← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 13231–13270 · переход к 13236.

стр. 13231

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٩٠٢ و ٢٩٠٣ و ٢٩٠٤] (١٢٠٧)، و (البخاريّ) في "النكاح" (٥٠٨٩)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٧٦)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٤١)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ٦٨)، و"الكبرى" (٢/ ٢٥٧)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٣٧)، و (الشافعيّ) في "مسنده" (١١/ ٢٣ و ٣٨٩)، و (أحمد) في "مسنده" (١٦/ ٦٤ و ٢٠٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٨١١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٠ و ٣٠١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٠٢)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٨٦ و ٨٧ و ٨٨)، و (الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٧٩ و ٥/ ١١٥)، و"الكبير" (٢٤/ ٨٣٧ و ٨٤٠ و ٨٤١ و ٨٤٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٢٠)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢١)، و"الصغرى" (٤/ ٣٩٢)، و"المعرفة" (٤/ ٢٤٧)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): حديث قصّة ضُباعة أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن، وغيرهم، ورواه الشافعيّ ﵀ عن ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، وقال: لو ثبت حديث عروة، عن النبيّ ﷺ في الاستثناء لم أَعْدُهُ إلى غيره؛ لأنه لا يحلّ عندي خلاف ما ثبت عن رسول الله ﷺ . قال البيهقيّ: أما حديث ابن عيينة، فقد رواه عنه عبد الجبّار بن العلاء موصولًا بذكر عائشة فيه. وثبت وصله أيضًا من جهة أبي أسامة حماد بن أسامة، أخرجه البخاريّ، ومسلم. وثبت عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أخرجه مسلم. وعن عطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ ، وهو مخرّج في "صحيح مسلم". انتهى. وأخرج حديث ابن عباس أيضًا أصحاب السنن الأربعة، ورواه ابن حبّان في "صحيحه"، والدارقطنيّ من رواية عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.

стр. 13232

وقال ابن حزم: وقال الشافعيّ: إن صحّ الخبر قلت به، قال: قد صحّ الخبر، وبالغ في الصحّة، فهو قوله، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي سليمان - يعني داود -. وفي الباب أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر، أو سعدى بنت عوف، رواه ابن ماجه على الشكّ هكذا، وجابر، رواه البيهقيّ. وقال ابن حزم في "المحلّى" بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء، أو سعدى: فهذه آثار متظاهرة، متواترة، لا يسع أحدًا الخروج عنها. وقال النسائيّ: لا أعلم أحدًا أسنده عن الزهريّ، غير معمر، وقال في موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرزاق فيما أعلم. وأشار القاضي عياض إلى تضعيف الحديث، فإنه قال: قال الأصيليّ: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، وقال: قال النسائيّ: لا أعلم أسنده عن الزهريّ غير معمر. قال النوويّ في "شرح مسلم": وهذا الذي عرّض به القاضي، وقاله الأصيليّ من تضعيف الحديث غلط فاحش جدًّا، نبهت عليه لئلا يغترّ به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيحي البخاريّ، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وسائر كتب الحديث المعتمدة من طُرُق متعدّدة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية. وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": والنسائيّ، لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد، الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وأسنده القاسم عنها، ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضرّه، وكم في "الصحيحين" من الانفراد، ولا يضرّ إرسال الشافعيّ له، فالحكم لمن وصل. هذا معنى كلامه، ذكر ولده الحافظ وليّ الدين ﵀ (١)، وهو بحث نفيس جدًّا. والحاصل أن حديث قصّة ضُباعة ﵂ صحيح لا غبار عليه، فمن ضعّفه،

стр. 13233

أو طعن فيه، فهو الضعيف في نقده، المطعون في فهمه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في الفوائد التي اشتمل عليها حديث قصّة ضباعة برواياته المختلفة: ١ - (منها): بيان مشروعية الاشتراط في الحجّ. ٢ - (ومنها): أن دخوله ﷺ على ضباعة ﵂ كان عيادة، أو زيارة، وصلة، فإنها قريبته، كما تقدّم. ٣ - (ومنها): أن فيه بيان تواضعه ﷺ ، وصلته لرحمه، وتفقده، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفية، فإنه ﷺ لم يكن يخلو بالأجنبيات، ولا يصافحهنّ، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة؛ لعصمته، لكنهم لم يعدّوا ذلك من خصائصه ﷺ ، فهو في ذلك كغيره في التحريم، ذكره وليّ الدين ﵀ (١). ٤ - (ومنها): جواز اليمين في درج الكلام بغير قصد. ٥ - (ومنها): أن المرأة لا يجب عليها أن تستأذن زوجها في حج الفرض، كذا قيل، ولا يلزم من كونه لا يجوز له منعها أن يسقط عنها استئذانه، قاله في "الفتح" (٢). ٦ - (ومنها): أن الحديث ورد في الحجّ، ولكن العمرة في معناه، فلو أحرم بعمرة، فشرط التحلّل منها عند المرض كان كذلك، قال وليّ الدين ﵀: ولا خلاف في هذا بين المجوّزين للاشتراط فيما أعلم، ولعلّ العمرة داخلة في قوله في رواية النسائيّ من حديث ابن عباس ﵄ عند النسائيّ: "فإن لكِ على ربّك ما استثنيت"، وقد عزا ابن قدامة في "المغني" هذا الحديث لمسلم، وفيه هذه الزيادة، وليست عند مسلم. انتهى. ٧ - (ومنها): أنه قد يُستَدَلّ به على أن المشترط لذلك يحلّ بمجرّد المرض والعجز، ولا يحتاج إلى إحلال، وقد قال الشافعية: إن اشترط التحلّل بذلك، فلا يحلّ إلا بالتحلّل، وإن قال: إذا مرضت، فأنا حلال، فهل يحتاج

стр. 13234

في هذه الصورة إلى تحلل، أو يصير حلالًا بنفس المرض، فيه وجهان لهم، الذي نصّ عليه الشافعيّ أنه يصير حلالًا بنفس المرض، قال وليّ الدين: ودلالة الحديث محتملة، فإن قوله: "محلّي" يَحْتَمِل أن يكون معناه: موضع حلّي، ويحتمل أن يكون معناه: موضع إحلالي. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الاحتمال الأول هو الظاهر، فما نصّ عليه الشافعي هو الأرجح، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب. ٨ - (ومنها): أن المراد بالتحلل أن يُصَيِّر نفسه حلالًا، فلو شرط أن ينقلب حجه عمرة عند المرض، فذكر الشافعيّة أنه أولى بالصحّة من شرط التحلل، ونصّ عليه الشافعي، وإذا أجاز إبطال العبادة للعجز، فنقلها إلى عبادة أخرى أولى بالجواز. وروى ابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقيّ في "سننه" من رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن ضُباعة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني أريد الحجّ، فكيف أهلّ بالحجّ؟ قال: "قولي: اللَّهم إني أُهلّ بالحجّ إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسّرته لي، وإن حبستني فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، فمحلّي حيث حبستني". قال الحافظ وليّ الدين: وهذه زيادة حسنة، يجب الأخذ بها، ويقال: ينبغي أن لا يجوز للحاجّ شرط التحلل منه مطلقًا، إلا مع العجز عنه، وعن العمرة، فمع القدرة على العمرة لا ينتقل للتحلّل المطلق. انتهى. ٩ - (ومنها): أنّ سبب الحديث إنما هو في التحلل بالمرض لكن قوله: "حبستني" يصدق بالحبس بالمرض، وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة، وفراغها، وضلال الطريق، والخطإ في العدد، وقد صرّح الشافعيّة، والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض في جواز شرط التحلّل بها، ومن الشافعية من خالف فيه. ١٠ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا يجب عليه عند التحلُّل بالشرط دم؛ إذ لو وجب لذكره ﷺ ، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرّح الحنابلة، والظاهريّة، وهو الأصحّ عند الشافعية، ومحلّ الخلاف عندهم في حالة الإطلاق، فلو شرط التحلّل بالهدي لزمه قطعًا، وإن شرطه بلا هدي لم يلزمه قطعًا، والله تعالى أعلم.

стр. 13235

١١ - (ومنها): أن الحنابلة ذكروا أن هذا الشرط يؤثّر في إسقاط الدم فيما إذا حبسه عدوّ، وقالت الشافعية: لا يسقط دم الإحصار بهذا الشرط؛ لأن التحلل بالإحصار جائز بلا شرط، فشرطه لاغٍ. ومنهم من حكى فيه خلافًا، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الحنابلة أرجح؛ لإطلاق حديث الاشتراط، فتأمل، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ به الجمهور على أنه لا يجوز التحلل بالإحصار بالمرض من غير شرط؛ إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى. ١٣ - (ومنها): أنه لا يجب القضاء عند التحلل بشرط، وبه صرّح الشافعية، وغيرهم. ١٤ - (ومنها): أن المفهوم من لفظ الشرط أنه لا بدّ من مقارنته للإحرام، فإنه متى سبقه، أو تأخر عنه لم يكن شرطًا، وقد صرّح بذلك في قوله في حديث ابن عباس: "اشترطي عند إحرامك"، وهو بهذا اللفظ في "مصنّف ابن أبي شيبة". ١٥ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا بدّ من التلفظ بهذا الشرط كغيره من الشروط، وهو ظاهر كلام الشافعية، وذكر فيه ابن قدامة احتمالين: أحدهما: هذا، قال: ويدلّ عليه ظاهر قوله ﷺ في حديث ابن عباس: "قولي: محلّي من الأرض حيث تحبسني"، وكذا في حديث عائشة في "الصحيحين": "وقولي: اللَّهم محلي حيث حبستني". والثاني: أنه تكفي فيه النية، ووجهه بأنه تبع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنيّة، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون الاحتمال الأول هو الأقوى، والأظهر؛ لظاهر النصّ، فتأمل، والله تعالى أعلم. ١٦ - (ومنها): أنه لا يتعيّن في الاشتراط اللفظ المذكور في الحديث، بل كلّ ما يؤدّي معناه يقوم مقامه في ذلك، قال ابن قُدامة: وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه؛ لأن المقصود المعنى، والعبارة إنما تُعتَبر لتأدية المعنى، ثم استشهد يقول علقمة: اللَّهم إني أريد العمرة إن تيسرت، وإلا فلا

стр. 13236

حرج عليّ، وبقول شُريح: اللَّهم قد عرفتَ نيتي، وما أريد، فإن كان أمرًا تتمه، فهو أحبّ إليّ، والا فلا حرج عليّ، ونحوه عن الأسود، وقالت عائشة لعروة: قل: اللَّهم إني أريد الحج، وإياه نويت، فإن تيسر، وإلا فعمرة، ونحوه عن عميرة بن زياد، والله تعالى أعلم. ١٧ - (ومنها): أن قوله: "محلّي حيث حبستني" يدلّ على أن المحصر يحلّ حيث يُحْبَس، وهناك يَنْحَر هديه، ولو كان في الحلّ، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا ينحر هديه إلا في الحرم، والأول أصحّ، والله تعالى أعلم. ١٨ - (ومنها): أنه خرج بقوله: "حيث حبستني" ما إذا شَرَط التحلّل بلا عذر، بأن قال في إحرامه: متى شئت، أو كَسِلت خرجت، فإن هذا لا يعتبر اتفاقًا، قاله وليّ الدين ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله من أن الاشتراط لا بدّ أن يكون بعذر هو الذي يدلّ عليه ظاهر حديث الباب، فما يفعله بعض الناس من أنه يشترط، ثم يتحلّل بلا عذر، وإنما لمجرد كسل، وعدم نشاط، فمخالف لما يقتضيه النصّ، فليُتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاشتراط في الإحرام: اختلفوا في ذلك على مذاهب: (المذهب الأول): جوازه، وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، فإنه نصّ عليه في القديم، وعلّق القول به في الجديد على صحة الحديث، وقد صحّ، كما تقدم، وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن عليّ، وعلقمة، والأسود، وشُريح، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، والأمر به عن عائشة، وعبد الله بن مسعود، وعن عثمان أنه رأى رجلًا واقفًا بعرفة، فقال له: أشارطت؟ فقال: نعم، وعن

стр. 13237

الحسن، وعطاء في المحرم قالا: له شرطه، وروى البيهقيّ الأمر به عن أم سلمة. وقال ابن المنذر: ممن روينا عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وهو مذهب عَبِيدة السلمانيّ، والأسود بن يزيد، وعلقمة، وشُريح، وسعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وبه قال الشافعيّ إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وبالأول أقول، وحكاه ابن حزم عن جمهور الصحابة، وحكاه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ" عن جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. (المذهب الثاني): استحبابه، وهو مذهب الإمام أحمد، فإن ابن قدامة جزم به في "المغني"، وهو المفهوم من قول الخرقيّ، والمجد ابن تيمية في "مختصريهما" عند ذكر الإحرام. (المذهب الثالث): إيجابه، واليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، تمسّكًا بالأمر. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عزا وليّ الدين الوجوب إلى الظاهرية، وكذا الحافظ في "الفتح" والذي ذكره ابن حزم في "المحلّى" ٧/ ٩٩ - الاستحباب، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (المذهب الرابع): إنكاره، وهذا مذهب الحنفية، والمالكيّة، وروى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، قال: كان أبي لا يرى الاشتراط في الحجّ شيئًا. وعن إبراهيم النخعيّ: كانوا لا يشترطون، ولا يرون الشرط شيئًا. وعن طاوس، والحكم، وحماد: الاشتراط في الحج ليس بشيء. وعن سعيد بن جبير: إنما الاشتراط في الحج فيما بين الناس، وعنه أيضًا: المستثني، وغير المستثني سواء. وعن إبراهيم التيميّ: كان علقمة يشترط في الحجّ، ولا يراه شيئًا. وروى الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحجّ، ويقول: "أليس حسبكم سنة نبيّكم ﷺ "، زاد النسائي في روايته: أنه لم يشترط؛ أي: النبيّ ﷺ ، وهو في "صحيح البخاريّ" بدون أوله، ولفظه: "أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ، إن حُبس أحدكم عن الحجّ طاف بالبيت،

стр. 13238

وبالصفا والمروة، ثم حلّ من كلّ شيء حتى يحج عامًا قابلًا، فيهدي، أو يُطعم، إن لم يجد هديًا". وحكى ابن المنذر إنكاره عن الزهريّ أيضًا، وحكاه ابن عبد البرّ عن سفيان الثوريّ. وحكاه المحبّ الطبريّ عن أحمد، وهو غلط، فالمعروف عنه ما قدمناه. قال ابن قدامة: وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد إسقاط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحصار. وقال ابن حزم: روينا عن إبراهيم: كانوا يستحبّون أن يشترطوا، وكانوا لا يرون الشرط شيئًا لو أن الرجل ابتلي، وروينا عنه: كانوا يكرهون أن يشترطوا في الحجّ، قال ابن حزم: هذا تناقض مرّة كانوا يستحبّون، ومرّة كانوا يكرهون، فأقل ما في هذا ترك رواية إبراهيم لاضطرابها. قال الجامع عفا الله عنه: إن أرجح المذاهب مذهب القائلين بمشروعيّة الاشتراط، كما سيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في بيان مُتمسَّك كل مذهب من هذه المذاهب: قال الحافظ وليّ الدين ﵀: من قال بالجواز تمسّك بهذا الحديث، ورأى أن الأمر به ترخيص، وتوسعة، وتخفيف، ورفق، وأنه يتعلّق بمصلحة دنيوية، وهي ما يحصل لها من المشقّة بمصابرة الإحرام مع المرض. ومن قال بالاستحباب رأى المصلحة فيه دينيّة، وهو الاحتياط للعبادة، فإنها بتقدير عدمه قد يعرض لها مرض يُشَعّث العبادة، ويوقع فيها الخلل، وهذا بعيد. ومن قال بالوجوب حمل الأمر على حقيقته، وهو أبعد من الذي قبله، ولو كان واجبًا لما أخلّ النبيّ ﷺ بفعله، ولا الصحابة ﵃، ولو فعلوا ذلك في حجة النبيّ ﷺ لنُقِل، وقد صرّح ابن عمر بأنه لم يشترط، كما سيأتي ذكره في الباب التالي، ولما لم يأمر به إلا هذه المرأة الواحدة بعد شكايتها له علمنا أن ذلك ترخيص حرّك ذكره هذا السبب، وهو شكواها.

стр. 13239

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالوجوب يحتاج إلى ثبوته، كما أسلفته، والله تعالى أعلم. ومن قال بالإنكار منهم من ضعّف الحديث كما تقدّم ذكره، وردّه، ومنهم من أوّله، وفي تأويله أوجه: (أحدها): أنه خاصّ بضباعة، حكاه الخظابيّ عن بعضهم، قال: وقال: يشبه أن يكون بها مرض، أو حال كان غالب ظنها أنه يعوقها عن إتمام الحجّ، وهذا كما أذن لأصحابه في رفض الحجّ، وليس ذلك لغيرهم. وقال النوويّ في "شرح مسلم" بعد ذكره هذا المذهب: وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنه مخصوص بضباعة، وحكاه في "شرح المهذّب" عن الرويانيّ من الشافعية، ثم قال: وهذا تأويل باطلٌ، ومخالف لنصّ الشافعيّ، فإنه إنما قال: لو صحّ الحديث لم أَعْدُهُ، ولم يتأوله، ولم يخصّه. (الثاني): أن معناه: محلي حيث حبستني بالموت؛ أي: إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي. حكاه النوويّ في "شرح المهذّب" عن إمام الحرمين، ثم قال: وهذا تأويل ظاهر الفساد، وعجبت من جلالة الإمام كيف قاله؟ (الثالث): أن المراد التحلل بعمرة، لا مطلقًا، حكاه المحبّ الطبريّ عن بعضهم. ويردّه حديث ضباعة المتقدّم، حيث قال لها: "قولي: اللهم إني أريد الحج إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسّرته لي، وإن حبستني، فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، فمحلّي حيث حبستني". فإن هذا فيه التصريح بالتحلل المطلق عن الحج والعمرة معًا. وحكى ابن حزم عن بعضهم أن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعن بعضهم أنه مخالف لقوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل"، وعن بعضهم أن هذا الخبر رواه عروة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وروي عنهم خلافه. ثم قال ابن حزم: سمعناكم تعتلّون بهذا في الصاحب، فعذيتموه إلى التابع، وإن درجتموه بلغ إلينا، وإلى من بعدنا، فصار كلّ من بلغه حديث، فتركه حجة في ردّه، ولئن خالف هؤلاء

стр. 13240

ما رووا، فقد رواه غيرهم، ولم يخالفه، وأطنب ابن حزم في ردّ هذه المقالات، وهي حقيقة بذلك، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: والظن بمن يُعتَمَد عليه ممن خالف هذا الحديث أنه لم يبلغه، قال البيهقيّ: عندي أن ابن عمر لو بلغه حديث ضباعة في الاشتراط لم ينكره، كما لم ينكره أبوه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أو يُحْمَل على أنه بلغه، لكن تأوله بشيء من التأويلات السابقة. والحاصل أن الحقّ هو قول الجمهور، وهو جواز الاشتراط، وأنه إذا اشترط، وحصل المانع تحلّل، ولم يلزمه شيء من الدم أو غيره، عملًا بظاهر الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٣] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأنا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حُجِّي، وَاشْتَرِطي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَني"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل حديث. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (الزهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (وَأنَا شَاكِيَةٌ) - بالشين المعجمة -؛ أي: مريضة، والشَّكْوُ، كالدَّلْو، والشَّكْوَى - بالقصر -، والشَّكْواءُ - بالمدّ، والشَّكَاةُ - بالهاء -، والشَّكَاءُ - بالمدّ -: المرض، أفاده في "القاموس". وقوله: (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) أي: منعتني من السير بسبب ثقل المرض.

стр. 13241

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرَّ تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاق، أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عائشة ﵂ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: وهم المذكورون في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: رواية معمر، عن هشام بن عروة هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في "صحيحه" (٩/ ٨٧) فقال: (٣٧٧٤) - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدّثنا ابن أبي السريّ، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: أن النبيّ ﷺ دخل على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي شاكية، فقال لها: "حُجِّي، واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني". انتهى. [تنبيه آخر]: أخرج النسائيّ ﵀ رواية معمر هذه في "سننه" (٥/ ١٦٨) فقال: (٣٧٤٨) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، قال: أنبا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضُباعة، فقالت: يا رسول الله إني شاكية، وإني أريد الحجّ، فقال لها رسول الله ﷺ : "حُجِّي، واشترطي أن محلي حيث تحبسني". قَال إسحاق: قلت لعبد الرزاق: كلاهما عن عائشة: هشام والزهريّ؟ قال: نعم. قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديثَ، عن الزهريّ غير معمر. انتهى. وقوله: "قلت لعبد الرزاق … إلخ " يعني أن إسحاق بن راهويه تأكد عن

стр. 13242

عبد الرزاق كون رواية كلّ من هشام بن عروة، والزهريّ، من حديث عائشة ﵂، لا من حديث غيرها، كابن عباس ﵄ مثلًا، وهذا قاله إسحاق من باب التأكّد، لا اتهامًا لشيخه عبد الرزاق في روايته، والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" من الطريقين، كما تراه في هذا الباب. وقوله: "لا أعلم أحدًا أسنده … إلخ" يعني أنه انفرد بإسناد هذا الحديث معمر، عن الزهريّ. وعبارته في "الكبرى": "لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديث، حديثَ الزهريّ غير عبد الرزاق، عن معمر". انتهى. وهذا يفيد أيضًا أن عبد الرزاق انفرد عن معمر بإسناده، لكن مثل هذا الانفراد لا يؤثّر في صحة الحديث، فقد أخرجه الشيخان في "صحيحيهما". وقد تقدّم عن الحافظ العراقيّ ﵀ أنه قال في "شرح الترمذيّ": والنسائيّ لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵁، وأسنده القاسم عنها، ولو انفرد به معمر مطلقًا لا يضرّه، وكم في "الصحيحين" من الانفراد. انتهى. وقال في "الفتح": وقول النسائيّ هذا لا يلزم منه تضعيف طريق الزهريّ التي تفرّد بها معمر، فضلًا عن بقية الطرق؛ لأن معمرًا ثقةٌ حافظ، فلا يضرّه التفرّد، كيف؟ وقد وُجد لما رواه شواهد كثيرة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٥] (١٢٠٨) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، وَأَبُو عَاصِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَن ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵃ أتتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ،

стр. 13243

وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَمَا تَأَمُرُنِي؟ قَالَ: "أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُني"، قَالَ: فَأَدرَكَتْ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣. ٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلَد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٤ - (طَاوُسُ) بن كيسان اليمانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) أبو عبد الله المدنيّ، أصله من البربر، كان لِحُصين بن أبي الْحُرّ العنبريّ، فوهبه لابن عباس لَمّا وَليَ البصرة لعلي ﵁، ثقةٌ ثبتٌ عالم بالتفسير، ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبتُ عنه بدعة [٣]. رَوَى عن مولاه، وعلي بن أبي طالب، والحسن بن علي، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي سعيد، وعقبة بن عامر، وجماعة من الصحابة والتابعين. ورَوَى عنه إبراهيم النخعي، ومات قبله، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والشعبي وهما من أقرانه، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو الزبير، وقتادة، وخلق كثير. قال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: مات ابن عباس، وعكرمة عبد لم يعتقه فباعه علي بن عبد الله بن عباس، ثم استردّه، وفي رواية غيره: وأعتقه، وقال عبد الصمد بن معقل: لَمّا قَدِم عكرمة الْجَنَدَ أهدى له طاوس نَخِيبًا بستين دينارًا، فقيل له؟ فقال: أتروني لا أشتري علم ابن عباس لعبد الله بن طاوس بستين دينارًا؟ وقال داود بن أبي هند عن عكرمة: قرأ ابن عباس هذه الآية: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَو مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال ابن عباس: لم أَدْر نجا القوم أو هلكوا؟ قال: فما زلت أبيّن له حتى عرف أنهم قد نجوا، فكساني

стр. 13244

حُلّة، وقال عمر بن فضيل عن عثمان بن حكيم: كنت جالسًا مع أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة أُذَكِّرُك الله هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عكرمة عني فصدقوه، فإنه لم يكذب عليّ؟ فقال أبو أمامة: نعم. وقال عمرو بن دينار: دَفَع إلَيَّ جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. وقال ابن عيينة: كان عكرمة إذا تكلم في المغازي فسمعه إنسان قال: كأنه مشرف عليهم يراهم. وقال جرير عن مغيرة: قيل لسعيد بن جبير: تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: نعم عكرمة. وقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: كان أعلم التابعين أربعة: عطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن. وقال سلام بن مسكين عن قتادة: أعلمهم بالتفسير عكرمة. وقال أيوب: اجتمع حفّاظ ابن عباس، فيهم سعيد بن جبير، وعطاء، وطاوسٌ على عكرمة، فأقعدوه، فجعلوا يسألونه عن حديث ابن عباس. وقال البخاريّ، ويعقوب بن سفيان، عن علي ابن المديني: مات بالمدينة سنة (١٠٤)، وقال عمرو بن علي وغير واحد: مات سنة خمس ومائة، وقال الواقدي: حدثتني ابنته أم داود أنه تُوفي سنة مائة، وهو ابن ثمانين سنة، وقال أبو عمر الضرير والهيثم بن عدي: مات سنة ست ومائة. وقال عثمان بن أبي شيبة وغير واحد: مات سنة (١٠٧). وقيل: إنه مات سنة (١١) وذلك وَهَمٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. والباقون ذُكروا في الباب، والذي قبله. وقولها: (إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ) أي: أثقلني المرض، فهو بمعنى قولها في الرواية السابقة: "ما أجدني إلا وَجِعَةً"، وقولها: "وأنا شاكيةٌ". وقوله: (قَالَ: فَأَدْرَكَتْ) أي: أدركت الحجّ، ولم تتحلّل حتى فَرَغَت منه، وتمام شرح الحديث يُعلم مما مضى في شرح حديث عائشة ﵂. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀.

стр. 13245

(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٩٠٥ و ٢٩٠٦ و ٢٩٠٧] (١٢٠٨)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٧٦)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٤١)، و (النسائيّ) في "المناسك" (١٥/ ٦٧ و ١٦٨)، و"الكبرى" (٢/ ٣٥٧)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩٣٨)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٣٥ و ٣٣٧ و ٣٥٢)، و (الدارقطنيّ) في "سننه" (٢/ ٢٣٥)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن ضُبَاعَةَ أَرَادَت الْحَجَّ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَشْتَرِطَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣. ٢ - (حَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ) هو: حبيب بن أبي حبيب الْجَرْميّ البصريّ الأنماطيّ، واسم أبيه يزيد، صدوق يخطئ [٧]. رَوَى عن قتادة، وعمرو بن هَرِم، والحسن، وخالد القشريّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، وابن مهديّ، ويزيد بن هارون، وسليمان بن حرب، وغيرهم، وسمع منه القطان، ولم يحدث عنه، وقال: لم يكن في الحديث بذاك، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: هو كذا وكذا، وكان ابن مهديّ يحدث عنه، وقال ابن أبي خيثمة: نهانا ابن معين أن نسمع حديثه، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: مات سنة (١٦٢)، وقال البخاريّ في "التاريخ": سمع ابن سيرين، وقتادة، قال حَبّان: حبيب بن أبي حبيب ثقةٌ، وقال ابن خلفون: أخرج له مسلم متابعةً.

стр. 13246

أخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث متابعة. ٣ - (عَمْرُو بْنُ هَرِم) الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن أبي الشعًثاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ورِبْعي بن حِرَاش، وغير هم. وروى عنه حبيب بن أبي حبيب الْجَرْميّ، وجعفر بن أبي وحشية، وسالم المراديّ وواصل مولى أبي عُيينة. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال العجليّ: عمرو بن هَرِم ثقةٌ لا بأس به، نقله عنه ابن خلفون، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: صلى عليه قتادة بعدما دُفِنَ. قال الحافظ: عَلَّق له البخاريّ موضعًا واحدًا في الطلاق قبل النكاح، ولم يذكره المزيّ، وكذا رَوَى البخاري في "تاريخه" بعد أن سَمَّى جده حيان، وتبعه ابن أبي حاتم، وابن أبي خيثمة، وابن حِبان، وغيرهم، وقال ابن أبي حاتم في باب الهاء: هَرِم بن حيّان الأزديّ، ويقال: العبديّ. علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا في الباب، وفي الذي قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد من البحث فيه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي مَعْروفٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِضُبَاعَةَ: "حُجِّي، وَاشْتَرِطِي أَن مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي" وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: أَمَرَ ضُبَاعَةَ).

стр. 13247

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلَانِيُّ) سليمان بن عُبيد الله بن عمرو بن جابر المازنيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٦ أو ٢٤٧) (م س) تقدّم في "المقدّمة" ٤/ ٢١. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ت) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٨٠. ٣ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) العقدي البصري، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٤ - (رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْروفِ) بن أبي سارة المكيّ، صدوقٌ له أوهام [٧] (بخ م ت س) تقدم في "الحج" ١/ ٢٨٠٢. ٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا في الباب، و "إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه. والحديث تقدّم الكلام فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٦) - (بَابُ إِحْرَامِ النُّفَسَاء، وَاسْتِحْبَابِ اغْتِسَالِهَا لِلإحْرَام، وَكَذَا الْحَائِضُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٨] (١٢٠٩) - (حَدَّثنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: نَفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَة، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَّا بَكْرٍ يَأَمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.

стр. 13248

٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٩) وله (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦. ٤ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، قيل: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبت، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريّ المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٧ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم أيضًا قريبًا. ٨ - (عَائِشَةُ) ﵂، تقدّمت في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له البخاريّ في "الصحيح"، والآخران ما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، والباقون كوفيّون إلا زهيرًا، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أن رواية عبيد الله عن عبد الرحمن بن القاسم من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن عبيد الله من الطبقة الخامسة، وعبد الرحمن من السادسة، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن عمّته. ٥ - (ومنها): أن القاسم من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنها (قَالَتْ: نَفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ) بالبناء للمفعول، يقال: نُفِست المرأة: إذا وَلَدت، فهي نُفَساء، والجمع نِفَاس بالكسر، وبعض العرب يقول: نَفِستْ تَنْفَس، من باب تَعِبَ، فهي نافس، مثلُ

стр. 13249

حائض، والولد منفوس، والنِّفَاس بالكسر أيضًا اسم من ذلك، ونَفِسَت تَنفَسُ من باب تعب: حاضت، ونقل الأصمعي: نُفِسَت بالبناء للمفعول أيضاَ، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، وهو من النَّفْس، وهو الدم، وسُمِّي الدم نَفْسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم. أفاده في "المصباح" (١). وقال النوويّ ﵀: قولها: "نُفِسَتْ" بكسر الفاء لا غير، وفي النون لغتان: المشهورة ضمها، والثانية فتحها، سُمِّي نِفَاسًا لخروج النَّفْس، وهو المولود، والدم أيضًا، قال القاضي: وتجري اللغتان في الحيض أيضًا، يقال: نُفِسَت؛ أي: حاضت، بفتح النون وضمها، قال: ذكرهما صاحب: "الأفعال"، قال: وأنكر جماعة الضم في الحيض. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قد تقدم أنه يقال: نَفِست المرأة في الحيض والولادة بالضم والفتح، كما حكاهما صاحب "الأفعال"، غير أن الضم في الولادة أكثر، والفتح في الحيض أكثر، وقيل: إنه لا يقال في الحيض إلا بالفتح، حكاه الحربي. انتهى (٣). [تنبيه]: "أسماء بنت عُمَيس" - بالتصغير - الخثعمية الصحابية الجليلة، كانت عند جعفر بن أبي طالب، فولدت له أولاده كلهم بالحبشة حينما هاجرت معه إليها، وبعدما قُتل جعفر عنها تزوجها أبو بكر، فولدت له ولده محمدًا، وهو الذي نَفِست به بذي الحليفة، ثم تزوجها بعده علي بن أبي طالب، فكانت عنده حتى قُتل عنها - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -. وكان عمر ﵁ يسألها عن تعبير الرؤيا، ولما بلغها قتل ابنها محمد بن أبي بكر جَلَست في مسجدها، وكَظَمت غيظها حتى شَخَبت ثديُهَا دمًا. وقوله: (بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، أبي القاسم، له رؤيةٌ، وقُتل سنة (٣٨) وكان عليّ ﵁ يُثني عليه. وقولها: (بِالشَّجَرَةِ) وفي حديث جابر: "بذي الحليفة"، وفي رواية مالك: (بالبيداء)، قال القاضي عياض ﵀: هذه

стр. 13250

المواضع الثلاثة متقاربة، فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء فهي بطرف ذي الحليفة، فيَحْتَمِل أنها نزلت بطرف البيداء؛ لتبعد عن الناس، وكان منزل النبيّ ﷺ بذي الحليفة حقيقة، وهناك بات، وأحرم، وهي عند الشجرة، فسمي منزل الناس كلِّهم باسم منزل إمامهم. انتهى (١). وقال القرطبيّ ﵀: و"الشجرة": شجرة كانت هناك بذي الحليفة، و"البيداء" طرف منها، وكأنها إنما نزلت هناك لتبْعُد عن الناس لأجل الولادة. وأمْره ﷺ لها بأن تغتسل: إنما كان للإهلال، وهو الإحرام. قال: وفي الحج أغسال، هذا أوكدها، وهو سنة عند الجمهور، وقال بوجوبه عطاء، والحسن في أحد قوليه، وأهل الظاهر. والغسل الثاني: لدخول مكة، قال: ومن أصحابنا من اكتفى بهذا الغسل عن الطواف، وقال: إنه شُرع لأجل الطواف؛ لأنه أول مبدوء به عند الدخول، ومنهم من لم يكتف به، وقال: لا بدَّ من غسل الطواف، وإنما ذلك للدخول فقط. والغسل الثالث: للوقوف بعرفة، وهذه الأغسال كلها سنن مؤكدةٌ، وقد أطلق مالك على جميعها الاستحباب، وأوكدها غسل الإحرام. انتهى كلام القرطبي ﵀ (٢). (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ﵁، وهو زوجها (يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتسِلَ، وَتُهِلَّ) أي: تُحرم بالحج، يقال: أهلّ المحرم: رفع صوته بالتلبية عند الإحرام، وكلُّ من رفع صوته فقد أهل إهلالًا، واستَهَلَّ استهلالًا بالبناء للفاعل فيهما. أفاده في "المصباح". وهذا الاغتسال للنظافة، لا للطهارة؛ لأنها نفساء لا تطهر إلا بانقطاع الدم عنها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 13251

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف ﵀. [تنبيه]: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطنيّ ﵀، فقال في "التتبّع": خالفه - أي: عبيد الله بن عمر - مالك، عن عبد الرحمن، عن أبيه، مرسلًا، ليس فيه عائشة، وهو الصواب، وحديث عبدة خطأٌ، وقال سليمان: عن يحيى، عن القاسم، عن أبيه، ولا يصحّ عن أبيه. انتهى. وتعقّب أبو مسعود الدمشقيّ: ﵀ في "الأجوبة" استدراك الدارقطنيّ هذا، فقال: إذا جوّد عبيد الله إسناد حديث لم يُحكم لمالك عليه فيما أرسله، فإن مالكًا كثيرًا ما أرسل أشياء أسندها غيره من الإثبات، وعبدة بن سُليمان فثقةٌ ثبتٌ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد أبو مسعود ﵀ في تعقّبه هذا، وحاصله أن الأرجح هنا رواية عبيد الله بن عمر المتّصلة بذكر عائشة ﵂؛ لأنها زيادة من ثقةٌ حافظ، وليس بأقلّ من مالك في الإتقان، بل قدّمه بعض الأئمة عليه، قال عمرو بن عليّ الفلّاص: ذكرت ليحيى بن سعيد - يعني القطّان - قول ابن مهديّ: إن مالكًا أثبت في نافع من عبيد الله، فغضب، وقال: هو أثبت من عبيد الله؟ وقال أبو حاتم، عن أحمد: عبيد الله أثبتهم، وأحفظهم، وأكثرهم روايةً، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: مالك أحبّ إليك عن نافع، أو عبيد الله؟ قال: كلاهما، ولم يفضِّل، وقال جعفر الطيالسيّ: سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله عن القاسم، عن عائشة الذهب المشبَّكُ بالدُّرَر، فقلت: هو أحبّ إليك أو الزهريّ، عن عروة، عن عائشة؟ قال: هو إليّ أحبّ، وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحب إليّ من مالك في حديث نافع (١). فتبيّن بهذا أن عبيد الله لا يقلّ من مالك إتقانًا، فتكون زيادته مقبولة، ومن الغريب أن مذهب الدارقطنيّ في مثل هذا قبول الزيادة، فلماذا رجّح إرسال مالك؟ هذا شيء عجيب.

стр. 13252

والحاصل أن صنيع مسلم ﵀ في ترجيحه وَصْل عبيد الله هو الصواب، فتفطّن، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٩٠٨] (١٢٠٩)، و (أبو داود) في "المناسك" (٢/ ١٤٤)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٦٤)، و"الكبرى" (٢/ ٣٥٦)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢/ ٩٧١ - ٩٧٢)، و (أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٢)، و (ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٢١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الاغتسال من النفاس، وأنه أحد موجبات الاغتسال بالإجماع، كما قاله ابن المنذر ﵀. ٢ - (ومنها): مشروعية الإهلال بالتلبية عند الإحرام في الحج أوالعمرة، وأن المرأة كالرجل في ذلك. ٣ - (ومنها): مشروعية النظافة للإحرام، فيلزم المرأة الغسل وإن كانت حائضًا أو نفساء. ٤ - (ومنها): صحة إحرام النفساء والحائض، واستحباب اغتسالهما للإحرام، قال النوويّ ﵀: وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، والجمهور أنه مستحبّ، وقال الحسن، وأهل الظاهر: هو واجب. ٥ - (ومنها): أن الحائض، والنفساء يصحّ منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف، وركعتيه؛ لقوله ﷺ : "اصنعي ما يصنع الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت" ولا خلاف بين العلماء في ذلك كلّه؛ إذ لا يجوز دخول غير الطاهر المسجد، ولا صلاة بغير طهور، قاله عياض ﵀ (١). ٦ - (ومنها): أن ركعتي الإحرام سنة ليستا بشرط لصحة الحجّ؛ لأن أسماء لم تصلّهما، قاله النوويّ ﵀ (٢).

стр. 13253

٧ - (ومنها): بيان عادة الصحابة ﵃ من تحمّل السنن بعضهم عن بعض بحضرة النبيّ ﷺ ، واكتفائهم بذلك عن سماعها منه. ٨ - (ومنها): سؤال الرجل عما يلزم من يقوم عليه ومراعاته أمر دينهم ودنياهم، كما فعل أبو بكر ﵁، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٠٩] (١٢١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيد، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، حِينَ نُفِسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو) بن بكر الرازيّ الملقّب زُنَيج، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) أو بعدها (م د ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٨. ٢ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) الضبيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الصادق الهاشمي، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩. ٥ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين الباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام السَّلَميّ الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وجعفر، كما أسلفته آنفًا.

стр. 13254

٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من يحمص، والباقيان رازيّان. ٤ - (ومنها): أن رواية يحيى، عن جعفر من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن يحيى من الطبقة الخامسة، وجعفرًا من السادسة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه جابر ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بنْتِ عُمَيْسٍ) الجار والمجرور حال من قوله: "أن رسول الله ﷺ … إلخ " لأنه في تأويل المصدر مفعول "حدّثنا" أي: حدّثنا بأمر رسول الله ﷺ أبا بكر … إلخ حال كون هذا القول من جملة حديث أسماء، إنما قال كذا؛ لأن الحديث طويل جدًّا فاختصر منه هنا ما يستدلّ به على حكم إحرام النفساء، واختصار الحديث فيه خلاف مشهور عند المحدثين، والصحيح الجواز إذا لم يُخِلّ المتروك بالمعنى المقصود، وهو مذهب الشيخين، وجمهور المحدّثين، قال السيوطي في "ألفية الأثر": وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الخَبَرِ … إِنْ لَمْ يُخلَّ البَاقِي عِنْدَ الأكْثَرِ والحديث بطوله سيأتي بعد بابين في صفة حجة النبيّ ﷺ - إن شاء الله تعالى -. (حِينَ نُفِسَتْ) تقدّم ضبط نَفِست في الحديث الماضي، والظرف حال من حديث أسماء؛ أي: حال كون ذلك الحديث حاصلًا وقت ولادتها (بِذِي الْحُلَيْفَةِ) بصيغة التصغير: اسم ماء من مياه بني جُشَم، ثم سُمِّي به الموضع، وهو ميقات أهل المدينة على نحو مرحلة عنها، ويقال: على ستة أميال، قاله في "المصباح". (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ) عبد اللهِ بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيميّ بن أبي قُحَافة الصدّيق، أول الرجال إسلامًا، أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة والسلام - توفي سنة (١٣ هـ) عن (٦٣) سنة، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. ومفعول "أمر" محذوف؛ أي: أمره أن يأمرها بالاغتسال والإهلال

стр. 13255

(فَأَمَرَهَما أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ) بضمّ التاء، من الإهلال؛ أي: ترفع صوتها بالتلبية، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللهِ ﵄ من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٩٠٩] (١٢١٠)، و (النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٢٢ و ١٥٤ و ١٩٥ و ٢٠٨)، و"المناسك" (٥/ ١٦٤)، و"الكبرى" (١/ ١١٢)، و (ابن ماجه) في "المناسك" (٢٩١٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٥٩٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٢)، و (الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ١٣٨ و ١٤١)، و (البزّار) في "مسنده" (١/ ١٥٥)، و (الضياء) في "المختارة" (١/ ١٤٢)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٢)، و"الصغرى" (٣/ ٥٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بَابُ بَيَانِ أَوْجُهِ الإِحْرَامِ الثَّلَاَثةِ: الإِفْرَادِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْقِرَان، وَجَوَازِ إِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَة، والأَمْرِ بِفَسْخِ الْحَجِّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩١٠] (١٢١١) - (حَدثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَة، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا"، قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "انْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ،

стр. 13256

وَدَعِي الْعُمْرَةَ"، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ"، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوة، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأمّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يحيَى بْنُ يَحْيَى التَّميمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، أبو عبد اللهِ المدنيّ، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الإمام الحجة [٧] (ت ١٧٩) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٧٨. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المدنيّ الحجة الثبت الفقيه [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨. ٤ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر) بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﵂، تقدّمت في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم.

стр. 13257

شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﵁ (أنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ ) أي: من المدينة (عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، وكسرها؛ أي: في عام حجة الوداع، وهو العام العاشر من الهجرة النبويّة، سُمّيت بحجة الوداع؛ لأن النبيّ ﷺ وَدَّع الناس فيها، ولم يحجّ بعد الهجرة غيرها. وقال القرطبيّ ﵀: سُمِّيت بذلك؛ لأنه ﷺ لما خطب الناس وَدَّعهم فيها، وقال: "لعلي لا أحج بعد عامي هذ"، وقال: "ألا هل بلغتُ؟ " فقالوا: نعم، فقال: "اللَّهم اشهد"، وكذلك كان، فإنه ﷺ وجازاه عنا خيرًا - تُوُفِّي في ربيع الأول، في الثاني عشر منه - على أولى الأقوال وأشهرها - على رأس ثلاثة أشهر ونَيِّف من موقفه ذلك، ولم يحجّ في الإسلام غير تلك الحجة، وحجّ فيها بجميع أزواجه. انتهى (١). (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أي: أحرم بعضنا بعمرة، ومنهم عائشة ﵂ كما سيأتي. قال القاضي عياض ﵀: اختلفت الروايات عن عائشة ﵂ فيما أحرمت به، اختلافًا كثيرًا، فذكر مسلم من ذلك ما سيأتي - يعني قولها: "ولم أهلّ إلا بعمرة" - وفي رواية لمسلم أيضًا عنها: "خرجنا لا نَرَى إلا الحجّ"، وفي رواية القاسم عنها: "خرجنا مهلّين بالحجّ"، وفي رواية: "لا نذكر إلا الحجّ"، وكلّ هذه الروايات صريحة في أنها أحرمت بالحجّ، وفي رواية الأسود عنها: "نلبّي لا نذكر حجًّا، ولا عمرة". قال القاضي: واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة ﵁، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة، عن عائشة عندنا قديمًا، ولا حديثًا، وقال بعضهم: يترجّح أنها كانت محرمة بحجّ؛ لأنها رواية عمرة، والأسود، والقاسم، وغلّطوا عروة في العمرة، وممن ذهب إلى هذا القاضي إسماعيل، ورجّحوا رواية غير عروة على روايته؛ لأن عروة قال في رواية حماد بن زيد، عن هشام، عنه: حدّثني غير واحد أن النبيّ ﷺ قال لها: "دعي عمرتك"، فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها.

стр. 13258

قال القاضي ﵀: وليس هذا بواضح؛ لأنه يَحْتَمِل أنها ممن حدّثه ذلك. قالوا أيضًا: ولأن رواية عمرة، والقاسم نَسّقت عمل عائشة في الحجّ من أوله إلى آخره، ولهذا قال القاسم عن رواية عمرة: أنبأتك بالحديث على وجهه. قالوا: ولأن رواية عروة إنما أخبر عن إحرام عائشة، والجمع بين الروايات ممكن، فأحرمت أوّلًا بالحجّ كما صحّ عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحّ من فعل النبيّ ﷺ ، وأكثر أصحابِه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبي ﷺ أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، وهكذا فسّره القاسم في حديثه، فأخبر عروة عنها باعتمارها في آخر الأمر، ولم يذكر أول أمرها. قال القاضي: وقد تعارض هذا بما صحّ عنها في إخبارها عن فعل الصحابة، واختلافهم في الإحرام، وأنها أحرمت هي بعمرة، فالحاصل أنها أحرمت بحجّ، ثم فسخته إلى عمرة حين أُمر الناس بالفسخ، فلما حاضت، وتعذّر عليها إتمام العمرة، والتحلّل منها، وإدراك الإحرام بالحجّ، أمرها النبي بمكة ﷺ بالإحرام بالحجّ، فأحرمت، فصار مُدخلة للحجّ على العمرة، وقارنة. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن رواية عروة أنها أهلّت بالعمرة صحيحة؛ لأنها محمولة على آخر أمرها، بعد أمر النبيّ ﷺ بفسخ الحجّ إلى العمرة، وأما أول أمرها، فإنها ممن أحرم بالحجّ، فلا تعارض بين الروايات، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قولها: "فأهللنا بعمرة"؛ تعني: أنها هي أهلّت بعمرة مع غيرها من أزواج النبيّ ﷺ ، أو تكون النون للعظمة، وفيه بُعْدٌ، وقد أخبرت عن نفسها وحدها؛ إذ قالت: "فأهللت بعمرة"، و"كنت فيمن أهلّ بعمرة"؛ وهذا يعارضه قولها في الرواية الأخرى: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلّين بالحج"، وفي أخرى: "لا نرى إلا الحج".

стр. 13259

فاختلف العلماء في تأويل هذه الألفاظ المختلفة المضطربة؛ فمنهم من رجّح الروايات التي فيها: أنها أهلَّت بالحج، وغَلَّط من روى: أنها أهلَّت بعمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي (١). ومنهم من ذهب مذهب الجمع بين هذه الرّوايات، وهو الأولى؛ إذ الرواة لتلك الألفاظ المختلفة أئمة ثقات مشاهير، ولا سبيل إلى إطلاق لفظ الغلط على بعضهم بالوهم، فالجمع أولى من الترجيح إذا أمكن. فمما ذُكِر في ذلك: أنها كانت أحرمت بالحج ولم تسق الهدي، فلما أمر النبيّ ﷺ من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، فسخت فيمن فسخ، وجعلته عمرة، وأهلَّت بها، وهي التي حاضت فيها، ثم إنها لم تحلّ منها حتى حاضت، فأمرها النبيّ ﷺ أن تحرم بالحج، وتكون حينئذ مُردفة، فأحرمت بالحج، ووقفت بعرفة وهي حائض، ثم إنها طهرت يوم النحر، فأفاضت، فلما كملت مناسك حجها اعتمرت عمرة أخرى مع أخيها من التنعيم. قال: فعن تلك العمرة التي دخلت فيها بعد الفسخ عبَّر بعض الرواة: بأنها أحرمت بعمرة، وعلى ذلك يُحْمَل قولها: أهللت بعمرة؛ تعني بعد فسخها الحج، فلما كان منها الأمران صدق كل قول من أقوالها، وكل راو روى شيئًا من تلك الألفاظ. قال القرطبيّ ﵀: وَيَعتضد هذا التأويل بقولها في بعض رواياته: فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، قالت: فحلّ من لم يسق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي؛ فأحللن، وهذا فيما يبدو تأويل حسن، غير أنه يبعده مساق قولها أيضًا في رواية أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: "من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهلّ، ومن أراد أن يهلّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يهلّ بعمرة فليفعل"؛ قالت: فأهلّ رسول الله ﷺ بحج، وكنت فيمن أهلّ بعمرة، وظاهره: الإخبار عن مبدأ الإحرام للكل. وعلى هذا فيمكن التأويل على وجه آخر؛ وهو أن يبقى هذا الحديث على

стр. 13260

ظاهره، ويتأوَّل قولها: "لبّينا بالحج"؛ على أن ذلك كان إحرام أكثر الناس؛ لأنه لما أحرم النبيّ ﷺ بالحج اقتدى به كثير الناس في ذلك، وأما هي فإنما أحرمت بعمرة كما نصَّت عليه، وناهيك من قولها: "ولم أهلّ إلا بعمرة". وقولها: "خرجنا مع رسول الله ﷺ ، ولا نرى إلا أنه الحج"؛ يمكن أن يقال: كان ذلك منها، ومنهم قبل أن يخبرهم النبيّ ﷺ في أنواع الإحرام، ويبيّنها لهم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِل بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) قال القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه ﷺ أمرهم بالقرآن، فيكون قاله لهم عند إحرامهم، ويَحْتَمِل أن يكون قال ذلك لمن قد كان أحرم بالعمرة، فيكون ذلك أمرًا بالإرداف. انتهى (١). وقال القاضي عياض ﵀: الذي تدلّ عليه نصوص الأحاديث في "صحيحي البخاريّ ومسلم" وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما أن النبيّ ﵀ إنما قال لهم هذا القول - يعني قوله: من كان معه هدي … إلخ - بعد إحرامهم بالحجّ، وفي منتهى سفرهم ودُنُوّهم من مكة بسَرِف كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافهم بالبيت وسعيهم كما جاء في رواية جابر، ويَحْتَمِل تكريره الأمر بذلك مرتين في موضعين، وأن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. انتهى (٢). (ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا") لأنه ممنوع التحلل حتى يبلغ الهدي محله، قال القرطبيّ ﵀: هذا بيان حكم القارن، فإنه لا يحل إلا بفراغه من طواف الإفاضة، ويجزئه لهما عمل واحد عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة؛ إذ يقول: يعمل لهما عملين. وسيأتي قوله ﷺ لعائشة: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، وهو نصٌّ في الردّ عليه، وكذلك قولها: فأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافًا واحدًا. انتهى. وقال النوويّ ﵀: هذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجّ بها أبو حنيفة، وأحمد، وموافقوهما - يعني قوله: "ومن أحرم بعمرة، وأهدى

стр. 13261

فلا يحلّ حتى ينحر هديه" - على أن المعتمر، والمتمتّع إذا كان معه هدي، لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه إذا طاف، وسعى، وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء في الحال، سواء ساق الهدي، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تَحَلَّلَ من نسكه، فوجب أن يحلّ له كل شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ. وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي، فليُهلّ بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحل منهما جميعًا"، فهذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجوا بها، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا. انتهى كلام النوويّ بتصرّف. وقال الشوكانيّ ﵀ بعد أن ذكر نحو ما ذكره النوويّ من التأويل: ولا يخفى ما فيه من التعسّف. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الحنفية، والحنابلة من أن المعتمر إذا ساق الهدي لا يتحلّل حتى ينحر هديه هو الحقّ؛ لصحة الحديث بذلك، وتأويله على خلاف ظاهره تعسّف ظاهر، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ) سيأتي أنها حاضت بِسَرِف، وتمادى بها الحيض إلى يوم النحر (لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْت، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ) أي: لقوله ﷺ لها: "افعلي ما يفعل الحاجّ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". وقال القرطبيّ ﵀: إنما لم تطف بالبيت؛ لاشتراط الطهارة في الطواف، ولا بالصفا والمروة؛ لأن مشروعيته أن يكون على إثر طواف، وإنما امتنعت من ذلك لقول النبيّ ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". انتهى.

стр. 13262

(فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "انْقُضِي رَأسَكِ) بضم القاف؛ أي: حُلِّي شعره (وَامْتَشِطِي) أي: سرّحي شعرك بالْمُشْط (وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ) أي: مدخلةً له على العمرة، وحينئذ فتصير قارنةً بعد أن كانت متمتعة، وهو جائز بالإجماع، إذا كان قبل الطواف، وإنما فعلت ذلك؛ لأنه تعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها للحيض الطارئ المانع لها من الطواف، قاله وليّ الدين ﵀ (١). (وَدَعِي الْعُمْرَةَ") أي: اتركي أعمالها؛ لدخولها في عمل الحجّ، حيث كانت قارنة. وقال القرطبيّ ﵀: ظاهر هذا: أنه أمرها بأن تَرْفِض عمرتها، وتخرج منها قبل تمامها. وبهذا الظاهر قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوت الحج: أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تُرْدِف الحج، وتكون قارنة، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور. وقد حمل هذا أصحابنا: على أنه ﷺ . أمرها بالإرداف، لا بنقض العمرة؛ لأن الحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما شرعًا إلا بإتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات: (أحدها): أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها فيها كما رخص لكعب بن عجرة ﵁. (وثانيها): أن ذلك خاص بها، ولذلك قال مالك: حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا، قديمًا ولا حديثًا. (وثالثها): أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبَّدت، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر وتسريح الشعر، ويتايد بما في حديث جابر ﵁: أنه ﷺ قال لها: "فاغتسلي، ثم أهلي بالحج". وقد تركنا من التأويلات ما فيه بُعد، واكتفينا بما ذكرناه؛ لأنه أوفقها، والله تعالى أعلم.

стр. 13263

قال: فأما قوله: "ودعي العمرة"؛ فمحمول على ترك عملها، لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: "وأمسكي" مكان "ودعي"، وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله ﷺ لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"؛ وهذا نصٌّ على أن حكم عمرتها باقٍ عليها. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ. وخلاصة القول في المسألة أن الجمهور ذهبوا إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها أن تترك أعمال العمرة، من الطواف، والسعي، والتقصير، وأن تُدخل الحج على العمرة، فتكون قارنة، وليس المراد بترك العمرة إبطالها جملة، وإنما المراد ترك أعمالها، وإرداف الحج عليها، حتى تفسير قارنة، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وذهب الحنفية إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها بأن تخرج من إحرام العمرة، وتتركها باستباحة المحظورات من التمشيط، وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. والراجح ما ذهب إليه الجمهور، إذ لا يلزم من التمشيط وغيره الخروج من الإحرام، وإبطال العمرة. قال النوويّ: ولا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الشعر، والامتشاط جائزان في الإحرام على الراجح، بحيث لا ينتف شعرًا. ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذروة بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون امتشاط عائشة للعذر يحتاج إلى دليل، والظاهر أنه يجوز بدون عذر، والله تعالى أعلم. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالْمُشْط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحجّ، لا سيما إن كانت لبّدت رأسها كما هو السنّة، وكما فعله النبيّ ﷺ ، فلا يصحّ غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع

стр. 13264

شعرها، ويلزم من هذا نقضه. انتهى (١). وقال العلامة ابن القيّم ﵀: أما قوله: "وانقضي رأسك، وامتشطي" فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيها أربعة مسالك: [أحدها]: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. [المسلك الثاني]: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزم وغيره. [المسلك الثالث]: تعليل هذه اللفظة، وردّها بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. [المسلك الرابع]: أن قوله: "دعي العمرة" أي: دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها، قالوا: وبدلّ عليه وجهان: أحدهما: قوله: "يسعك طوافك لحجك، وعمرتك". الثاني: قوله: "كوني في عمرتك"، قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المسلك الرابع هو الأرجح، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ) عائشة ﵂ (فَفَعَلْتُ) أي: ما أمرها النبيّ ﷺ من ترك أفعال العمرة، والامتشاط، والإهلال بالحجّ (فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ) أي: أديناه بإتمام أعماله (أَرْسَلَني رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) تقدمت ترجمته في "الطهارة" ٩/ ٥٧٢. (إِلَى التَّنْعِيمِ) تفعيل بفتح التاء المثناة، وسكون النون، وكسر العين المهملة: موضع على ثلاثة أميال، أو أربعة من مكة، أقرب أطراف الحلّ إلى

стр. 13265

البيت، سُمِّي به لأن على يمينه جبل نُعيم - بضم النون - وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نَعمان - بفتح النون - قاله في "القاموس" (١). وقال في "الفتح": والتنعيم - بفتح المثناة، وسكون النون، وكسر المهملة - مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهيّ، وقال المحبّ الطبريّ: التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل، وليس بطرف الحلّ، بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحلّ فقد تجوّز، قال الحافظ: أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. ورَوَى الفاكهيّ من طريق عُبيد بن عمير قال: إنما سُمّي التنعيم -؛ لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم، والذي عن اليسار يقال له: منعم، والوادي نَعْمان. ورَوَى الأزرقيّ من طريق ابن جريج قال: رأيت عطاء يَصِفُ الموضع الذي اعتمرت منه عائشة ﵂، قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن عليّ بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة، وهو المسجد الْخَرِب. ونَقَل الفاكهيّ، عن ابن جريج وغيره أن ثَمّ مسجدين يزعم أهل مكة أن الْخَرِب الأدنى من الحرم، هو الذي اعتمرت منه عائشة، وقيل: هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء، ورجحه المحب الطبريّ، وقال الفاكهيّ: لا أعلم إلا أني سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. انتهى (٢). (فَاعْتَمَرْتُ) أي: أحرمت بها، وأديت أعمالها، قال القرطبيّ ﵀: هذا إنما كان بعد أن رَغِبت في أن تُحرِم بعمرة مفردة بعد فراغها من حجتها وعمرتها المقرونين بدليل قولها في الرواية الأخرى: "يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحجة"؛ تعني المتمتعين من الناس، وكما قالت في الرواية الأخرى: "فأهللت منها بعمرة جزاءً بعمرة الناس التي اعتمروا". انتهى (٣).

стр. 13266

وقال وليّ الدين ﵀: قد تبيّن في رواية أخرى في "الصحيح" سبب اعتمار عائشة ﵂ من التنعيم، وهو أنها قالت للنبيّ ﷺ : يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج، وهو مشكلٌ إذ قد حصلت لها العمرة التي أدخلت عليها الحج، فإنها لم تبطلها كما تقدم. وأجيب عنه بأن معناه: يرجع الناس بحج مفرد عن عمرة، وعمرة مفردة عن حج، وأرجع وليست لي عمرة منفردة، حَرَصَت بذلك على تكثير الأفعال، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهنّ من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة، وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصلت لهم حجة منفردة، وعمرة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، وتقدم أنه ﷺ قال لها يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"؛ أي: وقد تَمّا وحُسِبا لك، فابت، وأرادت عمرة منفردة كما حصل لبقية الناس، وهذا معنى قولها: امكان عمرتي التي سكتُّ عنها" أي: التي سكت عن أعمالها، فلم أتمها منفردة، بل مضمومة للحج، وهو معنى قوله ﷺ في رواية أخرى: "هذه مكان عمرتك". انتهى (١). (فَقَالَ) ﷺ ("هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ") قال الزركشيّ ﵀: المشهور رفع "مكانُ " على الخبر؛ أي: عِوَضُ عمرتك التي تركتها لأجل حيضك، ويجوز النصب على الظرف، وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره: هذه كائنة مكانَ عمرتك، أو مجعولة مكانها. انتهى (٢). وقال السهيليّ: الوجه النصب على الظرف؛ لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى، لكن إن جُعلت "مكان" بمعنى عِوَض، أو بدل مجازًا؛ أي: هذه بدل عمرتك جاز الرفع حينئذ. انتهى (٣).

стр. 13267

قال القرطبيّ ﵀: إنما قال لها هذا؛ لأنها لم تطب نفسًا بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا، كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالةَ تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحّة العمرة الْمُرْدَف عليها، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة؛ لِما قررناه، فتدبّره، وأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحجّ، ولم أحلل منها. انتهى (١). (فَطَافَ) أي: طواف العمرة (الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها، تعني الذين أفردوا العمرة عن الحجِّ (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ "طاف" (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ) أي: سعوا بينهما، قال القاري ﵀: الطواف يراد به الدور الذي يَشْمَل السعي، فصحّ العطف، ولم يُحتج إلى تقدير عامل، وجَعْلِه نظير: "علفتها تبنًا وماء باردًا" (ثُمَّ حَلُّوا) أي: خرجوا من العمرة بالحلق، أو التقصير، ثم أحرموا بالحج من مكة (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًاآخَرَ) أي: للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى) أي: إلى مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكيّ لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حُكي عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولًا للقدوم، ثم يطوف طوافًا آخر للحج، وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ إذ لم ينقل عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه ﷺ في حجة الوداع أنهم طافوا الطواف المذكور، والله تعالى أعلم الِحَجَّهِمْ) فيه أن المتمتّع عليه طواف لعمرته، وطواف لحجه بعد رجوعه من منى. (وَأمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أي: ابتداء، أو إدخالًا لأحدهما على الآخر (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) تعني أن الذين قرنوا بينهما اكتفوا بطواف

стр. 13268

واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجّ، وبهذا قال الجمهور، وهو الحقّ، وقال الحنفية: إن القارن عليه طوافان، وسعيان، وسيأتي تحقيق القول في ذلك - إن ضاء الله تعالى -. [تنبيه]: قيل: هذا الحديث بظاهره مشكل على الجميع؛ لأنه يدلّ على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم، والثاني: طواف الإفاضة، والثالث: طواف الوداع. وقد أجابوا عن ذلك، وأحسن ما رأيت في ذلك ما كتبه السنديّ في "حاشيته على البخاريّ": حيث قال: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين اللذين طافهما السابقون على أحدهما، إما الأول، وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين، الأول، والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمرر ﵄، ففي "صحيح مسلم" عنه: "وبدأ رسول الله ﷺ ، فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحجّ"، إلى أن قال: "وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة"، إلى أن قال: "ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، وطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى، وساق الهدي من الناس". ثم ذكر حديث عائشة ﵂ أنها أخبرت بمثل ذلك، قال: فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين. وقال أيضًا: قولها: "وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا"؛ أي: ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا، هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أوّلًا كان طواف القدوم الذي هو من السنن، لا من الفرائض، بخلاف الذين حلّوا، فإنهم طافوا أؤلًا فرض العمرة، ثم فرض الحجّ، فطافوا طوافين للفرض، ولم تُرِد أن الذين جمعوا ما طافوا أوّلًا حين القدوم، أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى، كما يفيده ظاهر الكلام، كيف والنبيّ ﷺ كان من الذين جمعوا على التحقيق، وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي البتّة، وقد ثبتٌ أنه طاف أوّلًا حين قدم، وطاف ثانيًا طواف الإفاضة، حين رجع من منى، بل لعله ما ثبتٌ أن أحدًا ترك الطواف

стр. 13269

عند القدوم، ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين، إلا بصفة الافتراض، فطواف من حلّ كان مرّتين فرضًا، وطواف من لم يحلّ كان مرة فرضًا، والله أعلم. والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحدًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي قاله السنديّ ﵀ في معنى حديث عائشة ﵂ عنها المذكور تأويل نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩١٠ و ٢٩١١ و ٢٩١٢ و ٢٩١٣ و ٢٩١٤ و ٢٩١٥ و ٢٩١٦ و ٢٩١٧ و ٢٩١٨ و ٢٩١٩ و ٢٩٢٠ و ٢٩٢١ و ٢٩٢٢ و ٢٩٢٣ و ٢٩٢٤ و ٢٩٢٥ و ٢٩٢٦ و ٢٩٢٧ و ٢٩٢٨ و ٢٩٢٩ و ٢٩٣٠ و ٢٩٣١ و ٢٩٣٢ و ٢٩٣٣ و ٢٩٣٤ و ٢٩٣٥] (١٢١١)، و (البخاريّ) في "الحيض" (٢٩٤ و ٣٠٥ و ٣١٦ و ٣١٧ و ٣١٩)، و"الحجّ" (١٥١٨ و ١٥٥٦ و ١٥٠٦ و ١٥٦١ و ١٦٣٨ و ١٦٥٠ و ١٧٠٩ و ١٠٧٢ و ١٧٨٣)، و (أبو داود) في "المناسك" (١٧٥٠ و ١٧٧٨ و ١٧٧٩ و ١٧٨١ و ١٧٨٢)، و (الترمذيّ) في "الحجّ" (٩٤٥)، و (النسائيّ) في "المناسك" (٥/ ١٦٥ و ٢٤٦)، و (ابن ماجه) في "المناسك " (٢٩٦٣ و ٢٩٨١ و ٣٠٠٠ و ٣٠٧٥)، و"الأضاحي" (٣١٣٥)، و (مالك) في "الموطّأ" (٧٤٦ و ٨٩٦ و ٩٤٠ و ٩٤١)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٧٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٤٠ و ٦/ ٣٥ و ٣٧ و ١١٩ و ١٦٣ و ١٧٧ و ٢٤٣ و ٢٤٥)، و (الدارمي) في "سننه" (١٨٤٦ و ١٩٠٤)، و (ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٣٤٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٠٥ و ٢٧٤٤ و ٢٧٨٤ و ٢٧٨٨ و ٢٧٨٩ و ٢٩٤٨)، و (ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٧٩٢ و ٣٧٩٥ و ٣٨٣٤

стр. 13270

و ٣٨٣٥ و ٣٩١٢ و ٣٩١٧ و ٣٩١٨ و ٣٩٢٧ و ٣٩٢٨ و ٣٩٢٩ و ٣٩٤٢)، و (أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٠٢ و ٣٠٣)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٥٥)، و"المعرفة" (٤/ ٩٥ و ١٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (فمنها): بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحج أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة. ٢ - (ومنها): مشروعية حج الرجل مع زوجته. ٣ - (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله. ٤ - (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال بالحجّ. ٥ - (ومنها): أن فيه جواز الخلوةَ بالمحارم، والركوب معهم، وسيأتي في رواية أخرى: أنه أردفها وراءه. ٦ - (ومنها): أنه ﷺ إنما أمره بإخراجها في العمرة إلى التنعيم؛ لأنه أدنى الحل، ومن كان، بمكة وأراد الإحرام بعمرة فميقاته لها أدنى الحل، ولا يجوز أن يحرم بها في الحرم، والمعنى في ذلك الجمع في نسك العمرة بين الحل والحرم، كما أن الحاج يجمع بينهما، فإنه يقف بعرفات، وهي من الحلّ، ثم يدخل مكة للطواف وغيره، فلو خالف وأحرم بها في الحرم، ثم خرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى وحلق ففيه قولان للشافعي: أحدهما: لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف ويسعى ويحلق. والثاني: تصحّ، وعليه دم؛ لتركه الميقات، وهذا الثاني هو الأصح عند أصحابنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى الحل، وقال عطاء بن أبي رباح: لا شيء عليه، ذكره وليّ الدين ﵀ (١).
следующие страницы →