في كونِهِنّ كُنّ يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان؛ لأنه ورد فيه أن ذلك لكونهنّ كُنّ يشتغلن معه ﷺ عن الصوم.
وقيل: الحكمة في ذلك أنه يَعْقُبه رمضان وصومه مفترَضٌ وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره؛ لما يفوته من التطوع بذلك في أيام رمضان.
قال الحافظ ﵀: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصحّ مما مضى، أخرجه النسائيّ، وأبو داود، وصححه ابن خزيمة، عن أسامة بن زيد ﵄ قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: "ذلك شهر يَغْفُلُ الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرْفَع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرْفَع عملي، وأنا صائم".
ونحوه من حديث عائشة ﵂ عند أبي يعلى، لكن قال فيه: "إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم".
قال: ولا تعارض بين هذا وبين ما تقدم من الأحاديث في النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يُحْمَل النهي على من لم تَدخُل تلك الأيام في صيام اعتاده. انتهى كلام الحافظ ﵀" (١)، وهو بحث نفيسٌ مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعاً عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أفطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِماً مِنْ شَهْرٍ قَطُّ
стр. 12637
أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرٌو الناقِدُ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريباً.
٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) - بفتح اللام - هو: عبد الله بن أبي لبيد، أبو المغيرة المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] مات سنة بضع و (١٣) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٠/ ١٤٥٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً) قال القرطبيّ ﵀: قيل: إن الكلام الأول يفسِّره الثاني، ويخصصه، وحينئذ يوافق قولها هذا مع قولها: "ما رأيته أكثر صوماً منه في شعبان"، وكذلك قال ابن عبَّاس ﵄: "إنه ﷺ ما صام شهراً غير رمضان"، وقيل: معنى ذلك: أنه كان يصومه مرة كله، ومرة ينقص منه؛ لئلا يتوهم وجوبه.
وقيل في قولها: "كان يصوم شعبان كله": أي: يصوم في أوله، ووسطه، وآخره، ولا يخص شيئاً منه، ولا يعمُّه بصيام، وهذا أبعدها، وقد مضى القول على ما تضمنه أكثر هذا الحديث. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢٣] (٧٨٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، وَكَانَ
стр. 12638
يَقُولُ: "خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَكَانَ يَقُولُ: "أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصرفي، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس وُيرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِن اللهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ يَقُولُ: أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ) تقدّم شرح هذا الكلام في "كتاب صلاة المسافرين وقصرها" [٣٢/ ١٨٢٧] (٧٨٢)، فراجعه تستفد علماً جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
وقال في "الفتح": مناسبة هذا الكلام للحديث الإشارة إلى أن صيامه ﷺ لا ينبغي أن يَتأسَّى به فيه إلا من أطاق ما كان يُطيقه ﷺ ، وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خُشِي عليه أن يَمَلَّ فيفضي إلى تركه، والمداومة على العبادة وإن قَلَّت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليل الدائم أفضل من الكثير المنقطع غالباً، وقد تقدم الكلام على مداومته ﷺ على صلاة التطوع في بابها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 12639
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢٤] (١١٥٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَاسٍ ﵄، قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْراً كَامِلاً قَط غَيْرَ رَمَضَانَ، وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ إِذَا أفطَرَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٢ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وَحْشيّة إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ من أثبت الناس في سعيد بن جُبير [٥] (٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٨.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﵄، مات سنة (٦٨) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
و"أبو الربيع" ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس ﵄ حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) وفي رواية أبي داود الطيالسيّ في "مسنده" من طريق شعبة، عن أبي بشر: حدّثني سعيد بن جُبير (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: مَا صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْراً كَامِلاً قَط غَيْرَ رَمَضَانَ) قال الكرمانيّ ﵀: تقدم أنه
стр. 12640
كان يصوم شعبان كلّه، ثم قال: إما أنه أراد بالكل معظمه، وإما أنه ما رأى إلَّا رمضان فأخبر بذلك على حسب اعتقاده. انتهى (١).
(وَكَانَ يَصُومُ إِذَا صَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ) "لا" الثانية مؤكّدة للأولى (وَيُفْطِرُ إِذَا أَفْطَرَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ) في الحديث استحباب التنفل بالصوم في كل شهر، وأن صوم النفل المطلق لا يَخْتَصّ بزمان إلا ما نَهَى عنه وأنه ﷺ لم يصم الدهر، ولا قام الليل كله، وكأنه ترك ذلك؛ لئلا يُقْتَدَى به، فيشقّ على الأمة، وإن كان قد أُعْطي من القوّة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوُسْطَى، فصام وأفطر، وقام ونام، أشار إلى ذلك المهلَّب ﵀، وفيه الحلف على الشيء، وإن لم يكن هناك مَن ينكره مبالغةً في تأكيده في نفس السامع، قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٧٢٤ و ٢٧٢٥ و ٢٧٢٦ و ٢٧٢٧] (١١٥٧)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٧١)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٣٠)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٣٠٥)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ١٩٩)، و (ابن ماجه) في "الصيام" (١٧١١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٧ و ٢٤١ و ٢٧١ و ٣٠١ و ٣٢١)، و (الدراميّ) في "سننه" (٢/ ٣٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٣)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ٥١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢٥] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: شَهْراً فتَتَابِعاً مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ).
стр. 12641
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار الْعبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٣ - (فُنْدَز) محمد بن جعفر، أبو عبد الله البصريّ، ربيب شعبة، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الناقد المشهور [٧] (١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
و"أبو بشر" ذُكر قبله.
وقوله: (وَقَالَ) فا عله ضمير "شعبة".
[تنبيه]: رواية شعبة، عن أبي بشر هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٣) فقال:
(٢٦٢٦) - أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن أبي بشر، سمع سعيد بن جبير، يحدّث عن ابن عباس (ح) وثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، ثنا غندر، ويحيى بن سعيد، قالا: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يصوم، وما صام شهراً متتابعاً، غير رمضان، منذ قدم المدينة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأنصَارِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ يْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صَوْمِ رَجَبٍ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي رَجَبٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ
стр. 12642
ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ، حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم الْأنصَارِيُّ) هو: عثمان بن حكيم بن عَبّاد بن حُنيف الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات قبل (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ … إلخ) أي: قال سعيد بن جبير ﵀: سمعت ابن عبّاس ﵄ … إلخ، قال النوويّ ﵀: الظاهر أن مراد سعيد بن جبير بهذا الاستدلالِ أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه لعينه، بل له حكم باقي الشهور، ولم يثبت في صوم رجب نهي ولا ندبٌ لعينه، ولكن أصل الصوم مندوب إليه، وفي "سنن أبي داود" أن رسول الله ﷺ نَدَبَ إلى الصوم من الأشهر الحرم، ورجب أحدها. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِي بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، في هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ).
стр. 12643
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يلقَّب بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] مات بعد (٢٢٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢١.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) تقدّم قريباً.
و"عثمان" ذُكر قبله.
[تنبيه]: أما رواية عليّ بن مسهر، عن عثمان بن حكيم، فلم أر من ساقها، فليُنظر.
وأما رواية عيسى بن يونس، عنه، فقد ساقها أبو داود ﵀ في "سننه" (٢/ ٣٢٣) فقال:
(٢٤٣٠) - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، ثنا عِيسَى، ثنا عُثْمَانُ، يَعْنِي ابن حَكِيمٍ، قال: سَأَلْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عن صِيَام رَجَبٍ، فقال: أخبرني ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كان يَصُومُ حتى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حتى نَقُولَ: لَا يَصُومُ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢٨] (١١٥٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ (١)، حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ (ح) وَحَدَّثَني أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا (٢) ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ، حَتَّى يُقَالَ: قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ، حَتَّى يُقَالَ: قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ).
стр. 12644
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) هو: محمد بن أحمد بن أبي خلف، تقدّم قريباً أيضًا.
٣ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد (٢٠٠)، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٥ - (حَمَّادُ) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٦ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و (١٢٠) وله (٨٦) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٧ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجي، الصحابيّ الخادم المشهور، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
و"أبو بكر بن نافع"، وهو: محمد بن أحمد بن نافع ذُكر في الباب، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: روى البخاريّ ﵀ هذا الحديث من رواية حميد، لا من رواية ثابت، ولفظه:
(١٩٧٢) - حدّثني عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدّثني محمد بن جعفر، عن حميد، أنه سمع أنساً ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظنّ أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظنّ أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته".
(١٩٧٣) - حدّثني محمد - هو ابن سلام - أخبرنا أبو خالد الأحمر،
стр. 12645
أخبرنا حميد، قال: سألت أنساً ﵁ عن صيام النبيّ ﷺ ، فقال: ما كنت أحبّ أن أراه من الشهر صائماً إلا رأيته، ولا مفطراً إلا رأيته، ولا من الليل قائماً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته، ولا مَسِسْتُ خَزَّةً، ولا حريرةً ألين من كَفّ رسول الله ﷺ ، ولا شَمِمْتُ مِسْكَةً، ولا عَبِيرةً أطيب رائحةً من رائحة رسول الله ﷺ . انتهى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٧٢٨] (١١٥٨)، و (البخاريّ) في "الصوم" (١٩٧٢ و ١٩٧٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٥٩ و ٢٠٨ و ٢٥٢)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١٣٢٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٦/ ٢٤٠)، و (ابن سعد) في "الطبقات" (١/ ٣٨٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٣٧) - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ) (١)
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٢٩] (١١٥٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، فَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ وَهْبٍ، يُحَدَّثُ عَنْ يُونُسَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو
стр. 12646
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرو بْن الْعَاصِ قَالَ: أُخْبرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّه يَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، وَلأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ، فقَال رَسُول اللهِ ﷺ : "أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟ " فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ، وَأَفْطِرْ، وَنَمْ، وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاَثَةَ أَيَّام، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ (١)، قَالَ: "صُمْ يَوْماً، وَأفطِرْ يَوْمَيْنِ"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْماً، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَام"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطيقُ أفضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ"، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ﵁: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاَثَةَ أَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيه عابد [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأموي مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الثبت الفقيه المشهور، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
стр. 12647
٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم في الباب الماضي.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد السهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات ليلة الحرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بكتابة (خ).
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ والترمذيّ، والثاني انفرد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة بلا خلاف، وأبا سلمة منهم أيضًا على بعض الأقوال.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد العبادلة الأربعة.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه قال: (أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄.
[تنبيه]: هذا الحديث رواه جماعة عن عبد الله بن عمرو ﵄، فقد أورده المصنّف في هذا الباب من رواية أبي سلمة، وابن المسيِّب، وأبي العبّاس الشاعر، وعمرو بن أوس، وأبي المليح، وأبي عياض، وسعيد بن ميناء، كلهم عن عبد الله بن عمرو ﵄.
وأورده البخاريّ في "صحيحه" عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، وأبي العباس الشاعر، ومجاهد، وأبي المليح كلهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال الحافظ ﵀: ورواه جماعة من الكوفيين، والبصريين، والشاميين، عن عبد الله بن عمرو مطولًا ومختصراً، فمنهم من اقتصر على قصة الصلاة،
стр. 12648
ومنهم من اقتصر على قصة الصيام، ومنهم من ساق القصة كلها، قال: ولم أره من رواية أحد من المصريين عنه، مع كثرة روايتهم عنه. انتهى (١).
(قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) ببناء الفعل للمفعول، والمخبر هوأبوه عمرو بن العاص ﵁، كما يأتي من رواية البخاريّ من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمرو.
أَنَّه يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ، وَلَأَصُومَنَّ النَّهَارَ مَا عِشْتُ) "ما" مصدريّة ظرفيّة؛ أي مدّة عَيشي، وبقائي في الدنيا، وفي رواية عكرمة بن عمّار التالية: "قال: كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كلَّ ليلة، قال: فإما ذُكِرتُ للنبيّ ﷺ ، وإما أرسل إليّ، فأتيته، فقال لي: ألم أُخْبَرْ أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كلّ ليلة؟ فقلت: بلى يا نبيّ الله، ولم أُرد بذلك إلا الخير".
وفي رواية للنسائيّ من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: "قال لي عبد الله بن عمرو: يا ابن أخي إني قد كنت أجمعت على أن أجتهد اجتهاداً شديداً، حتى قلت: لأصومنّ الدهر، ولأقرأنّ القرآن في كل ليلة".
وفي رواية للبخاريّ في "فضائل القرآن"، من طريق مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: "أنكحني أبى امرأةً ذات حَسَب، وكان يتعاهدها، فسألها عن بعلها، فقالت: نِعم الرجل من رجل لم يطأً لنا فِراشاً، ولم يفتش لنا كَنَفاً منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ ، فقال له: الْقَنِي به، فلقيته بعدُ … "، فذكر الحديث، زاد النسائيّ، وابن خزيمة، وسعيد بن منصور، من طريق أخرى عن مجاهد: "فوقع عليّ أبي، فقال: زوّجتك امرأةً، فعضلتها، وفعلت وفعلت وفعلت، قال: فلم ألتفت إلى ذلك؛ لِمَا كانت لي من القوّة، فذكر ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: القني به، فأتيته معه"، ولأحمد من هذا الوجه: "ثم انطلق إلى النبيّ ﷺ ، فشكاني".
وفي رواية أبي المليح، عن عبد الله بن عمرو الآتية قال: ذكر للنبيّ ﷺ صومي، فدخل عليّ، فالقيت له وِسادةً.
وفي رواية أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو الآتية: "بلغ النبيّ ﷺ أني
стр. 12649
أصوم أسرُد، وأُصلي الليل، فإما أرسل إليّ، وإما لقيته، فقال: ألم أُخبَرْ أنك تصوم، ولا تفطر … ".
قال في "الفتح": ويُجْمَع بينهما بأن يكون عمرو توجه بابنه إلى النبيّ ﷺ ، فكلّمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك، ثم أتاه إلى بيته زيادة في التأكيد. انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آنْتَ) بمدّ الهمزة، أصله أأنت بهمزتين، أولاهما للاستفهام (الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟ ") أي ما ذكر من قولك: لأقومنّ الليل، ولأصومنّ النهار ما عِشْتُ (فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ) زاد في الرواية التالية: "ولم أرد إلا الخير" (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) قال في "الفتح": يَحْتَمل أن يريد به الحالة الراهنة؛ لما عَلِمه النبيّ ﷺ من أنه يتكلّف ذلك، ويُدخِل به على نفسه المشقّة، ويُفَوِّت به ما هو أهمّ من ذلك.
ويَحْتَمِل أن يريد به ما سيأتي بعدُ إذا كَبِر وعَجِزَ، كما اتَّفق له سواءً، وكَرِهَ أن يوظِّف على نفسه شيئاً من العبادة، ثم يعجز عنه، فيتركه؛ لما تقرَّر من ذمّ مَنْ فَعَلَ ذلك. انتهى (٢).
وفي الرواية الآتية: "فلا تفعل، فإن لعينك عليك حظًّا، ولنفسك حظًّا، ولأهلك حظًّا "، وفي رواية: "فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمت له عيناك، ونَفِهت نفسك"، وزاد في رواية ابن خزيمة: "إن لكل عامل شِرَّة (٣) ولكل شِرّة فترةً، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك".
(فَصُمْ) أي في بعض الأيام، وقال القاري ﵀: "صُمْ " وقتَ النشاط، وهو لا يكون إلا في بعض الأيام، أو وقت طُغْيان النفس؛ لتنكسر سَوْرتها. انتهى (٤).
(وَأَفْطِرْ) بقطع الهمزة؛ أي في بعضها، وقال القاري ﵀: "وأَفْطِرْ" وقتَ
стр. 12650
السآمة والملالة، وخمود النفس، وكسر شهوتها، أو صُمْ أيام الفواضل؛ لإدراك الفضائل، وأفطر في غيرها؛ لتقوية البدن، وتحسين الأخلاق والشمائل. انتهى (١).
(وَنَمْ) بفتح النون (٢)، أمر من نام ينام، من باب خاف؛ أي نَمْ بعض الليل (وَقُمْ) أي: بعضه، والمعنى: اجمع بين القيام والنوم في الليل الواحد، وقوله: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاَثَةَ أَيَّامٍ) بعد قوله: "فصم، وأفطر" بيان لما أجمل من ذلك، وتقرير له على ظاهره؛ إذ الإطلاق يقتضي المساواة (٣).
(فَإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) إشارة إلى قوله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآية (وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَام الدَّهْرِ") أي يكون ثوابه كثواب صيام الدهر، قال في "الفتح": هذا يقتضي أنَّ المثليّة لا تستلزم التساوي من كلّ جهة؛ لأن المراد به هنا أصل التضعيف دون التضعيف الحاصل من الفعل، ولكن يَصْدُقُ على فاعل ذلك أنه صام الدهر مجازاً. انتهى (٤).
(قَالَ) عبد الله بن عمرو ﵄ (قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ (٥)، وفي نسخة: أكثر من ذلك" (قَالَ) ﷺ ("صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ"، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّي أُطيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "صُمْ يَوْماً، وَأَفْطِرْ يَوْماً) وفي رواية أبي عياض الآتية: "صم يوماً، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي، قال: إني اطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصيام صوم داود؟، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً".
وفي رواية أبي المليح عند البخاريّ: "يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام،
стр. 12651
قلت: يا رسول الله، قال: خمساً، قلت: يا رسول الله، قال: سبعاً، قلت: يا رسول الله، قال: تسعاً، قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة".
واستَدَلّ به عياض على تقديم الوتر على جميع الأمور، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما في رواية مسلم من طريق أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو: "صم يوماً -يعني من كل عشرة أيام- ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين، ولك أجر ما بقي -إلى أن قال-: قال: صم صوم داود"، كما مرّ آنفاً.
قال: وهذا يقتضي أنه أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كل شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن وَصّله إلى خمسة عشر يوماً، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخر.
قال: ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عند أبي داود: "فلم يزل يناقصني وأناقصه".
ووقع للنسائيّ في رواية محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة: "صُمْ الاثنين والخميس من كل جمعة"، وهو فرد من أفراد ما تقدم ذكره.
وقد استُشْكِل قوله: "صم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر ما بقي"، مع قوله: "صم من كل عشرة أيام يومين، ولك أجر ما بقي إلخ"؛ لأنه يقتضي الزيادة في العمل، والنقص من الأجر، وبذلك ترجم له النسائيّ .
وأجيب بأن المراد: لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف.
وقال عياض: قال بعضهم: معنى "صم يوماً، ولك أجر ما بقي" أي من العشرة، وقوله: "صم يومين، ولك أجر ما بقي"؛ أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحَمَله على ذلك استبعاد كثرة العمل، وقلة الأجر.
وتعقبه عياض بأن الأجر إنما اتَّحَد في كل ذلك؛ لأنه كان نيَّته أن يصوم جميع الشهر، فلما منعه ﷺ من ذلك إبقاءً عليه لما ذُكِر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلاً أو كثيراً، كما تأوله في حديث: "نية المؤمن خير
стр. 12652
من عمله" (١)؛ أي إن أجره في نيته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله. انتهى.
قال الحافظ: والحديث المذكور ضعيفٌ، وهو في "مسند الشهاب"، والتأوبل المذكور لا بأس به.
ويَحْتَمِل أيضاً إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوتها مشقة الصوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك، على أن قوله في نفس الخبر: "صُمْ أربعة أيام، ولك أجر ما بقي"، يَرُدّ الحمل الأول، فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير: ولك أجر أربعين، وقد قيّده في نفس الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين، وكذلك قوله في رواية أخرى للنسائيّ، من طريق ابن أبي ربيعة، عن عبد الله بن عمرو، بلفظ: "صُمْ من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تلك التسعة، ثم قال فيه: من كل تسعة أيام يوماً، ولك أجر تلك الثمانية، ثم قال: من كل ثمانية أيام يوماً، ولك أجر السبعة، قال: فلم يزل حتى قال: صُمْ يوماً، وأفطر يوماً".
وله من طريق شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن جدّه بلفظ: "صُمْ يوماً، ولك أجر عشرة، قلت: زدني، قال: صم يومين، ولك أجر تسعة، قلت: زدني، قال: صم ثلاثة، ولك أجر ثمانية"، فهذا يدفع في صدر ذلك التأويل الأول، والله أعلم. انتهى (٢).
(وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ؛، وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ") أي أفضلها، كما بيّنه بقوله: "لا أفضل من ذلك"، وقال القرطبي ﵀: قوله: "وهو أعدل الصيام"؛ أي من جهة حفظ القوة، ووجدان صوم مشقة العبادة، وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضل وأحب، ولا صوم فوقه أعدل في الفضل، كما جاءت هذه
стр. 12653
الألفاظ، وهي كلها متقاربة في مدلولها، وهو بلا شك نقل بالمعنى، ومضمون هذه الألفاظ: أن هذا الصوم أعدل في نفسه وأكثر في ثوابه. انتهى (١).
(قَالَ) عبد الله (قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ") أي من صوم داود؛، وفي رواية البخاريّ: "فصم صيام نبيّ الله داود، ولا تزد عليه" أي على صوم داود، زاد أحمد وغيره من رواية مجاهد: "قلت: قد قبلتُ".
وقال في "الفتح": قوله: "لا أفضل من ذلك" ليس فيه نفي المساواة صريحاً، لكن قوله في الرواية الأخرى عند البخاريّ: "أحب الصيام إلى الله صيام داود" يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقاً، ورواه مسلم والترمذيّ بلفظ: "أفضل الصيام صيام داود"، ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة. انتهى بتصرّف (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ في ثبوت الأفضليّة مطلقاً؛ لأن قوله ﷺ : "أفضل الصيام صيام داود" صريح في ذلك، فمن زاد على صوم داود، فقد ترك الأفضل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ﵁: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ أَيَّامَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: في قوله: "وصُم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها" (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي) وفي الرواية التالية: "قال: وقال لي النبيّ ﷺ : إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر، قال: فصِرتُ إلى الذي قال لي النبيّ ﷺ ، فلما كَبِرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله ﷺ ".
معنى كلامه ﷺ هذا أنه كَبِرَ وعجز عن المحافظة على ما التزمه، ووَظَّفَه على نفسه عند رسول الله ﷺ ، فشقّ عليه فعله؛ لعجزه، ولم يُعجبه أن يتركه؛ لالتزامه له، ولأن النبيّ ﷺ قال له: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل"، فتمنى أن لو قبل الرخصة، فأخذ بالأخفّ.
ثم إنه ﵁ مع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة، لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف، كما بُيّن ذلك في رواية الإمام أحمد: "وكان
стр. 12654
عبد الله حين ضَعُف وكَبِر يصوم تلك الأيام كذلك، يصل بعضهما إلى بعض، ثم يفطر بعدد تلك الأيام، فيقوى بذلك، وكان يقول: لأن أكون قبلت الرّخصة أحب إلي مما عدل به، لكنني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره" (١). انتهى.
وقال القرطبي ﵀: هذا إنما قاله عبد الله لمّا انتهى من العمر إلى الكبر
стр. 12655
الذي كان النبيّ ﷺ قد أخبره به بقوله: "إنك لا تدري لعله يطول بك عمر"، قال: فصرت للذي قال النبيّ ﷺ ، قال: فلما كبرتُ وددتُ أني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وهذا من عبد الله يدلّ على أنه كان قد التزم الأفضل مما نقله إليه النبيّ ﷺ ، والأكثر، إما بحكم التزامه الأول؛ إذ قال؛ لأصومنّ الدهر، ولأقومنّ الليل ما عشتُ، وإما بحكم أنه هو الحال الذي فارق النبيّ ﷺ عليه، وكره أن ينقص من عمل فارق النبيّ ﷺ عليه، فلم ير أن يرجع عنه، وإن كان قد ضعف عنه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ لكني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٣٧/ ٢٧٢٩ و ٢٧٣٠ و ٢٧٣١ و ٢٧٣٢ و ٢٧٣٣ و ٢٧٣٤ و ٢٧٣٥ و ٢٧٣٦ و ٢٧٣٧ و ٢٧٣٨ و ٢٧٣٩ و ٢٧٤٠ و ٢٧٤١ و ٣٧٤٢ و ٢٧٤٣] (١١٥٩)، و (البخاريّ) في "التهجّد" (١١٥٣) و"الصوم" (١٩٧٦ و ١٩٧٧ و ١٩٧٨ و ١٩٧٩) و"أحاديث الأنبياء" (٣٤١٨ و ٣٤١٩) و"فضائل القرآن" (٥٠٥٢)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٢٧)، و (النسائيّ) في "الصيام" (٤/ ٢٠٩ - ٢١٢) و"الكبرى" (٢/ ١٢٨)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٢٥٥)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٨٦٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٨٧ - ١٨٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٥٢ و ٢٥٩٠ و ٣٥٧٣ و ٣٦٤٣ و ٣٦٦١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٨٥ - ٨٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٤/ ١٥٧)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٢٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٣٥)، والبيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٦ و ٤/ ٢٩٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٠٧ و ١٨٠٨)، والله تعالى أعلم.
стр. 12656
(المسألة الثالثة): في فوائد حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا على اختلاف ألفاظه (١)، فقد قال القرطبي ﵀: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ اشتَهَرَ، وكَثُر رواته، فكثر اختلافه حتى ظَنَّ من لا بصيرة عنده: أنه مضطرب، وليس كذلك؛ فإنه إذا تُتُبِّع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتَظَمَت صورته، وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى أَنْ ذَكَرَ بعضُهم ما سكت عنه غيره، وفَصَّل بعض ما أجمله غيره، وسنشير إلى بعضه - إن شاء الله تعالى. انتهى (٢).
١ - (منها): بيان أفضلية صوم يوم، وإفطار يوم.
٢ - (ومنها): تفقّد الإمام لأمور رعيته كلياتها، وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصلحهم.
٣ - (ومنها): بيان رفق النبيّ ﷺ بأمته، وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يُصلحهم، وحثّه لهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمّق والإكثار من العبادات التي يُخاف عليهم الملل بسببها، أو تركها، أو ترك بعضها، وقد بَيَّن ﷺ ذلك في الحديث الماضي في الباب السابق بقوله: "عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لن يمل حتى تملوا"، وكان يقول: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ"، وبقوله ﷺ في الحديث الآتي في الباب: "لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل"، وقد ذم الله تعالى قوماً أكثروا العبادة، ثم فَرَّطوا فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية.
٤ - (ومنها): الندب إلى الدوام على ما وظّفه الإنسان على نفسه من العبادة.
стр. 12657
٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محلّ ذلك عند أمن الرياء.
٦ - (ومنها): الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه ﷺ مع كراهته لعبد الله بن عمرو تشدّده على نفسه حضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر من النفس، والأهل، والأضياف أن تضيّع حقّ العبادة، وتترك المندوب جملة، ولكن اجمع بينهما.
٧ - (ومنها): أنه لا يجوز للإنسان أن يُجهد نفسه بالعبادة حتى يَضعُف عن القيام بحقوق زوجته، من الجماع، والاكتساب.
وقد اختلف العلماء فيمن كفّ عن جماع زوجته، فقال مالك: إن كان بغير ضرورة الزم به، أو يفرّق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعيّة أنه لا يجب عليه، وقيل: يجب مرّة، وعن بعض السلف في كلّ أربع ليلة، وعن بعضهم في كلّ طهر مرّة (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي هو القول بوجوب جماعها إذا طلبت منه ذلك؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف التي أوجبها الله تعالى بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقال تعالى أيضاً: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من "كتاب النكاح"، إن شاء الله تعالى.
٨ - (ومنها): فضيلة نبيّ الله داود ﵇، حيث إنه كان أعبد الناس.
٩ - (ومنها): بيان منقبة الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمرو ﵄، حيث كان بهذه المنزلة من الالتزام بالعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا، وشهواتها.
١٠ - (ومنها): جواز القَسَمَ على التزام العبادة، وفائدته الاستعانة باليمين على النشاط لها، وأن ذلك لا يخلّ بصحة النية، والإخلاص فيها.
١١ - (ومنها): أن اليمين على التزام العبادة لا يُلحقها بالنذر الذي يجب الوفاء به.
١٢ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف.
стр. 12658
١٣ - (ومنها): أن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص، والأوقات، والأحوال.
١٤ - (ومنها): الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في أنواع العبادات، كما أمر ﷺ عبد الله هنا، وكما أمر الله نبيّه ﷺ ، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] الآية.
١٥ - (ومنها): زيارة الفاضل للمفضول في بيته.
١٦ - (ومنها): إكرام الضيف بإلقاء الفُرُش، ونحوها تحته، كما يأتي في قوله: "فألقيت له وسادة من أدم … إلخ"، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يفرش له، وأنه لا حرج عليه في ذلك؛ إذا كان على سبيل التواضع والإكرام للمزور.
١٧ - (ومنها): بيان النهي عن صوم الدهر؛ لقوله ﷺ : "لا صام من صام الأبد"، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم الدهر:
ذهب إسحاق ابن راهويه، وأهل الظاهر إلى كراهته مطلقاً، سواء أفطر الأيام الخمسة المنهيّ عنها أم لا، وهي رواية عن أحمد، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فَسَّرَ مسدّد قول أبي موسى: "من صام الدهر ضُيّقت عليه جهنم": أي فلا يدخلها. فضحك، وقال: من قال هذا؟، فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبيّ ﷺ كره ذلك، وما فيه من الأحاديث (١).
وقال ابن حزم: لا يحلّ صوم الدهر أصلاً -يعني أنه يحرم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه ابن حزم هو الحقّ عندي، كما يأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى.
وإلى الكراهة مطلقاً ذهب ابن العربيّ من المالكية، فقال: قوله ﷺ : "لا صام من صام الأبد" في حديث عبد الله بن عمرو، إن كان معناه الدعاء، فيا وَيحَ من أصابه دعاء النبيّ ﷺ ، وإن كان معناه الخبر، فيا وَيحَ من أخبر عنه
стр. 12659
النبيّ ﷺ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعاً، لم يكتب له الثواب؛ لوجوب صدق قوله ﷺ ؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل، كما تقدّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبيّ ﷺ ؟. انتهى.
واستُدلّ للكراهة والمنع بقوله ﷺ : "لا صام من صام الأبد"، وسيأتي في الباب، واستدلّ أيضاً لذلك بقصّة عبد الله بن عمرو التي وردت في حديث الباب.
قال ابن التين: استُدلّ على كراهة صوم الدهر من هذه القصّة من أوجه: نهيُهُ ﷺ عن الزيادة على صوم نصف الدهر، وأمره بأن يصوم ويفطر، وقوله: "لا أفضل من ذلك"، ودعاؤه على من صام الأبد. انتهى.
وبحديث أنس ﵁ أنه ﷺ قال للثلاثة الذين قال أحدهم: إنه يصوم، ولا يفطر، وقال الثاني: إنه يقوم الليل، ولا ينام، وقال الثالث: إنه لا يأتي النساء، فقال ﷺ : "أمّا أنا فأصوم، وأفطر، وأقوم، وأنام، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس منّي"، متّفقٌ عليه.
فهذا الحديث الصحيح يدلّ على أن صيام الدهر من الرَّغْبَة عن سنة رسول الله ﷺ ، فيستحقّ فاعله ما رتّبه عليه من الوعيد بقوله: "فمن رغب عن سنتي، فليس منّي".
وبحديث رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: قيل للنبيّ ﷺ : رجل يصوم الدهر؟ قال: "وددت أنه لم يطعم الدهر شيئاً … " الحديث. أخرجه النسائيّ (١).
قال السنديّ: أي وددت أنه ما أكل ليلاً، ولا نهاراً حتى مات جوعاً، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل، حتى يتمنى له الموت بالجوع.
وبحديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، رفعه: "من صام الدهر ضُيّقت عليه جهنم هكذا، وقبض كفّه"، حديث صحيح، أخرجه أحمد، والنسائيّ،
стр. 12660
وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقيّ (١)، وابن أبي شيبة، والبزّار، ولفظ ابن حبّان، والبزار، والبيهقيّ: "ضيّقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين"، وأخرجه أيضاً الطبرانيّ، قال الهيثميّ (٢): رجاله رجال الصحيح.
قال الحافظ: ظاهره أنها تضيّق عليه حصراً له فيها لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيّه ﷺ ، واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حراماً. انتهى.
وقال ابن التركماني: ظاهر هذا الحديث يقتضي المنع من صوم الدهر، وقد أورده ابن أبي شيبة في "باب من كره صوم الدهر"، واستدلّ به ابن حزم على المنع، وقال: إنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهيِ عن صومه، وقال ابن حبّان في "صحيحه": ذكر الأخبار عن نفي جواز سرد المسلم صوم الدهر"، وذكر هذا الحديث.
واستدلّ للمنع أيضاً بما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي عمرو الشيبانئ، قال: بلغ عمر أن رجلاً يصوم الدهر، فأتاه، فعلاه بالدّرّة، وجعل يقول: كُلْ يا دهريّ، قال ابن حزم: قد صحّ عن عمر تحريم صيام الدهر، كما رويناه، فذكر هذا الأثر، ثم قال: هذا في غاية الصحّة عنه، فصحّ أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحاً لما ضرب فيه، ولا أمر بالفطر. انتهى.
وبما روى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نُعْم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحابُ محمد ﷺ لرجموه.
وبما روى الطبرانيّ عن عمرو بن سلمة، قال: سئل ابن مسعود عن صوم الدهر؟ فكرهه، قال الهيثميّ: إسناده حسن.
وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر من قوي عليه، ولم يفوّت فيه
стр. 12661
حقًّا، وأفطر الأيام المنهيّ عنها، وإلى هذا ذهب الجمهور، منهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية.
قال مالك في "الموطأ": إنه سمع أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، وذلك أحبّ ما سمعت إلي في ذلك. انتهى.
وصرّح الزرقاني، وغيره من المالكية باستحبابه بالشروط المذكورة.
وقال النوويّ: مذهب الشافعي، وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين، والتشريق، لا كراهة فيه، بل هو مستحبّ بشرط أن لا يلحقه به ضرر، ولا يفوّت حقًّا، فإن تضرَّر، أو فوّت حقًّا فمكروه. انتهى.
وقال ابن قُدامة: قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين، وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين، وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس، وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعيّ؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم، منهم أبو طلحة. قال ابن قدامة: والذي يَقوَى عندي أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل محرّماً، وإنما كره صوم الدهر؛ لما فيه من المشقّة والضعف، وشبه التبتّل المنهيّ عنه؛ بدليل أن النبيّ ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: "إنك تصوم الدهر، وتقوم الليل؟ "، فقلت: نعم، قال: "إنك إذا فعلت ذلك هَجَمَت له عينك، ونَفِهَت له نفسك، لا صام من صام الدهر … " الحديث.
واحتجّ الجمهور على الاستحباب بما صحّ من حديث حمزة بن عَمْرو الأسلميّ ﵁، أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن شئت فصم"، فأقرّه ﷺ على سرد الصيام، ولو كان مكروهاً لم يقرّه.
وأجيب عن هذا: أوّلاً بأن سؤال حمزة إنما كان عن صوم الفرض في السفر، لا عن صوم الدهر، كما سبق. وثانياً بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر؛ لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، بل المراد: إني أكثر الصوم، وكان هو كثير الصوم، كما ورد في بعض الروايات، ويؤيّد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث أسامة بن زيد أن النبيّ ﷺ كان يسرد
стр. 12662
الصوم، مع ما ثبت أنه لم يصم الدهر، بل لم يصم شهراً كاملاً إلا رمضان، وبهذا يجاب عما رُوي عن عمر، وعائشة أنهما كانا يسردان الصوم.
واحتجّوا أيضاً بحديث عبد الله بن عمرو ﵄: "صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر"، وفي حديث أبي أيوب ﵁ مرفوعاً: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوّال كان كصيام الدهر"، رواه مسلم. قالوا: والمشبّه به يكون أفضل من المشبه، فدلّ ذلك على أن صوم الدهر أفضل من هذه المشبهات، فيكون مستحبًّا، وهو المطلوب.
وتُعُقّب بأن التشبيه في الأمر المقدّر لا يقتضي جوازه، فضلاً عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوماً، ومن المعلوم أن المكلّف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يدلّ التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه، كذا ذكره في "الفتح".
وقد بسط هذا الجواب ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد"، فأجاد، وأفاد، حيث قال:
ولم يكن من هديه ﷺ سرد الصوم، وصيام الدهر، بل قد قال: "من صام الدهر لا صام، ولا أفطر"، وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرَّمة، فإنه ذَكَر ذلك جواباً من قال: أرأيت من صام الدهر؟، ولا يقال في جواب من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر، فإن هذا يؤذن بأنه سواء فطره وصومه، لا يثاب عليه، ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم الله عليه من الصيام، فليس هذا جواباً مطابقاً للسؤال عن المحرّم من الصوم.
وأيضاً فإن هذا عند من استَحَبّ صوم الدهر قد فَعَل مستحبًّا وحراماً، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرماً بالنسبة إلى أيام التحريم، وفي كل منهما لا يقال: لا صام ولا أفطر، فتنزيل قوله على ذلك غلطٌ ظاهرٌ.
وأيضاً فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع، غير قابلة للصوم شرعاً، فهي بمنزلة الليل شرعاً، وبمنزلة أيام الحيض فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها،
стр. 12663
وقد عَلِموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: "لا صام ولا أفطر"، فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم.
فهديه الذي لا شك فيه أن صيام يوم، وفطر يوم أفضل من صوم الدهر، وأحبّ إلى الله، وسرد صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروهاً لزم أحد ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل منه؛ لأنه زيادة عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح: أن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأنه لا أفضل منه، وإما أن يكون مساوياً له في الفضل، وهو ممتنع أيضًا، وإما أن يكون مباحاً متساوي الطرفين، لا استحباب فيه ولا كراهة، وهذا ممتنعٌ؛ إذ ليس هذا شان العبادات، بل إما أن تكون راجحة، أو مرجوحة، والله أعلم. قال:
[فإن قيل]: فقد قال النبيّ ﷺ : "من صام رمضان وأتبعة ستة أيام من شوال، فكأنما صام الدهر"، وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: "إن ذلك يعدل صوم الدهر"، وذلك يدلّ على أن صوم الدهر أفضل مما عُدِل به، وأنه أمر مطلوب، وثوابه أكثر من ثواب الصائمين، حتى شُبِّه به من صام هذا الصيام.
[قيل]: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدَّر لا يقتضي جوازه فضلًا عن استحبابه، وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبًّا، والدليل عليه من نفس الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين يوماً، ومعلوم أن هذا حرام قطعاً، فعُلم أن المراد به حصول هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوماً، وكذلك قوله في صيام ستة أيام من شوال: إنه يعدل مع صيام رمضان السنة، ثم قرأ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآية فهذا صيام ستة وثلاثين يوماً تعدل صيام ثلاثمائة وستين يوماً، وهو غير جائز بالاتفاق.
بل قد يجيء مثل هذا فيما يَمتنع فعل المشبَّه به عادةَ، بل يستحيل، وإنما شُبِّه به من فعل ذلك على تقدير إمكانه، كقوله من سأله عن عمل يعدل الجهاد: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم، ولا تفتر، وأن تصوم ولا
стр. 12664
تفطر … "، ومعلوم أن هذا ممتنع عادةً، كامتناع صوم ثلاثمائة وستين يوماً شرعاً.
وقد شبه العمل الفاضل بكل منهما، ويزيده وضوحاً أن أحب القيام إلى الله قيام داود، وهو أفضل من قيام الليل كله بصريح السنة الصحيحة، وقد مثّل من صلى العشاء الآخرة والصبح في جماعة بمن قام الليل كله.
[فإن قيل]: فما تقولون في حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ مرفوعاً: "من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم، حتى تكون هكذا، وقبض كفه"، وهو في "مسند أحمد"، وغيره.
[قيل]: قد اختَلَف في معنى هذا الحديث، فقيل: ضُيِّقت عليه حصراً له فيها؛ لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن هدي رسول الله ﷺ ، واعتقاده أن غيره أفضل منه.
وقال آخرون: بل ضُيِّقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع، ورَجَّحَت هذه الطائفة هذا التأويل بأن الصائم لما ضَيَّق على نفسه مسالك الشهوات وطرقها بالصوم، ضَيَّق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنه ضيّق طرقها عنه.
ورَجَّحت الطائفة الأولى تأويلها بأن قالت: لو أراد هذا المعنى لقال: ضُيِّقت عنه، وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها.
قالوا: وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأن فاعله بمنزلة من لم يصم. انتهى كلام ابن القيّم ﵀ (١)، وهو تحقيق نفيسٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقال الشوكانيّ ﵀ في "السيل الجرّار" -بعد ذكر حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁ المذكور - ما نصّه: هذا وعيد ظاهر، وتأويله بما يخالف هذا المعنى تعسّف وتكلّف، والعجب ذهاب الجمهور إلى استحباب صوم الدهر، وهو مخالف للهدي النبويّ، وهو أمر لم يكن عليه أمر رسول الله ﷺ ، وقد قال ﷺ فيما صحّ عنه: "كلّ أمر ليس عليه أمرنا، فهو ردّ"، وهو أيضاً من الرغبة عن سنة رسول الله ﷺ ، ومن رغب عن سنته، فليس منه، كما تقدّم،
стр. 12665
وهو أيضاً من التعسير والتشديد المخالف لما استقرّت عليه هذه الشريعة المطهّرة، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال ﷺ : "يسّروا، ولا تُعسّروا، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه"، وقال: "أُمِرتُ بالشريعة السمحة السهلة" (١).
فالحاصل أن صوم الدهر إذا لم يكن محرّماً بحتاً، فأقلّ أحواله أن يكون مكروهاً كراهة شديدة. هذا من لا يضعف بالصوم من شيء من الواجبات، أما من كان يضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعيّة، فلا شكّ في تحريمه من هذه الحيثية بمجرّدها من غير نظر إلى ما قدّمنا من الأدلّة. انتهى كلام الشوكاني (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال بتحريم صيام الدهر؛ لظواهر الأدلة، كحديث: "لا صام من صام الأبد"، وحديث: "من رغب عن سنتي فليس مني"، قاله ﷺ من قال: أصوم، ولا أفطر، وحديث: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردّ"، وحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، وحديث: "ضُيّقت عليه جهنم"، وحديث: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، وغير ذلك.
فإن هذه الأدلة إذا لم تفد التحريم، فما الذي يفيده؟، إن هذا لشيء عجبٌ عُجاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٣٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّومِيُّ (٣)، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا
ثقةٌ (١)، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قُبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ اليماميّ أنه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثير (قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) الظاهر أنه مولى الأسود بن سفيان المدنيّ؛ لأنه الذي يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن -كما في "التهذيبين"- وهو شيخ مالك بن أنس، ثقةٌ [٦] (ت ١٤٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٢.
(حَتَّى نَأْتِيَ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رَسُولاً) أي إعلاماً بحضورهما، وطلباً للقائه لهما (فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي ففاجأنا (عِنْدَ بَابِ دَارِهِ مَسْجِدٌ، قَالَ) يحيى (فَكنَّا فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: إِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَدْخُلُوا) أي في البيت، وجواب "إن" محذوف؛ أي: فافعلوا (وَإِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَقْعُدُوا هَا هُنَا) أي فافعلوا (قَالَ) يحيى (فَقُلْنَا: لَا بَلْ نَقْعُدُ هَا هُنَا، فَحَدِّثْنَا) أي: أبو سلمة (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: كنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي كله (كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: "فإما أرسل إليّ، وإما لقيته"، قال في "الفتح": شكّ من بعض رواته، وغَلِط من قال: إنه شكّ من عبد الله بن عمرو؛ لما ثبت في بعض الرواية من أنه لى الله عليه وسلم - قصده إلى بيته، فدلّ على أن لقاءه إياه كان عن قصد منه إليه. انتهى (٢).
(فَقَالَ لِي: "أَلَمْ أُخْبَرْ) بضم الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة، مبنيًّا للمفعول، وهمزة "ألم" للاستفهام، ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقيّ، فمعناه هنا حمل المخاطب على الإقرار بأمر، قد استقرّ عنده ثبوته.
стр. 12668
وفيه أن الحكم لا ينبغي إلا بعد التثبّت؛ لأنه ﷺ لم يكتف بما نُقل له عن عبد الله حتى لقيه، واستثبته فيه؛ لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عزم، أو عققه بشرط لم يطّلع عليه الناقل، ونحو ذلك. قاله في "الفتح" (١).
ثم إن الذى أخبر النبيّ ﷺ بذلك هو عمرو بن العاص والد عبد الله ﵄، كما بيّنته الرواية الأخرى.
(أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟! فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ) أي لم أرد به الرياء والسمعة، وإنما أردت به وجه الله تعالى (قَالَ) ﷺ ("فَإِنَّ بِحَسْبِكَ) بإسكان السين المهملة؛ أي كافيك، والباء زائدة، ووقع عند البخاريّ في "كتاب الأدب" بلفظ: "وإن من حسبك" (أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) وفي رواية عند البخاريّ: "في كلّ شهر" (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَإِنَّ لِزَوْجِكَ) أي امرأتك، وكونه بلا تاء أفصح من الزوجة، وقد تقدّم تحقيق هذا غير مرّة (عَلَيْكَ حَقاً) أي في وطئها، فإذا سرد الزوج الصوم، ووالى القيام في الليل ضَعُف عن أداء حقّها في ذلك (وَلزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) - بفتح الزاي، وسكون الواو - أي لضيفك، والزَّوْر في الأصل مصدر وُضِع موضع الاسم، كصوْم في موضع صائم، ونَوْم في موضع نائم، ويقال للواحد والجمع والذكر والأنثى: زَوْرٌ، قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن يكون زَوْرٌ جمعَ زائر، كرَكْب جمع راكب، وتَجْر جمع تاجر. انتهى.
زاد في الرواية الآتية من طريق حسين المعلم، عن يحيى: "وإن لولدك عليك حقًّا "، قال النوويّ ﵀: فيه أن على الأب تأديبَ ولده، وتعليمه ما يحتاج إليه، من وظائف الدين، وهذا التعليم واجب على الأب، وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبيّ والصبية، نَصّ عليه الشافعيّ وأصحابه، قال الشافعيّ، وأصحابه: وعلى الأمهات أيضاً هذا التعليم؛ إذا لم يكن أبٌ؛ لأنه من باب التربية، ولهنّ مَدْخل في ذلك، وأُجرة هذا التعليم في مال الصبيّ، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته؛ لأنه مما يحتاج إليه، والله أعلم. انتهى (٢).
стр. 12669
(وَلجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) أي بأن تخدمه، ولا تتعبه بطول السهر، وطول الجوع، ونحو ذلك، مما يُنهكه، ويُضعفه عن القيام بمصالح الدين والدنيا.
وقال القرطبي ﵀ عند قوله: "فإن لعينك حظًّا، ولنفسك حظًّا"؛ أي: من الرفق بهما، ومراعاة حقهما، وقد سَمَّى في الرواية الأخرى: الحظ: "حقاً"؛ إذ هو بمعناه، وزاد: "فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا"، وفي لفظ آخر: "ولأهلك" مكان "ولزوجك".
وأما حق الزوجة فهو في الوطء، وذلك إذا سرد الصوم، ووالى القيام بالليل منعها بذلك حقها منه.
وأما حق الزَّوْر - وهو الزائر والضيف - فهو: القيام بإكرامه، وخدمته، وتأنيسه بالأكل معه.
وأما الأهل فيعني به هنا: الأولاد، والقرابة، وحقهم: هو في الرفق بهم، والإنفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم، وملازمة ما التزم من سرد الصوم، وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحقوق كلها.
ويفيد: أن الحقوق إذا تعارضت قام الأولى. انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ (فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ) قال القرطبي ﵀: هكذا جاء في هذه الرواية سكت فيها عن المراتب التي ثبتت في الرواية الآتية بعد هذا، وذلك أن فيها نقلة من صيام ثلاثة أيام في الشهر إلى أربعة فيها، ومنها إلى صوم يومين وإفطار يومين، ثم منها إلى صوم يوم وإفطار يوم، وهذا محمول على أن النبيّ ﷺ دَرَّجَه في هذه المراتب هكذا، لكن بعض الرواة سكت عن ذكر بعض المراتب إما نسياناً، أو اقتصاراً على قدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، ثم في وقت آخر ذكر الحديث بكماله. انتهى (٢).
(فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ") قال القرطبي ﵀: إنما أحاله على صوم داود، ووصفه: بأنه كان أعبد الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]، قال ابن عباس ﵄: "الأيد" هنا: القوة على العبادة،
стр. 12670
و"الأوَّاب": الرجَّاع إلى الله تعالى وإلى عبادته، وتسبيحه. انتهى (١).
(قَالَ) عبد الله عمرو ﵄ (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟)؛ (قَالَ) ﷺ "كَانَ) أي داود ﵇ (يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً) أي وذلك نصف الدهر.
(قَالَ) ﷺ ("وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ") أي مرّة واحدة (قَالَ) عبد الله (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ) هكذا معظم النسخ عندنا، بذكر "فاقرأه في كلّ عشر" قبل "فاقرأه في كُلّ سبع"، إلا نسخة شرح النوويّ، ففيها بإسقاطه، وقد جعل القرطبيّ هذه النسخة أكثر نسخ مسلم، فقال في "المفهم" (٢): وقوله: "اقرأ القرآن في كل شهر"، ثم قال بعد ذلك: "فاقرأه في كل عشرين"، ثم قال: "فاقرأه في كل سبع"؛ هكذا في أكثر روايات مسلم، ووقع في كتاب ابن أبي جعفر، وابن عيسى زيادة: (قال: فاقرأه في عشر"، وبعد ذلك قال له: "اقرأه في سبع".
قال: ومقصود هذه الرواية بيان تجزئة القرآن على ليالي الشهر بالنسبة إلى التخفيف والتثقيل، فالمخفِّف يقرؤه في كل شهر؛ لا أقل من ذلك، والمثقل لا يزيد على سبع؛ كما قد نهاه عنه، ولم يتعرض الراوي في هذه الرواية لبيان مقدار زمان القيام من الليل، وقد بيّنه راو آخر في الرواية التي قال فيها: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه". انتهى.
(وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ) فيه النهي عن قراءة القرآن في أقلّ من سبع، كذا في هذه الرواية، لكن ورد ما يدلّ على الزيادة إلى ثلاث، ففي رواية النسائيّ من طريق أبي العباس الشاعر: "اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم أزل أطلب إليه، حتى قال: في خمسة أيام … " الحديث.
وفي رواية الدارميّ في "مسنده" من طريق أبي فروة (٣)، عن عبد الله بن
стр. 12671
عمرو: قال: "قلت: يا رسول الله في كم أختم القرآن؟ قال: اختمه في شهر، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمسة وعشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في عشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس عشرة، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس، قلت: إني أطيق، قال: لا".
وفي رواية: "قال: فاقرأه في كلّ شهر، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كلّ عشرة أيام، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كل ثلاث".
وعند أبي داود والترمذيّ مصححاً من طريق يزيد بن عبد الله بن الشّخير، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث"، وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود: "اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث"، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان، عن عمرة، عن عائشة ﵂ "أن النبيّ ﷺ كان لا يختم القرآن في أقلّ من ثلاث".
ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طريق وهب بن منبّه، عن عبد الله بن عمروأنه سأل رسول الله ﷺ في كم يقرأ القرآن؟ قال: "في أربعين يوماً"، ثم قال: "في شهر"، ثم قال: "في عشرين"، ثم قال: "في خمس عشرة"، ثم قال: "في عشر"، ثم قال: "في سبع"، ثم لم ينزل عن سبع.
قال الحافظ ﵀: وهذا إن كان محفوظاً احتَمَل في الجمع بينه، وبين رواية أبي فَرْوة تعدد القصّة، فلا مانع أن يتعدد قول النبيّ ﷺ لعبد الله بن عمرو ذلك تأكيداً، ويؤيّده الاختلافُ الواقع في السياق. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله منه: قد تبيّن من مجموع هذه الروايات أنه يجوز الزيادة إلى الثلاث، ولا يجوز أن يزيد عليها، فليُتنبّه.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ولا تزد على ذلك" هذا من نحو ما سبق من الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة، والإرشاد إلى تدبر القرآن، وقد كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرؤون كل يوم بحسب أحوالهم، وأفهامهم، ووظائفهم،
стр. 12672
فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يوماً، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم أو أكثرهم في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في كل يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات، وهو أكثر ما بلغنا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الأولى لا تُتجاوز الثلاث؛ لأن ما زاد عليها ليس من هدي النبيّ ﷺ ، ولا من تعليماته، ولا يكون النقل من فلان أو فلان حجة، سوى ما نُقل عنه ﷺ ، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قال في "الفتح": المراد بالقرآن في حديث الباب جميعُهُ، ولا يَرِدُ على هذا أن القصة وقعت قبل موت النبيّ ﷺ بمدة، وذلك قبل أن ينزل بعض القرآن الذي تأخر نزوله؛ لأنا نقول سلّمنا ذلك، لكن العبرة بما دلّ عليه الإطلاق، وهو الذي فهم الصحابيّ، فكان يقول: ليتني لو قبلت الرخصة، ولا شك أنه بعد النبيّ ﷺ كان قد أضاف الذي نزل آخراً إلى ما نَزَل أوّلاً، فالمراد بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك، وهو معظمه، ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل بعد ذلك يوزع بقسطه، والله أعلم. انتهى (١).
(فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَيزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"، قَالَ) عبد الله (فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ) الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول؛ يعني أنه شَدَّد في مطالبة النبيّ ﷺ بالزيادة، وشَدَّد النبيّ ﷺ عليه في مطالبة التنقيص.
(قَالَ) عبد الله (وَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرٌ") فيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو ﵄ بعد ذلك من الْكِبَر والضعف، ففيه علَمٌ من أعلام النبوّة.
(قَالَ) عبد الله ﵁ (صِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ ) أي: طال عمري، ووصلت إلى أن شقّ عليّ المواظبة على الصوم والقراءة (فَلَمَّا كَبِرْتُ) بكسر الموحّدة، يقال: كَبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِبَ مَكْبِراً، مثل
стр. 12673
مَسْجِدٍ، وكِبَراً، وزانُ عِنَبٍ، فهو كبير، وجمعه كِبارٌ، والأنثى كبيرة، وكَبُر الشيء بالضمّ، كُبْراً، من باب قَرُب: عَظُمَ، فهو كبير، أفاده الفيّوميّ (١).
قال الجمامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن كَبِر بمعنى طَعَن في السنّ كما هنا بكسر الموحّدة، من باب فَرِحَ، وأن كبُر بمعنى عظُم قدره فهو بضمّها، من باب قَرُب، ولا يناسب هنا.
قال شارح "القاموس" بعد ذكر ضبطه ككرُم، وكفرِح ما نصّه: عُلِم منه ومن الذي قبله أن فعل الكبر بمعنى العظمة مضموم العين، وبمعنى الطعن في السنّ مكسورها، وهو كذلك اتّفاقاً، فاحفظه، فإنه قد يَغْلَطُ فيه الخاصّة فضلًا عن العامّة، فيستعملون أحدهما مكان الآخر، ولا قائل به. انتهى (٢)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(وَدِدْتُ) بكسر الدال الأولى، من باب تَعِبَ؛ أي تمنّيتُ.
[تنبيه]: قال الفيّوميّ ﵀: وَدِدْتُهُ أَوَدُّهُ، من باب تَعِبَ وَدًّا، بفتح الواو وضمها: أحببته، والاسم: الْمَوَدَّة، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضًا وُدًّا، وَوَدَادةً بالفتح: تمنيته، وفي لغة وَدَدتُ أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غَلَطٌ عند البصريين، وقال الزجاج: لم يقل الكسائي إلا ما سَمِعَ، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ضعّفه من ضبط ودّ بالفتح أثبته في "القاموس" حيث قال: ووَدَدْته -أي بالفتح- ووَدِدته -أي بالكسر- أَوَدّه فيهما. انتهى.
وعبارة الشارح المرتضى ﵀: وحَكَى الزَّجَّاجيُّ عن الكسائيّ "وَدَدْتُه" بالفتح، وقال الجوهَرِيُّ: تقول: وَدِدْتُ لو تَفْعَل ذلك، ووَدِدْتُ لوأَنَّك تَفْعَل ذلك، أَوَدُّ وُدًّا، ووَدًّا، ووَدَادَةً، ووِدَاداً: تَمنَّيْتُ، قال الشاعرُ [من الوافر]:
стр. 12674
وَدِدْتُ وِدَادَةً لَوْ أَنَّ حَظِّي … مِنَ الخُلَّانِ أَنْ لا يَصْرِمُونِي
قال: وَوَدِدْتُه أَي: بالكسر أَوَدُّه أَي: بالفتح في المضارع فيهما، أَمَّا في المَكْسُور فعلى القِيَاس، وأَما المفتوح فعَلَى خِلَافِهِ، حكاه الكسائيُّ؛ إذ لا يُفْتَح إِلا الحَلْقِيُّ العَينِ أَو اللامِ، وكِلاهما مُنْتَفٍ هُنا، فلا وَجْهَ للفتْحِ، وهكذا في "المصباح".
قال أَبو منصور: وأَنكَر البَصرِيُّون "وَدَدْتُ" -أي: بالفتح- قال: وهو لَحْنٌ عندهم، وقال الزَّجَّاج: قد عَلِمْنَا أَنّ الكسائيَّ لم يَحْكِ وَدَدْتُ إِلَّا وقد سَمِعَه، ولكنّه سَمِعَه ممن لا يَكُونُ حُجَّةً.
قال شيخُنَا (١): وأَوْرَدَ المعنيينِ في "الفصيحِ" على أَنهما أَصْلَانِ حَقِيقَةً، وأَقَرَّه على ذلك شُرَّاحُه، وقال اليَزيديُّ في "نَوادره": وليس في شَيءٍ من العَربيّة "وَدَدْتُ" مفتوحةً، وقال الزمخشريُّ: قال الكسائيُّ وَحْدَهُ: "وَدِدْتُ" الرجُلَ: إِذا أَحْبَبْتَه، و"وَدَدْتُه" ولم يَرْوِ الفتحَ غيرُه، قلْت (٢): ونقلَ الفَتْحَ أَيضاً أَبو جَعْفَر اللّبلّي في "شرح الفصيح"، والقَزّاز في "الجامع"، والصاغانيّ في "التّكْملة" كلهم عن الفَرَّاءِ. انتهى (٣).
قال الجامع: قد أفاد ما سبق أن "وَدَدْتُ" بالفتح جائز أيضاً، وإن مخالفاً للقياس، فهو سماعيّ أثبته الكسائيّ، والفرّاء، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ )؛ أي: تسهيله، وحثّه عليه.
وفي الحديث جواز تحدّث المرء بما عَزَم عليه من فعل الخير، وتفقد الإمام لأمور رعيته، كلياتها وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصْلِحهم. وفيه تعليل الحكم من فيه أهلية ذلك، وأن الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات، وأن من تَكَلَّف الزيادة على ما طُبع عليه يقع له الخلل في الغالب. وفيه الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه ﷺ مع كراهته له التشديد على نفسه
стр. 12675
حَضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق مَن ذُكِر أن تُضَيِّع حق العبادة، وتترك المندوب جملةً، ولكن اجمع بينهما، قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، وأذكر هنا ما يتعلّق بجزء القراءة فقط، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في مقدار مدّة ختم القرآن:
قال القرطبي ﵀: ذهب إلى منع الزيادة على السبع كثير من العلماء، واختار بعضهم قراءته في ثمان، وكان بعضهم يختم في خمس، وآخر في ست، وبعضهم يختم في كل ليلة، وكأن من لم يمنع الزيادة على السبع حَمَلَ قوله: "لا تزد" على أنه من باب الرفق، وخوف الانقطاع، فإن أَمِن ذلك جاز بناءً على أن ما كثر من العبادة والخير فهو أحب إلى الله.
قال: والأولى ترك الزيادة؛ أخذاً بظاهر المنع، واقتداءً برسول الله ﷺ ، فلم يُرْوَ عنه أنه ختم القرآن كله في ليلة، ولا في أقل من سبع (٢)، وهو أعلم بالمصالح والأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير، لا سيما وقد تبيّنت مصلحة القلة، والمداومة، وآفة الكثرة الانقطاع. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ.
وقال في "الفتح": قراءة القرآن في ثلاث هو اختيار أحمد، وأبي عبيد، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرؤوا القرآن في دون ذلك، قال النوويّ: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم، وتدقيق الفكر استُحبّ له أن يقتصر على القدر الذي لا يُخلّ به المقصود، من التدبّر، واستخراج المعاني، وكذا من كان له شغل بالعلم، أو غيره، من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامّة يستحبّ له أن يقتصر منه