← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.

стр. 12916

عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين: إحداهما طريق أهل الجبال، وهم يَصِلُون إلى قرن، أو يُحاذونه، فهو ميقاتهم، كما هو ميقات أهل المشرق. والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرّون بيلملم، أو يحاذونه، وهو ميقاتهم، لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم. انتهى ما في "الفتح" (١). وقال صاحب "توضيح الأحكام": قرن المنازل، ويسمّى السيل الكبير، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة (٧٨) كيلو متر. انتهى (٢). [تنبيه]: وقع في شرح النوويّ ما لفظه: "ولأهل نجد قرن" دون الإضافة إلى "المنازل"، قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في أكثر النسخ: "قرن" من غير ألف بعد النون، وفي بعضها "قرنًا" بالألف، وهو الأجود؛ لأنه موضع، واسم لجبل، فوجب صرفه، والذي وقع بغير ألف يُقرأ منونًا، وإنما حذفوا الألف كما جرت عادة بعض المحدثين يكتبون، يقول: سمعت أنسًا، بغير ألف، ويُقرأ بالتنوين، ويَحْتَمِل على بُعْدٍ أن يُقرأ قرن منصوبًا بغير تنوين، ويكون أراد به البقعة، فيترك صرفه. انتهى (٣). (وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ) المراد بعض أهل اليمن، وهو تهامة، فأما نجد، فإن ميقاته قرن؛ وذلك لأن اليمن يشمل نجدًا وتهامة، فأُطلق اليمن، وأريد بعضه، وهو تهامة منه خاصة، وقوله فيما مضى: "نجد" تناول نجد الحجاز، ونجد اليمن، وكلاهما ميقاته قرن، قاله وليّ الدين ﵀ (٤). (يَلَمْلَمَ) - بفتح التحتانيّة، واللام، وسكون الميم، بعدها لام مفتوحة، ثم ميم، وهو جبل من جبال تهامة، على مرحلتين من مكة، وقال ابن حزم: هو جنوب من مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا، وفي "شرح المهذّب": يُصرف، ولا يُصرف، قال العينيّ: إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة، فغير منصرف البتّة، بخلاف قرن، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل

стр. 12917

سكون وسطه، ويقال فيه "ألملم" بالهمزة، وهو الأصل، والياء تسهيل لها، وحكى ابن سِيدَهْ فيه: "يَرمرم" براءين بدل اللامين. وقال صاحب "تيسير العلام": وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠). انتهى. [تنبيه]: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة؛ أي: ممن له ميقات معيّن، ذكره في "الفتح". وقد نظم بعضهم هذه المواقيت في بيتين، فقال [من الكامل]: عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنِ … وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِي لِلشَّامِ جَحْفَةُ إِنْ مَرَرْتَ بِهَا … وِلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ فَاسْتَبِنِ (قَالَ) ﷺ ("فَهُنَّ لَهُنَّ) أي: المواقيت المذكورة للجماعات المذكورة، أو لأهلهنّ، على حذف مضاف. وقال القاضي عياض ﵀: كذا جاءت الرواية في "الصحيحين" وغيرهما عند أكثر الرواة، قال: ووقع عند بعض رواة البخاريّ، ومسلم: "فهنّ لهم"، وكذا رواه أبو داود، وغيره، وكذا ذكره مسلم من رواية ابن أبي شيبة، وهو الوجه؛ لأنه ضمير أهل هذه المواضع، قال: ووجه الرواية المشهورة، أن الضمير في "لهنّ" عائد على المواضع، والأقطار المذكورة، وهي المدينة، والشام، واليمن، ونجد؛ أي: هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد لأهلها، فحَذَف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "هُنّ": ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل، وقد يعاد على مما لا يعقل، وأكثر ذلك في العشرة فما دونها، فإذا جاوزوها قالوه بهاء المؤنث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]، ثم قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ ومعنى ذلك الكلام: أنها محدودة؛ لا يتعداها أحد يريد الإحرام بأحد النُّسُكَين.

стр. 12918

واختلف فيمن مرَّ على واحد من هذه المواقيت مريدًا للإحرام فجاوزه، فعن مالك: يرجع ما لم يحرم، أو يشارف مكة، فإذا رجع لم يلزمه دم، فلو أحرم لم يرجع ولزمه الدم. وبه قال ابن المبارك، والثوري على خلاف عنه. وجماعة من الفقهاء منهم أبو حنيفة يأمرونه بالرجوع؛ فإن رجع سقط عنه الدم. فأما من جاوز الميقات غير مريد للإحرام، ثم بدا له في النسك، فجمهور العلماء: على أنه يحرم من مكانه، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق: يرجع إلى الميقات. فأما من مرَّ على الميقات قاصدًا دخول مكة من غير نسك، وكان ممن لا يتكرر دخوله إلى مكة، فهل يلزمه الإحرام منه؟ أو لا يلزمه؟ وإذا لم يلزمه، فهو على الاستحباب، ثم إذا لم يفعله، فهل يلزمه دم أو لا يلزمه؟ اختلف فيه أصحابنا. وظاهر الحديث: أنه إنما يلزم الإحرام من أراد مكة لأحد النُّسكين خاصة. وهو مذهب الزهري، وأبي مصعب وجماعة من أهل العلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: مذهب الزهريّ ﵀ ومن قال بقوله هو الحقّ، وسيأتي تمام البحث في هذا في موضعه - إن شاء الله تعالى -. (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ) يعني أن هذه المواقيت تكون محلّ إحرام لكلّ شخص أتى عليها من غير أهل البلاد المذكورة. قال في "الفتح": ويدخل في ذلك من دخل بلدًا ذات ميقات، ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه، إذا لم يكن له ميقات معيّن، والذي يدخل فيه خلاف؛ كالشاميّ إذا أراد الحجّ، فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصليّ، فإن أخّر أساء، ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النوويّ الاتفاق، ونفى الخلاف في "شرحيه لمسلم، والمهذّب" في هذه المسألة، فلعلّه أراد في مذهب الشافعيّ، وإلا فالمعروف عند المالكيّة أن للشاميّ مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصليّ، وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه

стр. 12919

قالت الحنفيّة، وأبو ثور، وابن المنذر من الشافعيّة (١). قال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: "لأهل الشام الجحفة" يشمل من مرّ من أهل الشام بذي الحليفة، ومن لم يمرّ، وقوله: "ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ" يشمل الشاميّ إذا مرّ بذي الحليفة وغيره، فههنا عمومان قد تعارضا. انتهى ملخّصًا (٢). قال الحافظ ﵀: ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله: "هنّ لهنّ" مفسّر لقوله مثلًا: "لأهل المدينة ذو الحليفة"، وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها، ومن سلك طريق سفرهم، فمرّ على ميقاتهم، ويؤيّده عراقيّ خرج من المدينة، فليس له مجاوزة ميقات المدينة غير محرم، ويترجّح بهذا قول الجمهور، وينتفي التعارض. انتهى (٣). وقال الحافظ وليّ الدين ﵀ بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد ﵀ ما نصّه: لو سلك ما ذكرته أوَّلًا من أن المراد بأهل المدينة من سلك طريق سفرهم، ومرّ على ميقاتهم، لم يَرِد هذا الإشكال، ولم يتعارض هنا دليلان، ومن المعلوم أن من ليس بين يديه ميقات لأهل بلده التي هي محلّ سكنه؛ كاليمني من المدينة، ليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم، وذلك يدلّ على ما ذكرناه أنه ليس المراد بأهل المدينة سُكّانها، وإنما المراد بأهلها من حجّ منها، وسلك طريق أهلها، ولو حملناه على سكانها لوردت هذه الصورة، وحصل الاضطراب في هذا، فنفرّق في الغريب الطارئ على المدينة مثلًا بين أن يكون بين يديه ميقات لأهل بلده أم لا، فنحمل أهل المدينة تارة على سكانها، وتارة

стр. 12920

على سكانها والواردين عليها، ويصير هذا تفريقًا بغير دليل، وإذا حملنا أهل المدينة على ما ذكرناه لم يحصل في ذلك اضطراب، ومشى اللفظ على مدلول واحد في الأحوال كلّها، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين ﵀ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وقال صاحب "مرعاة المفاتيح" - بعد ذكر ما تقدّم -: وقد عُلم مما ذكرنا أن ههنا ثلاث صور، أو ثلاث مسائل: (إحداها): أن يمرّ من ليس ميقاته بين يديه؛ كاليمنيّ، والعراقيّ، والنجديّ يمرّ أحدهم بذي الحليفة، وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة أنه يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له المجاوزة عنها بغير إحرام؛ لأنه ليس ميقاته بين يديه، وعليه حملت المالكيّة: "ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ". (والثانية): أن يمرّ من ميقاته بين يديه؛ كالشاميّ مثلًا بذي الحليفة، واختلفوا فيه، فقالت الشافعيّة، والحنابلة، وإسحاق: يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له التأخير إلى ميقاته؛ أي: الجحفة؛ لظاهر الحديث، خلافًا للمالكية، والحنفيّة، وأبي ثور، وابن المنذر. (والثالثة): أن المدنيّ إذا جاوز عن ميقاته إلى الجحفة، فهل يجوز له ذلك، أم لا؟ وبالأول قالت الحنفيّة، كما في كتب فروعهم، وبالثاني قال الجمهور، وهو القول الراجح المُعَوَّلُ عليه عندنا. انتهى كلام صاحب "المرعاة" (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصواب عندي أن من مرّ على أيّ ميقات من المواقيت المحدّدة شرعًا، وهو مريد لأحد النسكين، لا يجوز له أن يتجاوزها بغير إحرام، مطلقًا، سواء كان من أهل تلك المواقيت، أم من غيرهم، وسواء كان ميقاته أمامه، أم لا، عملًا بظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) وفيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام

стр. 12921

لمن لم يرد الحجّ، أو العمرة، وهذا هو المذهب الصحيح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، في محلّه "بَابُ جواز دخول مكة بغير إحرام" - إن شاء اللَّه تعالى -. (فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَا فَكَذَلِكَ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيح، ومعناه: وهكذا، فهكذا من جاوز مسكنه الميقات، حتى أهل مكة يُهِلُّون منها. انتهى (١). ولفظ عبد الله بن طاوس: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ"، قال في "الفتح"؛ أي: فميقاته من حيث أنشأ الإحرام؛ إذِ السفرُ من مكانه إلى مكة، وهذا متّفق عليه، إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكّة. انتهى، قال ابن عبد البرّ: إنه قول شاذّ. وقال العينيّ: الفاء في جواب الشرط؛ أي: فمُهَلُّهُ من حيث قصد الذهاب إلى مكة؛ يعني أنه يهلّ من ذلك الموضع. انتهى. وقال القاري: ولم يذكر النبيّ ﷺ حكم أهل المواقيت نفسها، والجمهور على أن حكمها حكم داخل المواقيت، خلافًا للطحاويّ، حيث جعل حكمها حكم الآفاقيّ. انتهى. (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا") ولفظ البخاريّ: "حتى أهل مكة من مكة"، قال العينيّ: يجوز في لفظ "أهل" الجرّ؛ لأن "حتى" تكون حرفًا جارًّا بمنزلة "إلى"، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: "حتى أهل مكة يهلون من مكة"، كما في قولك: جاء القوم حتى المشاة؛ أي: حتى المشاة جاءوا. انتهى. ولفظ النسائيّ: "حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ" يعني أن الحكم المذكور، وهو إنشاء الإحرام من مكانه يكون على أهل مكة؛ أي فليس لهم أن يؤخّروا الإحرام عن مكّة. قال في "الفتح": قوله: حتى أهل مكة من مكة؛ أي: لا يحتاجون إلى

стр. 12922

الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يُحرمون من مكة؛ كالآفاقيّ الذي بين الميقات، ومكة، فإنه يُحرم من مكانه، ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليُحرم منه. وهذا خاصّ بالحاجّ، وأما المعتمر فلا بدّ له من الخروج إلى أدنى الحلّ؛ كالتنعيم، ونحوه. قال المحبّ الطبريّ: لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة، فتعيّن حمله على القارن. واختلف في القارن، فذهب الجمهور إلى أن حكمه حكم الحاجّ في الإهلال من مكة. وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحلّ. ووجهه أن العمرة إنما تندرج في الحجّ فيما محلّه واحدٌ؛ كالطواف والسعي، عند من يقول بذلك، وأما الإحرام فمحله فيهما مختلف. وجواب هذا الاستشكال أن المقصود من الخروج إلى الحلّ في حقّ المعتمر أن يَرِدَ على البيت الحرام من الحلّ، فيصحّ كونه وافدًا عليه، وهذا يحصل للقارن لخروجه إلى عرفة، وهي من الحلّ، ورجوعه إلى البيت لطواف الإفاضة، فحصل المقصود بذلك أيضًا. [تنبيه]: الأفضل في كلّ ميقات أن يُحرم من طرفه الأبعد من مكة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: كون الأفضل الإحرام من الطرف الأبعد يحتاج إلى دليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٨٠٣ و ٢٨٠٤] (١١٨١)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٢٤ و ١٥٢٦ و ١٥٢٩ و ١٥٣٠ و ١٨٤٥)، و (أبو داود) في

стр. 12923

"المناسك" (١٧٣٧)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٢٦) وفي "الكبرى" (٢/ ٣٢٨)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١١٤ - ١١٥)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٦٥)، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٤٠)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣٨)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٩٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٧٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٨)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦٨)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١١٠)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٥/ ١٦٥) و"الكبير" (١١/ ٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٩) و"الصغرى" (٣/ ٥٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مواقيت الحجّ والعمرة لأهل هذه البلاد، وغيرها ممن أتى عليها. ٢ - (ومنها): أنه لا يجوز لأحد يريد مكة للحج والعمرة أن يتجاوز هذه المواقيت إلا متلبّسًا بالإحرام منها. ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أنه لا يجوز تأخير الإحرام من هذه المواضع المحدّدة، وفيه ردّ على الحنفيّة حيث جوّزوا لمن كان داخل الميقات التأخير إلى آخر الحلّ، ولأهل مكّة إلى آخر الحرم، فإنه مخالف لصريح قوله ﷺ في هذا الحديث: "فمن كان دونهنّ، فمن أهله، وكذا كذلك، حتى إن أهل مكة يُهلّون منها". ٤ - (ومنها): أنه لا يجوز لأحد أن ينشئ الإحرام قبل هذه المواقيت، حيث إن النبيّ ﷺ حدّها له، فلذا لا يرى بعض المحققين؛ كالبخاريّ، جواز الإحرام قبلها أصلًا، وهو الأرجح عندي؛ لظواهر النصوص. ٥ - (ومنها): أن في التحديد المذكور تعظيم شأن هذا البيت، وتشريفه بجعل هذا الْحِمَى الذي لا يتجاوزه حاجّ، أو معتمر، حتى يأتي بهذه الهيئة، خاشعًا لله تعالى، معظّمًا لشعائره، ومحارمه. ٦ - (ومنها): أن في تعدّد هذا التحديد رحمةً من الله تعالى بخلقه، وتسهيلًا لهم، إذ لو كان الميقات واحدًا لجميع البلدان لشقّ ذلك على مريدي النسك. ٧ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث حدّد النبيّ ﷺ هذه

стр. 12924

المواقيت قبل إسلام أهلها؛ إشارة إلى أنهم سيدخلون في الإسلام، وأنهم سيحجّون، فيضطرّون إلى مواقيت ينشؤون منها الإحرام، فجاء الأمر كما أشار إليه ﷺ . ٨ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك، فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يُحرِم من حيث تجدّد له القصد، ولا يرجع إلى الميقات؛ لقوله: "فمن حيث أنشأ". ٩ - (ومنها): أنه استدلّ به ابن حزم ﵀ على أن من ليس له ميقات، فميقاته من حيث شاء، قال في "الفتح": ولا دلالة فيه؛ لأنه يختصّ بمن دون الميقات؛ أي: إلى جهة مكة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لولا أثر عمر بن الخطّاب ﵁ عنه في تحديد ذات عرق بمحاذاة الميقات، لكان لما قاله ابن حزم وجه، لكن الحقّ هو ما عليه الجمهور؛ لما ذُكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تقديم الإحرام على المواقيت المذكورة: ذهب الجمهور إلى أن تقديم الإحرام على هذه المواقيت جائز، وإن كان خلاف الأولى، بل ادَّعَى ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، ولكن يردّه وجود الخلاف فيه، كما سيأتي. وذهبت طائفة إلى أن التقديم لا يجوز، نقل ذلك عن إسحاق، وداود، وابن حزم، وغيرهم، وهو مذهب البخاريّ. قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب فرض مواقيت الحجّ والعمرة". ١٥٢٢ - حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زُهير، قال: حدثني زيد بن جُبَير، أنه أتى عبد الله بن عمر ﵄ في منزله، وله فُسطاط، وسُرادق، فسألتُهُ من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: "فرضها رسول الله ﷺ ، لأهل نجد قرنًا، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشأم الجحفة". قال الحافظ ﵀: ومعنى فرض: قدّر، وأوجب، وهو ظاهر نصّ

стр. 12925

المصنّف، وأنه لا يُجيز الإحرام بالحجّ والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي بعد قليل، حيث قال: "باب ميقات أهل المدينة، ولا يُهلّون قبل ذي الحليفة"، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نُقل عن إسحاق، وداود، وغيرهما عدم الجواز، وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيّده القياس على الميقات الزمانيّ، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدّم عليه. انتهى المقصود من كلام الحافظ ﵀. وقد اعترض العينيّ على كلام الحافظ هذا كعادته بما لا يُلتفت إليه؛ حيث إنه مجرّد تحامل، وتعصّب، فالحقّ هو الذي قرّره الحافظ بأن مذهب الإمام البخاريّ أنه لا يجوز أن يحرم قبل الميقات، فقوله: "ولا يهلّون قبل ذي الحليفة" صريح في كونه لا يرى جواز الإحرام قبل الميقات، وهو الظاهر، وأما ادّعاء الإجماع فقد عرفت أنه باطل، فقد خالف فيه جماعة من أهل العلم. قال الصنعانيّ ﵀: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: نعم؛ لأن قول الصحابة: وقّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، يقضي بالإهلال من هذه المواقيت، ويقضي بنفي النقص، والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرّمة، فلا أقلّ من أن يكون تركها أفضل، ولولا ما قيل من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه؛ لأدلّة التوقيت. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق أن ادّعاء الإجماع غير صحيح، فتنبّه. قال: ولأن الزيادة على المقدّرات، من المشروعات، كأعداد الصلاة، ورمي الجمار، لا تُشرع؛ كالنقص منها، وإنما لم نجزم بتحريم ذلك؛ لما ذكرنا من الإجماع؛ ولأنه روي عن عدّة من الصحابة تقديم الإحرام على الميقات، فأحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عبّاس من الشام، وأهلّ عمران بن حصين من البصرة، وأهلّ ابن مسعود من القادسيّة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاستدلال من الصنعاني عجيب،

стр. 12926

كيف يحتجّ هنا بما نُقل عن ابن عباس، وغيره في معارضة الأحاديث المرفوعة، ويردّ قوله: من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم بأنه أثر موقوف، لا يقاوم المرفوع، مع أنه يوافق المرفوع في كونه ﷺ أعمر عائشة من التنعيم؟ وكذا ردّه قول المحبّ الطبريّ: إنه لا يعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة، فقال: جوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتًا لها بهذا الحديث؟ فهلا قال هنا: إن هذه الآثار عن الصحابة لا تقاوم المرفوع، إن هذا تناقض عجيب. قال: وورد في تفسير الآية أن الحجّ والعمرة تمامهما بهما من دُويرة أهلك عن عليّ، وابن مسعود، وإن كان قد تُؤُوّل بأن مرادهما أن ينشأ لهما مفردًا من بلده، كما أنشأ ﷺ لعمرة الحديبية والقضاء سفرًا من بلده، ويدلّ لهذا التأويل أنّ عليًّا ﵁ لم يفعل ذلك، ولا أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يُحرموا بحجّ، ولا عمرة إلا من الميقات، بل لم يفعله ﷺ ، فكيف يكون ذلك تمام الحجّ، ولم يفعله ﷺ ، ولا أحد من الخلفاء، ولا جماهير الصحابة؟. قال: نعم، الإحرام من بيت المقدس بخصوصه ورد فيه حديث أم سلمة ﵂، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أهلّ من المسجد الأقصى بعمرة، أو بحجّة، غُفر له ما تقدّم من ذنبه" (١)، وله ألفاظ عند أبي داود، وابن ماجه. قال: فيكون هذا مخصوصًا ببيت المقدس، فيكون الإحرام منه خاصّة أفضل من الإحرام من المواقيت، ويدلّ له إحرام ابن عمر منه، ولم يفعل ذلك من المدينة، على أن منهم من ضعّف الحديث، ومنهم من تأوّله بأن المراد ينشئ لهما السفر من هنالك. انتهى كلام الصنعانيّ ﵀ (٢). وقال العلامة ابن قدامة ﵀ ما ملخّصه: أما ما نُقل عن عمر، وعليّ ﵄ أنهما قالا: إتمام العمرة أن تنشئها من بلدك، فمعناه أن تنشئ لها سفرًا من

стр. 12927

بلدك تقصد له، ليس أن تحرم بها من أهلك، قال أحمد: كان سفيان يفسّره بهذا، وكذلك فسره به أحمد، ولا يصحّ أن يفسّر بنفس الإحرام، فإن النبيّ ﷺ ، وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم الله تعالى بإتمام العمرة، فلو حمل على ذلك لكان النبيّ ﷺ ، وأصحابه تاركين لأمر الله، ثم إن عمر وعليًّا ما كانا يُحرمان إلا من الميقات، أفتراهما يريان أن ذلك ليس بإتمام لها، ويفعلانه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهّمه أحد، ولذلك أنكر عمر على عمران إحرامه من البصرة، واشتد عليه. انتهى كلام ابن قدامة بتصرف، واختصار (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث المذكور في الإحرام من بيت المقدس، فإنه ضعيف، لا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة؛ لتفرّد حُكيمة بنت أميّة الأخنسية به، قال عنها في "التقريب": مقبولة؛ أي لا بدّ لها من متابع، وليس لها متابع، والراوي عنها يحيى بن أبي سفيان قال عنه أبو حاتم: ليس بالمشهور. وأعله المنذريّ في "مختصر سنن أبي داود" ٢/ ٢٨٥ بالاضطراب (٢)، قال: وقد اختلف الرواة في متنه، وإسناده اختلافًا كثيرًا، وكذا أعلّه الحافظ ابن كثير بالاضطراب (٣)، فلا يعارض أحاديث المواقيت الصحاح (٤). قال الجامع: وعلى تقدير صحته فليس دليلًا على مسألتنا هذه، فإنه لم يقل: من أهلّ منها، وإنما قال: "الحجة منها أفضل إلخ"، وهذا لا يستلزم الإحرام منها، وإنما هو بيان لفضل الحجّة من تلك البلدة، فتنبّه.

стр. 12928

فتبيّن بهذا أنه لا يصحّ في إباحة تقديم الإحرام على المواقيت شيء. والحاصل أنه ليس لمن قال بإباحة تقديم الإحرام على الميقات دليلٌ، لا من نصّ، ولا من إجماع، بل هي اجتهادات ممن فعله، تُعارض ما صحّ عن الشارع الحكيم تحديده، مع أنه قد ثبت إنكار غيرهم عليهم فعلهم ذلك، فلا يُعارض به ما صحّ عن رسول الله ﷺ ؛ إذ الحجة في فعله، وقوله، لا في فعل غيره، أو قوله. فالقول الراجح هو ما ذهب إليه من قال بعدم جواز تقديم الإحرام على المواقيت المحدّدة، كإسحاق، والبخاريّ، وداود الظاهريّ، وابن حزم، كما تقدم، كما أنه لا يجوز تقديمه على المواقيت الزمانيّة بالإجماع، فكذا هذا، إذ لا فرق بينهما. وما أحسن ما قال الشاطبيّ ﵀ في كتابه "الاعتصام"، ومن قبله الهرويّ في "ذمّ الكلام" عن الزبير بن بكّار: قال: حدّثني ابن عُيينة، قال: سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، من أين أُحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، فقال: إني أريد أن أُحرم من المسجد، من عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: فأيّ فتنة في هذه؟ إنما هي أميالٌ أزيدها، قال: وأيّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ ، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. انتهى (١). فالواجب على المسلم أن يحرص على موافقة حجه، وعمرته أمر الشارع الحكيم؛ ليقع على الوجه المطلوب شرعًا، ولا يخالف بعلّة أن فلانًا قال كذا، وأن فلانًا فعل؛ إذ الحجة هو الذي صحّ عمن قال الله تعالى في حقّه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

стр. 12929

وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم مجاوزة الميقات من غير إحرام: (اعلم): أنهم اختَلَفوا فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك، فلم يُحْرِم، فقال الجمهور: يأثم، ويلزمه دم، فأما لزوم الدم فبدليل غير هذا، وأما الإثم فلترك الواجب، وورد الحديث من طريق ابن عمر بلفظ: "فرضها"، وسيأتي بلفظ: "يُهِلّ"، وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر لا يَرِدُ بلفظ الخبر، إلا إذا أريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب، وعند البخاريّ في "كتاب العلم" بلفظ: "من أين تأمرنا أن نُهِلّ؟ "، ويأتي للمصنّف من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة. . ." الحديث. وذهب عطاء، والنخعيّ إلى عدم الوجوب، ومقابله قول سعيد بن جبير: لا يصحّ حجه، وبه قال ابن حزم. وقال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم، قال أبو حنيفة: بشرط أن يعود ملبيًا، ومالك: بشرط أن لا يَبْعُد، وأحمد: لا يسقط بشيء، قاله في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مجاوزة الميقات من غير إحرام لمن أراد النسك لا يجوز؛ لمخالفته أمر النبيّ ﷺ الوارد في الأحاديث الصحيحة، وأن ما ذهب إليه الجمهور من سقوط الدم عمن جاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات هو الأرجح؛ لزوال السبب الموجب له، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في ميقات أهل مكة للعمرة:

стр. 12930

ذهب الجمهور إلى أن أهل مكة يجب عليهم الخروج إلى أدنى الحلّ؛ كالتنعيم، عملًا بقصّة عائشة ﵂، حيث أمرها النبيّ ﷺ بالخروج إلى التنعيم للعمرة. قال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀: ومن أراد العمرة - وهو بمكة - إما من أهلها، أو من غير أهلها، ففَرْضٌ عليه أن يخرج للإحرام بها إلى الحلّ، ولا بدّ، فيخرج إلى أي الحلّ شاء، ويهلّ بها؛ فلأن رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر بالخروج من مكة إلى التنعيم ليعتمر بها منه، واعتمر ﵇ من الجعرانة، فوجب ذلك في العمرة خاصّة. انتهى (١). وقال العلّامة ابن قدامة عند قول الخرقيّ - رحمهما الله تعالى -: "وأهل مكة إذا أرادوا العمرة، فمن الحلّ، وإذا أرادوا الحجّ فمن مكة" ما حاصله: أهل مكة من كان بها، سواء كان مقيمًا بها، أو غير مقيم؛ لأن كل من أتى على ميقات كان ميقاتًا له، فكذلك كلّ من كان بمكة، فهي ميقاته للحجّ؛ وإن أراد العمرة، فمن الحلّ، لا نعلم في هذا خلافًا، ولذلك أمر النبيّ ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمر عائشة ﵂ من التنعيم. متّفق عليه، وكانت بمكة يومئذ، والأصل في هذا قول النبيّ ﷺ : "حتى أهل مكة يهلّون منها"، يعني للحج، وقال أيضًا: "ومن كان أهله دون الميقات، فمن حيث يُنشئ، حتى يأتي ذلك على أهل مكة"، وهذا في الحج، فأما في العمرة فميقاتهم في حقّهم الحلّ، من أي الجوانب شاء؛ لأن النبيّ ﷺ أمر بإعمار عائشة من التنعيم، وهو أدنى الحلّ إلى مكة. وقال ابن سيرين: بلغني أن النبيّ ﷺ وقّت لأهل مكة التنعيم. وقال ابن عبّاس ﵄: يا أهل مكة من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه وبينها بطن محسّر، يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة. وإنما لزم الإحرام من الحلّ ليجمع في النسك بين الحلّ والحرم، فإنه لو أحرم من الحرم لَمَا جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم،

стр. 12931

بخلاف الحجّ، فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة، فيجتمع له الحلّ والحرم، والعمرة بخلاف ذلك. ومن أيّ الحلّ أحرم جاز، وإنما أعمر النبيّ ﷺ عائشة من التنعيم لأنه أقرب الحلّ إلى مكة. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ميقات أهل مكة للعمرة هو الحلّ، سواء كان التنعيم، أو غيره، فيكون معنى قوله ﷺ : "حتى أهل مكة من مكة للحجّ والعمرة" محمول على الحج المفرد، والقران، لا على العمرة، بدليل عمرة عائشة ﵂ من التنعيم؛ ولم يخالف في هذا أحد من أهل العلم. وأما ما قاله الصنعاني - بعد أن نقل كلام المحبّ الطبريّ أنه لا يعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة في حقّ المكيّ -: ما حاصله جوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتًا لها بهذا الحديث، ثم ذكر أثر ابن عباس المتقدم، وقوله أيضًا: "من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم"، قال: فأجاب عنه بأنها آثار موقوفة لا تقاوم المرفوع. قال: وأما ما ثبت من أمره ﷺ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتحرم بعمرة، فلم يُرد إلا تطييب قلبها بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها إلى آخر كلامه، فجوابه كما يلي: أما قوله: جوابه أنه ﷺ جعلها ميقاتًا إلخ، فجوابه نعم، إنه ﷺ جعلها ميقاتًا للمفرد بالحج، وللقارن، وأما العمرة فجعل الحلّ ميقاتًا لها، بدليل حديث عائشة ﵂، يؤيد ذلك أثر ابن عباس ﵄، وما أخرجه الفاكهيّ وغيره عن محمد بن سيرين، قال: بلغنا: "أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل مكة التنعيم"، وعن عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها، فليخرج إلى التنعيم، أو إلى الجعرانة، فليُحرم منها. وأثر ابن سيرين وإن كان مرسلًا إلا أنه اعتضد بقول ابن عباس، وبقول أهل العلم كافّة، كما تقدم عن المحبّ الطبريّ أنه لا يعلم في ذلك خلافًا،

стр. 12932

والمرسل إذا اعتضد يكون حجة، كما هو معلوم في مصطلح أهل الحديث. وأما قوله: إنه ﷺ أعمر عائشة من التنعيم تطييبًا لقلبها، فمما لا ينبغي لمثله أن يقوله، فهل النبيّ ﷺ يطيّب قلبها بخلاف ما شرعه الله تعالى؟ كلّا، ثم كلّا، فلو لم يكن الاعتمار من التنعيم هو المشروعَ لَمَا أمرها به. وحاصل أمر عائشة ﵂، أنها ممن شمله التوقيت المتقدّم؛ لأننا إن قلنا: إنها آفاقية، فميقاتها ذو الحليفة، وإن قلنا: إنها مكية - وهو الحقّ؛ لأن قوله ﷺ : "حتى أهل مكة من مكة" يشمل المقيم بها، والوارد إليها، بدليل أن الصحابة الذين فسخوا الحج بعمل العمرة من أهل المدينة أهلّوا من مكة بأمره ﷺ فميقاتها مكة، فلما أمرها بالإحرام من التنعيم علمنا أن ميقات أهل مكة للعمرة هو الحلّ، وإنما لم نقل بتعيّن التنعيم ميقاتًا، لقول عائشة ﵂، كما رواه الطحاويّ، من طريق ابن أبي مليكة عنها، أنها قالت: "وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه"، فدلّ على أن المقصود هو الخروج إلى الحلّ مطلقًا. والحاصل أن ميقات أهل مكة للعمرة المفردة من التنعيم، أو غيره من الحلّ، لا يجوز غير ذلك، وأما المفرد بالحجّ، أو القارن، فميقاتهم مكة؛ عملًا بما صحّ لدينا من الأحاديث في كلّ ذلك، دون أن يكون هناك اختلاف بينها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلفوا هل يتعيّن التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ قال الطحاويّ ﵀: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته، كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحجّ. وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحلّ، وإنما أمر النبيّ ﷺ عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه كان أقرب الحلّ من مكة، ثم روى من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قال: "وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت منه"، فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحلّ، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء. ذكره في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12933

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ: "هُنَّ لَهُمْ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ، مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ) أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة، ووقع في رواية أخرى بلفظ: "هنّ لهنّ" أي: المواقيت للجماعات المذكورة، أو لأهلهن على حذف المضاف، والأول هو الأصل، ووقع أيضًا بلفظ: "هنّ لأهلهنّ"، وقوله: "هنّ" ضمير جماعة المؤنث، وأصله لمن يعقل، وقد استُعْمِل فيما لا يعقل، لكن فيما دون العشرة، قاله في "الفتح" (١). وقوله: (وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ، مِنْ غَيْرِهِنَّ) ولكلّ من أتى عليهنّ أي: على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة.

стр. 12934

وقوله: (مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام. وقوله: (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) أي: بين الميقات ومكة. وقوله: (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أي: فميقاته من حيث أنشأ الإحرام؛ إذ السفر من مكانه إلى مكة، وهذا متفق عليه، إلا ما رُوي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ"؛ أي: من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فيحرم من منزله، فخفف عنه الخروج إلى الميقات، وحينئذ يصير منزله ميقاتًا خاصًّا به؛ إذا ابتدأ الإحرام منه، فلو مرَّ من منزله بعد المواقيت بميقات من المواقيت المعينة العامة، وهو يريد الإحرام، وجب عليه أن يحرم منه، ولا يؤخر الإحرام إلى بيته لقوله ﷺ : "هن لهن، ولكل آت أتى عليهن من غيرهن"، ويخالف هذا من كان ميقاته الجحفة ومرَّ بذي الحليفة؛ فإن له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة؛ لأن الجحفة ميقات منصوب نصبًا عامًا، لا يتبدل، بخلاف المنزل، فإنه إضافي، يتبدل بتبدل الساكن، فانفصلا، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقوله: (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) يجوز في "أهلِ" الرفع والجرّ، كما سبق. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "حتى أهل مكة من مكة"؛ يعني: أنهم يهلون منها، ولا يخرجون إلى ميقات من المواقيت المذكورة، فأما الإحرام بالحج فيصح من البلد نفسه ومن أي موضع كان من الحل أو الحرم، وأما العمرة فلا بدَّ فيها من الجمع بين الحل والحرم. انتهى (٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12935

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٥] (١١٨٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ"). رجال هذا الإسناد: أربعة، وقد تقدّم نفس السند في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٧٥) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) أي: بعد أن سأله سائل عن محلّ الإهلال، ففي رواية النسائيّ، من طريق الليث، عن نافع: "أن رجلًا قام في المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، من أين تأمرنا أن نُهلّ؟ قال رسول الله ﷺ : "يُهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة. . .". ("يُهِلُّ) بضمّ الياء، من الإهلال، يقال: أهلّ المحرم: إذا رفع صوته بالتلبية، وكلّ من رفع صوته، فقد أهلّ إهلالًا، واستَهَلّ استهلالًا، بالبناء للفاعل فيهما. قاله في "المصباح". وهو خبر بمعنى الأمر؛ لأن خبر الشارع آكد في الطلب من الأمر، والمراد به أنه لا يقدّم الإهلال، ولا يؤخّر عن هذه المواقيت، وبهذا قال بعض أهل العلم، وهو الراجح عندي كما تقدَّم تحقيقه، وقال الجمهور: المراد أنه لا يؤخّر عنها، إذ التقديم عندهم جائز. (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) النبويّة، وكذا من مرّ عليها من غير أهلها (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ"، قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر ﵄ (وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ") وفي رواية سالم التالية: "قال ابن عمر ﵄: وذُكِر لي، ولم أسمع أن رسول الله ﷺ قال: "ويهلّ إلخ"، وفي الراوية التي بعدها: "زعموا أن رسول الله ﷺ ، ولم أسمع ذلك منه قال: ومُهلّ أهل اليمن يلملم"، ورواية عبد الله بن دينار: "وقال عبد الله بن عمر ﵄: وأخبرتُ أنه قال: ويُهلّ. . . إلخ".

стр. 12936

وهذا كلّه يشعر بأن الذي بَلَّغَ ابن عمر ذلك جماعةٌ، وقد ثبت ذلك من حديث ابن عبّاس ﵄ الماضي، ومن حديث جابر ﵄ الآتي، ومن حديث عائشة ﵂ عند النسائيّ، ومن حديث الحارث بن عمرو السهميّ عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ، أفاده في "الفتح"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٨٠٥ و ٢٨٠٦ و ٢٨٠٧ و ٢٨٠٨] (١١٨٢)، و (البخاريّ) في "العلم" (١٣٣) و"الحج" (١٥٢٢ و ١٥٢٥ و ١٥٢٨) و"الاعتصام بالكتاب والسنة" (٧٣٤٤)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٣٧)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨٣١)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٢٢ و ١٢٥) و"الكبرى" (٢/ ٣٢٨ و ٣٢٩ و ٤/ ٤٥٤)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩١٤)، و (مالك) في "الموطّإ" (٧٣٢)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٧٩ و ٢٨٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٨٠)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٩ و ٤٧ و ٤٨ و ٥٥ و ٦٥ و ٨٢ و ١٣٠ و ١٥١)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٧٩٠)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٨٩)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٥٩ و ٣٧٦٠ و ٣٧٦١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١١٧ و ١١٩)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٣٦٤ و ١٠/ ١٨٠)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٦) و"المعرفة" (٣/ ٥٢٨ و ٥٢٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

стр. 12937

"يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: وَذُكِرَ لِي، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ"). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، و"ابْنُ أَبِي عُمَرَ" هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، و"سُفْيَانُ" هو: ابن عيينة، و"سالم" هو: ابن عمر. وقوله: (وَذُكِرَ لِي، وَلَمْ أَسْمَعْ. . . إلخ) هو بمعنى قوله الماضي: "وبلغني. . . إلخ". والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ". قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: وَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ، قَالَ: "وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدَّم أيضًا قريبًا. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: ("مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ") بضمّ الميم، وفتح الهاء، وتشديد اللام؛ أي: موضع إهلالهم.

стр. 12938

وقوله: (مَهْيَعَةُ) بوزن عَلْقَمة، وقيل: بوزن لَطِيفة، قاله في "الفتح"، وقال النوويّ ﵀: هي بفتح الميم، وإسكان الهاء، وفتح المثناة تحتُ، وحَكَى القاضي عياض عن بعضهم كسر الهاء، والصحيح المشهور إسكانها، وهي على نحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة. انتهى (١). وقوله: (وَهِيَ الْجُحْفَةُ) تفسير للمراد بالمهيعة، قال في "الفتح": وسُمّيت الجحفة؛ لأن السيل أجحف بها، قال ابن الكلبيّ: كان العماليق يسكنون يَثْرِب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيل - بفتح المهملة، وكسرة الموحدة - وهم إخوة عاد حَرْبٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعة، فجاء سيل فاجتحفهم؛ أي: استأصلهم، فسميت الجحفة. انتهى (٢). وقوله: (وَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ. . . إلخ) معنى "زعموا"؛ أي: قالوا، والزعم يُستعمَل بمعنى القول المحقَّق، وقوله: "ولم أسمعه" جملة معترضة بين اسم "أنّ" وخبرها، وهو "قال". والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: وَأخْبِرْتُ أَنَّهُ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، تقدّم قريبًا.

стр. 12939

٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٠٩] (١١٨٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُسْأَلُ عَنْ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ، ثُمَّ انْتَهَى، فَقَالَ: أُرَاهُ، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﵄، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وجابر ﵁ سكن مكة، وأما شيخه فمروزيّ، وروح فبصريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره.

стр. 12940

٥ - (ومنها): أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: عن أبي الزُّبَيْرِ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يسأله الناس (عَنْ الْمُهَلِّ) بضمّ الميم، وفتح الهاء، وتشديد اللام: اسم لموضع الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية، والمراد به محلّ إنشاء الإحرام (فَقَالَ: سَمِعْتُ، ثُمَّ انْتَهَى، فَقَالَ: أُرَاهُ، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ) قال النوويّ ﵀: معنى هذا الكلام أن أبا الزبير قال: سمعت جابرًا، ثم انتهى؛ أي: وقف عن رفع الحديث إلى النبيّ ﷺ ، وقال: "أُراه" بضم الهمزة؛ أي: أظنه رفع الحديث، فقال: "أراه يعني النبيّ ﷺ "، كما قال في الرواية الأخرى: "أحسبه رفع إلى النبيّ ﷺ "، وقوله: "أحسبه رفع" لا يحتج بهذا الحديث مرفوعًا؛ لكونه لم يجزم برفعه. انتهى (١). وقوله في الرواية التالية: (وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ) أي: موضع إنشاء إحرامهم بالحجّ، أو العمرة، و"العراق": - بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء -: إقليم معروف، ويذكّر، ويؤنّث، قيل: هو معرّب، وقيل: سمي عِرَاقًا؛ لأنه سَفَلَ من نجد، ودنا من البحر، أخذًا من عِرَاق الْقِرْبَة، والْمَزَادَة، وغير ذلك، وهو ما ثَنَوْهُ، ثم خَرَزُوه مَثْنِيًّا، وينسب إلى العراق على لفظه، فيقال: عراقيّ، والاثنان عراقيّان، وللشافعيّ ﵀ تصنيف لطيفٌ، نَصَب الخلاف فيه مع أبي حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختار ما رَجَحَ عنده دليله، ويسمّى اختلاف العِرَاقِيَّين؛ لأن كلّ واحد منهما منسوب إلى العراق، فهما عراقيّان، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢). فقوله: "مُهَلُّ" مبتدأ خبره قوله: (مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ) - بكسر العين المهملة، وسكون الراء، بعدها قاف -: موضع على نحو مرحلتين من مكة، ويقال: هو من نجد الحجاز، أفاده الفيّوميّ ﵀.

стр. 12941

وقال غيره: سُمّي الموضع بذلك؛ لأن فيه عِرْقًا، وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة، تُنبت الطَّرْفاء، وقيل: العِرْق من الأرض السبخة، تُنبت الطرفاء. ويُسمى الضَّريبة - بفتح الضاد، وكسر الراء، بعدها ياء، ثم باء - وهي الحدّ الفاصل بين تهامة، ونجد، وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسيخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه الآن أهل العراق، وإيران، وحجاج الشرق كله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٨٠٩ و ٢٨١٠] (١١٨٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩١٥)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١١٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٨١ و ٣/ ٣٣٣ و ٣٣٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٩٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٧٠)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١١٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٧)؛ و"المعرفة" (٣/ ٥٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مُهَلّ أهل العراق: (اعلم): أنه اتفق أهل العلم على أن رسول الله ﷺ نَصّ على المواقيت الأربعة المذكورة في حديث ابن عبّاس، وابن عمر ﵃، وهي ذو الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم. واختلفوا في ذات عرق، هل صارت ميقاتًا لأهل العراق بتوقيت النبيّ ﷺ ، ونصّه، أم باجتهاد عمر بن الخطاب ﵁؟ قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه": "باب ذات عرق لأهل العراق". ١٥٣١ - حدّثني علي بن مسلم، حدّثنا عبد الله بن نمير، حدّثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: لَمّا فُتِح هذان المصران، أتوا عمر،

стр. 12942

فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حَدَّ لأهل نجد قرنًا، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا، شَقّ علينا، قال: "فانظروا حَذْوَها من طريقكم، فَحَدَّ لهم ذات عرق". قال الحافظ ﵀: وظاهره أن عمر ﵁ حدّ لهم ذات عِرْق باجتهاد منه. وقد روى الشافعيّ من طريق أبي الشعثاء، قال: "لم يوقّت رسول الله ﷺ لأهل المشرق شيئًا، فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق". ورَوَى أحمد عن هُشيم، عن يحيى بن سعيد وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت، وزاد فيه: "قال ابن عمر: فآثر الناس ذات عرق على قرن"، وله عن سفيان، عن صدقة، عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت، "قال: فقال له قائل: فأين العراق؟ فقال ابن عمر: لم يكن يومئذ عراق". وفي "كتاب الاعتصام" من "صحيح البخاريّ" من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "لم يكن عراق يومئذ". ووقع في "غرائب مالك" للدارقطنيّ، من طريق عبد الرزّاق، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "وقّت رسول الله ﷺ لأهل العراق قرنًا"، قال عبد الرزاق: قال لي بعضهم: إن مالكًا محاه من كتابه، قال الدارقطنيّ: تفرّد به عبد الرزّاق، قال الحافظ: والإسناد إليه ثقات أثبات. وأخرجه إسحاق ابن راهويه في "مسنده" عنه، وهو غريبٌ جدًّا، وحديث الباب يردّه. وروى الشافعيّ من طريق طاوسًا، قال: "لم يوقّت رسول الله ﷺ ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق"، وقال في "الأمّ": "لم يثبت عن النبيّ ﷺ أنه حدّ ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس". وهذا كلّه يدلّ على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصًا، وبه قطع الغزاليّ، والرافعيّ في "شرح المسند"، والنوويّ في "شرح مسلم"، وكذا وقع في "المدوّنة" لمالك. وصحح الحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعيّة، والرافعيّ في "الشرح الصغير"، والنوويّ في "شرح المهذّب" أنه منصوص، وقد وقع ذلك في حديث جابر ﵁ عند مسلم، إلا أنه مشكوك في رفعه، أخرجه من طريق ابن جريج،

стр. 12943

أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يُسألُ عن الْمُهَلّ، فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبيّ ﷺ ، فذكر، وأخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" بلفظ: "فقال: سمعت أحسبه يريد النبيّ ﷺ "، وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لَهِيعة، وابنُ ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما، عن أبي الزبير، فلم يشكّا في رفعه. ووقع في حديث عائشة، وفي حديث الحارث بن عمرو السهميّ كلاهما عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ. وهذا يدلّ على أن للحديث أصلًا، فلعلّ من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كلّ طريق لا يخلو عن مقال، ولهذا قال ابن خزيمة: رُويت في ذات عرق أخبارٌ لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث، وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا. انتهى. قال الحافظ: لكن الحديث بمجموع الطرق يَقْوَى كما ذكرنا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ إنما هو بالنسبة لحديث جابر، وإلا فحديث عائشة ﵂ الذي عند النسائيّ صحيح، لا كلام فيه، قال ابن حزم في "المحلّى" - بعد أن أخرج الحديث من طريق النسائيّ - ما نصّه: قال أبو محمد: هشام بن بهرام، ثقة، والمعافى ثقة، كان سفيان يسميه الياقة الحمراء، وباقيهم أشهر من ذلك. انتهى (١). والحاصل أن حديث عائشة ﵂ صحيح لا كلام عليه، والله تعالى أعلم. قال الحافظ: وأما إعلال من أعلّه بأن العراق لم تكن فُتحت يومئذ، فقال ابن عبد البرّ: هي غفلة؛ لأن النبيّ ﷺ وقّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق. انتهى، وبهذا أجاب الماورديّ، وآخرون. قال الحافظ: لكن يظهر لي أن مراد من قال: لم يكن العراق يومئذ؛ أي: لم يكن في تلك الجهة ناسٌ مسلمون، والسبب في قول ابن عمر ذلك، أنه روى الحديث بلفظ: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن

стр. 12944

نُهلّ؟ "، فأجابه، وكلّ جهة عيّنها في حديث ابن عمر كان من قبلها ناس مسلمون، بخلاف المشرق، والله أعلم. انتهى. وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: روى مسلم في "صحيحه" عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يُسأل عن الْمُهلّ؟ فقال: سمعت أحسبه رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: "ومهلّ أهل العراق من ذات عرق"، وقال النووي في "شرح مسلم": هو غير ثابت؛ لعدم جزمه برفعه. وأما قول الدارقطنيّ: إنه حديث ضعيف؛ لأن العراق لم تكن فُتحت في زمن النبيّ ﷺ ، فكلامه في تضعيفه صحيح، ودليله ما ذكرته، وأما استدلاله لضعفه بعدم فتح العراق، ففاسد؛ لأنه لا يمتنع أن يُخبر به النبيّ ﷺ لعلمه بأنه سيفتح، ويكون ذلك من معجزات النبوّة، والإخبارِ بالمغيّبات المستقبلات، كما أنه ﷺ وقّت لأهل الشام الجحفة في جميع الأحاديث الصحيحة، ومعلوم أن الشام لم يكن فتح يومئذ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ أنه أخبر بفتح الشام، واليمن، والعراق، وأنهم يأتون إليهنّ يبِسّون، والمدينة خيرٌ لهم، لو كانوا يعلمون، وأنه ﵇ أخبر بأنه زُويت له مشارق الأرض، ومغاربها، وقال: سيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها، وأنهم سيفتحون مصر، وهي أرض يُذكر فيها القيراط، وأن عيسى ﵇ ينزل على المنارة البيضاء، شرقيَّ دمشق، وكلّ هذه الأحاديث في "الصحيح". انتهى. وقال في "شرح المهذّب": إسناده صحيح، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبيّ ﷺ ، فلا يثبت رفعه لمجرّد هذا، ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الْخُوزيّ بإسناده عن جابر، مرفوعًا بغير شكّ، بلفظ: "أهل المشرق"، لكن الْخُوزيّ ضعيف، لا يُحتجّ بروايته، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" عن جابر، عن النبيّ ﷺ بلا شكّ أيضًا، لكنه من رواية الحجّاج بن أرطاة، وهو ضعيف. قال وليّ الدين: في قول النوويّ: "إن حديث جابر غير ثابت؛ لأنه لم يجزم برفعه" نظر، فإن قوله: "أحسبه" معناه أظنه، والظنّ في باب الرواية يتنزّل منزلة اليقين، فليس ذلك قادحًا في رفعه. وأيضًا فلو لم يصرّح برفعه، لا يقينًا، ولا ظنًّا، فهو منزّل منزلة المرفوع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، وإنما

стр. 12945

يؤخذ توقيفًا من الشارع، لا سيّما وقد ضمّه جابر ﵁ إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول وليّ الدين: والظن في باب الرواية إلخ فيه نظر لا يخفى؛ إذ كثيرًا ما يردّ المحدّثون أحاديث كثيرة لعدم جزم راويها، كما لا يخفى على من تتبّع كتب السنّة، وكذا قوله: لا يقال من قبل الرأي إلخ فيه نظر أيضًا؛ إذ يشكل عليه تحديد عمر ﵁ ذات عرق بالاجتهاد، فليُتأمّل. قال: وروى أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، كما قال النوويّ، عن عائشة ﵂ قالت: "وَقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الْحُليفة، ولأهل الشام ومصر الْجُحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل اليمن يلملم". قال: وذكر ابن عديّ، عن يحيى بن محمد بن صاعد أن الإمام أحمد كان يُنكر على أفلج بن حُميد هذا الحديث، قال ابن عديّ: قد حدّث عنه ثقات الناس، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة كلّها، وهذا الحديث ينفرد به مُعافَى بن عمران عنه، وإنكار أحمد قوله: "ولأهل العراق ذات عرق"، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه. انتهى. وصححه أبو العباس القرطبيّ، وقال الذهبيّ: هو صحيح غريب، وقال العراقيّ: إن إسناده جيّدٌ. وروى أبو داود أيضًا عن الحارث بن عمرو السهميّ حديثًا، وفيه: "ووقّت - يعني رسول الله ﷺ ذات عرق لأهل العراق"، قال البيهقيُّ: في إسناده من هو غير معروف. قال وليّ الدين: زُرارة بن كَرِيم - بفتح الكاف - رَوَى عنه جماعة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، والراوي عنه في سنن أبي داود عتبة بن عبد الملك كذلك، وباقي رجاله لا يحتاج إلى الفحص عنهم، فليس في إسناده من هو غير معروف، فإن كان فيهم من ليس معروفًا عند البيهقيّ، فهو معروف عند غيره. وروى أحمد، والدارقطنيّ من رواية الحجّاج بن أرطاة، عن عمرو بن

стр. 12946

شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: "وقّت رسول الله ﷺ "، فذكر الحديث، وفيه: "وقال: لأهل العراق ذات عرق". وروى الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد حسن، عن عطاء، عن النبيّ ﷺ مرسلًا: "أنه وقّت لأهل المشرق ذات عرق". قال الحافظ وليّ الدين: فهذه الأحاديث التي ذكرتها، وإن كان في كلّ منها ضعف، فمجموعها لا يقصر عن بلوغ درجة الاحتجاج به، وكذا ذكره النوويّ في "شرح المهذّب"، فالأرجح عندي أنه منصوص أيضًا. قال ابن قُدامة: ويجوز أن يكون عمر، ومن سأله لم يعلموا توقيت النبيّ ﷺ ذات عرق، فقال ذلك برأيه، فأصاب، ووافق قول النبيّ ﷺ ، فقد كان كثير الإصابة ﵁. اهـ. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن توقيت النبيّ ﷺ ذات عرق لأهل العراق صحيح؛ لصحّة حديث عائشة ﵂ عند أبي داود والنسائيّ، كما سلف آنفًا، وأما حديث جابر ﵁ المذكور عند مسلم في هذا الباب، فليس بصحيح؛ لوقوع الشك في رفعه، فتبصّر، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: قال في "الفتح": وأما ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، من وجه آخر عن ابن عبّاس: "أن النبيّ ﷺ وقّت لأهل المشرق العقيق (٢) ". فقد تفرّد به يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وإن كان حَفِظه فقد جُمِع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة: (منها): أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب؛ لأنه أبعد من ذات عرق.

стр. 12947

(ومنها): أن العقيق ميقات لبعض العراقيين، وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبرانيّ، وإسناده ضعيف. (ومنها): أن ذات عرق كانت أَوّلًا في موضع العقيق الآن، ثم حُوّلت، وقربت إلى مكة، فعلى هذا، فذات عرق، والعقيق شيء واحد. ويتعيّن الإحرام من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنما قالوا: يستحبّ احتياطًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التأويلات كلها لا حاجة إليها؛ لأن الحديث ضعيفٌ كما سبق، فلماذا هذه التأويلات المتكلّفة؟ والله المستعان. قال: وحَكَى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان يُحرم من الرَّبَذَة، وهو قول القاسم بن عبد الرحمن، وخُصيف الجزريّ، قال ابن المنذر: وهو أشبه في النظر، إن كانت ذات عرق غير منصوصة، وذلك أنها تُحاذي ذا الحليفة، وذات عرق بعدها، والحكم فيمن ليس له ميقات أن يحرم من أول ميقات يحاذيه، لكن لما سنّ عمر ذات عرق، وتبعه عليه الصحابة، واستمرّ عليه العمل، كان أولى بالاتباع. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرف أن الصحيح توقيت النبيّ ﷺ ذات عرق لأهل العراق، وأما عمر فلما لم يبلغه ذلك، اجتهد، فأصاب المنصوص، وقد كان ﵁ موفّقًا في كثير من اجتهاداته، كما هو مشهور في "الصحيحين"، وغيرهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: قال في "الفتح" أيضًا ما حاصله: استُدلّ بتحديد عمر ﵁ ذات عرق على أن من ليس له ميقات أن عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتًا من هذه المواقيت الخمسة، ولا شكّ أنها محيطة بالحرم، فذو الحليفة شاميّة، ويلملم يمانية، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما أقرب إلى مكة من الأخرى، وقرن شرقيّة، والجحفة غربيّة، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما كذلك، وذات عرق تحاذي قرنًا، فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي

стр. 12948

ميقاتًا من هذه المواقيت، فبطل قول من قال: من ليس له ميقات، ولا يحاذي ميقاتًا، هل يحرم من مقدار أبعد من المواقيت، أو أقربها؟ ثم حكى فيه خلافًا، والفرض أن هذه الصورة لا تتحقّق؛ لما قلته، إلا أن يكون قائله فرضه فيمن لم يَطّلِع على المحاذاة، كمن يجهلها. وقد نقل النوويّ في "شرح المهذّب" أنه يلزمه أن يُحرم على مرحلتين، اعتبارًا بقول عمر هذا في توقيته ذات عرق. وتُعُقّب بأن عمر إنما حدّها لأنها تحاذي قرنًا، وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة، فلعلّ القائل بالمرحلتين أخذ بالأقلّ؛ لأن ما زاد عليه مشكوك فيه، لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد. ويحتمل أن يفرّق بين من عن يمين الكعبة، وبين من عن شمالها؛ لأن المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها، فيقدر لليمين الأقرب، وللشمال الأبعد، والله أعلم. ثم إن مشروعية المحاذاة مختصّة بمن ليس له أمامه ميقات معيّنٌ، فأما من له ميقات معيّن، كالمصريّ مثلًا يمرّ ببدر، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يحرم منها، بل له التأخير حتى يأتي الجحفة، والله تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن من ليس له ميقات معيّن إذا لم يأت على ميقات من المواقيت المذكورة عليه أن يحرم من حذاء أقرب المواقيت إلى طريقه هو الحقّ؛ لما تقدّم من أثر عمر ﵁، فقد وافقه عليه الصحابة ﵃، فيما وقّت به ذات عرق، حيث أمر أهل العراق بأن ينظروا حذو قرن من طريقهم، فيحرموا منه. وأما قول ابن حزم: إنه يحرم من حيث شاء؛ وادَّعَى أنه يدخل في قوله ﷺ : "ومن كان دون ذلك إلخ" فبعيد؛ لأنه ليس دون المواقيت المذكورة، فكيف يتناوله الحديث؟ بل ما دلّ عليه ما نُقل عن عمر ﵁، ووافقه الصحابة عليه هو الصواب.

стр. 12949

لأننا وإن قلنا بصحة توقيت ذات عرق مرفوعًا، إلا أن عمر ﵁ لما لم يسمع النصّ قال: "انظروا حذوها من طريقكم"، ووافقه الصحابة الذين لم يسمعوا التوقيت من النبيّ ﷺ على ذلك، فهو أولى بالاتباع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: (١) [٢٨١٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُسْأَلُ عَن الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ، أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "مُهَلُّ أهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ (٢)، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَقَالَ: سَمِعْتُ) فاعل "قال" ضمير جابر ﵁؛ أي: قال جابر: "سمعت"، ثم شكّ أبو الزبير في رفع جابر ﵁ الحديث، فعدل إلى قوله: "أحسبه رفع إلخ"؛ أي: أظنّ جابرًا رفع الحديث إلى النبيّ ﷺ ، وقوله: "فقال: مُهَلّ إلخ"؛ أي: قال ﷺ : "مُهلّ أهل المدينة إلخ". وقوله: (وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ) وفي نسخة: "من الجحفة"، أراد بالطريق الآخر طريق أهل الشام، يعني أنهم يُهلّون من الجحفة.

стр. 12950

وقوله: (وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ) قال النوويّ ﵀: هذا صريح في كونه ميقات أهل العراق، لكن ليس رفع الحديث ثابتًا كما سبق، وقد سبق الإجماع على أن ذات عرق ميقات أهل العراق، ومن في معناهم، قال الشافعيّ ﵀: ولو أَهَلُّوا من العقيق كان أفضل، والعقيق أبعد من ذات عرق بقليل، فاستحبه الشافعيّ؛ لأثر فيه، ولأنه قيل: إن ذات عرق كانت أوّلًا في موضعه، ثم حُوِّلت، وقُرِّبت إلى مكة، والله أعلم. [تنبيه]: (اعلم): أن للحج ميقاتَ مكان، وهو ما سبق في هذه الأحاديث، وميقات زمان، وهو شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، ولا يجوز الإحرام بالحجّ في غير هذا الزمان، هذا مذهب الشافعيّ، ولو أحرم بالحج في غير هذا الزمان لم ينعقد حجًّا، وانعقد عمرةً، وأما العمرة فيجوز الإحرام بها وفعلها في جميع السنة، ولا يكره في شيء منها، لكن شرطها أن لا يكون في الحج، ولا مقيمًا على شيء من أفعاله، ولا يكره تكرار العمرة في السنة، بل يستحبّ عند الشافعيّة، والجمهور، وكَرِهَ تكرارَها في السنة ابنُ سيرين، ومالك، ويجوز الإحرام بالحجّ مما فوق الميقات أبعد من مكة، سواء دويرة أهله وغيرها، وأيهما أفضل؟ فيه قولان للشافعيّ: أصحهما: من الميقات أفضلُ؛ للاقتداء برسول الله ﷺ ، كذا ذكره النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: "التلبية": مصدر لَبّى: إذا قال: لبيك. قال الفيّوميّ ﵀: وألبّ بالمكان إلبابًا: أقام، ولبّ لبًّا، من باب قتل لغة فيه، وثُنّي هذا المصدر، مضافًا إلى كشاف المخاطب، وقيل: لبيك، وسعديك؛ أي: أنا ملازم طاعتك لزومًا بعد لُزوم، وعن الخليل أنهم ثنّوه على جهة التأكيد، وقال: اللبّ: الإقامة، وأصل لبيك: لبّين لك، فحُذفت النون للإضافة، وعن يونس أنه غير مثنى، بل اسم مفرد، يتّصل به الضمير بمنزلة "على"، و"لدى"،

стр. 12951

إذا اتّصل به الضمير، وأنكره سيبويه، وقال: لو كان مثل "على"، و"لدى" ثبتت الياء مع المضمر، وبقيت الألف مع الظاهر، وحكي من كلامهم: "لبّيْ زيد" بالياء مع الإضافة إلى الظاهر، فثبوت الياء مع الإضافة إلى الظاهر يدلّ على أنه ليس مثل "على"، و"لدى". ولبّى الرجل تلبية: إذا قال: لبيك، ولبّى بالحجّ كذلك. قال ابن السكّيت: وقالت العرب: لبّأْتُ بالحجّ بالهمز، وليس أصله الهمز، بل الياء، وقال الفرّاء: وربّما خرجت بهم فصاحتهم حتى هَمَزُوا ما ليس بمهموز، فقالوا: لبّأْتُ بالحجّ، ورثأتُ الميت، ونحو ذلك، كما يتركون الهمز إلى غيره فصاحة، وبلاغة. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": "التلبية": مصدر لبّى؛ أي: قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرًا. وهو لفظ مثنى عند سيبويه، ومن تبعه. وقال يونس بن حبيب: هو اسم مفرد، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير، كـ "لديّ"، و"عليّ". وردّ بأنها تقلب ياء مع المظهر. وعن الفرّاء: هو منصوب على المصدر، وأصله لبًّا لك، فثُنّي على التأكيد؛ أي: إلبابًا بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقية، بل هي للتكثير، أو المبالغة، ومعناه: إجابةً بعد إجابة، أو إجابةً لازمةً. قال ابن الأنباريّ: ثنّوا "لبيك" كما ثنّوا "حَنَانيك"؛ أي: تحننًا بعد تحنّن. وقيل: معنى "لبيك": اتجاهي، وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك؛ أي: تواجهها. وقيل: معناها: مَحَبَّتِي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبّة: إذا كانت محبّةً ولدها، عاطفة عليه. وقيل: معناها: إخلاصي لك، مأخوذ من قولهم: حسبٌ لباب، إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لبّ الطعامِ، ولُبابه. وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبّ الرجلُ بالمكان، وألبّ: إذا أقام فيه، ولزمه. قال ابن الأنباريّ: وبهذا قال الخليل، والأحمر، وقال إبراهيم الحربيّ: معنى "لبيك": قربًا منك، وطاعة، والإلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا مُلبّ بين يديك؛ أي: خاضع. حكى هذه الأقوال القاضي عياض، وغيره. قال الزمخشريّ في "الفائق": وهو منصوب على المصدر، للتكثير،

стр. 12952

ولا يكون عامله إلا مضمرًا، كأنه قال: أُلِبُّ إلبابًا بعد إلباب. قال ابن عبد البرّ: ومعنى "التلبية": إجابة لله فيما فرض عليهم من حجّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء الله إياه في إيجاب الحجّ عليه، ومن أجل الاستجابة - واللَّه أعلم - لبّى؛ لأن من دُعي، فقال: لبيك، فقد استجاب. ثم قال: وقال جماعة، من أهل العلم: إن معنى التلبية إجابة إبراهيم؛ حين أذّن في الناس بالحجّ. وقال القاضي عياض: قيل: وهذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. انتهى. قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في "تفاسيرهم" عن ابن عبّاس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قويّة، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في "مسنده"، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عنه، قال: "لما فرغ إبراهيم؛ من بناء البيت، قيل له: أذّن في الناس بالحجّ، قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن، وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض، يُلبّون؟ ". ومن طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، وفيه: "فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فليس حاجّ يحجّ من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ". قال ابن المنيّر في "الحاشية": وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام اللَّه تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه . انتهى ما في "الفتح" بزيادة من "طرح التثريب" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 12953

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١١] (١١٨٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَزِيدُ فِيهَا: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ (١) إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّموا قريبًا مع بيان لطائفه، وهو (١٧٧) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ) تقدم الكلام في اشتقاقها، ومعناها قريبًا. (اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ)؛ أي: يا ألله أنا مقيم ببابك إقامة بعد إقامة، ومجيبٌ نداءك إجابةً بعد إجابة، فتثنية "لبيك" تفيد التكرار والتأكيد، كما قوله تعالى: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ الآية [الملك: ٤]؛ أي: كرات كثيرة، وتكرار "لبيك" لزيادة التأكيد، كما أن دخول جملة "اللَّهم" بين المؤكِّد والمؤكَّد لذلك أيضًا. (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) قيل: إنه استئناف، فيُسْتَحسن الوقف على "لبيك" الثانية، كما يُستحسن على الرابعة، قال القاري: التلبية الأولى المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهيّة، وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندّيّة، والمثليّة في الذات والصفات. انتهى (٢). (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوي بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة، قال الجمهور: والكسر أجود، وحكاه الزمخشريّ عن أبي حنيفة، وابن قُدامة عن أحمد بن حنبل، وحكاه ابن عبد البرّ عن اختيار أهل العربيّة.

стр. 12954

وقال الخطابيّ: الفتح رواية العامّة، وحكاه الزمخشريّ عن الشافعيّ، وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد، والنعمة لك على كلّ حال، ومن فتح قال: معناه: لبيك لهذا السبب، وكذا رجّح الكسر ابن دقيق العيد، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معلّلة، وأن الحمد، والنعمة للَّه على كلّ حال، والفتح يدلّ على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعمّ، وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه، ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على استئناف الثناء، وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية؛ أي: لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجيّ إلى أنه لا مزيّة لأحد الوجهين على الآخر. وقال ابن عبد البرّ: المعنى عندي واحد؛ لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد: لبيك لأن الحمد على كلّ حال، والملك لك، والنعمة وحدك، دون غيرك، حقيقة، لا شريك لك. وتعقّب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا، غير معلّل، ولا مقيّد، فهو أبلغ في الاستجابة للَّه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا التعقّب فيه نظر؛ لأن التقييد والإطلاق هنا سواء في المعنى؛ لأن ما قُيّد بما لا حصر له، ولا نهاية، مثل الإطلاق، ولا فرق، فثبوت الحمد للَّه تعالى لا نهاية، ولا حصر له، فالتلبية المقيدة به، كالتلبية المطلقة في المعنى، فما قاله ابن عبد البرّ لا غبار عليه. والحاصل أنه لا فرق في الحقيقة هنا بين الكسر، والفتح، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) المشهور فيه النصب، قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا والتقدير: إن الحمد لك، والنعمةَ مستقرّة لك،

стр. 12955

قال ابن الأنباريّ: إن شئت جعلت خبر "إنّ" محذوفًا، والموجود خبر المبتدإ تقديره: إن الحمد لك، والنعمة مستقرّة لك. (وَالْمُلْكَ) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك كذلك، قاله الحافظ. وقال الحافظ وليّ الدين: فيه وجهان أيضًا، أشهرهما النصب عطفًا على اسم "إنّ"، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الخبر المتقدم عليه، ويَحْتَمِل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على "الحمد"، ولذا يستحبّ الوقف عند قوله: "والملك". قال ابن المنيّر: قرن الحمد والنعمة، وأفرد "الملك"؛ لأن الحمد متعلَّق النعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه، فيجمع بينهما، كأنه قال: لا حمد إلا لك؛ لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقلّ بنفسه، ذُكر لتحقيق أن النعمة كلها لله؛ لأنه صاحب الملك، قال القاري: ولا مانع من أن يكون "الملك" مرفوعًا، وخبره قوله: (لَا شَرِيكَ لَكَ") أي: فيه. (قَالَ) نافع (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَزِيدُ فِيهَا) أي: على التلبية المذكورة، وقوله: (لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ إلخ) فاعل "يزيد" مرفوع محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: (وَسَعْدَيْكَ) لا يستعمل إلا بعد "لبيك"؛ لأنه توكيد له (١)، وقال القاضي عياض ﵀: إعرابها، وتثنيتها كما سبق في "لبّيك"، ومعناه: مساعدةً لطاعتك بعد مساعدة. انتهى. (وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ) أي: الخير كلّه بيد الله تعالى، ومن فضله (لَبَّيْكَ) أعاده للتأكيد (وَالرَّغْبَاءُ) وفي نسخة: "والرُّغْبَى" (إِلَيْكَ) قال وليّ الدين ﵀: فيه ثلاثة أوجه: فتح الراء، والمدّ، وهو أشهرها، وضمّ الراء مع القصر، وهو مشهور أيضًا، وفتح الراء، مع القصر، وهو غريب، حكاه أبو عليّ الجبائيّ، وغيره، ونظير الوجهين الأولين العَلْياء، والعُلْيا، والنَّعْماء، والنُّعْمَى، ومعنى اللفظة: الطلب، والمسألة؛ أي: إنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه، فبيده جميع الأمور، وهو المقصود بالعمل المستحقّ العبادة،
следующие страницы →