصوم في شعبان، وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان أكثرَ من صيامه فيما سواه. انتهى (٢). وقال في "المرقاة": وقيل: قوله: "في شهر" يعني به غير شعبان، وهو حال من المستكنّ في "أكثر"، و"في شعبان" حال من المجرور في "منه" العائد إلى "رسول الله ﷺ "؛ أي ما رأيته كائناً في غير شعبان أكثر صياماً منه كائناً في شعبان، مثل زيد قائماً أحسن منه قاعداً، أو كلاهما ظرف "أكثر"، الأوّل باعتبار الزيادة، والثاني باعتبار أصل المعنى، ولا تعلق له برأيته، وإلا يلزم تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالة واحدة. انتهى (٣). وفي حديث يحيى بن أبي كثير الآتية: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ"، وفي رواية ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن عائشة الآتية: "وَلَمْ أَرَهُ صَائِماً مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً". ورواه الشافعيّ من هذا الوجه بلفظ: "بل كان يصوم إلخ"، وهذا يبيّن أن المراد بقوله في حديث أم سلمة ﵂ عند أبي داود وغيره: "أنه كان لا يصوم من السنة شهراً تامًّا إلا شعبان، يصله برمضان"؛ أي كان يصوم مُعْظَمه، ونقل

стр. 12633

الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى، واشتغل ببعض أمره، قال الترمذيّ: كأن ابن المبارك جَمَعَ بين الحديثين بذلك (١). وحاصله أن الرواية الأولى مفسِّرة للثانية مخَصِّصةٌ لها، وأن المراد بالكل الأكثر، وهو مجاز، قليل الاستعمال. واستبعده الطيبيّ، قال: لأن الكل تأكيد لإرادة الشمول، ودفع التجوّز، فتفسيره بالبعض منافي له، قال: فَيُحْمَل على أنه كان يصوم شعبان كله تارةً، ويصوم معظمه أخرى؛ لئلا يتوهم أنه واجبٌ كله كرمضان. وقيل: المراد بقولها: "كله" أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طوراً، فلا يُخْلِي شيئاً منه من صيام، ولا يخص بعضه بصيام دون بعض. وقال الزيق ابق الْمُنِّير: إما أن يُحْمَل قولُ عائشة ﵂ على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يُجْمَع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانياً عن آخر أمره أنه كان يصومه كله. انتهى. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائيّ، ولفظه: "ولا صام شهراً كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان"، وهو

стр. 12634

مثل حديث ابن عباس ﵄ الآتي بعد حديث عائشة ﵂ (١). [فائدة]: "شعبان": اسم من أسماء الشهور، غير منصرف؛ للعلميّة وزيادة الألف والنون، كرمّان، وجمعه شعبانات، وشَعَابين، أفاده في "المصباح" (٢). وإنما سُمّي شعبان به؛ لتشعّبهم؛ أي تفرّقهم في طلب المياه، وقيل: في الغارات بعد أن يَخْرُج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله، وقيل: إنما سُمّي شعبان؛ لأنه شَعَبَ؛ أي ظهر بين شهري رمضان ورَجَب، قاله في "الفتح"، و"اللسان" (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٧٢١ و ٢٧٢٢ و ٢٧٢٣، (١١٥٦) و (٧٨٢)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٦٩)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢/ ٣٢٤)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٩٩ - ٢٠٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٠٩)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢/ ٣٤٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٠٧ و ١٥٣ و ٢٤٢) و"الكبرى" (٢/ ٨٣ و ١١٩ و ١٧٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٣٠٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٦٤٨)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٢)، و (عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٤٣٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٩٢ و ٢٩٩) و"المعرفة" (٣/ ٤٤٢)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٧٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان هدي النبيّ ﷺ في صوم التطوّع. ٢ - (ومنها): بيان استحباب أن لا يخلو شهر من الشهور عن صوم التطوّع.

стр. 12635

٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على فضل الصوم في شعبان. ٤ - (ومنها): بيان إكثاره ﷺ من صوم شعبان. [فإن قلت]: كيف تجمع بين إكثاره ﷺ الصوم في شعبان مع قوله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم"؟، رواه مسلم. [قلت]: أجاب النوويّ ﵀ عنه بأنه يَحْتَمِل أن يكون ﷺ ما عَلِم ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو اتَّفَق له فيه من الأعذار بالسفر، أو المرض مثلًا ما منعه من كثرة الصوم فيه (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكمة إكثار النبيّ ﷺ من صوم شعبان، وتخصيصه بذلك من بين سائر الشهور: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: فقيل: سببه أنه ﷺ كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر، أو غيره، فتجتمع، فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطّال، وفيه حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط"، من طريق ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أَخّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، فيصوم شعبان. وابن أبي ليلى ضعيف، وحديث الباب دالّ على ضعف ما رواه. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر، أخرجه الترمذيّ من طريق صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس ﵁، قال: سئل النبيّ ﷺ : أيُّ الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: "شعبان لتعظيم رمضان"، قال الترمذيّ: حديث غريبٌ، وصدقة عندهم ليس بذاك القوي. قال الحافظ: ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: "أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم". وقيل: الحكمة في إكثاره ﷺ من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كُنّ يقضين ما عليهنّ من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما تقدم في الحكمة

стр. 12636

في كونِهِنّ كُنّ يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان؛ لأنه ورد فيه أن ذلك لكونهنّ كُنّ يشتغلن معه ﷺ عن الصوم. وقيل: الحكمة في ذلك أنه يَعْقُبه رمضان وصومه مفترَضٌ وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان. قال الحافظ ﵀: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصحّ مما مضى، أخرجه النسائيّ، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: "ذلك شهر يَغْفُلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرْفَع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرْفَع عملي، وأنا صائم". ونحوه من حديث عائشة ﵂ عند أبي يعلى، لكن قال فيه: "إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم". قال: ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يُحْمَل النهي على من لم تَدخُل تلك الأيام في صيام اعتاده. انتهى كلام الحافظ ﵀" (١)، وهو بحث نفيسٌ مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعاً عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أفطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِماً مِنْ شَهْرٍ قَطُّ

стр. 12637

أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَمْرٌو الناقِدُ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريباً. ٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) - بفتح اللام - هو: عبد الله بن أبي لبيد، أبو المغيرة المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] مات سنة بضع و (١٣) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٠/ ١٤٥٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً) قال القرطبيّ ﵀: قيل: إن الكلام الأول يفسِّره الثاني، ويخصصه، وحينئذ يوافق قولها هذا مع قولها: "ما رأيته أكثر صوماً منه في شعبان"، وكذلك قال ابن عبَّاس ﵄: "إنه ﷺ ما صام شهراً غير رمضان"، وقيل: معنى ذلك: أنه كان يصومه مرة كله، ومرة ينقص منه؛ لئلا يتوهم وجوبه. وقيل في قولها: "كان يصوم شعبان كله": أي: يصوم في أوله، ووسطه، وآخره، ولا يخص شيئاً منه، ولا يعمُّه بصيام، وهذا أبعدها، وقد مضى القول على ما تضمنه أكثر هذا الحديث. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٣] (٧٨٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ

стр. 12638

يَقُولُ: "خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَكَانَ يَقُولُ: "أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصرفي، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس وُيرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِن اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ يَقُولُ: أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ) تقدّم شرح هذا الكلام في "كتاب صلاة المسافرين وقصرها" [٣٢/ ١٨٢٧] (٧٨٢)، فراجعه تستفد علماً جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. وقال في "الفتح": مناسبة هذا الكلام للحديث الإشارة إلى أن صيامه ﷺ لا ينبغي أن يَتأسَّى به فيه إلا من أطاق ما كان يُطيقه ﷺ ، وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خُشِي عليه أن يَمَلَّ فيفضي إلى تركه، والمداومة على العبادة وإن قَلَّت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع غالباً، وقد تقدم الكلام على مداومته ﷺ على صلاة التطوع في بابها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12639

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٤] (١١٥٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَاسٍ ﵄، قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْراً كَامِلاً قَط غَيْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ إِذَا أفطَرَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. ٢ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وَحْشيّة إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ من أثبت الناس في سعيد بن جُبير [٥] (٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٨. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩. ٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. و"أبو الربيع" ذُكر في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ﵄ حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) وفي رواية أبي داود الطيالسيّ في "مسنده" من طريق شعبة، عن أبي بشر: حدّثني سعيد بن جُبير (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْراً كَامِلاً قَط غَيْرَ رَمَضَانَ) قال الكرمانيّ ﵀: تقدم أنه

стр. 12640

كان يصوم شعبان كلّه، ثم قال: إما أنه أراد بالكل معظمه، وإما أنه ما رأى إلَّا رمضان فأخبر بذلك على حسب اعتقاده. انتهى (١). (وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ) "لا" الثانية مؤكّدة للأولى (وَيُفْطِرُ إِذَا أَفْطَرَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ) في الحديث استحباب التنفل بالصوم في كل شهر، وأن صوم النفل المطلق لا يَخْتَصّ بزمان إلا ما نَهَى عنه وأنه ﷺ لم يصم الدهر، ولا قام الليل كله، وكأنه ترك ذلك؛ لئلا يُقْتَدَى به، فيشقّ على الأمة، وإن كان قد أُعْطي من القوّة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوُسْطَى، فصام وأفطر، وقام ونام، أشار إلى ذلك المهلَّب ﵀، وفيه الحلف على الشيء، وإن لم يكن هناك مَن ينكره مبالغةً في تأكيده في نفس السامع، قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٧٢٤ و ٢٧٢٥ و ٢٧٢٦ و ٢٧٢٧] (١١٥٧)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٧١)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٣٠)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٣٠٥)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٩٩)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧١١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٧ و ٢٤١ و ٢٧١ و ٣٠١ و ٣٢١)، و (الدراميّ) في "سننه" (٢/ ٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٥١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٢٥] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: شَهْراً فتَتَابِعاً مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ).
следующие страницы →