← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.

стр. 12881

والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ، أَوْ وَرْسٍ، وَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. والباقون ذُكروا قبل حديث. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٤] (١١٧٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَن جَابِرِ بْنِ زيدٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ، يَقُولُ: "السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ"، يَعْنِي الْمُحْرِمَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.

стр. 12882

٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. ٤ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (عِ) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤. ٥ - (جَابِرُ بْنُ زْيدٍ) الأزديّ، ثمّ الْجَوْفيّ، أبو الشَّعْثاء البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٣) وقيل: سنة مائة (ع) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٩. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الْحَبر البحر ﵄ المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. و"يحيى بن يحيى" ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم، ثم فرّق؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيي، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجة، وأبي الربيع، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عمرو، عن جابر. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ ذو المناقب الجمّة، دعا له النبيّ ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يُسمّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وهو أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ) زاد في رواية شعبة التالية: "بعرفات" (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول ("السَّرَاوِيلُ) مبتدأ على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: لبس السراويل، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا … عَنْهُ فِي الإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا وخبره قوله: (لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ) يعني أنه يجوز لبس السراويل لمن لا يجد الإزار.

стр. 12883

وقد أخذ بظاهره الإمام أحمد ﵀، فجوّز لبس السراويل من غير قطع، وهو الأصحّ عند أكثر الشافعيّة، وهو الحقّ؛ لقوّة دليله، كما سيأتي في المسألة الثالثة - إن شاء اللَّه تعالى -. والمراد بعدم وجدان الإزار أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده في ذلك الموضع، أو لعدم بذل المالك إياه، أو لعجزه عن الثمن إن باعه، أو الأجرة إن آجره. وهكذا المراد في عدم وجدان النعلين. (وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ") إعرابه كسابقه؛ يعني أن من فقد النعلين جاز له أن يلبس الخفّين، ولكن تقدّم في حديث ابن عمر ﵄ قوله: "وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين"، فيجب على من يلبس الخفّين لفقد النعلين أن يقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين، وبهذا قال الجمهور؛ خلافًا لأحمد. وقوله: (يَعْنِي الْمُحْرِمَ) العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟ يعني أن جواز لبس السراويل لمن لَمْ يجد الإزار، والخفّين لمن لَمْ يجد النعلين للمحرم فقط، وأما غيره فلا يشترط في جواز لبسه ذلك عدم وجدان الإزار، والنعلين، بل يجوز له اللبس مطلقًا، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: قوله: "يعني المحرم" هذا صريح في الدلالة للشافعيّ، والجمهور في جواز لبس السراويل للمحرم؛ إذا لَمْ يجد إزارًا، ومنعه مالك؛ لكونه لَمْ يُذكَر في حديث ابن عمر ﵄ السابق، والصواب إباحته لحديث ابن عباس ﵄ هذا، مع حديث جابر ﵁ بعده، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه؛ لأنه ذَكَرَ فيه حالة وجود الإزار، وذَكَر في حديث ابن عباس وجابر ﵃ حالة العدم، فلا منافاة. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم - بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:

стр. 12884

أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٩٤ و ٢٧٩٥ و ٢٧٩٦] (١١٧٨)، و (البخاريّ) في "الحجِّ" (١٧٤٠ و ١٨٤١ و ١٨٤٣) و"اللباس" (٥٨٠٤ و ٥٨٥٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨٢٩)، و (الترمذيّ) في "الحجِّ" (٨٣٤)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٣٢ و ١٣٥ و ٨/ ٢٠٥) و"الكبرى" (٥/ ٤٨٣)، و (ابن ماجة) في "المناسك" (٢٩٣١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ١٠٠ - ١٠١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٢٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٥ و ٢٢١ و ٢٢٨ و ٢٧٩ و ٢٨٥ و ٣٣٦)، و (الدارمي) في "المناسك" (١٧٩٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٨١ و ٣٧٨٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١١١)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (١٢/ ١٧٧)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٣٣ و ١٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٤٩) و"الصغرى" (٤/ ٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز لبس السراويل لمن لَمْ يجد الإزار: ذهب الإمامان: مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز لبس السراويل مطلقًا، وذهب الجمهور إلى جوازه لمن لا يجد الإزار، وهو الحقّ. قال الحافظ وليّ الدين ﵀: ولم يبلغ ذلك مالكًا، فأنكره، ففي "الموطّإ": أنه سئل عما ذُكر عن النبيّ ﷺ أنه قال: "من لَمْ يجد إزارًا فليلبس سراويل"، فقال مالك: لَمْ أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن، كما استثنى في الخفّين. وبه قال أبو حنيفة، كما حكاه ابن المنذر ﵀، والخطّابيّ. قال ابن عبد البرّ: وقال عطاء بن أبي رباح، والشافعيّ، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور، وداود: إذا لَمْ يجد المحرم إزارًا لبس السراويل، ولا شيء عليه. وحكاه النوويّ عن الجمهور، قال: ولا حجة في حديث ابن عمر؛ لأنه ذكر فيه حالة وجود الإزار، وذكر في حديثي ابن عباس، وجابر ﵃ حالة العدم، فلا منافاة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12885

قال وليّ الدين: لَمْ يأمر بقطع السراويل عند الإزار، كما في الخفّ، وبه قال أحمد، وهو الأصحّ عند أكثر الشافعيّة. وقال إمام الحرمين، والغزاليّ: لا يجوز لبس السراويل على حاله، إلَّا إذا لَمْ يتأتّ فتقه، وجعلهْ إزارًا، فإن تأتّى ذلك لَمْ يجز لبسه، وإن لبسه لزمته الفدية. وقال الخطّابيّ: يُحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يشقّ السراويل، ويتّزر به. قال الخطابيّ: والأصل في المال أن تضييعه محرّم، والرخصة إذ جاءت في لبس السراويل، فظاهرها اللبس المعتاد، وستر العورة واجبٌ، فإذا فتق السراويل، واتّزر به، لَمْ تستتر العورة، فأما الخفّ، فإنه لا يغطّي عورةً، وإنما هو لباس رفق، وزينة، فلا يشتبهان، قال: ومرسل الإذن في لباس السراويل إباحة لا تقتضي غرامة. اهـ. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح هو ما عليه الجمهور، من جواز لبس السراويل لمن لَمْ يجد الإزار بدون قطع، أو فتق، وأنه لا فدية عليه؛ لحديثي ابن عباس وجابر ﵃ المذكورين في الباب، فقد أباح الشارع لبسه بدون أن يأمر بقطعه، كما أمر في الخفّ، ولم يأمر بالفدية، فجاز لبسه كما هو، ولا تجب الفدية بذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ (ع) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ).

стр. 12886

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٣ - (أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ) محمد بن عمرو بن بكر، زُنَيج، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) أو بعدها (م د ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧. ٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد (٢٠٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المثبت الناقد الشهير [٧] (ت ١٦٠) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨١. و"عمرو بن دينار" ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية شعبة، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (١٧٤١) - حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن دينار، سمعت جابر بن زيد، سمعت ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبيّ ﷺ يخطب بعرفات: "من لَمْ يجد النعلين، فليلبس الخفين، ومن لَمْ يجد إزارًا، فليلبس سراويل" - للمحرم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ع) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ع) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ (ع) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ (ع) وَحَدَّثَنى عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: "يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ"، غَيْرُ شُعْبَةَ وَحْدَهُ).

стр. 12887

رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٣ - (أَبُو كُرَيْبِ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (وَكِيعُ) بنَ الجرّاح، تقدّم قريبًا. ٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، تقدّم قريبًا. ٧ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٨ - (ابْنُ جُرَيْجِ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. ٩ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ١٠ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عليّة، تقدّم أيضًا قريبًا. ١١ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) يعني الخمسة المذكورين في التحويلات، وهم: ابن عيينة، وهُشيم، والثوريّ، وابن جريجٍ، وأيوب السختيانيّ. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: "يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ"، غَيْرُ شُعْبَةَ وَحْدَهُ) يعني أن شعبة تفرّد بتعيين محل الخطبة، وهو عرفات. [تنبيه]: أما رواية ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، فقد ساقها ابن ماجة ﵀ في "سننه" (٨/ ٤٩٣) فقال: (٢٩٢٢) - حدّثنا هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح قالا: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد أبي الشعثاء، عن ابن عباس، قال: سمعت النبيّ ﷺ يخطب، قال هشام: على المنبر، فقال: "من لَمْ يجد إزارًا، فليلبس سراويل، ومن لَمْ يجد نعلين، فليلبس خفين"، وقال هشام في حديثه: "فليلبس سراويل، إلَّا أن يفقد". انتهى. وأما رواية هشيم فلم أر من ساقها، فليُنظر.

стр. 12888

وأما رواية سفيان الثوريّ، فقد ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال: (٥٣٥٧) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "من لَمْ يجد إزارًا، فليلبس سراويل، ومن لَمْ يجد نعلين، فليلبس خفين". انتهى. وأما رواية ابن جريجٍ، عن عمرو، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (١/ ٣٣٦) فقال: (٣١١٥) - حدّثنا محمد بن بكر، أنا ابن جريجٍ، وروح، قالا: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن أبا الشعثاء أخبره، قال: حدّثني ابن عباس، أنه سمع رسول الله ﷺ ، وهو يخطب، يقول: "من لَمْ يجد إزارًا، ووجد سراويل، فليلبسها، ومن لَمْ يجد نعلين، ووجد خفين، فليلبسهما". انتهى. وأخرجه أيضًا الدارميّ ﵀ في "سننه" (٢/ ٥٥) ولفظه: (١٧٩٩) - أخبرنا أبو عَاصِمٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَمْرِو بن دِينَارٍ، عن أبي الشَّعْثَاءِ، أخبرني ابن عَبَّاسٍ، أنه سمع النبيّ ﷺ قال: "من لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ"، قال: قلت، أو قِيلَ: أَيَقْطَعُهُمَا؟ قال: لَا. انتهى. وأما رواية أيوب السختيانيّ، عن عمرو فقد ساقها النسائيّ في "سننه" (٢/ ٣٣٤) فقال: (٣٦٥٢) - أخبرني أيوب بن محمد الوزان الرَّقّيّ، قال: أنبأ إسماعيل، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لَمْ يجد إزارًا، فليلبس سراويل، ومن لَمْ يجد نعلين، فليلبس خفين". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٧] (١١٧٩) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ").

стр. 12889

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ الْيَرْبوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نُسب لجدّه، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) عن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن مُعاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. ٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام السَّلميّ الأنصاريّ الصحابي ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد (٧٥) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٧٤) من رباعيّات الكتاب، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٩٧] (١١٧٩)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٢٨٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٣ و ٣٩٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦٥)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٢٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٥١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٨] (١١٨٠) - (حَدَّثنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثنَا هَمَّامٌ، حَدَّثنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ (١)، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى

стр. 12890

النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ، أَوْ قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحيُ، قَالَ فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ أنزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، لَهُ غَطِيطٌ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبَكْرِ، قَالَ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ، قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَن الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ، أَوْ قَالَ: أَثَرَ الْخَلُوقِ، وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع و (٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠. ٣ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم القُرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلُ، لكنه كثير الإرسًال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) التميميّ المكيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الجمعة" ١٦/ ٢٠١١. ٥ - (أَبُوهُ) يعلى بن أميّة بن أبي عُبيدة بن همّام التميميّ، حليف قُريش، وهو يعلى ابن مُنية، وهي أمه، الصحابيّ الشهير، مات سنة بضع و (٤٠) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١/ ١٥٧٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وأبو داود، والنسائيّ.

стр. 12891

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، من عطاء، والباقيان بصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) وفي نسخة: "ابن مُنْيَةَ" - بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها تحتانيّةٌ مفتوحة - وهي أمه، وقيل: جدّته (عَنْ أَبِيهِ) يعلى (﵁) أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية للبخاريّ: "جاء أعرابيّ". قال الحافظ ﵀: لَمْ أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في "الذيل" عن "تفسير الطرطوشيّ" أن اسمه عطاء ابن منية، قال ابن فتحون: إن ثبتٌ ذلك، فهوأخو يعلى ابن منية راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي، فإنه من رواية عطاء، عن صفوان بن يعلى ابن منية، عن أبيه، ومنهم من لَمْ يذكر بين عطاء ويعلى أحدًا. قال: ووقع في شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقّن ما نصّه: هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سَوَاد؛ إذ في "كتاب الشفا" للقاضي عياض عنه، قال: أتيت النبيّ ﷺ وأنا متخلّقٌ، فقال: "ورس ورس حط حط، وغشيني بقضيب بيده في بطني، فأوجعني" الحديث، فقال شيخنا: لكن عمرو هذا لا يُدرك ذا، فإنه صاحب ابن وهب. انتهى كلامه. قال: وهو معترض من وجهين: أما أَوّلًا: فليست هذه القصّة شبيهة بهذه القصّة، حتى يُفسّر صاحبها بها. وأمما ثانيًا: ففي الاستدراك غفلة عظيمة؛ لأن من يقول: أتيت النبيّ ﷺ لا يُتخيّل فيه أنه صاحب ابن وهب، صاحب مالك، بل إن ثبتٌ فهو آخر، وافق اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه، والفرض أنه لَمْ يثبت؛ لأنه انقلب على شيخنا، وإنما الذي في "الشفاء" سواد بن عمرو، وقيل: سوادة بن عمرو، أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في "مصنّفه"، والبغويّ في "معجم الصحابة". وروى الطحاويّ من طريق أبي حفص بن عمرو، عن يعلى أنه مرّ على النبيّ ﷺ ، وهو متخلّق، فقال: "ألك امرأة؟ "، قال: لا، قال: "اذهب فاغسله"، فقد يَتَوهّم من لا خِبْرة له أن يعلى بن أميّة هو صاحب القصّة، وليس

стр. 12892

كذلك، فإن راوي هذا الحديث يعلى بن مرّة الثقفيّ، وهي قصّة أخرى، غير قصّة صاحب الإحرام. نعم روى الطحاويّ في موضع آخر أن يعلى بن أميّة صاحبُ القصّة، قال: حدثنا سليمان بن شعيب، حدثنا عبد الرَّحمن هو ابن زياد الوضّاحيّ، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلًا يقال له: يعلى بن أمية أحرم، وعليه جبّة، فأمره النبيّ ﷺ أن ينزعها، قال قتادة: قلت لعطاء: إنما كنّا نرى أن نشقّها، فقال عطاء: إن اللَّه لا يُحبّ الفساد. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ) قال النوويّ ﵀: فيها لغتان مشهورتان: إحداهما إسكان العين، وتخفيف الراء، والثانية: كسر العين، وتشديد الراء، والأولى أفصح، وبهما قال الشافعيّ، وأكثر أهل اللغة، وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية، وتشديدها، والأفصح التخفيف، وبه قال الشافعيّ، وموافقوه. انتهى. وهو اسم موضع بين مكة والطائف، وهو إلى مكة أقرب. وقال الفيّوميّ ﵀: "الْجِعْرَانَةُ": موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي بالتخفيف، واقتَصَرَ عليه في "البارع"، ونقله جماعة عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في "الْمُحْكَم"، وعن ابن المدينيّ: العراقيون يُثَقِّلون الجعرانة، والحديبية، والحجازيون يخففونهما، فأخذ به المحدّثون، على أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس للتثقيل ذكر في الأصول المعتمدة عن أئمة اللغة، إلَّا ما حكاه في "الْمُحْكَم" تقليدًا له في الحديبية، وفي "العباب": والجعرانة: بسكون العين، وقال الشافعيّ: المحدّثون يُخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ. انتهى (٢). (عَلَيْهِ جُبَّةٌ) بضمّ الجيم، وتشديد الموحدة، قال الفيّوميّ ﵀: الْجُبّة: من الملابس معروفةٌ، والجمع: جُبَبٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف. انتهى (٣).

стр. 12893

وفي "المعجم الوسيط": الْجُبّة: ثوب سابغ، واسع الكمّين، مشقوق الْمُقَدَّم، يُلبس فوق الثياب، والدِّرْعُ. انتهى (١). (وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ) - بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام: نوع من الطيب يُعْمَلُ فيه زعفران، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقال القرطبيّ ﵀: الْخَلُوق بفتح الخاء: أخلاطٌ من الطيب، تُجمع بالزعفران. انتهى (٣). وقال الفيّوميّ ﵀: الْخَلُوق، مثلُ رَسُول: ما يُتَخَلَّق به، من الطيب، قال بعض الفقهاء: هو مائع فيه صُفْرَةٌ، والْخِلَاقُ، مثلُ كِتَاب بمعناه. انتهى (٤). وفي رواية عمرو عن عطاء الآتية: "وهو متضمّخ بالخلوق"، وفي لفظ: "وأنا متضمّخٌ بالخلوق"، وفي رواية ابن جريجٍ عن عطاء: "مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ"، وهو: بالضاد، والخاء المعجمتين؛ أي: متلوّثٌ به، مكثرٌ منه، يقال: تضمّخ بالطيب: إذا تلطّخ، وتلوّث به. وفي رواية قيس بن سعد، عن عطاء: "وهو مصفّرٌ لحيته، ورأسه"؛ أي: وهو بتشديد الفاء المكسورة؛ أي: مستعملٌ للصفرة في لحيته، وتلك الصفرة هي الْخَلُوق. (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: أَثَرُ صُفْرَةٍ) - بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء: هو الْخَلُوق المذكور. (فَقَالَ) الرجل (كَيْفَ تَأْمُرُني أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟) وفي رواية ابن جُريج: "كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جُبّة بعدما تضمّخ بطيب؟ " وفي رواية قيس: "فقال: يا رسول الله إني أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى" (قَالَ) يعلى (وَأُنْزِلَ) بالبناء للمفعول (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ) أي: حامله، وهو جبريل ﵇. [تنبيه]: قال في "الفتح": لَمْ أقف في شيء من الروايات على بيان الْمُنْزَل حينئذ من القرآن، وقد استدلّ به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يُتلَي، لكن وقع عند الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق أخرى أن المنزَل

стр. 12894

حينئذ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتناول الهيئآت والصفات، والله أعلم. انتهى (١). وقال في موضع آخر: ويستفاد منه أن المأمور به، وهو الإتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة. انتهى. (فَسُتِرَ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِثَوْبٍ) سيأتي في رواية رباح بن أبي معروف، عن عطاء أن الذي ستره هو عمر بن الخطّاب ﵁، ولفظه: "وكان عمر يستره إذا أُنزل عليه الوحي يُظلّه" (وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ) بكسر الدال الأول؛ أي: تمنّيت (أَنِّي أَرَى) بالبناء للفاعل (النَّبِيَّ ﷺ ) وقوله: (وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "النبيّ ﷺ "، وفي رواية رباح: "فقلت لعمر ﵁: إني أُحبّ إذا أُنزل عليه الوحي أن أُدخل رأسي معه في الثوب"، وفي رواية ابن جريجٍ: "أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطّاب ﷺ : ليتني أرى نبيّ الله ﷺ حين يُنْزَل عليه". (قَالَ) يعلى (فَقَالَ) فيه حذف الفاعل، وهو عمر بن الخطّاب ﵁ بيّنته الروايات الأخرى، ويدلّ عليه أيضًا قوله الآتي: "فرفع عمر … إلخ". وقال النوويّ ﵀: قوله: "فقال: أيسُرّك … إلخ" هكذا هو في جميع النسخ: "فقال: أيَسُرُّك"، ولم يبين القائلَ من هو؛ ولا سَبَقَ له ذِكْر، وهذا القائل هو عمر بن الخطاب ﵁، كما بيّنه في الرواية التي بعد هذه. انتهى (٢). (أَيَسُرُّكَ) بفتح أوله، وضمّ السين المهملة، وتشديد الراء، يقال: سَرّه يَسُرُّهُ سُرُورًا بالضمّ، والاسم السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرَّةُ منه، وهو ما يُسَرُّ به الإنسان، والجمع: الْمَسَارّ، قاله الفيّوميّ ﵀ (٣). (أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) وقوله: (وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟) في محل نصب على الحال كالسابق (قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ) بن الخطّاب (طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ) ﷺ (لَهُ غَطِيطٌ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الطاء: صوت النائم، أو الْمُغْمَى عليه الذي يُردّده مع

стр. 12895

نفسه (قَالَ) الراوي (وَأَحْسَبُهُ قَالَ: غَغَطِيطِ الْبَكْرِ) - بفتح، فسكون -: هو الفَتِيّ من الإبل، وسبب هذا الغطيط: شدّة الوحي، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]. وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂، أنَّها قالت: "ولقد رأيته ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصَم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقًا". (قَالَ) يعلى (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ) بضمّ أوله، وتشديد الراء مبنيّا للمفعول؛ أي: أزيل، وكُشف عنه ﷺ ما اعتراه بسبب شدّة الوحي شيئًا بعد شيء (قَالَ) ﷺ ("أَيْنَ السَّائِلُ عَن الْعُمْرَةِ؟) وفي رواية ابن جُريج: (فَقَالَ: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عن العمرة آنِفًا؟ ") بالمدّ، والقصر، كَكَتِفٍ، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] أي: مذ ساعة؛ أي: في أوّل وقت يقرُبُ منّا، قاله في "القاموس". (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ) وفي رواية ابن جريجٍ: "فالْتُمِس الرجل، فجيئ به، فقال النبيّ ﷺ : "أما الطيب، فاغسله ثلاث مرّات". وفي رواية الشيخين: "فاغسله ثلاث مرّات". قال القاضي عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبيّ ﷺ ، فيكون نصًّا في تكرار الغسل. ويحتمل أنه من كلام الصحابيّ، وأنه ﷺ أعاد لفظ "اغسله" ثلاث مرّات على عادته أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاث مرّات لتُفهم. انتهى. وفي رواية للبخاريّ: قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرّات؟ فقال: نعم. قال الحافظ: القائل هو ابن جريجٍ، وهو دالّ على أنه فهم من السياق أن قوله: "ثلاث مرّات" من لفظ النبيّ ﷺ ، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابيّ، وأنه ﷺ أعاد لفظة "اغسله" مرّة، ثم مرّة على عادته أنه كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتُفهم عنه. نبّه عليه عياضٌ. انتهى. وفي رواية أبي داود، والبيهقيّ: "أمره أن ينزعها نزعًا، ويغتسل مرّتين، أو ثلاثًا لا. قال النوويّ: إنما أمره بالثلاث مبالغة في إزالة لونه، وريحه، والواجب الإزالة، فإن حصلت بمرّة كفت، ولم تجب الزيادة، ولعلّ الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير، ويؤيّده قوله: "متضمّخٌ".

стр. 12896

قال القاضي: ويحتمل أنه قال له ثلاث مرّات: "اغسله"، فكرّر القول ثلاثًا. والصواب ما سبق. واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: صوّب النوويّ كون "ثلاث مرات" من لفظ النبيّ ﷺ ، وهو الحقّ، فعلى هذا ففي قوله: "فإن حصلت بمرة كفت، ولم تجب الزيادة" نظر لا يخفي، بل الظاهر لزوم الثلاث، عملًا بظاهر الأمر، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: أَثَرَ الْخَلُوقِ) أي: قال: اغسل أثر الخلوق. قال النوويّ ﵀: فيه تحريم الطيب على المحرم ابتداءً ودوامًا؛ لأنه إذا حَرُم دوامًا فالابتداء أولى بالتحريم. وفيه أن العمرة يحرم فيها من الطيب واللباس وغيرهما من المحرمات السبعة السابقة ما يحرم في الحج. وفيه أن من أصابه طيبٌ ناسيًا، أو جاهلًا، ثم عَلِمَ وجبت عليه المبادرة إلى إزالته. وفيه أن من أصابه في إحرامه طيب ناسيًا، أو جاهلًا لا كفّارة عليه، وهذا مذهب الشافعيّ، وبه قال عطاءٌ، والثوريّ، وإسحاق، وداود، وقال مالك، وأبو حنيفة، والمزنيّ، وأحمد في أصح الروايتين عنه: عليه الفدية، لكن الصحيح من مذهب مالك أنه إنما تجب الفدية على المتطيّب ناسيًا، أو جاهلًا إذا طال لبثه عليه. انتهى (١). (وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ) أي: انزعها فَوْرًا، وأخرجها من رأسك، قال النوويّ ﵀: فيه دليلٌ لمالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ، والجمهور أن المحرم إذا صار عليه مخيط ينزعه، ولا يلزمه شَقّه، وقال الشعبيُّ، والنخعيّ: لا يجوز نزعه؛ لئلا يصير مُغَطِّيًا رأسه، بل يلزمه شَقّه، وهذا مذهب ضعيف. انتهى (٢). (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ") قال النوويّ ﵀: معناه من اجتناب المحرمات، ويَحْتَمِل أنه ﷺ أراد مع ذلك الطواف، والسعي،

стр. 12897

والحلق بصفاتها وهيئاتها، وإظهار التلبية، وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة، ويُخَصّ من عمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج، كالوقوف، والرمي، والمبيت بمنى ومزدلفة، وغير ذلك. انتهى (١). وفي رواية عمرو التالية: "فقال النبيّ ﷺ : ما كنت صانعًا في حجّك؟ قال: كنت أنرع عني هذه الثياب، وأغسل عنيّ هذا الخلوق، فقال له النبيّ ﷺ : ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك". وهذا يدلّ على أن ذلك الرجل كان عالِمًا بصفة الحجِّ دون العمرة قبل ذلك، فلهذا قال له ﷺ : "واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك". قال ابن العربيّ: كأنهم كانوا في الجاهليّة يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجّوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبيّ ﷺ أن مجراهما واحد. وقال ابن المنيّر في "الحاشية": قوله: "اصنع": معناه اترك؛ لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة، وهي أن الترك فعل، قال: وأما قول ابن بطّال: أراد الأدعية، وغيرها مما يشترك فيه الحجِّ والعمرة، ففيه نظر؛ لأن المتروك مشتركة، بخلاف الأعمال، فإن في الحجِّ أشياء زائدة على العمرة، كالوقوف، وما بعده. وقال النوويّ كما قال ابن بطّال، وزاد: ويُسْتَثَنَى من الأعمال ما يختصّ به الحجِّ. وقال الباجيّ: المأمور به غير نزع الثوب، وغسل الخلوق؛ لأنه صرّح له بهما، فلم يبق إلَّا الفدية. قال الحافظ: كذا قال، ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبيّن من طريق أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم، والنسائيّ من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، في هذا الحديث: فقال: "ما كنت صانعًا في حجك؟ "، قال: أنزع هذه الثياب، وأغسل عنّي هذا الخلوق، فقال: "ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك". انتهى.

стр. 12898

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي دلّت عليه هذه الرواية هو التفسير الصحيح لقوله ﷺ : "واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك"؛ لأن هذه الرواية بيّنت الاختصار الواقع في الحديث، فما قاله كلّ من ابن المنيّر، وابن بطّال، والنوويّ، والباجيّ، من التفسير مبنيٌّ على عدم انتباههم إلى هذه الرواية الموضحة للمراد من الحديث. والحاصل أنه ﷺ سأله عما كان يصنع في حجه بالنسبة للجبّة، والخلوق، فكأنه قال له: ماذا تصنع إذا أحرمت بالحجّ، وعليك جبة، وخلوق؟ فقال: أُبعدهما عنّي بالنزع، والغسل، فقال: "ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك"؛ أي: لأنه لا فرق بينهما في هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث يعلى بن أميّة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٧٩٨ و ٢٧٩٩ و ٢٨٠٠ و ٢٨٠١ و ٢٨٠٢] (١١٨٠)، و (البخاريّ) في "الحج" (١٥٣٦ تعليقًا و ١٧٨٩ و ١٨٤٨) و"المغازي" (٤٣٢٩) و"فضائل القرآن" (٤٩٨٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (٨٢١ و ٨٢٢ و ١٨١٩ و ١٩٢٠)، و (الترمذيّ" في "الحجِّ " (٨٣٥ و ٨٣٦)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٣٠ و ١٤٢ - ١٤٣) وفي "الكبرى" (٣٦٤٨ و ٣٦٨٩ و ٣٦٩٠)، و (ابن ماجة) في "الديات" (٢٦٥٦)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣١٢ و ٣١٣)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١٣٢٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٧٩٠ و ٧٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٢٢ و ٢٢٤)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٤٧ و ٤٤٩)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢/ ٦٥٤ و ٦٥٥ و ٦٥٦ و ٦٥٧ و ٦٥٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٧٨ و ٣٧٧٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٣١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٥٦ - ٥٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٧٩)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12899

(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم لبس الجبّة في حالة الإحرام، وهو ما بيّنه في الحديث، وذلك وجوب نزعه في الحال. ٢ - (ومنها): أن بعض الإحكام ثبتٌ بالوحي، وإن لَمْ يكن مما يتلي، لكن وقع في "الأوسط" للطبرانيّ أن الذي نزل على النبيّ ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: في هذا الحديث دليل للقاعدة المشهورة أن القاضي والمفتي إذا لَمْ يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه أو يظنه بشرطه. انتهى. ٤ - (ومنها): أن من الإحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى. ٥ - (ومنها): ما قيل: إنه يستدلّ به على أن النبيّ ﷺ لَمْ يكن يحكم بالاجتهاد، إلَّا إذا لَمْ يحضره الوحي، قال النوويّ ﵀: ولا دلالة فيه؛ لأنه يحتمل أنه ﷺ لَمْ يظهر له بالاجتهاد حكم ذلك، أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح أنه له ﷺ اجتهادًا، وإنما هذا في بعض الوقائع، كما وجّهه النوويّ ﵀ في كلامه آنفًا، وقد حقّقت البحث في هذا في "التحفة المرضيّة" و"شرحها" في الأصول، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): أن المفتي، والحاكم إذا لَمْ يعرفا الحكم أمسكا عنه حتى يتبيّن لهما. ٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من منع استدامة الطيب بعد الإحرام؛ للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وأجاب الجمهور بأن قضة يعلى كانت بالجعرانة، كما ثبت في هذا الحديث، وهي سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبتٌ عن عائشة ﵂ أنَّها طيّبت رسول اللَّه ﷺ بيديها عند إحرامه، كما سيأتي، وكان ذلك في حجة الوداع، سنة عشر بلا خلاف، فَإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من الأمر.

стр. 12900

وبأن المأمور بغسله في قصّة يعلى إنما هو الْخَلُوق، لا مطلق الطيب، فلعلّ علّة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبتٌ النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا، محرمًا، وغير محرم. وتقدّم في حديث ابن عمر ﵄: "ولا يلبس من الثياب شيئًا مسّه ورْسٌ أو زعفران". وفي حديث ابن عبّاس ﵄: "ولم يُنْهَ إلَّا عن الثياب المزعفرة"، والأصح ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد بسط في هذا قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): أن من أصابه طيب في إحرامه، ناسيًا، أو جاهلًا، ثم علم، فبادر إلى إزالته، فلا كفّارة عليه، وهو المذهب الراجح. وسيأتي أيضًا بيان الخلاف في ذلك في محلّه - إن شاء اللَّه تعالى -. ٩ - (ومنها): أن من أحرم وهو لابس مخيطًا، كالجبة، والقميص، جهلًا، أو نسيانًا لزمه نزعه، وليس عليه تمزيقه، ولا شقّه، وأنه إذا نزعه من رأسه لا يلزمه دم، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء فيمن أحرم، وعليه جبّة، أو قميص، هل ينزعه، أو يشقّه؟: ذهب الجمهور من فقهاء الأمصار إلى أنه ينزعه، ولا يشقّه، وهو قول عطاء، وطاوس، وبه قال مالك، وأصحابه، والشافعيّ، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، والثوريّ، وسائر فقهاء الأمصار، أصحاب الرأي والآثار. وذهبت طائفة إلى أنه لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال، بل يشقّه؛ لأنه إذا فعل ذلك غطّى رأسه، وذلك لا يجوز. وممن قال بذلك الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وأبو قلابة، وسعيد بن جبير، على اختلاف عنه. وروي عن عليّ نحوه. قال الحافظ أبو عمر ﵀: وحجّتهم ما رواه عبد الرزّاق، عن داود بن قيس، عن عبد الرَّحمن بن عطاء بن أبي لَبِيبة، أنه سمع ابني جابر بن عبد اللَّه،

стр. 12901

يحدّثان عن أبيهما ﵁ قال: بينما النبيّ ﷺ جالسٌ مع أصحابه شقّ قميصه، حتى خرج منه، فقيل له؟ فقال: "واعدتهم يقلّدون هدهي اليوم، فنسيت". ورواه أسد بن موسي، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرَّحمن بن عطاء بن عبد الملك، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبيّ ﷺ ، وزاد: "فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي"، وكان بعث ببُدْنه، وأقام بالمدينة. واحتجّ الجمهور بحديث يعلى بن أميّة ﵁ المذكور في الباب، قال أبو عمر: ولا خلاف بين أهل الحديث أنه حديث صحيح، وحديث جابر الذي يرويه عبد الرَّحمن بن عطاء، وهو ضعيفٌ لا يُحتجّ به، وهو مردود أيضًا بحديث عائشة ﵂، أنَّها قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول اللَّه ﷺ ، ثم يقلّده، ويبعث به، ولا يحرم عليه شيء، أحلّه اللَّه له، حتى ينحر الهدي"، متّفقٌ عليه. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب ما قاله الجمهور، من أن من أحرم جاهلًا، أو ناسيًا بقميص، أو جبة، أو نحوهما عليه نزعه، نزعًا معتادًا، ولا يشقّه، ولا يخرقه؛ لحديث يعلى ﵁ هذا، وأما ما احتجّ به المخالفون فمما لا يُلتفت إليه؛ لعدم صحته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في خلاف العلماء في لزوم الفدية من لبس ناسيًا أو جاهلًا: ذهب الأئمة: عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود - رحمهم اللَّه تعالى - إلى أن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه، كالقميص، والجبة، والقباء، ونحوها جاهلًا، أو ناسيًا، فبادر إلى نزعه، لا فدية عليه. وذهب الإمام أبو حنيفة، والمزنيّ في رواية عنه إلى أنه يلزمه إذا غطّى رأسه متعمّدًا، أو ناسيًا يومًا إلى الليل، فإن كان أقلّ من ذلك، فعليه صدقة يتصدّق بها. وذهب الإمام مالك إلى الفرق بين من بادر، فنزع، فلم يوجب عليه الفدية، وبين من تمادى وطال لبسه، فأوجبها عليه.

стр. 12902

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما لم ذهب إليه الأولون هو الحقّ؛ لحديث يعلى ﵁ المذكور في الباب، حيث لَمْ يأمره النبيّ ﷺ بالفدية، ولو كانت الفدية لازمة له لبيّنها له النبيّ ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٩٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَأنا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ، يَعْنِي جُبَّةً، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ؛ إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ، وَعَلَيَّ هَذَا، وَأصنا مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ " قَالَ: أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ، وَأَغْسِلُ عَنِّي هَذَا الْخَلُوقَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في الباب، و"سفيان" هو ابن عيينة، و"عمرو" هو: ابن دينار، و"عطاء" هو: ابن أبي رَبَاح. وقوله: (وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ) بضمّ الميم، وفتح الطاء المشدّدة، وهي الثياب المخيطة، وأوضحه بقوله: "يعني جبّة". وقال في "النهاية": أي: ثياب قصارٌ؛ لأنَّها قطعت عن بلوغ التمام، وقيل: المقطّع من الثياب: كلّ ما يفصل، ويُخاط من قميص، وغيره، وما لا يقطّع منها كالأزُر، والأردية. انتهى (١).

стр. 12903

وقال السنديّ ﵀: الْمُقَطَّع من الثياب: الْمُفصَّل على البدن؛ أي: الذي يفصَّل أَوّلًا على البدن، ثم يُخاط، من قميص، أو غيره. انتهى (١). وقوله: (وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ) بالضاد والخاء المعجمتين؛ أي: متلوِّثٌ به، مُكثرٌ منه. وقوله: (بِالْخَلُوقِ) بفتح الخاء المعجمة، آخره قاف: طيب مركَّبٌ يُتّخَذ من الزعفران وغيره (٢). وقوله: (مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟) "ما" استفهاميّة، وهو سؤال منه ﷺ عن الذي يصنعه ﵀ إذا أحرم بالحجّ؛ أي: أيُّ شيء كنت تصنعه؟ وهذا يدلّ على أن الرجل كان عالِمًا بمحظورات الحجِّ، وإنما يجهل محظورات العمرة. وقال الباجيّ ﵀: هذا يقتضي أنه ﷺ عَلِم من حال السائل أنه عالمٌ بما يُفعل في الحجِّ، وإلا فلا يصحّ أن يقول له ذلك؛ لأنه إذا لَمْ يعلم ما يَفْعَل الحاجّ لَمْ يُمكنه أن يمتثله المعتمر. انتهى (٣). وقوله: (أَنْزِعُ عَنِّي هَذِهِ الثِّيَابَ) بكسر الزاي، يقال: نزعته من موضعه نَزْعًا، من باب ضرب: قَلَعته، وانتزعته مثله (٤). وقوله: (مَا كُنْتَ صَانِعًا … إلخ) "ما" هنا موصولة مبتدأ، خبره جملة "فاصنعه"، أو هو من باب الاشتغال. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٠] ( … ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (ع) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكرٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ع) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عِيسَي، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي

стр. 12904

عَطَاءٌ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: لَيْتَنِي أَرَى نَبِيَّ اللهِ ﷺ حينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبٌ، قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ، مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ (١)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ، بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، ثُمَّ سَكَتَ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَي، فَأَدْخَلَ رَأسَهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، يَغِطُّ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِى عَن الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ"). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، و"إسماعيل بن إبراهيم" هو: ابن عُليّة، و"عيسى" هو: ابن يونس بن أبي إسحاق، و"عطاء" هو: ابن أبي رَبَاح. وقوله: (أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ … إلخ) ظاهر هذه العبارة توهم الانقطاع؛ لأن صفوان لَمْ يقل: أخبرني يعلي، إلَّا أن الرواية السابقة بيّنت أنه أخذه عنه، حيث قال: "عن صفوان بن يعلي، عن أبيه"، فإنها ظاهرة في الاتّصال، وأما ما قاله في "الفتح": وليست رواية صفوان عن يعلى لهذا الحديث بواضحة؛ لأنه قال فيها: "أن يعلى قال لعمر"، ولم يقل: أن يعلى أخبرني أنه قال لعمر، فإن يكن صفوان حضر مراجعتهما، وإلا فهو منقطع، لكن سيأتي في أبواب العمرة من وجه آخر "عن صفوان بن يعلي، عن أبيه"، فذكر الحديث. انتهى، ففيه نظر لا يخفي، فتأمله، والله تعالى وليّ التوفيق.

стр. 12905

وقوله: (لَيْتَنِي أَرَى … إلخ) أتمنّى رؤية النبيّ ﷺ . وقوله: (قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيْهِ) بضمّ أوله مبنيًّا للمفعول؛ أي: جُعل عليه كالظُّلّة. وقوله: (يَغِطُّ) بفتح أوله، وكسر الغين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة؛ أي: ينفُخ، والغطيط: صوت النفَس المتردّد من النائم، أو الْمُغْمَى عليه، وسببه شدّة ثقل الوحي، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾. وقوله: (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) - بضمّ السين، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: أُزيل ما به، وكشف عنه شيئًا بعد شيء. وقوله: (أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ، فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) هوأعمّ من أن يكون الطيب بثوبه، أو ببدنه، قاله في "الفتح" (١). وقال النوويّ ﵀: إنما أمره بالثلاث مبالغةً في إزالة لونه وريحه، والواجب الإزالة، فإن حَصَلت بمرّة كَفَت، ولم تجب الزيادة، ولعلّ الطيب الذي كان على هذا الرجل كثيرٌ، ويؤيّده قوله: "متضمّخٌ"، قال القاضي عياض: ويَحْتَمِل أنه قال له ثلاث مرّات: "اغسله"، فكرّر القول ثلاثًا، والصواب ما سبق. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "فإن حصلت بمرّة كَفَت" فيه نظر، فتأمله، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِع، قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا، يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁:

стр. 12906

أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّة، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَا كَمَا تَرَي، فَقَالَ: "انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ، وَمَا كنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ في عُمْرَتِكَ"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ (١) الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ) الأزديّ، أبو عبد الله أو أبو العباس البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥. ٤ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، والد وهب، ثقةٌ، إلَّا في قتادة [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١. ٥ - (قَيْسُ) بن سعد المكيّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله الحبشيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع و (١١) (خت م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. والباقون ذُكروا قبله، و"عطاء" هو: ابن أبي رَبَاح. [تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ ﵀ هذا الإسناد، والذي يليه، فقال: اتفقا على حديث عطاء، عن صفوان بن يعلي، عن أبيه، حديث الجبة في الإحرام، وفيه: "واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" من حديث ابن جريجٍ، وهَمّام، وغيرهما عن عطاء، ورواه الثوريّ عن ابن جريجٍ، وابن أبي ليلى جميعًا عن عطاء، عن يعلى بن أمية مرسلًا، وكذا قال قتادة، ومطر الوراق، ومنصور بن زاذان، وعبد الملك بن سليمان، وغير واحد عن عطاء، ليس فيه صفوان. وتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: قلت: في رواية ابن جريجٍ: أخبرني عطاء، أن صفوان بن يعلى أخبره، عن يعلى به، ورواية جميع مَن ذَكَره عن عطاء، عن يعلى معنعنة، فدَلّ على أنه لَمْ يروه عن يعلى إلَّا بواسطة ابنه، وابن جريجٍ

стр. 12907

من أعلم الناس بحديث عطاء، وقد صَرّح بسماعه منه، فالتعليل بمثل هذا غير مُتَّجِهِ، كما قدمنا غير مرّة. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ ﵀ في هذا التعقّب، وحاصله أن صنيع مسلم في إيراده هذه الرواية من طريق عمرو بن دينار، وقيس بن سعد، ورباح بن أبي معروف، كلهم عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلي، عن أبيه، متّصلًا بذكر صفوان بين عطاء، ويعلى صحيحة، وذلك لأن ابن جُريج أعلم الناس بحديث عطاء، وقد ذكر في روايته أن عطاء أخبره، أن صفوان بن يعلى أخبره … إلخ، فصرّح بسماعه منه، فتبيّن به أن عطاء لَمْ يروه عن يعلى إلَّا بواسطة صفوان، فتأيّد بهذا أن ذكر عمرو، وقيس، ورباح في روايتهم صفوان صحيح، وأن الرواية متّصلة به. على أن مثل هذا الإرسال لا يضرّ؛ لأن الحديث صحيح متّصل من رواية همام، وابن جريجٍ، كلاهما عن عطاء، عن صفوان، عن أبيه يعلي، كما اتّفق عليه الشيخان، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأسَهُ) بتشديد الفاء المكسورة؛ أي: مستعمل للصفرة في لحيته ورأسه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٢] ( … ) - (وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرٌ مِنْ خَلُوقٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ، فَكَيْفَ أفعَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُظِلُّهُ، فَقُلْتُ

стр. 12908

لِعُمَرَ ﵁ إِنِّي أُحِبُّ إِذَا لينزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، أَنْ أُدْخِلَ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ خَمَّرَهُ عُمَرُ ﵁ بِالثَّوْبِ، فَجِئْتُهُ، فَأَدْخَلْتُ رَأسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: (أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا عَن الْعُمْرَةِ؟ "، فَقَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: "انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الَّذِي بِكَ، وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ مَا كُنْتَ فَاعِلًا في حَجِّكَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُو عَلِيٍّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الحنفيّ البصريّ، صدوقٌ، لَمْ يَثبُت أن يحيى بن معين ضعّفه [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٠/ ١٤٥١. ٣ - (رَبَاحُ (١) بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ) بن أبي سَارَة المكيّ، صدوقٌ له أوهام [٧]. رَوَى عن عطاء، وقيس بن سعد، ومجاهد، وابن أبي مليكة، وأبي الزبير، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوريّ، وأبوأحمد الزبيريّ، ووكيع وابن أبي فُديك، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو نعيم، وغيرهم. قال عمرو بن عليّ: كان يحيى وعبد الرَّحمن لا يحدثان عنه، وكان عبد الرَّحمن يحدّث عنه، ثم تركه، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عمار، وأبو زرعة، وأبو حاتم: صالح، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال في موضع آخر: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: ما أرى برواياته بأسًا، ولم أجد له شيئًا منكرًا، وقال العجليّ: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال الساجيّ عن أحمد: كان صالِحًا، وقال ابن حبان: كان ممن الغالب عليه التقَشُّف، ولزوم الورع، وكان يَهِمُ في الشيء بعد الشيء، وذكره في "الثقات" أيضًا، وقال: كان ممن يُخطئ ويَهِمُ.

стр. 12909

أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٨٠) و (١٢٠٨) و (١٥٣٦). والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْجعْ إِلَيْهِ) أي: لَمْ يردّ عليه الجواب. وقوله: (خَمَّرَهُ عُمَرُ ﵁ بِالثَّوْبِ) أي: غطّاه. وقوله: (فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ … الخ) قال النوويّ ﵀: إدخال يعلى رأسه، ورؤيته النبيّ ﷺ في تلك الحال، وإذن عمر له في ذلك، محمول على أنهم عَلِموا من النبيّ ﷺ أنه لا يَكْرَه الاطلاع عليه في ذلك الوقت، وتلك الحال؛ لأن فيه تقويةَ الإيمان بمشاهدة حالة الوحي الكريم. انتهى (١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) قال النوويّ ﵀: ذكر مسلم ﵀ في هذا الباب ثلاثة أحاديث: حديث ابن عباس ﵄ أكملها؛ لأنه صَرَّح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله ﷺ ، فلهذا ذكره مسلم في أول الباب، ثم حديث ابن عمر ﵄؛ لأنه لَمْ يحفظ ميقات أهل اليمن، بل بلغه بلاغًا، ثم حديث جابر؛ لأن أبا الزبير قال: أحسب جابرًا رفعه، وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعًا. انتهى (٢). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٣] (١١٨١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ

стр. 12910

دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَقتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، قَالَ: "فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَا فَكَذَلِكَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا"). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثَعْلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. ٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٥ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٦ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٧ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه الثلاثة: يحيي، وخلف، وأبي الربيع. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عباس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12911

شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: حدّد، وأصل التوقيت: أن يُجْعَل للشيء وقت يختصّ به، ثم اتّسع فيه، فأُطلق على المكان أيضًا، قال ابن الأثير ﵀: التوقيت، والتأقيت: أن يُجعل للشيء وقتٌ يختصّ به، وهو بيان مقدار المدّة، يقال: وَقّتَ الشيءَ - بالتشديد - يوقِّته، ووَقَتَ - بالتخفيف - يَقِته: إذا بيّن حدّه، ثمّ اتُّسِع فيه، فقيل للموضع: ميقات. انتهى (١). وقال ابن دقيق العيد ﵀: قيل: إن التوقيت في الأصل ذكر الوقت، والصواب أن يقال: تعليق الحكم بالوقت، ثم استُعْمِل في التحديد للشيء مطلقًا؛ لأن التوقيت تحديد بالوقت، فيصير التحديد من لوازم الوقت. وقوله هنا: "وَقَّتَ " يَحْتَمِل أن يريد به التحديد؛ أي: حدّ هذه المواضع للإحرام. وَيحْتَمِل أن يريد به تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بشرط إرادة الحجِّ، أو العمرة. انتهى (٢). وقال القاضي عياض ﵀: "وَقّت"؛ أي: حدّد، وقد يكون بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. انتهى. قال الحافظ ﵀: ويؤيّده الرواية بلفظ: "فَرَضَ". انتهى (٣). وقال القرطبيّ ﵀: معنى وَقَّت: حدَّد وعيَّن، فظاهره يدلّ على أن هذه الحدود لا يتعداها مريد الإحرام حتى يحرم عندها، وقد أجمع المسلمون على أن المواقيت مواضع معروفة في الجهات التي يدخل منها إلى مكة (٤). (لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي: مدينة النبيّ ﷺ ؛ يعني سُكّانها، وكذا من مرّ على ميقاتهم، كما يأتي (ذَا الْحُلَيْفَةِ) - بضمّ الحاء المهملة، وفتح اللام - تصغير

стр. 12912

الْحَلَفَة - بفتح اللام، وكسرها -، وهي واحد الْحَلْفاء: وهو نبت معروف. و"ذو الحليفة": موضع معروف بقرب المدينة، بينه وبينها نحو ستّة أميال، قاله النوويّ، وقبله الغزاليّ، والقاضي عياض، ثم قال: وقيل: سبعة أميال، وكذا قال الشافعيّ، كما في "المعرفة"، والمجد في "القاموس"، وياقوت الحمويّ في "معجم البلدان" (١). وقال ابن حزم: أربعة أميال، وذكر ابن الصبّاغ، وتبعه الرافعيّ من الشافعيّة أن بينهما ميلًا. قال المحبّ الطبريّ: وهو وهَم، والحسّ يردّ ذلك، وقال الإسنويّ في "المهمات": الصواب المعروف المشاهد أنَّها ثلاثة أميال، أو تزيد قليلًا. قال وليّ الدين: والقائلون بما ذكرناه أولًا أتقن في ذلك، وذكره المحبّ الطبريّ عالم الحجاز، وصوّبه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ"، وهو من مَأمَنِ مياه بني جُشَم، بينهم وبين خَفَاجَةِ العقيليين، وهوأبعد المواقيت من مكّة، بينهما نحو عشر مراحل، أو تسع. وأما ذو الحليفة المذكور في حديث رافع بن خَدِيج: "كنا مع النبيِّ ﷺ بذي الحليفة من تهامة … "، فهو موضع آخر، قال الداوديّ: ليس هو المهل الذي بقرب المدينة، ذكره وفي الدين في "الطرح" (٢). وقال السمهوديّ ﵀ في "وفاء الوفاء": وقد اختبرت ذلك بالمساحة، فكان من عَتَبَة باب المسجد النبويّ المعروف بـ "باب السلام" إلى عَتَبَة باب مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع وسبعمائة ذراع واثنين وثلاثين ذراعًا ونصف ذراع بذراع اليد - وذراع اليد على ما ذكره المحبّ الطبريّ، والنوويّ، وغيرهما أربعة وعشرون إصبعًا، كلّ إصبع ستّ شَعِيرات مضمومة بعضها إلى بعض - وذلك خمسة أميال وثلثا ميل ينقص مائة ذراع. انتهى (٣). وقال الحافظ ﵀: ذو الحليفة مكان معروف، بينه وبين مكة مائتا ميل

стр. 12913

غير ميلين، قاله ابن حزم في "المحلّى" (١)، وقال غيره: بينهما عشر مراحل، قال: وبها مسجد يُعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر، يقال لها: بئر عليّ. انتهى. وقال العينيّ ﵀: وبذي الحليفة عدّة آبار، ومسجدان لرسول اللَّه ﷺ ، المسجد الكبير الذي يُحْرِم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد الْمُعَرَّس. انتهى. وقال صاحب "تيسير العلّام": ذو الحليفة، وتسمّى الآن آبار عليّ، وتبعد عن مكّة بالمراحل (١٠) وبالفراسخ (٨٠) وبالأميال (٢٤٠) وبالكيلوات (٤٣٠) والمرحلة هي مسيرة يوم وليلة بسير الإبل المحمّلة الأثقال سيرًا معتادًا، ويقدّر بها العرب الأوائل، فأخذها عنهم العلماء. انتهى. وزاد في "توضيح الإحكام": وتبلغ المسافة بينها وبين المسجد النبويّ (١٣) كيلًا، وهي أبعد المواقيت. انتهى (٢). (وَلِأَهْلِ الشَّامِ) هي البلاد المعروفة، وهي من العَرِيش إلى بالس، وقيل: إلى الفرات، قاله النوويّ في "شرح سنن أبي داود"، وقال السمعانيّ: هي بلاد بين الجزيرة والغور إلى الساحل، ويجوز فيها التذكير والتأنيث، والهمز وتركه، وأما شآم بفتح الهمزة والمدّ، فأباه أكثرهم، إلَّا في النسب. انتهى (٣). (الْجُحْفَةَ) يعني أن أهل الشام، وكذا من سلك طريقهم، كما يأتي من الموضع المسمّى بالجُحفة، وهي بضمّ الجيم، وإسكان الحاء المهملة، وفتح الفاء قرية كبيرة كانت عامرة، ذات مِنْبَرٍ، وهي الآن خربة، بينها وبين البحر الأحمر بالأميال (٦) وبالكيلوات (١٠). قال ابن حزم: وهي فيما بين المغرب والشمال من مكّة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلًا. وقال في "تيسير العلّام": تبعد من مكة بالمراحل (٥) وبالفراسخ (٤) وبالأميال (١٢٠) وبالكيلوات (٢٠١) ويُحْرِم منها أهل مصر، والشام، والمغرب، ومَنْ وراءهم، من أهل الأندلس، والروم، والتكرور، قيل: إنها

стр. 12914

ذهبت أعلامها، ولم يبق إلَّا رسوم خفيّة، لا يكاد يعرفها إلَّا سكّان بعض البوادي، فلذا - واللَّه تعالى أعلم - اختار الناس الإحرام احتياطًا من المكان المسمّى برابغ - براء، وموحّدة، وغين معجمة، بوزن فَاعِل - لأنَّها قرية قبل حذائها بقليل، وقيل: لا يُحرمون من الجحفة لوخمها، وكثرة حُمّاها، فلا ينزلها أحد إلَّا حُمّ، وسمّاها رسول اللَّه ﷺ في حديث ابن عمر عند الشيخين: "مَهْيَعَة" - بفتح الميم، وإسكان الهاء، وفتح التحتانيّة، والعين المهملة، بوزن عَلْقَمة -. وقيل: - بكسر الهاء، مع إسكان الياء، على وزن لَطِيفة - والصحيح المشهور الأول. وسمّيت الجحفة لأن السيل أجحف بها، قال ابن الكلبيّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيل - بفتح الموحّدة - وهم إخوة عاد حرب، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعَة، فجاء سيل، فاجتحفهم؛ أي: استأصلهم، فسميت جحفة (١). (وَلِأَهْلِ نَجْدٍ) - بفتح النون، وإسكان الجيم، وآخره دال مهملة -: قال في "الصحاح": هو ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق. وقال في "المشارق": ما بين جُرَش إلى سواد الكوفة، وحدّه مما يلي المغرب الحجازُ، وعن يسار الكعبة اليمنُ، قال: ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال في "النهاية": النجد ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاصّ لما دون الحجاز مما يلي العراق. وقال في "الفتح": أما نجد، فهو كلّ مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة، واليمن، وأسفلها الشام، والعراق. انتهى (٢). (قَرْنَ الْمَنَازِلِ) - بفتح القاف، وسكون الراء المهملة - بلا خلاف بين أهل العلم، من أهل الحديث، واللغة، والتاريخ، والأسماء، وغيرهم، كما قاله النوويّ، قال: وغَلِط الجوهريّ في "صحاحه" غلطتين فاحشتين، فقال: بفتح الراء، وزعم أن أويسًا القَرَنيّ ﵀ منسوب إليه، والصواب إسكان الراء، وأن

стр. 12915

أُويسًا منسوب إلى قبيلة معروفة، يقال لهم: بنو قَرَن، وهم بطن من مراد، القبيلة المعروفة، ينسب إليها المراديّ. قال الحافظ وليّ الدين: وحَكَى القاضي في "المشارق" عن تعليق القابسيّ أن من قال: قرن بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال: قرَن بالفتح أراد الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق مفترقة. انتهى، وهذا يدلّ على أن فيه خلافًا. ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب، قال النوويّ: وهو على مرحلتين من مكة، قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى مكة، وقال في "المشارق": هو على يوم وليلة من مكة، وهو قريب مما مرّ عن النوويّ. قال وليّ الدين: وفيما حكاه النوويّ من أن قرنًا أقرب المواقيت إلى مكة نظر، فقد ذكر ابن حزم أن بينها وبين مكة اثنين وأربعين ميلًا، وأن بين يلملم ومكة ثلاثين ميلًا، فتكون يلملم أقرب المواقيت إلى مكة، واللَّه أعلم. انتهى. وقال في "الفتح" بعد أن نقل ما تقدّم عن تعليق القابسيّ ما نصّه: والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان، وحكى الرويانيّ عن بعض قدماء الشافعيّة أن المكان الذي يقال له: قرن موضعان: أحدهما في هبوط، وهو الذي يقال له: قرن المنازل، والآخر في صعود، وهو الذي يقال له: قرن الثعالب، والمعروف الأول، وفي "أخبار مكة" للفاكهيّ أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى، بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له: قرن الثعالب؛ لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت. وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبيّ ﷺ الطائف، يدعوهم إلى الإسلام، ورَدِّهِم عليه، قال: "فلم أَسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقرن الثعالب. . ." الحديث، ذكره ابن إسحاق في "السيرة النبويّة". ووقع في مرسل عطاء عند الشافعيّ: "ولأهل نجد قرن، ولمن سلك نجدًا من أهل اليمن، وغيرهم قرن المنازل". ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عبّاس هذا: "ولأهل نجد اليمنِ، ونجد الحجازِ قرن"، وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن

стр. 12916

عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين: إحداهما طريق أهل الجبال، وهم يَصِلُون إلى قرن، أو يُحاذونه، فهو ميقاتهم، كما هو ميقات أهل المشرق. والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرّون بيلملم، أو يحاذونه، وهو ميقاتهم، لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم. انتهى ما في "الفتح" (١). وقال صاحب "توضيح الأحكام": قرن المنازل، ويسمّى السيل الكبير، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة (٧٨) كيلو متر. انتهى (٢). [تنبيه]: وقع في شرح النوويّ ما لفظه: "ولأهل نجد قرن" دون الإضافة إلى "المنازل"، قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في أكثر النسخ: "قرن" من غير ألف بعد النون، وفي بعضها "قرنًا" بالألف، وهو الأجود؛ لأنه موضع، واسم لجبل، فوجب صرفه، والذي وقع بغير ألف يُقرأ منونًا، وإنما حذفوا الألف كما جرت عادة بعض المحدثين يكتبون، يقول: سمعت أنسًا، بغير ألف، ويُقرأ بالتنوين، ويَحْتَمِل على بُعْدٍ أن يُقرأ قرن منصوبًا بغير تنوين، ويكون أراد به البقعة، فيترك صرفه. انتهى (٣). (وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ) المراد بعض أهل اليمن، وهو تهامة، فأما نجد، فإن ميقاته قرن؛ وذلك لأن اليمن يشمل نجدًا وتهامة، فأُطلق اليمن، وأريد بعضه، وهو تهامة منه خاصة، وقوله فيما مضى: "نجد" تناول نجد الحجاز، ونجد اليمن، وكلاهما ميقاته قرن، قاله وليّ الدين ﵀ (٤). (يَلَمْلَمَ) - بفتح التحتانيّة، واللام، وسكون الميم، بعدها لام مفتوحة، ثم ميم، وهو جبل من جبال تهامة، على مرحلتين من مكة، وقال ابن حزم: هو جنوب من مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا، وفي "شرح المهذّب": يُصرف، ولا يُصرف، قال العينيّ: إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة، فغير منصرف البتّة، بخلاف قرن، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل

стр. 12917

سكون وسطه، ويقال فيه "ألملم" بالهمزة، وهو الأصل، والياء تسهيل لها، وحكى ابن سِيدَهْ فيه: "يَرمرم" براءين بدل اللامين. وقال صاحب "تيسير العلام": وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠). انتهى. [تنبيه]: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة؛ أي: ممن له ميقات معيّن، ذكره في "الفتح". وقد نظم بعضهم هذه المواقيت في بيتين، فقال [من الكامل]: عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنِ … وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِي لِلشَّامِ جَحْفَةُ إِنْ مَرَرْتَ بِهَا … وِلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ فَاسْتَبِنِ (قَالَ) ﷺ ("فَهُنَّ لَهُنَّ) أي: المواقيت المذكورة للجماعات المذكورة، أو لأهلهنّ، على حذف مضاف. وقال القاضي عياض ﵀: كذا جاءت الرواية في "الصحيحين" وغيرهما عند أكثر الرواة، قال: ووقع عند بعض رواة البخاريّ، ومسلم: "فهنّ لهم"، وكذا رواه أبو داود، وغيره، وكذا ذكره مسلم من رواية ابن أبي شيبة، وهو الوجه؛ لأنه ضمير أهل هذه المواضع، قال: ووجه الرواية المشهورة، أن الضمير في "لهنّ" عائد على المواضع، والأقطار المذكورة، وهي المدينة، والشام، واليمن، ونجد؛ أي: هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد لأهلها، فحَذَف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "هُنّ": ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل، وقد يعاد على مما لا يعقل، وأكثر ذلك في العشرة فما دونها، فإذا جاوزوها قالوه بهاء المؤنث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]، ثم قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ ومعنى ذلك الكلام: أنها محدودة؛ لا يتعداها أحد يريد الإحرام بأحد النُّسُكَين.

стр. 12918

واختلف فيمن مرَّ على واحد من هذه المواقيت مريدًا للإحرام فجاوزه، فعن مالك: يرجع ما لم يحرم، أو يشارف مكة، فإذا رجع لم يلزمه دم، فلو أحرم لم يرجع ولزمه الدم. وبه قال ابن المبارك، والثوري على خلاف عنه. وجماعة من الفقهاء منهم أبو حنيفة يأمرونه بالرجوع؛ فإن رجع سقط عنه الدم. فأما من جاوز الميقات غير مريد للإحرام، ثم بدا له في النسك، فجمهور العلماء: على أنه يحرم من مكانه، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق: يرجع إلى الميقات. فأما من مرَّ على الميقات قاصدًا دخول مكة من غير نسك، وكان ممن لا يتكرر دخوله إلى مكة، فهل يلزمه الإحرام منه؟ أو لا يلزمه؟ وإذا لم يلزمه، فهو على الاستحباب، ثم إذا لم يفعله، فهل يلزمه دم أو لا يلزمه؟ اختلف فيه أصحابنا. وظاهر الحديث: أنه إنما يلزم الإحرام من أراد مكة لأحد النُّسكين خاصة. وهو مذهب الزهري، وأبي مصعب وجماعة من أهل العلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: مذهب الزهريّ ﵀ ومن قال بقوله هو الحقّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى -. (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ) يعني أن هذه المواقيت تكون محلّ إحرام لكلّ شخص أتى عليها من غير أهل البلاد المذكورة. قال في "الفتح": ويدخل في ذلك من دخل بلدًا ذات ميقات، ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه، إذا لم يكن له ميقات معيّن، والذي يدخل فيه خلاف؛ كالشاميّ إذا أراد الحجّ، فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصليّ، فإن أخّر أساء، ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النوويّ الاتفاق، ونفى الخلاف في "شرحيه لمسلم، والمهذّب" في هذه المسألة، فلعلّه أراد في مذهب الشافعيّ، وإلا فالمعروف عند المالكيّة أن للشاميّ مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصليّ، وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه

стр. 12919

قالت الحنفيّة، وأبو ثور، وابن المنذر من الشافعيّة (١). قال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "لأهل الشام الجحفة" يشمل من مرّ من أهل الشام بذي الحليفة، ومن لم يمرّ، وقوله: "ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ" يشمل الشاميّ إذا مرّ بذي الحليفة وغيره، فههنا عمومان قد تعارضا. انتهى ملخّصًا (٢). قال الحافظ ﵀: ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله: "هنّ لهنّ" مفسّر لقوله مثلًا: "لأهل المدينة ذو الحليفة"، وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها، ومن سلك طريق سفرهم، فمرّ على ميقاتهم، ويؤيّده عراقيّ خرج من المدينة، فليس له مجاوزة ميقات المدينة غير محرم، ويترجّح بهذا قول الجمهور، وينتفي التعارض. انتهى (٣). وقال الحافظ وليّ الدين ﵀ بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد ﵀ ما نصّه: لو سلك ما ذكرته أوَّلًا من أن المراد بأهل المدينة من سلك طريق سفرهم، ومرّ على ميقاتهم، لم يَرِد هذا الإشكال، ولم يتعارض هنا دليلان، ومن المعلوم أن من ليس بين يديه ميقات لأهل بلده التي هي محلّ سكنه؛ كاليمني من المدينة، ليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم، وذلك يدلّ على ما ذكرناه أنه ليس المراد بأهل المدينة سُكّانها، وإنما المراد بأهلها من حجّ منها، وسلك طريق أهلها، ولو حملناه على سكانها لوردت هذه الصورة، وحصل الاضطراب في هذا، فنفرّق في الغريب الطارئ على المدينة مثلًا بين أن يكون بين يديه ميقات لأهل بلده أم لا، فنحمل أهل المدينة تارة على سكانها، وتارة

стр. 12920

على سكانها والواردين عليها، ويصير هذا تفريقًا بغير دليل، وإذا حملنا أهل المدينة على ما ذكرناه لم يحصل في ذلك اضطراب، ومشى اللفظ على مدلول واحد في الأحوال كلّها، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين ﵀ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وقال صاحب "مرعاة المفاتيح" - بعد ذكر ما تقدّم -: وقد عُلم مما ذكرنا أن ههنا ثلاث صور، أو ثلاث مسائل: (إحداها): أن يمرّ من ليس ميقاته بين يديه؛ كاليمنيّ، والعراقيّ، والنجديّ يمرّ أحدهم بذي الحليفة، وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة أنه يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له المجاوزة عنها بغير إحرام؛ لأنه ليس ميقاته بين يديه، وعليه حملت المالكيّة: "ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ". (والثانية): أن يمرّ من ميقاته بين يديه؛ كالشاميّ مثلًا بذي الحليفة، واختلفوا فيه، فقالت الشافعيّة، والحنابلة، وإسحاق: يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له التأخير إلى ميقاته؛ أي: الجحفة؛ لظاهر الحديث، خلافًا للمالكية، والحنفيّة، وأبي ثور، وابن المنذر. (والثالثة): أن المدنيّ إذا جاوز عن ميقاته إلى الجحفة، فهل يجوز له ذلك، أم لا؟ وبالأول قالت الحنفيّة، كما في كتب فروعهم، وبالثاني قال الجمهور، وهو القول الراجح المُعَوَّلُ عليه عندنا. انتهى كلام صاحب "المرعاة" (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصواب عندي أن من مرّ على أيّ ميقات من المواقيت المحدّدة شرعًا، وهو مريد لأحد النسكين، لا يجوز له أن يتجاوزها بغير إحرام، مطلقًا، سواء كان من أهل تلك المواقيت، أم من غيرهم، وسواء كان ميقاته أمامه، أم لا، عملًا بظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) وفيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام
следующие страницы →