بما شاهده، ويدلّ على أن ذلك كان في بعض الأحيان، وأما نفي أنس ﵁ فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله ﷺ ، أشار إلى هذا في "الفتح" (١)، وسيأتي الجمع بين هذا الحديث وحديث النهي عن التزعفر للرجال في "كتاب اللباس" حيث يذكر المصنّف ﵀ هناك حديث النهي عن التزعفر للرجال - إن شاء الله تعالى -.
(بِالصُّفْرَةِ) متعلّق بـ "تصبغ"، وهو بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء: لون دون الحمرة.
(وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ) أي: رفعوا أصواتهم بالتلبية من أول ذي الحجة (وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ) ولفظ البخاريّ: "حتى كان"، ويجوز في "تكون" أن تكون تامةً، وأن تكون ناقصةً، فإن كانت تامة يكون "يومُ" مرفوعًا؛ لأنه اسم "يكون"، وإن كانت ناقصة تكون خبر "يكون" (٢).
(يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) أي: الثامن من ذي الحجة، ومراده: فتُهِلّ أنت حينئذ، وتَبَيَّن من جواب ابن عمر ﵄ أنه كان لا يُهِلّ حتى يركب قاصدًا إلى منى (٣).
قال النوويّ ﵀: يوم التروية بالتاء المثناة فوقُ، وهو الثامن من ذي الحجة، سُمِّي بذلك؛ لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء؛ أي: يحملونه معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره. انتهى (٤).
وقال في "العمدة": اختلفوا في سبب التسمية بيوم التروية على قولين، حكاهما الماورديّ وغيره:
[أحدهما]: لأن الناس يتروون فيه من الماء من زمزم؛ لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفة ماء.
[والثاني]: أنه اليوم الذي رأى فيه آدم ﵇ حواء.
قال: وفيه قول آخر، وهو أن جبريل ﵇ أرى فيه إبراهيم أول
стр. 12987
المناسك، وعن ابن عباس ﵄: سُمِّي بذلك؛ لأن إبراهيم ﵇ أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتَرَوَّى في نفسه: أمن الله تعالى هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحقّ من ربه، فسُمِّيت عرفة، رواه البيهقيّ في "فضائل الأوقات" من رواية الكلبيّ، عن أبي صالح عنه (١)، ثم قال: هكذا قال في هذه الرواية.
ورَوَى أبو الطفيل، عن ابن عباس ﵄ أن إبراهيم ﵇ لما ابْتُلِي بذبح ابنه أتاه جبريل ﵇، فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة، قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة؛ لأن جبريل ﵇ قال لإبراهيم ﵇: هل عرفتَ؟ قال: نعم، فمن ثَمّ سُمِّيت عرفة. انتهى (٢).
(فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ﵄ مجيبًا لعبيد بن جُريج عما سأله عنه (أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي: في النعال، قال النوويّ: معناه: يتوضّأ، ويلبسها، ورجلاه رطبتان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ، وفيه نظر، بل الظاهر أنه ﷺ كان يتوضّأ، ويغسل رجليه، وهما في نعليه، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أي: حتى تستوي قائمة، يقال: بعثتُ الناقةَ: أَثَرتُها، فانبعثت هي، وبعثته، فانبعث في السير؛ أي: أسرع، والمعنى هنا: استواؤها قائمةً، وفي الحقيقة هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج.
والراحلةُ: هي الْمَرْكَبُ من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، كما تقدّم (٣).
قال المازريّ ﵀: أجاب ابن عمر ﵄ السائل بضرب من القياس، حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله ﷺ على المسألة بعينها، فاستَدَلّ بما في معناه، ووجه قياسه أن النبيّ ﷺ إنما أحرم عند الشروع في
стр. 12988
أفعال الحج، والذهاب إليه، فأَخَّر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحجّ، وتوجهه إليه، وهو يوم التروية، فإنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى.
قال: ووافق ابن عمر على هذا الشافعيّ، وأصحابه، وبعض أصحاب مالك وغيرهم، وقال آخرون: الأفضل أن يُحرم من أول ذي الحجة، ونقله القاضي عن أكثر الصحابة، والعلماء، والخلاف في الاستحباب، وكل منهما جائز بالإجماع. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٨١٨ و ٢٨١٩ و ٢٨٢٠ و ٢٨٢١ و ٢٨٢٢] (١١٨٧)، و (البخاريّ) في "الوضوء" (١٦٦)، و"الحجّ" (١٥١٤ و ١٥٥٢) و"اللباس" (٥٨٥١)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٧٢)، و (الترمذيّ) في "الشمائل" (٧٤)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٨٠ - ٨١) و"المناسك" (٥/ ١٦٣ - ١٦٤)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٦٢٦)، و (مالك) في "الموطّإ" (١/ ٣٣٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٥١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٤٤٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧ - ١٨ و ٢٩ و ٣٧)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٧١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٧٢٥)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٦٣)، و (الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٨٤)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ١٥)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٧٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١ و ٧٦) و"المعرفة" (٤/ ٥٣)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الأفضل في الإحرام أن يكون وقت انبعاث الراحلة
стр. 12989
متوجّهةً إلى مكةً، لا عقب الركعتين، قال النوويّ ﵀ قوله في هذا الحديث: "حتى تنبعث به راحلته"، وفي الحديث السابق: "ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلّ"، وفي الحديث الذي قبله: "كان إذا استوت به راحلته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أهلّ"، وفي رواية: "حين قام به بعيره"، وفي رواية: "يُهِلّ حين تستوي به راحلته قائمةً".
هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها هو: استواؤها قائمةً، وفيها دليل لمالك، والشافعيّ والجمهور، أن الأفضل أن يُحْرِم إذا انبعثت به راحلته.
وقال أبو حنيفة: يُحْرِم عقب الصلاة، وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعيّ، وفيه حديث من رواية ابن عباس ﵄، لكنه ضعيف. انتهى (١).
٢ - (ومنها): أن فيه بيان أن التلبية لا تتقدّم على الإحرام.
٣ - (ومنها): أن فيه جواز لبس النعال السّبتيّة، قال ابن عبد البرّ ﵀: لا أعلم خلافًا في جواز لبسها في غير المقابر، وأما في المقابر فقد جاء فيها النهي عن النبيّ ﷺ وعن العلماء. انتهى.
٤ - (ومنها): ما قال أبو عمر ﵀: في هذا الحديث دليلٌ على أن الاختلاف في الأفعال والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجودًا، وهو عند العلماء أصحُّ ما يكون في الاختلاف، إذا كان بين الصحابة، وأما ما أجمع عليه الصحابة، واختَلَف فيه مَن بعدهم، فليس اختلافهم بشيء، وإنما وقع الاختلاف بين الصحابة والله أعلم في التأويل الْمُحْتَمِل فيما سمعوه، ورأوه، أو فيما انفرد بعلمه بعضهم دون بعض، أو فيما كان منه ﷺ على طريق الإباحة في فعله لشيئين مختلفين. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): ما قاله أبو عمر ﵀ أيضًا: وفي هذا الحديث دليلٌ على أن الحجة عند الاختلاف السنّة، وإنها حجة على من خالفها، وليس من خالفها
стр. 12990
بحجة عليها، ألا ترى أن ابن عمر ﵄ لما قال له عُبيد بن جريج: رأيتك تصنع أشياء لا يصنعها أحد من أصحابك، لم يستوحش من مفارقة أصحابه؛ إذ كان عنده في ذلك علم من رسول الله ﷺ ، ولم يقل له ابن جريج: الجماعة أعلم برسول الله ﷺ منك، ولعلك وَهِمْتَ كما يقول اليوم مَن لا علم له، بل انقاد للحقّ إذ سمعه، وهكذا يلزم الجميع، وبالله التوفيق (١).
٦ - (ومنها): ما قاله ﵀ أيضًا: وأما قوله في الحديث: "فقال ابن عمر: لم أر رسول الله ﷺ يُهِلّ حتى تنبعث به راحلته"، فإن ابن عمر ﵄ قد جاء بحجة قاطعة، نَزَعَ بها، وأخذ بالعموم في إهلال رسول الله ﷺ ، ولم يخص مكة من غيرها، وقال: لا يُهِلّ الحاج إلا في وقت يتصل له عمله، وقصده إلى البيت، ومواضع المناسك والشعائر؛ لأن رسول الله ﷺ أهلّ، واتصل له عمله، وقد تابع ابن عمر على إهلاله هذا في إهلال المكي من غير أهلها جماعة من أهل العلم، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت الإهلال بالحجّ:
قال الإمام ابن قُدامة ﵀: المستحب أن يحرم عقب الصلاة، فإن حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين تطوعًا، وأحرم عقيبهما، استَحَبّ ذلك عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس ﵄.
وقد رُوي عن أحمد أن الإحرام عقب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء؛ لأن الجميع قد رُوي عن النبيّ ﷺ من طرق صحيحة، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله: أيما أحب إليك: الاحرام في دبر الصلاة، أو إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء، في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوَسَّع في ذلك كله.
قال ابن عباس ﵄: ركب النبيّ ﷺ راحلته حتى استوت على البيداء أهلّ هو وأصحابه، وقال أنس ﵁: لَمّا ركب راحلته، واستوت به أهلّ،
стр. 12991
وقال ابن عمر ﵄: أهلّ النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمةً، رواهنّ البخاري.
ثم قال بعد ذكر الاختلاف: وهذا على سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم جاز، لا نعلم أحدًا خالف في ذلك. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ (١).
وقال ابن عبد البرّ ﵀ بعد ذكر حديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب ما نصّه: وأخذ بالعموم في إهلال رسول الله ﷺ ، ولم يخص مكة من غيرها، وقال: لا يُهِلّ الحاج إلا في وقت يتصل له عمله، وقصده إلى البيت، ومواضع المناسك والشعائر؛ لأن رسول الله ﷺ أهلّ، واتصل له عمله، وقد تابع ابن عمر على إهلاله هذا في إهلال المكي من غير أهلها جماعة من أهل العلم، ذَكَر عبد الرزاق قال: حدّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: لا يُهِلّ أحد من مكة بالحج حتى يريد الرواح إلى منى، قال ابن طاوس: وكان أبي إذا أراد أن يُحرم من المسجد استلم الركن، ثم خرج، قال ابن جريج: وقال عطاء: إهلال أهل مكة أن يُهِلّ أحدهم حين تتوجه به دابته نحو منى، فإن كان ماشيًا فحين يتوجه نحو منى، قال ابن جريج: قال لي عطاءٌ: أهلّ أصحاب رسول الله ﷺ إذ دخلوا في حجتهم مع النبيّ ﷺ عشية التروية حين توجهوا إلى منى، قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، وهو يخبر عن حجة النبيّ ﷺ قال: فأمرنا بعدما طفنا أن نُحِل، قال: وإذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلُّوا، قال: فأحللنا من البطحاء.
قال: وفي هذه المسألة مذهب آخر لعمر بن الخطاب ﵁، تابعه عليه أيضًا جماعة من العلماء.
ذكر مالك في "الموطأ" عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة ما شأن الناس يأتون شُعْثًا، وأنتم مُدَهِّنون؟ أهلُّوا إذا رأيتم الهلال.
وذكر مالك، عن هشام بن عروة، أن عبد الله بن الزبير أقام بمكة تسع
стр. 12992
سنين يُهِلّ بالحج لهلال ذي الحجة، وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك.
قال مالك: من أهلّ بمكة من أهلها، ومن كان مقيمًا بها من أهل المدينة وغيرهم، فليؤخر الطواف الواجب بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، حتى يرجع من منى، ويكون إهلاله من جوف مكة، لا يخرج إلى الحرم، وكذلك فعل ابن عمر، وأصحاب رسول الله ﷺ الذين أهلّوا من مكة أخّروا الطواف، والسعي حتى رجعوا من منى.
وذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة قال: أقام عبد الله بن الزبير تسع سنين يُهِلّ بالحج إذا رأى هلال ذي الحجة، ويطوف بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى منى.
قال: وأخبرنا هشام بن حسان، قال: كان عطاء بن أبي رباح يُعجبه إذا توجه إلى منى أن يُهِلّ، ثم يمضي على وجهه.
وقال عطاء: إذا أحرم عشية التروية، فلا يطف بالبيت حتى يروح إلى منى.
قال هشام: وقال الحسن: أي ذلك فعل فلا بأس، إن شاء أهلّ حين يتوجه إلى منى، وإن شاء قبل ذلك، وإن أهلّ قبل يوم التروية، فإنه يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة.
قال أبو عمر: ليس يريد الطواف الواجب؛ لأن الطواف الواجب لا يكون إلا بعد رمي جمرة العقبة، ولكنه يطوف ما بدا له بالبيت، ويركع إن شاء، وهو قول مالك أيضًا.
قال أبو عمر: قد روي عن ابن عمر في هذا الباب أنه فعل فيه أيضًا بقول أبيه، وهو كله واسع جائز لمن فعله، لا يختلف الفقهاء في جواز ذلك.
ذكر عبد الرزاق، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، قال: أهلّ ابن عمر مرةً بالحج حين رأى الهلال، ومرةً أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة، ومرة أخرى حين راح منطلقًا إلى منى، قال: وأخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه أهلّ بالحج من مكة ثلاث مرات، فذكر مثله، قال: وأخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله، وعن معمر، وابن جريج، عن خُصَيف، عن مجاهد، عن ابن عمر نحوه، قال مجاهد: فقلت
стр. 12993
لابن عمر: قد أهللت فينا إهلالًا مختلفًا، قال: أما أول عام الأول فأخذت بأخذ أهل بلدي، ثم نظرت فإذا أنا أَدْخُل على أهلي حرامًا، وأخرج حرامًا، وليس كذلك كنا نصنع، إنما كنا نُهِل ثم نُقبل على شأننا، قلت: فبأيّ ذلك نأخذ؟ قال: نُحرِم يوم التروية.
قال: وأخبرنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إن شاء المكيّ ألا يحرم بالحج إلا يوم منى فعل، قال: وكذلك إن كان أهله دون الميقات إن شاء أهلّ من أهله، وإن شاء من الحرم. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من استعراض أقوال أهل العلم وأدلّتهم في هذه المسألة أن الأرجح هو مذهب ابن عمر ﵄ وجماعة، أنه لا يُحرم إلا حين تنبعث به راحلته، سواء كان مكيًّا أو آفاقيًّا؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، فخير الهدي هدي محمدّ ﷺ ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في استلام الأركان:
قال أبو عمر ﵀: السنة التي عليها جمهور الفقهاء أن الركنين اليمانيين يُستلمان دون غيرهما، وأما السلف فقد اختلفوا في ذلك، فرُوي عن جابر، وأنس، وابن الزبير، والحسن، والحسين، أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثل ذلك، واختُلِف عن معاوية، وابن عباس في ذلك، فقال أحدهما: ليس من البيت شيء مهجور، والصحيح عن ابن عباس أنه كان لا يستلم إلا الركنين الأسود واليمانيّ، وهما المعروفان باليمانيين، وهي السنة، وعلى ذلك جماعة الفقهاء، منهم مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ.
وحجتهم حديث ابن عمر ﵄ المذكور في الباب، وما كان مثله عن النبيّ ﷺ ذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال قول من قال: لا يُستلم من الأركان إلا اليمانيان؛ لعدم ثبوته عن النبيّ ﷺ ، فتبصّر،
стр. 12994
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨١٩] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَن ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثِنْتَيْ عَشرَةَ مَرَّةً، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكَ أَرْبَعَ خِصَالٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِهَذَا الْمَعْنَى، إِلَّا فِي قِصَّةِ الْإِهْلَالِ، فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنًى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) نزيل مصر، أبو جعفر السعديّ مولاهم، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو صَخْرٍ) ابن أبي المخارق، حُميد بن زياد الْخَرّاط، صاحب الْعَباء المدنيّ، ثم المصريّ، صدوقٌ يَهِمُ [٦] (ت ١٨٩) (بخ م د ت عس ق) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٨.
٤ - (ابْنُ قُسَيْطٍ) - مصغّرًا - هو: يزيد بن عبد الله بن قُسيط بن أسامة الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٢) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير ابن قُسيط؛ أي: ساق ابن قُسيط الحديث بمعنى حديث سعيد المقبريّ.
وقوله: (فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ. . . إلخ) سيأتي نصّ ما ذكره ابن قسيط مخالفًا لرواية المقبري في التنبيه التالي.
وقوله: (فَذَكَرَهُ بِمَعْنًى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ) "ذَكَرَه" الأول بصيغة الماضي، وفاعله ضمير ابن قُسيط، والمنصوب ضمير الحديث، وأما "ذِكْرِه" الثاني فهو بصيغة المصدر، وأُضيف إليه "سوى"، وهو نعت لـ "معنًى"، والضمير المضاف إليه للمقبريّ، و"إيّاه" يعود إلى الحديث.
стр. 12995
[تنبيه]: رواية ابن قُسيط، عن عبيد بن جُريج هذه ساقها أبو عَوَانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٧٨) فقال:
وحدّثنا ابن أخي ابن وهب، قال: حدثني عَمِّي، قال: أخبرني أبو صَخْر، عن يزيد بن قُسيط، عن عُبيد بن جُريج، قال: حججت مع عبد الله بن عمر بين حجّ وعمرة ثنتا (١) عشرة مرةً، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، لقد رأيت منك أربع خصال، ما رأيتهنّ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ غيرك قال: وماذا يا ابن جريج؟ قال: رأيتك إذا أهللتَ، فدخلت العُرُش (٢) قَطَعْت التلبية، ورأيتك إذا طُفْت بالبيت، كان أكثر ما تَمَسّ من الأركان الركن اليماني، ورأيتك تَحْتَذِي السِّبْت، وهو محلوق الشعر، ورأيتك تُغَيِّر بالصفرة، فقال: صدقت يا ابن جريج، خرجت مع رسول الله ﷺ ، فلما دَخَل الْعُرُش قطع التلبية، فلا تزال تلبيتي حتى أموت، وطُفْتُ معه البيت، فكان أكثر ما يَمَسّ من الأركان الركن اليماني، فلا أزل أمسّه أبدًا، وهذا حذاؤه يا ابن جريج، ولا أزال أحتذيه، وهذا تغييره يا ابن جريج فلا أزال أغيره أبدًا.
قال أبو عوانة: قصة الإهلال مخالفة لقصة سعيد المقبريّ. انتهى.
[تنبيه آخر]: أخرج هذه الرواية أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه" مع بيان ما دلّت عليه من الفوائد، ودونك نصّه (٤/ ٢٠٥):
(٢٦٩٦) - حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدّثنا عمي، حدّثني أبو صخر، عن ابن قُسيط، عن عُبيد بن حُنين (٣) قال: حججت مع عبد الله بن
стр. 12996
عمر بن الخطاب بين حجة وعمرة اثنتي عشرة مرة، قال: قلت له: يا أبا عبد الرحمن، لقد رأيت منك أربع خصال، فذكر الحديث، وقال: رأيتك إذا أهللت، فدخلت العُرُش، قَطَعت التلبية، قال: صدقت يا ابن حنين، خرجت مع رسول الله ﷺ ، فلما دخل العُرُش قطع التلبية، فلا تزال تلبيتي حتى أموت.
قال أبو بكر - هو ابن خزيمة -: قد كنت أرى للمعتمر التلبية حتى يستلم الحجر، أولَ ما يبتدئ الطواف لعمرته؛ لخبر ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر.
(٢٦٩٧) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيّ، ومحمد بن هشام قالا: حدّثنا هُشيم، أخبرني ابن أبي ليلى، قال محمد بن هشام: عن ابن أبي ليلى، قال أبو بكر: فلما تدبرت خبر عبيد بن حنين، كان فيه ما دلّ على أن النبيّ ﷺ قد كان يقطع التلبية عند دخول عُرُوش مكة، وخبر عُبيد بن حُنين أثبت إسنادًا من خبر عطاء؛ لأن ابن أبي ليلى ليس بالحافظ، وإن كان فقيهًا عالمًا، فأرى للمحرم كان بحج أو عمرة، أو بهما جميعًا قطع التلبية عند دخول عروش مكة، فإن كان معتمرًا لم يَعُدْ إلى التلبية، وإن كان مفردًا، أو قارنًا عاد إلى التلبية عند فراغه من السعي بين الصفا والمروة؛ لأن فعل ابن عمر كالدالّ على أنه رأى النبيّ ﷺ قطع التلبية في حجته إلى الفراغ من السعي بين الصفا والمروة.
حدّثناه الربيع بن سليمان، حدّثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ، قال: قال عطاء بن أبي رباح: كان ابن عمر يَدَعُ التلبية إذا دخل الحرم، ويراجعها بعدما يقضي طوافه بين الصفا والمروة.
(٢٦٩٨) - حدّثنا محمد بن مهديّ العطار، حدّثنا عمرو - يعني ابن أبي سلمة - حدّثني ابن زَبْر - وهو عبد الله بن العلاء بن زَبْر - حدّثني القاسم بن محمد، قال: رأيت عبد الله بن عمر يقطع التلبية إذا دخل الحرم، ويعاود إذا طاف بالبيت، وإذا فرغ من الطواف بين الصفا والمروة.
стр. 12997
قال أبو بكر (١): وأخبار النبيّ ﷺ أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة دالّة على أنه لم يقطع التلبية عند دخوله الحرم قطعًا لم يعاود، سأذكر تلبيته إلى أن رمى جمرة العقبة في موضعها من هذا الكتاب، إن وفق الله لذلك وشاء. انتهى كلام ابن خزيمة ﵀، وهو بحث نفيسٌ، وسنعود إلى إتمام البحث فيه في موضعه المناسب له - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر الْعُمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر تقدّم قبل باب.
٥ - و (ابن عمر ﵄) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ﵄ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
стр. 12998
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ) ولفظ البخاريّ ﵀: "إذا أدخل رجله في الْغَرز، واستوت به ناقته" (فِي الْغَرْزِ) - بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، بعدها زاي - هو: ركاب كُور البعير إذا كان من جِلْد، أو خَشَب، أو حديد، وقيل: هو الكُور مطلقًا؛ كالرِّكاب للسرج (١)، قال في "المصباح": الْغَرْزُ مثالُ فَلْس: ركاب الإبل. انتهى (٢).
(وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ)؛ أي: استوت به قائمةً، وفي الرواية التالية: "أهلّ حين استوت به ناقته قائمةً"؛ أي: رفعته مستويًا على ظهرها، فالباء للتعدية، وقيل: "به" حال، وكذا قوله: (قَائِمَةً) قاله القاري ﵀ (٣).
(أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ)؛ أي: رفع صوته بالتلبية، ونوى أحد النسكين، أو كليهما معًا (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) أي: من عند مسجد ذي الحليفة، والمراد أنه بدأ بالإهلال منه، وكان ابن عمر ﵄ يُنكر بذلك على من روى أنه ﷺ إنما أهلّ حين استوى على البيداء.
وقد اختلفت الروايات عن الصحابة ﵃ في مبدإ إهلاله ﷺ .
(فمنها): ما يدلّ على أنه أهلّ في دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة، كما في رواية ابن عبّاس عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، والبيهقيّ، وفي رواية أبي داود المازني عن ابن حزم (٤).
стр. 12999
(ومنها): ما يدلّ على أنه أهلّ حين استوت به ناقته خارج مسجد ذي الحليفة عند الشجرة، كما وقع في روايات ابن عمر ﵄ عند أحمد، والشيخين، وغيرهم، وفي حديث أنس عند البخاريّ، وأبي داود، والبيهقيّ، والطحاويّ، وقال الزيلعيّ بعد ذكر حديث أنس: وأخرج - أي البخاريّ - أيضًا عن عطاء، عن جابر أن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته. انتهى.
(ومنها): ما يدلّ على أنه ﷺ أهلّ حين استوت به على البيداء؛ أي: بعدما علا على شَرَف البيداء، كما وقع في روايات ابن عبّاس ﵄ أيضًا عند أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والطحاويّ، وفي حديث أنس عند أحمد، والنسائيّ، وأبي داود، وفي حديث سعد بن أبي وقّاص عند أبي داود، والنسائيّ، والبيهقيّ، والحاكم.
وقد جُمع بين هذه الروايات المختلفة بأن الناس كانوا يأتون أرسالًا، جماعة بعد أخرى، فرأى قوم شروعه ﷺ في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة، فنقلوا عنه أنه أهلّ بذلك المكان، ثمّ أهلّ لَمّا استقلّت به راحلته، فسمعه آخرون، فظنّوا أنه شرع في الإهلال في ذلك الوقت؛ لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد، فقالوا: إنما أهلّ عندما استقلّت به راحلته، ثم روى كذلك من سمعه يُهلّ على شرف البيداء، وإلى هذا الجمع مال ابن القيّم، حيث قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر ركعتين، ثم أهلّ بالحجّ والعمرة في مصلّاه، ثم ركب على ناقته، وأهلّ أيضًا، ثم أهلّ لَمّا استقلّت به على البيداء. انتهى مختصرًا ملخّصًا.
ويؤيّد هذا الجمع ما رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقيّ، والطحاويّ عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله ﷺ حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجًّا، فلما صلى في
стр. 13000
مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهلّ بالحجّ حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظته عنه، ثم ركب، فلما استقَلّت به ناقته أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يُهِلّ، فقالوا: إنما أهلّ رسول الله ﷺ حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله ﷺ ، فلما علا على شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلّ حين علا على شرف البيداء، وايمُ الله لقد أوجب في مصلاه، وأهلّ حين استقلت به ناقته، وأهلّ حين علا على شرف البيداء. انتهى.
قال في "الفتح": وقد أزال الإشكال؛ أي: إشكال اختلاف الروايات في مكان إهلاله ﷺ ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عجبت. . . إلخ، فذكره، ثم قال: فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يخصّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد سلك كثير من العلماء كابن القيّم، والحافظ، والشوكانيّ، وغيرهم طريقة الجمع بين هذه الأحاديث، ودليلهم حديث ابن عبّاس المذكور، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه من رواية خُصيف بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، فلا يمكن الجمع بروايته، والحقّ أن الترجيح هو الأحقّ، فيُقدّم حديث ابن عمر المذكور في الباب على غيره من الأحاديث؛ لكونه أرجح، وقد أجاد أبو محمد بن حزم ﵀ في ذلك، فقال: حديث ابن عبّاس في طريقه خصيف، وهو ضعيف، وحديث أبي داود الأنصاريّ المازنيّ من طريق قوم غير مشهورين، والأحاديث الدالّة على إحرامه ﷺ بعدما استقلّت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متّفقٌ على صحّتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر، وأنس، وعائشة ﵃، وهو أنه ﷺ أهلّ من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رجله في الْغَرْز، واستقلّت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقب الركوب، ولا في مصلّاه، ولو صحّ حديث ابن عبّاس، وأبي داود لوجب تقديم العمل به على حديث ابن عمر؛ لما فيه من الزيادة، لكن لَمّا كان حديث ابن عمر متّفقًا على صحّته، ولم يصحّ حديثهما وجب المصير إليه دونهما، ولَمّا
стр. 13001
كان في حديث ابن عمر زيادة على حديث من سواه ممن اتُّفق على صحّة روايته، وهي كون الإهلال من عند المسجد، فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالتئذ يلبّي، فظنّ أن ذلك أول إهلاله.
قال: ويُمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر على حديث ابن عبّاس، ويكون قوله: "في مصلّاه" زيادة من الراوي ليس من قول ابن عبّاس، ويصدُق على من أحرم من عند المسجد عند استقلال ناقته به أنه لَمّا فرغ من ركعتيه أهلّ، ولا يلزم من ذلك التعقيب، وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله، والله أعلم. انتهى كلام ابن حزم ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: تحقيق ابن حزم ﵀ المذكور حسنٌ إلا قوله: "ويمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر. . . إلخ"، ففيه نظر لا يخفى، إذ هذا الجمع فرع الصحّة، وقد سبق أن الحديث ضعيف، فلا حاجة إلى تكلّف الجمع، بل يُعمل بما اتّفق على صحّته، وهو حديث ابن عمر ﵄.
والحاصل أن الأفضل هو الإحرام حين تنبعث به راحلته، ويضع رجله على الغرز، كما صحّ ذلك عن رسول الله ﷺ ، وقد تقدّم تحقيق هذا، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْن مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً).
стр. 13002
رجال هذا الإسناد: ستة:
- (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط بآخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين.
٤ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد تقدّم نفسه قبل باب، والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٦) - (بَابُ الْمَبِيتِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٣] (١١٨٨) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛
стр. 13003
أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّهُ قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مُبْدَأَهُ، وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ تُكلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو بكر المدنيّ، شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٢/ ١٧٦٠.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مُبْدَأَهُ) قال القاضي عياض ﵀: هو بفتح الميم، وضمها، والباء ساكنة فيهما؛ أي: ابتداء حجه، و"مبدأه" منصوب على الظرف؛ أي: في ابتدائه، قال النوويّ ﵀: وهذا المبيت ليس من أعمال الحجّ، ولا من سننه، قال القاضي: لكن من فعله تأسيًا بالنبيّ ﷺ فحسنٌ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أحسن القاضي ﵀ في قوله هذا، فإن الاقتداء بالنبيّ ﷺ فيما فعله، ولا سيّما في المناسك، حيث قال ﷺ : "لتأخذوا عني مناسككم"، رواه مسلم، فقد أكّد على أصحابه، بل على أمته كلّهم بأخذ مناسكه ﷺ ، فكلُّ ما فعله، من مبيت، أو غيره فنحن مأمورون بذلك.
والحاصل أن المستحبّ لمن جاء من ذي الحليفة أن يبيت هناك، ويصلي في مسجدها، كما بات النبيّ ﷺ فيها، وصلّى في مسجدها، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١] وسيأتي تمام البحث في هذا في "باب التعريس بذي الحليفة" - إن شاء الله تعالى -.
стр. 13004
(وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا) قيل: يَحْتَمِل أن تكون الصلاة للإحرام، ويَحْتَمل أن تكون للفرض، والظاهر أنها للفرض؛ لأنه ﷺ إنما أحرم بعد الفريضة، وفي حديث أنس ﵁: "أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين"، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﵄ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢٨٢٣] (١١٨٨)، و (البخاريّ) في "الحجّ" (١٥٣٢)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٢٦)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٤٢٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٧٤)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٤١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٧) - (بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الإِحْرَامِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٤] (١١٨٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا (١) سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريبًا.
стр. 13005
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في السند الماضي.
٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم قريبًا.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت أيضًا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، والباقيان مكيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، عن خالته.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنها (قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية القاسم عنها التالية: "كنت أطيّب رسول الله ﷺ ".
قال وليّ الدين ﵀: حقيقة قولها: "كنت أطيّب إلخ" تطييب بدنه، ولا يتناول ثيابه، وقد دل على اختصاص ذلك ببدنه الرواية التي فيها: "حتى أجد وبيص الطيب في رأسه، ولحيته"، وقد اتفق الشافعيّة على أنه لا يستحبّ تطييب الثياب عند إرادة الإحرام، وشذّ المتولي، فحكى قولًا باستحبابه، وصححه في "المحرّر"، و"المنهاج"، وفي جوازه خلاف عندهم، والأصحّ الجواز، فإذا قلنا بجوازه، فنزعه، ثم لبسه، ففي وجوب الفدية وجهان، صحح البغويّ وغيره الوجوب. انتهى كلام وليّ الدين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا دليل على منع تطييب الثياب عند الإحرام، والأعجب تصحيح البغويّ وجوب الفدية؛ فأين الدليل على ذلك من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع؟ والله تعالى أعلم.
(لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ) قال النوويّ ﵀: ضبطوا "لِحُرْمِهِ" بضم الحاء وكسرها، وقد سبق بيانه في "شرح المقدمة"، والضم أكثر، ولم يذكر الهرويّ
стр. 13006
وآخرون غيره، وأنكر ثابت الضم على المحدثين، وقال: الصواب الكسر، والمراد بـ "حِرمه" الإحرام بالحجّ.
وفيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وبهذا قال جماهير الصحابة، والتابعين، وجماهير المحدثين، والفقهاء، وقال آخرون بمنعه، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، وترجيح الراجح بدليله، في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ)؛ أي: لأجل إحلاله من إحرامه قبل أن يطوف طواف الإفاضة، وفي رواية عمرة: "ولحلّه قبل أن يُفِيض"، وللنسائيّ: "وحين يريد أن يزور البيت"، وله أيضًا: "ولحلّه بعدما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت".
فتبيّن أن المراد طواف الإفاضة، ففيه دلالة لاستباحة الطيب بعد رمي جمرة العقبة، والحلق، وقبل الطواف، وبهذا قال جماهير العلماء إلا مالكًا، فإنه كرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث، وسيأتي تمام البحث في هذا في "المسألة الخامسة" - إن شاء الله تعالى -.
وقال في "الفتح": واستُدِلّ به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين، فمن قال إن الحلق نسك كما هو قول الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعية يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه ﷺ في حجته، رَمَى، ثم حَلَق، ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: "قبل أن يطوف بالبيت".
قال النووي في "شرح المهذب": ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعيّ، وهو في رواية عن أحمد، وحُكِي عن أبي يوسف (١).
стр. 13007
وفي قولها: (وَلحِلّه) دليل على أنه حصل له تحللٌ، وفي الحجّ تحللان يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان، وإذا فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول؛ أيَّ اثنين كانا، ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات، إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح منهنّ غير الجماع بالتحلل الأول، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفق عليه.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ﵀ ما حاصله: هذا الحديث لم يُختلف فيه عن عائشة ﵂ والأسانيد متواترة به، وهي صحاح، وقال الإمام ابن حزم ﵀ بعد ذكر جُمَل من طرقه عن عائشة ما نصّه: فهذه آثار متواترة، متظاهرة، رواه عنها عروة، والقاسم، وسالم بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، وعمرة، ومسروق، وعلقمة، والأسود، ورواه عن هؤلاء الناسُ الأعلام. انتهى (١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٢٨٢٤ و ٢٨٢٥ و ٢٨٢٦ و ٢٨٢٧ و ٢٨٢٨ و ٢٨٢٩ و ٢٨٣٠ و ٢٨٣١ و ٢٨٣٢ و ٢٨٣٣ و ٢٨٣٤ و ٢٨٣٥ و ٢٨٣٦ و ٢٨٣٧ و ٢٨٣٨ و ٢٨٣٩ و ٢٨٤٠] (١١٨٩ و ١١٩٠)، و (البخاريّ) في "الغسل" (٢٦٧ و ٢٧٠ و ٢٧١) وفي "الحجّ" (١٥٣٨ و ١٥٣٩) وفي "اللباس" (٥٩١٨ و ٥٩٢٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٤٥ و ١٧٤٦)، و (الترمذيّ) في "الحج" (٩١٧)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٣٧) و"الكبرى" (٢/ ٣٣٨ و ٤٥٨ و ٤٥٩)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٢٦ و ٢٩٢٧ و ٢٩٢٨ و ٣٠٤٢)، و (مالك) في
стр. 13008
"الموطإ" (٧٢٧)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٢٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢١١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٢٠٧)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٩ و ١٨١ و ١٨٦ و ٢١٤ و ٢٣٨)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨٠١ و ١٨٠٢ و ١٨٠٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٨١ و ٢٥٨٢ و ٢٥٨٣ و ٢٩٣٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣٢١ و ٤١٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٧٤ و ٢٧٥ و ٢٧٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٨/ ٥٢)، و (أبو يعلى) في "مسنده" (٨/ ١٦٤)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٤ و ١٣٦) و"الصغرى" (٣/ ٥٤٠) و"المعرفة" (٣/ ٥٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة الطيب للمحرم عند إرادة إحرامه.
٢ - (ومنها): أنه لا بأس باستدامة الطيب بعد الإحرام، ولا يضرّ بقاء لونه، ورائحته، وإنما يحرم في الإحرام ابتداؤه، وهو قول الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء اللَّه تعالى -.
٣ - (ومنها): استحباب الطيب بعد التحلّل الأول قبل الطواف، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وتابعه أصحابه.
٤ - (ومنها): استحباب الطيب للرجال والنساء مطلقًا؛ لأنه إذا فُعل في هذه الحالة التي من شأنها الشعث، فغيرها أولى.
٥ - (ومنها): بيان مشروعيّة خدمة المرأة زوجها.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ بقولها: "كنت أطيّب" على أن "كان" لا تقتضي التكرار؛ لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرّة واحدة، وقد صرّحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع، كذا استدلّ به النوويّ في "شرح مسلم".
وتُعُقّب بأن المدّعَى تكراره إنما هو التطيّب، لا الإحرام، ولا مانع من أن يتكرّر التطيّب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرّة واحدة، ولا يخفى ما فيه.
وقال النوويّ في موضع آخر: المختار أنها لا تقتضي تكرارًا، ولا استمرارًا. وكذا قال الفخر في "المحصول". وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه،
стр. 13009
قال: ولهذا استفدنا من قولهم: "كان حاتم يَقري الضيف" أن ذلك كان يتكرّر منه.
وقال جماعة من المحقّقين: إنها تقتضي التكرار ظهورًا، وقد تقع قرينة تدلّ على عدمه، لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطيّب لو تكرّر منه فعل الإحرام لما اطّلعت عليه من استحبابه لذلك، على أن هذه اللفظة لم تتّفق الروايات عنها عليها، فقد حُذفت في أكثر الطرق، واللَّه تعالى أعلم (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الجماعة، من أن "كان" تقتضي التكرار إلا لدليل، هو الحقّ، وقد بيّنت ذلك في "التحفة المرضيّة"، و"شروحها" في الأصول، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على حلّ الطيب وغيره، من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمرّ امتناع الجماع، ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دالّ على أن للحجّ تحلّلين، فمن قال: إن الحلق نسك، كما هو قول الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعيّة يوقّف استعمال الطيب وغيره من المحرّمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه ﷺ في حجته رمى، ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي، والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: "قبل أن يطوف بالبيت". قال النوويّ في "شرح المهذّب": ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعيّ، وهي رواية عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف، واللَّه تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): طهارة المسك؛ لقوله في الرواية الآتية: "كنت أطيّب النبيّ ﷺ . . . بطيب فيه مسك"، وهذا مجمع عليه، إلا في قول شاذّ، لا يُعتدّ به (٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطيب عند الإحرام:
стр. 13010
ذهب الجمهور إلى استحباب التطيّب عند إرادة الإحرام، ولو بقي لونه ورائحته بعد الإحرام.
وممن قال بذلك الأئمةُ: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو يوسف، وأحمد بن حنبل، وحكاه ابن المنذر عن سعد بن أبي وقّاص، وابن الزبير، وابن عبّاس، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وحكاه الخطّابيّ عن أكثر الصحابة. وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن جعفر، وعائشة، وأمّ حبيبة، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، والشعبيّ، والنخعيّ، وخارجة بن زيد، ومحمد ابن الحنفيّة، قال: واختُلف في ذلك عن الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير. وقال به الثوريّ، والأوزاعيّ، وداود. وحكاه النوويّ عن جمهور العلماء من السلف والخلف، والمحدّثين، والفقهاء، وعدّ منهم غير من قدّمنا معاوية، وحكاه ابن قُدامة عن ابن جريج. قال ابن المنذر: وبه أقول.
وذهب مالك إلى منع أن يتطيّب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء، ولا فدية عليه، وحكى الشيخ أبو الظاهر قولًا بوجوب الفدية، وعلّله بأن بقاء الطيب كاستعماله.
وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيّب قبل الإحرام بما تبقى عينه بعده، وحكاه صاحب "الهداية" من الحنفيّة عن الشافعيّ، ولا يُعرف ذلك في مذهبه.
وحكى ابن المنذر عن عطاء كراهة الطيب قبل الإحرام، وحكاه النوويّ عن الزهريّ. قال القاضي عياض: وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة، والتابعين.
وقال ابن عبد البرّ: وممن كره الطيب للمحرم قبل الإحرام عمر بن الخطّاب، وعثمان بن عفّان، وعبد اللَّه بن عمر، وعثمان بن أبي العاصي، وعطاء، وسالم بن عبد اللَّه، على اختلاف عنه، والزهريّ، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، على اختلاف عنهم. وهو اختيار أبي جعفر الطحاويّ؛ إلا أن مالكًا كان أخفّهم في ذلك قولًا، ذكر ابن عبد الحكم عنه، قال: وترك الطيب عند الإحرام أحبّ إلينا. انتهى.
стр. 13011
وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": والذي في "الصحيح" عن ابن عمر أنه قال: "ما أحبّ أن أُصبح محرمًا أنضخ طيبًا"، وليس في هذا التصريح بالمنع منه. انتهى.
وتأوّل هؤلاء حديث عائشة ﵂ هذا على أنه تطيّب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإحرام، قالوا: ويؤيّد هذا قولها في الرواية الأخرى في "صحيح مسلم": "طيّبتُ رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف على نسائه، ثم أصبح محرمًا"، فظاهره أنه إنما تطيّب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسل بعده، لا سيّما، وقد نُقل أنه كان يتطهّر من كلّ واحدة قبل الأخرى، فلا يبقى مع ذلك طيب، ويكون قولها: "ثم أصبح ينضخ طيبًا"؛ أي: قبل غسله. وقد ثبت في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان ذَرِيرةً، وهي فُتاةُ قَصَب طيب، يُجاء به من الهند، وهي مما يذهبه الغسل. قالوا: وقولها: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ ، وهو محرم"، المراد منه أثره، لا جرمه، هذا كلام المالكية.
قال النوويّ: ولا يوافَقون عليه، بل الصواب ما قاله الجمهور: إن الطيب مستحبّ للإحرام؛ لقولها: "طيّبته لحرمه"، وهذا ظاهر في أن الطيب للإحرام، لا للنساء، ويعضده قولها: "كأني أنظر إلى وَبيص الطيب". والتأويل الذي قالوه غير مقبول؛ لمخالفته الظاهر بلا دليل يحملنا عليه. انتهى.
وقال ابن عبد البرّ على لسان الذاهبين إلى استحباب الطيب للإحرام: لا معنى لحديث ابن المنتشر - يعني الذي فيه: "ثم طاف على نسائه" - لأنه ليس ممن يعارض به هؤلاء الأئمة، ولو كان ما كان في لفظه حجة؛ لأن قوله: "طاف على نسائه" يَحْتَمِل أن يكون طوافه لغير جماع؛ ليعلّمهنّ كيف يُحرمن، وكيف يعملن في حجّهنّ، أو لغير ذلك، والدليل على ذلك ما رواه منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، قالت: "كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ بعد ثلاث، وهو محرم".
قالوا: والصحيح في حديث ابن المنتشر ما رواه شعبة عنه، عن أبيه، عن عائشة ﵂، فقال فيه: "فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا، ينضخ طيبًا". قالوا: والنضخ في كلام العرب: اللطخ، والظهور، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ [الرحمن: ٦٦]. ذكر هذا كله وليّ الدين ﵀.
стр. 13012
وقال الحافظ ﵀: واحتجّ المالكيّة بأمور:
(منها): أنه ﷺ اغتسل بعد أن تطيّب، لقوله في رواية ابن المنتشر المتقدّمة في "الغسل": "ثم طاف بنسائه، ثم أصبح محرمًا"، فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته ﷺ أن يغتسل عند كلّ واحدة، ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطيب أثر.
ويردّه قولها في الرواية الماضية أيضًا: "ثم أصبح محرمًا، ينضخ طيبًا"، فهو ظاهر في أن نضخ الطيب - وهو ظهور رائحته - كان في حال إحرامه، ودعوى بعضهم أن فيه تقديمًا وتاخيرًا، والتقدير: طاف على نسائه، ينضخ طيبًا، ثم أصبح محرمًا خلافُ الظاهر، ويردّه قوله في رواية الحسن بن عبيد اللَّه، عن إبراهيم عند مسلم: "كان إذا أراد أن يُحرم يتطيّب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه، ولحيته بعد ذلك"، وللنسائيّ، وابن حبّان: "رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث، وهو محرم".
وقال بعضهم: إن الوَبِيص كان بقايا الدهن المطيّب الذي تطيّب به، فزال، وبقي أثره، من غير رائحة.
ويردّه قول عائشة ﵂: "ينضخ طيبًا".
وقال بعضهم: بقي أثره، لا عينه، قال ابن العربيّ: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت. انتهى.
وقد روى أبو داود، وابن أبي شيبة، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، قالت: "كنّا نضمّخ وجوهنا بالمسك المطيّب قبل أن نحرم، ثم نحرم، فنعرق، فيسيل على وجوهنا، ونحن مع رسول الله ﷺ ، فلا ينهانا"، فهذا صريحٌ في بقاء عين الطيب، ولا يقال: إن ذلك خاصّ بالنساء؛ لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين.
وقال بعضهم: كان ذلك طيبًا لا رائحة له، تمسّكًا برواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: "بطيب لا يشبه طيبكم"، قال بعض رواته: تعني لا بقاء له، أخرجه النسائيّ (١).
стр. 13013
ويردّ هذا التأويل ما في الذي قبله. ولمسلم من رواية منصور بن زاذان، عن عبد الرحمن بن القاسم: "بطيب فيه مسك"، وله من طريق الحسن بن عبيد اللَّه، عن إبراهيم: "كأني أنظر إلى وبيص المسك"، وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه: "بأطيب ما أجد"، وللطحاويّ، والدارقطنيّ من طريق نافع، عن ابن عمر، عن عائشة ﵂: "بالغالية الجيّدة"، وهذا يدلّ على أن قولها: "بطيب، لا يُشبه طيبكم"؛ أي: أطيب منه، لا كما فهمه القائل: تعني ليس له بقاء.
وادَّعَى بعضهم أن ذلك من خصائصه ﷺ ، قاله المهلّب، وأبو الحسن القصّار، وأبو الفرج من المالكيّة، قال بعضهم: لأن الطيب من دواعي النكاح، فنَهَى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه، ففعله، ورجحه ابن العربيّ بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "حُبّب إليّ النساء والطيب"، أخرجه النسائيّ من حديث أنس ﵁.
وتُعُقّب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس.
وقال المهلّب: إنما خُصّ بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي.
وتُعقّب بأنه فرع ثبوت الخصوصيّة، وكيف بها؟ ويردّها حديث عائشة بنت طلحة المتقدّم.
ورَوَى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، قالت: "طيّبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم"، وبقولها: "طيّبت رسول الله ﷺ بيديّ هاتين"، أخرجه الشيخان من طريق عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده، عنها، وعند البخاريّ من طريق سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: "وأشارت بيديها".
واعتذر بعض المالكيّة بأن عمل أهل المدينة على خلافه.
وتُعُقّب بما رواه النسائيّ، من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لَمّا حجّ، جمع ناسًا من أهل العلم، منهم القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم، وعبد اللَّه ابنا عبد اللَّه بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، فسألهم عن التطيّب قبل الإفاضة، فكلّهم أمر به.
стр. 13014
فهؤلاء فقهاء أهل المدينة، من التابعين، قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدّعي مع ذلك العمل على خلافه؟ انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم من التحقيقات أن ما ذهب إليه الجمهور، من جواز استعمال الطيب عند إرادة الإحرام، ولو كان يبقى أثره بعد الإحرام هو الحق؛ لكونه سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وإذا ثبتت السنّة بطل القياس، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]:
إِذَا جَالَتْ خُيُولِ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): دلّ الحديث على إباحة التطيّب بعد رمي جمرة العقبة، والحلق، وقبل طواف الإضافة، وهو المراد بالطواف هنا، وإنما قلنا: بعد رمي جمرة العقبة والحلق؛ لأنه ﷺ رتّب هذه الأفعال يوم النحر هكذا، فرمى، ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن التطيّب كان بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: "قبل أن يطوف بالبيت".
قال النوويّ في "شرح مسلم": وهذا مذهب الشافعيّ، والعلماء كافّة، إلا مالكًا، فكرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث، وكذا حكاه القاضي عياض عن عامّة العلماء.
وقال الترمذيّ في "جامعه": رُوي عن عمر بن الخطّاب أنه قال: حَلّ كلّ شيء إلا النساء، والطيب.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، من أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم، وهو قول أهل الكوفة. انتهى.
وهذا الذي حكاه عن أهل الكوفة ليس بمعروف عنهم، وفي كتب الحنفية كـ "الهداية"، وغيرها الجزم بحلّ الطيب قبل الطواف.
ثم إن مالكًا مع قوله باستمرار تحريم الطيب يقول: إنه لا فدية عليه لو تطيّب، بخلاف الصيد، فإنه ممنوع منه عنده قبل الطواف كالطيب عنده، ومع
стр. 13015
ذلك فيقول بلزوم الفدية لو اصطاد، وهو محتاج إلى الفرق بينهما.
وحُكي عن بعض أهل الكوفة القول بتحريم الطيب قبل الطواف، وبلزوم الفدية لو تطيّب، وهو القياس، أعني لزوم الفدية على القول بالتحريم، وبالفدية يقول الشافعية تفريعًا على قول شاذّ، حكاه بعضهم أن الطيب يستمرّ تحريمه إلى أن يطوف، وأنكر جماعة منهم هذا القول، وقطعوا بجوازه، واللَّه أعلم. قاله وليّ الدين ﵀ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ الذي لا شكّ فيه هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز الطيب قبل الطواف؛ لصحّة حديث الباب بذلك، ولا التفات إلى الرأي المخالف له، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): استدلّ بقولها: "لحِلّه قبل أن يطوف" على أنه حصل له التحلّل قبل الطواف، قال النوويّ في "شرح مسلم": وهذا متّفق عليه، ويوافقه كلامه في "شرح المهذّب"، فإنه أورد فيه من "سنن أبي داود" حديث أم سلمة رضي اللَّه تعالى عنها، مرفوعًا: "فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت، صِرْتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به". وقال: إنه حديث صحيح. ثم حكى عن البيهقيّ أنه قال: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به، ثم قال النوويّ: فيكون الحديث منسوخًا، دلّ الإجماع على نسخه، فإن الإجماع لا يَنسخ، ولا يُنسخ، لكن يدلّ على ناسخ.
قال وليّ الدين: وكذا قال البيهقيّ في "الخلافيّات": يشبه إن كان قد حفظه ابن يسار صار منسوخًا، ويستدلّ بالإجماع في جواز لبس المخيط بعد التحلّل الأول على نسخه. انتهى.
لكن الخلاف في ذلك موجود، قال ابن المنذر في "الإشراف" لَمّا حكى الخلاف فيما أُبيح للحاجّ بعد الرمي، وقبل الطواف: وفيه قول خامس، وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبه حتى يطوف بالبيت، كذلك قال أبو قلابة. وقال عروة بن الزبير: من أخّر الطواف بالبيت يوم النحر إلى يوم النفر،
стр. 13016
فإنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، وقد اختلف فيه عن الحسن البصريّ، وعطاء، والثوريّ. انتهى كلام وليّ الدين ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أم سلمة ﵂ الذي أشار إليه هو ما أخرجه أبو داود في "سننه"، ولفظه:
١٩٩٩ - حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين - المعنى واحد - قالا: حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحق، حدثنا أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة، عن أبيه، وعن أمه زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، يحدثانه جميعًا ذاك عنها، قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول اللَّه ﷺ ، مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة، ومعه رجل من آل أبي أمية، مُتَقَمِّصَين، فقال رسول اللَّه ﷺ لوهب: "هل أفضت أبا عبد اللَّه؟ "، قال: لا، واللَّه يا رسول اللَّه، قال ﷺ : "انزع عنك القميص"، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول اللَّه؟ قال: "إن هذا يوم رُخِّصَ لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تَحِلُّوا - يعني من كل ما حُرِمتُم منه - إلا النساء، فإذا أمسيتم، قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث وإن صححه بعض العلماء، وقد كنت تابعتهم في "شرح النسائيّ"، إلا أن الصواب أنه غير صحيح؛ لأن فيه ثلاث علل:
[الأولى]: تفرّد أبي عُبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطّلب القرشيّ، وفيه جهالة، ولذا قال عنه في "التقريب": مقبول.
[الثانية]: تفرّد ابن إسحاق به أيضًا، وهو وإن كان إمامًا في المغازي إلا أنه إذا تفرّد بأحاديث الأحكام، ففيه نكارة، قال الإمام الذهبيّ ﵀ في "السير" في ترجمته: وأما في أحاديث الأحكام، فينحطّ حديثه فيها عن رتبة الصحّة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذّ فيه، فإنه يعدّ منكرًا. انتهى كلام الذهبي باختصار (١).
стр. 13017
وقد تفرّد بهذا الحديث، فيُعدّ منكرًا.
[الثالثة]: الاضطراب الواقع في إسناده، وقد أجاد بعض أهل التحقيق من المعاصرين (١) في دراسة هذا الحديث دراسة وافية، فتوصّل فيها إلى أن هذا الحديث شديد الضعف؛ لهذه العلل، وقد أجاد في ذلك وأفاد، فجزاه الله عن خدمة السنّة خير الجزاء.
والحاصل أن الحديث ضعيف، لا يثبت بمثله مخالفة ما عليه جماهير أهل العلم من أن الحاجّ إذا تحلّل التحلّل الأول جاز له كلّ شيء إلا النساء، فتأمل بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قال وليّ الدين العراقيّ ﵀: وإذا قلنا بقول الجمهور، فاختلف العلماء في كيفيّة ذلك التحلّل، فقال ابن حزم الظاهريّ: حلّ من كلّ وجه، وليس للحجّ إلا تحلّل واحد، فيباح له سائر المحرّمات على المحرم، إلا الجماع، فإنه مستمرّ التحريم إلى أن يطوف طواف الإفاضة، وليس ذلك لأنه بقي عليه شيء من إحرامه، بل انقضى إحرامه كلّه، ولكن الجماع محرّم على من هو في الحجّ، وإن لم يكن مُحْرِمًا.
وسبقه إلى ذلك الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين، من الشافعيّة، فقال: ليس للحجّ إلا تحلّل واحد، فإذا رمى جمرة العقبة زال إحرامه، وبقي حكمه حتى يحلق، ويطوف، كما أن الحائض إذا انقطع دمها زال الحيض، وبقي حكمه، وهو تحريم وطئها، حتى تغتسل، حكاه عنه صاحبه القاضي أبو الطيّب، وقال: هذا غلطٌ؛ لأن الطواف أحد أركان الحجّ، فكيف يزول الإحرام، وبعض الأركان باق؟ وهذان القائلان، وإن اتفقا على تحلّل واحد، فقد اختلفا في ذلك التحلّل، فقال الشيخ أبو حامد: هو بما سنحكيه بعد هذا عن الشافعيّة، وقال ابن حزم: هو دخول وقت الرمي بطلوع الشمس يوم النحر، فإذا دخل وقت الرمي حلّ المحرم، سواء رمى، أو لم يرم؛ لأنه ﷺ
стр. 13018
صحّ عنه جواز تقديم الطواف، والذبح، والرمي، والحلق بعضها على بعض، فإذا دخل وقتها بطل الإحرام، وإن لم يفعل شيئًا منها، وسبقه إلى ذلك أبو سعيد الإصطخريّ، من أئمّة الشافعيّة، فقال: إذا دخل وقت الرمي حصل التحلّل الأول، وإن لم يرم.
وحكى صاحب "التقريب" وجهًا شاذًّا أنا إذا لم نجعل الحلق نسكًا حصل التحلّل الأول بمجرّد طلوع الفجر يوم النحر، وقائلا هذين القولين لا يوافقان ابن حزم على أن للحجّ تحلّلًا واحدًا، فمقالته مركّبة من أمرين، قال بكلّ منهما بعض الشافعيّة، ولا نعلم له سلفًا في مجموع مقالته، واللَّه أعلم.
وقال جمهور الفقهاء، من أصحاب المذاهب الأربعة: للحجّ تحلّلان، ثم اختلفوا في أمرين:
(أحدهما): فيما يحصل به التحلّل الأول، فقالت الشافعيّة: إن قلنا: إن الحلق نسك، وهو الصحيح المشهور، حصل التحلّل الأول بفعل أمرين من ثلاثة أمور: وهي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه، إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل اثنين منها؛ أيُّ اثنين كانا، حصل التحلّل الأول.
وإن قلنا: إن الحلق ليس نسكًا، حصل التحلّل الأول بواحد من الرمي، والطواف، فأيهما فعله أوّلًا حلّ التحلّل الأول، وعند أصحابنا يجوز تقديم بعض هذه الأمور على بعض، وترتيبها بتقديم الرمي، ثم الحلق، ثم الطواف (١) مستحبّ فقط، قالوا: ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فات الرمي، ولزمه دم، ويصير كأنه رمى بالنسبة لحصول التحلّل به، والأصحّ عند الرافعيّ، والنوويّ أنه يتوقّف تحلّله على الإتيان ببدله، لكن نصّ الشافعيّ على خلافه.
وحكى الرافعيّ وجهًا شاذًّا أنه يحصل التحلّل الأول بالرمي وحده، أو الطواف وحده، ولو قلنا: الحلق نسك.
стр. 13019
وقالت الحنابلة: يحصل التحلّل الأول بالرمي، والحلق.
وقالت المالكيّة: للحجّ تحلّلان، يحصل أحدهما برمي جمرة العقبة، والآخر بطواف الإفاضة، ولو قدّم طواف الإفاضة على جمرة العقبة، قال مالك، وابن القاسم: يجزئه، وعليه هدي. وعن مالك أيضًا: لا يجزئه، وهو كمن لم يُفِضْ. وقال أصبغ: أحبّ إليّ أن يعيد الإفاضة، وهو في يوم النحر آكد.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول مالك، وابن القاسم المذكور مما لا يُلتفت إليه؛ لمخالفته النصّ الصحيح الصريح، حيث إنه ﷺ سئل عن تقديم بعض هذه الأفعال على بعضها، فقال: "افعل ولا حرج"، فكيف يقال: لا يجزئه، أو يجزئه، ولكن عليه هدي؟ هذا شيء عجيب، واللَّه تعالى أعلم.
وقالت الحنفيّة: إن التحلّل الأول بالحلق خاصّة، دون الرمي، والطواف، فليسا من أسباب التحلّل، وفرّقوا بأن التحلّل هو الجناية في غير أوانها، وذلك مختصّ بالحلق، وأما ذبح الهدي، فليس مما يتوقّف عليه التحلّل، إلا أن الحنفية، والحنابلة قالوا: إن المتمتع إذا كان معه هديٌ لا يحلّ من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، وقد خالفهم الجمهور في ذلك.
وقال الترمذيّ في "جامعه" في الكلام على هذا الحديث: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ ﷺ ، وغيرهم، يرون أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر، وذبح، وحلق، أو قصر، فقد حلّ له كلّ شيء، حرم عليه إلا النساء، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": فيه نظر من حيث إن المذكورين لا يتوقّف عندهم التحلّل الأول بالذبح، ثم حكى مقالة أبي حنيفة، وأحمد في المتمتّع الذي ساق الهدي، وقد تقدّمت. انتهى.
وقال الإسنويّ في "المهمّات": اتفق الأصحاب على أنه لا مدخل للذبح في التحلّل.
قال وليّ الدين: يشكل على ذلك ما أجاب به أصحابنا من حديث عائشة ﵂ في "الصحيح": "من أحرم بعمرة، وأهدى، فلا يحلّ حتى ينحر هديه"، فقالوا: تقديره: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحجّ، ولا يحلّ
стр. 13020
حتى ينحر هديه، قال: وممن ذكره النوويّ، وقال: ولا بدّ من هذا التأويل. انتهى، ومقتضاه أن الحاجّ لا يحلّ حتى ينحر هديه.
وفي سنن الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رميتم، وحلقتم، وذبحتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا النساء"، لكنه حديث ضعيف، مداره على الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ومع ذلك فاضطرب في إسناده، ولفظه، ورواه أبو داود بلفظ: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حلّ له كل شيء، إلا النساء". ومقتضى كلام النوويّ في "شرح المهذّب" أن في رواية أبي داود ذكر الحلق أيضًا، وليس كذلك.
(الأمر الثاني): فيما يحلّ بالتحلّل الأول، وقد اتفق هؤلاء على أنه يحلّ به ما عدا الجماع، ومقدّماته، وعقد النكاح، والصيد، والطيب، وأجمعوا على أنه لا يحلّ الجماع، واختلفوا في بقيّة هذه الأمور:
فقال الشافعيّة: يحلّ الصيد، والطيب، واختلفوا في عقد النكاح، والمباشرة فيما دون الفرج، وفيه قولان للشافعيّ، أصحّهما التحريم، كذا صححه النوويّ، ونقله عن الأكثرين، وذكر الرافعيّ أن القائلين به أكثر عددًا، وقولهم أوفق لظاهر النصّ في "المختصر"، لكنه صحّح في "الشرح الصغير" الحلّ، واقتضى كلامه في "المحرّر" التفصيل بين المسألتين، فصرّح بإباحة عقد النكاح بالأول، وجعل المباشرة داخلة فيما يحلّ بالثاني، وكلام الحنابلة موافق للمرجّح عندنا، وعبارة الشيخ مجد الدين ابن تيمية في "المحرّر": ثم قد حلّ من كلّ شيء، إلا النساء، وعنه: يحلّ إلا الوطء في الفرج، وكذا مذهب الحنفيّة، قال صاحب "الهداية": وقد حلّ له كل شيء، إلا النساء، ثم قال: ولا يحلّ الجماع فيما دون الفرج عندنا خلافًا للشافعيّ، فنصب الخلاف معه على أحد قوليه، وأما عقد النكاح فهو جائزٌ عندهم في الإحرام.
وقال المالكيّة: يستمرّ تحريم النساء، والصيد، والطيب، إلا أنهم أوجبوا في الصيد الجزاء، ولم يوجبوا في الطيب الفدية، كما تقدّم.
قال ابن حزم: وهذا عجيب، فإن احتجّوا بالأثر الوارد في تطييب النبيّ ﷺ قبل أن يطوف بالبيت قلنا: لا يخلو هذا الأثر من أن يكون صحيحًا، ففرض عليكم ألا تخالفوه، وقد خالفتموه، أو غير صحيح، فلا تراعوه،
стр. 13021
وأوجبوا الفدية على من تطيّب، كما أوجبتموه على من تصيّد.
وقال ابن عبد البرّ: راعى مالك الاختلاف في هذه المسألة، فلم ير الفدية على من تطيّب بعد رمي جمرة العقبة، وقبل الإفاضة، وقال أبو العبّاس القرطبيّ: اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث بادّعاء خصوصيّة النبيّ ﷺ بذلك.
والجواب عنه: الأصل التشريع، وعدم التخصيص، والقول بالتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس ثَمّ دليل على ذلك.
وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاجّ بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم بن عبد اللَّه، وطاوس، والنخعيّ، وعبد اللَّه بن حسن، وخارجة بن زيد، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء. وروينا ذلك عن ابن عباس.
وقال عمر بن الخطّاب، وابن عمر: يحلّ كلّ شيء، إلا النساء، والطيب. وقال مالك: له كلّ شيء، إلا النساء، والطيب، والصيد، وقد اختلف فيه عن إسحاق، فذكر إسحاق بن منصور عنه ما ذكرناه، وذكر أبو داود الخفّاف عنه أنه قال: يحلّ له كلّ شيء، إلا النساء، والصيد. ثم قال: وفيه قول خامس، فذكر كلامه المتقدّم، وهو أن المحرم إذا رمى الجمرة يكون في ثوبه حتى يطوف بالبيت، ذكره وليّ الدين ﵀ بتصرّف (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد سبق أن الراجح عندي هو ما قاله الجمهور من أن التحلّل الأول يبيح كل شيء إلا النساء، وقد أسلفت أن حديث أم سلمة ﵂ من أن الحاجّ إذا لم يطف يوم النحر، ودخل عليه المساء عاد حرامًا ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به، فتنّبه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: طَيَّبْتُ
стр. 13022
رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِي لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابد، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (أفلَحُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفيراء، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٧.
٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم قريبًا.
٤ - (عائشة ﵂)، ذُكرت قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٧٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) فيه تصريح بأن التحلل الأول يَحْصُل بعد رمي جمرة العقبة والحلق قبل الطواف، وهذا مُتّفقٌ عليه، قاله النوويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن النوويّ ﵀ أراد اتّفاق أهل مذهبه، وإلا فقد عرفت أن الخلاف فيه موجود، لكن هذا هو الصحيح، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
стр. 13023
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ) تقدّم ضبطهما، والمراد عند إرادة الإحرام بالحج، وبعد الإحلال منه؛ لأن التطيّب بعد الإحرام لا يجوز، وكذا قبل التحلّل، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق القول فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
стр. 13024
أَخْبَرَنِي (١) عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرسانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب.
٥ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ قليل الحديث (٢) [٦].
رَوَى عن أبيه، وجدّه، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرو بن سُليم الزُّرَقيّ.
وروى عنه ابن جريج، وابن إسحاق، والقاسم بن عبد الواحد، ويزيد بن الهاد، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، والبخاريّ في "تاريخه"، وابن أبي حاتم هكذا، وقال يعقوب بن شيبة: أنكر مصعب أن يكون لعبد الله بن عروة عقب، قال يعقوب: ولعل ابن جريج أراد بقوله: عمر بن عبد الله بن عروة عمر بن عروة.
قال الحافظ المزيّ: كذا قال، ولا التفات إلى ذلك؛ لأنه جاء منسوبًا هكذا في عدّة أحاديث من غير رواية ابن جريج أيضًا، قال الحافظ: وقد صرّح ابن جريج بالسماع منه، ولو كان هو عمر بن عروة لم يَلحَقه ابن جريج؛ لأنه قُتل مع عمه عبد الله بن الزبير، وقد ذكر ابن سعد عمر بن عبد الله بن عروة في
стр. 13025
الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقال: أمه أم حكيم بنت عبد الله بن الزبير، قال: وكان كبيرًا قليل الحديث، ولم يُعْقِب، وكذا ذكره ابن حبان في أتباع التابعين. انتهى (١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وليس له عندهم إلا هذا الحديث فقط.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ) هو جدّه عروة بن الزبير، وَ"الْقَاسِمَ" هو: ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق.
وقوله: (بِذَرِيرَةٍ) بالذال المعجمة، وراءين، بوزن عَظِيمة: وهي نوع من الطيب مركَّبٌ، قال الداودي: تُجْمَع مفرداته ثم تُسْحَق، وتُنْخَل، ثم تُذَرّ في الشعر والطوق، فلذلك سُمِّيت ذَرِيرةً، كذا قال، وعلى هذا فكل طيب مركب ذريرةٌ، لكن الذريرة نوع من الطيب مخصوص، يعرفه أهل الحجاز وغيرهم، وجزم غير واحد منهم النوويّ بأنه فُتَاتُ قَصَب طيِّب، يجاء به من الهند، قاله في "الفتح" (٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: "الذَّرِيرَةُ" ويقال أيضًا: "الذّرُورُ": نوع من الطيب، قال الزمخشريّ: هي فُتاتُ قَصَب الطيب، وهو قَصَبٌ يُؤتى به من الهند، كقصب النُّشّاب، وزاد الصغانيّ: وأُنبُوبه محشُوّ من شيء أبيض، مثلِ نَسْج الْعَنكبوت، ومَسْحُوقه عَطِرٌ إلى الصُّفْرة والبياض. انتهى (٣).
وقوله: (لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ) كذا وقع مختصرًا، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية رَوح بن عُبادة، عن ابن جريج بلفظ: "حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت" (٤).
[تنبيه]: قوله: "بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ" اجتمع فيه أربع جارّات، وكلّها يتطلبه "طيّبت"، فيكون "بيدي" متعلّقًا به، و"بذريرة" متعلّقًا بحال، أو بالعكس؛ لئلا يتعلّق حرفا جرّ بمعنى على فعل واحد، وهو لا يجوز إلا في أفعل التفضيل، كما هو مقرّر في محلّه، وأما "في حجة