٤ - (الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عُروة النخعيّ، أبو عُروة الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٩) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٦٣.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ كثير الإرسال [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
و"عائشة ﵂ " ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي كامل، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والسماع سوى موضع.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، هو خالة.
شرح الحديث:
عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ) أي: يبالغ في طلب الغاية من العبادة، وهو افتعال من الْجَهْد بفتح فسكون، وهو النهاية والغاية، قال الفيّوميّ ﵀: "الْجُهْدُ بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الْوُسْعُ، والطّاقَةُ، وقيل: المضموم: الطاقةُ، والمفتوح: المشقّةُ، والْجَهْدُ بالفتح لا غير: النهاية والغاية، وهو مصدرٌ من جَهَدَ في الأمر جَهْدًا، من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب. انتهى (١).
(فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) أي: من رمضان (مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ) وفي رواية أبي داود: "وغيرها" بضمير المؤنّث، وهو الظاهر؛ لأنه عائد على العشر، وهي عدد المؤنّث، ووجه التذكير هنا على تأويله بالمذكور.
стр. 12847
والمعنى: أنه ﷺ يجتهد في العشر الأواخر اجتهادًا لا يجتهده في غيرها، من أيام رمضان، أو من غيرها.
وقال في "المرقاة": إنه يبالغ في طلب ليلة القدر في هذه العشر ما لا يجتهد في غير العشر رجاءَ أن يكون ليلة القدر فيها، قال: كذا قيل، والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة؛ للاغتنام في أوقاته، والاهتمام في طاعته، وحسن الاختتام في بركاته. انتهى (١).
وفيه الترغيب والحثّ على مزيد الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر من غيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٧٨٨] (١١٧٥)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٣٩)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٥٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٠)، و (ابن ماجة) في "الصيام" (١٧٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٢٢ و ٢٥٥)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٢١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٥٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣١٣) و"الصغرى" (٣/ ٤٠٢)، و (البغويّ) في "تفسيره" (٤/ ٥١٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(٤) - (بَابُ صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٨٩] (١١٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ،
стр. 12848
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل حديث.
٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم، ثمّ فصّل؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجة، وأما شيخه أبو كريب فمن التسعة الذين روى لهم الجماعة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى إسحاق، فمروزيّ، وعائشة فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ) تعني عشر ذي الحجة، وفي الرواية التالية: "لَمْ يصم العشر"، قال النوويّ ﵀: قال العلماء: هذا الحديث مما يُوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يُتَأَوَّل، فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا، لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث في فضله، وثبت في "صحيح
стр. 12849
البخاريّ" أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أيّامٍ العملُ المصالح فيها أفضل منه في هذه"؛ يعني العشر الأوائل من ذي الحجة، فيتأول قولها: "لَمْ يصم العشر" أنه لَمْ يصمه لعارض مرضٍ، أو سفبر، أو غيرهما، أو أنَّها لَمْ تره صائمًا فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كلّ شهر، أول اثنين من الشهر، والخميس"، ورواه أبو داود، وهذا لفظه، وأحمد، والنسائيّ، وفي روايتهما: "وخميسين" (١). انتهى (٢).
وقال في "المرعاة": هذا الحديث بظاهره يخالف ما تقدّم في "باب الأضحية" من فضيلة مطلق العمل المتضمّن للصيام في عشر ذي الحجة، ومن فضيلة خصوص الصيام فيها، وما في حديث أبي قتادة من استحباب الصوم في التاسع منها، وهو يوم عرفة، وما في حديث حفصة من عدم تركه ﷺ صيام العشر، وفي حديث هُنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبيّ ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة … "الحديث، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ.
والجواب عن هذا أن المراد من قولها: "لَمْ يصم العشر" أنه لَمْ يصمها لعارض مرض، أو سفر، أو غيرهما، أو أنَّها لَمْ تره صائمًا فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، وإذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولى بالقبول.
قال البيهقيّ ﵀ بعد رواية حديث هُنيدة، وحديث عائشة ﵁ ما لفظه: والمثبت أولى من النافي، مع ما مضى من حديث ابن عبّاس في فضيلة العمل المصالح في عشر ذي الحجة.
وقيل: المراد نفي جمع العشر، وفيها يوم العيد، وهذا لا ينافي حوم بعضها.
стр. 12850
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لكونه يترك العمل في بعض الأحيان، وهو يُحبّ أن يعمله؛ خشيةَ أن يُظنّ وجوبه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأجوبة، وأظهرها حمل نفيها على علمها، فلا يلزم من نفي علمها نفي صومه ﷺ ، كما مرّ التوجيه بذلك لقولها: "ما سبّح رسول الله ﷺ سبحة الضحى"، متّفقٌ عليه.
والحاصل أن قول عائشة ﵂ هذا لا ينافي استحباب صوم تسع ذي الحجة، ولا سيّما اليوم التاسع لغير الحاجّ؛ للأدلة الكثيرة على ذلك:
(فمنها): ما تقدّم في فضل صوم يوم عرفة، وأنه يكفّر ذنوب سنتين.
(ومنها): حديث هُنيدة بن خالد المذكور، وهو حديث صحيح، راجع الكلام فيه في "شرحي على النسائيّ" (٢).
(ومنها): ما أخرجه البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﵄ مرفوعًا: "ما الْعَمَلُ في أَيَّامٍ العشر أَفْضَلَ من العمل في هذه"، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: "ولا الْجِهَادُ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ"، وأخرجه أبو داود، ولفظه: "ما من أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فيها أَحَبُّ إلى اللهِ، من هذه الْأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ - قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ … " الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٧٨٩ و ٢٧٩٠] (١١٧٦)، و (أبو داود) في "الصوم" (٢٤٣٩)، و (الترمذيّ) في "الصوم" (٧٥٦)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٦٥)، و (ابن ماجة) في "الصيام" (١٧٢٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه"
стр. 12851
(٢/ ٢٩٩ و ٣/ ١٥٥)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٢ و ١٢٤ و ١٩٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢١٠٣)، و (ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٢٦٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٩٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) محمد بن أحمد بن نافع، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: سفيان هو الثوريّ، وفي بعض النسخ شعبة بدل سفيان، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الفارسيّ، ونقل الأول عن جمهور الرواة لـ "صحيح مسلم". انتهى (٢).
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله.
[تنبيه]: قد انتقد الدارقطنيّ ﵀ هذا الإسناد، فقال - بعد إيراده سند المصنّف -: قال أبو الحسن: وخالفه منصورٌ، عن إبراهيم مرسلًا، قال: والصحيح عن الثوريّ، عن إبراهيم قال: حُدِّثت أن رسول الله ﷺ . وكذلك رواه أصحاب منصور، عن منصور مرسلًا، منهم فضيل بن عياض، وجرير. انتهى.
وقال الإمام الترمذيّ ﵀ بعدما أخرجه - ما نصّه: هكذا رَوَى غير
стр. 12852
واحد عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، ورَوَى الثوريّ وغيره هذا الحديث عن منصور، عن إبراهيم: "أن النبيّ ﷺ لَمْ يُرَ صائمًا في العشر"، ورَوَى أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة، ولم يذكر فيه "عن الأسود"، وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصحّ، وأوصل إسنادًا، قال: وسمعت محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعًا يقول: الأعمش أحفظ الإسناد إبراهيم من منصور. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر أن تصحيح المصنّف ﵀ لهذا السند أرجح من انتقاد الدارقطنيّ؛ لأن الأعمش مقدّم في إبراهيم على منصور، كما قال وكيعٌ، فروايته أولى بالحفظ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ـ
* * *
стр. 12853
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٥ - (كِتَابُ الْحَجِّ) (١)
قال الجامع عفا الله عنه: قدّم المصنّف ﵀ "الصلاة"، ثم أتبعها بـ "الزكاة"؛ لأنَّها قرينتها في كتاب الله تعالى، حيث يقول: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، ثم أتبعها بـ "الصيام"، ثم بـ "الحجِّ"؛ لأن ترتيبها وقع كذلك في بعض روايات حديث: "بُني الإسلام على خمسة … " وغيره من الأحاديث.
مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في ضبط "الحجِّ"، ومعناه لغةً، وشرعًا: أما ضبطه، فإنه يقال: بفتح الحاء، وكسرها، لغتان، قُرئ بهما في السبع، وأكثر السبعة على الفتح، وكذا "الحجّة" فيها لغتان، وأكثر المسموع الكسر، وهو القياس. قاله النوويّ ﵀. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": "الحجِّ" - بفتح الحاء المهملة، وكسرها - لغتان، نقل الطبريّ أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم. ونقل عن حسين الْجُعْفيّ أن الفتح الاسمُ، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه. انتهى (٣).
وقال في "العمدة": قال الزّجّاج: يُقرأ بفتح الحاء، وكسرها - أي: في القرآن - والأصل الفتح. وقُرئ بهما في السبعة، وأكثرهم على الفتح. وفي أمالي الهجريّ: أكثر العرب يكسرون الحاء فقط، وقال ابن السّكّيت: بفتح الحاء القصد، وبالكسر القوم الْحُجّاج. والحجّة بالفتح الفَعْلة من الحجِّ، وبكسر الحاء: التلبية والإجابة.
стр. 12854
وقال في "اللسان": والحجّ بالكسر الاسم، والحجّة المرّة الواحدة، وهو من الشواذّ؛ لأن القياس بالفتح.
والحاجّ: الذي يحجّ، وربما يُظهرون التضعيف في ضرورة الشعر، قال الراجز:
بِكُلِّ شَيْخٍ عَامِرٍ أَوْ حَاجِجِ
ويُجمع على حُجُج، بضمّتين، نحو بازل وبُزُل، وعائذ وعُوذ (١).
وأما معناه لغة: فهو القصد، وعن الخليل، قال: الحجِّ كثرة القصد إلى من تُعظّمه (٢).
وقال في "المصباح": حَجّ حجًّا، من باب قتل: قصد، فهو حاجّ، هذا أصله، ثمّ قُصِرَ استعمالُهُ في الشرع على قصد الكعبة للحجّ، أو العمرة، ومنه يقال: ما حجَّ، ولكن دَجَّ، فالحجّ: القصد للنسك، والدَّجُّ: القصد للتجارة، والاسم الحجِّ بالكسر، والحجّة: المرّة بالكسر على غير قياس، والجمع حِجَج، مثلُ سِدْرَة وسِدَر، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب، وبها سمّي الشهر ذو الحجّة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الحجة، وجمع الحاجّ حُجّاج، وحَجِيج. انتهى (٣).
وقال الأزهريّ: وأصل الحجِّ من قولك حَجَجت فلانًا أحُجّه حجًّا: إذا عُدت إليه مرّة بعد أخرى، فقيل: حجّ البيت؛ لأن الناس يأتونه كلّ سنة. وفي "العباب": رجلٌ محجوجٌ: أي مقصود، وقد حجّ بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلاف إليه. ومنه قول المْخُبَّل السَّعديّ [من الطويل]:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزَبْرِقَانِ الْمُزَعْفَراَ
يقول: يأتونه مرّة بعد أخرى؛ لسؤدده، والْحُلُول بضمّ الحاء المهملة، يقال: قوم حُلُول: أي نُزُولٌ، وكذلك حلالٌ بالكسر، والسِّبُّ بكسر السين المهملة، وتشديد الباء الموحّدة: العمامة، والزِّبْرِقَان - بكسر الزاي، وسكون الباء الموحّدة، وكسر الراء، وبالقاف المخفّفة، وفي آخره نون - هو في الأصل
стр. 12855
اسم القمر، وهو لقبٌ، واسمه الحصين، قال ابن السّكّيت: لُقّب الزبرقان؛ لصفرة عمامته (١).
وأما معناه شرعًا: فالحجّ قصدٌ إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة، وسببه البيت؛ لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العمرة إلَّا مرّة واحدة؛ لعدم تكرار السبب. انتهى.
وقال ابن قُدامة ﵀: الحج أحد الأركان الخمسة التي بُنِي عليها الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، رُوي عن ابن عباس ﵄: ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
وأما السنة، فقول النبيّ ﷺ : "بُنِي الإسلام على خمس … " الحديث، وذَكَر فيها الحج، وروى مسلم بإسناده عن أبي هريرة ﵁، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا"، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم"، ثم قال: "ذَرُوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"، في أخبار كثيرة سوى هذين، وأجمعت الأمة على وجوب الحجِّ على المستطيع في العمر مرّة واحدة. انتهى (٢).
[تنبيه]: يوجد في بعض النسخ ما لفظه: "كتاب المناسك"، بدل "كتاب الحج".
و"المناسك" جمع مَنسك - بفتح السين، وكسرها -: وهي العبادة، أو مكانها، أو زمانها، فهو صالح للزمان، والمكان، والحدث، وجميعها مرادٌ
стр. 12856
هنا؛ إذ الكتاب مسوق لبيان أعمال الحجِّ، وأزمنته، وأمكنته، ثمّ سمّيت أمور الحجِّ كلّها مناسك.
قال الفيّوميّ ﵀: نَسَكَ لله يَنسُك نَسْكًا، من باب قتل: تطوّع بقربة، والنسك - بضمّتين -: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، والمنسك - بفتح السين، وكسرها: يكون زمانًا، ومصدرًا، ويكون اسم المكان الذي تُذبح فيه النَسِيكة، وهي الذبيحة، وزنًا ومعنىي، وفي التنزل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ بالفتح، والكسر في السبعة. ومناسك الحجِّ: عباداته. وقيل: مواضع العبادات، ومن فَعَل كذا عليه نُسُكٌ: أي دمٌ يُريقه، ونَسَكَ: تزهّد، وتعبّد، فهو ناسك، والجمع نُسّاك، مثلُ عابد وعُبّاد. انتهى (١).
وقال في "العمدة": المنسك المذبح، وقد نَسَك ينسُك نسكًا: إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك، والنُّسُكُ أيضًا: الطاعة، والعبادة، وكلّ ما يُتقرّب به إلى الله . والنسك: ما أَمَرت به الشريعة، والورع، وما نهت عنه، والناسك: العابد، وسئل ثعلبٌ عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النَّسِيكة، وهي سبيكة الفضّة، المصفّاة، كأنّ الناسك صفّى نفسه لله تعالى. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في وقت ابتداء فرض الحجِّ: قال العلّامة القرطبيّ ﵀ في "المفهم": واختُلف في زمان فرض الحجِّ، فقيل: سنة خمس من الهجرة، وقيل: سنة تسع، وهو الصحيح؛ لأن فتح مكّة كان في التاسع عشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وحجّ بالناس في تلك السنة عَتّاب بن أَسيد، ووقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا عليه في الجاهليّة، فلما كانت سنة تسع فُرض الحجِّ، ثم إن النبيّ ﷺ أَمَرَ أبا بكر، فحجّ بالناس تلك السنة، ثم أتبعه عليّ بن أبي طالب ﵁ بسورة براءة، فقرأها على الناس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في الناس أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ووافقت حجة أبي بكر في تلك السنة أن كانت في شهر ذي القعدة، على ما كانوا يديرون الحجِّ في كلّ شهر من
стр. 12857
شهور السنة، فلما كانت سنة عشر حجّ رسول الله ﷺ حجته المسمّاة بحجة الوداع، على ما يأتي بيانها في حديث جابر وغيره، ووافق النبيّ ﷺ تلك السنة أن وقع الحجِّ في ذي الحجة في زمانه، ووقته الأصليّ، الذي فرضه الله فيه، ولذلك قال ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض … " الحديث (١). انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (٢).
وقال في "الفتح": واختُلف في وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذّ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سَنَته، فالجمهور على أنَّها سنة ستّ؛ لأنَّها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيّده قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعيّ بلفظ: "وأقيموا"، أخرجه الطبريّ بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدّم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصّة ضمام بن ثعلبة ذكر الأمر بالحجّ، وكان قدومه على ما ذكر الواقديّ سنة خمس، وهذا يدلّ - إن ثبت - على تقدّمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي هو القول بأن فرض الحج كان سنة ستّ، أو قبلها؛ لوضوح قصّة كعب بن عجرة ﵁ التي نزل بسببها قوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في كون الحجِّ على الفور، أم على التراخي؟:
قال الإمام النوويّ ﵀ في "شرح المهذّب" ما حاصله: ذهب إلى أن الحجِّ على التراخي: الشافعيُّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ونقله الماروديّ عن ابن عبّاس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس، ﵃.
وذهب إلى أنه على الفور مالك، وأبو يوسف، والمزنيّ، وهو قول
стр. 12858
جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نصّ لأبي حنيفة في ذلك.
واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا أمر، والأمر يقتضي الفور، وبحديث ابن عباس ﵄: "من أراد الحجِّ فليعجل"، وبالحديث الآخر: "من لَمْ يمنعه من الحجِّ حاجة، أو مرضٌ حابسٌ، أو سلطان جائرٌ، فليمت إن شاء يهوديًّا، أو نصرانيًّا"، ولأنها عبادة تجب الكفّارة بإفسادها، فوجبت على الفور كالصوم، ولأنها عبادة تتعلّق بقطع مسافة بعيدة كالجهاد، ولأنه إذا لزمه الحجِّ، وأخّره، إما أن تقولوا: يموت عاصيًا، وإما غير عاص، فإن قلتم: ليس بعاص خرج الحجِّ عن كونه واجبًا، وإن قلتم: عاصٍ، فإما أن تقولوا: عصى بالموت، أو بالتأخير، ولا يجوز أن يعصي بالموت؛ إذ لا صُنْعَ له فيه، فثبت أنه بالتأخير، فدلّ على وجوبه على الفور.
واحتجّ الأولون القائلون بالتراخي بأن فريضة الحجِّ نزلت بعد الهجرة، وفتح رسول الله ﷺ مكّة في رمضان سنة ثمان، وانصرف عنها في شوّال من سنته، واستخلف عتّاب بن أَسِيد، فاقام للناس الحجِّ سنة ثمان، بأمر رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ مقيمًا بالمدينة هو، وأزواجه، وعامّة أصحابه، ثم غزا غزوة تبوك في سنة تسع، وانصرف عنها قبل الحجِّ، فبعث أبا بكر ﵁، فأقام للناس الحجِّ سنة تسع، ورسول الله ﷺ ، وأزواجه، وعامّة أصحابه قادرون على الحجِّ، غير مشتغلين بقتال، ولا غيره، ثمّ حجّ النبيّ ﷺ بأزواجه، وأصحابه كلّهم سنة عشر، فدلّ على جواز تأخيره. هذا دليل الشافعيّ، وجمهور أصحابه.
قال البيهقيّ: وهذا الذي ذكره الشافعيّ مأخوذ من الأخبار، قال: فأما نزول فرض الحجِّ بعد الهجرة، فكما قال.
واستدلّ أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة ﵁، قال: وقف عليّ رسول الله ﷺ بالحُدَيبية، ورأسي يَتَهافَت قملًا، فقال: "يؤذيك هوامّك؟ "، قلت: نعم يا رسول الله، قال أبو داود: فقال: "قد آذاك هوامّ رأسك؟ "، قال: نعم، قال: "فاحلق رأسك"، قال: ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، رواه الشيخان. فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية نزلت سنة
стр. 12859
ستّ من الهجرة، وهذه الآية دالّة على وجوب الحجِّ، وقد أجمع المسلمون على أن الحديبية كانت سنة ستّ من الهجرة في ذي القعدة، وثبت بالأحاديث الصحيحة، واتفاق العلماء أن النبيّ ﷺ غزا حُنينًا بعد فتح مكّة، وقسم غنائمها، واعتمر من سنته في ذي القعدة، وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة، ولم يبق بينه وبين الحجِّ إلَّا أيامٌ يسيرة، فلو كان على الفور لَمْ يرجع من مكّة حتى يحجّ مع أنه هو، وأصحابه كانوا حينئذ موسرين، فقد غنموا الغنائم الكثيرة، ولا عذر لهم، ولا قتال، ولا شغل آخر، وإنما أخّره ﷺ عن سنة ثمان بيانًا لجواز التأخير، وليتكامل الإسلام، والمسلمون، فيحجّ بهم حجّةَ الوداع، ويحضرها الخلق، فيبلّغوا عنه المناسك، ولهذا قال في حجة الوداع: "ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، ولتأخذوا عني مناسككم"، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية.
قال أبو زرعة الرازيّ، فيما رويناه عنه: حضر مع رسول الله ﷺ حجة الوداع مائة ألف، وأربعة عشر ألفًا، كلّهم قد رآه، وسمع منه. فهذا قول الإمام أبي زرعة الذي لَمْ يحفظ أحدٌ من حديث رسول الله ﷺ كحفظه، ولا ما يقاربه.
[فإن قيل]: إنما أخّره إلى سنة عشر؛ لتعذّر الاستطاعة؛ لعدم الزاد والراحلة، أو الخوف على المدينة، والاشتغال بالجهاد.
[فجوابه]: ما سبق قريبًا.
واحتجّ أصحابنا أيضًا بحديث أنس ﵁، قال: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم، أن الله أرسلك، قال: "صدق"، قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله"، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله"، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله"، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك، أن علينا خمس صلوات، في يومنا وليلتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك، أن علينا
стр. 12860
زكاة في أموالنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك، أن علينا صوم شهر رمضان، في سنتنا، قال: "صدق"، قال: فبا لذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك، أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: "صدق"، قال: ثم ولَّي، قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجَنَّة". رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاريّ أصله.
وفي راوية للبخاريّ أن هذا الرجل ضمام بن ثعلبة، وقدوم ضمام على النبيّ ﷺ كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب، وآخرون، وقال غيرهم: سنة سبع، وقال أبو عبيد: سنة تسع، وقد صرّح في الحديث بوجوب الحجِّ.
وأما الجواب عن احتجاج الحنفيّة بالآية الكريمة، وأن الأمر يقتضي الوجوب، فجوابه نعم يقتضي الفور، لكن إذا لَمْ تقم قرينة تصرفه إلى التراخي، وقد قامت هنا، وهي ما قدّمناه من فعل رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه.
وأما الحديث: "من أراد الحجِّ فليعجل"، فإنه ضعيف، وأيضًا إنه حجة لنا؛ لأنه فوّض فعله إلى إرادته، واختياره، ولو كان على الفور لَمْ يفوّضه إلى اختياره.
وأما حديث: "فليمت إن شاء يهوديًا" فجوابه أنه ضعيف، وأيضًا الذمّ لمن أخّره إلى الموت، ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذي نقول بجوازه هو التأخير بحيث يُفعل قبل الموت، أوأنه محمول على من تركه معتقدًا عدم وجوبه مع الاستطاعة، فهذا كافرٌ، ويؤيّد هذا قوله: "فليمت، إن شاء يهوديًا، أو نصرانيًّا"، وظاهره أنه يموت كافرًا، ولا يكون ذلك إلَّا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستطاعة، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكن من الحجِّ، فلم يحجّ، ومات، لا يحكم بكفره، بل عاصٍ، فوجب تأويل الحديث لو صحّ.
والجواب عن قياسهم على الصوم أنه مُضيَّق، فكان فعله مُضَيَّقًا بخلاف الحجِّ.
стр. 12861
والجواب عن قياسهم على الجهاد أنه لا نسلّم وجوب الجهاد على الفور، بل هو موكول إلى رأي الإمام بحسب المصلحة في الفور والتراخي، وأيضًا في تأخير الجهاد ضررٌ على المسلمين، بخلاف الحجِّ.
والجواب عن قولهم: إذا أخّره، ومات هل يموت عاصيًا؟ الصحيح عندنا موته عاصيًا، وإنما عصى لتفريطه بالتأخير إلى الموت، وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، كما إذا ضرب ولده، أو زوجته، أو ضرب المعلّم الصبيّ، أو عزّر السلطان إنسانًا، فمات، فإنه يجب الضمان؛ لأنه مشروط بسلامة العاقبة. انتهى كلام النوويّ ﵀ باختصار، وتصرّف (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: ومن الدليل على أن الحجِّ على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحجِّ إذا أخّره العامَ والعامين، ونحوهما، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته، فقد أدّى الحجِّ الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها، فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض، أو سفر، فقضاه، ولا كمن أفسد حجّه، فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاضٍ لما وجب عليك، علمنا أن وقت الحجِّ موسّع فيه، وأنه على التراخي، لا على الفور. انتهى كلام ابن عبد البرّ (٢)، وهو تحقيق نفيسٌ أيضًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأقوال وأدلّتها أن الأرجح قول من قال: إن وجوب الحجِّ على التراخي؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان فوائد الحجِّ: لقد اعتنى العلماء بذكر فوائد الحجِّ، ومنهم الشاه وليّ الله الدهلويّ ﵀،
стр. 12862
فقد أفاد، وأجاد في كتابه "حجة المبالغة" (٢/ ٤٢) فلنقتصر على ما ذكره، قال ﵀: المصالح المرعيّة في الحجِّ أمور:
(منها): تعظيم بيت الله تعالى، فإنه من شعائر الله، وتعظيمه تعظيم لله تعالى.
(ومنها): تحقيق معنى العرضة، فإدن لكلّ دولة، أو ملّة اجتماعًا، يتوارده الأقاصي والأداني، ليعرف بعضهم بعضًا، ويستفيدوا أحكام الملّة، ويعظّموا شعائرها، والحجّ عرضة المسلمين، وظهور شوكتهم، واجتماع جنودهم، وتنويه ملّتهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ الآية [البقرة: ١٢٥].
(ومنها): موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم، وإسماعيل ﵇ فإنهما إماما الملّة الحنيفية، ومُشَرّعاها للعرب، والنبيّ ﷺ بُعث لتظهر به الملّة الحنيفيّة، وتعلو به كلمتها، وهو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [الحج: ٧٨].
فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها، كخصال الفطرة، ومناسك الحجِّ، وهو قوله ﷺ : "قِفُوا على مشاعركم، فإنكم على إرث، من إرث أبيكم إبراهيم" (١).
(ومنها): الاصطلاح على حال يتحقّق بها الرفق لعامّتهم، وخاصّتهم، كنزول مني، والمبيت بمزدلفة، فإنه لو لَمْ يُصطَلَح على مثل هذا لشقّ عليهم، ولو لَمْ يسجّل عليه، لَمْ تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم، وانتشارهم.
(ومنها): الأعمال التي تُعلِنُ بأن صاحبها موحّد، تابعٌ للحقّ، متديّن بالملّة الحنيفيّة، شاكر لله تعالى على ما أنعم على أوائل هذه الملّة، كالسعي بين الصفا والمروة.
(ومنها): أن أهل الجاهليّة كانوا يحجّون، وكان الحجِّ أصل دينهم، ولكنّهم خلطوا فيه أعمالًا ما هي مأثورة عن إبراهيم ﵇، وإنما هي اختلاق منهم، وفيها إشراك لغير الله بالله تعالى، كتعظيم إساف، ونائلة، وكالإهلال لمناة الطاغية، وكقولهم في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلَّا شريكًا هو لك،
стр. 12863
تملكه، وما ملك، ومن حقّ هذه الأعمال أن يُنهى عنها، ويؤكّد ذلك، وأعمالًا انتحلوها، فخرًا، وعجبًا، كقول الحُمْس: نحن قُطّان بيت الله، فلا نخرج من حرم الله، فنزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩].
(ومنها): أنهم ابتدعوا قياسات فاسدة، هي من باب التعمّق في الدين، وفيها حرجٌ للناس، ومن حقّها أن تُنسخ، وتُهجَر، كقولهم: يجتنب المحرم دخول البيوت من أبوابها، وكانوا يتسوّرون من ظهورها، ظنًّا منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ينافي هيئة الإحرام، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، وككراهيتهم التجارة في موسم الحجِّ، ظنًّا منهم أنَّها تُخِلّ بإخلاص العمل لله تعالي، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]، وكاستحبابهم أن يحجّوا بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكّلون، وكانوا يضيّقون على الناس، ويعتدون، فنزل قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]. انتهى كلام وليّ الله ببعض تصرّف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - (بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ وَبَيَانِ تَحْرِيمِ الطِّيبِ عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٩١] (١١٧٧) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ (٢) لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ (٣)،
стр. 12864
وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٩/ ٣.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الحجة المجتهد [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، مات سنة (٣) ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٧٣) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن الإمام البخاريّ ﵀.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٥).
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ ﷺ ) قال الحافظ ﵀: لَمْ أقف على اسمه في شيء من الطرق، وفي رواية الليث، عن نافع بلفظ: "قام رجل، فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ " وفي
стр. 12865
رواية عمر بن نافع، عن أبيه: "أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا"، وفي رواية أيوب، عن نافع: "نادى النبيّ ﷺ رجل، فقال: ما نلبس إذا أحرمنا".
وهذا مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام.
وقد حَكَى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أن في رواية ابن جريجٍ، والليث، عن نافع أن ذلك كان في المسجد، قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، نعم أخرج البيهقيّ ٥/ ٤٩ من طريق عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام رجل من هذا الباب -يعني بعض أبواب مسجد المدينة -، فقال: يا رسول الله ما يلبس المحرم؟
و ٥/ ٤٩ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء، عن عبد الله بن عون، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر: نادى رجل رسول الله ﷺ ، وهو يخطب بذلك المكان - وأشار نافع إلى مقدّم المسجد - فذكر الحديث. فظهر أن ذلك كان بالمدينة.
ووقع في حديث ابن عباس ﵄ عند الشيخين: خطبنا رسول الله ﷺ بعرفات، فقال: "من لَمْ يجد الإزار … " الحديث، فيحمل على التعدّد، ويؤيّده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عبّاس ابتدأ به في الخطبة. انتهى (١).
(مَا يَلْبَسُ) "ما" استفهاميّة، أو موصولة، أو موصوفة في محلّ نصب مفعول ثان لـ "سأل"، و"يلبس" بفتح المثنّاة، والموحّدة، من اللبس بضم اللام، يقال: لَبِس الثوب يلبسه، من باب علم يعلم لُبْسًا بالضمّ، وأما اللبس بفتح اللام، فهو مصدر لَبَستُ عليه الأمرَ ألبِسه، من باب ضرب: إذا خلطت عليه، ومنه اشتباهه، ولا يناسب هنا.
وقوله: (الْمُحْرِمُ) أجمعوا على أن المراد به الرجل، لا المرأة؛ لأنَّها لا تُمنع من لبس هذه الأنواع. قال ابن المنذر ﵀: أجمعوا على أن للمرأة لبس
стр. 12866
جميع ما ذُكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسّه الزعفران، أو الورس، وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى.
وقوله: (مِنَ الثِّيَابِ؟) أي: من أنواع الثياب، وهو بيان لـ "ما"، أو للمسؤول عنه.
[تنبيه]: قوله: "ما يلبس المحرم من الثياب إلخ" هذا هو المشهور في الرواية عن نافع، عن ابن عمر، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريجٍ، عن نافع، بلفظ: "ما يترك المحرم". قال الحافظ: وهي شاذّة، والاختلاف فيها على ابن جريجٍ، لا على نافع.
وأخرجه أحمد ٢/ ٨ عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، فقال مرّةً: "ما يترك؟ " ومرّةً: "ما يلبس".
وأخرجه أبو داود، عن ابن عيينة بلفظ: "ما يترك؟ " من غير شكّ. ورواه سالم، عن ابن عمر بلفظ: "أن رجلًا قال: ما يجتنب المحرم؟ ".
وأخرجه أحمد ٢/ ٣٤، وابن خزيمة، وأبو عوانة في "صحيحيهما" من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عنه.
وأخرجه البخاريّ في أواخر الحجِّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزهريّ يُشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف فيها.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا) "لا" ناهية، ولذا جُزم الفعل بها، كذا هو في رواية نافع بالخطاب، وواو الجماعة، وفي رواية سالم التالية: "لا يلْبَس المحرم القميص"، وهو بالرفع على الخبر على الأشهر، وهو في معنى النهي، وروي بالجزم على أنه نهي.
وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين، وهي قول السائل: "ما يترك المحرم؟ " أو "ما يجتنب المحرم؟ " وأما على الرواية المشهورة؛ أي: قول السائل: "ما يلبس المحرم"، فإن المسؤول عنه ما يلبسه المحرم، فأجيب بذكر ما لا يلبسه، والحكمة فيه أن ما يجتنبه المحرم، ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولي، ويبقى ما عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير، غير محصور، فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أن السائل لَمْ يُحسن
стр. 12867
السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وبعض علماء المعاني يسمّي هذا بـ "أسلوب حكيم"، وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، فالسؤال عن جنس المنفَق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفق عليه؛ لأنه أهمّ، وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى.
ومثله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية.
قال النوويّ ﵀: قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وجَزْله، فإنه ﷺ سُئل عما يلبسه المحرم، فقال: لا تلبسوا كذا وكذا، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات، ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا يُلبَس أولى؛ لأنه منحصر، فأما الملبوس الجائز للمحرم، فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله: "لا يلبس كذا وكذا" يعني، ويلبس ما سواه. انتهى (١).
وقال البيضاويّ: سئل عما يلبس، فأجاب بما لا يُلبس ليدلّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أخصر، وأحصر. وفيه إشارة إلى أن حقّ السؤال عما لا يلبس.
وقال الشيخ ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": فيه دليل على أن المعتبر في الجواب ما يحصل به المقصود، كيف كان، ولو بتغيير، أو زيادة، ولا يشترط المطابقة. انتهى.
(الْقُمُصَ) بضمّتين، وهو جمع قَمِيص، وهو نوع من الثياب معروف، وهو الدرع، وذكر ابن الهمام في أبواب النفقة من "فتح القدير" أنهما سواء، إلَّا أن القميص يكون مجيَّبًا من قبل الكتف، والدرع من قبل الصدر. انتهى.
ونبّه به وبالسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مُحيطًا، أو مخيطًا معمولًا على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبّة، والقميص، والقباء، والتُّبّان، وا لقفّاز.
(وَلَا الْعَمَائِمَ) جمع عمامة - بكسر العين -: هي ما يُلفّ على الرأس،
стр. 12868
سميت بذلك لأنَّها تعمّ جميع الرأس، ونبّه به على كلّ ساتر للرأس مخيطًا، أو غير مخيط، حتى العصابة، فإنها حرام.
(وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سِرْوال، وهو واحد جاء بلفظ الجمع. وقيل: جمع سِرْوالة، وهو ئوب خاصّ بالنصف الأسفل من البدن، قال في "القاموس": السراويل فارسيّة معرّبة، جمعها سراويلات، أو هي جمع سِرْوال، وسِرْوالة. انتهى، وقال صاحب "المحكم": السراويل فارسيّ معرّب، يذكّر، ويؤنّث، ولم يَعْرِف الأصمعيّ فيها إلَّا التأنيث، والجمع سراويلات، والسراوين - بالنون -: السراويل، زعم يعقوب أن النون فيها بدلٌ من اللام. وقال أبو حاتم السجستانيّ: وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل - بالشين المعجمة - انتهى.
(وَلَا الْبَرَانِسَ) - بفتح الموحدة، وكسر النون -: جمع بُرْنُس - بضمّتين - قال الأزهريّ، وصاحب "المحكم"، وغيرهما: البرنس كلّ ثوب رأسه ملتزق به، درّاعة كانت، أو جبّة، أو مِمْطَرًا (١)، من البِرْس بكسر الباء، وهو القطن، والنون زائدة.
قال النوويّ ﵀: نبّه بالعمائم، والبرانس على كلّ ساتر للرأس، مخيطًا كان، أو غيره حتى العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجّة، أو صُداع، أو غيرهما شدّها، ولزمته الفدية. انتهى.
وقال الخطّابيّ ﵀: ذكر العمامة، والبرنس معًا ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد، ولا بالنادر، قال: ومن النادر الْمِكْتَل يحمله على رأسه، قال الحافظ: إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صحّ ما قال، وإلا فمجرّد وضعه على رأسه على هيئات الحامل لحاجته لا يضرّ، ومما لا يضرّ أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا ستر الرأس باليد. انتهى.
وقال الحافظ وليّ الدين: والمشهور من مذهب الشافعيّ أنه لا تحريم في
стр. 12869
حمل المكتل، ولا فدية فيه، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال المالكيّة: لا بأس أن يحمل على رأسه ما لا بدّ له منه، كخَرْجِه، وجرابه، ولا يَحْمِل ذلك لغيره تطوّعًا، ولا بإجارة، فإن فعل افتدى، ولا يحمل لنفسه تجارة، قال أشهب: إلَّا أن يكون عيشه بذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفرقة المالكية بين ما يحمله لنفسه، ولغيره يحتاج إلى دليل، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(وَلَا الْخِفَافَ) - بالكسر -: جمع خُفّ، وفي رواية سالم: "ولا الخفّين": تثنية خُفّ بضم، فتشديد (إِلَّا أَحَدٌ) بالرفع، وهو الوجه المختار؛ لأن الاستثناء متّصل منفيّ، فيكون مرفوعًا على البدليّة من ضمير "تلبسوا"، وفي نسخة: "إلَّا أحدًا" بالنصب، وهو أيضًا جائز، فيكون منصوبًا على الاستثناء، كما قال في "الخلاصة":
مَا اسْتَثْنَتِ "الَّا" مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ
إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ … وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ
وقال الزين ابن المنيّر ﵀ يستفاد منه جواز استعمال "أحد" في الإثبات، خلافًا لمن خصّه بضرورة الشعر، كقوله:
وَقَدْ ظَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ … إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا
قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يُستعمل في الإثبات إلَّا إن كان يعقبه نفيٌ، وكان الإثبات حينئذ في سياق النفي.
(لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ) المراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده، أو ترك بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن، إن وجد من يبيعه، أو الأجرة، ولو بيع بغبن لَمْ يلزمه شراؤه، أو وُهب له لَمْ يجب قبوله إلَّا إن أُعير له.
واستُدلّ به على أن من وجد النعلين لا يلبس الخفّين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وأجازه الحنفيّة، وبعض الشافعيّة. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئًا لَمْ يجز إلَّا للفاقد. وقال الزرقانيّ: فإن لبسهما مع وجود النعلين افتدى عند مالك، والليث، وعن
стр. 12870
الشافعيّ قولان، قاله في "الفتح" (١).
(فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ) وفي نسخة: "فليلبس خفّين" بالتنكير (وَلْيَقْطَعْهُمَا) ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شُرع للتسهيل لَمْ يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة، قاله في "الفتح"، وهو محلّ تأمّل، وهو تعالى أعلم.
(أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) "أسفل" ظرف لـ "يقطع"، وفي رواية سالم: "حتى يكونا أسفل من الكعبين"؛ يعني أن فاقد النعلين إذا أراد أن يلبس الخفين يقطعهما بحيث يصير الكعبان، وما فوقهما من الساق مكشوفًا، لا قطع موضع الكعبين فقط.
قال في "الفتح": والمراد كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم.
ويؤيّده ما روى ابن أبي شيبة، عن جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: إذا اضطرّ المحرم إلى الخفّين خرق ظهورهما، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه.
وقال محمد بن الحسن، ومن تبعه من الحنفيّة: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، وقيل: إن ذلك لا يُعرف عند أهل اللغة، وقيل: إنه لا يثبت عن محمد، وإن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيد الله الرازيّ سمعه يقول في مسألة المحرم إذا لَمْ يجد النعلين حيث يقطع خفيه، فأشار محمد بيده إلى موضع القطع، ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة، وبهذا يتعقّب على من نقل عن أبي حنيفة كابن بطّال أنه قال: إن الكعب هو الشاخص في ظهر القدم، فإنه لا يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن - على تقدير صحّته عنه - أن يكون قول أبي حنيفة. ونقل عن الأصمعيّ، وهو قول الإماميّة أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم، وجمهور أهل اللغة على أن في كلّ قدم كعبين.
وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما؛ إذا لَمْ يجد النعلين، وعن الحنفيّة تجب. وتُعُقّب بأنها لو وجبت لبيّنها النبيّ ﷺ لأنه وقت الحاجة.
стр. 12871
واستدلّ به على اشتراط القطع، خلافًا للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفّين من غير قطع؛ لإطلاق حديث ابن عبّاس ﵄ عند البخاريّ في أواخر الحجِّ بلفظ: "ومن لَمْ يجد نعلين، فليلبس خفّين".
وتُعُقّب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيّد، فينبغي أن يقول بها هنا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخرج النسائيّ من طريق أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس ﵄ بلفظ: "وإذا لَمْ يجد النعلين، فليلبس الخفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين"، فلو صحّت هذه الزيادة، فلا حاجة إلى القول بالتقييد بحديث ابن عمر ﵄؛ لكنها لا تثبت في حديث ابن عباس، كما بيّنته في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد.
وأجاب الحنابلة بأشياء: منها: دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدارقطنيّ، من طريق عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد عن ابن عبّاس حديثه، وقال: انظروا أيّ الحديثين قبلُ؟ ثم حكى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أنه قال: حديث ابن عمر قبلُ؛ لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس بعرفات.
وأجاب الشافعيّ عن هذا في "الأمّ"، فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس؛ لاحتمال أن تكون عزبت عنه، أو شكّ، أو قالها، فلم يقلها عنه بعض رواته. انتهى.
وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجوزيّ: حديث ابن عمر اختُلِف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لَمْ يُختلف في رفعه. انتهى.
قال الحافظ: وهو تعليل مردود، بل لَمْ يُختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلَّا في رواية شاذّة، على أنه اختُلف في حديث ابن عبّاس أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدّثين أن حديث ابن عمر أصحّ من حديث ابن عبّاس؛ لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وُصف بكونه أصحّ الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفّاظ، منهم نافع، وسالم، بخلاف حديث ابن عبّاس، فلم يأت مرفوعًا إلَّا من رواية جابر بن زيد عنه، حتى قال الأصيليّ:
стр. 12872
إنه شيخٌ بصريّ، لا يُعرف، كذا قال، وهو معروف، موصوفٌ بالفقه عند الأئمة.
واستدلّ بعضهم بالقياس على السراويل، كما سيأتي البحث عنه فيه في حديث ابن عبّاس ﵄ إن شاء الله تعالى -.
وأجيب بأن القياس مع وجود النصّ فاسد الاعتبار.
واحتجّ بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، والله لا يحبّ الفساد.
وأجيب بأن الفساد إنما يكون فيما نَهَى الشرع عنه، لا فيما أَذن فيه.
وقال ابن الجوزيّ: يُحمل القطع على الإباحة، لا على الاشتراط؛ عملًا بالحديثين، قال الحافظ: ولا يخفى تكلّفه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب قطع الخفين، حتى يكونا أسفل من الكعبين، هو الحقّ؛ حملًا لحديث ابن عباس ﵄ حديث ابن عمر ﵄، وبه يحصل العمل بالحديثين، من غير إلغاء أحدهما، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: زاد الثوريّ في روايته لهذا الحديث عن أيوب، عن نافع: "ولا القباء"، أخرجه عبد الرزّاق عنه، قال الحافظ العراقيّ: وهو صحيح محفوظ من حديث سفيان الثوريّ، عن أيوب، ورواه الطبرانيّ من وجه آخر عن الثوري، وأخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريق حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أيضًا بلفظ: "والأقبية"، قال العراقيّ: إسناده صحيح.
و"القباء" بالقاف والموحدة: معروف، ويطلق على كلّ ثوب مفرج، ومنعُ لبسه متّفقٌ عليه، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كميه، لا إذا القاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور، والخرقيّ من الحنابلة، وحكى الماورديّ نظيره إن كان كمه ضيّقًا، فإن كان واسعًا فلا. قاله في "الفتح" (١).
(وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَاب شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) بالتعريف، وفي رواية سالم: "زعفران" بالتنكير والتنوين؛ لأنه منصرف؛ إذ ليس فيه إلَّا الألف والنون فقط،
стр. 12873
وهو لا يمنع الصرف، وهو بفتح الزاي، وسكون العين المهملة، وفتح الفاء، والراء -: اسم عربيّ. وقيل: اسم عجميّ تصرّفت فيه العرب، فقالوا: ثوب مزعفرٌ، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرةً، ويجمع على زعافر.
واستُدلّ بقوله: "مسّه" على تحريم ما صُبغ كلّه، أو بعضه، ولو خفيت رائحته، قال مالك في "الموطّأ": إنما يكره لبس المصبّغات؛ لأنَّها تنفض، وقال الشافعيّة: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لَمْ تفح له رائحة لَمْ يُمنع، والحجة فيه حديث ابن عبّاس ﵄، عند البخاريّ، وفيه: "ولم ينه عن شيء من الثياب، إلَّا المزعفرة التي تَرْدَعُ الجلدَ (١) … " الحديث.
وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز، خلافًا لمالك، ففي "الموطأ": سئل مالك عن ثوب مسّه طيب، ثم ذهب ريح الطيب منه، هل يُحرِم فيه؛ قال: نعم، ما لَمْ يكن فيه صباغ زعفران، أو ورس. انتهى.
واستُدلّ للجمهور بما رواه أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر، عن نافع في هذا الحديث: "إلَّا أن يكون غسيلًا"، أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِمّانيّ في "مسنده" عنه.
وروى الطحاويّ عن أحمد بن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحمانيّ، فقال له عبد الرَّحمن بن صالح الأزديّ: قد كتبته عن أبي معاوية، وقام في الحال، فأخرج له أصله، فكتبه عنه يحيى بن معين. انتهى.
وهي زيادة شاذّة؛ لأن أبا معاوية، وإن كان متقنًا، لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال، قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله، ولم يجئ بهذه الزيادة غيره.
قال الحافظ: والحمّانيّ ضعيف، وعبد الرَّحمن الذي تابعه فيه مقال.
ورد العينيّ إعلال هذا الحديث بما ذُكر، وصحح الحديث، وقال: وقد روى أحمد في مسنده من حديث ابن عبّاس حديثًا يدلّ على جواز لبس المزعفر للمحرم؛ إذا لَمْ يكن فيه نفضٌ، ولا ردع (٢).
стр. 12874
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قال العينيّ نظر لا يخفى، فإن أبا معاوية زيادةً على ما ذُكِر من اضطرابه في حديث غير الأعمش كما قال أحمد، فإنه مدلّس، كما صرّح به يعقوب بن شيبة، وابن سعد، وقد عنعنه هنا، فكيف يصحّ؟.
وأما الحديث الذي ذكره عن "المسند" ففي سنده حجاج بن أرطاة كثير التدليس عن الضعفاء، وفيه أيضًا حسين بن عبد الله بن عبيد الله، وهو ضعيف، كما قاله الحافظ الهيثميّ في "مجمع الزوائد" ٣/ ٢١٩.
فالحقّ ما قاله الإمام مالك ﵀، من عدم جواز لبس المصبوغ بزعفران، أو ورس، وإن كان مغسولًا؛ لإطلاق حديث الباب، وعدم صحّة ما احتجّ به الجمهور، كما عرفته آنفًا، والله تعالى أعلم.
واستدلّ به المهلّب على منع استدامة الطيب، وفيه نظر.
واستَنْبَط من منع لبس الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران. وهذا قول الشافعيّة، وعن المالكيّة خلاف، وقال الحنفيّة: لا يحرم؛ لأن المراد اللبس، والتطيّب، والآكل لا يُعدّ متطيّبًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحنفيّة أقوي، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(وَلَا الْوَرْسُ") - بفتح الواو، وسكون الراء، بعدها سين مهملة - قال في "القاموس": نبات كالسمسم، ليس إلَّا باليمن، يُزرع، فيبقى عشرين سنة، نافع للكلف طلاءً، والبَهَق شُربًا، وقال الجوهريّ: الورس نبت أصفر يكون باليمن، وقال الحافظ: الورس نبت أصفر طيّب الريح، يُصبغ به.
قال ابن العربيّ: الورس ليس بطيب، ولكنه نبّه به على اجتناب الطيب، وما يشبهه في ملاءمة الشمّ، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه، فيما يُقصد به التطيّب.
стр. 12875
وقال النوويّ ﵀: قوله: "ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس" أجمعت الأمة على تحريم لباسهما؛ لكونهما طيبًا، وألحقوا بهما جميع أنواع ما يُقْصد به الطيب، وسبب تحريم الطيب أنه داعية إلى الجماع، ولأنه ينافي تذلل الحاج، فإن الحاجّ أشعث أغبر، وسواء في تحريم الطيب الرجل والمرأة، وكذا جميع محرمات الإحرام سوى اللباس، كما سبق بيانه.
قال: ومحرمات الإحرام سبعة: اللباس بتفصيله السابق، والطيب، وإزالة الشعر والظفر، ودهن الرأس واللحية، وعقد النِّكَاح، والجماع، وسائر الاستمتاع حتى الاستمناء، والسابع: إتلاف الصيد.
قال: وإذا تطيّب، أو لبس ما نُهِيَ عنه لزمته الفدية، إن كان عامدًا بالإجماع، وإن كان ناسيًا فلا فدية عند الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأوجبها أبو حنيفة، ومالك.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الأولون من عدم الفدية بالنسيان، وكذا بالجهل هو الأرجح عندي، لحديث يعلى بن منية ﵁ الآتي قريبًا.
قال: ولا يحرم المعصفر عند مالك، والشافعيّ، وحرّمه الثوريّ، وأبو حنيفة، وجعلاه طيبًا، وأوجبا فيه الفدية.
قال: ويكره للمحرم لبس الئوب المصبوغ بغير طيب ولا يحرم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٩١ و ٢٧٩٢ و ٢٧٩٣] (١١٧٧)، و (البخاريّ) في "العلم" (١٣) و"الصلاة" (٣٦٦) و"الحج" (١٥٤٢ و ١٨٣٨
стр. 12876
و ١٨٤٢) و"اللباس" (٥٧٩٤ و ٥٨٠٣ و ٥٨٠٥ و ٥٨٠٦ و ٥٨٤٧ و ٥٨٥٢)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٢٣)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٨٣٣)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢٩٢٩ و ٢٩٣٠ و ٢٩٣٢)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٣١ و ١٣٥) و"الكبرى" (٢/ ٣٣٤ و ٣٤٦)، و (مالك) في "الموطّإ" (٧١٦ و ٧١٧)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٠٠)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨٣٩)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣ و ٤ و ٢٢ و ٢٩ و ٣٢ و ٤١ و ٥٤ و ٥٩ و ٦٣ و ٦٥ و ٧٧ و ١١٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٩٧ و ٢٥٩٩ و ٢٦٠٠)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٨٤)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٧٩٨ و ١٨٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٥/ ٢٦٣)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ١٨١)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٦١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٣٥)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٤٩ - ٥٠) و"الصغرى" (٤/ ٢٥) و"المعرفة" (٤/ ١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يلبسه المحرم من اللباس، وهو ما عدا هذه المذكورات.
٢ - (ومنها): بيان تحريم لبس هذه الأمور المذكورة، وما في معناها على المحرم، وهو مجمع عليه، فنبّه بالقميص على كلّ مخيط معمول على قدر البدن، وبالسراويل على ما هو معمول على قدر عضو منه، وبالعمامة على الساتر للرأس، وإن لَمْ يكن مخيطًا، وبالبرنس على الساتر له، وإن كان لبسه نادرًا، ومن ذلك يفهم تحريم ستر الرأس مطلقًا، وكذا يحرم ستر بعضه إذا كان قدرًا يقصد ستره لغرض، بخلاف الخيط ونحوه، ولا يضرّ الانغماس في الماء، والستر بكفه، وبالخفّ على كلّ ساتر للرجل من مداس، وجمجم، وجورب، وغيرها.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: ويقدح في دعوى الإجماع ما رواه سعيد بن منصور في "سننه" عن عطاء بن أبي رباح أنه رخّص للمحرم في لبس الخفّ في الدلجة.
стр. 12877
قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": ولا يُعرف ذلك لغير عطاء، إلَّا أن الطحاويّ روى في "بيان المشكل" أن عمر ﵁ رأى على عبد الرَّحمن بن عوف ﵁ خفّين، وهو محرم، فقال: وخفّين أيضًا، وأنت محرم؟ فقال: فعلته مع من هو خير منك. قال العراقيّ: فلعلّ هذا مستند عطاء، ويحتمل عدم وجدان عبد الرَّحمن للنعلين. انتهى (١).
٣ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز للمحرم لبس الخفين المقطوعين إلَّا عند فقد النعلين، وهو الراجح من أقوال أهل العلم، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): بيان تحريم لبس الثياب المصبوغة بالورس والزعفران للمحرم.
[تنبيه]: قال العلماء -رحمهم الله تعالى -: الحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم، ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفّه، ويتّصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكّر أنه محرم في كلّ وقت، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته، وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكّر به الموت، ولباس الأكفان، وليتذكّر البعث يوم القيامة، حفاة، عُراة، مهطعين إلى الداعي. ذكره وليّ الدين ﵀ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في لبس الخفيّن لمن لَمْ يجد النعلين:
ذهبت طائفة إلى أن من لَمْ يجد نعلين يجوز له لبمس الخفّين بشرط قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعين، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، والجمهور، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه جواز لبسهما بحالهما عند فقد النعلين، ولا يجب قطعهما. واستدلّ له بحديث ابن عبّاس، وجابر ﵃ المذكور في الباب؛ إذ ليس فيهما ذكر القطع، وزعم أصحابه أن حديث ابن عمر المصرّح بقطعهما منسوخ، وقالوا: قطعهما إضاعة مال، وقال
стр. 12878
عمرو بن دينار: ولا أدري أيّ الحديثين نسخ الآخر، انظروا أيهما قبلُ.
وقال الجمهور: يجب حمل حديث ابن عباس، وجابر على حديث ابن عمر؛ لأنهما مطلقان، وفي حديث ابن عمر زيادة لَمْ يذكراها يجب الأخذ بها، قال الشافعيّ: ابن عمر، وابن عباس، كلاهما صادقٌ حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لَمْ يؤدّه الآخر، إما عزب عنه، وإما شكّ فيه، فلم يؤدّه، وإما سكت عنه، وإما أدّاه فلم يُؤَدَّى عنه، لبعض هذه المعاني اختلفا. انتهى.
وقولهم: إنه إضاعة مال: مردود، فإن الإضاعة إنما تكون في المنهيّ عنه، وأما ما ورد به الشرع فهو حقّ يجب الإذعان له. واللَّه أعلم.
وحَكَى الخطّابيّ، عن عطاء بن أبي رباح أنه لا يقطعهما؛ لأن في قطعهما إفسادًا، ثم قال: يشبه أن يكون لَمْ يبلغه حديث ابن عمر، قال: والعجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلّت سنة لَمْ تبلغه.
وقال ابن العربيّ: أما عطاء فوَهِم في الفتوى، وأما أحمد فعلى صراط مستقيم، قال: وهذه القولة لا أراها صحيحة، فإنّ حَمْلَ المطلق على المقيّد أصل أحمد. انتهى ما ذكره وليّ الدين ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجته.
والحاصل أن الراجح حمل حديث ابن عباس على حديث ابن عمر ﵄، وهو أن من لَمْ يجد نعلين لبس الخفّين، ولكن يقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين، فبهذا يُجمَع بين الحديثين، وهو الطريق الذي يحصل به العمل بالحديثين، فيكون أولى من إبطال أحدهما بدعوى النسخ بلا بيّنة واضحة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الفدية على من لبس الخفّين لفقد النعلين:
стр. 12879
ذهبت طائفة إلى أنه إذا فقد النعلين، ولبس الخفّين مقطوعين أسفل من الكفين، لَمْ تلزمه فدية؛ إذ لو كانت لازمة لبيّنها النبيّ ﷺ ، وهذا موضع بيانها، وهو من جهة المعنى واضح، فإنه لَمْ يرتكب محظورًا، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وآخرون - رحمهم اللَّه تعالى -.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليه الفدية، كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه، وَيفدِي. ذكره وليّ الدين ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الأرجح؛ عملًا بظاهر الحديث، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): دلّ الحديث على أنه لا يجوز لبس الخفّين مقطوعين إلَّا عند فقد النعلين، وهو الأصحّ عند أصحاب الشافعيّ، وبه قال مالك، والليث، وكذا قال الحنابلة: لو لبس واجد النعل خفًّا مقطوعًا تحت الكعب لزمته الفدية.
وذهب بعض الشافعيّة إلى جواز لبسه مع وجودهما؛ لأنه صار في معناهما، وهو قول أبي حنيفة، أو بعض أصحابه، حكاه ابن عبد البرّ، وابن العربيّ عن أبي حنيفة، وحكاه المحبّ الطبريّ عن بعض أصحابه. وحكي عن أبي حنيفة نفسه موافقة مالك، والجمهور.
وقال ابن العربيّ: والذي أقول: إنه إن كشف الكعب لبسهما إن لَمْ يجد نعلين، وإن وجد النعلين لَمْ يجز لبسهما، حتى يكون كهيئة النعل لا يستران من ظاهر الرجل شيئًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذكره ابن العربيّ ﵀ أقرب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): هذا الحكم خاصّ بالرجل، أما المرأة فلها لبس الخفّين مطلقًا، قال ابن المنذر ﵀: وبه قال كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم. انتهى.
لكن في "سنن أبي داود": أن ابن عمر كان يصنع ذلك -يعني يقطع الخفّين - للمرأة المحرمة، ثم حدّثته صفيّة بنت أبي عُبيد أن عائشة ﵂ حدّثتها: أن رسول اللَّه ﷺ قد كان رخّص للنساء في الخفّين، فترك ذلك.
стр. 12880
قال ابن عبد البرّ: لا يقول به أحد من أهل العلم فيما علمت، وهذا إنما كان من ورع ابن عمر، وكئرة اتباعه، فاستعمل ما حفظ على عمومه حتى بلغه فيه الخصوص. انتهى، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌ والنَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ: "لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَان (١)، وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ فقيهٌ إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٣.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ الفقيه المشهور، من كبار [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
стр. 12881
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٩٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ، أَوْ وَرْسٍ، وَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
والباقون ذُكروا قبل حديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٩٤] (١١٧٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَن جَابِرِ بْنِ زيدٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ، يَقُولُ: "السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ"، يَعْنِي الْمُحْرِمَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
стр. 12882
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (عِ) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٥ - (جَابِرُ بْنُ زْيدٍ) الأزديّ، ثمّ الْجَوْفيّ، أبو الشَّعْثاء البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٣) وقيل: سنة مائة (ع) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٩.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الْحَبر البحر ﵄ المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
و"يحيى بن يحيى" ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم، ثم فرّق؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيي، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجة، وأبي الربيع، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو، عن جابر.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ ذو المناقب الجمّة، دعا له النبيّ ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يُسمّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ) زاد في رواية شعبة التالية: "بعرفات" (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول ("السَّرَاوِيلُ) مبتدأ على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: لبس السراويل، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا … عَنْهُ فِي الإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
وخبره قوله: (لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ) يعني أنه يجوز لبس السراويل لمن لا يجد الإزار.
стр. 12883
وقد أخذ بظاهره الإمام أحمد ﵀، فجوّز لبس السراويل من غير قطع، وهو الأصحّ عند أكثر الشافعيّة، وهو الحقّ؛ لقوّة دليله، كما سيأتي في المسألة الثالثة - إن شاء اللَّه تعالى -.
والمراد بعدم وجدان الإزار أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده في ذلك الموضع، أو لعدم بذل المالك إياه، أو لعجزه عن الثمن إن باعه، أو الأجرة إن آجره. وهكذا المراد في عدم وجدان النعلين.
(وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ") إعرابه كسابقه؛ يعني أن من فقد النعلين جاز له أن يلبس الخفّين، ولكن تقدّم في حديث ابن عمر ﵄ قوله: "وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين"، فيجب على من يلبس الخفّين لفقد النعلين أن يقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين، وبهذا قال الجمهور؛ خلافًا لأحمد.
وقوله: (يَعْنِي الْمُحْرِمَ) العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟ يعني أن جواز لبس السراويل لمن لَمْ يجد الإزار، والخفّين لمن لَمْ يجد النعلين للمحرم فقط، وأما غيره فلا يشترط في جواز لبسه ذلك عدم وجدان الإزار، والنعلين، بل يجوز له اللبس مطلقًا، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "يعني المحرم" هذا صريح في الدلالة للشافعيّ، والجمهور في جواز لبس السراويل للمحرم؛ إذا لَمْ يجد إزارًا، ومنعه مالك؛ لكونه لَمْ يُذكَر في حديث ابن عمر ﵄ السابق، والصواب إباحته لحديث ابن عباس ﵄ هذا، مع حديث جابر ﵁ بعده، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه؛ لأنه ذَكَرَ فيه حالة وجود الإزار، وذَكَر في حديث ابن عباس وجابر ﵃ حالة العدم، فلا منافاة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم - بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
стр. 12884
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٩٤ و ٢٧٩٥ و ٢٧٩٦] (١١٧٨)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٧٤٠ و ١٨٤١ و ١٨٤٣) و"اللباس" (٥٨٠٤ و ٥٨٥٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٢٩)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٨٣٤)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٣٢ و ١٣٥ و ٨/ ٢٠٥) و"الكبرى" (٥/ ٤٨٣)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢٩٣١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ١٠٠ - ١٠١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٥ و ٢٢١ و ٢٢٨ و ٢٧٩ و ٢٨٥ و ٣٣٦)، و (الدارمي) في "المناسك" (١٧٩٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٨١ و ٣٧٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١١١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ١٧٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٣٣ و ١٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٤٩) و"الصغرى" (٤/ ٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز لبس السراويل لمن لَمْ يجد الإزار:
ذهب الإمامان: مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز لبس السراويل مطلقًا، وذهب الجمهور إلى جوازه لمن لا يجد الإزار، وهو الحقّ.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: ولم يبلغ ذلك مالكًا، فأنكره، ففي "الموطّإ": أنه سئل عما ذُكر عن النبيّ ﷺ أنه قال: "من لَمْ يجد إزارًا فليلبس سراويل"، فقال مالك: لَمْ أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن، كما استثنى في الخفّين. وبه قال أبو حنيفة، كما حكاه ابن المنذر ﵀، والخطّابيّ.
قال ابن عبد البرّ: وقال عطاء بن أبي رباح، والشافعيّ، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، وداود: إذا لَمْ يجد المحرم إزارًا لبس السراويل، ولا شيء عليه. وحكاه النوويّ عن الجمهور، قال: ولا حجة في حديث ابن عمر؛ لأنه ذكر فيه حالة وجود الإزار، وذكر في حديثي ابن عباس، وجابر ﵃ حالة العدم، فلا منافاة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12885
قال وليّ الدين: لَمْ يأمر بقطع السراويل عند الإزار، كما في الخفّ، وبه قال أحمد، وهو الأصحّ عند أكثر الشافعيّة.
وقال إمام الحرمين، والغزاليّ: لا يجوز لبس السراويل على حاله، إلَّا إذا لَمْ يتأتّ فتقه، وجعلهْ إزارًا، فإن تأتّى ذلك لَمْ يجز لبسه، وإن لبسه لزمته الفدية.
وقال الخطّابيّ: يُحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يشقّ السراويل، ويتّزر به. قال الخطابيّ: والأصل في المال أن تضييعه محرّم، والرخصة إذ جاءت في لبس السراويل، فظاهرها اللبس المعتاد، وستر العورة واجبٌ، فإذا فتق السراويل، واتّزر به، لَمْ تستتر العورة، فأما الخفّ، فإنه لا يغطّي عورةً، وإنما هو لباس رفق، وزينة، فلا يشتبهان، قال: ومرسل الإذن في لباس السراويل إباحة لا تقتضي غرامة. اهـ. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح هو ما عليه الجمهور، من جواز لبس السراويل لمن لَمْ يجد الإزار بدون قطع، أو فتق، وأنه لا فدية عليه؛ لحديثي ابن عباس وجابر ﵃ المذكورين في الباب، فقد أباح الشارع لبسه بدون أن يأمر بقطعه، كما أمر في الخفّ، ولم يأمر بالفدية، فجاز لبسه كما هو، ولا تجب الفدية بذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧٩٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ (ع) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ).