← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 12951–12990 · переход к 12956.

стр. 12951

إذا اتّصل به الضمير، وأنكره سيبويه، وقال: لو كان مثل "على"، و"لدى" ثبتت الياء مع المضمر، وبقيت الألف مع الظاهر، وحكي من كلامهم: "لبّيْ زيد" بالياء مع الإضافة إلى الظاهر، فثبوت الياء مع الإضافة إلى الظاهر يدلّ على أنه ليس مثل "على"، و"لدى". ولبّى الرجل تلبية: إذا قال: لبيك، ولبّى بالحجّ كذلك. قال ابن السكّيت: وقالت العرب: لبّأْتُ بالحجّ بالهمز، وليس أصله الهمز، بل الياء، وقال الفرّاء: وربّما خرجت بهم فصاحتهم حتى هَمَزُوا ما ليس بمهموز، فقالوا: لبّأْتُ بالحجّ، ورثأتُ الميت، ونحو ذلك، كما يتركون الهمز إلى غيره فصاحة، وبلاغة. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ (١). وقال في "الفتح": "التلبية": مصدر لبّى؛ أي: قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرًا. وهو لفظ مثنى عند سيبويه، ومن تبعه. وقال يونس بن حبيب: هو اسم مفرد، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير، كـ "لديّ"، و"عليّ". وردّ بأنها تقلب ياء مع المظهر. وعن الفرّاء: هو منصوب على المصدر، وأصله لبًّا لك، فثُنّي على التأكيد؛ أي: إلبابًا بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقية، بل هي للتكثير، أو المبالغة، ومعناه: إجابةً بعد إجابة، أو إجابةً لازمةً. قال ابن الأنباريّ: ثنّوا "لبيك" كما ثنّوا "حَنَانيك"؛ أي: تحننًا بعد تحنّن. وقيل: معنى "لبيك": اتجاهي، وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك؛ أي: تواجهها. وقيل: معناها: مَحَبَّتِي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبّة: إذا كانت محبّةً ولدها، عاطفة عليه. وقيل: معناها: إخلاصي لك، مأخوذ من قولهم: حسبٌ لباب، إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لبّ الطعامِ، ولُبابه. وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبّ الرجلُ بالمكان، وألبّ: إذا أقام فيه، ولزمه. قال ابن الأنباريّ: وبهذا قال الخليل، والأحمر، وقال إبراهيم الحربيّ: معنى "لبيك": قربًا منك، وطاعة، والإلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا مُلبّ بين يديك؛ أي: خاضع. حكى هذه الأقوال القاضي عياض، وغيره. قال الزمخشريّ في "الفائق": وهو منصوب على المصدر، للتكثير،

стр. 12952

ولا يكون عامله إلا مضمرًا، كأنه قال: أُلِبُّ إلبابًا بعد إلباب. قال ابن عبد البرّ: ومعنى "التلبية": إجابة لله فيما فرض عليهم من حجّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء الله إياه في إيجاب الحجّ عليه، ومن أجل الاستجابة - واللَّه أعلم - لبّى؛ لأن من دُعي، فقال: لبيك، فقد استجاب. ثم قال: وقال جماعة، من أهل العلم: إن معنى التلبية إجابة إبراهيم؛ حين أذّن في الناس بالحجّ. وقال القاضي عياض: قيل: وهذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. انتهى. قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في "تفاسيرهم" عن ابن عبّاس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قويّة، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في "مسنده"، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عنه، قال: "لما فرغ إبراهيم؛ من بناء البيت، قيل له: أذّن في الناس بالحجّ، قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن، وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض، يُلبّون؟ ". ومن طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، وفيه: "فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فليس حاجّ يحجّ من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ". قال ابن المنيّر في "الحاشية": وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام اللَّه تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه . انتهى ما في "الفتح" بزيادة من "طرح التثريب" (١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 12953

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١١] (١١٨٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَزِيدُ فِيهَا: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ (١) إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّموا قريبًا مع بيان لطائفه، وهو (١٧٧) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ) تقدم الكلام في اشتقاقها، ومعناها قريبًا. (اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ)؛ أي: يا ألله أنا مقيم ببابك إقامة بعد إقامة، ومجيبٌ نداءك إجابةً بعد إجابة، فتثنية "لبيك" تفيد التكرار والتأكيد، كما قوله تعالى: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ الآية [الملك: ٤]؛ أي: كرات كثيرة، وتكرار "لبيك" لزيادة التأكيد، كما أن دخول جملة "اللَّهم" بين المؤكِّد والمؤكَّد لذلك أيضًا. (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) قيل: إنه استئناف، فيُسْتَحسن الوقف على "لبيك" الثانية، كما يُستحسن على الرابعة، قال القاري: التلبية الأولى المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهيّة، وهذه بطرفيها لنفي الشركة الندّيّة، والمثليّة في الذات والصفات. انتهى (٢). (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوي بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة، قال الجمهور: والكسر أجود، وحكاه الزمخشريّ عن أبي حنيفة، وابن قُدامة عن أحمد بن حنبل، وحكاه ابن عبد البرّ عن اختيار أهل العربيّة.

стр. 12954

وقال الخطابيّ: الفتح رواية العامّة، وحكاه الزمخشريّ عن الشافعيّ، وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد، والنعمة لك على كلّ حال، ومن فتح قال: معناه: لبيك لهذا السبب، وكذا رجّح الكسر ابن دقيق العيد، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معلّلة، وأن الحمد، والنعمة للَّه على كلّ حال، والفتح يدلّ على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعمّ، وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه، ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على استئناف الثناء، وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية؛ أي: لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجيّ إلى أنه لا مزيّة لأحد الوجهين على الآخر. وقال ابن عبد البرّ: المعنى عندي واحد؛ لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد: لبيك لأن الحمد على كلّ حال، والملك لك، والنعمة وحدك، دون غيرك، حقيقة، لا شريك لك. وتعقّب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقًا، غير معلّل، ولا مقيّد، فهو أبلغ في الاستجابة للَّه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا التعقّب فيه نظر؛ لأن التقييد والإطلاق هنا سواء في المعنى؛ لأن ما قُيّد بما لا حصر له، ولا نهاية، مثل الإطلاق، ولا فرق، فثبوت الحمد للَّه تعالى لا نهاية، ولا حصر له، فالتلبية المقيدة به، كالتلبية المطلقة في المعنى، فما قاله ابن عبد البرّ لا غبار عليه. والحاصل أنه لا فرق في الحقيقة هنا بين الكسر، والفتح، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) المشهور فيه النصب، قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا والتقدير: إن الحمد لك، والنعمةَ مستقرّة لك،

стр. 12955

قال ابن الأنباريّ: إن شئت جعلت خبر "إنّ" محذوفًا، والموجود خبر المبتدإ تقديره: إن الحمد لك، والنعمة مستقرّة لك. (وَالْمُلْكَ) بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك كذلك، قاله الحافظ. وقال الحافظ وليّ الدين: فيه وجهان أيضًا، أشهرهما النصب عطفًا على اسم "إنّ"، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الخبر المتقدم عليه، ويَحْتَمِل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على "الحمد"، ولذا يستحبّ الوقف عند قوله: "والملك". قال ابن المنيّر: قرن الحمد والنعمة، وأفرد "الملك"؛ لأن الحمد متعلَّق النعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه، فيجمع بينهما، كأنه قال: لا حمد إلا لك؛ لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقلّ بنفسه، ذُكر لتحقيق أن النعمة كلها لله؛ لأنه صاحب الملك، قال القاري: ولا مانع من أن يكون "الملك" مرفوعًا، وخبره قوله: (لَا شَرِيكَ لَكَ") أي: فيه. (قَالَ) نافع (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَزِيدُ فِيهَا) أي: على التلبية المذكورة، وقوله: (لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ إلخ) فاعل "يزيد" مرفوع محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: (وَسَعْدَيْكَ) لا يستعمل إلا بعد "لبيك"؛ لأنه توكيد له (١)، وقال القاضي عياض ﵀: إعرابها، وتثنيتها كما سبق في "لبّيك"، ومعناه: مساعدةً لطاعتك بعد مساعدة. انتهى. (وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ) أي: الخير كلّه بيد الله تعالى، ومن فضله (لَبَّيْكَ) أعاده للتأكيد (وَالرَّغْبَاءُ) وفي نسخة: "والرُّغْبَى" (إِلَيْكَ) قال وليّ الدين ﵀: فيه ثلاثة أوجه: فتح الراء، والمدّ، وهو أشهرها، وضمّ الراء مع القصر، وهو مشهور أيضًا، وفتح الراء، مع القصر، وهو غريب، حكاه أبو عليّ الجبائيّ، وغيره، ونظير الوجهين الأولين العَلْياء، والعُلْيا، والنَّعْماء، والنُّعْمَى، ومعنى اللفظة: الطلب، والمسألة؛ أي: إنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه، فبيده جميع الأمور، وهو المقصود بالعمل المستحقّ العبادة،

стр. 12956

قال شَمِر: رَغَبُ النفسِ: سَعَةُ الأمل، وطلب الكثير. انتهى (١). وقوله: (وَالْعَمَلُ)؛ أي: الطاعة، يعني أن العمل كله للَّه تعالى وحده؛ لأنه المستحقّ للعبادة وحده، وفيه حذف يَحْتَمِل أن يقدر كالذي قبله؛ أي: والعمل إليك؛ أي: إليك القصد به، والانتهاء به إليك؛ لتجازي عليه، ويَحْتَمِل أن يقدّر: والعمل لك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٨١١ و ٢٨١٢ و ٢٨١٣ و ٢٨١٤] (١١٨٤)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٤٩) و"اللباس" (٥٩١٥)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٨١٢)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٨٢٥)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٦٠) و"الكبرى" (٢/ ٣٥٢ و ٣٥٣)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩١٨)، و (مالك) في "الموطّإ" (٧٣٨)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٠٣)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٠٣ و ٢٠٤ و ٢٠٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣ و ٢٨ و ٣٤ و ٤١ و ٤٣ و ٤٧ و ٤٨ و ٧٧ و ٧٩ و ١٢٠)، و (الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٤/ ١٧٣ و ٢١٤)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٩٩)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٧٠ و ٢٧١ و ٣١٧)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١١٤ و ١٢١ و ١٢٤)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٢٨٨ و ٣٧٩) و "الصغير" (١/ ١١٠) و"الكبير" (١٧/ ٤٦)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ٢٤ و ٩٣ و ١٥٥)، و (عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٣٨ و ٣٤١)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٢٤ - ١٢٥)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٢٥)، و (البيهقيّ) في

стр. 12957

"الكبرى" (٥/ ٤٤) و"الصغرى" (٤/ ١٦) و"المعرفة" (٤/ ٣ و ٤ و ٥)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كيفية التلبية. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالة على أن مشروعيّة الحجّ لإظهار الفاقة، والتضرع إلى اللَّه تعالى، والابتهال، والثناء، والتوحيد، والتمجيد. ٣ - (ومنها): استحباب الإحرام بعد أداء ركعتين؛ لأنه ﷺ أحرم بعدهما، كما في الرواية التالية. ٤ - (ومنها): أن وقت الإهلال حينما يركب دابته، أو سيارته، أو نحو ذلك، كما يأتي أيضًا في الرواية التالية. ٥ - (ومنها): أن الإحرام يكون عند الميقات المحدّد، لا قبله، ولا بعده؛ إذ لم ينقل عنه ﷺ التقديم عليه، ولا التأخير عنه، فما قاله بعض أهل العلم من استحباب الإهلال من دُويرة أهله مخالف للسنة قولًا، وفعلًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في حكم الزيادة على التلبية المذكورة: قال الإمام أبو جعفر الطحاويّ ﵀ بعد إخراجه أحاديث التلبية من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وجابر، وعمرو بن معديكرب ﵃: أجمع المسلمون على هذه التلبية، غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر للَّه ما أحبّ، وهو قول محمد، والثوريّ، والأوزاعيّ، واحتجّوا بحديث أبي هريرة ﵁ يعني الذي أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم - قال: "كان من تلبية رسول اللَّه ﷺ : لبيك إله الحقّ لبيك". وبزيادة ابن عمر المذكورة هنا. وخالفهم آخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علّمه رسول اللَّه ﷺ الناس، كما في حديث عمرو بن معديكرب، ثم فعله هو، ولم يقل: لبّوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علّمهم كما علّمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئًا مما علّمه. ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن

стр. 12958

أبي وقّاص، عن أبيه، أنه سمع رجلًا يقول: "لبيك ذا المعارج"، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول اللَّه ﷺ ، قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ. انتهى. قال الحافظ: ويدلّ على الجواز ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود ﵁ قال: "كان من تلبية النبيّ ﷺ . . ."، فذكره. ففيه دلالة على أنه قد كان يلبّي بغير ذلك، وما رواه مسلم عن ابن عمر ﵄، قال: "كان عُمر يُهلّ بهذا - يعني تلبية النبيّ ﷺ المذكورة في الباب - ويزيد: لبيك اللَّهم لبيك، وسعديك، والخير كله في يديك، والرغباء إليك، والعمل". وروى سعيد بن منصور، من طريق الأسود بن يزيد، أنه كان يقول: "لبيك غفار الذنوب". وفي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبيّ ﷺ : "حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتوحيد، لبيك اللَّهم لبيك. . . إلخ"، قال: "وأهلّ الناس بهذا الذي يُهلّون به، فلم يردّ عليهم شيئًا منه، ولزم تلبيته". وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه مسلم، قال: "والناس يزيدون: "ذا المعارج"، ونحوه من الكلام، والنبيّ ﷺ يسمع، فلا يقول لهم شيئًا"، وفي رواية البيهقيّ: "ذا المعارج، وذا الفواضل". وهذا يدلّ على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو ﷺ عليها، وأنه لا بأس بالزيادة؛ لكونه لم يردّها عليهم، وأقرّهم عليها. وهو قول الجمهور، وبه صرّح أشهب، وحكى ابن عبد البرّ عن مالك الكراهة، قال: وهو أحد قولي الشافعيّ، وقال الشيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعيّ - يعني في القديم - أنه كره الزيادة على المرفوع، وغَلِطوا، بل لا يكره، ولا يستحبّ، وحَكَى الترمذيّ عن الشافعيّ، قال: فإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم اللَّه فلا بأس، وأحبُّ إليّ أن يقتصر على تلبية رسول اللَّه ﷺ ، وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه، ثم زاد من قبله زيادة، ونصب البيهقيّ الخلاف بين أبي حنيفة، والشافعيّ، فقال: الاقتصار على المرفوع أحبّ، ولا ضيق على أحد أن يزيد عليها، قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد

стр. 12959

فحسن، وحَكَى في "المعرفة" عن الشافعيّ قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر، وغيره، من تعظيم الله، ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النبيّ ﷺ في ذلك. انتهى. وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعًا، وإذا أختار قول ما جاء موقوفًا، أو أنشأه هو من قبل نفسه، مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: "ثم ليتخير من المسألة، والثناء ما شاء"؛ أي: بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدّم ذلك في موضعه. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ تبعًا للإمام الشافعيّ - رحمهما الله تعالى - تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن الأولى الالتزام بتلبية رسول الله ﷺ ، فإن زاد مما سبق من زيادة ابن عمر ﵄، أو غيره، أو ثناء على الله تعالى بما يليق بجلاله من عند نفسه بعد أن يفرغ من تلبيته ﷺ ، فلا بأس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حقيقة الإحرام في الحجّ والعمرة، وحكمه: (اعلم): أن الإحرام لغة هو الدخول في التحريم، يقال: أحرم الشخص: نوى الدخول في شيء حرُم عليه به ما كان حلالًا له، وهذا كما يقال: أَنْجَد: إذا أتى نجدًا، وأَتْهَم: إذا أتى تهامة، قاله الفيّوميّ. وشرعًا: نية الدخول في النسك مع التلبية، أو سَوْق الهدي، لا نية أن يحجّ، أو يعتمر، فإن ذلك لا يسمى إحرامًا، وكذا التجرّد، وترك سائر المحظورات لكونه محرمًا بدونها، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: لا يكون الرجل محرمًا بمجرّد ما في قلبه من قصد الحجِّ ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بدّ من قول، أو عمل يصير به محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين. انتهى. وقال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: الإحرام: الدخول في أحد النسكين، والتشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام

стр. 12960

يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدًّا، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنه النيّة اعترض عليه بأن النية شرط في الحجّ الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن، والإحرام ركن، هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء. انتهى (١). وقال العلامة الشوكاني ﵀ عند قول صاحب "حدائق الأزهار": وإنما ينعقد - أي الإحرام - بالنية مقارنة لتلبية، أو تقليد، ما نصّه: أقول: الإحرام هو مصير الشخص من الحالة التي كان يحلّ له فيها ما يحرم عليه بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه فيها ما كان يحلّ له فيها، ولو لم يكن إلا مجرّد الكفّ عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولًا لكلّ عاقل، كالصوم فإنه ليس إلا الكفّ عن تناول المفطرات، فمن قال: إنه لا يعقل معنى الإحرام، وإنه ليس هناك إلا مجرّد النية، وإن النية لا تُنوى، وإلا لزم التسلسل، فقد أخطأ خطأ بيّنًا، ومعلوم أن الشريعة المطهرة بعضها أوامر، وبعضها نواهٍ، والتعبّد في النواهي ليس إلا بالكفّ، فيلزمه أن يطرد هذا التشكيك الركيك في شطر الشريعة. وأما إيجاب النيّة فقد عرّفناك غير مرّة أن كلّ عمل يحتاج إلى النيّة، والعمل يشمل الفعل، والترك، والقول، والفعل، وعرّفناك أن ظاهر الأدلة يقتضي أن النية شرط في جميع ما تقدّم من العبادات؛ لدلالة أدلّتها على أن عدمها يؤثّر في العدم، وهذا هو معنى الشرط عند أهل الأصول. وأما كون النية تقارن التلبية، فقد ثبت عن رسول اللَّه ﷺ في دواوين الإسلام من غير وجه أنه أهلّ ملبيًا، وقد قدَّمنا لك أن أفعاله، وأقواله في الحجّ محمولة على الوجوب؛ لأنها بيان لمجمل القرآن، وامتثال لأمره ﷺ لأمته أن يأخذوا عنه مناسكهم، فمن ادَّعى في شيء منها أنه غير واجب، فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل. وأما كونها تقارن التقليد، فلما ثبت عنه ﷺ في عام الحديبية "أنه لما

стр. 12961

كان بذي الحليفة قلّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة". انتهى (١). وقال العلامة ابن رشد ﵀: اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنيّة، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير تلبية؟ فقال مالك، والشافعيُّ: تجزئ النية من غير تلبية، وقال أبو حنيفة: التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كلّ لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عنده. انتهى. وقال العلامة ابن قدامة ﵀: يستحبّ للإنسان النطق بما أحرم به؛ ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرّد النية كفاه في قول إمامنا، ومالك، والشافعيّ، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى ينضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي؛ لحديث خلّاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ ، قال: "أتاني جبريل، فقال: يا محمد مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية"، رواه الترمذيّ، والنسائيّ وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. انتهى (٢). وقال صاحب "المرعاة": قد تواترت الروايات المصرّحة بأنه ﷺ أحرم من ذي الحليفة، وسمى، وعيّن ما أحرم به، من إفراد، أو قران، أو تمتّع، واتفقت على تعيين النسك في التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، وإن اختلفت في نوعه، وصرّحت أيضًا بأنه ﷺ لبّى عند ذلك، كما ورد في الروايات، وقال: "خذوا عني مناسككم"، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الإحرام، والتلبية، والتسمية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل، أما كون الإحرام شرطًا، أو ركنًا، وكون التلبية مسنونة، أو مستحبّة، أو واجبة يصحّ الحج بدونها، وتجبر بدم، وكذا كون الذكر الدالّ على تعظيم الله سوى التلبية مجزئًا، والتلفّظ بالنيّة، بأن يقول: نويت العمرة، أو نويت الحجّ، أو نويت العمرة، والحجّ، أو اللَّهم إني أريد العمرة، أو الحجّ، أو اللَّهم إني أهلّ، أو أحرم بكذا، فكلّ ذلك لم يرد فيه دليلٌ خاصّ، والخير كله في اتباعه ﷺ ،

стр. 12962

فعلى كل من وصل إلى ميقاته، ممن يريد الحج، أو العمرة أن يُحرم، وينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده، ويعزم عليه بقلبه؛ لقول النبيّ ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى"، ويُشرع التلفظ بما نوى كما نقل، فإن كانت نية العمرة، قال: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة، وإن كانت نية الحج قال: لبيك حجًا، أو اللَّهم لبيك حجًا؛ لأن النبيّ ﷺ فعل ذلك، ولا يشرع التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصّة؛ لوروده عن النبيّ ﷺ ، وأما الصلاة، والطواف، والصيام، وغير ذلك من العبادات، فلا ينبغي له أن يتلفّظ بشيء منها بالنية؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعًا لبيّنه الرسول ﷺ ، وأوضحه للأمة بفعله، أو قوله، ولَسَبَق إليه السلف الصالح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله صاحب "المرعاة" ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التلبية: قال في "الفتح": وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة: (الأول): أنها سنة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعيّ، وأحمد. (ثانيها): واجبة، ويجب بتركها دم، حكاه الماورديّ، عن ابن أبي هريرة، من الشافعيّة، وقال: إنه وجد للشافعيّ نصًّا يدلّ عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكيّة، والخطابيّ عن مالك، وأبي حنيفة، وأغرب النوويّ، فحكى عن مالك أنها سنة، ويجب بتركها دم، ولا يُعرف ذلك عندهم، إلا أن ابن الجلّاب قال: التلبية في الحجّ مسنونة، غير مفروضة. وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحجّ، وإلا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب، وحكى ابن العربيّ أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب. (ثالثها): واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلّق بالحجّ، كالتوجّه على الطريق، وبهذا صدّر ابن شاس، من المالكية كلامه في "الجواهر" له، وحكى

стр. 12963

صاحب "الهداية" من الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معيّن. وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبّر، أو هلّل، أو سبّح، ينوي بذلك الإحرام فهو محرم. (رابعها): أنها ركن في الإحرام، لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البرّ عن الثوريّ، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكيّة، والزبيريّ من الشافعيّة، وأهل الظاهر، قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة، ويقوّيه ما تقدّم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإحرام، وهو قول عطاء، أخرجه سعيد بن منصور، بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحجّ. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة، وحكى النوويّ عن داود أنه لا بدّ من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا. انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال بوجوب التلبية في الحجّ، أو العمرة مع رفع الصوت؛ لما أخرجه النسائيّ عن خلّاد بن السائب، عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية"، وهو حديث صحيح، والأمر للوجوب. ثم إن هذا الوجوب يحصل بمرة واحدة عند الإحرام، فما زاد على ذلك يكون سنة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ؛ يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَنَافِعٍ مَوْلَى

стр. 12964

عَبْدِ اللهِ (١)، وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ (٢)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ، فَقَالَ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، قَالُوا: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ عَبْدُ اللهِ ﵁ يَزِيدُ مَعَ هَذَا: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣. ٤ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، شقيق سالم، ثقة [٣] (ع) تقدم في "الصلاة" ٢٢/ ٩٤٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً) وفي رواية النسائيّ: "إذا استوت به الناقة قائمةً"؛ أي: اعتدلت قائمة من بروكها. وقوله: (أَهَلَّ) أي: رفع صوته بالتلبية. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12965

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَلَقَّفْتُ التَّلْبِيَةَ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ (١)، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد الشهير [٩] (ت ١٩٨)، تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص العمريّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (تَلَقَّفْتُ التَّلْبيَةَ) بقاف، ثم فاء؛ أي: أخذتها بسرعة، قال القاضي عياض ﵀: ورُوي "تلقَّنتُ" بالنون، قال: والأول رواية الجمهور، قال: ورُوي "تلقّيتُ" بالياء، ومعانيها متقاربة. انتهى (٢). وقوله: (من في رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي نسخة: "من رسول الله ﷺ ". وقوله: (فَذَكَرَ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير "عُبيد الله". وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) هكذا النسخ بضمير الجمع، والظاهر أنه بضمير التثنية، ويرجع إلى مالك وموسى بن عقبة؛ أي: ذكر عبيد الله عن نافع مثل ما ذكر مالك، وموسى بن عُقبة عنه، فتأمل. ويَحْتَمِل أن يكون جاريًا على مذهب من يقول: إن أقل الجمع اثنان، وهو الذي رجّحته في "التحفة المرضيّة" في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال:

стр. 12966

(٢٩٠٩) - حدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا أبو معاوية، وأبو أسامة، وعبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: تَلَقَّفْت التلبية من رسول الله ﷺ ، وهو يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال: وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير في يديك لبيك، والرغباء إليك والعمل. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: فَإِنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَنِي، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً، عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُهِلُّ بِإهْلَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ"). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدّم بهذا السياق في الباب الماضي. وقوله: (يُهِلُّ) بضمّ الياء من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية. قال النوويّ ﵀: قال العلماء: الإهلال رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام، وأصل الإهلال في اللغة رفع الصوت ومنه استَهَلّ المولود؛ أي: صاح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ أي: رُفع

стр. 12967

الصوت عند ذبحه بغير ذكر الله تعالى، وسُمِّي الهلال هلالًا؛ لرفعهم الصوت عند رؤيته. انتهى (١). ووقوله: (مُلَبِّدًا) "التلبيد" أن يَجْعَل في رأسه صمغًا، أو غيره ليتلبّد شعره؛ أي: يلتصق بعضه ببعض، فلا يتخلَّله غبار، ولا يصيبه الشعث، ولا القمل، وإنما يفعله من يطول مكثه في الإحرام. وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: التلبيد ضَفْرُ الرأس بالصَّمْغ، أو الْخِطْميّ وشبههما، مما يضم الشعر، ويُلزِق بعضه ببعض، ويمنعه التَّمَعُّط، والقَمْل، فيستحب؛ لكونه أرفق به. قال: وفيه استحباب تلبيد الرأس قبل الإحرام، وقد نَصّ عليه الشافعيّ وأصحابنا، وهو موافق للحديث الآخر في الذي خَرّ عن بعيره: "فإنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبَّدًا". انتهى (٢). فجملة قوله: "يُهلّ" حال من المفعول، و"ملبّدًا" حال من فاعل "يهلّ". ولأبي داود، والحاكم من طريق نافع، عن ابن عمر: "أنه ﷺ لبّد رأسه بالعسل"، قال ابن عبد السلام: يَحْتَمِل أنه بفتح المهملتين، ويَحْتَمِل أنه بكسر المعجمة، وسكون المهملة، وهو ما يُغسل به الرأس، من خطميّ، أو غيره. قال الحافظ: ضبطناه في روايتنا في "سنن أبي داود" بالمهملتين. انتهى (٣). (كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ)؛ أي: يصلي ركعتين، والظاهر أنهما صلاة الظهر، قال العلامة ابن القيّم ﵀: لم يُنقل عنه ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقال: المحفوظ أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر، وقال أيضًا: قد قال ابن عمر ﵄: ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره، وقد قال أنس ﵁: إنه صلى الظهر، ثم ركب، والحديثان في "الصحيح"، فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبيّن أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر. انتهى مخلصًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في "مناسكه": يستحبّ أن يُحرم عقب

стр. 12968

صلاة، إما فرض، وإما تطوّع، إن كان وقت تطوّع، في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلّي فرضًا أحرم عقبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصّه، وهذا أرجح. انتهى. وقال النوويّ ﵀: فيه استحباب صلاة الركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل الإحرام، ويكونان نافلة، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة، إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصريّ أنه استحب كونهما بعد صلاة فرض، قال: لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور، وهو ظاهر الحديث، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: وهذه الصلاة سنة لو تركها فاتته الفضيلة، ولا إثم عليه، ولا دم، قال أصحابنا: فإن كان إحرامه في وقت من الأوقات المنهيّ فيها عن الصلاة لم يصلّهما، هذا هو المشهور، وفيه وجه لبعض أصحابنا أنه يصليهما فيه؛ لأن سببهما إرادة الإحرام، وقد وُجد ذلك. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح أن يفعل كما فعل رسول الله ﷺ ، وهو ما ذكره ابن عمر ﵄ في حديثه هذا، حيث قال: "كان النبي ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين"، لكن إن كان ذلك الوقت وقت صلاة الفرض يكفيه ذلك عن الركعتين؛ لأنه حصلت السنّة، كما أوضحه أنس ﵁ في حديثه المذكور. والحاصل أنه يُستحبّ لمن يريد الإحرام أن يصلي ركعتين فرضًا كانتا، أم نفلًا، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ)؛ أي: بكلمات التلبية التي مرّ بيانها في حديث ابن عمر ﵄ في الباب. والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 12969

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٥] (١١٨٥) - (وَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، يَعْنِي ابْنَ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ، عَن ابْنِ عَبَاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ"، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا، وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت ٢٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ) الْجُرَشيّ، أبو محمد مولى بني أمية، ثقةٌ له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٥. ٤ - (أَبُو زُمَيْلٍ) - بضمّ الزاي مصغّرًا - سماك بن الوليد الْحَنفيّ اليماميّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤١. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) البحر الحبر ﵄، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.

стр. 12970

شرح الحديث: (عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنه (قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ويلَكُمْ قَدْ قَدْ") - بسكون الدال، وكسرها، مع التنوين فيهما -؛ أي: كفاكم هذا الكلام، فاقتصروا عليه، ولا تقولوا: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، قاله القاري ﵀ (١). وقال الطيبيّ ﵀: كان المشركون يقولون هذ الكلام، فإذا انتهى كلامهم إلى "لا شريك لك" قال النبيّ ﷺ : "قد قد"؛ أي: اقتصروا عليه، ولا تجاوزوا عنه إلى ما بعده. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: قوله: "قَدْ قَد" رُوي بإسكان الدال، وكسرها مع التنوين، ومعناه: كفاكم هذا الكلام، فاقتَصِرُوا عليه، ولا تزيدوا، وهنا انتهى كلام النبيّ ﷺ ، ثم عاد الراوي إلى حكاية كلام المشركين، فقال: "إلا شريكًا هو لك" إلى آخره، معناه: أنهم كانوا يقولون هذه الجملة، وكان النبيّ ﷺ يقول: اقتصروا على قولكم: "لبيك لا شريك لك". انتهى (٣). (فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا) قال الطيبيّ ﵀: الظاهر فيه الرفع على البدلية من المحلّ، كما في كلمة التوحيد، فاختير في الكلمة السفلى اللغة السافلة، كما اختير في الكلمة العليا العالية. انتهى (٤). وقوله: (هُوَ لَكَ) جملة في محلّ نصب صفة لـ "شريكًا"، وكذا جملة قوله: (تَمْلِكُهُ) وقوله: (وَمَا مَلَكَ) "ما" موصولة، قاله القاري. قال الجامع عفا الله عنه: أراد القاري بذلك أنه معطوف على الضمير المنصوب في "تملكه"؛ أي: تملك ذلك الشريك، وتملك أيضًا الذي ملكه، هكذا تقرير كلامه. وعندي أن الأولى كون "ما" نافيةً، والجملة معطوفة على "تملكه"، والمعنى إنك تملك ذلك الشريك، ولا يملك هو شيئًا، فهم يعترفون بأنه لا

стр. 12971

يستحقّ شيئًا من العبادة؛ لأنه لا يملك شيئًا لنفسه، ولا لغيره، وإنما المالك هوالله ، ومع ذلك يشركونه في العبادة معه ، جهلًا وغباوة، وحماقةً، بل وعنادًا وعتوًّا واستكبارًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا التقرير الذي ذكرته هو الموافق لمعنى قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف: ١٩١، ١٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٣]. (يَقُولُونَ) أي: المشركون، وهو مقول ابن عبّاس ﵄ (هَذَا) أي: القول المذكور، وهو قولهم: "إلا شريكًا" مع ما قبله وما بعده (وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ) جملة حاليّة من الفاعل. [تنبيه]: أخرج هذا الحديث البيهقيّ مطوّلًا، في "السنن الكبرى" (٥/ ٤٥) فقال: (٨٨١٩) - أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفّار، ثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي، ثنا أبو حذيفة، ثنا عكرمة، عن أبي زُمَيل، عن ابن عباس، قال: إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت، فيقولون: لبيك لبيك لا شريك لك، فيقول النبيّ ﷺ : "قد قد"، فيقولون: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، قال: فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]، فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبيّ الله ﷺ ، والاستغفار، قال: فذهب نبيّ الله ﷺ ، وبقي الاستغفار، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] قال: فهذا عذاب الآخرة، وذلك عذاب الدنيا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 12972

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٨١٥] (١١٨٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٤٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٣٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٧٢)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٨/ ٤٥) و"الكبير" (١٢/ ٢٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة التلبية في الحجّ والعمرة. ٢ - (ومنها): بيان أن الحج كان من العبادة القديمة الموروثة للعرب من دين إبراهيم ﵇. ٣ - (ومنها): بيان جهل المشركين وعنادهم حيث يعلمون أن الله هو المالك لكل شيء، ولا تملك الأصنام شيئًا، ومع ذلك يشركونها في عبادته، فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك. . . إلخ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ٤ - (ومنها): وجوب إنكار المنكر لمن علم كونه منكرًا بقدر المستطاع، فقد أنكر ﷺ على المشركين هنا بالقول؛ إذ هو الذي يستطيعه في ذلك الوقت، وإلا فالإزالة باليد مقدّمة على اللسان، فقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، مرفوعًا: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12973

(٤) - (بَابُ أَمْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالإِحْرَامِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٦] (١١٨٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ﵁ يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵄ (يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ) بالمدّ (هَذِهِ) التي فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صَعِد الوادي، قاله أبو عبيد البكريّ وغيره، وأضافها إليهم؛ لكونهم كَذَبوا بسببها كَذِبًا يَحْصُل لها به الشرف، قاله الزرقانيّ ﵀ (١). وقال النوويّ ﵀: قال العلماء: هذه البيداء هي الشَّرَف الذي قُدّام ذي الحليفة إلى جهة مكة، وهي بقرب ذي الحليفة، وسُمِّيت بيداء؛ لأنه ليس فيها بناء، ولا أَثَرٌ، وكل مَفَازة تُسَمَّى بيداء، وأما هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه. انتهى (٢). وقال البكريّ: البيداء هذه فوق عَلَمي ذي الحليفة لمن صَعِد من الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء. انتهى (٣). (الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا) وفي الرواية التالية: "كان ابن عمر ﵄ إذا قيل له: الإحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها على

стр. 12974

رسول الله ﷺ "، فقوله: "فيها"؛ أي: في شأنها، ونسبة الإحرام إليها بأنه كان من عنده، وقال الزرقانيّ ﵀؛ أي: بسببها، فـ "في" للتعليل، نحو: قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، وحديث: "دخلت النار امرأة في هرة"، فتقولون: إنه أحرم منها، ولم يُحرم منها. انتهى (١). وقال النوويّ ﵀: قوله: "تكذبون فيها"؛ أي: تقولون: إنه ﷺ أحرم منها، ولم يُحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد، وسماهم ابن عمر كاذبين؛ لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو، وقد سبق في أول هذا الشرح في مقدمة "صحيح مسلم" أن الكذب عند أهل السنة هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء تعمده، أم غَلِطَ فيه، أو سها، وقالت المعتزلة: يُشترط فيه العمدية، وعندنا أن العمدية شرط لكونه إثمًا، لا لكونه يُسَمَّى كذبًا، فقول ابن عمر ﵄ جارٍ على قاعدتنا، وفيه أنه لا بأس بإطلاق هذه اللفظة، انتهى (٢). وقال في "العمدة": [فإن قلت]: كيف يجوز لابن عمر أن يُطلِق الكذب على الصحابة؟ [قلت]: الكذب يجيء بمعنى الخطإ؛ لأنه يشبهه في كونه ضدّ الصواب، كما أن ضدّ الكذب الصدق، وافترقا من حيث النية والقصد؛ لأن الكاذب يَعْلَم أن الذي يقوله كذبٌ، والمخطئ لا يَعْلَم، ولا يُظَنّ به أنه كان يَنْسُب الصحابة إلى الكذب. انتهى (٣). (مَا أهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: ما رفع صوته بالتلبية (إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي ذَا الْحُلَيْفَةِ) أي: حين ركب راحلته، لا حين فرغ من الركعتين، وفي الرواية التالية: "ما أهلّ رسول الله- ﷺ إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره". قال الحافظ ﵀: وكان ابن عمر ﵄ ينكر رواية ابن عباس ﵄ عند

стр. 12975

البخاريّ بلفظ: "رَكِبَ راحلته حتى استوى على البيداء أَهَلّ"، وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عَجِبتُ لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة، فمن هنا اختلفوا، خرج ﷺ حاجًّا، فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين، أوجب في مجلسه، فأَهَلّ بالحج حين فَرَغ منهما، فسمع ذلك منه قوم، فحَفِظُوه، ثم ركب، فلما استقلّت به راحلته أهلّ، وأدرك ذلك قومٌ لم يشهدوا في المرة الأولى، فسمعوه حين ذاك، فقالوا: إنما أهلّ حين استقلت به راحلته، ثم مضى، فلما علا شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه، فنَقَلَ كل واحد ما سمع، وإنما كان إهلاله في مصلاه، وأيمُ الله، ثم أهلّ ثانيًا وثالثًا. وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء، عن ابن عبّاس نحوه دون القصّة، فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتَّفَقَ فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. انتهى (١). قال الزرقانيّ ﵀ بعد ذكر ما تقدّم ما نصّه: وحديث ابن عباس ﵄، وإن زال به الإشكال، لكن فيه خُصَيف بن عبد الرحمن ضعيف عند الجمهور، ومحمد بن إسحاق الراوي عنه مدلِّس، وفيه مقال، وإن صرح بالتحديث، ولذا قال النوويّ، والمنذريّ: حديث ضعيف. وعلى تسليم توثيق خُصيف وتلميذه، فقد عارضه حديث ابن عمر وأنس في "الصحيحين" وغيرهما أنه ﷺ إنما أهلّ حين استوت به ناقته قائمةً. انتهى (٢)، وهو تعقّبٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.

стр. 12976

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٨١٦ و ٢٨١٧] (١١٨٦)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٤١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٧١)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٨١٩)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٦٢) و"الكبرى" (٢/ ٢٥٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (١/ ٣٣٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٥٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٠ و ٢٨ و ٦٦ و ٨٥ و ١١١ و ١٥٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦١١)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٦٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٢٧٢)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٢٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٨)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٦٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة؛ اقتداءً بالنبيّ ﷺ . ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى البيداء، وبهذا قال جميع العلماء، قاله النوويّ ﵀. ٣ - (ومنها): بيان أن الإحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله؛ لأنه ﷺ ترك الإحرام من مسجده، مع كمال شرفه. [فإن قيل]: إنما أحرم من الميقات؛ لبيان الجواز. [قلنا]: هذا غلط لوجهين: [أحدهما]: أن البيان قد حَصَل بالأحاديث الصحيحة في بيان المواقيت. [والثاني]: أن فعل رسول الله ﷺ إنما يُحْمَل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيرًا، فيفعله مرّةً أو مرات على الوجه الجائز؛ لبيان الجواز، ويواظب غالبًا على فعله على أكمل وجوهه، وذلك كالوضوء مرةً ومرتين وثلاثًا كله ثابت، والكثير أنه ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وأما الإحرام بالحج فلم يتكرر، وإنما جَرَى منه ﷺ مرةً واحدةً، فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه، قاله

стр. 12977

النوويّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قِيلَ لَهُ: الْإِحْرَامُ مِنْ الْبَيْدَاءِ، قَالَ: الْبَيْدَاءُ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ، حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. وقوله: (حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ) - بفتح الموحّدة، وكسر العين المهملة -: مثلُ الإنسان يقع على الذكر والأنثى، يقال: حَلَبت بَعِيري، والْجَمَلُ بمنزلة الرجل يختص بالذكر، والناقة بمنزلة المرأة تختص بالأنثى، قاله الفيّوميّ ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله عنه: تبيّن بما ذُكر من أن البعير يُطلق على الذكر والأنثى أنه لا تخالف بين هذه الرواية، والرواية السابقة بلفظ: "ثم إذا استوت به ناقته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أَهَلَّ"، فالمراد بالبعير هنا هي الناقة، وبمعنى ذلك الرواية التي قبلها: "كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أَهَلّ"، فالراحلة هي الناقة، وقد ذكر أهل اللغة أن الراحلة تُطلق أيضًا على الذكر والأنثى (٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 12978

(٥) - (بَابُ الإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٨] (١١٨٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا، لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأمَّا الإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) أبو سَعْد المدنيّ، واسم أبيه كيسان، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠. ٢ - (عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ) التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، والحارث بن مالك بن الْبَرْصاء. وروى عنه زيد بن أبي عَتّاب، وسليمان بن موسى، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن عبد الله بن قُسَيط. قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: مكيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 12979

أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ في "الشمائل"، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث فقط. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، وقد دخلها. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٤ - (ومنها): أن ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) قال في "الفتح" هو مدنيّ مولى بني تيم، وليس بينه وبين ابن جريج الفقيه المكيّ مولى بني أمية نَسَبٌ، فإن الفقيه هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد يُظَنّ أن هذا عمه، وليس كذلك، وهذا الإسناد كله مدنيون، وفيه رواية الأقران؛ لأن عبيدًا وسعيدًا تابعيان من طبقة واحدة. انتهى (١). (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر ﵄ (رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا) أي: أربع خصال (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا) يعني أصحاب رسول الله ﷺ ، والمراد بعضهم، والظاهر من السياق انفراد ابن عمر بما ذُكِر دون غيره، ممن رآهم عبيد بن جُريج، وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يكون مراده: لا يصنعهن غيرك مجتمعةً، وإن كان يصنع بعضها. (قَالَ) ابن عمر ﵄ (مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء هذه الخصال؟ (قَالَ) عبيد (رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ) من مَسَسِت أَمَسُّ بكسر الماضي، وفتح المستقبل مَسًا ومسيسًا، وهو الذي اختاره ثعلب في مَسِست أمسّ بكسر الماضي في "الفصيح"، وفي "الصحاح"، و"أفعال ابن القطاع" عن

стр. 12980

أبي عبيدة، والمطَرِّزيّ في "شرحه" عن ابن الأعرابيّ، وابن فارس في "مُجْمَله"، وابن السِّكِّيت في "كتاب الإصلاح" مَسِسْتُ بالكسر، ومَسَست بالفتح، وبالكسر أفصح، وحكاه أيضًا ابن سِيدَهْ، وزعم ابن درستويه في كتاب "تصحيح الفصيح" أن مَسَسْتُ بالفتح خطأ، مما تلحن فيه العامة، ذكره في "العمدة" (١). (مِنَ الْأَرْكَانِ) أي: أركان الكعبة الأربعة، وظاهره أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها، وقد صَحّ ذلك عن معاوية وابن الزبير ﵃. (إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ) تثنية يَمَانٍ، بتخفيف الياء، هذا هو الأفصح الذي اختاره ثعلب، ولم يذكر ابن فارس غيره، وذكر الْمُطَرِّزيّ في كتابه "غرائب أسماء الشعر" عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء، عن الكسائيّ، قال: العرب تقول في النسبة إلى اليمن: رجل يَمَانٍ، وَيمَنِيّ، وَيَمَانِيّ، وفي "الجامع": النسبة إلى اليمن يَمَانٍ على غير قياس، والقياس يَمَنِيّ. وفي "الْمُحْكَم": يَمَانٍ على نادر المعدول، وألفه عوض عن الياء؛ لأنه يدلّ على ما تدل عليه الياء، وبنحوه ذكره في "المغرب"، وفي "الصحاح": قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيّ بالتشديد، قال أمية بن خلف [من الوافر]: يَمَانِيًّا بَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا … وَيَنْفُخُ دَائِمًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (٢) وسُميت باليمن؛ لأنها تلي يمين الكعبة، كما قيل للشام شام؛ لأنها عن شمال الكعبة (٣). والمراد بهما الركن الأسود، والذي يسامته من مقابلة الصفا، وقيل للأسود: يمان تغليبًا (٤). وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله: "إلا اليمانيين" هما بتخفيف الياء، هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى سيبويه وغيره من الأئمة تشديدها في لغة قليلة، والصحيح التخفيف، قالوا: لأن نسبه إلى اليمن، فحقّه أن يقال:

стр. 12981

اليمنيّ، وهو جائز، فلما قالوا: اليماني أبدلوا من إحدى ياءي النسب ألفًا، فلو قالوا: اليمانيّ بالتشديد لزم منه الجمع بين البدل والمبدل، والذين شدّدوها قالوا: هذه الألف زائدة، وقد تزاد في النسب، كما قالوا في النسب إلى صَنْعاء صنعانيّ، فزادوا النون الثانية، وإلى الرّيّ رازيّ، فزادوا الزاي، وإلى الرَّقَبَة رَقَبانيّ (١)، فزادوا النون. والمراد بالركنين اليمانيين: الركن اليمانيّ، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له العراقيّ؛ لكونه إلى جهة العراق، وقيل للذي قبله: اليمانيّ؛ لأنه إلى جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان، تغليبًا لأحد الاسمين، كما قالوا: الأبوان للأب والأم، والقمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر ﵄، ونظائره مشهورة، فتارةً يُغَلِّبون بالفضيلة، كالأبوين، وتارة بالخفة كالعمرين، وتارة بغير ذلك. قال العلماء: ويقال للركنين الآخرين اللذين يليان الْحِجْر - بكسر الحاء -: الشاميان؛ لكونهما بجهة الشام، قالوا: فاليمانيان باقيان على قواعد إبراهيم ﷺ ، بخلاف الشاميين، فلهذا لم يُسْتَلَما، واستُلِم اليمانيان؛ لبقائهما على قواعد إبراهيم ﷺ ، ثم إن العراقيّ من اليمانيين اختَصَّ بفضيلة أخرى، وهي الْحَجَر الأسود، فاختص لذلك مع الاستلام بتقبيله، ووضع الجبهة عليه، بخلاف اليمانيّ، والله أعلم. قال القاضي عياض: وقد اتَّفَقَ أئمة الأمصار والفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يُسْتَلمان، وإنما كان الخلاف في ذلك العصر الأول، من بعض الصحابة، وبعض التابعين، ثم ذهب. انتهى (٢). وقال في "العمدة": واليمانيّان: الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له: الركن العراقيّ؛ لكونه إلى جهة العراق، والذي قبله يمانيّ؛

стр. 12982

لأنه من جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان تغليبًا لأحد الاسمين، وهما باقيان على قواعد إبراهيم ﷺ . [فإن قلت]: لِمَ لا قالوا: الأسودين، ويأتي فيه التغليب أيضًا؟ [قلت]: لو قيل كذلك ربما كان يشتبه على بعض العوام أن في كل من هذين الركنين الحجر الأسود، وكان يفهم التثنية، ولا يفهم التغليب؛ لقصور فهمه بخلاف اليمانيين. انتهى (١). (وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، لُبْسًا بضم، فسكون (النِّعَالَ) بكسر النون: جمع نعل، وهي الْحِذاءُ، وهي مؤنّثةٌ، وتُجمَع أيضًا على أَنْعُل، مثلُ سَهْم وسِهَام، وأسهُمٍ (٢). وقال في "الفتح": النعال: جمع نَعْل، وهي مؤنّثة، قال ابن الأثير: هي التي تُسمّى الآن تاسومةً، وقال ابن العربيّ: النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يُطلق النعل على كلّ ما يقي القدم، قال صاحب "المحكم": النعل، والنعلة: ما وقيت به القدم. انتهى (٣). (السِّبْتِيَّةَ) - بكسر المهملة-: هي التي لا شعر فيها، مشتقة من السَّبْت، وهو الحلق، قاله في "التهذيب"، وقيل: السبت جلد البقر المدبوغ بالقَرَظ، وقيل: بالسُّبْت بضم أوله، وهو نبت يُدْبَغ به، قاله صاحب "المنتهى"، وقال الهرويّ: قيل لها: سبتية؛ لأنها انسبتت بالدباغ؛ أي: لانت به، يقال: رطبةٌ منسبتةٌ؛ أي: لَيِّنَةٌ، قاله في "الفتح" (٤). وقال النوويّ ﵀: وأما "السبتية" - فبكسر السين، وإسكان الباء الموحدة - وقد أشار ابن عمر ﵄ إلى تفسيرها بقوله: "التي ليس فيها شعر"، وهكذا قال جماهير أهل اللغة، وأهل الغريب، وأهل الحديث: إنها التي لا شعر فيها، قالوا: وهي مشتقة من السَّبْت - بفتح السين - وهو الْحَلْق، والإزالة، ومنه قولهم: سَبَتَ رأسَهُ؛ أي: حلقه، قال الهرويّ، وقيل: سُمِّيت

стр. 12983

بذلك؛ لأنها انسبتت بالدباغ؛ أي: لانت، يقال: رَطْبَةٌ مُنْسَبِتةٌ؛ أي: لَيِّنَةٌ، قال أبو عمرو الشيبانيّ: السبت كلُّ جلد مدبوغ، وقال أبو زيد: السبت جلود البقر مدبوغةً كانت، أو غير مدبوغة، وقيل: هو نوع من الدباغ يَقْلَع الشعر، وقال ابن وهب: النعال السبتية كانت سُودًا لا شعر فيها، قال القاضي عياض: وهذا ظاهر كلام ابن عمر في قوله: "النعال التي ليس فيها شعر"، قال: وهذا لا يخالف ما سبق، فقد تكون سُودًا مدبوغةً بالقرظ، لا شعر فيها؛ لأن بعض المدبوغات يبقى شعرها، وبعضها لا يبقى، قال: وكانت عادة العرب لباس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تُعْمَل بالطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهل الرَّفَاهية، كما قال عنترة يمدح رجلًا [من الكامل]: بَطَلٌ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ … يُحْذَى نِعَاَل السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ يعني أنه لم يولد توأمًا (١). وقال كُثَيِّر [من الوافر]: كَأَنَّ مَشَافِرَ النَّجَدَاتِ مِنْهَا … إِذَا مَا قَارَفَتْ قَمْعَ الذُّبَابِ بِأَيْدِي مَأْتَمٍ مُتَصَاعِدَاتٌ … نِعَالُ السِّبْتِ أَوْ عَذْبُ الثِّيَابِ شَبَّهَ اضطراب مشافر الإبل، وهي تنفي الذباب عنها بنعال السِّبت في أيدي المأتم، والمأتم النساء اللواتي يبكين، ويَنُحْنَ على الميت. وقوله: "أو عذب الثياب" يريد خِرَقًا يَحْبِسها النساء بأيديهنّ عند النياح، ويَحْبِسْن أيضًا النِّعَال بأيديهنّ، كان هذا من فعل المأتم في الجاهلية، قاله ابن عبد البرّ ﵀ (٢). وقال القاضي عياض ﵀: والسين في جميع هذا مكسورة، قال: والأصح عندي أن يكون اشتقاقها، وإضافتها إلى السِّبْت الذي هو الجلد المدبوغ، أو إلى الدباغة؛ لأن السين مكسورة في نسبتها، ولو كانت من السَّبْت الذي هو الحلق، كما قاله الأزهريّ وغيره لكانت النسبة سَبْتِيّة، بفتح السين، ولم يروها أحد في هذا الحديث، ولا في غيره، ولا في الشِّعر فيما علمت إلا

стр. 12984

بالكسر. انتهى كلام القاضي ﵀ (١). (وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ) - بضم الباء الموحّدة، وفتحها - لغتان مشهورتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، قال المازريّ: قيل: المراد في هذا الحديث صَبْغُ الشعر، وقيل: صَبْغ الثوب، قال: والأشبه أن يكون صبغ الثياب؛ لأنه أخبر أن النبيّ ﷺ صبغ، ولم يُنْقَل عنه ﷺ أنه صبغ شعره. قال القاضي عياض: هذا أظهر الوجهين، وإلا فقد جاءت آثار عن ابن عمر بَيَّنَ فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأن النبيّ ﷺ كان يُصَفِّر لحيته بالوَرْس والزعفران، رواه أبو داود (٢). وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه بأن النبيّ ﷺ كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته (٣). انتهى (٤). وقال ابن عبد البرّ ﵀ في "الاستذكار": اختَلَفَ العلماء في تأويل هذا الحديث، فقال قوم: أراد الخضاب بها، واحتجوا بما وقع في بعض روايات هذا الحديث بلفظ: "وأما تصفيري لحيتي، فإني رأيت رسول الله ﷺ يُصَفِّر لحيته"، وفي رواية محمد بن إسحاق لهذا الحديث عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبيد بن جريج قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تُصَفِّر لحيتك، قال: إن رسول الله ﷺ كان يُصَفِّر بالوَرْس، فأنا أُحِبّ أن أُصَفِّر به كما كان يصنع، ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن ابن جريج (٥)، قال: رأيت ابن عمر يُصَفِّر لحيته، قلت له: رأيتك تصفر لحيتك، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصفّر لحيته. قال وفي حديث أبي الدرداء ﵁ أنه قال: ما كان رسول الله ﷺ يَخْضِب، ولكنه قد كان فيه شعرات بِيضٌ، فكان يغسلها بالحناء والسدر.

стр. 12985

وقال آخرون: معنى قول عبيد بن جريج: "رأيتك تصبغ بالصفرة"، أراد أنه كان يُصَفِّر ثيابه، ويلبس ثيابًا صُفْرًا، وأما الخضاب فلم يكن رسول الله ﷺ يخضب. ثم أخرج بسنده عن حميد الطويل قال: سئل أنس بن مالك عن الخضاب، فقال: خضب أبو بكر بالحنّاء والكتم، فخضب عمر بالحناء، قيل له: فرسول الله ﷺ ؟ قال: لم يكن في لحيته عشرون شعرة بيضاء (١)، قال حميد ﵁ كُنّ سبع عشرة شعرةً. وأخرج أيضًا عن قتادة، قال: سألت سعيد بن المسيِّب: أخضب رسول الله ﷺ ؟ قال: لم يبلغ ذلك. وذكر مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يلبس الثوب المصبوغ بالْمِشْق، والمصبوغ بالزعفران. ثم قال أبو عمر ﵀: حديث ابن عمر هذا يدلّ على أن قوله في حديث عُبيد بن جريج كان في صبغ الثياب بالصُّفْرة، لا في خضاب الشعر. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأصحّ كون المراد بقوله: "تصبغ بالصفرة" صبغ الشعر والثياب؛ لما تقدّم من أن ابن عمر كان يُصفّر لحيته، ويحتجّ بأن النبيّ ﷺ كان يُصَفِّر لحيته بالوَرْس والزعفران، وهو حديث صحيحٌ رواه أبو داود. ولِمَا صحّ أيضًا في حديثه الآخر من احتجاجه بأن النبيّ ﷺ كان يصبُغ بها ثيابه حتى عمامته. انتهى. ويُجمع بين هذا وبين نفي أنس ﵁ خضابه ﷺ بأن ابن عمر ﵄ أخبر

стр. 12986

بما شاهده، ويدلّ على أن ذلك كان في بعض الأحيان، وأما نفي أنس ﵁ فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله ﷺ ، أشار إلى هذا في "الفتح" (١)، وسيأتي الجمع بين هذا الحديث وحديث النهي عن التزعفر للرجال في "كتاب اللباس" حيث يذكر المصنّف ﵀ هناك حديث النهي عن التزعفر للرجال - إن شاء الله تعالى -. (بِالصُّفْرَةِ) متعلّق بـ "تصبغ"، وهو بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء: لون دون الحمرة. (وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ) أي: رفعوا أصواتهم بالتلبية من أول ذي الحجة (وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ) ولفظ البخاريّ: "حتى كان"، ويجوز في "تكون" أن تكون تامةً، وأن تكون ناقصةً، فإن كانت تامة يكون "يومُ" مرفوعًا؛ لأنه اسم "يكون"، وإن كانت ناقصة تكون خبر "يكون" (٢). (يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) أي: الثامن من ذي الحجة، ومراده: فتُهِلّ أنت حينئذ، وتَبَيَّن من جواب ابن عمر ﵄ أنه كان لا يُهِلّ حتى يركب قاصدًا إلى منى (٣). قال النوويّ ﵀: يوم التروية بالتاء المثناة فوقُ، وهو الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك؛ لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء؛ أي: يحملونه معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره. انتهى (٤). وقال في "العمدة": اختلفوا في سبب التسمية بيوم التروية على قولين، حكاهما الماورديّ وغيره: [أحدهما]: لأن الناس يتروون فيه من الماء من زمزم؛ لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفة ماء. [والثاني]: أنه اليوم الذي رأى فيه آدم ﵇ حواء. قال: وفيه قول آخر، وهو أن جبريل ﵇ أرى فيه إبراهيم أول

стр. 12987

المناسك، وعن ابن عباس ﵄: سُمِّي بذلك؛ لأن إبراهيم ﵇ أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتَرَوَّى في نفسه: أمن الله تعالى هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحقّ من ربه، فسُمِّيت عرفة، رواه البيهقيّ في "فضائل الأوقات" من رواية الكلبيّ، عن أبي صالح عنه (١)، ثم قال: هكذا قال في هذه الرواية. ورَوَى أبو الطفيل، عن ابن عباس ﵄ أن إبراهيم ﵇ لما ابْتُلِي بذبح ابنه أتاه جبريل ﵇، فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة، قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأن جبريل ﵇ قال لإبراهيم ﵇: هل عرفتَ؟ قال: نعم، فمن ثَمّ سُمِّيت عرفة. انتهى (٢). (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ﵄ مجيبًا لعبيد بن جُريج عما سأله عنه (أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي: في النعال، قال النوويّ: معناه: يتوضّأ، ويلبسها، ورجلاه رطبتان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ، وفيه نظر، بل الظاهر أنه ﷺ كان يتوضّأ، ويغسل رجليه، وهما في نعليه، فتأمل، والله تعالى أعلم. (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أي: حتى تستوي قائمة، يقال: بعثتُ الناقةَ: أَثَرتُها، فانبعثت هي، وبعثته، فانبعث في السير؛ أي: أسرع، والمعنى هنا: استواؤها قائمةً، وفي الحقيقة هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج. والراحلةُ: هي الْمَرْكَبُ من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، كما تقدّم (٣). قال المازريّ ﵀: أجاب ابن عمر ﵄ السائل بضرب من القياس، حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله ﷺ على المسألة بعينها، فاستَدَلّ بما في معناه، ووجه قياسه أن النبيّ ﷺ إنما أحرم عند الشروع في

стр. 12988

أفعال الحج، والذهاب إليه، فأَخَّر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحجّ، وتوجهه إليه، وهو يوم التروية، فإنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى. قال: ووافق ابن عمر على هذا الشافعيّ، وأصحابه، وبعض أصحاب مالك وغيرهم، وقال آخرون: الأفضل أن يُحرم من أول ذي الحجة، ونقله القاضي عن أكثر الصحابة، والعلماء، والخلاف في الاستحباب، وكل منهما جائز بالإجماع. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٨١٨ و ٢٨١٩ و ٢٨٢٠ و ٢٨٢١ و ٢٨٢٢] (١١٨٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٦٦)، و"الحجّ" (١٥١٤ و ١٥٥٢) و"اللباس" (٥٨٥١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٧٢)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٧٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٨٠ - ٨١) و"المناسك" (٥/ ١٦٣ - ١٦٤)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٦٢٦)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٣٣٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٤٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧ - ١٨ و ٢٩ و ٣٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٧١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٦٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٨٤)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١ و ٧٦) و"المعرفة" (٤/ ٥٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الأفضل في الإحرام أن يكون وقت انبعاث الراحلة

стр. 12989

متوجّهةً إلى مكةً، لا عقب الركعتين، قال النوويّ ﵀ قوله في هذا الحديث: "حتى تنبعث به راحلته"، وفي الحديث السابق: "ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ"، وفي الحديث الذي قبله: "كان إذا استوت به راحلته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلّ"، وفي رواية: "حين قام به بعيره"، وفي رواية: "يُهِلّ حين تستوي به راحلته قائمةً". هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها هو: استواؤها قائمةً، وفيها دليل لمالك، والشافعيّ والجمهور، أن الأفضل أن يُحْرِم إذا انبعثت به راحلته. وقال أبو حنيفة: يُحْرِم عقب الصلاة، وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعيّ، وفيه حديث من رواية ابن عباس ﵄، لكنه ضعيف. انتهى (١). ٢ - (ومنها): أن فيه بيان أن التلبية لا تتقدّم على الإحرام. ٣ - (ومنها): أن فيه جواز لبس النعال السّبتيّة، قال ابن عبد البرّ ﵀: لا أعلم خلافًا في جواز لبسها في غير المقابر، وأما في المقابر فقد جاء فيها النهي عن النبيّ ﷺ وعن العلماء. انتهى. ٤ - (ومنها): ما قال أبو عمر ﵀: في هذا الحديث دليلٌ على أن الاختلاف في الأفعال والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجودًا، وهو عند العلماء أصحُّ ما يكون في الاختلاف، إذا كان بين الصحابة، وأما ما أجمع عليه الصحابة، واختَلَف فيه مَن بعدهم، فليس اختلافهم بشيء، وإنما وقع الاختلاف بين الصحابة والله أعلم في التأويل الْمُحْتَمِل فيما سمعوه، ورأوه، أو فيما انفرد بعلمه بعضهم دون بعض، أو فيما كان منه ﷺ على طريق الإباحة في فعله لشيئين مختلفين. انتهى (٢). ٥ - (ومنها): ما قاله أبو عمر ﵀ أيضًا: وفي هذا الحديث دليلٌ على أن الحجة عند الاختلاف السنّة، وإنها حجة على من خالفها، وليس من خالفها

стр. 12990

بحجة عليها، ألا ترى أن ابن عمر ﵄ لما قال له عُبيد بن جريج: رأيتك تصنع أشياء لا يصنعها أحد من أصحابك، لم يستوحش من مفارقة أصحابه؛ إذ كان عنده في ذلك علم من رسول الله ﷺ ، ولم يقل له ابن جريج: الجماعة أعلم برسول الله ﷺ منك، ولعلك وَهِمْتَ كما يقول اليوم مَن لا علم له، بل انقاد للحقّ إذ سمعه، وهكذا يلزم الجميع، وبالله التوفيق (١). ٦ - (ومنها): ما قاله ﵀ أيضًا: وأما قوله في الحديث: "فقال ابن عمر: لم أر رسول الله ﷺ يُهِلّ حتى تنبعث به راحلته"، فإن ابن عمر ﵄ قد جاء بحجة قاطعة، نَزَعَ بها، وأخذ بالعموم في إهلال رسول الله ﷺ ، ولم يخص مكة من غيرها، وقال: لا يُهِلّ الحاج إلا في وقت يتصل له عمله، وقصده إلى البيت، ومواضع المناسك والشعائر؛ لأن رسول الله ﷺ أهلّ، واتصل له عمله، وقد تابع ابن عمر على إهلاله هذا في إهلال المكي من غير أهلها جماعة من أهل العلم، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت الإهلال بالحجّ: قال الإمام ابن قُدامة ﵀: المستحب أن يحرم عقب الصلاة، فإن حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين تطوعًا، وأحرم عقيبهما، استَحَبّ ذلك عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس ﵄. وقد رُوي عن أحمد أن الإحرام عقب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء؛ لأن الجميع قد رُوي عن النبيّ ﷺ من طرق صحيحة، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله: أيما أحب إليك: الاحرام في دبر الصلاة، أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء، في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوَسَّع في ذلك كله. قال ابن عباس ﵄: ركب النبيّ ﷺ راحلته حتى استوت على البيداء أهلّ هو وأصحابه، وقال أنس ﵁: لَمّا ركب راحلته، واستوت به أهلّ،
следующие страницы →