ورواه ابن بطة في "الإبانة"، وفي سنده حمزة بن أبي حمزة قال الدارقطنيّ: متروك، وقال ابن عديّ: عامة مروياته موضوعة، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات، حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية عنه.
وقد ساق له الذهبي في "الميزان" أحاديث من موضوعاته، هذا منها.
وقال أبو محمد بن حزم ٦/ ٨٣: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلًا، بل لا شكّ أنها مكذوبة؛ لأن الله تعالى يقول في صفة نبيّه ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤] فإذا كان كلامه ﷺ في الشريعة حقًّا، وواجبًا، فهو من الله تعالى بلا شكّ، وما كان من الله تعالى، فلا يُختَلَف فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقد نهى الله تعالى عن التفرّق والاختلاف بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] فمن المحال أن يأمر رسول الله ﷺ باتباع كلّ قائل من الصحابة ﷺ ، وفيهم من يحلّل الشيء، وغيره يحرّمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالًا، اقتداءً بسمرة بن جندب، ولكان أكل البَرَد للصائم حلالًا، اقتداءً بأبي طلحة، وحرامًا اقتداءً بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبًا، اقتداء بعليّ، وعثمان، وطلحة، وأبي أيوب، وأبيّ بن كعب، وحرامًا اقتداء بعائشة، وابن عمر، وكلّ هذا مرويّ عندنا بالأسانيد الصحيحة.
ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة، وأخطأوا فيها السنّة، وذلك في حياته ﷺ ، وبعد مماته، ثم قال (٨٦): فكيف يجوز تقليد قوم يُخطئون، ويصيبون؟
وقال قبل ذلك ٥/ ٦٤ تحت باب "ذمّ الاختلاف":
وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صحّ عن رسول الله ﷺ الذي أمره الله تعالى ببيان الدين … فصحّ أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلًا، وقد غلط قومٌ، فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجّوا بما رُوي عن النبيّ ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق؛ لوجوه ضروريّة:
(أحدها): أنه لم يصحّ من طريق النقل.
стр. 13197
(والثاني): أنه ﷺ لم يَجُز أن يأمر بما نهى عنه، وهو ﷺ قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره، وكَذَب عمر في تأويل تأوّله في الهجرة، وخطّأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدّة، فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون ﷺ يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ، تعالى الله عن ذلك، وحاشا له ﷺ من هذه الصفة، وهو ﷺ قد أخبر أنهم يُخطئون، فلا يجوز أن يأمر باتباع من يُخطئ، إلا أن يكون ﷺ أراد نقلهم لما رووا عنه، فهذا صحيح؛ لأنهم ﵃ كلهم ثقات، فمن أيهم نقل فقد اهتدى الناقل.
(والثالث): أن النبيّ ﷺ لا يقول الباطل، بل قوله الحقّ، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنه من أراد مطلع الجدي، فأمّ جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضلّ ضلالًا بعيدًا، وأخطأ خطأ فاحشًا، وليس كلّ النجوم يُهتدى بها في كلّ طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك الحديث، وسقوطه وضوحًا ضروريًّا. انتهى.
ونقل خلاصته ابن الملقّن في "الخلاصة" ٢/ ١٧٥ وأقرّه، وبه ختم على الحديث، وقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصحّ قط.
وروي هذا الحديث بلفظ آخر، وهو:
"أهل بيتي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم"، وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذّاب، وقد قال الذهبيّ في هذه النسخة: فيها بلايا، وأحمد بن إسحاق لا يحلّ الاحتجاج به، فإنه كذاب، وأقرّه الحافظ في "اللسان".
(وأما حديث: "اختلاف أمتي رحمة"): فلا أصل له، قال السبكي ﵀: ليس بمعروف عند المحدّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع.
وأما قول السيوطيّ في "الجامع الصغير": ولعله خُرّج في بعض كتب الحفّاظ التي لم تصل إلينا، فمن أعجب ما يُسمع ويرى من أمثال السيوطيّ الجامع بين النقل والعقل، فهل نقول لكل حديث موضوع: فلعل له سندًا صحيحًا لم يصل إلينا؟ إن هذا لهو العجب العجاب!.
стр. 13198
وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في "الإحكام في أصول الأحكام" ٥/ ٦٥ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق، أو اختلاف، وليس إلا رحمة، أو سخط.
[فإن قيل]: إن الصحابة ﵃ قد اختلفوا، وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذمّ المذكور؟
[قلت]: أجاب عنه الإمام ابن حزم ﵀، فقال في كتابه المذكور ٥/ ٦٧ - ٦٨: كَلّا، ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كلّ امرئ منهم تحرّى سبيل الله، ووجهة الحقّ، فالمخطئ منهم مأجور أجرًا واحدًا؛ لنيّته الجميلة في إرادة الخير، وقد رُفع عنهم الإثم في خطئهم؛ لأنهم لم يتعمّدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كلّ مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين، ولم يبلغه، وإنما الذمّ المذكور، والوعيد المنصوص لمن ترك التعلّق بحبل الله تعالى، وهو القرآن، وكلام النبيّ ﷺ بعد بلوغ النصّ إليه، وقيام الحجّة به عليه، وتعلّق بفلان وفلان، مقلّدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيّة، وحميّة الجاهليّة، قاصدًا للفرقة، متحريًا في دعواه بردّ القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النصّ أخذ به، وإن خالفها تعلّق بجاهليّته، وترك القرآن، وكلام النبيّ ﷺ ، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون، وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقّة الدين، وقلّة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كلّ قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كلّ عالم، مقلّدين له غير طالبين ما أوجبه النصّ عن الله، وعن رسوله ﷺ . انتهى كلام ابن حزم ﵀، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيسٌ لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَاد،
стр. 13199
وَقَالَ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعًا، عَلَى جَمِيعِ رَأسِه، فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبدًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه تقدّم قبل حديث.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريبًا.
و"زيد بن أسلم" ذُكر قبله.
وقوله: (فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ … إلخ) بتشديد الراء، من الإمرار.
وقوله: (عَلَى جَمِيعِ رَأسِهِ) تأكيد لما قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن زيد بن أسلم هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٦٥) فقال:
(٣٠٧٨) - حدّثنا عبد الصمد بن الفضل، نا مكيّ (ح) وحدّثنا الصاغانيّ، ثنا رَوْح، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، أنه أخبره، عن أبيه عبد الله بن حُنين، قال: كنت مع ابن عباس والمسور بن مخرمة بالأبواء، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب، فقال: قل له: يَقْرَأُ عليك السلامَ ابنُ أخيك عبد الله بن عباس، ويسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه، وهو محرم؟ قال: فوضع يده على الثوب، وطأطأه، حتى رأيت رأسه، وقال لرجل: صُبّ، فصَبَّ عليه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يغسل رأسه، وهو محرم، إلا أن مكيّ: قال: فأقبل بهما وأدبر، وقال مسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13200
(١٤) - (بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩١] (١٢٠٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ خَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَعِيره، فَوُقِصَ، فَمَاتَ، فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْه، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأَسَهُ، فَإِنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّبًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ عَبّاسٍ) الحبر البحر ﵄، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن سعيد بن جبير.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ﵄، حبر الأمة، وبحرها، ومن المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَن النَّبِيِّ ﷺ خَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَعِيرِهِ) أي: سقط من ظهر بعيره، و"البعِير" بفتح الموحّدة، وقد تُكسر: الجمل البازل (١)، أو
стр. 13201
الجَذَعُ (١)، قاله في "القاموس" (٢).
وفي رواية حماد: "بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع من راحلته"، وفي رواية ابن جريج: "أقبل رجل حَرَامًا مع النبيّ ﷺ ، فخرّ من بعيره".
[تنبيه]: قوله: "خرّ رجلٌ" قال الحافظ: لم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية المحرم المذكور، وقد وهم بعض المتأخّرين، فزعم أن اسمه واقد بن عبد الله، وعزاه لابن قتيبة في ترجمة عمر، من كتاب المغازي، وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر، ذكر أولاده، ومنهم عبد الله بن عمر، ثم ذكر أولاد عبد الله بن عمر، فذكر فيهم واقد بن عبد الله بن عمر، فقال: وقع عن بعيره، وهو محرم، فهلك، فظنّ هذا المتأخّر أن لواقد بن عبد الله بن عمر صحبة، وأنه صاحب القصّة التي وقعت في زمن النبيّ ﷺ ، وليس كما ظنّ، فإن واقدًا المذكور لا صحبة له، فإن أمه صفيّة بنت أبي عُبيد، إنما تزوّجها أبوه في خلافة أبيه عمر، واختُلف في صحبتها، وذكره العجليّ، وغيره في التابعين، ووجدت في الصحابة واقد بن عبد الله آخر، لكن لم أر في شيء من الأخبار أنه وقع عن بعيره، فهلك، بل ذكر غير واحد، منهم ابن سعد أنه مات في خلافة عمر، فبطل تفسير المبهم بأنه واقد بن عبد الله من كلّ وجه. انتهى كلام الحافظ ﵀ (٣).
(فَوُقِصَ) بالبناء للمفعول؛ أي: انكسرت عنقه، ووقصته، وأوقصته بمعناه، يقال: وَقَصَت الناقة براكبها وَقْصًا، من باب وَعَدَ: رَمَتْ به، فدَقّت عُنُقه، فالعُنُق موقوصة، قاله في "المصباح" (٤).
وقال في "القاموس": وَقَصَ عُنُقه، كوَعَد: كسرها، فَوَقَصَتْ لازم مُتعَدٍّ، ووُقِصَ كعُنِي، فهو موقوصٌ، ووَقَصَتْ به راحلته تَقِصُهُ. انتهى (٥).
стр. 13202
وقال ابن الأثير ﵀: الوقصُ: كسرُ العنق، وقصتُ عنقَهُ أَقِصُها وَقْصًا، ووقَصَت به راحلته، كقولك: خُذ الخطامَ، وخذ بالخطام، ولا يقال: وَقَصَتِ العنقُ نفسُهَا، ولكن يقال: وُقِصَ الرجلُ، فهو موقوصٌ. انتهى (١).
(فَمَاتَ، فَقَالَ) ﷺ ("اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فيه دليلٌ على وجوب غسل الميت، وفيه جواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يُعدّ طيبًا، وحَكَى المزنيّ عن الشافعيّ أنه استدلّ على جواز قطع سدر الحرم بهذا الحديث، لقوله فيه: "واغسلوه بماء وسدر"، والله أعلم، قاله في "الفتح".
(وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) أي: إزاره ورداءه اللذين لبسهما في الإحرام، وهذا نصّ في أن كفن المحرم ثوباه اللذان أحرم بهما، ولا يزاد عليهما غيرهما.
وفي رواية أخرى: "في ثوبين" بدون الضمير، قال القاضي عياض: والأولى أكثر الروايات، قال القرطبيّ: فعلى الرواية الأولى يحتجّ الشافعيّ على بقاء حكم إحرامه، كما سيأتي؛ لأنه أمر أن يكفّن في ثيابه التي كانت عليه، والرواية الثانية يَحْتَمِل أن تُحْمَل على الأولى، ويَحْتَمِل أن يريد: زيدوا على ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين، ليكون كفنه وترًا، والأول أولى لأن إحدى الروايتين مفسِّرة للأخرى.
وقال المحبّ الطبريّ: ﵀ في "أحكامه": إنما لم يزده ثوبًا ثالثًا، تكرمةً له، كما في الشهيد، حيث قال: "زمّلوهم بدمائهم". انتهى.
وقال في "الفتح": يَحْتَمِل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه؛ لكونه مات فيهما، وهو متلبّس بتلك العبادة الفاضلة، ويَحْتَمِل أنه لم يجد له غيرهما. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر، كما بيّنه المحبّ الطبريّ، ورجّحه القرطبيّ رحمهما الله تعالى، والله تعالى أعلم.
(وَلَا تُخَمِّرُوا) بالتشديد، من التخمير؛ أي: لا تغطّوا، ولا تستروا (رَأسَهُ) في النهي عن تخمير رأسه دليلٌ على بقاء إحرامه، وكذا في المنع عن التحنيط، وأصرح من ذلك ما ذكره بالفاء التعليليّة، حيث قال: (فَكان اللهَ يَبْعَثُهُ) أي:
стр. 13203
يحشره من قبره (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا") أي: لأن الله يبعثه يوم القيامة على الحالة التي مات عليها، وهي التلبّس بالحجّ، قائلًا: لبيك اللهمّ لبيك، وفي رواية أبي بشر: "فإنه يُبعث يوم القيامة ملبِّدًا". وفي رواية أبي الزبير: "فإنه يُبْعَثُ يوم القيامة، وهو يُهِلّ"، وفي رواية منصور: "فإنه يُبعث يلبي"، وفي رواية للنسائيّ ﵀: "فإنه يُبعث يوم القيامة مُحرمًا".
قال الصنعاني ﵀: الظاهر أنه يُبعث قائلًا: لبيك، وقيل: على الهيئة التي مات عليها؛ ليكون علامة على النسك الذي تلبّس به. انتهى (١).
وقال النوويّ ﵀: معناه على الهيئة التي مات عليها، ومعه علامة لحجّه، وهي دلالة الفضيلة، كما يجيء الشهيد يوم القيامة، وأوداجه تَشْخَب دمًا. انتهى.
ووقع في رواية: "يبعث يوم القيامة ملبّدًا" بدال بدل التحتانية، والتلبيد: جمع الشعر بصمغ، أو غيره، ليخفّ شعثه، وكانت عادتهم في الإحرام أن يصنعوا ذلك.
وقد أنكر عياض هذه الرواية، وقال: ليس للتلبيد معنى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا وجه لإنكار القاضي عياض لرواية "مُلَبِّدًا" بعد صحة نقلها، ودعواه عدم المعنى لها، غير صحيحة، بل لها معنى مقصود، وهو أن يكون التلبيد علامة على موته، وهو كذلك، كما أن الشهيد يأتي بدمه وكَلِمِهِ علامة على موته كذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الإمام أبو داود ﵀ في "سننه" - بعد إخراج الحديث -: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: كَفِّنُوه في ثوبيه؛ أي: يكفن الميت في ثوبين، واغسلوه بماء وسدر؛ أي: إن في الغَسَلات كلها سدرًا، ولا تُخَمِّروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، وكان الكفن من جميع المال.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 13204
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﵄ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٨٩١ و ٢٨٩٢ و ٢٨٩٣ و ٢٨٩٤ و ٢٨٩٥ و ٢٨٩٦ و ٢٨٩٧ و ٢٨٩٨ و ٢٨٩٩ و ٢٩٠٠ و ٢٩٠١] (١٢٥٦)، و (البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٦٥ و ١٢٦٦ و ١٢٦٧)، و"جزاء الصيد" (١٨٤٩ و ١٨٥٠ و ١٨٥١)، و (أبو داود) في "المناسك" (٣٢٣٨ و ٣٢٤١)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٥١)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٣٩/ ٤ و ٥/ ١٤٤ و ١٤٥ و ١٩٦ و ١٩٧)، و (الكبرى) (١/ ٦٢٢ و ٢/ ٣٧٨ و ٣٧٩ و ٤٨٠)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٣٠٨٤)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٥٧)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٣/ ٣٠٣ و ٧/ ١٢٩٨، و (الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٢٣)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤٦٧)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٥ و ٢٢٠ و ٢٢١ و ٢٦٦ و ٢٨٦ و ٣٢٨ و ٣٣٣ و ٣٤٦)، و (الدارمي) في "سننه" (١٨٥٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٢٧٠ - ٢٧٣)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٦٩ و ٢٧٠ و ٢٧١ و ٢٧٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٩٧ - ٥٣)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٥٠٦)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٥٣)، و"الصغير" (١/ ١٤٢)، و"الكبير" (١٢/ ٢٤ و ٧٦ و ٧٧)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٩٦ و ٢٩٧)، و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٩٢)، و"المعرفة" (٣/ ١٢٨ و ١٢٩)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يُفعل بالمحرم إذا مات.
٢ - (ومنها): استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأن إحرامه باق.
٣ - (ومنها): أنه لا يكفّن في المخيط.
٤ - (ومنها): أن فيه التعليل بالفاء، لقوله: "فإنه يبعث إلخ".
стр. 13205
٥ - (ومنها): أن التكفين في الثياب الملبوسة جائز، قال النوويّ ﵀: وهو مجمع عليه. انتهى.
٦ - (ومنها): جواز التكفين في ثوبين، والأفضل الثلاثة إذا تيسر، لغير المحرم.
٧ - (ومنها): أن الكفن يكون من رأس المال، وأنه مقدّم على الدَّين وغيره؛ لأن النبيّ ﷺ أمر بتكفينه في ثوبيه، ولم يستفصل هل عليه دَين مستغرق، أم لا؟
٨ - (ومنها): أن التكفين واجب، قال النوويّ ﵀: وهو إجماع في حقّ المسلم، وكذلك غسله، والصلاة عليه، ودفنه. انتهى.
٩ - (ومنها): استحباب دوام التلبية في الإحرام، واستحباب التلبيد.
١٠ - (ومنها): إباحة غسل المحرم الحيّ بالسدر، خلافًا لمن كرهه له.
١١ - (ومنها): أن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحّة، بل هو مستحبّ لغير المحرم، وهو قول الجمهور، واختُلِف فيما إذا شحّ بعض الورثة بالثاني، أو الثالث، والمرجّح أنه لا يُلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن، فلا بدّ منه بالاتفاق.
١٢ - (ومنها): أن الإحرام يتعلّق بالرأس.
١٣ - (ومنها): أن من شرع في عمل طاعة، ثم حال بينه وبين إتمامه الموت يُرجَى له أن يكتبه الله في الآخرة من أهل ذلك العمل.
١٤ - (ومنها): أنه يدلّ على ترك النيابة في الحجّ؛ لأنه ﷺ لم يأمر أحدًا أن يُكَمِّل عن هذا المحرم أفعال الحجّ، هكذا قيل، وفيه نظر لا يخفى.
١٥ - (ومنها): أنه استَنْبَط الإمام الشافعيّ، وتبعه المزنيّ - رحمهما الله تعالى - من هذا الحديث جواز قطع شجر السدر؛ لقوله: "اغسلوه بماء وسدر"، وأما حديث: "من قطع شجر سدر، صوّب الله رأسه في النار"، حديث صحيح أخرجه أبو داود، فمحمول على من قطع ما يَستَظِلُّ به ابنُ السبيل، والبهائم عبثًا بغير حقّ، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أغرب القرطبي، فحكى عن الشافعيّ أن المحرم لا يصلَّى عليه،
стр. 13206
وليس ذلك بمعروف عنه، ذكره في "الفتح" (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء فيما يُفعل بالمحرم إذا مات:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: وقد اختلف أهل العلم في تخمير رأس المحرم الميت، وتطييبه، فقالت طائفة: يُصنع به كما يُصنع بسائر الموتى، هذا قول عائشة، وبه قال عمر، وطاوس، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا بأس بأن يُحنِّطَ الحلالُ المحرمَ الميتَ بالطيب.
وقالت طائفة: لا يُغطى رأسه، ولا يُمسّ طيبًا، رُوي هذا القول عن عليّ ﵁، وقال ابن عباس ﵄: لا يُغطّى رأسه، وقال الشافعيّ: لا يُمسّ طيبًا، ولا يُخمّر رأسه، وبه قال أحمد، وإسحاق.
قال ابن المنذر ﵀: وبما ثبت عن رسول الله ﷺ نقول - يعني حديث الباب -. قال: وكان الثوريّ يميل إلى القول بالحديث.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبما قاله ابن المنذر، ومال إليه الثوريّ - رحمهما الله تعالى - أقول، لصحة المنقول.
وحاصله أن المحرم الميت يكفّن في ثوبيه، ولا يمسّ طيبًا، ولا يغطّى رأسه، كما أرشد إلى ذلك النبيّ ﷺ في حديث الباب. والله تعالى أعلم.
قال: وروينا عن عطاء قولًا ثالثًا، وهو أن يُغسل بالماء، ويكفّن، ويُغطّى رأسه، ولا يُحنّط.
قال: واختلفوا في تخمير وجهه، فأما من قال: إذا مات المحرم ذهب إحرامه، فلا معنى للمسألة على مذهبه؛ لأنه يَرى أن يُفعل به كما يُفعل بسائر الموتى، وقياس قول من رأى أن للمحرم الحيّ أن يُخمِّرَ وجهَهُ أن يقول: يُخَمَّرُ وجهُ المحرم الميت.
وممن كان لا يرى بأسًا أن يُخَمِّرَ المحرمُ وجهَهُ سعد بن أبي وقّاص، وجابر بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وطاوس، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
стр. 13207
وكرهت طائفة من أصحاب الحديث أن يُخَمِّرَ وجهَهُ، وأن يُخَمَّر وجهُ المحرم الميت. وحُجَّةُ هؤلاء حديثُ ابن عباس ﵄ بلفظ: "ولا تخمِّروا وجهه ورأسه … ".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما عزاه إلى أصحاب الحديث هو الحقّ، لصحة الحديث بذلك كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" عند قول البخاريّ: "باب الحنوط للميت": أي: غير المحرم، وأورد حديث ابن عباس المذكور في الباب، قال: وشاهدُ الترجمة قوله: "ولا تحنّطوه"، ثم علّل بأنه يُبعث ملبيًا، فدلّ على أن سبب النهي أنه كان محرمًا، فإذا انتفت العلّة انتفى النهي، وكأن الحنوط للميت كان مقرّرًا عندهم، وكذا قوله: "ولا تخمّروا رأسه"؛ أي: لا تُغَطُّوه.
قال البيهقي ﵀: فيه دليل على أن غير المحرم يُحنّط، كما يُخمّر رأسه، وأن النهي إنما وقع لأجل الإحرام، خلافًا لمن قال من المالكيّة وغيرهم: إن الإحرام ينقطع بالموت، فيُصنع بالميت ما يُصنع بالحيّ. قال ابن دقيق العيد: ﵀: وهو مقتضى القياس، لكن الحديث بعد أن ثبت يقدّم على القياس، وقد قال بعض المالكية: إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم، ولكنها واقعة حال، يتطرّق الاحتمال إلى منطوقها، فلا يستدلّ بمفهومها.
وقال بعض الحنفية: هذا الحديث ليس عامًّا بلفظه؛ لأنه في شخص معيّن، ولا بمعناه؛ لأنه لم يقل: يبعث ملبيًا لأنه محرم، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل منفصل.
وقال ابن بزيزة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل؛ لأن إخباره ﷺ بأنه يُبعث ملبيًا شهادة بأن حجه قُبل، وذلك غير محقّق لغيره.
وتعقّبه ابن دقيق العيد بأن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعمّ كلّ محرم، وأما القبول وعدمه فأمر مغيّب.
واعتلّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾
стр. 13208
[النجم: ٣٩]، وبقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، وليس هذا منها، فينبغي أن ينقطع عمله بالموت.
وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه، وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحيّ بعده، كغسله، والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكره.
وقال ابن المنيّر ﵀ في "الحاشية": وقد قال ﷺ في الشهداء: "زمّلوهم بدمائهم" مع قوله: "والله أعلم بمن يُكلم في سبيله"، فعمّم الحكم في الظاهر، بناء على ظاهر السبب، فينبغي أن يُعمّم الحكم في كلّ محرم، وبين المجاهد والمحرم جامعٌ؛ لأن كلّا منهما في سبيل الله.
وقد اعتذر الداوديّ عن مالك، فقال: لم يبلغه هذا الحديث.
وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيًا، لوجب أن يكمّل به المناسك، ولا قائل به.
وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد النصّ، ولا سيّما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام؛ كاستبقاء دم الشهيد. انتهى ما قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أكثر هذه الأقوال آراء ساقطة؛ لأنها في مقابلة النصّ، واحتجاجٌ على المنقول بالمعقول، وأحسن ما يُعتذر به عن الأئمة كمالك، ونحوه هو ما قاله الداوديّ، وهو أنه لم يبلغهم النصّ، وإلا لما خالفوه مع وضوحه.
والحاصل أن الصواب العمل بما دلّ عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور في الباب، فلا يُخمّر رأس المحرم الميت، ولا وجهه، ولا يحنّط، وأنه بأن على إحرامه، وأن العلة هي الإحرام، وهي عامة في كل محرم، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه ﷺ ثابت لغيره حتى يدلّ الدليل على خلافه، ولم يثبت خلافه، كيف، وقد ثبت أنه ﷺ قال: "يبعث كلّ عبد على ما مات عليه" رواه مسلم، وهذا عام في كل صورة ومعنى، فاقتضى ذلك تعلق هذا الحكم على الإحرام حيث مات محرمًا، فيعمّ كل محرم، كيف والتلبية من لوازم الإحرام، والعمل بالحديث مقدم على القياس، وهو متعين.
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]:
стр. 13209
إِذا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٢] ( … ) - (وَحَدَّثنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ، حَدَّثنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِه، قَالَ أَيُّوبُ: فَأَوْقَصَتْهُ، أَو قَالَ: فَأَقعَصَتْهُ، وَقَالَ عَمْرٌو: فَوَقَصَتْهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْن، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ - قَالَ أَيُّوبُ: فَإِن اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، وَقَالَ عَمْرٌو: فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِي) سليمان بن داود الْعَتَكيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مِنْ رَاحِلَتِهِ) هو بمعنى قوله في الرواية السابقة: "من بعيره"؛ لأن الراحلة والبعير يُطلق كلّ منهما على الذكر والأنثى، فتنبّه.
وقوله: (قَالَ أَيُّوبُ: فَأَوْقَصَتْهُ، أَو قَالَ: فَأَقعَصَتْهُ … إلخ) أشار به إلى الاختلاف الواقع بين أيوب السختيانيّ، وبين عمرو بن دينار، فقال أيوب في رواية: "فأوقصته، أو فاقعصته" بالشكّ، وقال عمرو: "فوقصته" بدون شكّ، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فالثلاثة بمعنى واحد، يقال: وقصته ناقته؛ أي: أوقعته، فاندقّت عنقه، ويقال: لمن اندقّت عنقه: وقِصٌ، فهو موقوص على بناء ما لم يُسمّ فاعله، ويقال أيضًا: أوقصته رباعيًّا، وهما لغتان، والثلاثيّ أفصح، ويقال: قصعته: بمعنى قتلته لحينه، ومنه قُعاص
стр. 13210
الغنم، وهو موتها بداء يأخذها، فلا يُلبثها، قاله في "المفهم" (١).
وقال في "القاموس": قَعَصَهُ، كمنعه: قتله مكانه، كأقعصه، وانقعص: مات، والشيءُ انثنى، وقال أيضًا: الْقَعْصُ: الموت الْوَحِيّ، ومات قعصًا: أصابته ضربة، أو رَمْيةٌ، فمات مكانه، وكغُرَاب: داء في الغنم، لا يُلبثها أن تموت، وداء في الصدر، كأنه يَكسر العُنُق. انتهى (٢).
وقوله: (وَلَا تُحَنِّطُوهُ) هو بالحاء المهملة؛ أي: لا تُمِسُّوه حَنُوطًا، والْحَنُوط بفتح الحاء، ويقال له: الْحِنَاط بكسر الحاء، وهو أخلاط من طيب، تُجمع للميت خاصّة، لا تُستعمل في غيره.
قال الفيّوميّ ﵀: الْحَنُوط، والْحِنَاطُ، مثلُ رَسُولٍ، وكِتَابٍ: طيبٌ يُخلط للميت خاصّة، وكلُّ ما يُطيّب به الميتُ، من مسك، وذَرِيرةٍ، وصَنْدَل، وعَنْبَرٍ، وكافورٍ، وغير ذلك، مما يُذَرّ عليه؛ تطييبًا له، وتخفيفًا لرطوبته، فهو حَنُوط. انتهى (٣).
وقوله: (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ) أي: لا تغطوه، قال القرطبيّ ﵀: قال بمقتضى ظاهر هذا الحديث: الشافعي، وأحمد، وإسحاق. فقالوا: إذا مات المحرم لا يحنَّط، ولا يغطى رأسه. وقال مالك، والكوفيون، والحسن، والأوزاعي: إنه يُفعل به ما يُفعل بالحلال. وكأنهم رأوا: أن هذا الحكم مخصوص ذلك الرجل. واستُدل لهم بوجهين:
أحدهما: أن التكاليف إنما تلزم الأحياء، لا الأموات.
وثمانيهما: أن قوله ﷺ : "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"؛ تصريح بالمقتضي لذلك، ولا يعلم ذلك غير النبيّ ﷺ ، فهو تعليل قاصر على ذلك الرجل.
وقد أجيب عن الأول: بأن الميت لما كان غير مكلف؛ فالحيّ هو المكلف بأن يفعل به ذلك.
وعن الثاني: أنه وإن لم يعلم ذلك غير النبيّ ﷺ ، لكنه يُرْجَى من فضل الله أن يفعل ذلك بكل من اتفق له من المحرمين مثل ذلك. وهذا كما قد
стр. 13211
قال ﷺ في الشهيد: "إنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون دم، والعَرْف عَرْف مسك". انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَن رَجُلًا كَانَ وَاقِفًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرَ حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (نُبِّئْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) هكذا في رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب قال: نُبِّئتُ، ولم يذكر من أنبأه، وقد رواه المصنّف في الرواية السابقة، عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، وأيوب، كلاهما عن سعيد بن جبير، ولم يقل: "نُبِّئتُ"، وكذلك أخرجه البخاريّ عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب وحده، عن سعيد بن جُبير، ولم يقل: "نُبِّئتُ".
وقد أجاب الحافظ الرشيد العطّار ﵀ (٢) في رسالته التي تقدّمت في "شرح المقدّمة": فقال: ووقع في بعض طرقه في كتاب مسلم أيضًا، من رواية
стр. 13212
إسماعيل ابن علية، عن أيوب، قال: نُبِّئت عن سعيد، عن ابن عباس: "أن رجلًا كان واقفًا مع النبي ﷺ ، وهو محرم … " الحديث. وهذا أيضًا يدخل في باب المقطوع، على مذهب الحاكم وغيره، إلا أن مسلمًا ﵀، لم يورده هكذا إلا بعد أن أورده من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، وأيوب، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ متصلًا، ثم أورد بعده حديث ابن علية الذي ذكرناه لينبّه - والله أعلم - على الاختلاف فيه على أيوب، وإذا اختلف حماد بن زيد، وغيره، في حديث أيوب بن أبي تميمة، فالقول قول حماد بن زيد، وقد روى ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، أنه قال: ليس أحد في أيوب أثبت من حماد بن زيد.
قال الرشيد ﵀: ولهذا قدّم مسلم في هذا الحديث طريق حماد على طريق ابن علية، والله أعلم.
وقد أخرجه البخاري عن سليمان بن حرب، وأبو داود عن مسدد، والنسائي عن قتيبة، كلهم عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فتبيّن اتصاله، والحمد لله.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه الرشيد ﵀ أن مسلمًا ﵀ لم يورد رواية إسماعيل ابن عليّة هذه هنا اعتمادًا عليها، بل اعتماده على رواية حماد بن زيد التي قبلها، وهي التي أخرجها البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ؛ إذ هي متّصلة، وأما هذه فإنما أوردها لبيان الاختلاف الواقع في إسناد هذا الحديث مع الإشارة إلى ترجيح رواية حمّاد عليها؛ إذ هو مقدّم في أيوب على غيره، وقد تقدّم هذا البحث مطوّلًا في مقدّمة "قرّة عين المحتاج"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق (١).
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب هذه لم أجدها بنصّها، ولكن ساق نحوها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" (٢/ ٢٧٤):
(٣١١٨) - حدّثنا عليّ بن عبد الصمد، نا داود بن رُشيد، نا ابن عُليّة، نا
стр. 13213
أيوب، عن رجل، وعمرو بن دينار، وجعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلًا كان واقفًا مع النبي ﷺ بعرفة، فصُرع عن راحلته، فأقعصته، أو قال كلمة نحو هذا، فقال رسول الله ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، ولا تحنِّطوه، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة - قال: وقال أحدهما: يلبي، وقال الآخر: ملبيًا، وقال الآخر: ملبدًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَرَّ مِنْ بَعِيرِه، فَوُقِصَ وَقْصًا، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَألبِسُوهُ ثَوْبَيْه، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ، فَإِنَّهُ يَأَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والذي قبله.
وقوله: (أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامًا) أي: محرمًا، قال النوويّ ﵀: هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها: "حَرَامٌ"، وهذا هو الوجه، وللأول وجهٌ أيضًا، ويكون حالًا وقد جاءت الحال من النكرة على قلّة، كما أشار إلى ذلك ابن مالك ﵀ في "خلاصته" حيث قال:
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أَو يُخَصَّصْ أَو يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفِيٍ أَو مُضَاهِيهِ كَـ "لَا … يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرِيءٍ مُسْتَسْهِلَا"
وقوله: (فَخَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ) أي: سقط من ظهره.
وقوله: (فَوُقِصَ وَقْصًا) بالبناء للمفعول؛ أي: كُسرت عنقه كسرًا، يقال: وُقِصَ الرجلُ، فهو موقوصٌ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 13214
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٥] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْر أَخْبَرَهُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقبَلَ رَجُلٌ حَرَامٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا"، وَزَادَ: لَمْ يُسَمِّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَيْثُ خَرَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ) تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث عيسى بن يونس عن ابن جريج.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لمحمد بن بكر الْبُرسانيّ، وكذا فاعل "وزاد".
وقوله: (وَزَادَة لَمْ يُسَمِّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَيْثُ خَرَّ) أي: زاد محمد بن بكر في روايته قوله: "لم يُسمّ سعيد بن جبير حيث مات" أي: المكان الذي مات فيه ذلك الرجل الموقوص، وقد بُيّن ذلك المكان فيما سبق من رواية عمرو بن دينار، وأيوب السختيانيّ، كلاهما عن سعيد بن جبير، وفيه: "بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة … " الحديث، فتبيّن أنه مات بعرفة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج هذه لم أجد من ساقها تامّة، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ، وَلَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا").
стр. 13215
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله، والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله.
[تنبيه]: قوله: (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ، وَلَا وَجْهَهُ) وفي رواية أبي بشر، عن سعيد بن جبير: "خارجٌ رأسه، ووجهه"، وفي رواية أبي الزبير، عن سعيد: "فأمرهم رسول الله ﷺ أن يغسلوه بماء وسدر، وأن يكشفوا وجهه"، وفي رواية منصور، عن سعيد: "ولا تُغَطُّوا وجهه".
قال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": قيل: كشف الوجه ليس لمراعاة الإحرام، وإنما هو لصيانة الرأس من التغطية، كذا ذكره النوويّ، وزعم أن هذا التأويل لازم عند الكل.
قال السنديّ: ظاهر الحديث يفيد أن المحرم يجب عليه كشف وجهه أيضًا، وأن الأمر بكشف وجه الميت لمراعاة الإحرام، نعم من لا يقول بمراعاة إحرام الميت يحمل الحديث على الخصوص، ولا يلزم منه أن يؤول الحديث، كما قال النوويّ، والله أعلم.
قال الحافظ ﵀: واستُدِلّ بذلك على بقاء إحرامه؛ خلافًا للمالكيّة، والحنفيّة، وقد تمسّكوا من هذا الحديث بلفظة اختُلف في ثبوتها، وهي قوله: "ولا تخمّروا وجهه"، فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، مع أنهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرمًا. وأما الجمهور، فأخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالًا، وتردّد ابن المنذر في صحّته، وقال البيهقيّ: ذكر الوجه غريبٌ، وهو وَهَمٌ من بعض رواته.
وفي كلّ ذلك نظر، فإن الحديث ظاهره الصحّة، ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل، عن منصور، وأبي الزبير، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، فذكر الحديث، قال منصور: "ولا تُغَطُّوا وَجْهَهُ". وقال أبو الزبير:
стр. 13216
"وأن يكشفوا وجهه" (١).
وأخرجه النسائيّ، من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا يُمسّ طيبًا خارجٌ رأسه"، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك، فقال: "خارج رأسه ووجهه". انتهى. وهذه الرواية تتعلق بالتطيب، لا بالكشف، والتغطية، وشعبة أحفظ من كلّ من روى هذا الحديث، فلعلّ بعض رواته انتقل ذهنه من التطيب إلى التغطية.
وقال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحيّ تغطية وجهه، ولا يجوز للمحرم الذي يموت، عملًا بالظاهر في الموضعين.
وقال آخرون: هي واقعة عين، لا عموم لها؛ لأنه علّل ذلك بقوله: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، وهذا الأمر لا يتحقّق وجوده في غيره، فيكون خاصًّا بذلك الرجل، ولو استمرّ بقاؤه على إحرامه لأَمَرَ بقضاء مناسكه.
وقال أبو الحسن ابن القصّار: لو أريد تعميم هذا الحكم في كلّ محرم لقال: "فإن المحرم"، كما جاء: "أن الشهيد يبعث، وجرحه يثعب دمًا".
وأجيب بأن ظاهر الحديث ظاهر في أن العلّة في الأمر المذكور كونه كان في النسك، وهي عامة في كلّ محرم، والأصل أن كلّ ما ثبت لواحد في زمن النبيّ ﷺ ثبت لغيره، حتى يتّضح التخصيص. انتهى المقصود من كلام الحافظ.
وقد أجاد المحدّث الكبير الشيخ الألباني ﵀ في كتابه "إرواء الغليل"، حيث حقّق صحّة زيادة ذكر الوجه في هذا الحديث خلاف ما قاله البيهقيّ وغيره من أن ذكره غريب، وحاصل ما قاله الشيخ بعدما خرّج الحديث:
وفي رواية منصور، عن سعيد بن جبير بلفظ: "ولا تُغَطُّوا وجهه"، بدل: "ولا تخمّروا رأسه"، رواه مسلم، وأبو عونة، وابن الجارود، والبيهقيّ، وكذلك
стр. 13217
رواه جماعة عن عمرو بن دينار، عن ابن جبير. أخرجه الطبراني، والدارقطنيُّ. وجمع بينهما سفيان، وهو الثوريّ، عن عمرو بن دينار بلفظ: "ولا تخمّروا رأسه، ولا وجهه"، أخرجه مسلم، وابن ماجه، والبيهقيّ، من طريقين عن وكيع، عن سفيان به، وتابع وكيعًا أبو داود الْحَفَريّ، عن سفيان به، أخرجه النسائيّ بسند صحيح.
وتابعه أشعث بن سوّار، وهو ضعيف، وأبو مريم، وأظنه عبد الغفّار بن قاسم الأنصاريّ رافضيّ ليس بثقة، كلاهما عن عمرو بن دينار به، أخرجه الطبرانيّ. وفي رواية أبي الزبير، عن سعيد بن جبير بلفظ: "وأن يكشفوا وجهه - حسبته قال: ورأسه"، أخرجه مسلم، وأبو عوانة، والبيهقيّ تعليقًا، وقال: وذكرهر الوجه فيه غريب، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا، وساقوا المتن، أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة.
ويرد عليه ما سبق من الطرق، والمتابعات التي لا شكّ فيها أصلًا، ولهذا تعقبه ابن التركمانيّ.
قلت: قد صحّ النهي عن تغطيتهما، فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم الرأس، وبعضهم الوجه، والكلّ صحيح، ولا وهم في شيء منه في متنه، وهذا أولى من تغليط مسلم. يعني في إخراجه للرواية التي فيها ذكر الوجه، وهو كما قال، فإنه يبعد جدًّا أن يجتمع أولئك الثقات على ذكر هذه الزيادة في الحديث خطأ منهم جميعًا، فهي زيادة محفوظة، إن شاء الله تعالى.
وقد جاءت من طريق آخر عن سعيد بن جبير، يرويه شعبة، قال: سمعت أبا بشر يحدّث، عن سعيد بن جبير … فذكر الحديث بلفظ: " … وأن يكفّن في ثوبين، ولا يمسّ طيبًا، خارجٌ رأسُهُ، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك: خارج رأسه ووجهه"، أخرجه مسلم، وأبو نعيم، والبيهقيّ. وأخرجه النسائيّ، بلفظ: "وكفّنوه في ثوبين، ثم قال على أثره: خارجًا رأسه، قال: ولا تمسّوه طيبًا، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا، قال شعبة: فسألته بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان يجيء به إلا أنه قال: ولا تخمّروا وجهه ورأسه". أخرجه من طريق خالد: حدّثنا شعبة به.
وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" من طريق أبي أسامة، عن شعبة بهذا
стр. 13218
اللفظ: "ولا تخمّروا وجهه ورأسه" كما في "الجوهر النقي"، ثم أخرجه النسائيّ، من طريق خَلَف بن خليفة، عن أبي بشر بلفظ: "ولا يُغَطّى رأسه ووجهه". وإسناده على شرط مسلم، إلا أن خلفًا هذا كان اختلط في الآخر، ومن طريقه رواه ابن حزم في "حجة الوداع"، كما في "الجوهر النقيّ"، وعزاه إليه وحده، وهو قصور.
وأما قول الحافظ في "الفتح" ٤/ ٤٧ بعد أن ذكر رواية شعبة هذه من طريق مسلم: "وهذه الرواية تتعلّق بالتطيّب، لا بالكشف والتغطية، وشعبة أحفظ كلّ من روى هذا الحديث، فلعلّ بعض رواته انتقل ذهنه من التطيّب إلى التغطية".
قلت: وهذا من الحافظ أمر عجيب، فإن الطرق كلها تدلّ أن الرواية إنما تتعلّق بالكشف، لا بالتطيب، على خلاف ما حملها عليه الحافظ، وإنما غرّه رواية مسلم، وفيها تقديم، وتأخير، كما دلّ على ذلك رواية النسائيّ وغيره، فقوله: "خارج رأسه" عند مسلم جملة حالية لقوله: "وأن يكفّن في ثوبين"، لا لقوله: "ولا يمسّ طيبًا" كما توهّم الحافظ، ويؤيّد ذلك رواية شعبة نفسه فضلًا عن غيره: "ولا تخمّروا وجهه ورأسه"، فإنها صريحة فيما ذكرنا.
وجملة القول أن زيادة الوجه في الحديث ثابتة محفوظة عن سعيد بن جبير من طرق عنه، فيجب على الشافعيّة أن يأخذوا بها كما أخذ بها الإمام أحمد في رواية عنه، كما يجب على الحنفيّة أن يأخذوا بالحديث، ولا يتأوله بالتأويلات البعيدة توفيقًا بينه وبين مذهب إمامهم. انتهى كلام الشيخ الألباني، وهو تحقيق نفيس جدًّا.
والحاصل أن زيادة "وجهه" صحيحة، فيجب العمل بها، فيحرم على المحرم تغطية وجهه، ورأسه، كما هو ظاهر مذهب النسائيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، حَدثنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى،
стр. 13219
وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحْرِمًا، فَوَقَصَتْهُ نَاقتهُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْه، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير، تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو بِشْرِ) بن أبي وحشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ من أثبت الناس في سعيد بن جبير [٥] (ت ٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٨.
[تنبيه]: كون أبي بشر هذا هو جعفر بن إياس هو الذي ذكره في "تحفة الأشراف" (٤/ ٣٠٢) ومن الغريب أن القاضي عياض، وتبعه النوويّ قال في "شرحه": أبو بشر هذا هو الْعنبريّ، واسمه الوليد بن مسلم يُعدّ في البصريين … إلخ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأول هو الصواب؛ لأمور:
(الأول): أن الحافظ أبا عوانة صرّح به في "مسنده"، فقال (٢/ ٢٧٤): "وجعفر بن أبي وحشيّة".
(والثاني): أن الحافظ المزيّ صرح به أيضًا في "تحفته" (٤/ ٣٠٢)، حيث أورد الحديث في "ترجمة جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير"، ولم يتعقّبه الحافظ في "النكت"، بل وافقه عليه.
(والثالث): أنه لم يذكر المزيّ في "تحفته" ترجمة الوليد بن مسلم عن سعيد بن جير أصلًا، لا في هذا الحديث، ولا في غيره.
والحاصل أن أبا بشر هذا هو جعفر بن إياس، لا الوليد بن مسلم، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق.
стр. 13220
٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ) ورُوي: "فأوقصته"، وهما صحيحان، قاله القاضي، أبو الفضل اليحصبي. قال: ولم يذكر صاحب "الأفعال" إلا "وقصه" لا غير، والوقص ههنا كسر العنق، ومعناه: أنها صرعته، فدقت عنقه، وجاء في بعض طرقه أيضًا: "فأقعصته"، ومعناه: قتلته لوقته، ورُوي: "فأقصعته" بتقديم الصاد على العين، ومعناه: فضخته، وهكذا جاء: "فأقعصته" رباعيًّا، وقال بعض العلماء: الوجه فيه أن يكون ثلاثيًّا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَا تَمَسُّوهُ) بفتح التاء، والميم، يقال: مَسّ الماء الجسدَ، من باب تَعِبَ، مَسًّا: أصابه، ويتعدى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مسِسْتُ الجسدَ بماء، وأمسَسْتُ الجسد الماءَ، قاله في "المصباح"، فالباء في قوله (بِطِيب) للتعدية، فما وقع في شرح السيوطيّ، والسنديّ، من ضبطه بضم التاء، وكسر الميم، من الإمساس رباعيًّا فغلظ، لأن الرباعيّ يتعدى بنفسه، لا بالباء، ولفظ الرواية التالية: "ولا يُمسُّ طيبًا" بالبناء للمفعول، من الإمساس.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُمَسَّ طيبًا، وَلَا يُخَمَّرَ رَأْسُهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
стр. 13221
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافعٍ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ أَن رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَقَعَ مِنْ نَاقَتِه، فَأَقعَصَتْهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْن، وَلَا يُمَسَّ طِيبًا، خَارجٌ رَأْسُهُ، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: خَارجٌ رَأسُهُ وَوَجْهُهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافعٍ) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٣ - (غْنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم قريبًا.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فأقعصته)؛ أي: قتلته الراحلة قتلًا سريعًا، يقال: قعصه، كمنعه: قتله مكانه، كأقعصه. قاله في "القاموس".
وقوله: (وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ) استدلّ به على إبدال ثياب المحرم، وتُعُقّب بأنه تقدّم بلفظ: "ثوبيه"، وبالإضافة، وأصرح منه ما وقع في رواية للنسائيّ، بلفظ: "في ثوبيه اللذين أحرم بهما"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (خَارجٌ رَأْسُهُ) هكذا النسخ بالرفع، وهو خبر لمحذوف؛ أي: وهو خارج رأسه، والجملة حال من المفعول.
وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ … إلخ) أشار به شعبة إلى أن أبا بشر حدّثه بهذا الحديث مرّتين، ففي المرة الأولى حدّثه بقوله: "خارج رأسه"، وفي
стр. 13222
المرة الثانية حدّثه بقوله: "خارج رأسه ووجهه"، فزاده: "ووجهه"، وقد تقدّم أنها زيادة صحيحة، فتنبّه.
وقوله: (مُلَبِّدًا) من التلبيد، وهو إلزاق بعض الشعر ببعض بنحو الصمغ حتى لا يتشعّث، ولا يَقْمَل، وإنما يُلبّد من يطول مُكثه في الإحرام (١).
[تنبيه]: كتب في هامش النسخة التركيّة ما نصّه: قوله: "ملبّدًا" كذا بصيغة الفاعل في نسخة معتمدة بضبط القلم مصلح بالقلم بوضع كسرة تحت الباء بعد إزالة فتحتها بالحكّ من فوقها، وهو وإن وافق نظيره الكائن من التلبية من حيث الصيغة، إلا أنه لم يوافقه في المعنى المقصود منه؛ إذ لا يَحسُن بعثه وهو يلبّد رأسه، وإنْ حوّلنا إلى صيغة المفعول يحصل التحوّل في المعنى، لكن المحصّل منه إنما هو التحوّل من الحدوث إلى البقاء، والحال أن التلبيد كما سبق إلزاق بعض الشعر ببعض بنحو الصمغ، وهو لا يبقى بعد الغسل خصوصًا مع استعمال السدر، فلعلّ الصحّة في رواية "ملبّيًا". انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذه التكلفات، والحديث صحيح بلفظ "ملبّدًا"، كما هو صحيح بلفظ "ملبّيًا"، ولا غرابة في معناه، فإن الإنسان يُبعث على ما مات عليه، فإت مات ملبّدًا يُبعث ملبّدًا، ولا أثر لإزالة الغسل له بالماء والسدر؛ لأن المعتبر ما مات عليه، لا ما حصل له بعد ذلك من تغيير الغاسل له أو نحوه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٠٠] ( … ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثنا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَقَصَتْ رَجُلًا رَاحِلَتُهُ، وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَغْسِلُوهُ
стр. 13223
بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ، حَسِبْتُهُ قَالَ: وَرَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١)، وَهُوَ يُهِلُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قريبًا.
٢ - (الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الملقّب شاذان، أبو عبد الرحمن الشاميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٦/ ١٥٥٢.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٠١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا (٢) إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اغْسِلُوهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذم الْعَبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الطهارة" ٢/ ٥٤٢.
стр. 13224
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ) بضمّ التاء، وفتح الغين المعجمة، وتشديد الطاء، وأصله تُغطّيُوا، بوزن تُعَلِّموا، نُقلت ضمّة الياء التي هي لام الكلمة إلى الطاء، بعد سلب حركتها، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار تُغَطُّوا، فتنبّه.
[تنبيه]: هذا الإسناد مما استدركه الإمام الدارقطنيّ على المصنّف، فقال: إنما سمعه منصور من الحكم بن عُتيبة، وكذا أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، وهو الصواب، وقيل: عن منصور، عن سلمة ولا يصحّ. انتهى.
قال الحافظ الرشيد العطار في "غرره" بعد نقل كلام الدارقطنيّ هذا:
قلت: وقد تابع البخاريّ على إخراجه كذلك أبو داود السجستانيّ، وأبو عبد الرحمن النسائيّ، فأما أبو داود فرواه عن عثمان بن أبي شيبة، وأما النسائي، فرواه عن محمد بن قُدامة، كلاهما عن جرير، عن منصور، عن الحكم بإسناده، كما رواه البخاري، وجرير بن عبد الحميد من أعلم الناس بحديث منصور، وهذا مما يؤيد قول الدارقطني ﵀، إلا أن مسلمًا قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه، قد أخرج هذا الحديث من طُرُق ثابتة، من رواية عمرو بن دينار، وأبي بشر، جعفر بن أبي وحشية، وغيرهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بألفاظ أتم من حديث منصور الذي قدمناه، ثم أورد حديث منصور آخر طرق هذا الحديث، فإن ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فقد بيّنا أنه متصل في كتاب مسلم من طرق أُخَرَ سواه، وأن البخاري وغيره قد أخرجوه في كتبهم متصلًا من حديث منصور أيضًا، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، ونحن نورده من كتب الأئمة الثلاثة ليتضح إتصاله، ثم ساق الأحاديث بإسناده، وقال: فهذه طرق هذا الحديث من الكتب الثلاثة التي ذكرناها، فقد اتّضح اتّصال وبان وجه الصواب فيه. انتهى كلام الرشيد العطّار ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، وقد تقدّم نقل رسالته برمّتها فيما سبق من شرح مقدّمة مسلم، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 13225
(١٥) - (بَابُ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْمُحْرِمِ التَّحَلُّلَ بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٠٢] (١٢٠٧) - (حَدثنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَثنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيه، عَنْ عائشة ﵁ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزبَيْر، فقَالَ لَهَا: "أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ " قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَجِدُني إِلا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: "حُجِّي، وَاشْتَرِطي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي"، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (هِشَامُ) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"ج ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، ماتت سنة (٥٧) تقدّمت في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣١٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة، وهم المذكورون في قولي:
стр. 13226
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةُ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرْهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وِزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته؛ تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، عن خالته.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ حبيبة رسول الله ﷺ ، وبنت حبيبه، ومن المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والنه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ) إنما دخل ﷺ عليها عيادة لها، أو زيارةً وصلةً؛ لأنها بنت عمه، وفيه بيان تواضعه ﷺ ، وصلته، وتفقّده لأقاربه.
و"ضُباعة" - بضم الضاد المعجمة، بعدها جاء موحّدة، مخفّفة، وبعد الألف عين مهملة - بنت الزبير بن عبد المطّلب الهاشميّة، بنت عمّ النبيّ ﷺ ، تزوّجها المقداد بن عمرو، فولدت له عبد الله، وكَرِيمة، فقتل عبد الله يوم الجمل مع عائشة ﵂، رَوَت ضُباعة عن النبي ﷺ ، وعن زوجها المقداد، وعنها ابنتها كريمة بنت المقداد، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب، وعروة، وغيرهم، قال ابن عبد البرّ: لضباعة عن النبيّ ﷺ أحاديث: منها الاشتراط في الحجّ، قال الزبير بن بكّار: لم يكن للزبير بن عبد المطلب عَقِب إلا من بنتيه: ضُباعة، وأختها أم الحكم.
[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: وأما قوله في رواية ابن ماجه من حديث أسماء، أو سعدى: "دخل على ضباعة بنت عبد المطلب"، فهو وَهَمٌ، لا يتأوّل بما قاله والدي ﵀ في "شرح الترمذيّ" من أنه نسبة إلى جدّها كقوله ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب"، لأنه عَقَّبَ ذلك بقوله: فقال: "ما
стр. 13227
يمنعك يا عمّتاه من الحجّ"؛ فدلّ على أنه بنى على أنها بنت عبد المطلب حقيقة حتى تكون عمته ﷺ ، وهو وَهَمٌ.
ووقع في كلام إمام الحرمين، والغزاليّ أنها ضباعة الأسلمية، وهو غلط فاحش، كما قال النوويّ، وغيره، والصواب الهاشمية، وليس في الصحابة أخرى يقال لها: ضباعة الأسلميّة، ولكنهما وَهِما في نسبتها، نعم في الصحابة أخرى تسمى ضباعة بنت الحارث أنصارية، وهي أخت أم عطية. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
(فَقَالَ لَهَا: "أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ ") هو بتقدير همزة الاستفهام، وفي الرواية التالية: "فقالت: يا رسول الله إني أريد الحجّ، وأنا شاكيةٌ"، وفي حديث ابن عبّاس ﵄: "أن ضباعة بنت عمّ المطّلب ﵄ أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ .. ".
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: قولها: "وإني أريد الحجّ" قد يقتضي ظاهره أنها قالت له ذلك ابتداء، وفي "صحيح البخاريّ": "لعلك أردت الحجّ"، وفي "صحيح مسلم" من ذلك الوجه: "أردت الحجّ".
ولا منافاة، فقد تكون إنما قالت: إني أريد الحجّ في جواب استفهامه لها، وليس اللفظ صريحًا في أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله في رواية ابن ماجه من حديث ضباعة أنه ﷺ قال لها: "أما تريدين الحجّ العام؟ "، ومن رواية أسماء، أو سعدى: "ما يمنعك من الحجّ؟ "، كلّ ذلك يقتضي أن كلامها كان جوابًا لسؤاله.
لكن في حديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة: "أن ضباعة أتت رسول الله ﷺ ، فقالت … "، وهذا قد ينافي قوله في حديث عائشة: "دخل على ضباعة … ". وقد يُجمع بينهما بأنها أتت رسول الله ﷺ ، ولم يكن إذ ذاك في منزله، ثم جاء، فدخل عليها، وهي في منزله.
وفي حديث ابن عباس عند أبي داود، والترمذيّ: أنها قالت له: إني أربد الحجَّ، فاشترط؟ فقال لها: "نعم"، وهذا يقتضي أن أمره بالاشتراط ما
стр. 13228
كان إلا بعد استئذانها. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ (١).
(قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَجِدُنِي) أي: ما أجد نفسي، واتّحاد الفاعل والمفعول مع كونهما ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب (٢). (إِلا وَجِعَةً) بفتح الواو، وكسر الجيم؛ أي: مريضةً، وقال الطيبيّ ﵀؛ أي: أجد في نفسي ضعفًا من المرض، ولا أدري أأقدر على إتمام الحجّ أم لا؟
قال: فإن قلت: كيف طابق قولها: "والله" جوابًا عن قوله ﷺ : "لعلّك أردت؟ ".
قلت: تضمّن في "لعلّ" معنى الاستقصار على سبيل التلطّف، ومن ثمة أظهرت العذر، وأقسمت عليه. انتهى (٣).
(فَقَالَ لَهَا: "حُجِّي) أي: أحرمي بالحجِّ (وَاشْتَرِطي) أي: اجعلي شرطًا في حجك عند الإحرام، وهو اشتراط التحلّل متى احتجتِ إليه، فكأنها قالت لما سألها النبيّ ﷺ عن إرادتها الحجّ: إني أريده، وإني أُحسّ من نفسي مرضًا يمنعني من الاستمرار على الإحرام، أفأشترط شرطًا يجعلني في حِلّ متى أحتاج إليه؟ فقال ﷺ : نعم، ثم قالت كما في النسائيّ: "كيف أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهمّ لبيك، ومحلّي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربّك ما استثنيت"؛ أي: قولي لدى إحرامك: اللهمّ مَحِلِّي؛ أي: موضع إحلالي من الأرض حيث حبستني؛ أي: هو المكان الذي عجزت عن الإتيان بالمناسك، وانحبست عنها بسبب قوّة المرض.
(وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي) الْمَحِلّ - بفتح الميم، وكسر الحاء -: زمانٌ، أو مكانٌ، من حَلّ: إذا خرج من الإحرام، قاله الطيبيّ ﵀ (٤).
وقال وليّ الدين ﵀: قوله: "مَحِلّي" بكسر الحاء؛ أي: موضع حلولي، أو وقت حلولي، والمحلّ يقع على المكان والزمان. انتهى (٥).
стр. 13229
والمعنى: زمان، أو مكان تحلّلي من الإحرام، فـ "محلّي" مبتدأ، خبره قوله: (حَيْثُ حَبَسْتَنِي") أي: منعتني من السير بسبب ثِقَل المرض.
وفائدة هذا الاشتراط أن تفسير حلالًا بدون دوم الإحصار.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني"؛ معناه: أنه ﷺ لما استفهمها عن إرادة الحج اعتَلَّت بأنها مريضة، وأنها خافت إن اشتد مرضها أن يتعذر عليها الإحلال، بناءً منها على أن المحصر بالمرض لا يتحلل إلا بالطواف بالبيت، وإن طال مرضه، كما هو مذهب مالك وغيره، فلما خافت هذا أقرّها رسول الله ﷺ على ذلك، ثم رَخَّصَ لهادي أن تشترط: أن لها التحلل حيث حبسها مرضها.
وبظاهر هذا الحديث قال جماعة من العلماء من الصحابة، والتابعين، وغيرهم؛ منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وللشافعي قولان، فقال كل هؤلاء: يجوز الاشتراط في الحج، وأنه له الفسخ إذا وقع شرطه.
ومنع ذلك جماعة أخرى، وقالوا: إنه لا ينفع؛ منهم: ابن عمر، والزهريّ، ومالك، وأبو حنيفة؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وبقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، واعتذروا عن هذا الحديث بوجهين:
أحدهما: ادعاء الخصوص بهذه المرأة.
وثمانيهما: أنهم حملوه على التحلل بالعمرة، فإنها أرادت أن تحج؛ كما جاء مفسرًا من رواية ابن المسيب، وهو: أن رسول الله ﷺ أمر ضباعة أن تشترط وتقول: "اللهم الحج أردت، فإن تيسر، وإلا فعمرة".
وروي عن عائشة: أنها كانت تقول: "للحج خرجت، وله قصدت، فإن قضيته فهو الحج، وإن حال دونه شيء فهوالعمرة"، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المذهب الأرجح هو ما ذهب إليه
стр. 13230
الأولون، وأن التأويلات التي تمسّك بها المانعون غير مقبولة، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (وَكانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ) بيّن به أن ضُباعة ﵂ كانت زوج المقداد بن الأسود ﵁، قال في "الفتح": ظاهر سياقه أنه من كلام عائشة ﵂، ويَحْتَمِل أنه من كلام عروة (١).
والمقداد هو: ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثم الْكِنديّ، ثم الزهريّ، حالف أبوه كِنْدة، وتبنّاه الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فنُسب إليه، صحابيّ مشهور، من السابقين الأولين، لم يَثبُت أنه كان ببدر فارسٌ غيره، مات ﵁ سنة (٣٣) وهو ابن (٧٠) سنةً. أخرج له الجماعة، وتقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨١.
[تنبيه]: صرّح في هذه الرواية بأن ضُباعة ﵂ كانت تحت المقداد بن الأسود ﵁، وكذا هو في "صحيح البخاريّ"، وبسبب ذلك أورد البخاريّ هذا الحديث في "كتاب النكاح" في "باب الأكفاء في الدين" يشير إلى تزوجها بالمقداد، وليس كفؤًا لها من حيث النسب، فإِنه كِنْديّ، وليس كندة أكفاء لقريش، فضلًا عن بني هاشم، عند من يعتبر الكفاءة في النسب من العلماء، وإنما هو كفؤ لهادي الدين فقط، قاله وليّ الدين ﵀ (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ في مسألة الكفاءة أن المعتبر هو الكفاءة في الدين، لا في أمر آخر، من النسب أو غيره، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائيّ، وهو مذهب مالك من الأئمة، كما حقّقته في "شرح النسائيّ"، وستأتي هنا أيضًا مستوفاة في محلّها - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متفقٌ عليه.
стр. 13231
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٩٠٢ و ٢٩٠٣ و ٢٩٠٤] (١٢٠٧)، و (البخاريّ) في "النكاح" (٥٠٨٩)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٧٦)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٤١)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ٦٨)، و"الكبرى" (٢/ ٢٥٧)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٣٧)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١١/ ٢٣ و ٣٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١٦/ ٦٤ و ٢٠٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٠ و ٣٠١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٨٦ و ٨٧ و ٨٨)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٧٩ و ٥/ ١١٥)، و"الكبير" (٢٤/ ٨٣٧ و ٨٤٠ و ٨٤١ و ٨٤٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢١)، و"الصغرى" (٤/ ٣٩٢)، و"المعرفة" (٤/ ٢٤٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٠٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): حديث قصّة ضُباعة أخرجه الشيخان، وأصحاب
السنن، وغيرهم، ورواه الشافعيّ ﵀ عن ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، وقال: لو ثبت حديث عروة، عن النبيّ ﷺ في الاستثناء لم أَعْدُهُ إلى غيره؛ لأنه لا يحلّ عندي خلاف ما ثبت عن رسول الله ﷺ .
قال البيهقيّ: أما حديث ابن عيينة، فقد رواه عنه عبد الجبّار بن العلاء موصولًا بذكر عائشة فيه. وثبت وصله أيضًا من جهة أبي أسامة حماد بن أسامة، أخرجه البخاريّ، ومسلم.
وثبت عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أخرجه مسلم. وعن عطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، وهو مخرّج في "صحيح مسلم". انتهى.
وأخرج حديث ابن عباس أيضًا أصحاب السنن الأربعة، ورواه ابن حبّان في "صحيحه"، والدارقطنيّ من رواية عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.
стр. 13232
وقال ابن حزم: وقال الشافعيّ: إن صحّ الخبر قلت به، قال: قد صحّ الخبر، وبالغ في الصحّة، فهو قوله، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي سليمان - يعني داود -.
وفي الباب أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر، أو سعدى بنت عوف، رواه ابن ماجه على الشكّ هكذا، وجابر، رواه البيهقيّ.
وقال ابن حزم في "المحلّى" بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء، أو سعدى: فهذه آثار متظاهرة، متواترة، لا يسع أحدًا الخروج عنها.
وقال النسائيّ: لا أعلم أحدًا أسنده عن الزهريّ، غير معمر، وقال في موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرزاق فيما أعلم.
وأشار القاضي عياض إلى تضعيف الحديث، فإنه قال: قال الأصيليّ: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، وقال: قال النسائيّ: لا أعلم أسنده عن الزهريّ غير معمر.
قال النوويّ في "شرح مسلم": وهذا الذي عرّض به القاضي، وقاله الأصيليّ من تضعيف الحديث غلط فاحش جدًّا، نبهت عليه لئلا يغترّ به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيحي البخاريّ، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وسائر كتب الحديث المعتمدة من طُرُق متعدّدة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية.
وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": والنسائيّ، لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد، الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وأسنده القاسم عنها، ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضرّه، وكم في "الصحيحين" من الانفراد، ولا يضرّ إرسال الشافعيّ له، فالحكم لمن وصل. هذا معنى كلامه، ذكر ولده الحافظ وليّ الدين ﵀ (١)، وهو بحث نفيس جدًّا.
والحاصل أن حديث قصّة ضُباعة ﵂ صحيح لا غبار عليه، فمن ضعّفه،
стр. 13233
أو طعن فيه، فهو الضعيف في نقده، المطعون في فهمه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الفوائد التي اشتمل عليها حديث قصّة ضباعة برواياته المختلفة:
١ - (منها): بيان مشروعية الاشتراط في الحجّ.
٢ - (ومنها): أن دخوله ﷺ على ضباعة ﵂ كان عيادة، أو زيارة، وصلة، فإنها قريبته، كما تقدّم.
٣ - (ومنها): أن فيه بيان تواضعه ﷺ ، وصلته لرحمه، وتفقده، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفية، فإنه ﷺ لم يكن يخلو بالأجنبيات، ولا يصافحهنّ، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة؛ لعصمته، لكنهم لم يعدّوا ذلك من خصائصه ﷺ ، فهو في ذلك كغيره في التحريم، ذكره وليّ الدين ﵀ (١).
٤ - (ومنها): جواز اليمين في درج الكلام بغير قصد.
٥ - (ومنها): أن المرأة لا يجب عليها أن تستأذن زوجها في حج الفرض، كذا قيل، ولا يلزم من كونه لا يجوز له منعها أن يسقط عنها استئذانه، قاله في "الفتح" (٢).
٦ - (ومنها): أن الحديث ورد في الحجّ، ولكن العمرة في معناه، فلو أحرم بعمرة، فشرط التحلّل منها عند المرض كان كذلك، قال وليّ الدين ﵀: ولا خلاف في هذا بين المجوّزين للاشتراط فيما أعلم، ولعلّ العمرة داخلة في قوله في رواية النسائيّ من حديث ابن عباس ﵄ عند النسائيّ: "فإن لكِ على ربّك ما استثنيت"، وقد عزا ابن قدامة في "المغني" هذا الحديث لمسلم، وفيه هذه الزيادة، وليست عند مسلم. انتهى.
٧ - (ومنها): أنه قد يُستَدَلّ به على أن المشترط لذلك يحلّ بمجرّد المرض والعجز، ولا يحتاج إلى إحلال، وقد قال الشافعية: إن اشترط التحلّل بذلك، فلا يحلّ إلا بالتحلّل، وإن قال: إذا مرضت، فأنا حلال، فهل يحتاج
стр. 13234
في هذه الصورة إلى تحلل، أو يصير حلالًا بنفس المرض، فيه وجهان لهم، الذي نصّ عليه الشافعيّ أنه يصير حلالًا بنفس المرض، قال وليّ الدين: ودلالة الحديث محتملة، فإن قوله: "محلّي" يَحْتَمِل أن يكون معناه: موضع حلّي، ويحتمل أن يكون معناه: موضع إحلالي. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الاحتمال الأول هو الظاهر، فما نصّ عليه الشافعي هو الأرجح، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب.
٨ - (ومنها): أن المراد بالتحلل أن يُصَيِّر نفسه حلالًا، فلو شرط أن ينقلب حجه عمرة عند المرض، فذكر الشافعيّة أنه أولى بالصحّة من شرط التحلل، ونصّ عليه الشافعي، وإذا أجاز إبطال العبادة للعجز، فنقلها إلى عبادة أخرى أولى بالجواز.
وروى ابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقيّ في "سننه" من رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن ضُباعة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني أريد الحجّ، فكيف أهلّ بالحجّ؟ قال: "قولي: اللَّهم إني أُهلّ بالحجّ إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسّرته لي، وإن حبستني فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، فمحلّي حيث حبستني".
قال الحافظ وليّ الدين: وهذه زيادة حسنة، يجب الأخذ بها، ويقال: ينبغي أن لا يجوز للحاجّ شرط التحلل منه مطلقًا، إلا مع العجز عنه، وعن العمرة، فمع القدرة على العمرة لا ينتقل للتحلّل المطلق. انتهى.
٩ - (ومنها): أنّ سبب الحديث إنما هو في التحلل بالمرض لكن قوله: "حبستني" يصدق بالحبس بالمرض، وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة، وفراغها، وضلال الطريق، والخطإ في العدد، وقد صرّح الشافعيّة، والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض في جواز شرط التحلّل بها، ومن الشافعية من خالف فيه.
١٠ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا يجب عليه عند التحلُّل بالشرط دم؛ إذ لو وجب لذكره ﷺ ، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرّح الحنابلة، والظاهريّة، وهو الأصحّ عند الشافعية، ومحلّ الخلاف عندهم في حالة الإطلاق، فلو شرط التحلّل بالهدي لزمه قطعًا، وإن شرطه بلا هدي لم يلزمه قطعًا، والله تعالى أعلم.
стр. 13235
١١ - (ومنها): أن الحنابلة ذكروا أن هذا الشرط يؤثّر في إسقاط الدم فيما إذا حبسه عدوّ، وقالت الشافعية: لا يسقط دم الإحصار بهذا الشرط؛ لأن التحلل بالإحصار جائز بلا شرط، فشرطه لاغٍ. ومنهم من حكى فيه خلافًا، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الحنابلة أرجح؛ لإطلاق حديث الاشتراط، فتأمل، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الجمهور على أنه لا يجوز التحلل بالإحصار بالمرض من غير شرط؛ إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى.
١٣ - (ومنها): أنه لا يجب القضاء عند التحلل بشرط، وبه صرّح الشافعية، وغيرهم.
١٤ - (ومنها): أن المفهوم من لفظ الشرط أنه لا بدّ من مقارنته للإحرام، فإنه متى سبقه، أو تأخر عنه لم يكن شرطًا، وقد صرّح بذلك في قوله في حديث ابن عباس: "اشترطي عند إحرامك"، وهو بهذا اللفظ في "مصنّف ابن أبي شيبة".
١٥ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا بدّ من التلفظ بهذا الشرط كغيره من الشروط، وهو ظاهر كلام الشافعية، وذكر فيه ابن قدامة احتمالين:
أحدهما: هذا، قال: ويدلّ عليه ظاهر قوله ﷺ في حديث ابن عباس: "قولي: محلّي من الأرض حيث تحبسني"، وكذا في حديث عائشة في "الصحيحين": "وقولي: اللَّهم محلي حيث حبستني".
والثاني: أنه تكفي فيه النية، ووجهه بأنه تبع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنيّة، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون الاحتمال الأول هو الأقوى، والأظهر؛ لظاهر النصّ، فتأمل، والله تعالى أعلم.
١٦ - (ومنها): أنه لا يتعيّن في الاشتراط اللفظ المذكور في الحديث، بل كلّ ما يؤدّي معناه يقوم مقامه في ذلك، قال ابن قُدامة: وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه؛ لأن المقصود المعنى، والعبارة إنما تُعتَبر لتأدية المعنى، ثم استشهد يقول علقمة: اللَّهم إني أريد العمرة إن تيسرت، وإلا فلا